Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والثلاثون وخمسمائة يدعو فمن تدعوه أو من تَقْصِدُ فإذا علمتَ بأنه عَيْنُ الذي أَنَّ الدعاء هو الحجابُ الأَبْعَدُ فادعوه أمراً لا تكُنْ ممن يَرَى اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله تعالى ما أخبر نبيه وَله بقربه من السائلين من عباده بالإجابة فيما يسألونه فيه إلا وقد ساوانا في العلم بالله من هذا الوجه، ولو كان هذا القرب الإلهي في الإجابة قربه في المسافة التي ذكر عنها أنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد لاكتفى، وذلك لأنه لا يلزم من هذا القرب السماع، كما لا يلزم من السماع في السؤال الإجابة، فحصل من الفائدة بهذا التعريف ثلاثة أمور: القرب والسماع والإجابة، فلم يترك لعبده حجة عليه بل ﴿فَلِلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فإذا أقيم العبد في هذا الذكر فأول ما ينتج له الزهد فيما سوى الله فلا يتوسل إليه بغيره، فإن التوسل إنما هو طلب القرب منه، فقد أخبرنا الله تعالى أنه قريب فلا فائدة لهذا الطلب وخبره صدق، ثم أخبر أنه يجيب سؤال السائلين فهو إخبار بأن بيده ملكوت كل شيء، وأخبر بالإجابة ليتحفظ السائل ويراقب ما يسأل فيه لأنه لا بد من الإجابة، فقد يسأل العبد فيما لا خير له فيه لجهله بالمصالح، فهو تنبيه من الله وتحذير أن لا يسأل إلا فيما يعلم أن له فيه الخير الوافر عند الله في الدنيا والآخرة، فمن أخذ هذا الذكر على جهة التنبيه فلم يسأل الله تعالى في حاجة من حوائج الدنيا على التعيين ولكن يسأل فيما له فيه خير مما يعلمه الله مبهماً لا يعين، فإذا عين ولا بد فليسأل فيه الخيرة وسلامة الدين. وأما تعيينه في السؤال فيما يرجع إلى أمر الدين فليعين ما شاء ولا مكر فيه ولا غائلة، وكذلك ما يسأل فيه مما يتعلق بالآخرة، ولكن هنا شرط أبينه في هذا الذكر من أجل ما نرى في الوقائع من عدم الإجابة لأكثر الناس فيما يسألون فيه ربهم، فاعلم أن الله أخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وما دعاؤه إياه إلا عين قوله حين يناديه باسم من أسمائه فيقول: يا ألله أو يا رب أو رب أو ياذا المجد والكرم وما أشبه ذلك، فالدعاء نداء وهو تأيه بالله، فإجابة هذا القدر الذي هو الدعوة وبها سمي داعياً أن يلبيه الحق فيقول: لبيك فهذا لا بد منه من الله في حق كل سائل، ثم ما يأتي بعد هذا النداء فهو خارج عن الدعاء وقد وقعت الإجابة كما قال، فيوصل بعد النداء من الحوائج ما قام في خاطره مما شاءه، فلم يضمن في هذا الذكر إجابته فيما سأل فيه ودعاه من أجله، فهو إن شاء قضى حاجته وإن شاء لم يفعل، ولهذا ما كل مسؤول فيه يقضيه الله لعبده وذلك رحمة به فإنه قد يسأل فيما لا خير له فيه، فلو ضمن الإجابة في ذلك لوقع ويكون فيه هلاكه في دينه وآخرته، وربما في دنياه من حيث لا يشعر، فمن كرمه أنه ما ضمن الإجابة فيما يسأل فيه وإنما ضمن الإجابة في الدعاء خاصة كما بيناه، وهذا غاية الكرم من السيد في حق عبده حيث أبقى عليهم. ثم إن هذا الذكر إذا أنتج له سماع الإجابة الإلهية فإنه لا بد لصاحب هذا الذكر أن يسمع الإجابة ولكن ذوقهم في السماع مختلف، فقد يكون إسماع واحد غير إسماع الآخر، ولكن لا بد من علامة يعطيها الله لهذا الذاكر يعلم بها أنه قد أجاب دعاءه، ومعلوم أنه أجاب دعاءه وإنما أريد أنه يعلمه أن الذي سأل فيه قد قضي، وإن تأخر وأعطي بدله على طريق ٢٦٢ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والثلاثون وخمسمائة العوض لما له في البدل من الخير، وقد يكشف له عن خواص الأحوال والأزمنة والأمكنة التي توجب قضاء حاجة الداعي فيما سأل فيه وإن لم يكن له فيه خير ويعود وباله عليه، فيكون ممن جنى على نفسه فإذا كشف الله له مثل هذا يتحرّز في الدعاء وفيما يدعو فيه، وكذلك يكشف له بخاصية ما يدعو به من الأسماء والكلمات، ألا ترى ابن باعورا وكان قد آتاه الله العلم بخاصية آية من آياته فدعا بها على موسى عليه السلام وقومه فأجابه الله فيما دعا فيه وشقي هو في نفسه وسلب الله عنه علم ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] الآيات، وجعل مثله كمثل الكلب، فيكشف الله لصاحب هذا الذكر علم هذا عناية منه به، فإن في ذلك مكراً إلهياً من حيث لا يشعر، ولا سيما والنفس مجبولة على حب الشفوف على أبناء الجنس وإظهار قدرها عند الله، ولهذا أكابر الأولياء أخفياء أبرياء لا ترى عليهم من أثر المكانة والتقريب ما تحتد من أجله أبصار الخلق إليهم بل لا فرق بينهم وبين العامة، والذين ملكتهم الأحوال لهم خرق العوائد والظهور، ولكن لا يفي ذلك بما فيه من المكر والاستدراج فإنه في غير موطنه ظهر ممن لا يجب عليه الظهور به وهو الولي، وأصعب ما في الأمر أن يذوق في ذلك طعم نفسه فإن صاحبه لا يفلح أبداً ولو صرف الكون والعالم على حكمه، فإذا سألتم الله فاسألوه التوفيق والعافية والعناية في تحصيل السعادة ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فإن العلم يأبى إلا السعادة، فإن الله ما أمر نبيه بطلب الزيادة منه إلا وقد علم أن عين حصول العلم المطلوب هو عين السعادة ما فيه مكر ولا استدراج أصلاً، وما هو إلا العلم بالله خاصة لا العلم بالحساب والهندسة والنجوم، ولو علم ذلك لكان علم دلالة على علم بالله، فلم يعطه الله ذلك للوقوف عنده، فهذا ذكر عظيم الفائدة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] [نظم: الوافر] فذاك بشارةُ الرَّبّ الكَريم إذا هُيِّئْتَ للخُلُقِ العَظِيمِ بآيات العناية للعليم أتاك بها رسولُ الحال يسعى كما قام الحديثُ من القديم فقُمْتَ بها مقامَ الحَقِّ فيها وكُنْتَ الوَجْهَ بِالخُلُقِ العظيمِ فحُقَّ لك الثناءُ بكل وَجْهٍ يَزَلْ ندعوه بالبرّ الرَّحيم فأنت الوارثُ الفَردُ الذي لم لك العلمُ الذي ما فيه رَيْبٌ فتُدْعَى بالخليل وبالنديم أتتك به مؤاخاةُ الكليم وتدعى بالحميم وبالقسيم هذه الآية تليت علينا تلاوة تنزل إلهي من أول السورة إلى قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] عرفنا الحق في هذه التلاوة المنزلة من عند الله في المبشرة التي أبقى الله علينا من الوحي النبوي وراثة نبوية لله الحمد ورثته فيها من قوله: ﴿وَلَا تَكُ فِ ضَيْقٍ مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ ٢٦٣ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس والثلاثون وخمسمائة [النحل: ١٢٧] وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنََّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضِ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] فشكرت الله على ما حققني به من حقائق الورث النبوي، وأرجو أن أكون ممن لا ينطق عن هوى نفسه جعلنا الله منهم، فإن ذلك هو عين العصمة الإلهية، فإذا أراد الله بصاحب هذا الذكر خيراً ألهمه لحديث عائشة في رسول الله ◌َ﴿ لما سئلت عن خلق رسول الله وَلَّ فقالت: ((كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ)) تريد هذه الآية، وكل شيء عظمه الله يتعين تعظيمه على كل مؤمن، فينظر صاحب هذا الذكر في القرآن، فكل نعت فيه قد مدحه الله ومدح به طائفة من عباده كانوا ما كانوا، فيعلم أن ذلك صفة مدح إلهي فليعمل على الاتصاف بتلك الصفات، وإذا ذكر الله في القرآن صفة ذم بها طائفة من عباده كانوا ما كانوا تعين عليه اجتنابها فيأخذ القرآن منزلاً فيه كأن الحق ما خاطب به غيره فإذا فعل مثل هذا كان خلقه القرآن، وعظمه الحق فعظم حيث تنفع العظمة، ومكارم الأخلاق معلومة عقلاً وعرفاً، والتصرف بها وفيها معلوم شرعاً، فمن اتصف بها على الوجه المشروع وزاد تتميم مكارم الأخلاق وهو إلحاق سفسافها بها فتكون كلها مكارم أخلاق بالتصرف المشروع والمعقول، فقد اتصف بكل ثناء إلهي وصاحب هذا الذكر يفتح له في معاني آيات السورة التي نزل فيها على أكمل الوجوه، ولا يزال محسوداً وبالعداوة مقصوداً وينكشف له أمر الآخرة عياناً، ومن هذه السورة علم رسول الله وَ الر علم الأولين والآخرين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] [نظم: الكامل] هم أهْلُ كل فضيلة في العَالَمِ الذّاكرون بكُلّ حال رَبَّهُمْ فهُمُ الملوكُ على الوجود الدائم لا يشهدون سواه في أعيانهمْ في راقد أو قاعد أو قائم قاموا بحَقّ الله لا بحقوقهم هذا المقامُ من الإلهِ الحاكم حازوا الكمالَ فلم يكن لسوَاهُمُ بوجودهم ووجود كل العالَمِ لَهُمُ التَّفَكُّرُ فِي تَعَلُّقِ وَضْفِهِ اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الأصل في الخلق حالة الرقاد حتى يكون الحق يقيمه، إما لجلوس فينال نصيباً من الرحمة قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وإما لقيام فينال نصيباً من آية قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِؤُّ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] يقول الله تعالى: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] واختلف العلماء من أصحابنا في التخلق بالقيومية هل يصح أو لا؟ فعندنا أنه يصح التخلق بها مثل جميع الأسماء، وقال الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ﴾ ٢٦٤ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس والثلاثون وخمسمائة [النساء: ٣٤] ولقيت أبا عبد الله بن جنيد لما جاء إلى زيارتنا بإشبيلية فسألته في ذلك فقال: يجوز التخلق بها يعني بالاسم القيوم، ثم منع من ذلك وما أدري ما سبب منعه يقول الله تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وكان هذا أعني أبا عبد الله بن جنيد القبرفيقي ضيعة من أعمال رندة ببلاد الأندلس فلم أزل به ألاطفه في أصحابه وأتباعه بقريته لكونه كان معتزلي المذهب حتى انكشف له الأمر فرجع عن مذهب الاعتزال القائلين بإنفاذ الوعيد وبخلق الأفعال وعرف محل ذلك فأنزله في موضعه ولم يتعدّ به رتبته وشكرني علی ذلك ورجع لرجوعه جميع أصحابه وأتباعه وحينئذٍ فارقته. فهذا ذكر الأحوال لا يقف عند ذكر خاص وإنما هو بحسب الحال، ومن حاز هذه الأحوال الثلاثة فقد حاز الوجود، فالآية التي تعمّ جميع الأحوال في الذكر قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] هذا هو الذكر العام الذي يعمّ جميع الأحوال، وبقي ذكر التخصيص فذكر القائم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه: ٥] وذكر القاعد: ﴿ءَأَمِنْثُم مَّنْ فِىِ السَّمَِّ﴾ [الملك: ١٦] وذكر الجنب: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وهذا كله فيه خلاف أعني في تأويله بين العلماء، فاجمع همك على أمر واحد حتى يزول عنك التبديد، فإن شئت راقبت ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى اُلْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ وإن شئت راقبت ﴿َأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَِّ﴾ وكونه في السماء يقول: هل من تائب؟ هل من مستغفر؟ هل من داع؟ وإن شئت راقبت وهو الله في السموات وفي الأرض ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ وإن كان طعامك ثريداً فراقب ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ وكينونتنا نعم حساً، ومعنى فبالحس حيث نحن من الأرض وحيث نحن فيه من الشغل بالجوارح، ومعنى حيث كنا بالهمم والمقاصد والخواطر فنشهده في الشغل فاعلاً وفي القصد قاصداً أيضاً فنعكس الأمر فنكون بحيث هو فإنا بحيث ما نحن عليه وليس إلا هو : [الوافر] وكُنْ في أكمل الحالات تَرْشُدْ فكُنْ في أحسَنِ الهيئات تَسْعَدْ تكن في حُكْم من يقضي فيُقْصَدْ وكن بالحال لا بالقَوْلِ فيه وهذا القدر من الإيماء نصيحة إلهية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان هجيره: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اَلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] [نظم: البسيط] وأنت حارثُهُ والرزقُ مَقْسُومُ الحَرْثُ حَرْثَان محمودٌ ومذمومُ فإن حَرَثْتَ لها فأنت مذمومُ لا تَخْرُثَنَّ لدنيا أنت تتركُها واخرُثْ لباقية فالأمرُ مفهومُ لا تَخْرُثَنَّ لما يَفْنَى فلست له تزول عنك فمكرُ الله معلومُ واحذَرْ من الرَّكْنِ لا تَرْكَنْ لفانية ٢٦٥ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس والثلاثون وخمسمائة فلا تَثِقْ بوجود فهو معدومُ من حيث عِلْمُك يأتيك الإله به كمثل من هو بالخيرات مَوْسُومُ واخرُث لآخرة إن كنت ذا نَظَرٍ قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةٍ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] والحسنة حرث الآخرة في الدنيا ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرّثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْيِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] فنوفقه للعمل الصالح، فلا يزال ينتقل من خير إلى خير في خير فمن حسنة إلى حسنة، فإذا كسب الآخرة نال ما اقتضاه العمل والزيادة ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهو ذوق. فهذه زيادة الحرث في الآخرة فينال في الآخرة جميع أغراضه كلها وزيادة ما لم يبلغه غرضه، سألت بعض الشيوخ من أهل العلم ما الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فقال لي: الزيادة ما لم يخطر بالبال فعلمت ما أراد فلم أزده، وحرث الدنيا ليس كذلك فإنه منزل لا يمكن في وضع مزاجه أن ينال أحد فيه جميع أغراضه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ولقد حرص بعمه أبي طالب أن يؤمن فلم يفعل ونفذت فيه سابقة علم الله وحكمه، فهذا يقتضيه حال هذه الدار، كما أن الآخرة يقتضي حالها نيل جميع الأغراض من غير توقف، وأعني بالآخرة الجنة ومن دخلها، لا أريد يوم الحشر لأن الله يقول في الأشقياء: ﴿فَمَا نَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وأن القيامة أحكامها مقصورة عليها علمنا ذلك كشفاً وإيماناً، وأعلم تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُقَزِلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] فإذا كان في الآخرة عاد الحكم فيما تحوي عليه هذه الخزائن التي عند الله إلى العبد العارف الذي كمل الله سعادته فيدخل فيها متحكماً فيخرج منها ما يشاء بغير حساب ولا قدر معلوم، بل يحكم ما يختاره في الوقت، وهو أن المسعود في الآخرة يعطى التكوين ويكشف له عن نفسه أنه عين الخزانة التي عند الله فإنه عند الله. فكل ما خطر له تكوينه كوّنه فلا يزال في الآخرة خلافاً دائماً فارتفع التقدير فهو يتبوأ من الجنة حيث يشاء لا حيث يمشى به، فإنه في الجنة ارتفع عنه الافتقار العرضي إلى الأشياء، وما بقي عنده إلا الفقر إلى الله خاصة، وإنما ارتفع عن المسعود الافتقار العرضيّ لما فيه من الذلة والانكسار والحاجة، والجنة ليس بمحل لذلك فإن محل ذلك عموماً في الدنيا ومحله في الآخرة النار، وكذلك الذلة فإن الحق لا يتجلى لهم قط في الاسم المذل فلا يذلون أبداً، وكذلك لا يتجلى لهم في الاسم العزيز من الوجه الذي لو تجلى لهم فيه لذلوا، وإنما يكسوهم الله حلة العزة به على الأمور التي يكونونها لا على أهليهم ولا على من عندهم، فلا سلطان لهم ولا عز إلا فيما يتكوّن عنهم ولا يتكوّن عنهم شيء إلا منهم، فيشهدون الأمر قبل تكوينه، فيتعلق بهم إرادة تكوين ذلك الأمر فعين التعلق عين كينونته، وما يتأخر عنه فأمره أسرع من لمح البصر، فانظر في هذا المنزل ماأعطاك فيه هذا الذكر من الفوائد الجمة الإلهية، واعلم أن للدنيا أبناء وللآخرة أبناء وللمجموع أبناء، وما نبه غيرنا على أبناء المجموع، فالسعيد من جمع بين البنوتين فهو الوارث المكمل، وهو القريب البعيد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . ٢٦٦ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع والثلاثون وخمسمائة الباب السابع والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان هجيره: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَالَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وهذه [نظم: السريع] أُدَارِي أهلَ الأرضِ بالأرضِ رأيتُ في واقعتي أنَّني ترفعُهم عن عالم الخَفْضِ لأنهم ليست لهم هِمَّةٌ يَفْصِلُ بين الأمر والعَرضِ فهم حَيَارَى ما لهم فاصلٌ يُقام في السُّنَّةِ والفَرضِ لم يَخْشَ خَلْقَ الله إلا الذي قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىِ أَزْوَجِ أَدْعِيَابِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] اعلم أن الرجل الكامل واقف مع ما تمسك عليه المروءة العرفية حتى يأتي أمر الله الحتم فإنه بحسب ما يؤمر، فإن كان عرضاً نظر إلى قرائن الأحوال، فإن كانت قرينة الحال تعطيه حكم الأمر الحتم بادر إلى القبول مبادرته إلى الأمر الحتم الذي لا يسعه خلافه، وإن كانت قرينة الحال تحيره بقي على الأمر العرفي الذي يشهد له بمكارم الأخلاق ولذلك قال: ﴿َّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيْنُّ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فهو واقف مع حكم الله، وهكذا المؤمن الكامل الإيمان ما هو مع الناس وإنما هو ما يحكم الله به عليه على لسان رسوله وَّلجر الذي بالإيمان به وَّر ثبت الإيمان له، فإن النبي ◌َّلل يقول في حق من يؤمن بالله ويؤمن بي وبما جئت به وما بعثه الله تعالى إلا ليتمم مكارم الأخلاق، فأحواله كلها مكارم أخلاق هو مبين لها بالحال وهو أتم وأعدل وأمضى في الحكم من القول فإن الحق : [مخلع البسيط] وما لنا نَخْوَهُ عُرُوجُ له نُزُولٌ إلى عبَادِهِ يجهلُه العالم المَرِيجُ فإنه لم يَزَلْ عليَاً فلا وُلُوجٌ ولا خُرُوجُ من ليس في حَيْزِ تَراهُ يصحُ فيه لنا الوُلُوجُ ونحن في حَيِّزٍ ووَقْتٍ من كل شيءٍ زوجْ بَهِيجُ لاح بأرض الجسوم عنه فنسبة المؤمن الكامل والرسول إلى الخلق نسبة ليلة القدر إلى الليالي، وما أراد بألف شهر توقيتاً بل أراد أنها خير على الإطلاق من جميع ليالي الزمان في أي وجود كان: [مخلع البسيط] فأنت خَيْرٌ مِنَ الْفِ شَهْر إذا بَدَا فيك كلُّ أمْر يُذْهِبُها منك نُورُ فَجْرٍ في ليلة ما لها صباح يا ليلةَ القَدْر فيك قَذْري ما الرُّوحُ في كونها سِوَائي يُنَزّلُ الحقُّ كُلَّ أمْرٍ في ليلة القدر من وجودي فكان مما نزل: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وما جعله في ذلك إلا ٢٦٧ في. هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والثلاثون وخمسمائة قوله وَّه: ((لَوْ كُنْتُ أَنَا بَدَلَ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيّ)) يعني داعي الملك لما دعاه إلى الخروج من السجن فلم يخرج يوسف حتى قال: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني العزيز الذي حبسه ﴿فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ليثبت عنده براءته، فلا تصح له المنة عليه في إخراجه من السجن ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] إذ لو بقي الاحتمال لقدح في عدالته وهو رسول من الله فلا بد من عدالته أن تثبت في قلوبهم، فلذلك كانت الخشية حتى لا ترد دعوة الحق، فابتلى الله نبيه وليه بنكاح زوجة من تبناه، وكان لو فعله عند العرب مما يقدح في مقامه وهو رسول الله فأبان الله لهم عن العلة في ذلك وهو رفع الحرج عن المؤمنين في مثل هذا الفعل، ثم فصل بينه وبينهم بالرسالة والختم فكان من الله في حق رسول الله ◌َّ ما كان من يوسف حين لم يجب الداعي، فهذا من هدى الأنبياء الذي قال فيه لرسوله وَلو حين ذكر الأنبياء عليهم السلام: ﴿ أُوْلَِّكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] فلو كان رسول الله وَّر في الحال الذي كان فيه يوسف عليه السلام ما أجاب الداعي ولقال مثل ما قال يوسف فما قال: لو كنت أنا لأجبت الداعي إلا تعظيماً في حق يوسف كما قال: نحن أولى بالشك من إبراهيم، ولم يكن في شك لا هو ولا إبراهيم من الشك الذي يزعمونه الذي نفاه رسول الله وَّلر، فإنه لو شك إبراهيم لكان محمداً أولى بالشك منه فإنه مأمور أن يهتدي بهداهم، فالرسل والمؤمنون الكمل ما هم واقفون مع ما يعطيهم نظرهم، وإنما يقفون مع ما يأتيهم من ربهم، والذي يأتيهم من الله قد يكون كما قلنا أمراً وعرضاً، فالأمر معمول به ولا بد، وفي العرض التخيير كما قررنا، وأما حالهم في معرفتهم بالله فكما قلنا في قصيدة لنا: [البسيط] إلا على أحَدٍ لا يعرف الأَحَدَا معارفُ الحَقِّ لا تَخْفَى على أحَدٍ وكما قلنا: [الطويل] فما ذاك إلا الوهمُ ما ذلك العِلْمُ إذا كان مَشْهُودي هو انكَيْفُ والکُمْ بما هو عينُ الأمر في عين ذاته فما هو حَقّ في الحقيقة واضح تَنَزَّهت بي عن لم وكيف وكم وما وهل ثَمَّ موجودٌ يصحُّ فإن تَزِد بذاك أتى القرآن إن كنت ناظراً وهل يَتَجَلَّى الحقُّ فيما له كُمُّ ولكنه حَقٌّ عليه بنا خَتْمُ وهل عَيْنُ لَفْظٍ قد يكون له الحُكُمُ فما زِذْتَ إلا ما يكوّنُهُ الوَهْمُ كما قد أتى للمؤمنين به الفَهْمُ فهذا ذكر حكيم يعطي من عوارف المعارف والآداب ما لا يسعه كتاب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] [نظم: البسيط] من غير موت ولا يدري بـه أحَدُ المُسْتَقِيمُ الذي قامتْ قِيَامَتُهُ ٢٦٨ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثامن والثلاثون وخمسمائة من الخلائق لا أهلٌ وَلاَ ولدُ وليس يصرفُه عن أمر خالقه إلا الإلهُ الذي إليه يُسْتَنَدُ وما له في وجود الكون مُسْتَنَدْ إليه يَرْفَعُ من في الكون حاجَتَهُ لأنه السيِّدُ المحسانُ والصَّمَدُ يدري بذلك سَبَّاقٌ ومقتصدُ هو المهيمنُ لا تُخْصَى عوارفُهُ قال رسول الله وَله: ((شَيْبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا) من كل سورة فيها ذكر الاستقامة فإنه والمؤمنين مأمور بها والحكم للعلم لا للأمر وما الله بظلام للعبيد فإنه ما علم تعالى إلا ما أعطته المعلومات، فالعلم يتبع المعلوم، ولا يظهر في الوجود إلا ما هو المعلوم عليه ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ومن لم يعرف الأمر هكذا فما عنده خبر بما هو الأمر عليه، فالإنسان جاهل بما يكون منه قبل كونه، فإذا وقع منه ما وقع فما وقع إلا بعلم الله فيه، وما علم إلا ما كان المعلوم عليه فصح قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] والرضا إرادة فلا تناقض بين الأمر والإرادة، وإنما النقض بين الأمر، وما أعطاه العلم التابع للمعلوم فهو فعال لما يريد، وما يريد إلا ما هو عليه العلم، وما لنا من الأمر الإلهيّ إلا صيغة الأمر وهي من جملة المخلوقات في لفظ الداعي إلى الله تعالى فهي مرادة معلومة كائنة في فم الداعي إلى الله فتنبه واعتبر ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فمن ازداد علماً ازداد حكماً، فانظر فيما أمرت به أو نهيت عنه من حيث إنك محل لوجود عين ما أمرت به أو نهيت عنه من حيث إنك محل لوجود عين ما أمرت به، فمتعلق الأمر عند صاحب هذا النظر أن يهيىء محله بالانتظار، فإذا جاء الأمر الإلهي الذي يأتي بالتكوين بلا واسطة فينظر أثره في قلبه أولاً فإن وجد الإباية قد تكوّنت في قلبه فيعلم أنه مخذول وأن خذلانه منه لأنه على هذه الصورة في حضرة ثبوت عينه التي أعطت العلم الله به، وإن وجد غير ذلك وهو القبول فكذلك أيضاً، فينظر في العضو الذي تعلق به ذلك الأمر المشروع أن يتكوّن فيه من أذن أو عين أو يد أو رجل أو لسان أو بطن أو فرج، فإنا قد فرغنا من القلب بوجود الإباية أو القبول، فلا نزال نراقب حكم العلم فينا من الحق حتى نعلم ما كنا فيه فإنه لا يحكم فينا إلا بنا كما قلنا: [الرمل] أيها البدرُ سناءً وَسَنَا أيها العَذْبُ الثَّجَنِي والجَنَا فاخكُم آنْ شئتَ علينا أو لنا نحن حَكَّمْنَاكَ في أنْفُسِنَا عين مَا تَحكُمُهُ فينا بنا فإذا تَخكُمُ فينا إنما ومن كان هذا حاله في مراقبته وإن وقع منه خلاف ما أمر به فإنه لا يضره ولا ينقصه عند الله إفضالاً من الله لا تحكماً عليه عز وجل، فإن المراد قد حصل الذي يعطي السعادة وهو المراقبة لله في تكوينه، وهذا ذوق لا يمكن أن يعلم قدره إلا من كان حاله، وهذا هو عين سر القدر لمن فهمه، وكم منع الناس من كشفه لما يطرأ على النفوس الضعيفة الإيمان من ذلك، فليس سر القدر الذي يخفى عن العالم عينه إلا اتباع العلم المعلوم، فلا شيء أبين منه ٢٦٩ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب التاسع والثلاثون وخمسمائة ولا أقرب مع هذا البعد، فمن كان هذا حاله فقد فاز بدرجة الاستقامة وبها أمر فإنه أمر بالمراقبة: [مخلع البسيط] فيَتْبَع الحكم ما يكونُ والصَّعْبُ من ذلكم يَهُونُ ولذلك لم يكن شيب رسول الله ◌َو بالكثير وإنما كان شعرات معدودة لم تبلغ العشرين متفرقة وقال: ((شَيئَّبَثْنِي)) فلولا هذا الخاطر ما شاب رسول الله وَّر، فلما تبين له الأمر كما قررناه وقف عنه الشيب ولم يقم به هم وعلم من أين وقع ما وقع فاستقام كما أمر، فالله يهدينا صراط من أنعم عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] [نظم: الرمل] والذي فَرَّ من الرحمُن خَابْ كُلُّ من فَرَّ إلى الله أَصاب وإليه وحَلاَ فيه وَطَابْ اسْتَوَى عَيْشُ الذي قَرَّ به عَيْنَهُ حين تجلَّى في السراب لو تَرَى حَالَ الذي أشْهَدَهُ خارجاً والساقي من خلف الحِجَاب لرَأَيْتَ الرِّيَّ من أرجائه لم يَزَلْ صاحبَ كأس وشراب كان ظماناً فلمّا جاءه إنما كان وُجُودٌ ثم غاب والذي خالف فيه ما أصاب لم يَجِدْهُ ماءَ مُزْنٍ سائغاً ما حياةُ الماء إلا عَيْنُهُ موسى عليه السلام لما فر من فرعون حين خاف من الله أن يسلطه عليه لأن الله فعال لما يريد، فوهبه الله حكماً وهي الرسالة فجعله من المرسلين إلى من خاف أن يسلط عليه وهو فرعون، فإذا أنتج له هذا الفرار من المخلوق خوفاً على نفسه فأين أنت من المحمدي الذي أمرك أن تفر إلى الله، فقيدك بحرف الغاية في القصد الأوّل فربط لك البداية بالنهاية فقال لنا: ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] فالموسوي يفر من والمحمدي يفر إلى عن أمر الله تعالى إياه بذلك الفرار، فما أكمل شرعه وما أعلى رتبته والحكم منقطع والرسالة منقطعة، ولذلك قال رسول الله وََّ: ((إنَّ الرَّسَالَةَ وَالثُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلا نَبِيَّ)) فيزول الحكم المشروع بزوال الدنيا، ويرجع الحكم إلى الله الذي نفر إليه بلا واسطة، فالذي ينتج الفرار إليه لا يقدر قدره فإنه كشف محمدي يربي على كشف الرسل من حيث هم رسل عليهم السلام فيثبتهم هذا الفار في أماكنهم، ويجوز بكشفه فوق رتبة خطاب التكليف فيرى أحدية العين فيقف معها، ومنها يستشرف على أحدية الكثرة فيرى أيضاً نفسه هناك معهم في أحدية الكثرة فيأمرها على بينة من ربه وبصيرة أن تنتظم في سلك المكلفين، فتنصرف النفوس المحسوسة هنا من هؤلاء الفارين إلى الله عن أمرهم فتراهم معصومين محفوظين، فالرسل منهم ٢٧٠ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الموفي أربعين وخمسمائة معصومون في خلافهم، والأولياء محفوظون في خلافهم، فللرسل التشريع وللأولياء الانفعال بحسب ما يشهدونه هنالك، فيكون في خلافهم على بصيرة ولا يدعون إليه وإنما يدعون إلى الله كما تفعل الرسل عليهم السلام، قال الله تعالى لنبيه أن يقول: ﴿أَدْعُوّا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِىّ﴾ [يوسف: ١٠٨] فما أفرد نفسه بل ذكر أتباعه معه فإنهم لا يكونون أتباعه إلا حتى يكونوا على قدمه فيشهدون ما يشهد ويرون ما يرى، فخذوا من العلماء بالله الدعاة إلى الله ما يقولون، ولا تنظروا إلى أفعالهم وأحوالهم فإنهم على ما عين الحق لهم غير ذلك لا يكون، قال بعض الصالحين في جلسائهم: من جالسهم وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نور الإيمان من قلبه، فليس لجلسائهم أن يفعلوا مثل أفعالهم، وإنما عليهم أنهم لا ينازعونهم فيما يظهر عليهم من علم الحقيقة فإن أحوالهم تجري عليها ولذلك: قال نزع الله نور الإيمان من قلبه فلا يصدقهم فيما يخبرون به عن الحق وهم بهذه المثابة من القرب من الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الموفي أربعين وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبِّرُواْ حَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرً لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] [نظم: البسيط] واجْنَحْ إلى السَّلْم لا تَجْنَحْ إلى الحَرَبِ ارْكُنْ إلى الله لا تَرْكُنْ إلى السَّبَبِ يأتيك سَهْلاً بلاكَدٍّ ولا نَصَبٍ فانظر إلى كل ما في الكون من عَجَبٍ في كل حال مع الرّحمن في السَّبَبِ إذا اعْتَمَدْتَ على الرّحْمُن فيه فكُنْ ما شِئْتَ من صُوَرٍ فيه ومن سَبَبٍ فكُنْ به لا تَكُنْ فيه بكم فترى فإنْ دعاك إلى ما أنت تَجْهَلُهُ ولا تُنَازِعْ وكُنْ بالله مُعْتَصِماً فلا تُجِبْهُ فإنّ العِلْمَ في النَّسَبِ ولا تُحَارِبْ فِخَيْلُ الله في الطَّلَبِ قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَِّرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] والمدار كله على شهود هذه المعية فإنه ﴿مَعَ الَّذِينَ أَثَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] فهو مع الصابرين والمتقين والمحسنين، فهذا الذكر ينتج شهود المعية التي له مع الصابرين خاصة هذا وما هو إلا صبر على الرسول حتى يخرج إليهم فكيف الصبر على الله لما كان رسول الله ( 8) يذكر الله على كل أحيانه والله جليس من يذكره، فلم يزل رسول الله ول جليس الحق دائماً، فمن جاء إليه * فإنما يخرج إليه من عند ربه إما مبشراً وإما موصياً ناصحاً ولهذا قال: ﴿لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] فلو كان خروجه إليهم مما يسوءهم في آخرتهم ما كان خيراً لهم وقد شهد الله بالخيرية فلا بد منها، وهي على ما ذكرناه من بشارة بخير أو وصية ونصيحة وإبانة عن أمر مقرب إلى سعادتهم غير ذلك لا يكون، ومن صبر ٢٧١ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الموفي أربعين وخمسمائة نفسه على ما شرع الله له على لسان رسوله وَالو فإن الله لا بد أن يخرج إليه رسوله وَّر في مبشرة يراها أو في كشف بما يكون له عند الله من الخير، وإنما يخرج الله إليه رسوله وَلاقة لأن رسول الله وَل# لا يتصوّر على صورته غيره، فمن رآه رآه لا شك فيه بخلاف رؤية الحق فإن الحق له التجلي في صور الأشياء كلها، فإن الأشياء ما ظهرت إلا به سبحانه وتعالى، فالعارف يعلم أن كل شيء يراه ليس إلا الحق وهو معطي السعادة والشقاء والرسول ليس كذلك فيعتمد على رؤية الرسول ولا يغتر برؤية الحق، ولهذا الذي أشرنا إليه ادعى من ادعى من البشر والجن الألوهة وقبل منهم وعبدوا من دون الله وما قدر أحد يدعي بأنه محمد بن عبد الله رسول الله وَّ﴿ وإن تبنى فما يقول إنه محمد وإنما يقول إنه رسول الله فيطالب بالدليل على دعواه، فتنبه إلى عصمة هذا الاسم العلم أن يتصور عليه أحد من خلق الله في كشف ولا نوم كصورته في اليقظة سواء فمن رآه رآه فما تغير من صورته تغير حسن، فذلك راجع إلى حال الرائي أو صورة الشرع في المكان الذي رآه فيه عند ولاة أمور الناس، وكذلك لو كان تغير قبح كذلك فاعلم ذلك، فيكون تغيره بالحسن والقبح عين إعلامه وخطابه إياه بما هو الأمر عليه في حقه أو في حق ولاة العصر بالموضع الذي يراه فيه، ورؤية الحق ليست كذلك لأنه ما ثم شيء خارج عنه فكل شيء فيه حسن لا قبح فيه، وما قبح ما قبح من الأمور إلا بالشرع، وفي أصحاب الأغراض بالعرض، وفي أصحاب المزاج بالملائمة للطبع، وفي أصحاب النظر الفكري من الحكماء بالكمال والنقص، وصاحب هذا الهجير كثير الصلاة على محمد ◌َّر، وعلى هذا الذكر يحبس نفسه ويصبر حتى يخرج إليه لر. وما لقيت أحداً على هذا القدم غير رجل كبير حداد بإشبيلية كان يعرف باللهم صلِّ على محمد ما كان يعرف بغير هذا الاسم، رأيته ودعا لي وانتفعت به لم يزل مستمراً بالصلاة على محمد وال﴿ لا يتفرّغ لكلام أحد إلا قدر الحاجة إذا جاء أحد يطلبه أن يعمل له شيئاً من الحديد فيشارطه على ذلك ولا يزيد، وما وقف عليه أحد من رجل ولا صبيّ ولا امرأة إلا ولا بدّ أن يصلي على محمد ذلك الواقف إلى أن ينصرف من عنده وهو مشهور بالبلد بذلك، وكان من أهل الله، فكل ما ينتج لصاحب هذا الذكر فإنه علم حق معصوم فإنه لا يأتيه شيء من ذلك إلا بواسطة الرسول و 8 هو المتجلي له والمخبر. لقي رجل بعض الناس في زمان أبي يزيد البسطامي فقال له: هل رأيت أبا يزيد؟ فقال: رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد، فقال له الرجل: لو رأيت أبا يزيد مرة كان خيراً لك من أن ترى الله ألف مرّة، فلما سمع ذلك منه رحل إليه فقعد مع الرجل على طريقه فعبر أبو يزيد وفروته على كتفه فقال له الرجل: هذا أبو يزيد فنظر إليه فمات من ساعته، فأخبر الرجل أبا يزيد بشأن الرجل فقال أبو يزيد: كان يرى الله على قدره فلما أبصرنا تجلى له الحق على قدرنا فلم يطق فمات، ولما كان الأمر هكذا علمنا أن رؤيتنا الله في الصورة المحمدية بالرؤية المحمدية هي أتمّ رؤية تكون، فما زلنا نحرّض الناس عليها مشافهة وفي كتابنا هذا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٢٧٢ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والأربعون وخمسمائة الباب الأحد والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِّنْكُمْ تُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩] [نظم: الرمل] نُصْرَةٌ ليس لها مِنْ خَاذلِ نُصْرَةُ الله لنَفْس الظّالم حَكْمَ ما شاء بحُكُمٍ فاصلٍ فإذا ما ظلم الغَيْرُ له حَقُّ نفسي بعدها للعاقلُ وحقوق الله أَوْلَى وكذا آخراً عند العليم الفاضل ثُمَّ حَقُّ الغَيْرِ فِي رُتْبَتِهِ منه في العاجل أو في الآجل وعذابُ الظُلْمِ ذَوْقٌ فاخذرُوا وعلومُ الذّوْقِ مَا يَجْهَلُها مَنْ يَرَى أحكامَهَا في العاجل اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن الظلم هنا هو الظلم الذي جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيَمَنَهُمِ يِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وليس إلا الظلم الذي قال فيه لقمان لابنه: ﴿لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] كذا فسره رسول الله وَّر، فمن التزم هذا الذكر بهذه الآية أقامه الحق مقامه في العالم وقلده أمر عباده، ولو بلغ العبد ما عسى أن يبلغ لا يزال خلقاً، ومن حقيقة الممكن العجز فلا بدّ من القصور في رتبة التصريف ذوقاً، فلا بدّ أن يحصل له من العذاب النفسيّ ذوق كبير لأنه ليس في قوته أن يرضي العالم فإن الله ما أرضاهم، ولله الاتساع الذي لا يمكن أن يكون للعبد ولو اتسع الخليفة ما اتسع، فإن ضيق الطبيعة لا بدّ أن يحكم عليه فيضيق عن السعة الإلهية فيتعذب بقدر ما ذاق العذاب الكبير هذا وهو والٍ من عند الله بأمر الله قال تعالى في حق الكامل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] يعني في حق الله وتكذيبه فهذا هو العذاب الكبير الذي ذاقه، وظلمه المذكور في هذا الذكر إنما كان لكونه قبل الولاية عن العرض الإلهيّ فهو مع الأمر يضيق ولا يسمى ظالماً ومع العرض يكون ظالماً ويذوق العذاب الكبير ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وأيّ أمانة أعظم من النيابة عن الحق في عباده فلا يصرفهم إلا بالحق فلا بدّ من الحضور الدائم، ومن مراقبة التصريف فأبين أن يحملنها وأشفقن منها أي خفن أن لا يقمن بحقها فاستبرأن لأنفسهنّ وحملها الإنسان عرضاً أيضاً لما وجد في نفسه من قوّة الصورة التي خلق عليها إنه كان ظلوماً لنفسه وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمِ مِّنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩] فإذا ظلم نفسه بقبول النيابة المعروضة عليه أذاقه الله ما قال الله لأبي يزيد: ((اخرج إلى عبادي بصورتي)) يعني خليفة ((فمن رآك رآني)) فلما خطا عنه خطوة غشي عليه فقال الحق: ((ردّوا عليّ حبيبي فلا صبر له عني))، فالنيابة مع الأمر يكون فيها الحرج وضيق الصدر فكيف بالعرض؟ فمن زهد في الخلافة المعروضة فمن هذا الذكر زهد وتركها ولم يقبلها وأشفق منها، ومن قبلها من أصحاب هذا الذكر فبتأويل دخل لهم في أول ٢٧٣ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثاني والأربعون وخمسمائة الدخول في هذا الذكر وهو لفظة العذاب فإنه من العذوبة وهي التلذذ بالأمر وهو قول أبي يزيد في بعض أحواله: [الوافر] وكُلّ مآربي قد نِلْتُ منها سوى مَلْذوذٍ وَجْدي بالعَذَابِ ولم يقل بالآلام وإنما قال بالعذاب لما فيه من العذوبة وهي اللذة باللذة أي أنه يلتذ باللذة لا أنه يلتذ بالأشياء، وهذا مثل ما يقوله أهل النظر في العلم: إن بالعلم يعلم العلم وبالرؤية ترى الرؤية في مذهب المتكلمين، وكذلك تدرك اللذة باللذة، فاعلم ذلك فإنه باب غريب في الذكر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثاني والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَن كَانَ فِى هَذِهِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢] [نظم: الرمل] التي تَخوي عليهنّ الصُّدُوز إنما تَعْمَى القُلُوبُ في الصُّدُوز عن وُرُودٍ كان منها الأمُوز ثم هذا الحُكْمُ فيمن صَدَرَتْ كيف يَعْمَى من له عَيْنُ الظُّهُوز ليس يَعْمَى صادرٌ عنه به قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] على الوجهين: الواحد من الوجهين للحصر والثاني للرجوع، فاعلم أن العماء حيرة وأعظمه الحيرة في العلم بالله، والعلم بالله على طريقين: الطريق الواحدة النظر الفكريّ فلا يزال صاحب هذا الطريق إذا وفى النظر حقه في حيرة إلى الموت فإنه ما من دليل إلا وعليه عنده دخل وشبهة لاتساع عالم الخيال، إذ القوّة المفكرة ما لها تصرّف إلا في هذه الحضرة الخيالية، إما بما فيها مما اكتسبته من القوى الحسية وإما مما تصوّره القوّة المصورة، فإذا كان صاحب هذا النظر في الدنيا أعمى أي حائراً ويموت والإنسان إنما يموت على ما عاش عليه وهذا ما عاش إلا حائراً فيجيء في الآخرة بتلك الحيرة، فإذا وقع له الكشف هناك زاد حيرة لاختلاف الصور عليه فهو أضل من كونه في الدنيا، فإنه كان يترجى في الدنيا لو كشف له أن تزول عنه الحيرة، وأما الطريق الثانية في العلم بالله فهو العلم عن التجلي والحق لا يتجلى في صورة مرّتين، فيحار صاحب هذا العلم في الله لاختلاف صور التجلي عليه كحيرة الأول في الآخرة، فما كان لذلك في الآخرة هو لهذا الآخر في الدنيا. وأما البصيرة التي يكون عليها الداعي والبينة فإنما ذلك فيما يدعو إليه وليس إلا الطريق إلى السعادة لا إلى العلم، فإنه إذا دعا إلى العلم أيضاً إنما يدعو إلى الحيرة على بصيرة أنه ما ثم إلا الحيرة في الله لأن الأمر عظيم والمدعو إليه لا يقبل الحصر ولا ينضبط، فليس في اليد منه شيء، فما هو إلا ما تراه في كل تجل، فالكامل من يرى اختلاف الصور في العين الواحدة فهو كالحرباء، فمن لم يعرف الله معرفته بالحرباء فإنه لا يستقرّ له قدم في إثبات العين، فأصحاب التجلي عجلت لهم معرفة الآخرة فهم في الدنيا الفتوحات المكية ج ٧ - ١٨٢ ٢٧٤ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والأربعون وخمسمائة أعمى وأضل سبيلاً من أصحاب النظر لأنه ليس وراء التجلي مطلب آخر للعلم بالله ولا يتصوّر، وهذه الإشارة كافية لمن عقل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، فإن الكلام في هذا الذاكر واسع. الباب الثالث والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَآ ءَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] [نظم: البسيط] عَيْنُ الرّسالة ما تأتي به الرُّسُلُ أنت المَلِيكُ الذي جاءت رسالتُه إليه من غير قَطْع في مساحته واضْعَذْ إليه تَثَلْ عَيْنَ البقاء به إن الظروف لَتَخوي من يحلُّ بها عليك بالمَنْزلِ الأعلى فحُلِّ به هو المُنَزَّهُ عن نَعْتٍ وعن صفةٍ فأنت أنت إذاً إن كنت صاحبَه ولا يَقُمْ بك فيما قد أتَيْتَ به فخُذْهُ لا تتوقّفْ أيها الرَّجُلُ إليك فاعمَلْ بها يَصْعَدْ لك العَمَلُ فإنْ تَوَهَّمْتَهُ فذلك الزَّلَلُ وإِنْ قَعَدْتَ أتاك الصَّعْقُ والخَبَلُ والأمْرُ أنْزَهُ أن يجري له مَثَلُ لا تَقْطَعَنَّكُمُ الأغراضُ والعِلَلُ فلا يقوم به أمْنٌ ولا وَجَلٌ فاعملْ لنفسك ما أصحابه عَمِلُوا عَجْزٌ ولا كَسَلٌ فيه ولا مَلَلُ اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله يعطي عباده منه إليهم وعلى أيدي الرسل، فما جاءك على يد الرسول فخذه من غير ميزان، وما جاءك من يد الله فخذه بميزان، فإن الله عين كل معط، وقد نهاك أن تأخذ كل عطاء وهو قوله ﴿وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] فصار أخذك من الرسول أنفع لك وأحصل لسعادتك، فأخذك من الرسول على الإطلاق ومن الله على التقييد، فالرسول مقيد والأخذ مطلق منه، والله مطلق على التقييد والأخذ منه مقيد، فانظر في هذا الأمر ما أعجبه، فهذا مثل الأوّل والآخر والظاهر والباطن، فظهر التقييد والإطلاق في الجانبين، وذلك أن الرسول ◌َلي ما بعثه الله ليمكر بنا أعني بأمته وإنما بعثه ليبين لهم ما نزل إليهم، فلهذا أطلق لنا الأخذ عن الرسول والوقوف عند قوله من غير تقييد، فإنا آمنون فيه من مكر الله والأخذ عن الله ليس كذلك فإن الله مکراً في عباده لا يشعر به قال تعالى: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] وقال: ﴿مَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] وقال: ﴿وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] وقال: ﴿إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] وقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ولم يجعل للرسل في هذه الصفة قدماً لأنهم بعثوا مبينين فبشروا وأنذروا وكله صدق، وأعطى الرسول الميزان الموضوع، فمن أراد السلامة من مكر الله فلا يزل الميزان المشروع من يده الذي أخذه عن الرسول وورثه، فكل ما جاءه من عند الله وضعه في ذلك الميزان، فإن قبله ملكه وإن لم يقبله سلمه لله وتركه فإن تركه عمل به، ولم يجعل نفسه محلاً لقبوله، يقول الجنيد رضي الله عنه: علمنا هذا مقيد ٢٧٥ في هخيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الرابع والأربعون وخمسمائة بالكتاب والسنة وهما كفتا الميزان، ومعنى قوله أنه نتيجة عن العمل بالكتاب والسنة فإن عزمت على الأخذ عن الله ولا بد لحال غلب عليك فقل لا خلابة فإنك إذا قلت لا خلابة فإن كان من عند الله ثبت فأخذته، وإن كان من مكر الله ذهب من بين يديك فلم تجده عند قولك لا خلابة فإن الأمر بيع وشراء، وإن الله تعالى لا يدخل تحت الشرط، هذا يقتضيه مقام الحق بالذوق، فإنما يشترط على الله من يجهل الله أو يدل عليه لأنه ظن به خيراً كما أمره سبحانه، فإنه لو علم أن الله ما يبعثه في شغل حتى يهيئه لذلك الشغل فإنه حكيم خبير، فلا تقس الله على المخلوق فإن المخلوق يجهل كثيراً منك ومن نفسه والحق ليس كذلك فلا فائدة وَيَسِّرْ لِيِّ أَمْرِى ٢٥ للاشتراط، يقول موسى عليه السلام حين بعثه ربه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِ صَدْرِی أَشْدُدْ (٢٩) حَرُونَ أَخِى وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِى يَفْقَهُواْ قَوْلى ٣٧ وَاحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّن ◌ِّسَانِىٌ ،وَأَشْرِكُهُ فِّ أَمْرِ﴾ [طه: ٢٥ - ٣٢] فأعطاه ذلك كله، ولم يقل محمد وَّ شيئاً من بِهِ، أَزْرِی هذا كله، فالأولى أن تكون محمدياً فإنه ما ذكر الله من حديث موسى عليه السلام ما ذكر إلا ليعلم أن الاشتراط على المستخلف جائز ولا حرج عليه في ذلك لو اشترط، ألا ترى موسى عليه السلام كيف قال لمحمد ر8َّ# ليلة إسرائه حين فرض الله عليه الصلاة: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، ثم علل وقال: فإني بلوت بني إسرائيل وما راجع محمد بنَّ في ذلك إلا امتثالاً لأمر الله، فإن الله لما ذكر الأنبياء عليهم السلام قال له: ﴿ أُوْلَيْكَ اُلَّذِينَ هَدَّى اللهُ فَبِهُدَتُهُمُ أَقْتَدِةً﴾ [الأنعام: ٩٠] فامتثل أمره في رجوعه فكان خيراً، وهذه فائدة الشيخ المتخذ في الطريق فاعلم ذلك: [الطويل] ولا تَتَوَقَّفْ فالتَّوَقُّفُ يَضْعُبُ فخُذْ منه ما أعطاك إنْ كُنْتَ تابعاً فقد جاءك الأمْرُ الذي كنت تَطْلُبُ فإنْ كنتَ ذا لُبِّ وعِلْم وفِطْئَةٍ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان هجيره ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيِّهِ رَقِبُ عِيدٌ﴾ [قَ: ١٨] [نظم: الكامل] فعليه فيما تلفظون تَوَكَّلُوا إن الرقيبَ على اللِّسانِ مُوَكَّلُ واعملْ على عين الحقيقة يا فُلُ انْطُقْ به إن كنتِ صَاحِبَ نظرةٍ هي عَيْنُه والعينُ ما لا تُجْهَلُ وكذا جميعُ قُواكَ منك فإنها عيناً علمتَ من الرَّقيبُ المُرسِلُ فإذا علمتَ نصيحتي وشهدتها (١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ كِرَامًا كَئِينَ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ [الانفطار: ١٠ - ١٢] وقال رسول الله وَله: (إنَّ الله عِنْدَ لِسَان كُلِّ قَائِلٍ)) وما خصص قائلاً من قائل فأتى به نكرة فكل ذي لسان قائل فهو عند الله ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وما كل قائل في كل قول يكون قوله منسوباً إلى الله مثل قوله: إن الله قال على لسان عبده: سمع الله ٢٧٦ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الرابع والأربعون وخمسمائة لمن حمده، والمحبوب بإتيان النوافل يكون الحق لسانه فتفاضلت المراتب، فالملك الحافظ الكاتب عند الإنسان كل ما لفظ كتبه الملك، فلا يكتب إلا ما يلفظ به الإنسان فإذا لفظه ورمى به فبعد الرمي يتلقاه الملك، فإن الله عند قوله في حين قوله فيراه الملك نوراً قد رمى به هذا القائل الذي الحق عند لسانه فيأخذه الملك أدباً مع القول يحفظه له عنده إلى يوم القيامة، وإذا عمل يعلم الملك أنه عمل أمراً ما خاصة ولا يكتبه حتى يتلفظ به، فالحفظة تعلم ما يفعل العبد، ولكنها ما تكتب له عملاً حتى يتلفظ به، فإذا تلفظ كتبت فهم شهود إقرار، وسبب ذلك عدم اطلاعهم على ما نواه العبد في ذلك الفعل، ولهذا ملائكة العروج بالأعمال تصعد بعمل العبد وهي تستقله فيقبل منها ويكتب في عليين وتصعد بالعمل وهي تستكثره فيقال لها : اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه فإنه ما أراد به وجهي ﴿وَمَّ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلَذِينَ حُنَفَآءَ﴾ [البينة: ٥]. فلو علمت الحفظة ما في نية العبد عند العمل ما ورد مثل هذا الخبر، فالنية في الأعمال لا تكون من العبد إلا من الوجه الخاص ولهذا لا يعلمه من العامل إلا الله، والعامل الذي نوى فيه ما نوى، فالملك يرقب حركة العبد ويكتب منه حركة لسانه إذا تلفظ، والله شهيد لأنه عند قول عبده على الحقيقة لا عند عبده، فهذه الكينونة الإلهية هي التي تحدث بحدوث القول، وسبب ذلك أنه تكوين والتكوين لا يكون أبداً إلا عن القول الإلهي في كل كائن، فجميع ما يتكوّن في الوجود فعن القول الإلهي، فما بين الحق والعبد مناسبة أتم ولا أعمّ من مناسبة القول ولهذا كان عند لسان كل قائل، فإن القول كون مفارق قائله، فإن لم يكن الله عنده ضاع القول، وإنما كان الله عنده لينشئه صورة قائمة تامة الخلقة، فإنه لا بد أن يكون تعالى مذكوراً بها فيتم منها ما نقصه العبد مما تستحقه نشأتها من الكمال كما يقبل الصدقة ليربيها حتى تكون أعظم من الجبل العظيم، فهذا من باب الغيرة، والأوّل من باب الكمال، وما ينبغي فالغيرة على الجناب الإلهي من الله الذي له الكمال المطلق، ثم لتعلم أن النقص من كمال الوجود لا من كمال الصورة فتنبه فإنه دقيق: [مخلع البسيط] لزال عن رُتْبَة الكَمالِ لو لم يَكُنْ في الوجود نَقْصّ كَمَالَهُ فِيه ذو الجَلالِ لكنه ناقصٌ فـأبـدَى لم يُخْلِهِ اللَّهُ من جَمالٍ فكُلُ صُنْعٍ من كل خَلْقٍ في كل عَقْدٍ بكل حالٍ لأنه راجعٌ إليه إلا إلى الله ذي المَعَالي فلا كمالٌ ولا جمالٌ في الفعل والحال والمقال من كلّ شَخْصٍ بكل وَجْهٍ لا تَجْعَلِ الحُكْمَ للخيال يا من يراني بعَيْنِ حَقّ بل مُهْتدٍ لا عن الضّلالِ لأنه عَقْدُ كل هادٍ وإن كان كذلك فاجهد أن لا تصدر منك صورة إلا مخلقة في غاية الكمال في قول وعمل، ولا يغرّنك كون النقص من كمال الوجود لأن ذلك من كمال الوجود ما هو من كمال ما وجد عنك، فإن جماعة من الناس زلوا في هذا الموضع لقيناهم فينتج هذا الذكر لصاحبه ٢٧٧ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس والأربعون وخمسمائة مشاهدة الحق عند قوله وقبوله له، ومن شاهد الحفظة فمن هذا المقام شهدهم، ولما أشهدنيهم الحق تعالى تعذبت بشهودهم ولم أتعذب بشهود الحق، فلم أزل أسأل الله في أن يحجبهم عني فلا أبصرهم ولا أكلمهم، ففعل الله معي ذلك وسترهم عن عيني، وإنما لم أتعذب بشهود الحق لأنه عند شهود العبد ربه تعالى يشهده شاهداً ومشهوداً وشهوده الملك ليس كذلك فإنه يشهده أجنبياً عنه، ولو كان الحق بصره فإنه أعظم في الأجنبية وأشد في القلق عند صاحب هذه الصفة، لأن الملك لا ينبغي أن يكون رقيباً على الله وهو رقيب فلا بد أن يكون الملك في هذه الحال محجوباً عن الله تعالى لا يشهده صفة عبده، إذ لو شهدها لم يتمكن له أن يكون رقيباً عليه، فلا بد لهذا العبد أن يتقلق بشهود الملك، فإذا غاب عن حسه انفرد بسرّه بربه وأملى على الملك ما شاء أن يملي عليه، فكان الله على كل شيء رقيباً، والملائكة حافظون من أمر الله هذا الشخص الإنساني، قال تعالى: ﴿لَمُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فهم ملائكة تسخير تكون مع العبد بحسب ما يكون العبد عليه فهم تبع له، وهذا الفارق بين توكيل السلطان على الشخص فإنه تحكم الوكلاء عليه لا يتعدى الموضع الذي حجره السلطان، وحفظة الحق يتبعون العبد حيث تصرف، فهو مطلق التصريف في إرادته، وإن حجر عليه بعض التصرّف فإنه يتصرّف فيما حجر عليه، ولا يستطيع الملك يمنعه من ذلك لأمرين: الواحد لكون الحق قد ذهب الله بسمع هذا العبد عن قوله ويبصره عن شهوده، والأمر الآخر لكون الملك الحافظ الموكل به لا يمنعه لشهوده الحق معه في تصرّفه الذي أمره بحفظه، فلذلك لا يحجر الملك عليه التصرف، وتو کیل المخلوق لیس کذلك، فإن الحاكم الذي وگل الوكلاء به ليس هو عند الموكل عليه، فهذا الفارق بين حكم الوكيل الحق والوكيل المخلوق، فوكلاء الخلق يحفظونه من التصرّف، ووكلاء الحق يحفظونه في التصرّف، وهذا القدر في هذا الذكر من التنبيه كافٍ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان هجيره: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩] [نظم : الكامل] سَدْلُ الحِجَاب عليك واسْجُدْ واقْتَرِبْ لا تُطِعِ (١) النَّفْسَ التي من شأنها واجْنَحْ إلى النُّور المهيمن واغْتَرِبْ لا تَطْمَعَنَّ بها فلستَ مِنَ أَهْلِهَا فاعمل بما يعطي وُجُودُك تَقْتَرِبْ فهو الذي أعْطَى الوجودَ بجُودِهِ اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن هذا الذكر يوقف العبد على حقيقته، وإذا وقف على حقيقته فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه عرف ربه، والعبد أبداً لا يطلب بحركته إلا ربه (١) صدر البيت من الرجز في حين عجزه من الكامل وكذا بقية الأبيات. ٢٧٨ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والأربعون وخمسمائة حتى يشهده عين كل شيء ومنه صدر فقد شهد صدوره وهو معه، فقد شهد معيته في تصرفه، فلا بد أن يطلب شهوده فما ينتهي إليه تصرفه فهو غاية المطلب، ولما كان العلو الله عرفاً وعلماً والمعية علماً وشرعاً لا عرفاً أراد أن يرى حكمه في الغاية، فإن السجود في العرف بعد عما يجب لله من العلو، ألا ترى إلى ابن عطاء حين غاص رجل جمله فقال: جلّ الله، فقال الجمل: جل الله وما غاص الا ليطلب ربه، فإنه سجود قرية من ذلك العضو إلى الله، فلما رأى الجمل جهل ابن عطاء بالله في طلب الرجل ربه بالغوص قال الجمل: جل الله أن تحصره معرفتك فلا يكون له في عقدك إلا العلو، فمن يحفظ السفل وأنا رجل ما أنا رأس فلا بد أن أطلب ربي بحقيقتي وليس إلا السجود، قال رسول الله وَالثور: ((لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلَى الله)) وهذا عين ما قال الجمل، فمن سجد اقترب من الله ضرورة فيشهده الساجد في علوه، ولهذا شرع للعبد أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ينزهه عن تلك الصفة، فالسجود إذا تحقق به العبد علم نزول الحق من العرش إلى السماء الدنيا، وذلك سجود القلب يطلب العبد في نزوله كما يطلبه العبد في سجوده، ومن لم يقف في هذا الذكر على الذي نبهت عليه وأمثاله فما هو صاحب هذا الهجير فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان هجيره ومنزله: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] [نظم: المجتثّ] بمن إليه تَوَلّى ما أجْهَلَ المُتَوَلِّى من كان عنه تَدَلَّى ـلو رآهُ رآهُ فـ عَنْ عينه ما تَوَلَّى ولو رآه ابتداءً فهو الذي قد تَوَلَّى ما ثَمَّ عَيْنّ سواهُ منه إذا ما تَوَلَّى فمن يذوقُ عذابـاً نُوَلْهِ مَا تَوَلَّى من أعْجَبِ القول عندي وَلأَّكّها فتّوَلَّى إذا وَلِيتَ أموراً قال الله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَى﴾ [النساء: ١١٥] اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن التولي عن الذكر المضاف إلى الله ما أطلق الله الإعراض عنه على الانفراد بل ضم إليه قوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] فبالمجموع أمر الحق تعالى نبيه وَ ◌ّة إذا وقع بالإعراض عنه فينتج للعارف هذا الذكر خلاف المفهوم منه في العموم، فإن الله له القرب المفرط من العبد سبحانه وتعالى كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [قَ: ١٦]، والحياة الدنيا ليس إلا نعيم العبد بربه على غاية القرب الذي يليق بجلاله، ولم يكن مراد المذكر بالذكر إلا أن يدعو الغافل عن الله، فإذا جاء الذاكر ودعا بالذكر فسمعه هذا المدعو وكان معتنى به فشاهد المذكور عند الذكر ٢٧٩ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السابع والأربعون وخمسمائة في حياته الدنيا أمر الله هذا المذكر أن يعرض عن هذا المذكور لئلا يشغله بالذكر عن شهود مذكوره والنعيم به فقال الحق يخاطبه: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] لأن الذكر لا يكون إلا مع الغيبة ولم يرد إلا الحياة الدنيا وهي نعيم القرب، وهذا من باب الإشارة لمن هو في هذا المقام لا من باب التفسير، ثم تمم وقال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِمْ﴾ [النجم: ٣٠] ذمّ في التفسير ثناءً من باب الإشارة على هذا الشخص وتنبيهاً على رتبته في العلم بالله، فأما ما فيه من الثناء عليه أنه في حال شهوده للحق في مقام القرب فلا يقدر لفنائه على القيام بما يطلبه به الذكر من التكليف، فكأن المذكر ينفخ في غير ضرم لأنه لا يجد قابلاً فأمر بالإعراض عنه لما في ذلك الذكر بهذه الحالة من سوء الأدب في الظاهر مع الذكر، فلو كان هذا السامع عنده من القوّة أن يشهد الحق في كل شيء لشهده في الذكر، فلم يكن الحق يأمر المذكر بالإعراض عنه ولا كان يتولى السامع، فهذا بعض رتبته في هذه الآية وذلك مبلغه من العلم، فإذا أنتج لهذا الذاكر هذا الذكر ما ذكرناه فهو صاحبه، وإن فقد هذا الذي ذكرناه وأخذه على طريق الذم فليس هو بصاحب هجير، فإن الذم في هذا الذكر هو المفهوم الأول، فما زال مما هم عليه عامّة الناس في الفهم، ولا بد أن يكون لصاحب الهجير خصوص وصف يتميز به وهو ما ذكرناه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] [نظم: البسيط] ممن يُكَلِّمُهُ الرحمْنُ تَكْليما اصْدَغْ بربِّك أو بأمْرٍ منه تَكُنْ به من الحكم في الأعيان تَسْلِيمَا سَلِّمْ إليه الذي جاءت أوامرُه وفي وجودٍ وأحكاماً وتّمخكيما يعطيك نوراً يُرِيك العَيْنَ في عدم ما نالها أحدٌ قَذْراً وَتَغْظيما ويُنْزِلَنَّكَ عند الحَقّ منزلةٌ به وتُزْزَقُ آداباً وَتَعْلِيمَا ويَمْنَحَنَّك عِلْماً لَسْتَ تَعْرِفُهُ اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الحق لا يقاوم إلا بالحق فيكون هو الذي يقاوم نفسه، وهو معنى قوله وَالَر: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) فإذا اتصف العبد بصفة الجبروت والكبرياء قصمه الحق فإنه تعالى لا يقهر إلا المنازع، ولهذا العارف لا يتجلى له الحق في الاسم القاهر أبداً لأنه غير منازع، فالعارف يتجلى بالاسم القاهر ولا يتجلى له الحق فيه، وهذه الصفة في المخلوقين لا تكون قط عن حقيقة بل يعلمون عجزهم وقصورهم، وإنما ذلك صورة ظاهرة كبرق الخلب، فعلى قدر ما يظهر من هذه الصفة يتوجه القهر الإلهي والبطش الشديد، ولما اختلف المحل على الصفة لذلك ظهر الأقوى على الأضعف، فما وقع التفاضل إلا في المحل لا في الصفة، فإذا صدع بأمر الله فالقهر بأمر الله لا له فنفذ في المصدوع لأنه ما قال له اصدع إلا ولا بد أن يكون ذلك قابلاً للنفوذ فيه حتى يسمى مصدوعاً، فلو كان لا يقبل النفوذ ٢٨٠ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثامن والأربعون وخمسمائة لكان هذا الأمر عبثاً، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] فإنه لا ينفذ في المشرك إذ لو نفذ لوحد فقال له: ﴿وَأَعْرِضِ﴾ لأنهم ليسوا بمحل فيأمر الرسول المشرك من غير صدع، والذي علم منه أنه يجيب ويقبل الأمر ولو على كره هو الذي يصدع بالأمر، فإذا تحقق العبد بهذا الذكر ولم ينكشف له من يقبل أمر ربه ممن لا يقبله فما هو في بعض الوجوه ممن دعا إلى الله على بصيرة، فإن الداعي على بصيرة لا بدّ أن يكون آمراً في حق طائفة وصادعاً بالأمر في حق طائفة، فيعلم من يتأثر لأمره ممن لا يتأثر، ففائدة هذا الذكر تنوير البصائر وكمال الدعوة إلى الله وهي مدرجة الرسل عليهم السلام والكمل من الورثة في الدعاء فتجد كلامهم كأنه القرآن جديداً لا يبلى، فيفتح للمؤمن به المعاني دائماً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وهجيره: ﴿فَذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [نظم: البسيط] مَنْ يَذْكُرِ اللَّهَ في أحواله أَبَداً فإنّ ذِكْرَكَ ذِكْرُ الحَقّ ليس سوى الحقّ عينُ وُجُوُدِ الكون فاعتبروا والعقلُ يَنْفي بحُكْم الفِكْر صُورَتَهُ والعقلُ بينهما حارتْ خواطرُه وليس يدري الذي فيه يُقَلِّدُهُ إذا رأى العقلُ ما قلناه فيه رأى وكلّ ذلك حَدٍّ و الحُدُودُ أَبَتْ [البقرة: ١٥٢ ] يَذْكُرْهُ فيها فلا تَتْفَكُ تَذْكُرُهُ ما قلتُه وكذا في الكشف تُبْصِرُهُ العَيْنُ تشهدُه والوَهْمُ يَخْصُرُهُ والفِكْرُ يستُرُه والكَشْفُ يُظْهِرُهُ هذا يُنَزْهُهُ وذا يُصَوِّرُهُ فالله يُرْشِدُهُ والله يَنْصُرُهُ أمراً عظيماً ونوراً فيه يَبْهرُهُ فليس شيءٌ من الأشياء يَحْجُرُهُ قال الله تعالى جده وكبرياؤه: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى﴾ [الأحزاب: ٤٣] فوصف نفسه بالتأخر في الذكر عن ذكر العبد، وهنا كان ذكر العبد يعطي في نفس الحق الذكر لعبده كما يعطى السائل الإجابة في الحق، ومن هذه الحضرة ظهر تأثير الكون في الوجود الحق، فإذا كان الذاكر صحيح الذكر وهو أن يسمع بذكره المذكور وهو صادق في أنه يذكره إذا ذكره عبده فلا بد أن يسمعه ذكره لصدقه في قوله: فمن لم يسمع ذكر ربه إياه عند ذكره فيتهم نفسه في ذكره وأنه ما وفى بشرط الذكر الموجب لذكر ربه إياه، وهنا سر لا يمكن كشفه من أجل الدعوى، وهو أن الله قد أعلمنا بما تذكره من تكبير وتهليل وتسبيح وتقديس وتحميد وتمجيد كل ذلك معلوم مقرر، وما أعلمنا بما يذكرنا، فإذا ذكره صاحب هذا الذكر ووفى الشرط في الإخلاص والحضور فعلامته أن يسمع ما يذكره به ربه فيعلم ما يذكره به كما أعلمه على لسان الرسول ما يذكر به ربه، فإذا لم يعلم ذلك فما هو ذلك الذاكر ولا صاحب هجير فليلزم ما قلناه فإنه لا علامة له على صحة ذكره إلا ما ذكرناه خاصة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.