Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السابع والثمانون وأربعمائة
فَأَنْتَ شَمْسٌ وعَيْنُ الحَقِّ في القَمَرِ
بالشّمْسِ يَظْهَرُ ما في البَذْرِ مِنْ صِفَةٍ
وليس في البَذْرِ ما الأبصار تدركُهُ
لكنه هكذا تُدْرِكُهُ في النّظَرِ
فالأمرُ أغمض بالبرهان والخَبَرِ
فكَوْنُنا في وجود الحق مغلطةٌ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
١٨٠
﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
[الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [السورى: ١١] وذلك هو
الفضل المبين أقول له: أنت، يقول لي: أنت. أقول له: فأنا، يقول لي: لا بل أنا. فأقول
له: فكيف الأمر؟ فيقول: كما رأيت. فأقول: فما رأيت إلا الحيرة فلا تحصيل مني ولا
توصيل منك فيقول: قد أوصلتك. فأقول: فما بيدي شيء. فيقول: هو ذاك الذي أوصلت،
فعليه فاعتمد وبالله فاتئد [الوافر]:
ومَنْ يُذْرِكْ سواهُ فما دَرَاهُ
فما في الكَوْن من يَذْري سِواهُ
فإن الله من جَهْلٍ حَمَاهُ
ومن يُذْرِكُ مع الخَلاَقِ خَلْقاً
يراهُ وما يراهُ فما ترَاهُ
ومن يُذْرِكْ مع المخلوق حَقّاً
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب السابع والثمانون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧]
[نظم: البسيط]
فكلّ شيء له نَقْصٌ ورُجْحَانُ
لكلّ شيء من الأشياء ميزَانُ
والطّالحون لهم في الحقّ ميزانُ
فالصالحون لهم وَزْنْ يَخُصُهُمُ
يَسْعَدْ وإن جاءه في ذاك بُزهانُ
فمن يقوم بوَزْنٍ في تَقَلُّبِهِ
لأنّ ميزانَه وَفَّى حقيقتَهُ
ولم يساعده في ذاك شيطانٌ
مِنْ خَلْقِهِ ما له عليه سُلْطانُ
لذاك قال لمن وَفَّى طريقتَهُ
قال الله تعالى: ﴿وَاَلَِّبَتُ لِلَِّينَ وَالَِّبُونَ لِلَّيِّبَنِ﴾ [النور: ٢٦] و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
اُلْطَيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ﴾ [فاطر: ١٠] فالعمل الصالح له الحياة الطيبة وهي تعجيل البشرى في
الحياة الدنيا كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] فيحيى في باقي عمره
حياة طيبة لما حصل له من العلم بما سبق له من سعادته في علم الله مما يؤول إليه في أبده،
فتهون عليه هذه البشرى ما يلقاه من المشقات والعوارض المؤلمة فـ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾
[يونس: ٥٥] وكلامه صدق، وقد خوطب بالقول الذي لا يبدل لديه، وكذلك أيضاً للعمل
الصالح التبديل فيبدل الله سياته حسنات حتى يؤدّ لو أنه أتى جميع الكبائر الواقعة في العالم من
العالم كله على شهود منه عين التبديل في ذلك، ولقد لقيت من هو بهذه الحال بمكة من أهل
توزر من أرض الحرير، ولقيت أيضاً بإشبيلية أبا العباس العريبي شيخنا من أهل العلياء بغرب

١٨٢
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السابع والثمانون وأربعمائة
الأندلس ما لقيت في عمري إلا هذين من أهل هذا الذوق، وكذلك للعمل الصالح شكر
الحق لأنه الغفور الشكور، فسعيه مقبول وكلامه مسموع، ولو لم يكن في العمل الصالح إلا
إلحاق عامله بالصالحين وإطلاق هذا الاسم عليه لكان كافياً، فإنه مطلب الأنبياء عليهم
السلام، وهم أرفع الطوائف من عباد الله، والصلاح أرفع صفة لهم، فإن الله أخبرنا عنهم أنهم
مع كونهم رسلاً وأنبياء سألوا الله أن يدخلهم الله برحمته في عباده الصالحين، وذكر في أولي
العزم من رسله أنهم من الصالحين في معرض الثناء عليهم، فالصلاح يكون أخص وصف
الرسل والأنبياء عليهم السلام وهم بلا خلاف أرفع الناس منزلة وإن فضل بعضهم بعضاً،
ومن نال الصلاح من عباد الله فقد نال ما دونه، فله منازل الرسل والأنبياء عليهم السلام
وليس برسول ولا نبي، لكن يغبطه الرسول والنبي لما يناله الرسول والنبي من مشقة الرسالة
والنبوّة لأنها تكليف وبها حصلت لهم المنزلة الزلفى ونالها صاحب العمل الصالح المغبوط
من غير ذوق هذه المشقات، ومن هنا تعرف ما مسمى الرسول والنبي، وتعرف معنى قول
الرسول ◌َ# في قوم تنصب لهم منابر يوم القيامة في الموقف يخاف الناس ولا يخافون
ويحزن الناس ولا يحزنون ﴿لَا يَخْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ليسوا بأنبياء يغبطهم
النبيون حيث رأوا تحصيلهم هذه المنازل مع هذه الحال، فهم غير مسؤولين من بين
الخلائق، لم يدخلهم في عملهم خلل من زمان توبتهم، فإن دخلهم خلل فليسوا
بصالحين، فمن شرط الصلاح استصحاب العصمة في الحال والقول والعمل، ولا يكون
هذا إلا لأهل الشهود الدائم والعارفين بالمواطن والمقامات والآداب والحكم فيحكمون
نفوسهم فيمشون بها مشي ربهم من حيث هو على صراط مستقيم، فمن حياتهم الطيبة في
الدنيا أنهم وإن دعوا الخلق إلى الله فإنهم يدعونهم بلسان غيرهم ويشهدون من سمع
دعوتهم من المدعون، ومن يردّ الدعوة منهم فلا يألمون لذلك الردّ بل يتنعمون بالقبول
نعيمهم بالرد لا يختلف عليهم الحال، وسبب ذلك أن مشهودهم من الحق الأسماء الإلهية
وشهودهم إياها نعيم لهم، فمن دعا ما دعا إلا باسم إلهيّ فالاسم هو الداعي، ومن رد أو
قبل فما رد وما قبل إلا بإسم إلهي، فالاسم هو القابل والراد، وهذا الشخص في حياة طيبة
بهذا الشهود دائماً، ومن غيبه الله عن شهوده هذا المقام فإنه يألم طبعاً ويلذ طبعاً وهو أكبر
نعيم أهل الله وألمهم، ولا تكون هذه الحياة الطيبة إلا أن تكون مستصحبة، وما ينالها إلا
الصالحون من عباد الله، وإن ظهر منهم ما توجبه الأمور المؤلمة في العادة وظهر عليهم آثار
الآلام فالنفوس منهم في الحياة الطيبة لأن النفوس محلها العقل ليس الحس محلها فآلامهم
حسية لا نفسية، فالذي يراهم يحملهم في ذلك على حاله الذي يجده من نفسه لو قام به
ذلك البلاء وهو في نفسه غير ذلك، فالصورة صورة بلاء، والمعنى معنى عافية وإنعام وما
يعقلها إلا العالمون، فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوبَى
لَهُمْ﴾ في الدنيا ﴿ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ [الرعد: ٢٩] في الآخرة، وهذا التنبيه على تحصيل هذا
المقام كاف فإنه مكتسب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

١٨٣
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والثمانون وأربعمائة
الباب الثامن والثمانون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَلَا تَمُذَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]
[نظم : الرمل]
ولهذا زَوْجُهُ من جِنْسِهْ
كُلّ شَخْصٍ زَوْجُهُ مِنْ نَفْسِهِ
كَثُرَتْ أزواجُه من نَفَسِهْ
إنما أوْجَدَهُ من أَمْسِهْ
فهو كُلِّ وهي جزءً فلذا
وكذا اليومُ الذي أوْجَدَهُ
في نَقِيض القُدْسِ أو في قُدُسِهْ
ولذا جاء على صُورَتِه
لا تَمُدَّنَّ إلى حُزْمة من
كان عينيك فذا من بَخَسِهْ
اللذي تُبْصِرُهُ من أنسه
وفّهِ ميزانَهُ لا تَلْتَفِتْ
بك للجَمْع الذي في أُسّهْ
جاء من شيطانه في مَسِّةْ
ليس في الشُّطْقِ به أو أَيَسِهْ
جاء في محكمه من لَبَسِهْ
إنما يَأنَسُ من لَسْتَ له
ولتُجَرِّذهُ من الشّكّ وما
ولتُفَرِّقْ بين ما تسمعُ من
ولْتَخَفْ من زَلَلِ النُّطْق وما
قال الله تعالى في مثل هذه الآية وهو من تمام هذا المنزل ويدخله صاحبه في هجيره
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيْرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٨و٨٩] ينبهه
بذلك على نفسه في إنذاره ورزق ربك ما أعطاك مما أنت عليه في وقتك وما لم يعطك وهو
لك فلا بد من وصوله إليك، وما أبطأ به إلا الوقت الزماني الذي هو له وما ليس لك فلا يصل
إليك، فتتعب نفسك حيث طمعت في غير مطمع،، وما أعني بقولنا أنه لك إلا ما تناله على
الحد الإلهي الذي أباحه لك، وإن نلته على غير ذلك الحد فما نلت ما هو لك من جانب
الحق، إنما نلت ما هو لك من جانب الطبع، وليس المراد في الدنيا إلا ما تناله من جانب
الحق، فالحق للدنيا والطبع للآخرة، والطبع له الإباحة والحق له التحجير، وإن كانت الآخرة
على صورة الدنيا، كما أن اليوم المولود عن نكاح أمس لليلته يخرج بصورته في الزمان وقد
لا يخرج في الحكم، فانظر إلى عطايا ربك فإنها أكثر ما تكون ابتلاء ولا تعرف ذلك
إلا بالميزان، وذلك أن كل عطاء يصل إليك منه فهو رزق ربك ولكن على الميزان، فإن خرج
عن الميزان وهو لك طبعاً فلا بد لك من أخذه، فإياك أن تأخذه في حال غفلة فخذه بحضور
على كره في نفسك وجبر واضطرار، وليكن حضورك في ذلك قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾
[قَ: ٢٩]، فأظهر في هذا النيل بصورة الحق في ذلك الحكم الذي لا تبدل له ولا يصح أن
يبدل فإنه هكذا علمه، وبهذه الصورة كان الأمر الذي أعطى العلم للحق به، ففي هذا الميزان
حصله وزنه به وهو ميزان خفي، فإن غيبك الحق عن حال الكره في ذلك فإنه من الإكراه
فاعلم أنك محروم، فإنه لما كان من الإكراه حصول الكراهة في نفس العامل لذلك العمل

١٨٤
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والثمانون وأربعمائة
الخارج عن ميزان الأدب دخل في حكم الميزان المأمور بالوزن به في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ مُطْمَبِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وطمأنينته في هذه النازلة، إنما هو بما له فيه من
الكراهة، فيجمع في هذا الفعل بين حب الطبع وكراهة الإيمان، فإن الله حبب الإيمان للمؤمن
وكره إليه الفسوق والعصيان مع وقوعه منه وجعلك من أهل الرشد. ثم إن الله جعلهن زهرة
حيث كن، فإذا كن في الدنيا كن زهرة الحياة الدنيا فوقع النعيم بهن حيث كن. وأحكام
الأماكن تختلف فهنّ وإن خلقن للنعيم في الدنيا فهنّ فتنة يستخرج الحق بهن ما خفي عنا فينا
مما هو به عالم ولا نعلمه من نفوسنا فيقوم به الحجة لنا وعلينا، وهذا مقام أعطانيه الحق
بمدينة فاس سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة قبل ذلك ما كان لي فيه ذوق.
واعلم أن المعصية لا تقع أبداً إلا عن غفلة أو تأويل لا غير ذلك في حق المؤمن، وإذا
وقع عين ذلك العمل من صاحب الشهود فلا يسمى معصية عند الله، وإن انطلق عليه لسان
الذنب في العموم فللغشاوة التي على أبصار المحجوبين فيعذرهم الله فيما أنكروه على من
ظهر منه هذا الفعل وهو في نفس الأمر ليس بعاصٍ مسألة الخضر مع موسى في قتل النفس
أين حكم موسى عليه السلام فيه من حكم الخضر رضي الله عنه، وكل واحد له وجه في
الحق ومستند، وهذا حال أهل الشهود يشهدون المقدور قبل وقوعه في الوجود فيأتونه على
بصيرة، فهم على بينة من ربهم في ذلك وهو مقام لا يناله إلا من كان الله سمعه وبصره. ولما
كانت الزهرة دليلة على الثمرة ومتنزهاً للبصر ومعطية الرائحة الطيبة هنا أعني في زهرة هذه
المسألة كان صاحب هذا الأمر من أهل الأنفاس والشهود والأدلة، ولست أعني بالأدلة أن
ذلك عن فكر وإنما هو في كشفه لما جرت العادة به أن لا ينال إلا بالدليل النظريّ أن يعطيه
الله كشفاً بدليله فيعرف أدلته كما يعرفه وارتباطه بأدلته، فما يحصل له من علمه بوجوه
الدلالات، فيكون علمه أتم من علم من يعطي علم مدلول الدليل من غير علم الدليل، فما
فتنهم الحق إلا بما سماه زهرة لهم، فإذا لم يدرك صاحب هذه الزهرة رائحتها ولا شهدها
زهرة وإنما شهدها امرأة ولا علم دلالتها التي سبقت له على الخصوص وزوّجت به وتنعم بها
ونال منها ما نال بحيوانيته لا بروحه وعقله، فلا فرق بينه وبين سائر الحيوان بل الحيوان خير
منه لأن كل حيوان مشاهد لفصله المقوّم له، وهذا الشخص ما وقف مع فصله المقوّم له،
وليس الفصول المقوّمة للحيوانات غيره، فهو لا حيوان ولا إنسان، فإن كل حيوان جرى
بفصله المقوّم له على ما تعطيه حقيقة ذلك الفصل.
واعلم أن صاحب هذا الهجير يشاهد ما حيّر العقول ولم يقدر على تحصيله وهو العلم
بالمرئي في المرآة ما هو وبالمرئي ما هو من حيث تعلق الرؤية هل ينطبع المرئي في عين
الرائي أو أشعة نور البصر تتعلق بالمرئي حيث كان، وما من حكم إلا وعليه دخل إلا عند
صاحب هذا الذكر فإنه يعلم كيفية إدراك الرائي المرئي وما هي الرؤية ولماذا ترجع؟ وليس
يعطيه هذا العلم من هذا الذكر إلا قوله: ﴿لَا تَمُذَنَ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] ولا خوطب إلا بما
علم، فعلمنا على القطع أن رسول الله وَّرَ قد علم ذلك وما هو قوله ﴿لَا تَمُذَّنَّ عَيْنَكَ﴾ عين

١٨٥
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع والثمانون وأربعمائة
قوله ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] فإن الغض له حكم آخر لأنه نقص مما
تمتد العين إليه، والنقص هنا أن لا يمد إلى أمر خاص أي إلى مرئيّ خاص، فإن فهمت
يا وليّ ما نبهتك عليه علمت علماً ينفعك في الدنيا والآخرة، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل.
الباب التاسع والثمانون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿إِنَّمَآ أَنَّوَالُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]
[نظم: البسيط]
هو البَلاءُ الذي ما فيه تَنْفِيسُ
الابْتِلاءُ بعَيْنِ المال والوَلَدِ
والابْنُ صُورَتُهُ والمِثْلُ تَقْدِيسُ
فالمَالُ كُنْ فَيَكُونُ الأَمْرُ أَجْمَعُهُ
فأضْلُهُ هو سُبُوحٌ وقُدُّوسُ
به تَعَلّق نَفْيُ المِثْل فاخظَ به
أسمائه فيه تمثيل وتجنيسُ
فانْظُرْ إلى خَلْقِنَا على التطابق في
قال الله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَأُ وَالَْقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا
وَخَيْرُّ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] وقال عليه الصلاة والسلام: ((يَمُوتُ ابْنُ آدَمَ وَيَنْقَطِعُ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ
ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يَبْتُهُ فِي النَّاسِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) فقد جمع المال والبنون زينة
الحياة الدنيا، وما تعطيه الباقيات الصالحات من الخير عند ربه وهو الثواب، ومن الخير
المؤمل وهو البنون لأنهما من الباقيات الصالحات أعني المال والبنين إذا كان المال الصالح
والولد الصالح. وأما العلم المذكور في هذا الخبر فهو ما سنه من سنة حسنة، وجعل الله
المال والولد فتنة يختبر بهما عباده لأن لهما بالقلب لصوقاً وهما محبوبان طبعاً، ويتوصل بهما
ولا سيما بالمال إلى ما لا يتوصل بغير المال من أمور الخير والشر، فإن غلب على العبد
الطبع لم يقف في التصرف بما له عند حد بل ينال به جميع أغراضه، وإن غلب على العبد
الشرع وقف في التصرف في ماله عندما حد له فيه ربه فلم ينل به جميع أغراضه، وما سمي
المال مالاً إلا لكون القلب مال إليه لما فيه من بلوغ العبد إذا كان صالحاً إلى جميع الخيرات
التي يجدها عند ربه في المنقلب، وإذا لم يكن تام الصلاح فلما فيه من بلوغه أغراضه به،
وأما الولد فلما كان لأبويه عليه ولادة أحباه ومالا إليه ميل الفاعل إلى ما انفعل عنه وميل
الصانع إلى مصنوعه، فميله لحب الولد ميل ذاتي، فإن كرهه فبأمر عارض لأخلاق ذميمة
وصفات شريرة تقوم بالولد فبغضه عرضي، فيطلع من هذا الهجير على سبب رحمة الله التي
وسعت كل شيء، فإن العالم المكلف كله مصنوعه وهو من جملة من ظهرت فيه صنعته، فلا
بد أن يكون بالذات محبوباً لموجده حباً بالأصالة، وإذا وقع عليه كره فمن بعض أفعاله وأفعاله
عرضية، ومع كونها عرضية ففيها ما يؤيد الأصالة وهو أن جميع الأفعال الظاهرة من العالم
كلها لله، والعالم محل لظهور تلك الأفعال أو هي للحق كالآلة للصانع، فغلبت الرحمة
والمحبة وتأخر حكم الغضب، وليس تأخره إلا عبارة عن إزالة دوام حكمه، وما فتن الله من

١٨٦
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الموفي تسعين وأربعمائة
فتن من عباده إلا بحكم ما ظهر عليهم من الدعاوى فيما يتصرفون فيه أن ذلك الفعل لهم
حقيقة أو كسباً، فلو أطلعهم الله على اليد الإلهية الخالقة ورأوا نفوسهم آلات صناعية
لا يمكن وقوع غير ذلك لما اختبرهم الله، فما اختبرهم إلا ليعثروا على مثل هذا العلم
فيعصموا من الدعوى فيسعدوا، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة فحار ولم
يدر وهم القائلون بالكسب، ومنهم من حقت عليه كلمة العذاب وهم القائلون بخلق الأفعال،
وأما الذين هداهم الله فهم الذي أعطوا كل آية وردت في القرآن أو عن الله أو خبر نبوي حقها
ولم يتعدوا بها موطنها ولا صرفوها إلى غير وجهتها، فما يوجب الحيرة منها كان هداهم فيها
الوقوف في الحيرة، فلو تعدوها ما أعطوا الآية حقها مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وهي أعظم آية وردت في ثبوت الحيرة في العالم، فمن وقف مع
المقالة المشروعة وجعل لها الحكم على ما أعطاه النظر العقلي من نقيض ما دل عليه الشرع
فذلك السالم الناجي، ومن زاد على الوقوف العمل بالتقوى جعل الله له فرقاناً يفرق به بين
أصحاب النحل والملل، وما تعطيه الأدلة العقلية التي تزيد حكم الشرع عند القائل بها فيتأولها
ليردّها إلى دليل عقله فهو على خطر، وإن أصاب فعليك بفرقان التقوى فإنه عن شهود وصحة
وجود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل الهادي إلى طريق مستقيم.
الباب الموفي تسعين وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]
[نظم: الرمل]
كَبُرَ المَقْتُ من الخَلْقِ فَمَنْ
كَبُرَ المَقْتُ من الله لذا
من جَمِيلٍ وهو القولُ الحَسَنْ
قال قَوْلاً ثُمَّ لم يَعْمَلُ به
وهو لا يدري به في كل فَنْ
عمل الله به في خلقه
في وجود الكون من لَفْظَةِ كُنْ
من فُنُونِ الخَيْرِ فَاسْتَبْصِرْ به
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله ما أضاف الأفعال إلى الخلق إلا لكون من أضاف
الفعل إليه هوية باطنه عين الحق، فلا يكون الفعل إلا لله غير أنه من عباد الله من أشهده ذلك،
ومنهم من لم يشهده ذلك، فمن أشهده ذلك وقال ما يمكن أن يكون بالفعل وما فعل فيعلم
على القطع شهوداً أنه ما امتنع وقوع الفعل إلا لخروجه عن الإمكان العقلي لأنه لم ير له
صورة في الأعين الثابتة التي أعطت العلم لله، فكيف يقع في الوجود ما لا عين له في
الثبوت؟ ولهذا أضاف المقت في ذلك لعند الله، فإن هذا الاسم جامع المتقابلات من أحكام
الأسماء، فمن جملة ما يدل عليه إثبات الإمكان فيمقت من حيث إثبات الإمكان، فالله هنا هو
اسم خاص معين وهو المثبت الإمكان، ويقابله نافي الإمكان فيقول: ما ثم إلا وجوب غير
أنه مقيد ومطلق فلا يصح إطلاق هذا الاسم الله، فإذا قيل: فالمراد به التقييد ويظهر بما يدل
عليه الحال فيعلم عن أي شيء ناب من الأسماء فينظر في حكم ذلك الاسم فيوجد أثره فيه

١٨٧
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الموفي تسعين وأربعمائة
فتعلق المقت بمن قال خيراً يمكن له فعله فلا يفعله، فانظر إلى ذلك القول الخير لا بد أن
يجني ثمرته في الخير القائل به، ولا سيما إن أعطى عملاً في عامل من عباد الله إلا أنه
محروم، فما يكبر عند الله إلا لكون هذا القائل قال هذا القول ولم يفعل ما قاله إذا أطلع على
ما حرم من الخير بترك الفعل فمقت نفسه أعظم المقت، ولا سيما إذا رأى غيره قد انتفع به
عملاً فهو أكبر مقت عنده يمقت به نفسه عند الله في شهوده في الآخرة، فهو أكبر مقت عند
الله من مقت آخر لا أن الله مقته بل هو يمقت نفسه عند الله إذا صار إليه، وللمقت درجات
بعضها أكبر من بعض، وهذا من أكبرها عنده، فيكشف له هذا الهجير هذا العلم، فإن الناس
يأخذون في هذه الآية غير مأخذها فيقولون: إن الله مقتهم وما يتحققون قوله تعالى: ﴿عِندَ
اُللَّهِ﴾ [الصف: ٣] أي تمقتون أنفسكم، أكبر المقت عند الله إذا رجعتم إليه، فإن قال ما نعتقد
صحته ولم يقل ذلك إيماناً فذلك المنافق، وإن قال ذلك إيماناً ولم يفعل فذلك المفرط وهو
الذي يكبر مقته عند الله لأن إيمانه يعطيه الفعل فلم يفعل، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به على
ألسنتهم وألسنة غيرهم لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وآتاهم الله أجراً عظيم لأنه أضاف الفعل إلى
القول، فعظم بالاجتماع على ما تكون صورته إذا انفرد بقول دون فعل وبفعل دون قول، وما
أيه الله بمن هذه صفته إلا بالاسم المذكر ليزيلهم به من حكم الاسم الخاذل، فإن الله ما يؤيه
إلا من الاسم الذي لا حكم له في الحال، والتأيه على نوعين: تأيه بالصفة مثل قوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ و﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ﴾ [النساء: ٤٧] وتأيه بالذات مثل قوله: ﴿يَأَيُّهَا
النَّاسُ﴾ فمتى سمعت التأيه فلتنظر مايأيه به لا من أيه به، فاعمل بحسب ما أيه به من اجتناب
أو غير اجتناب فإنه قد يؤيه بأمر وقد يؤيه بنهي، كما تقول في الأمر: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وكما يقول في النهي: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعَتَِّرَ اللَّهِ﴾
[المائدة: ٢] وكذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] فهذا تأيه إنكار
كأنه يقول في الأمر: فيه افعلوا ما تقولون، وفي النهي: لا تقولوا على الله ما لا تعملون
فإنكم تمقتون نفوسكم عند الله في ذلك أكبر المقت كما قررنا، فإذا أتى مثل هذا كان له وجه
للأمر ووجه للنهي وهذا هو الوجه، فيأخذه السامع بحسب ما يقع له في الوقت، وأي وجه
أخذ به في أمر أو نهي أصاب وإن جمع بينهما جنى ثمرة ذلك فيكون له أجران، ومن
الناس من يكشف له في هذا الهجير أنه القول الخاص وهو أن يقول بإضافة الفعل إلى نفسه
في اعتقاده كالمعتزلي فيطلع في كشفه على أن الأفعال لله ليست له فيمقت نفسه حيث
جهلت مثل هذا أكبر المقت عند الله، ويكون عند الله هنا عندية الشهود حيث كان في الدنيا
أو في الآخرة، فمقته في الدنيا رجوع عن ذلك فيسعد ويلحق بالعلماء بخلاف مقته عند الله
في الآخرة فكأنه يقول: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ﴾ أن الفعل لكم وما هو كذلك
فأضفتم إليكم ﴿مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] و﴿كَبُرَ مَفْتًا﴾ [الصف: ٣] منكم ﴿عِندَ اللَّهِ أَنْ
تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ﴾ [الصف: ٣، ٤] فإنه على
صراط مستقيم هذا المنازع الذي نقول له إن الفعل للحق ﴿صَفًّا﴾ لا خلل فيه ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ

١٨٨
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والتسعون وأربعمائة
مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] لا خلل فيه فيضيف الأفعال كلها لله لا لمن ظهرت فيه، فقد أفلح من
كان هجيره هذه الآية لأنه لا فائدة للهجير إلا أن يفتح لصاحبه فيه، فإذا رأيت ذا هجير
لا يفتح له فيه فاعلم أنه صاحب هجير لسان ظاهره لا يوافقه لسان باطنه، ومن هو بهذه
المثابة فما هو مقصودنا بأصحاب الهجيرات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأحد والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿لَا تَفْرَعْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]
[نظم: الرمل]
حالها ذا في خُصوص وعُمُومُ
إنّما الدُّنْيا هُمُومٌ وغُمُومُ
فكرة العالم بالأمر الحكيم
فالذي يَفْرَحُ فيها ماله
عن شُهُود في حديث وقَدِيمْ
إنما الأمْرُ إذا حَقَّقْتَهُ
لخبير ذي تجاريبِ عليم
عِبْرَةٌ موعظةٌ قد نُصِبَتْ
شاء أن يَفْرَحَ من أهل النَّعِيمْ
فبفضل الله فلْيَفْرَحَ مَنْ
قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]
فيفرحون به، ولا يفرح عاقل إلا بثابت لا بزائل، ولهذا الفرح الذي نسب إلى الله في فرحه
بتوبة عبده لأن التوبة أمر لازم دائم الوجود ولا سيما في الآخرة لأن العبد راجع إلى الله في
كل ما هو عليه إن كان في حال الحجاب إيماناً وإن كان مع رفع الحجاب فشهود عين، وهذا
الهجير ما هو من قول الله في النهي، وإنما حكى الله نهي قومه له فقال: ﴿قَالَ لَهُمْ قَوْمُهُ﴾
[القصص: ٧٦] أي قوم قارون ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] فهل أصابوا في
هذا الإطلاق ولم يقيدوا أم لا؟ فذلك أمر آخر، فإن كان اتكالهم في ذلك على قرينة الحال
فقد قيدوا لأن قرائن الأحوال تقيد، وإن اقتضت الإطلاق في بعض المواطن فهو تقييد إطلاق
لا تقييد ينتج لصاحب هذا الذكر الفرح بفضل الله وبرحمته فينتج له نقيض ذكره، فتراه أبداً
حزين القلب ما دام في الدنيا إلى الموت وإن فتح له ما يقع له به الفرح لو كان في غير هذا
الهجير وذلك إذا فتح له فيما يوجب الفرح يرى ما عليه من الشكر لله فيما فتح له فيه فيعظم
حزنه أشد مما كان فيه قبل الفتح كما فعل رسول الله و 8# حين بشر بأن الله غفر له ما تقدم من
ذنبه وما تأخر فزاد في العمل شكراً لله فقام حتى تورمت قدماه وقال: ((أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً))
ومن كان في مقام يريد أن يوفيه حقه لا يمكن له الفرح إلا بعد أن لا يبقى عليه من حقه
شيء، ولا يزال هذا الحق المعين على المكلف المبشر بفضل الله وبرحمته عليه إلى آخر نفس
يكون عليه في الدنيا فلا يفرح إلا عند خروجه منها، فإنه لا يسقط عنه التكليف إلا بعد رحلته
من دار التكليف وهي الدار الدنيا، فمن ادعى هذا الذكر ورؤي عليه الفرح فما لهذا الذكر فيه
أثر وليس من أهله، ولقد رأى بعض الصالحين رجلاً أو شخصاً يفرح ويضحك فقال له :
يا هذا إن كنت ممن بشره الله فما هذه حالة الشاكرين لما بشرهم الله به، وإن كنت ممن لم

١٨٩
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثاني والتسعون وأربعمائة
يبشره الله فما هذه حالة الخائفين، فأنكر عليه حالة الفرح في الوجهين، وهذا عين ما قلناه في
هذا الهجير، وهذه المحبة المنفية محبة خاصة لا كل محبة، فإن المحبة الإلهية لها وجوه
كثيرة ولا يلزم من انتفاء وجه منها انتفاء الوجوه كلها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًّا إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن
رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧،٢٦]
[نظم: الرمل]
ذاك غَيْباً إِنَّهُ قَدْ شَهِدَا
لو بَدَا الغَيْبُ لعَيْنٍ لم يَكُنْ
لا ولا يظهر فيه أحَدَا
عالِمُ الغَيْب فلا يُظْهرُهُ
ما لديه غائبٌ ما وجدا
فجميعُ الكَوْنِ مَشْهُودٌ له
ولهذا في الوجود انْفَرَدًا
إنَّما الغيبُ لنا ليس له
فاتَّخِذْهُ يا وَلِيِّي سَنَدَا
ولذا قال لمن يَشْهَدُ كُنْ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أنه من صادف العلم في ظنه أنه موصوف بالعلم
عند نفسه وإن كان نعته العلم في نفس الأمر، ولهذا قال رسول الله وَّطيور للرجل الذي وقع
له أنها الفاتحة: (لِيَهنكَ العِلْمُ)) يعني في نفس الأمر، ثم يقول النبي بَّ له ليهنك العلم فيما
ذكر في واقعته حصل له العلم في نفسه كما هو في نفس الأمر لا بد من ذلك، فاعلم أن
الغيب على قسمين: غيب لا يعلم أبداً وليس إلا هوية الحق ونسبته إلينا وأما نسبتنا إليه
فدون ذلك فهذا غيب لا يمكن ولا يعلم أبداً. والقسم الآخر غيب إضافيّ فما هو مشهود
لأحد قد يكون غيباً لآخر، فما في الوجود غيب أصلاً لا يشهده أحد، وأدقه أن يشهد
الموجود نفسه الذي هو غيب عن كل أحد سوى نفسه، فما ثم غيب إلا وهو مشهود في
حال غيبته عمن ليس بمشاهد له، فإذا ارتضى الله من ارتضاه لعلم ذلك أطلعه عليه علماً
لا ظناً ولا تخميناً، فلا يعلم إلا بإعلام الله أو بإعلام من أعلمه الله عند من يعتقد فيه أن الله
أعلمه، وما عدا هذا فلا علم له بغيب أصلاً، وإنما اختص بهذا الإعلام مسمى الرسول لأنه
ما أعلمه بذلك الغيب اقتصاراً عليه، وإنما أعلمه ليعلمه، فتحصل له درجة الفضيلة على
من أعلمه به لتعلم مكانته عند ربه فلهذا سماه رسولاً، وهذا النوع من الغيب لا يكون إلا
من الوجه الخاص لا يعلمه ملك ولا غيره إلا الرسول خاصة سواء كان الرسول ملكاً أو
غيره، فإن الله نفى أن يظهر على غيبه أحداً، وإنما قال بأن الذي ارتضاه لذلك يسلك من
بين يديه ومن خلفه رصداً عصمة له من الشبه القادحة فيه، فهو علم لا دخول للشبه فيه
على صاحبه، وهذا هو صاحب البصيرة الذي هو على بينة من ربه في علمه، وله ذوق
خاص يتميز به لا يشاركه فيه غيره، إذ لو شاركه لما كان خاصاً، فإذا جاء الرسول به لمن
يعلمه فذلك ليس عند هذا المتعلم من علم الغيب فإن الرسول قد أظهره الله عليه، فما هو

١٩٠
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والتسعون وأربعمائة
عند هذا من علم الغيب الذي لا يظهر الله عليه أحداً وإنما هو ما يحصل لأي عالم كان من
الوجه الخاص، ولكنه الآن ليس بواقع في الدنيا لكنه يقع في الآخرة، وسبب ذلك أن كل
علم يحصل للإنسان في الدنيا من العلم بالله خاصة فإن محمداً وَ ل و قد علمه فإنه علم علم
الأولين والآخرين وأنت من الآخرين بلا شك، وأما في غير العلم بالله فقد يعطاه الإنسان
من الوجه الخاص فلا يعلم إلا منه فهو رسول في تعليمه إلا من يعلمه بذلك هذا أعطاه
مقام محمد مرَّة، وليست الفائدة إلا في العلم بالله تعالى، فإنه العلم الذي به تحسن صورة
العالم في نفسه، فالعلم بالله من الرسول في المتعلم أعظم وأنفع من العلم الذي يحصل لك
من الوجه الخاص إذا كان المعلوم كوناً ما من الأكوان ليس الله، فما الشرف للإنسان إلا
في علمه بالله، وأما علمه بسوى الله تعالى فعلالة يتعلل بها الإنسان المحجوب، فإن
المنصف ما له همة إلا العلم به تعالى، فاجهد أن تكون ممن يأخذ العلم بالله عن
رسول الله ﴿ فتكون محمدي الشهود، إذ قد قطعنا أنه لا علم بالله اليوم عيناً يختص به
أحد من خلق الله، وقد أشارت عائشة رضي الله عنها إلى ذلك في تأويلها في حق
رسول الله و184 فقالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فإن الله
يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وهنا سر فابحث عليه، ولا تقل قد حجرت
واسعاً فإني ما حجرت عليك أن لا تعلم وإنما حجرت عليك أنك لا تعلم مثل هذا من
الحق إلا في صورة محمدية، وقد بينا أن أعظم الرؤية رؤية محمدية في صورة محمدية،
وإليه ذهب الإمام أبو القاسم بن قسي رحمه الله في كتاب خلع النعلين له وهو روايتنا عن
ابنه عنه بتونس سنة تسعين وخمسمائة، وما رأيت هذا النفس لغيره فنعينه فإنه ما وصل إلينا
فيمكن أن يكون كما علمته أنا من الله تعالى إلقاء إلهياً من غير واسطة أعني ما علمه ابن
قسي في ذلك يمكن أيضاً أن يكون غير ابن قسي قبله أو بعده أو في زمانه قد أطلعه الله
على ذلك وما وصل إلينا والله أعلم، فلا شرف يعلو شرف العلم، ولا حالة تسمو على
حالة الفهم عن الله .
الباب الثالث والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] لأنهم لم يجدوه إذ كان عندهم
[نظم: الرمل]
فلهذا ليس في الكَوْنِ حُدُوثْ
كلّ ما في الكَوْنِ من خَالِقِهِ
حين لا يُفْقَهُ في الكون حَدِيثْ
ما تراه قد نَفَى العلْمَ به
فلهذا السَّيْرُ في ذاك حثيث
إنهم لم يَجِدُوهُ حادثاً
غَيْرُ مَعْتُوهِ جَهُولٍ أو خبيثْ
ما نَفَى بالعلم فيه أحَدٌ

١٩١
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والتسعون وأربعمائة
واحد العين وإن طال النَّشِيثُ
إنما يعلم منه كونه
بَنَّهُ فينا من الذكر الحديث
كَزَّمَ الله رسولاً بالذي
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِنَ الرَّهْمَنِ تُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] وقال:
﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا أُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٣) لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢،
٣] فجاء الذكر من الرب والرحمن فأخبر أنهم استعمعوا وأصغوا لذكر الرب في حال لهو،
وذكر إعراضهم عن ذكر الرحمن مع العلم منهم بأنه القرآن وهو كلام الله والكلام صفته فله
القدم وإن حدث الإتيان، اعلم أن الحديث قد يكون حديثاً في نفس الأمر، وقد يكون حديثاً
بالنسبة إلى وجوده عندك في الحال وهو أقدم من ذلك الحدوث، وذلك إذا أردت بالقدم نفي
الأولية فليس إلا كلام الله، وليس إلا عين القابل صور التجلي، وإذا أردت به غير نفي الأولية
فقد يكون حادثاً في نفسه ذلك الشيء قبل حدوثه عندك، وقد يكون حادثاً بحدوثه عندك أي
ذلك زمان حدوثه وهو ما يقوم بك أو بمن يخاطبك أو يجالسك من الأغراض في الحال،
وأما عندية الله فهي على قسمين أعني ما هو عنده، القسم الواحد ما هو عليه من الأمر الذي
يعقل زائداً على هويته وإن لم نقل فيه أنه غيره ولا عينه أيضاً كالصفات المنسوبة إليه لا هي
هو ولا هي غيره، وقد يكون عنده ما يحدثه فينا ولنا وهو مثل قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا
خَزَآئِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] وهذا الذي عندنا على نوعين نوع يحدث صورته لا جوهره كالمطر فإنا
نعلم ما هو من حيث جوهره وما هو من حيث صورته وكل العالم على هذا، أو هو النوع
الآخر ما يحدث جوهره وليس إلا جوهر الصورة ووجود جوهر العين القائمة به تلك الصورة
فإنه لا وجود لعين جوهرها الذي قامت به إلا عند قيامها به، فهو قبل ذلك معقول لا موجود
العين، فموضوع الصورة أو محل الصورة من المادّة يحدث له الوجود بحدوث الصورة في
حال ما لا في كل حال، وينعدم من الوجود بعدمها ما لم تكن صورة أخرى تقوم به والكل
عند الله فإن الله عين شيئيته، فما ثم معقول ولا موجود يحدث عنده بل الكل مشهود العين له
بين ثبوت ووجود، فالثبوت خزائنه والوجود ما يحدثه عندنا من تلك الخزائن، فصورة الماء
في الجليد معقولة ينطلق عليها اسم جليد والماء في الجليد بالقوة، فإذا طرأ على الجليد
ما يحلله فإنه يصير ماء فظهرت وحدثت صورة الماء فيه ومنه وزال عنه اسم الجليد وصورته
وحده وحقيقته، وكان عندنا قبل تحلله أنه خزانة من خزائن الغيث فظهر أنه عين المخزون،
فكان خزانة بصورة ومخزوناً بصورة غيرها، وهكذا حكم ما يستحيل هو عين ما استحال وعين
ما يستحيل إليه، وإنما جئنا بهذا المثال المحقق لما نعاينه من صور التجلي في الوجود الحق
النلحق بذلك صور العالم كله في وجود الحق فنطلق عليه خلقاً كما يطلق على الماء الذي تحلل
من الجليد ماء، ويطلق عليه ذلك إطلاقاً حقيقياً لأنه ليس غير ما تحلل مما كان اسم الجليد له
فهو حق بوجه خلق بوجه هذا ينتجه وأمثاله هذا الذكر من العلم الإلهيّ، ومن هنا تعلم جميع
المحدثات ما هي ومتى ينطلق عليها اسم الحدوث، ومتى تقبل اسم القدم، وهو علم نفيس
يخص الله به من شاء من عباده وذلك هو الفضل المبين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

١٩٢
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الرابع والتسعون وأربعمائة
الباب الرابع والتسعون وأربعمائة
في معرفةٍ حال قطب كان منزله:
چ
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [فاطر: ٢٨] وما أشبه هذا من الآيات القرآنية
[نظم: الرمل]
يعلمُ الحَقِّ وَيَبْقَى رَسْمُهُ
إنّما يَخْشَى الإلهَ الحَقِّ مَنْ
فَنِيَ العالمُ فيه واسْمُهُ
فإذا ما فَنِيَ الكُلُّ به
كلّ علم قد شهدنا حُكْمَهُ
إنما العِلْمُ الذي ينفعُنا
وبه يَعْلَمُ علمي عِلْمَهُ
فهو العلم الذي نَعْرِفُهُ
الخشية من صفات العلم الذي يعطي الخشية اللازمة له، وعلى قدر العلم بها تكون
الخشية المنسوبة إلى العالم، ولا أعلم بها ممن علمه عينه، فلا أخشى منه للاسم الله لجمع
هذا الاسم بين الأضداد المتقابلات، ومن هنا نزل قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [ محمد: ٣١] ولما كان
الأمر الذي هو علة ظهور الممكنات أينما ظهر منها ليس إلا أحكام الأسماء الإلهية فما من
اسم إلهي إلا وهو يخشى الله لعلمه بما عنده من الأسماء التي تقابل هذا الاسم الوالي في
الحال صاحب الحكم فيقول كما ولاني ولم أكن والياً على هذا المحل الخاص الذي ظهر فيه
حكمي قد يعزلني عن ذلك بوالٍ آخر يعني بحكم اسم آخر إلهي، فلا أعلم من الأسماء الإلهية
فلا أخشى منها لله، فإن الله له التصرّف فيها بالتولي والعزل وهو الواقع في الوجود، فمنها
ما يقع عن سؤال من الكون، ومنها ما يقع عن غير سؤال، بل يقع بانتهاء مدة الحكم فيكون
نسخاً، فكما انطلق على العلماء من المحدثات اسم الخشية لله انطلق على الأسماء الخشية
لله، ولسؤال المحدثات في رفع أحكام الأسماء الإلهية صارت الأسماء الإلهية التي لها الحكم
في الوقت تخشى سؤال المحدثات الله في رفع حكمها عن ذلك المحل كقول أيوب عليه
السلام إذ نادى ربه ﴿أَنِّ مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] يطلب عزل الاسم الضار وإزالة حكمه،
فعزل الله حکمه فانعزل بزوال حکمه وتولی موضعه الاسم النافع، فکشف الله ما به من ضرّ
فصارت الأسماء الإلهية تخشى الله لما بيده من العزل والتولية، وتخشى العالم لما عنده من
السؤال، وعند الله من القبول لسؤال العالم ولا سيما أهل الاضطرار. ثم ننظر إلى انتهاء مدة
أحكامها فتترقب العزل كما أيضاً ترجوه لمشاهدتهم التولية، فلا شيء من الأسماء أكثر خشية
من المنتقم فإنه يرى ويشاهد زوال حكمه فعلاً ولا يبقى له حكم في الوجود ويكون بالقوة في
الحق، ومن جرى مجراه من الأسماء الإلهية، فتفطن لخشية الأسماء الإلهية العالم فإنك إذا
كوشفت عليه رأيت أنه لولا ما هو حق بوجه ما صح أن تخشاه الأسماء الإلهية لأنه لا يخشى
ولا يرجى في الحقيقة إلا الله ولا يخشاه إلا العالم ولا أعلم من الله، فلا يخشى الله إلا الله،
لكن الصور مختلفة لاختلاف النسب أو النسب مختلفة لاختلاف الصور، فلولا النسب
ما حدثت الصور، ولولا الصور ما علم اختلاف النسب، فالوجود مربوط بعضه ببعضه
فإبرامه عين نقضه، ثم إنه في هذا الذكر ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾ [فاطر: ٢٨] فعزته امتناعه

١٩٣
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس والتسعون وأربعمائة
تعالى عن أن يكون له حكم الأسماء الإلهية من نظر بعضها إلى بعض كما ينظر العالم بعضه
إلى بعض فيتصف لذلك بالخوف والرجاء والكره والمحبة، والله عزيز عن مثل هذا، فإنه
الذي يخاف ويرجى ويسأل ويجيب إن شاء وإن شاء، وغفور بما ستر من هذه العلوم
والأسرار الراجعة إليه تعالى وإلى أسمائه وإلى العالم عن الخلق كلهم بالمجموع، فلا يعلم
المجموع ولا واحد من الخلق لكن له العلم بالآحاد فعند واحد ما ليس عند الآخر فهو
بالمجموع حاصل لا حاصل، فهو حاصل في المجموع غير حاصل عند واحد واحد وهو
قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فجاء بباء التبعيض، فعند واحد
من العلم بالله ما ليس عند الآخر فلذلك قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾ [فاطر: ٢٨].
الباب الخامس والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾
[البقرة: ٢١٧ ]
[نظم: البسيط]
فإنَّهُ كَافِرْ بالدِّينِ أَجْمَعِهِ
مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمُ عن دِينِهِ ويَمُثْ
مخالفٌ جاءه من غير مَوْضِعِهِ
لأنه أحَدِيُّ العَيْنِ ليس له
بذا أتى الحُكْمُ فيه من مُشَرِّعِهِ
وأن إتيانه بالكل شرعته
الضمير في ((أنه)) يعود على الدين قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾
[المائدة: ٤٨] فالمراد هنا بضمير («منكم)) ليس إلا الأنبياء عليهم السلام لا الأمم، لأنه لو كان
للأمم لم يبعث رسول في أمة قد بعث فيها رسول إلا أن يكون مؤيداً لا يزيد ولا ينقص وما
وقع الأمر كذلك، فإن جعلنا الضمير في قوله منكم للأمم والرسل جميعاً تكلفنا في التأويل
شططاً لا نحتاج إليه، فكون الضمير كناية عن الرسل أقرب إلى الفهم وأوصل إلى العلم،
ويدخل في ذلك عموم الرسالة وخصوصها، وقال ◌َلهر: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)) فاختلف الناس
في اليهودي إن تنصر والنصراني إن تهوّد هل يقتل أم لا؟ ولم يختلفوا فيه إن أسلم فإنه وَ ال
ما جاء يدعو الناس إلا إلى الإسلام، وجعل علماء الرسوم أن هذا تبديل مأمور به وما هو
عندنا كذلك، فإن النصراني وأهل الكتاب كلهم إذا أسلموا ما بدلوا دينهم فإنه من دينهم
الإيمان بمحمد ◌ّ والدخول في شرعه إذا أرسل وأن رسالته عامة، فما بدل أحد من أهل
الدين دينه إذ أسلم فافهم وما بقي إلا المشرك فإن ذلك ليس بدين مشروع، وإنما هو موضوع
من عند غير الله، والله ما قال إلا ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]
ورسول الله وَ لَّ يقول: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ))، وإنما لم يسم الشرك ديناً لأن الدين الجزاء ولا جزاء
في الخير للمشرك على الشرك أصلاً لا فيما سلف ولا فيما بقي، وإذا آل المشرك إلى
ما يؤول إليه في النار التي هي موطنه الذي لا يخرج منه أبداً فإن ذلك ليس بجزاء، وإنما
ذلك اختصاص سبق الرحمة التي وسعت كل شيء، فيظهر حكمها فيه في وقت ما عند إزالة
الفتوحات المكية ج ٧ - م١٣

١٩٤
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس والتسعون وأربعمائة
حكم الغضب الإلهي فما أراد بالدين إلا الذي له جزاء في الخير والشرّ، ولو أراد الدين الذي
هو العادة مثل قول امرىء القيس : [الطويل]
كدِينِك من أمّ الحُوَيْرِثِ قبلها
وجارتها أم الرّباب بمَأْسلٍ
أراد بالدين هنا العادة، ونحن إنما تكلمنا في الدين المشروع الذي العادة جزء منه
فيكشف للذاكر بهذا الذكر علم الارتداد وهو الرجوع الذي في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ
كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فمن الناس من عجل له هنا الرجوع إلى الله وليس ذلك إلا للعارفين بالله
فإنهم يرجعون في أمورهم كلها إلى الله، ولا يزالون يستصحبهم ذلك إلى الموت فيموتون
عليه، وإنما وصفوا بالكفر لأنهم تستروا بالأسباب ولم يقولوا بإبطالها، فهم في نفوسهم
وحالهم مع الله وبظاهرهم في الأسباب، فإنهم يرون الأسباب راجعة إلى الله فرجعوا لرجوعها
ورجعوا بها إلى الله، فلما لم يفقدهم أصحاب الأسباب في الأسباب تخيلوا فيهم أنهم أمثالهم
فيما هم فيه فجاءت هذه الآية ذماً في العموم وحمداً ومدحاً في الخصوص ولهذا تممها فقال
فيهم: إن أعمالهم حبطت لأنه أضافها إليهم وأعطاهم الرجوع إلى الله العلم بأن أعمالهم إلى
الله لا إليهم فحبطت أعمالهم من الإضافة إليهم وصارت مضافة إلى الله كما هي في نفس
الأمر، وقوله في الدنيا يريد من عجل له الكشف عن ذلك هنا، وقوله في الآخرة يريد من أخر
له ذلك وهو الجميع إذا انكشف الغطاء. وأما إضافة الدين إليه في قوله عن دينه: وإنما الدين
الله فإن الراجع إذا رآه في رجوعه لله لا إليه زالت هذه الإضافة عنه لشهوده، وإنما قلنا بإضافة
الدين إليهم في هذه الآية لأنه أظهر في الحكم من أجل قوله: ﴿حَّ يَرُذُوكُمْ﴾ يعني في الفتنة
عن دينكم ﴿إِنِ أُسْتَطَعُواْ﴾ [البقرة: ٢١٧] فأضاف الدين إليهم، فكان الأوجه أن يكون في
ضمير الهاء على ما هو عليه في ضمير الخطاب سواء، وإن جاز أن يكون ضمير الهاء يعود
على الله لكن الأصل في الضمائر كلها عودها على أقرب مذكور إذا عريت عن قرائن
الأحوال، وقوله في تمام الهجير: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩] لهذا الكشف لأنهم
رأوا ما كانوا يتخيلون فيه أنه إليهم ليس إليهم فخسروا رأس المال ولا أعظم خسراناً منه، فما
كان من الله إليهم بعد هذا من الإنعام فإنما هو من الاسم الوهاب المعطي لينعم، فما لهم في
نظرهم عطاء جزاء لعامل، فهذا وأمثاله هو الذي يعطي هذا الذكر لمن كثر دؤوبه عليه.
الباب السادس والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]
[نظم: المنسرح]
ما قَدَرَ اللَّهَ غَيْرُهُ أبداً
ما حقّ قدر الإله عندي سوى
لو يَغْرِف الخَلْقُ ما أفُوهُ به
لو عَبَّرُوا عن وجود ذَاتِهِمُ
وليس غَيْرٌ فَكُلُّهُمْ قَدَرا
بأنه الله فاغْرِفِ الصُّوَرَا
قي حَقّ قَدْرِ الإِلهِ ما اغْتَبَرَا
ما عَرَفُوا الحَقَّ لا ولا البَشَرَا

١٩٥
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والتسعون وأربعمائة
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّوْ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] قدر الأمر موازنته
لمقداره، وهذا لا يعلم من الأمر حتى يكون له ما يعادله في ذاته فيكن ذلك المعادل مقداراً له
لأنه يزنه، فأثبت هذ الذكر لله قدراً لكنه مجهول عند أصحاب هذا الضمير، ولا يعرف قدر
الحق إلا من عرف الإنسان الكامل الذي خلقه الله على صورته وهي الخلافة، ثم وصف الحق
في الصورة الظاهرة نفسه باليدين والرجلين والأعين، وشبه ذلك مما وردت به الأخبار مما
يقتضيه الدليل العقلي من تنزيه حكم الظاهر من ذلك في المحدثات عن جناب الله فحق قدره
إضافة ما أضافه إلى نفسه مما ينكر الدليل إضافته إليه تعالى، إذ لو انفرد دون الشرع لم يضف
شيئاً من ذلك إليه، فمن أضاف مثل هذا إليه عقلاً فذلك هو الذي ما قدر الله حق قدره، وما
قال أخطأ المضيف، ومن أضافه شرعاً وشهوداً وكان على بينة من ربه فذلك الذي قدر الله حق
قدره، فالإنسان الكامل الذي هو الخليفة قدر الحق ظاهراً وباطناً صورة ومنزلة ومعنى، فمن
كل شيء في الوجود زوجان لأن الإنسان الكامل والعالم بالإنسان الكامل على صورة الحق
والزوجان الذكر والأنثى ففاعل ومنفعل فيه، فالحق الفاعل والعالم منفعل فيه لأنه محل ظهور
الانفعال بما يتناوب عليه من صور الأكوان من حركة وسكون واجتماع وافتراق، ومن صور
الألوان والصفات والنسب، فالعالم قدر الحق وجوداً، وأما في الثبوت فهو أظهر لحكم الأزل
الذي هو للممكنات في ثبوتها، لأن الإمكان للممكن نعت ذاتي نفسي، ولم يزل الممكن
ممكناً في حال عدمه ووجوده، فبقاء ما بقي منه في العدم وما بقي إلا بالمرجح، فهو الذي
أبقاه لما فيه من قبول الوجود، كما هو ممكن مرجح في حال الوجود بالوجود لقبوله العدم
بإمساك شرطه المصحح لبقائه. فكما سبح الله نفسه عن التشبيه سبح الممكن نفسه عن التنزيه
لما في التشبيه والتنزيه من الحد فهم بين مدخل ومخرج، وما ظفر بالأمر على ما هو عليه إلا
من جُمع بينهما فقال بالتنزيه من وجه عقلاً وشرعاً، وقال بالتشبيه من وجه شرعاً لا عقلاً،
والشهود يقضي بما جاءت به الرسل إلى أممها في الله ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءُ فَلْيَكْفُرَّ﴾
[الكهف: ٢٩] فكل واصف فإنما هو واقف مع نعت مخصوص فينزه الله نفسه عن ذلك النعت
من حيث تخصيصه لا من حيث إنه له، فإن له أحدية المجموع لا أحدية كل واحد من
المجموع، والواصف إنما يصفه بأحدية كل واحد من المجموع فهو المخاطب أعني من نعته
بذلك بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] وأما تسبيح الخلق له بقوله
تعالى: ﴿تُسَيِّحُ لَهُ الَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] وشبه ذلك مما ورد من الآيات
والتعريف الإلهي، فإنما يسبح الله عن عقد غيره فيه لأن نظر كل مسبح فيه نظر جزئي، فالذي
يثبت له واحد هو عين ما ينفيه عنه الآخر، وكل واحد منهما مسبح بحمد الله فأثبت الله لهذا
ما نفاه عن الله لا ما أثبته الآخر، وأثبت الله الآخر عين ما نفاه الأول لا ما أثبته، فما أثبت
الله لأحد من أهل الثناء عليه إلا نفى ما نفاه عنه فذلك هو التسبيح بحمده، فما يثنى عليه
بالإثبات دون نفي، ولا يوصف بالتسبيح ولا بنقيضه إلا العبد الجامع الكامل الظاهر بصورة
الحق فإنه يشاهد الجمع، ومن شاهد الجمع فقد شاهد التفصيل لأنه شاهده جمعاً، فالعبد

١٩٦
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع والتسعون وأربعمائة
الكامل مجموع الحق، ولا يقال الحق مجموع العبد الكامل، ومع هذا فللحق خصوص نعت
ليس للعالم أصلاً، وللعالم خصوص وصف ليس للحق أصلاً كالذلة والافتقار، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الباب السادس والتسعون وأربعمائة بانتهاء السفر الثلاثين
والحمد لله رب العالمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرّحَمَةِ
[السفر الحادي والثلاثون]
الباب السابع والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]
[نظم: البسيط]
الشَّرْعُ يَقْبَلُهُ عَقْلٌ وإيمانٌ
عند الإله عُلُومٌ ليس يعرفُها
فالأمر عقلٌ وإيمانٌ إذ اشْتَرَكا
وثمّ ينفردُ الإيمان في طَبَقٍ
والعقلُ من حيث حُكُمُ الفِكْرِ يَدْفَعُهُ
لو أن غير رَسُولِ الله جاء به
إذا تَأَوّلَهُ من غير وُجْهِتِهِ
لله في ذاك سِرِّ ليس يعلمُهُ
قد كَمَّلَ الله في الإنشاء صُورَتَهُ
العينُ واحدةٌ والحُكْمُ مختلفٌ
وللعُقُول موازينٌ وأوزانُ
إلا لبيبٌ له في الوزن رُجْحانُ
في حكم تَنْزِيهِهِ ما فيه خُسْرَانٌ
بما تماثله بالشرع أكوانُ
بما يُؤَيِّدُهُ في ذاك برهانُ
في الحين كفره زُورٌ ويُهْتانُ
وقال ما لي على ما قال سلطانُ
إلا فريدٌ وذاك الفَردُ إنسانُ
بصورة الحق فالقرآن فُزْقانُ
للجانبين فما في النّشْءِ نقصان
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمْ﴾ [صَ: ٢٤] على أن تكون
ما زائدة وليس القليل إلا من آمن بالله، فإن الموحدين بالله هم الذين وحدوا الله بالله، وأما
الموحدون الذين وحدوا الله لا بالله بل بأنفسهم فهم الذين أشركوا في توحيده، غير أن هذا
الهجير لا يعطي الإيمان بتوحيد الله، وإنما يعطي مشاهدة ميثاق الذرية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ
ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وما كان إلا
التصديق بالوجود والملك لا بالتوحيد، وإن كان فيه توحيد فغايته توحيد الملك فجاء قوله
تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] لما خرجوا إلى الدنيا لأن
الفطرة إنما كانت إيمانهم بوجود الحق والملك لا بالتوحيد، فلما عدم التوحيد من الفطرة
ظهر الشرك في الأكثر ممن يزعم أنه موحد، وما أدى من أداه إلى ذلك إلا التكليف، فإنه لما
كلفهم تحقق أكثرهم أن الله ما كلفهم إلا وقد علم أن لهم اقتداراً نفسياً على إيجاد ما كلفهم
به من الأفعال فلم يخلص لهم توحيد، فلو علموا من ذلك أن الله ما كلفهم إلا لما فيهم من

١٩٧
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثامن والتسعون وأربعمائة
الدعوى في نسبة الأفعال إليهم التي نسبوها إلى أنفسهم ليتجردوا عنها بالله لا بنفوسهم كما
فعل أهل الشهود، فإذا ألزم الذاكر نفسه هذا الذكر نتج له إقامة العذر عند الله لعباد الله فيما
أشركوا فيه عند إيمانهم، فإن الله أثبت لهم الإيمان بالله وهو خير كثير وعناية عظيمة إذا نظروا
إلى من قال فيهم تبارك وتعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِيلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٢]
فأظهروا ما ليس بوجود وجوداً، وأزالوا في عقدهم وجود ما هو وجود وهو الله فسماه الله
ستراً، فكان مستوراً عنهم وجود الحق بما ستروه إذ لم يستروه حتى تصوّروه وبعد التصوّر
ستروه فكانوا كافرين. ومن شأن الحق أنه حيث ما تصوّر كان له وجود في ذلك التصوّر، ولا
يزول برجوع ذلك المتصوّر عما تصوّر بخلاف المخلوق، فإن المخلوق إذا تصورته كان له
وجود من تصوّرك، فإذا تبين لك أنه ليس كذلك زال من الوجود بزوال تصوّرك ما تصوّرته،
فهذا فرقان بين الله وبين المخلوق وهم علم دقيق لا يعلمه كثير من الناس، فلهذا ثبت الشرك
في العالم لأنه قابل صورة كل معتقد، ولو لم يكن كذلك ما كان إلهاً، فإذا سمع السامع
الخبر النبويّ بوجود الله آمن به على ما يتصوّره فما آمن إلا بما تصوّره والله موجود عند كل
تصوّر كما هو موجود في خلاف ذلك التصوّر بعينه، فما آمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون
لما يطرأ عليهم في نفوسهم من مزيد العلم بالله، ولو في كل مزيد تصوّر فيه ليس عين الأوّل
وليس إلا الله في ذلك كله، فما جاء الله بهذه الآية إلا لإقامة عذرهم، ولم يتعرّض سبحانه
للتوحيد ولو تعرّض للتوحيد لم يصح قوله إلا وهم مشركون مع ثبوت الإيمان، فدل أنه
ما أراد الإيمان بالتوحيد، وإنما أراد الإيمان بالوجود، ثم ظهر التوحيد لمن ظهر في ثاني
حال، فمن ادّعى هذا الذكر هجيراً ولم يحصل عنده عذر العالم فيما أشركوا فيه فما هومن
أهل هذا الذكر فإنه ما له ذوق إلا هذا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣٫٢]
[نظم: البسيط]
فَرِزْقُهُ يَأْتِهِ من حيث لا يَذْري
مَنْ يَتَّقِ الله في ضِيقٍ وفي سَعَةٍ
رَبّا إذا جاء في لَيْلٍ إذا يَسْري
رزق المعاني ورزق الحسّ فازضَ به
تنظر إلى أحد في طَبْعه يجري
وفي زمان وفي غير الزمان فلا
عَيْني إلى أحَدٍ من عَالَمِ الأمْرِ
لولا وُجُودي ولولا الدَّهْرُ ما نَظَرَتْ
قال الله عز وجلّ: ﴿إِن تَثَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وهو قوله: ﴿يَجْعَل لَّهُ
مُخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فيخرج مما كان فيه فيفارقه إلى أمر آخر لأنه ما يخرج إلى عدم وإنما يخرج
من وجود إلى وجود هذا حال العالم بعد وجوده لا سبيل إلى العدم بعد ذلك قال: ﴿وَ إِلَى اللَّهِ
تُرجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩] وهو الوجود الحق، ومن صدق هذه الآية الأمر الذي سرى في

١٩٨
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والتسعون وأربعمائة
العالم وقال به إلا الشاذ النادر الذي لا حكم له، وهو أن أحداً لا تراه راضياً بحاله في الوجود
أصلاً ولذلك علة أصلية، وهو أن الحق كل يوم من أيام الأنفاس في شأن، فتحرّك العالم تلك
الشؤون الإلهية فيطلب الانتقال مما هو فيه كان ما كان إلى أمر آخر، غير أن الشاذ القليل وإن
طلب الانتقال فإنه راضٍ بحاله في وقته وفي طلبه الانتقال فهو يطلب ليجمع، وأكثر العالم
لا يطلب الانتقال إلا لعدم الرضا بحاله، فما تجد أحداً من صالح ولا غير صالح يرضى
بحاله، هذا هو الساري في العالم، ومن هذا الباب أنك ما ترى أحداً إلا وهو يذم زمانه
ويحمد ما مضى وخلا من الأزمان، وليس زمانه إلا حاله مذ وجدت هذه النشأة، وأي زمان
كان فيه بنو آدم في وقت آدم حتى ذكر أنه قال في نظم له بلسانه ترجمته: [الوافر]
تَغَيَّرَتِ البلادُ ومَنْ عليها
فوَجْهُ الأَرضِ مُغْبَرٌ قَبِيحُ
فالإنسان يذم يومه ويمدح أمسه وهو الإنسان عينه لا غيره، وقد كان أمس يذم يومه
ويمدح ما قبله فلم يزل الأمر هكذا وذلك للأمر الطبيعي أعني الذم، كما أن طلب الانتقال
للشأن الإلهي والعارفون يطلبون الانتقال للشأن الإلهي من غير ذم أوقاتهم، وغير العارفين
يذمون أوقاتهم طبعاً ويطلبون الانتقال للشأن الإلهي الذي يحركهم لذلك وهم لا يشعرون،
وله أيضاً سبب غير هذا عجيب أعني طلب الانتقال والذم، وذلك أن الإنسان مجبول على
القلق من الضيق، وطلب الانفساح والإفراج عنه، ويتخيل أن كل ما هو خارج عنه فيه
الانفساح من هذا الضيق الذي هو فيه، وذلك أن الإنسان إذا كان في حال ما من الأحوال فإنه
مقبوض عليه بذلك الحال لإحاطته به لا بد من ذلك فيجد نفسه محصوراً، ويرى ما خرج
عن ذلك الحصر أنه انفساح وانفراج لأن الأمر الخارج عن حاله ما هو واحد بعينه فيضيق عليه
الأمر، فلهذا يجد السعة فيما عدا حاله الذي هو عليه، فإذا خرج لم يحصل له من ذلك
الاتساع المتوهم إلا حال واحدة تحتاط به فيجد أيضاً فيه الضيق لإحاطتها به وحصره فيه،
فيطلب الإفراج عنه كما طلبه في الحال الأوّل، فلا يزال هذا ديدنه والله يخرجه من اسم إلى
اسم دائماً أبداً، فمن اتخذ الله وقاية أخرجه من الضيق أي أزال الضيق عنه فاتسع في مدلول
الاسم الله من غير تعيين، ولذلك رزقه من حيث لا يحتسب لأنه لم يقيد فلم يتقيد، فكل
شيء أقامه الحق فيه فهو له، فيرجع محيطاً بما أعطاه الله فله السعة دائماً أبداً، فالانتقال يعم
الجميع والرضا وعدم الرضا الموجب للضيق وهو الذي يتفاضل فيه الخلق، فمن اتقى الله
خرج إلى سعة هذا الاسم فيتسع باتساع هذا الاسم الله اتساعاً لا ضيق بعده، ومن لم يتقِ الله
لم يشهد سوى حكم اتساع واحد فيخرج من ضيق إلى ضيق، ومن أراد أن يجرب نفسه ويأتي
إلى الأمر من فصه ولينظر في نفسه إلى علمه برزقه ما هو، فإن لم يعلم رزقه فذلك الذي
خرج من الضيق إلى السعة وهو قوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٣] قال
بعضهم في ذلك : [المتقارب]
كما قال من أمْرِهِ مَخْرَجَا
ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ له
وإنْ ضاق أمْرٌ به فَرَجَا
ويَرْزُقُهُ من غير حُسْبانِهِ

١٩٩
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع والتسعون وأربعمائة
لأنه ما خلقه إلا لعبادته سبحانه وتعالى وهو يرزقه من حيث شاء، فلا يشغل نفسه
برزقه کما لا يشغل نفسه بأجله فإن حکمهما واحد، وما يختص بهما حیوان دون حيوان،
ومن علم رزقه لم يزل في ضيق لأنه مجبول على عدم الرضا، وإنما قلنا لم يزل في ضيق لأنه
قد تعين له ما لا يمكن الزيادة فيه بالخبر الصادق النبويّ، فيبقى معذباً بالضيق إلى أن يموت،
والذي لا يعلم يعيش في السعة المتوهمة سعة الرجاء فيعيش طيب النفس فكلما جاءه من رزق
من حيث لا يحتسب شغله انتظار ما لا يعلم عن حكم الحاصل في الوقت، فهو في قبضه
وضيق وقته في بسط وسعة من أمله فإنه الحاكم عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والتسعون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقتاً على زيادة الكاف ووقتاً
على كونها صفة لفرض المثل وهو مذهبنا والحمد لله
[نظم: مجزوء الرمل]
غَيْرُهُ فَهُوَ الوُجُودْ
ليس في الأكوان شَيْءٌ
قُلْتُهُ فيه شَهِيدْ
وأنا وَخدي على ما
فَهُوَ الفَرْدُ الوحيد
فانْتَفَى المِثْلُ على ذا
جانب الحَقّ مَزِيد
ما على ما قُلْتُهُ في
مثل ما هو المُرِيد
فهو المُرَادُ فـينـا
قال الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]
فما له مثل، إذ لو كان له مثل لم يصح نفيه فإنه ما نفى إلا المرتبة ما نفي مثلية الذات وما
عين التفاضل في الأمثال إلا المراتب، فلو زالت لزال التفاضل، فمن ذاته يقبل الصور ومن
مرتبته لا يقبل المثل، ولهذا سماه خليفة وخلفاء لأنها تولية ونيابة فما هم فيها بحكم
الاستحقاق أعني استحقاق الدوام، لكن لهم استحقاق قبول النيابة والخلافة، فهم في الرتبة
مستعارون وهي لله ذاتية فتزول عنهم ولا تزول ذواتهم، والحق ما تجلى لهم إلا في صورة
ذواتهم لا في رتبته فإذا تجلى لهم في رتبته انعزل الجميع فلم يكن إلا هو فنفى مثلية المرتبة
في الشهود ونفى مثلية الذات في الوجود: [مخلع البسيط]
مَنْفِيَّةٌ ما لها شُهُودُ
مِثْلِيَّةُ الذّات في الوُجُودِ
به إليكم ولا تَزِيدوا
فافْتَكِرُوا في الذي أتَيْنا
فإنه الحَقُّ لا يُجَارى
فإنْ نَظَرْتُم فينا تَجِدْنا
سبحانه جَلَّ من مليكِ
وإننا عنده العَبِيدُ
منه إليه به نعودُ
وهو بنا القائمُ الشهيدُ
منّا وما عندنا قُصُودُ
يقصدنا للذي يراهُ

٢٠٠
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الموفي خمسمائة
هو المُرادُ وهو المُرِيدُ
إذ نَبْتَغيهِ به تعالى
فلا يشهده إلا رب، ولا يجده إلا عبد وبالعكس، لأن الله سمعه وبصره وجميع قواه،
فانتفى عن العبد ما ينبغي أن ينتفي، وبقي له ما ينبغي أن يبقى، وهذا كله إذا كان حرف
الكاف زائداً فله قبول ما قلنا من النفي وإذا كان للصفة بقي ما قلنا: [الرمل]
يُوجَدِ المثْلُ مع المثل وقَدْ
وانْتَفَى المِثْلُ عن المِثْل فلم
ثَبُتَ المِثْلُ لنا منه فَقَدْ
ثَبْتَ المِثْلُ له بي مِثْل ما
كوجود الفَرد في عين العَدَدْ
وُجِدَ الأمْرُ على هذا وذا
فليس كهو شيء وليس مثل مثله شيء فنفى وأثبت. قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله خَلَقَ
آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) فله التنوّع في باطنه وله الثبوت في ظاهره، فلا يزيد فيه عضو لم يكن عنده
في الظاهر، ولا يبقى حال واحد في باطنه، فله التنوّع والثبوت والحق موصوف بأنه الظاهر
والباطن، فالظاهر له التنوّع والباطن له الثبوت، فالباطن الحق عين ظاهر الإنسان، والظاهر
الحق عين باطن الإنسان فهو كالمرآة المعهودة إذا رفعت يمينك عند النظر فيها إلى صورتك
رفعت صورتك يسارها فيمينك شمالها وشمالك يمينها، فظاهرك أيها المخلوق على صورة
اسمه الباطن، وباطنك اسم الظاهر له، ولهذا ينكر في التجلي يوم القيامة ويعرف ويوصف
بالتحوّل في ذلك، فأنت مقلوبه فأنت قلبه وهو قلبك ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾
[البقرة: ١٨٧] ما أحق هذه الآية في الباطن بهذا المقام: [الرمل]
فبنا كان كما نحن بِهِ
فكما يَلْبَسُنا نَلْبَسُهُ
فانْتَفَى ما هو موجودٌ بنا
وبه أَكْرِمُ به من مُشْبهِ
وأكثر من هذا البسط في العبارة ما يكون، فإن هذا الميدان يضيق الجولان فيه جداً،
والله ولي الإعانة إذ هو المعين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الموفي خمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمْ﴾ [الأنبياء: ٢٩]
أي نرده إلى أصله وهو البعد، يقال بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر
[نظم: مجزوء الرمل]
فكلامٌ ليس يَضْدُقْ
مَنْ يَقُلْ إِنّي إلَهْ
الحقيقة التَّخَلّق
أو يَقُلْ إنّيَ خلق
هكذا يُعْطي التَّحَقُّقْ
فهما سِيَّان فيه
ذان له حال التّعَلُق
والذي ليس له
مثل ما له التَّفَرُّقْ
فله الجَمْعُ المُسَمَّى
قال الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا ﴿َ لِلَّغِينَ مَثَابً﴾ [النبأ: ٢١ و٢٢] ﴿إِنَّ رَبَّكَ