Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
في المنازلات/ الباب التاسع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة الصكوك
جاءته من الله في رؤياه على يدي رسوله مَله فإن كان حكماً تعبد نفسه به ولا بد بشرط أن
يرى الرسول ولو على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا كما نقل إليه من الوجه الذي
صح عنده، حتى أنه إن رأى رسول الله وَلو يراه مكسور الثنية العليا فإن لم يره بهذا الأثر فما
هو ذاك، وإن تحقق أنه رسول الله وَل# ورآه شيخاً أو شاباً مغايراً للصورة التي كان عليها في
الدنيا ومات عليها ورآه في حسن أزيد مما وصف له أو قبح صورة أو يرى الرائي إساءة أدب
من نفسه معه فذلك كله الحق الذي جاء به رسول الله وَله ما هو رسول الله فيكون ما رآه هذا
الرائي عين الشرع إما في البقعة التي يراه فيها وإما أن يرجع ما يراه إلى حال الرائي أو إلى
المجموع غير ذلك لا يكون، فإن جاءه بحكم في هذه الصورة فلا يأخذ به إن اقتضى ذلك
نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به بخلاف حكمه لو رآه على صورته فيلزمه
الأخذ به ولا يلزم غيره ذلك فإن الله يقول: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، هذا هو
الفرقان عند أهل الله بين الأمرين، فإنهم قد يرونه بَّر في كشفهم فيصحح لهم من الأخبار
ما ضعف عندهم بالنقل، وقد ينفون من الأخبار ما ثبت عندنا بالنقل، كما ذكر مسلم في
صدر كتابه عن شخص أنه رأى رسول الله ◌ّ # في المنام فعرض عليه ألف حديث كان في
حفظه فأثبت له وَلّ من الألف ستة أحاديث وأنكر وَلّ ما بقي، فمن رآه ربَّ في المنام فقد
رآه في اليقظة ما لم تتغير عليه الصورة فإن الشيطان لا يتمثل على صورته أصلاً فهو معصوم
الصورة حياً وميتاً، فمن رآه فقد رآه في أي صورة رآه، فالمبشرات من التوقيعات الإلهية وثم
توقيعات أخر إلهية من الأسماء الإلهية تعرف إذا وردت على قلوب العارفين بالله في كشفهم
وهو أن يكون التوقيع الذي يجيء إلى هذا الولي من اسم خاص إلهي من الأسماء الحسنى مما
دون الاسم الله فإنه ما يخرج منه في توقيع أصلاً من حيث دلالته، وإنما يخرج منه إذا ذكر
مقيداً بحال يستدعي اسماً خاصاً بذلك الحال كنى عن ذلك الاسم بالاسم الله لتضمنه خاصة،
وأكثر ما تخرج التوقيعات لأولياء الله من الله والرحمن والرب والملك لا غير، هذا هو
الغالب المستمر، فإن خرج باسم غير ما ذكرنا فهو شاذ يحكم به على حد ما تعطيه حقيقة
ذلك الاسم وهو دليل على مضمون ذلك التوقيع لهذا الولي فيتصرف فيه به بحسب ما يقتضيه
ويحتاج هذا الولي إلى علم عظيم بالمواطن وصور الأحوال ومراتب العالم وعلم المحو
والإثبات والشؤون الإلهية، كل ذلك لا بد أن يعرفه العلماء بالله وإن لم يعرفوا ذلك وأمثاله
فلا يتعدى قدره وليدخل في عمار الناس ويلزم الجماعة فإن يد الله معهم، ومن شذ من
الجماعة على غير بصيرة فقد شذ إلى النار، بل صاحب البصيرة من المحال أن يشذ عن
الجماعة فإنه لا يشذ عن يد الله ولكن يعلم وهو في الجماعة ومعها ما لا يعلمه واحد واحد
من الجماعة إلا من كان مثله، فهو مع من هو مثله جماعة ما هو ممن صلى وحده، فالسعيد
من وقف عند حدود الله ولم يتجاوزها، وإنا والله ما تجاوزنا منها حداً ولكن أعطانا الله من
الفهم عنه تعالى فيها ما لم يعطه كثيراً من خلقه، فدعونا إلى الله على بصيرة من أمره إذ كنا
على بينة من ربنا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٤٢
في المنازلات/ الباب الموفي عشرين وأربعمائة في معرفة منازلة التخلص من المقامات
الباب الموفي عشرين وأربعمائة
في معرفة منازلة التخلص من المقامات
[البسيط]:
نَظَرْتُهُ تجدوا في هُو الذي ما هُوْ
ما في الوُجودِ سِوَاهُ فانْظُرُوهُ كما
ومن يَدُلُّ عليه فهو ذو جَدَلٍ
لولاه ما نَظَرَتْ عَيْنٌ بناظرها
فاخكُمْ عليه به وأنت في عَدَمِ
والله لولا وُجُودُ الحقّ ما قبلتَ
في قلبه منه أمثال وأشْبَاهُ
لولاه ما نَطَقَتْ بالذِّكْرِ أقْوَاهُ
واثْبُتْ عليه فما في الكون إلا هُو
أقواله في وجود الكون لولاهُ
قال الله تعالى: ﴿يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ﴾ [الأحزاب: ١٣] والجامع للمقامات
ما له مقام يقتضيه من عرف نفسه عرف ربه، وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الْآَفَاقِ﴾ يعني الدالة
عليها في الآفاق ﴿وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وهي مقيدة فلا بد أن يقيد مدلولها، وإن دلت
على إطلاقه فكونه مطلقاً تقييد لأن التقييد تمييز، فمعرفة العارفين به تعالى ليس من رؤية
الآيات الخارجة والداخلة فإنها تدل على مقيد في إطلاق أو إطلاق في مقيد، والعارفون يرونه
عين كل شيء، المخلوق قال لمن أساء في حقه فقطع رحمه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾
[يوسف: ٩٢] فالحق أولى بهذه الصفة لمن أساء في حقه بقطع رحمه، فإنا لا نشك أن قاطع
الرحم ما قطعها إلا بجهله وما انقطعت الرحم، فالرحم موصولة في نفس الأمر فهي موصولة
عند العالم، فمن جانبه موصولة ومن جانب الجاهل بها مقطوعة، ولما رجع الأمر كله لله مما
وقعت فيه الدعاوى الكاذبة لم يدل رجوعها إلى الله تعالى على أمر لم يكن عليه الله بل هويته
هي هي في حال الدعاوى في المشاركة وفي حال رجوع الأسر إليه والمقام ليس إلا للتمييز وما
ثم إلا واحد فعمن يتميز فلا مقام، بل هوية أحدية فيها صور مختلفة فزيد إحدى العين لو لم
يكن في الوجود إلا هو، لم يتميز عن شيء لأنه ما ثم إلا هو، ولم يتميز عنه شيء لأنك
ما فرضت موجوداً إلا هو خاصة، ولا مقام له يتميز به عن غيره إذ لا غير هناك فإن يده
متميزة عن رجله ورأسه متميز عن صدره وأذنه عن عينه، وكل جارحة منه متميزة عن غيرها
من الجوارح، وكل قوّة منه في باطنه لها حكم ليس للأخرى، ومحل ليس للآخر، فتميزت
الصور في عين واحدة لا تميز فيها ولا مقام لها، فنحن له كالأعضاء للواحد منا والقوى فما
ثم عمن نتميز ولا يتميز عنا ولكن تميزنا بعضنا عن بعض كما قرّرنا، ولا تنسب الأحكام
والمقامات لأعضائنا وإنما ينسب ذلك كله إلينا فيقال: بطش فلان بفلان، ومشى فلان إلى
فلان، وسمع فلان كلام فلان، ورأى فلان فلاناً، ما ينسب شيء من هذا كله إلى آلة ولا إلى
قوة ولا إلى عضو ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فله الحكم ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[هود: ٣٤].
فاعلم أنه لا يخلص من المقامات إلا وارث محمد وم هو الذي آتاه الله جوامع الكلم

في المنازلات/ الباب الأحد والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من طلب الوصول إليّ ... الخ ٤٣
وعلم الأسماء كلها وعلم الأوّلين والآخرين، فـ((كلّ الصيد في جوف الفرا)) فما ثم عمن نتميز
فإن العالم كله في وارث محمد * كما هو في محمد بَ ل فقد خلص من حكم المقامات
عليه فهو يحكم بها بحسب ما تعطيه الأحوال فإنه العليم الحكيم، فالأسماء الإلهية كلها هي
تظهر المقامات وبها يحكم الحاكم ولا حاكم إلا الله وما يبدل القول لديه فالقول له الحكم
فبالقول يحكم الحق، فتنبه لمن هو المحكوم عليه والمحكوم به والمحكوم فيه والحاكم
تعرف من هو المخلص من المقامات والذي لا مقام له. وأما المقام المحمود وهو المقام
المثنى عليه الذي أثنى عليه الله الذي يقيم الحق فيه سبحانه محمداً وَّ فهو مقام شفاعة
رسول الله وَّلّر في الشافعين أن يشفعوا يوم القيامة من ملك ورسول ونبيّ ووليّ ومؤمن، وأن
يخرج الحق من النار أو يدخل الجنة من لم يعمل خيراً قط حتى لا يبقى في النار إلا أهلها
الذين هم أهلها فيبقيهم الله فيها على صفة ومزاج، لو أخرجهم الله بذلك المزاج إلى الجنة
لتعذبوا وأضرّ بهم دخولها كما تضرّ رياح الورد بالجعل فيجيبه الله لما سأل فيه، وإذا زاد سبب
ظهور أمر على واحد فهو شفاعة سواء كان شفعاً أو وتراً لا بدّ أن يكون زائداً على واحد،
وأما الأحوال فلا سبيل إلى التخلص منها وهي فينا موهوبة وهي للحق ذاتية [البسيط]:
وليس في الكون إلا الله والبَشَرُ
فالحُكْمُ للحال والأحوالُ حاكمةٌ
فكل شيء سوى الرحمن يُعْتَبَرُ
وليس يظهر إلا الشمسُ والقمرُ
وليس يَذْريه إلا من له نَظَرُ
عينٌ وليس له التحكيمُ والأثَرُ
حتى القضاءُ وحتى الحكمُ والقَدَرُ
والشّرَّ ليس له في خلقه أثَرُ
عنه بذا جاء عن أَرساله الخَبَرُ
ونحن في عبرة لو كنت تَعْقِلُها
نحن النجومُ التي في الغرب موقعها
الطَّمْسُ فينا وذاك الطمسُ ينفعُنا
فلا تَخَفْ فسوى الرحمن ليس له
إليه يرجعُ أمْرُ الخَلْقِ كُلْهِمُ
وهو الوجود الذي ما عنده ضَرَرٌ
فالشرُّ ليس إليه جلّ خالقُنا
من عرف الضلالة والهدى لم يطل عليه المدى، وعلم أن الله لا يترك خلقه سدی كما
لم يتركه ابتدا، وإن لم ينزله منازل السعداء، فإن الله برحمته التي وسعت كل شيء لا يسرمد
عليه الردا، وكيف يسرمده وهو عين الردا؟ فهو في مقام الفدا، وإشارة سهام العدا، فله
الرحمة آخراً خالداً مخلداً فيها أبداً، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الأحد والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة من طلب الوصول إليّ بالدليل والبرهان
لم يصل إليّ أبداً فإنه لا يشبهني شيء
[البسيط]
فَكِّز فوَخدَتُه لا تقبلُ الثَّاني
تَوْحِیدُ رَبِّكَ لا عن کَشْفِ بُرْمَانِ
في حُكْمِه بزيادات ونَقْصانِ
وكل من يقبل الثاني فمُتَّصِفٌ

٤٤ في المنازلات/ الباب الأحد والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من طلب الوصول إليّ ... الخ
وذاك واحدُ أعدادٍ فيقبله
من يقبل المثل قد حارت خواطرنا
إنّ الدليلَ على التركيب نَشْأْتُه
يا بانياً عقده على الدليل لقد
من كان ذا صِفَةٍ فأين وحدتُه
من الذي هو قَاصٍ في دلالتنا
الشَّرْعُ توحيدُه توحيدُ مرتبةٍ
وواحدُ العَيْن لا يُذْرَى ببُرْهانِ
فيه وهل ريء سرّ عين إعلان
فكيف يعطي وحيد العين في الشَّانِ
جَهِلْتَ أين أساس القصد يا باني
المنزل القاصي ليس المنزل الدّاني
وقد أتَيْتُ على هذا بسُلطانٍ
والحقُّ يَغْضُدُهُ من جانبٍ ثاني
قال الله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يعني من كل عين من أعين
الوجوه وأعين القلوب، فإن القلوب ما ترى إلا بالبصر، وأعين الوجوه لا ترى إلا بالبصر،
فالبصر حيث كان به يقع الإدراك، فيسمى البصر في العقل عين البصيرة، ويسمى في الظاهر
بصر العين، والعين في الظاهر محل للبصر والبصيرة في الباطن محل للعين الذي هو بصر في
عين الوجه، فاختلف الاسم عليه وما اختلف هو في نفسه، فكما لا تدركه العيون بأبصارها
كذلك لا تدركه البصائر بأعينها، ورد في الخبر عن رسول الله وَله: ((إِنَّ الله اختَجَبَ عَنِ
العُقُولِ كَمَا اخْتَجَبَ عَنِ الأبْصَارِ وَإِنَّ المَلَأَ الأَعْلَى يَطْلُبُونَهُ كَمَا تَطْلُبُونَهُ أَنْتُمْ» فاشتركنا في
الطلب مع الملأ الأعلى واختلفنا في الكيفية، فمنا من يطلبه بفكره والملأ الأعلى له العقل
وماله الفكر، ومنا من يطلبه به وليس في الملأ الأعلى من يطلبه به لأن الكامل منا هو على
الصورة الإلهية التي خلقه الله عليها وليس الملك عليها، فلهذا صح ممن هذه صفته أن يطلب
الله به ومن طلبه به وصل إليه فإنه لم يصل إليه غيره، وأن الكامل منا له نافلة تزيد على فرائضه
إذا تقرب العبد بها إلى ربه أحبه، فإذا أحبه كان سمعه وبصره، فإذا كان الحق بصر مثل هذا
العبد رآه وأدركه ببصره لأن بصره الحق فما أدركه إلا به لا بنفسه، وما ثمّ ملك يتقرب إلى الله
بنافلة بل هم في الفرائض، ففرائضهم قد استغرقت أنفاسهم فلا نفل عندهم، فليس لهم مقام
ينتج لهم أن يكونوا الحق بصرهم حتى يدركوه به، فهم عبيد اضطرار، ونحن عبيد اضطرار
من فرائضنا، وعبيد اختيار من نوافلنا، كما هو رب ذاتي من وجودنا ورب مشيئة من حكمه
فينا، فالربوبية الذاتية ضرورية لا يمكن رفعها، وربوبية المشيئة عينها الإمكان في الممكنات
فيرجح بها ما شاء، فمن لا مشيئة له لا ترجيح له، كمن لا نافلة لا يكون الحق بصره وإن
أمكن خلاف هذا عقلاً، ولكن كلامنا في الواقع الذي أعطاه الكشف ما كلامنا في الجواز
العقلي لأنه يستحيل عندنا أن ينسب الجوار إلى الله حتى يقال: يجوز أن يغفر الله لك، ويجوز
أن لا يغفر الله لك، ويجوز أن يخلق ويجوز أن لا يخلق، هذا على الله محال لأنه عين
الافتقار إلى المرجح لوقوع أحد الجائزين وما نم إلا الله، وأصحاب هذا المذهب قد افتقروا
إلى ما التزموه من هذا الحكم إلى إثبات الإرادة حتى يكون الحق يرجح بها ولا خفاء بما في
هذا المذهب من الغلط، فإنه يرجع الحق محكوماً عليه بما هو زائد على ذاته وهو عين ذات
أخرى، وإن لم يقل فيها صاحب هذا المذهب أن تلك الذات الزائدة عين الحق ولا غير عينه،

في المنازلات / الباب الأحد والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من طلب الوصول إليّ ... الخ ٤٥
فالذي نقول به إن هذه العين المخلوقة من كونها ممكنة تقبل الوجود وتقبل العدم، فجائز أن
تخلق فتوجد، وجائز أن لا تخلق فلا توجد فإذا وجدت فبالمرجح وهو الله، وإذا لم توجد
فبالمرجح وهو الله يستقيم الكلام ويكون الأدب مع الله أتم بل هو الواجب أن يكون الأمر كما
قلنا، وأما احتجاجهم بقوله: لو شاء الله ولو أراد الله، فهو عليهم هذا الاحتجاج لا لهم
لزومية أن ((لو)) حرف امتناع لامتناع و ((لا)) حرف امتناع لوجود [الرمل]:
وهو نفْيّ إن ذا سِرٌّ عَجِيبْ
فانْظُروا وُجُوبَهُ واعْتَبِرُوا
فهو يَدْعُونَفْسَه ثم يُجِيبْ
مثل من يَدْعُو وما ثَمَّ لمن
كل ذي عقل سليم ونَجِيبْ
وبهذا ورد النَّصُّ إلى
جاءه يطوف دَهْراً ويَجُوبْ
ولقد كان على مثل الذي
مثل ذا زُرْتُ فَتّى من هاشم
أضْلُه ما بين لَخْم وتَجِيبْ
إنَّهُ المحرومُ من لا يَسْتَجِيبْ
واسْتَجِيبُوا للذي أسمعكم
فاعلم أن الإمكان للممكن هو حكم الذي أظهر الاختيار في المرجح، والذي عند
المرجح أمر واحد وهو أحد الأمرين لا غير، فما ثم بالنظر إلى الحق إلا أحدية محضة
خالصة لا يشوبها اختيار، ألا تراه يقول تعالى: لو شاء كذا لكان كذا فما شاء فما كان ذلك،
فنفى عن نفسه تعلق هذه المشيئة، فنفى الكون عن ذلك المذكور، غير أن لله تعالى نسبتين في
الحكم الواقع في العالم بالامتناع أو بالوقوع، فالنسبة الواحدة ما ظهر من العالم في العالم من
الأحكام الواقعة والممتنعة بمشيئتهم أعني بمشيئة العالم التي أوجدها الله في العالم، والنسبة
الأخرى ما يظهر من الأحكام في العالم لا من العالم، وذلك من الله بالوجه الخاص الذي لله
في كل كائن الذي لا يعلمه إلا أهل الله خاصة، والمشيئة التي يشاء بها العالم من العالم مشاءة
لله تعالى من الوجه الخاص ثم هي لله كالآلة للصانع ظاهرة التعلق منفية الحكم، فالعلماء بالله
ينسبون الواقع بالآلة إلى الله، والذين لا علم لهم ينسبونها إلى الآلة، وطائفة متوسطة ينسبون
إلى الآلة ما ينسب الحق إليها على حد علمه في ذلك، وينسبون الكل إلى الله أدباً مع الله
وحقيقة، فهم الأدباء مع الله المحققين، وهم الذين جمعوا بين الشرع والعقل، والوجه
الصحيح في العلم الإلهي لا يتمكن للعقل أن يصل إليه من حيث نظره لا بل ولا من جهة
شهوده ولا من تجليه، وإنما يعلم بإعلامه على الوجه الذي يكون إعلامه لمن اختصه من
صور عباده الظاهرة في وجوده، فإن العلم بالله من حيث النظر والشهود على السواء ما يضبط
الناظر ولا المشاهد إلا الحيرة المحضة، فإذا وقع الإعلام الإلهي لمن وقع حيث وقع من دنيا
وآخره حصل المقصود: [الوافر]
تُعارِضُها دلالاتُ الشُّهُودِ
دلالاتُ الوُجُودِ على وُجُودي
بعين شهودها عند الوُجودِ
فإنّ العين ما شهدتْ سواه
وأين الغير لم يثبت فيبدو
عجبتُ لمن يعزّ وقد تعالى
مع التكثير من عين المَزِيدِ
ويظهر في المُراد وفي المُرِيدِ

٤٦ في المنازلات/ الباب الأحد والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من طلب الوصول إليّ ... الخ
لقد نزلت معاليه وجاءت
أمن بعد التّزولِ يكون مَرْقَى
إضافات الأمور لها احتكامٌ
فلولا الأصلُ ما ظَهَرَتْ فُرُوعٌ
لقد أظْهَرْتُ سِرَّ الأمر فيه
صَبُورٍ لا يقاومه صَبُورٌ
بأحكام الدلائل بالسُعودِ
وعَيْنُ نزوله عَيْنُ الصُّعُودِ
فكّوْنُ الرّبّ في كون العَبيدِ
تدلّ على الأصول من الشهيد
لكل مُثَاقِفٍ نَذْبِ جَلِيدٍ
عَزِيزِ في تصرُّفه شَدِيدٍ
فإن الدليل يعطي وجودي إذ ليس الدليل سوى عيني ولا عيني سوى إمكاني ومدلولي
وجود الحق الذي إليه استنادي ونفي ما هو حق لي عمن إليه استنادي، والشهود ينفي وجودي
لا ينفي حكمي فيمن ظهر فيه ما ينسب إليه أنه عيني وهو حكمي والوجود لله، فاستفدت من
الحق ظهور حكمي بالصور الظاهرة لا حكم ظهور عيني، فيقال وما ثم قائل غيري إن هذه
الصور الظاهرة في الوجود الحق التي هي عين حكمي أنها عيني هذا يعطيه الشهود، فالشهود
يعارض الأدلة النظرية والخلق لله يعلمه وعلمه ليس سوى ما أعطاه ما أنا عليه في عيني،
وليس في البراهين أصح من برهان إن وهو عند القائلين بالبراهين البرهان الوجودي، وليس
يدل شيء منه على معرفة هوية الحق وغايته وعلمه بنسبة الوجود إليه وأن عينه عين وجودي
ونفى ما يستحقه الحادث عنه غير هذا لا يعرف منه بالبرهان وساعده الشرع وهو ما أوحى به
إلى الرسول المترجم عنه الذي أخبر عنه أنه لا ينطق عن الهوى، وأنزله في الكون منزلته فما
نطقه به مما يساعد النظر الفكري: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهو من الكلام
الظاهر الذي يمكن أن يكون له وجه غير الوجه الذي يضبطه العقل منه، ويكون له الوجه الذي
يضبطه العقل منه، وما ورد السمع بأقوى من هذه الدلالة مع هذا الاحتمال الذي فيها
[المتقارب]:
وليس يُرِيكَ من الحقّ عَيْنَا
أصّخُ البراهين برهان أن
وفيما عدا الحقّ يعطيك كَوْنَا
ففي الحق يعطيك نفياً وسَلْباً
ويَنْفي نُعُوتاً أتاك القرآن
بها مثلُ قَوْل المشرِّع أيْنَا
يُريد بذلك حفظاً وصَوْنَا
ويأتي به علماً ظاهر
أصحُ دليل وأقواه بَيْنا
وعِلْمُ الإله بما قاله
تُجِيلُ العقولُ ببرهانها
ويقبلُه كلُّ عَقْل سلـ
وُجُودّ الذي ساقه الشرعْ عَوْنا
یم ويكسوه حمداً فیکسوه زَیْنَا
ولما كان الدليل النظري مثلنا في المعنى مربعاً في الظاهر والتثليث فرد والتربيع شفع
لذلك لم يعلم من الحق إلا فردية المرتبة ولم تعلم إلا بالخلق، فارتبط الحق بالخلق والخلق
بالحق ارتباط التربيع بالتثليث والتثليث بالتربيع في المقدمتين اللتين أعطت العلم بتوحيد الله
في ألوهيته، فانظر إلى حكم الحقائق كيف اقتضت في الأدلة أن تكون على هذه الصورة،
فضم الوجود حقاً وخلقاً وواجباً لنفسه وواجباً لغيره [الكامل]:

في المنازلات/ الباب الأحد والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من طلب الوصول إليّ ... الخ ٤٧
إنّ الدليلَ مُثَلَّتُ الأزْكَانِ
وكذلك الحَقُّ الذي دَلَّتْ عليـ
حَظُّ الدليل من الإله وجودُه
إِنْ قُلْتَ إنّ الحَقَّ عنك مُنَزَّهُ
ومُنَزَّهُ أيضاً بشَرْعِكَ فَاعْتَبِرْ
إن جاء كَرْبُ الفِكْرِ من تنزيهه
الله عينٌ في المراتب كلّها
فإذا أراد الله حِفْظَ وجوده
الحقُّ يحفظ نفسَه وعبادَه
فإذا أتَيْتَ بخمسةٍ مضروبةٍ
ولَحِقْتَ بالملأ المقدَّس كونه
ودُعِيتَ في المَلَأَيْنِ إِن حَفَّقْتَ من
أنت المُقَدَّمُ في الوجود كآدم
كالبَيْت وهو مُرَبّعْ مَخسُوسُ
ـه الكائنات يُبِينُهُ التّقْديسُ
ما حَظُهُ الترجيلُ والتعريسُ
فدليلُ شَرع أنه ملموسُ
في الحالتين فعَّقْلُكَ المبخوسُ
يتلوه من رحماته التنفيسُ
تَثْلِيثُ أوْ تَزبيعٌ أَوْ تسديسُ
في قلبكم يأتي به التخميسُ
كالخمس والعشرين يا مرؤوس
في خمسة قد زال عنك البُوسُ
وتَعَيَّنَ التأصيلُ والتأسيسُ
يدعوك يا من غَرَّهُ إبليسُ
في كونه سَبْقاً فأنت رئيسُ
أراد بالبيت في هذا النظم المشبه به الكعبة فإنها ذات ثلاثة أركان مثلثة الشكل ولهذا
جعل الحجر، فلما اقتطع من البيت مقدار سبعة أذرع حجروا عليها بالحجر حتى يصح
الطواف بالبيت، فإنه صح عن رسول الله وَّ ر أن الكعبة لما بنيت قصرت بهم النفقة فتركوا من
البيت سبعة أذرع في الحجر، ولهذا ردها عبد الله بن الزبير على قواعد إبراهيم عليه السلام،
فأمر عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف أن يردها على ما كانت عليه أولاً ثم ندم
وقال: يا ليتني تركت ابن الزبير وما تحمل، ثم ترك الأمر وأدار الحجر كما كان احتراماً للبيت
لئلا يتعرض إليه بالهدم في كل وقت من الخلفاء على ما يعطيهم في ذلك فأبقاه سداً لهذه
الذريعة فاعلم ذلك. أما تثليثه ليكون على اثنتي عشرة قاعدة كل ثلث من العلم بالله فالثلث
الواحد من العلم بالله هو ما يعلم من الله بالدليل، والثلث الآخر ما يعلم منه سبحانه بالشهود
عند التجلي، والثلث الثالث هو ما يعلم منه بإعلامه سبحانه وهو أصح الأقسام في العلم بالله
وتفصيل قواعده يطول، وقد أحلناك في العلم بها عليه سبحانه لتدرك ذلك ذوقاً إن شاء الله
تعالى، وعن هذه القواعد ظهرت بروج الفلك وهي الحمل، والثور، والتومان، والسرطان،
والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدالي، والحوت، ثلاثة منها
نارية وهي: الحمل، والأسد، والقوس، وثلاثة ترابية وهي: الثور والسنبلة، والجدي،
وثلاثة هوائية وهي: الجوزاء وتسمى التومان، ثم الميزان والدالي، وثلاثة مائية هي:
السرطان، والعقرب، والحوت، فهي أربع مراتب مضروبة في ثلاثة المجموع اثنا عشر وهو
انتهاء أسماء العدد من جهة بسائطه، ثم يقع التركيب إلى ما لا يتناهى، فمن واحد إلى تسعة
والعقد ثلاثة عشرات ومئون وآلاف فالمجموع اثنا عشر، وأما التسديس من ذلك فالتثليث
نصفه فهما طرفان التسديس وهو الأكثر، والتثليث وهو الأقل، والمتوسط بين التثليث

٤٨
في المنازلات / الباب الثاني والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من ردّ إليّ فعلي ... الخ
والتسديس التربيع كل ربع تسعة وهي منتهى بسائط مفردات العدد في الآحاد، فللتسعة نظر
إلى الاثني عشر ونظر إلى الستة والكل ست وثلاثون قاعدة أمهات، وتنتهي إلى ثلاثمائة
وستين قاعدة منها ظهر درج الفلك التي الكواكب تقطعه بسيرها، وقد ربط الله ما يحدثه في
عالم الأركان بقطع هذه الكواكب في هذه القواعد على كثرة الكواكب، وأما ما يحدثه في
عالم الجنان دون النار والدنيا فبما تعطيه القواعد بحركتها إلا بما يعطيه قطع الكواكب في هذه
القواعد، ولذلك اختلف الحكم فيما يتكون في الجنة وما يتكوّن في الدنيا والنار، فما في
الجنة مانع يمنع ما تعطيه حركة القواعد وفي الدنيا والنار موانع تمنع ما في قوّة القواعد من
التكوين، وهذه الموانع عين قطع الكواكب في تلك القواعد [الكامل]:
من ناظرِ في الله بالبُزهانِ
ما أن أَقُولَ ولا سَمِعْتُ بمثله
بدليله في صورة الإنسانِ
أنّ الإلهَ يراه وهو مُنَزَّهُ
وبعِلْمِه من عالَم الأزكانِ
إلا الذي قال الدليلُ بفَضْلِه
ذاك الرَّسُولُ وكُلُّ وارثٍ حِكْمةٍ
من كل معصوم من الشيطانٍ
بالله حين يَجُّوّلُ في الأكْوانِ
الفكرُ يعجزُ عن تَحَقُّق عِلْمِهِ
ما للجَهالة في الذي جاءت به
فَهْوَ الوجودُ وما سواه باطلٌ
أقوالُه في الله من سُلْطانٍ
في كل ما يبدو من الأعيانِ
فقد بان لك إن كنت من أهل الأذواق بالعلم بالله أنه لا يعلم إلا بإعلامه سبحانه
وتعالى، وكل من قال إنه عز وجل يعلم بالدليل أو بالشهود فإنه يضرب في حديد بارد من
جميع العلماء الناظرين في العلم بالأشياء بالدليل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة من ردّ إليّ فعلي فقد أعطاني حقي وأنصفني مما لي عليه
[البسيط]:
إني رأيتُ وجوداً لست أذرِيهِ
الفعلُ بيني وبين الحق مشتركٌ
إني سمعتُ كلاماً غير منقطع
بسَمْعه لا بسَمْعي أنَّني عَدَمِّ
له وكيلٌ على من لا وجود له
ولا يزال به ما دام مُتَّصِفاً
على نَقيضٍ مقامٍ ليس يعرفُه
أنا وإيَّاه موجودان في قَرَنٍ
فالأمرُ مفترقٌ والأمرُ مجتمعٌ
إني رمزتُ أموراً ليس يعرفُها
وهو الوجودُ الذي أعيانُنا فِيهِ
فيما يُظَنُّ وفيه بعضُ ما فيهِ
فينا وفي عالم الأكوان مِنْ فِيهِ
وقد تَوَجَّهَ حَقٌّ ما نُوَفِيهِ
يُبْلِيهِ وقتاً وفي وقت يُعافيهِ
بالكون في عينه حتى يُوافِيهِ
وليس في نفسه أمرٌ يُنافيهِ
ولا يزال عَدُوِّي أو نُصافيهِ
والجودُ لا يبدو إلا من مُكَافِيهِ
إلا الذي قيل فيه إنّه فيهِ

٤٩
في المنازلات / الباب الثاني والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من ردّ إليّ فعلي ... الخ
إلا الوجودُ الذي حار الوَرَى فيه
وليس يعلم ما أُبْدِيهِ من عجب
وليس يَذريه إلا من يُكافيه
فالحمد لله لا أبغي به بدلاً
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقال: ﴿فَمْ تَفْتُلُهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَثَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقال لنبيه وَّر في رميه التراب في أعين المشركين: ﴿وَمَا رَمَّيْتَ إِذْ
رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧] وقال: ﴿بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] فعهد تعالى
إليّ أن الفعل الذي يشهد به الحس أنه للعبد هو لله تعالى لا للعبد، فإن أضفته لنفسي فإنما
أضيفه إلى نفسي بإضافة الله لا بإضافتي، فأنا أحكي وأترجم عن الله به وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فردّ الفعل الذي أضافه إليّ إلى نفسه وهو حقه الذي له قبلي
بهذه الإضافة ولكن لا بدّ من ميزان إلهي نردّه به إليه فإن الله تعالى لما رفع السماء وضع
الميزان في سباحة الكواكب في أفلاكها التي هي طرق في السموات لتجري بالمقادير الكائنة
في العالم على قدر معلوم لا تتعداه فهي تعطي وتمنع بذلك الميزان الذي وضع الحق لها
لأنها تشاهد الميزان الذي بيد الحق حين يخفض به ويرفع، فإذا نظرت إلى من رفعه الحق
بميزانه أعطته ما يستحقه مقام الرفع، وإذا رأت الحق يضع بميزانه من شاء أعطته ما يستحقه
مقام الوضع وذلك هو التسخير الذي ورد في القرآن في النجوم أنها مسخرات بأمره، فتعلم أن
المكلفين هم المقصودون بالخطاب والتكليف فإنهم محل العقاب والثواب بخلاف سائر
المخلوقين، وذلك للحجاب الذي ضرب الله بينهم وبين مشاهدة الأمور منهم ومن سائر
المخلوقات أنها لله لا لهم فلما ادعوها أضافها الحق إليهم بحسب دعواهم وكلفهم ابتلاء منه
لدعواهم، فمن كشف الله عن بصيرته ورأى الأفعال كلها الله لم ير إلا حسناً منه ومن سائر
المخلوقات وأن الله هو الصادق فقال: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] فطلبنا
على الإحسان ما هو فورد في الخبر الصحيح: أن الإحسان هو أن نعبد الله كأنا نراه فنشرع في
العمل على الحجاب فإذا رأينا المعمول له رأينا العمل صادراً منه فينا ما نحن العاملين، فلما
رأينا هذا خفنا من مزلة القدم فيما سماه من أفعاله حسناً وسيئاً، وعلمنا أنه ما أضاف العمل
إلينا إلا لدعوانا في الأفعال أنها لنا، فإذا حصلنا في هذا المقام من الشهود فما كان من حسن
أضفناه إليه تعالى خلقاً فينا، وأضفناه إلينا من كوننا محلاً لظهوره، وإن كان سيئاً ذلك العمل
أضفناه إلينا بإضافة الله فنكون حاكين قول الله فيرينا الله حسن ما في ذلك المسمى سوءاً فبدل
الله سيئاتنا حسنات وما هو إلا تبديل الحكم لا تبديل العين. ثم إنّ جميع ما طرأ منا في هذا
كله من نظر ورد واحد فهو بهذه المثابة فإن ذلك كله فعل ظهر فينا ونحن أهل شهود، فليس
لنا إلا الاستعداد الذي نحن عليه لقبول ما يخلق فيه من الأفعال المنسوبة في الشهود كما هي
في سائر المخلوقات عند المخلوقات الذين يقولون مطرنا بفضل الله ورحمته بالوزن الذي
جعله في سباحة كوكب من الكواكب وما قدره الله له من المنازل التي ينزل فيها، والمحجوب
عن هذا المقام يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا فيذكر الكوكب المجبور في ذلك ويضيف ما ظهر
من المطر الصائب إليه كما يضيف أفعاله خلقاً إلى نفسه فسمى عند ذلك بأنه كافر بالله مؤمن
الفتوحات المکیة ج٧ - م٤

٥٠
في المنازلات/ الباب الثاني والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من ردّ إليّ فعلي ... الخ
بمن رأى الفعل منه، ويسمى الأوّل مؤمناً بالله كافراً بمن رأى الحس الفعل صادراً منه من
حيث ما هو محل، ومن المكلفين من ليس له هذا الشهود ولا تركه الإيمان يقف مع الحجاب
الذي على عينه فيقول مثل ما يقول صاحب الشهود: مطرنا بفضل الله ورحمته تقليداً لا علماً
حتى يتميز المؤمن من العالم، فإن المؤمن يقول ذلك لورود الخبر الصادق به، ويقوله
صاحب النظر لما يعطيه دليل عقله مثل المؤمن سواء إلا أن له درجة زائدة، وهذان الصنفان
لا يبلغان مبلغ صاحب الشهود في الدرجة فإنه يزيد عليهما بالعين، وكذل يشاهد أفعال الحق
في نفسه كما يعلمها صاحب النظر كما يؤمن بها المقلد للخبر وكل له مقام معلوم، ولكن
لا يستوي الذي يعلمون والذي لا يعلمون، فإن الحق لو رجع في التعريف عن إضافة هذه
الأفعال إليه تعالى وكفر من أضافها إليه تعالى لرجع المؤمن لرجوع الحق عقداً وقولاً، ورجع
العالم صاحب الشهود قولاً لا عقداً فإنه لا يتمكن لصاحب الدليل إذا استحكم الرجوع عنه
ولا لصاحب الشهود. وإذا كان هذا هكذا فلا بدّ من التمييز بين المؤمن العالم والمؤمن، فقد
بينا لك صورة الميزان والوزن وأن الوزن نعت إلهي لا ينبغي لعبد من عباد الله أن يغفل عنه
في كل فعل ظاهر في الكون من موجود ما من الموجودات فلا يزال مراقباً له في غيره فيحكم
عليه بالميزان الموضوع عنده وليس إلا الشرع، وأما مراقبته في نفسه فبخلاف ما يرقبه في
غيره فإنه لا يشهده من غيره إلا بعد ظهوره ووقوعه في الوجود من هذا الشخص، وأما في
نفسه فيرقب خاطره فإنه أوّل ما يوجده الله في خاطره وقلبه وقد عفا عنه تعالى فيما يجده من
ذلك إلا بمكة. فإذا راقبه ورأى أن الله قد جعل فيه قصد إظهار أمر ما فإن كان من الأفعال
المقرّبة إلى سعادته الأخروية المحبوبة إلى الله المثني عليه هيأ محله لقبول ما يفعل الله به من
ذلك فيظهر الفعل وله الأجر من حيث ما هيأ نفسه واستعد والكل من عند الله، وإن كان مما
ذمه الله شرعاً فلا يهيىء نفسه لظهور ذلك الفعل جهد الطاقة، فإذا كان ذلك الفعل من المقدر
عند الله وقوعه في هذا المحل سلب الله عن هذا العبد عقله ولم يعطه الاختيار وأعماه حتى
يظهر ذلك الفعل في محله، فإذا ظهر بحكم هذا الجبر الباطن ردّ الله إليه عقله فاعتبر واستغفر
ربه وخر راكعاً وأناب، وهذا معنى قوله عليه السلام: ((إنَّ الله إذا أَرَادَ إنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سَلَبَ
ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهُمْ حَتَّى إذا أَمْضَى قَدَرَهُ فِيهِمْ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ لِيَعْتَبِرُوا)) وأما الغافل الجاهل
فحكمه ما هو المقرر في العموم وأما قولنا لا بمكة فإن الشرع قد ورد أن الله يؤاخذ بالإرادة
للظلم فيها، وهذا كان سبب سكنى عبد الله بن العباس بالطائف احتياطاً لنفسه، فإن الإنسان
ما في قوته أن يمنع عن قلبه الخواطر، فمن لم يخطر الحق له خاطر سوء فذلك هو المعصوم
ومن له بذلك، ولقد رأيت من هذه صفته وهو سليمان الدنبلي رحمه الله كان على قدم أبي
يزيد البسطامي أخبرني عن نفسه على جهة إظهار نعمة الله عليه شكراً وامتثالاً لأمر الله حيث
قال: ﴿وَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] فقال لي: إن له خمسين سنة ما أخطر الله له في
قلبه خاطر سوء، فهذا من أكبر العنايات الإلهية بالعبد قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِّدِّ فِيهِ بِإِلْحَامٍ
يُظْلِ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فنكر الظلم فخاف مثل ابن عباس وغيره، والإلحاد

٥١
في المنازلات / الباب الثالث والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من غار علي لم يذكرني
الميل عن الحق هنا. وأما الميزان الموضوع الذي يظهر لكل عين يوم القيامة يظهر على صورة
ما كان في الدنيا بين العامة من الاعتدال وترجيح إحدى الكفتين فيعامل الحق صاحب ذلك
الميزان بحسب ما يحكم به من الخفة والثقل فجعل السعادة في الثقل، والإنس والجن
ما سميا بالثقلين إلا لما في نشأتهما من حكم الطبيعة فهي التي تعطي الثقل، ولما كان الحشر
يوم القيامة والنشور في الأجسام الطبيعية ظهر الميزان بصورة نشأتهم من العقل، فإذا ثقلت
موازينهم وهم الذين أسعدهم الله فأرادوا حسناً وفعلوا في ظاهر أبدانهم حسناً فثقلت موازينهم
فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة ألف مما دون ذلك وما فوقه. وأما القبيح السيئ فواحدة
بواحدة فيخف ميزانه أعني ميزان الشقي بالنسبة إلى ثقل السعيد.
واعلم أن الحق تعالى ما اعتبر في الوزن إلا كفة الخير لا كفة الشر فهي الثقيلة في حق
السعيد الخفيفة في حق الشقي مع كون السيئة غير مضاعفة ومع هذا فقد خفت كفة خيره فانظر
ما أشقاه، فالكفة الثقيلة للسعيد هي بعينها الخفيفة للشقي لقلة ما فيها من الخير أو لعدمه
بالجملة مثل الذي يخرجه سبحانه من النار وما عمل خيراً قط، فميزان مثل هذا ما في كفة
اليمين منه شيء أصلاً، وليس عنده إلا ما في قلبه من العلم الضروي بتوحيد الله، وليس له
في ذلك تعمل مثل سائر الضروريات، فلو اعتبر الحق بالثقل والخفة الكفتين كفة الخير والشر
لكان يزيد بياناً في ذلك، فإن إحدى الكفتين إذا ثقلت خفت الأخرى بلا شك خيراً كان أو
شراً، وأما إذا وقع الوزن به فيكون هو في إحدى الكفتين وعمله في الأخرى فذلك وزن آخر،
فمن ثقل ميزانه نزل عمله إلى أسفل فإن الأعمال في الدنيا من مشاق النفوس والمشاق محلها
النار فتنزل كفة عمله تطلب النار وترتفع الكفة التي هو فيها لخفتها فيدخل الجنة لأن لها
العلو، والشقي تثقل كفة الميزان التي هو فيها وتخف كفة عمله فيهوي في النار وهو قوله:
﴿فَأُمُّمُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] فكفة ميزان العمل هي المعتبرة في هذا النوع من الوزن
الموصوفة بالثقل في السعيد لرفعة صاحبها والموصوفة بالخفة في حق الشقي لثقل صاحبها
وهو قوله تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وليس إلا ما يعطيهم من الثقل
الذي يهوون به في نار جهنم فهما وزنان: وزن الأعمال بعضها ببعض يعتبر في ذلك كفة
الحسنات، ووزن الأعمال بعاملها يعتبر فيها كفة العمل، فمن أراد أن يفوز بلذة الوجود فليعطٍ
الحق من نفسه لمستحقه، والله عز وجل يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة من غار علي لم يذكرني
[البسيط]:
من واحدِ العَيْنِ لا كُثْرٌ ولا عَدَدُ
قَلْبي على كل حالٍ في تَقَلُبِهِ
منازل القلب لم يشعر بها أحَدُ
إذا تَنَزَّلَتِ الأسماءُ منه على
في حَيْرةٍ ما لها نَقْصّ ولا أمَدُ
مجهولةُ العَیْنِ ما يَنْفَكُ صاحبُها

٥٢
في المنازلات/ الباب الثالث والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من غار علي لم يذكرني
أليس مَرْكَبَكَ التركيبُ والجَسَدُ
إن قلتُ إني وحيدٌ قال لي جسدي
فالدار معمورة والساكن الصَّمَدُ
فلا تَقُولَنَّ ما بالدار من أحدٍ
من لا يقوم به غِلٌّ ولا حَسَدُ
وليس تَخْرُبُ دارٌ كان ساكنُها
قال الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾
[الأعراف: ١٠٢] عن الوفاء بالعهد، فإنا عهدنا إليهم أن يذكروني فأنفوا أن يذكروني إلا على
طهارة كما قال وَّ: ((إنّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله إلاّ عَلَى طُهْرٍ))، أو قال: ((عَلَى طَهَارَةٍ)) ورأوا
هؤلاء نفوسهم غير طاهرة لما فيها من الدعاوى في الخير الذي قام بهم من عند الله فينسبونه
لأنفسهم وما أعطوا الله حقه من رد ذلك إليه كما فعل القليل من عباده إلى غير الدعاوى من
الأمور التي لا تتصف النفوس بوجودها بالطهارة، فهؤلاء غاروا أن يذكروا الله وهم الذين
يذكرون الله سراً في نفوسهم، وأما الذين يذكرونه علانية فإنهم شاهدوا قلوب العامة في غاية
من الغفلة عن الله فقالوا: إذا ذكرنا الله فيهم ذكروه فإنهم إذا سمعوا ذكر الله لم يتمكن لهم إلا
أن يذكروه فيذكرونه بقلوب غافلة عما يجب لله من التعظيم، فإذا كان مشهدهم هذا غاروا
على الله فلم يذكروا وكان منهم الشبلي في أول حاله وغيره فما وفى هؤلاء بعهد الله ولا كانوا
على معرفة من الله، وهذا حال أكثر أهل الطريق ولا سيما أهل الورع منهم، فخرجوا بهذا عن
العهد الذي عهد إليهم الله من ذكره في قوله: ﴿أَذَكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وما قيد
حالاً من حال وهو قوله عليه السلام: ((الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلُّ حَالٍ)) فإن القلب وإن غفل عن
الذكر الذي هو حضوره مع المذكور فإن الإنسان من كونه سميعاً قد سمع ذكر الله من لسان
هذا الذاكر فخطر بالقلب ووعى ما جاء به هذا الذاكر ولم يجىء إلا بذكر اللسان الذي وقع
بالسمع فجرد له هذا القلب ما يناسبه من الذاكرين منه وهو اللسان فذكر الله بلسانه موافقة
لذكر ذلك الذاكر المذكر له، والقلب مشغول في شأنه الذي كان فيه مع أنه لم يشتغل عن
تحريك اللسان بالذكر فلم يشغله شأن عن شأن، فما ذكر أحد الله عن غفلة قط وما بقي إلا
حضور باستفراغ له أو حضور بغير استفراغ بل بمشاركة، ولكن زمان أمره اللسان بالذكر
ما هو زمان اشتغاله بغيره، فما ذكره غافل قط أي عن غفلة في حال أمر القلب اللسان بالذكر
إلا في حال ذكر اللسان، ثم إن اللسان قد وفى حقه في العلانية من الذكر فإنه من الأشياء
المسبحة لله، فمن غار على الله لم يعرفه وإنما يغار له لا عليه. وأما أهل هذه المنازلة فإنهم
غاروا على الله أن يذكره غيره وهم أهل الدعاوى في الذكر وهم يشهدون أن الله هو الذاكر
نفسه بلسان عبده فذكروه وهم يعلمون أنهم ما ذكروه مثل قوله: إن الله قال على لسان عبده
سمع الله لمن حمده وهو من جملة الذكر، فرأوا أن الحق لسانهم في الذكر فلم يذكروه بهذا
الشهود فصحت المنازلة بقوله: من غار عليّ لم يذكرني لأنه عرف من الذاكر ومن المذكور
فصار بمعزل عن الذكر في نفس الذكر ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اَللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧]
ثم إن الأسماء الإلهية ما كثرها الله إلا لاختلاف الآثار الظاهرة في الكون، فإذا ذكره العارفون
بالأسماء جعلوا الذكر لاسم ما من الأسماء، وجعلوا المذكور اسماً ما من الأسماء فكانت

٥٣
في المنازلات/ الباب الرابع والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة أحبك للبقاء معي
الأسماء يذكر بعضها بعضاً فذلك الذكر ألسنة الأسماء ونحن وسائط فما ذكرناه إلا به ومن
ذكرته به فلم تذكره، ألا ترى ذكر من أنعم الله عليه إذا ذكره بنعمته فذلك لسان نعمته وأنت
من نعمته فما ذكره إلا إحسانه لا أنت، فمن غار على الله لم يذكره مع أنه أكثر عباد الله ذكراً
بالصورة ولا ذكر له بالحقيقة فهو عبد حق لأنه الذاكر الصامت، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل .
الباب الرابع والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة أحبك للبقاء معي وتحب الرجوع إلى أهلك فقف حتى أتشفى منك
وحينئذٍ تمر عني قال الله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فهو المحب المحبوب
[الخفيف]:
من أحَبَّ البَقَا أحَبَّ الرجوعا
مَنْ أحبَّ الفَنَا أَحَبَّ لقائي
فترى الكَوْنَ في الشهود صَرِيعًا
ليس يبقى مع الشهود وجودٌ
أُوْدَعَ الحَقُّ فيه مَعْنَى بَدِيعًا
كل حُبِّ يكون فيه اشتياقٌ
فتَراني أصغي إليه سميعا
فإذا الله قال إني مُحِبُّ
إن يكن ما يقول كان مُطيعا
ليس تُغْطَى لمن يكون مُذِيعًا
ويقول الفؤادُ في السّرّ مني
إن الله في الوجود عُلُوماً
اعلم أيدنا الله وإياك أن للحق حكمين: الحكم الواحد ما له من حيث هويته وليس إلا
رفع المناسبة بينه وبين عباده. والحكم الآخر هو الذي به صحت الربوبية الموجبة للمناسبة
بينه وبين خلقه وبها أثر في العالم الوجود وبها تأثر مما يحدث في العالم من الأحوال،
فيتصف الحق عند ذلك بالرضا والسخط وغير ذلك، وللعالم حكمان: حكم به صحت
المناسبة بينه وبين الحق وبها كان العالم خلقاً لله ومنسوباً إليه أنه وجد عنه فارتبط به ارتباط
منفعل عن فاعل، ولهذا الحكم لم يزل العالم مرجحاً في حال عدمه بالعدم وفي حال وجوده
بالوجود، فما اتصف بالعدم إلا من حيث مرجحه، ولا بالوجود إلا من حيث مرجحه،
والحكم الآخر هو من حيث هويته وحقيقته لا نعت له من ذاته كما قلنا في الحق في حكم
رفع المناسبة ليصح قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] في جناب الحق من حيث
هويته، ومن جناب العالم من حيث هويته، والمناسبات أحدثت النعوت من حيث النسب
لا من حيث إنها أعيان وجودية [الطويل]:
فما ثَمَّ إلا الحَقُّ والحَقُّ فاعلٌ
وما ثَمَّ إلا الخَلْقُ والخَلْقُ مُنْفَعِلْ
فلما وقعت المناسبة بين الله وبين العالم صح أن يقول: يحبهم ويحبونه، فالحق محب
محبوب، فمن حيث هو محب ينفعل لتأثير الكون، ومن حيث هو محبوب يبتلي، والعالم
أيضاً محب لله محبوب لله، فمن حيث هو محب لله يبتلى لأجل الدعوى فيفتضح صاحب
الدعوى الكاذبة ويظهر صاحب الدعوة الصادقة، ومن حيث إنه محبوب يتحكم على محبه

٥٤ في المنازلات / الباب الخامس والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من طلب العلم صرفت بصره عني
فيدعوه فيستجيب له ويرضيه فيرضى ويسخطه فيعفو ويصفح مع نفوذ قدرته وقوّة سلطانه إلا
أن سلطان الحب قويّ كما قال الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد [الكامل]:
وحَلَلْنَ من قلبي بكلّ مكانٍ
مَلَكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عناني
وأطيعهنَّ وهُنَّ في عِضياني
ما لي تطاوعني البَرِيَّةُ كلُّها
وبه قَوِينَ أعَزُّ من سُلْطاني
ما ذاك إلا أن سلطانَ الهَوَى
ومع وجود المناسبة بين الإنسان وبين العالم وأهله من العالم فلم يحب الرجوع إلى
أهله من أحبه منهم مع كونهم محبوبين الله إلا لكون الله قد عين لأهله حقاً على هذا الشخص
فيحب الرجوع إلى أهله ليؤدي إليهم حقوقهم التي أوجبها الله لهم عليه لا لغرض نفسي ولا
لمناسبة كونية. ولما علم الله أن مثل هؤلاء ما رجعوا إلا امتثالاً لأوامره تعالى ووقوفاً عند
حدوده لئلا يتجاوزوها ويتعدوها قال لمن هذه صفته، قف حتى أتشفى، وهو قوله ◌َّر: ((لِي
وَقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي)) فهو لله في ذلك الموطن ليس لنفسه ولا لشيء من خلقه،
وسامحه الحق في رجوعه إلى أهله من هذا المقام لكونه ما يرجعه إلا حق الله الذي افترضه
عليه لمن رجع إليه من أهله بأنه يخاف فوت الوقت فيشهد له هذا الطلب للرجوع بأنه صادق
الدعوى في محبته ربه تعالى لهذا قال: وحينئذٍ تمرّ عني وهو لا يمر عنه إلا من حيث هذا
المقام فإنه بعينه حيث كان، قال تعالى في مثل هذا المقام الذي يقتضي الصبر عن الله من
حيث هذا المشهد الخاص: ﴿وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْرِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨] برجوعك لأداء هذه الحقوق
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] لعلمه بأنه محب والمحب يتألم للفراق والاشتغال بشهود الغير
ولما سمعت في هذه المنازلة قوله حتى أتشفى منك ثقل عليّ لقلة معرفتي بالحق في حال هذه
المنازلة، فلما علم أنه قد شق مثل هذا عليّ آنسني بغيري في هذا الحكم فوقفني على
قوله وَلول عن الله إنه أشد شوقاً إلى لقاء أحبابه منهم إليه فإنه تعالى أعلم بهم منهم به، وعلى
قدر العلم يكون الشوق مع علمي أن مثل هذه الأمور إنما هي ألسنة المقامات والأحوال
وأحكامها وأحكام الأسماء وهذا معنى قوله: ﴿يَوَمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]
ولا يحشر إليه إلا من ليس عنده من حيث هذا الاسم الخاص وهو عنده من حيث حكم اسم
آخر غير هذا الاسم، فمن عرف الحق بمثل هذه المعرفة لم يكبر عليه ما يسمعه عن الله من
كل ما هو نعت المخلوق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة من طلب العلم صرفت بصره عني
[الخفيف]:
بدَليلٍ لِكَوْنِ ذاك مُحَالاً
طالبُ العِلْمِ ليس يدركُ ذاتي
وتراني أَبْدِيهِ حالاً فحَالا
فتّراه يَراني في كل عينٍ
والهُدى لا يكون قَطْ ضَلالا
فيرى نفسَه وليس سِوَائي

في المنازلات/ الباب الخامس والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من طلب العلم صرفت بصره عني ٥٥
أحرقتْ أوْجُهاً فكانت ظِلالا
قد رفعنا أبصارَنا لشموس
إنّني واحدٌ عليك أحَالا
فإذا ما يقولُ ربُّك ـ فاعلمْ-
قال الله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] التقدير فإذا ما يقول ربك إنني
واحد فاعلم أنه عليك أحال اعلم أن العلم الدليليّ البرهاني يقضي برفع المناسبة بين العالم
وبين هوية الحق وأن لا رؤية من وراء إلا بمناسبة بينه وبين المرئي فالحق لا يراه غير نفسه
من حيث هويته، فصاحب هذا العلم في حال شهوده ورؤيته ربه يحكم أنه ما رآه وحكمه
صحيح ورؤيته صحيحة فلهذا قال: صرفت بصره عني، فإذا صرف بصره عنه كان الحق
بهويته بصراً لهذا العبد فإذا رآه بهذه الحال يكون ممن رأى الحق بالحق والرائي عبد والمرئي
حق والمرئيّ به حق، وهذه أكمل رؤية تكون حيث كانت. وقد ورد في الصحيح أن العبد
يحصل له هذا المقام في الحياة الدنيا وفي هذه النشأة التي تفارقها النفس المطمئنة الناطقة
بالموت فقال تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فكثر وجمع فإنها أبصار الكون
ولم يقل: لا يدركه البصر وإن كان جمع قلة ولكن على كل حال هو أكثر من بصر، قال
الشاعر في جمع القلة [البسيط]:
بأفْعُلِ وبأفعالٍ وأقْعِلَةٍ
وفِعْلَةٍ يُجْمَعُ الأدنى من العَدَدِ
فأفعل مثل أكلب، وأفعال مثل أبصار، وأفعلة مثل أكسية، وفعلة مثل فتية، ولما كانت
هويته أحدية الوصف لم يكن فيها كثرة وهي بصره في كل مبصر، فهو وإن تعددت ذوات
المبصرين فالبصر واحد من الجميع إذ كان البصر هوية الحق فيصح أن البصر عند ذلك يدركه
لأنه ليس غيره فهو الرائي والمرئيّ به والمرئيّ، فإن الحقيقة المنفية في هذه الآية في قوله:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أن الأبصار هنا معان يدرك بها المبصرات ما هي تدرك
المبصرات بخلاف ما هنا فإنه إذا كان عين الحق عين بصرك فيصح أن يقال في مثل هذا يدركه
البصر فينسب الإدراك إليه مع صحة كونه بصراً للعبد، فتفطن لهذه المسألة فإنها نافعة جداً
وتعلم من ذلك أن لله عباداً عجل لهم رؤيته في الدنيا قبل الآخرة، ولله عباداً أخر لهم ذلك،
ولله عباداً لا يرونه إلا بأبصارهم في الآخرة وينزلون عن رتبة هؤلاء في الرؤية، ولله عباداً
يرونه في الدنيا بأبصار إيمانهم وفي الآخرة البرزخية بأعين خيالهم يقظة ونوماً وموتاً، ومن هنا
قال من قال من أهل الله إن العلم حجاب يريدون علم النظر الفكريّ أي العلم الذي استفاده
العاقل من نظره في الله فهذا معنى قوله: صرفت بصره عني فما رآني من رآني إلا بي، ومن
رآني ببصره فما رأى إلا نفسه فإنني بصورته تجليت له، فرجال الله علموا الله بإعلام الله تعالى
فكان هو علمهم كما كان بصرهم، فمثل هؤلاء لو تصوّر منهم نظر فكريّ لكان الحق عين
فكرهم كما كان عين علمهم وعين بصرهم وسمعهم، لكن لا يتصور من يكون مشهده هذا
وذوقه أن يكون له فكر البتة في شيء إنما هو مع ما يوحى إليه على اختلاف ضروب الوحي
وأنه من ضروب الوحي الفهم عن الله ابتداء من غير تفكر، فإن أعطى الفهم عن تفكر فما هو
ذلك الرجل، فإنّ الفهم عن الفكر يصيب وقتاً ويخطىء وقتاً، والفهم لا عن فكر وحي

٥٦
في المنازلات/ الباب السادس والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة السرّ ... الخ
صحيح صريح من الله لعبده وذوق الأنبياء عليهم السلام في هذا الوحي يزيد على ذوق
الأولياء، فإن قابل الأخص في الأعمّ محصل للأعم وليس قابل الأعم الذي لا يتعين فيه
الأخص يحصل له فيه ذوق الأخص، وإن كان مندرجاً فيه فلا حكم له في الذوق، وإن كان
له حكم في الكل إلا أنه لا يقدر على الفصل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة السرّ الذي قال منه رسول الله وَلقر حين استفهم
عن رؤية ربه فقيل له: رأيت ربك في ليلة الإسراء فقال: ((نور أنَّى أراه))
[البسيط]:
قد قام في الكون عيناً في تَجَلِیهِ
النُّورُ كيف يراه الظَلُّ وهُوَ به
حُكْمُ الثَّجَلْي ولكن في تَحَلْیهِ
فإن تَحَلَّى بنَعْتِ النور كان له
من نُورٍ ذاتٍ يراه في تَدَلِيهِ
الروحُ ظلِّ وعينُ الجسم يبديه
ذي خلوة فيراه في تَخَلِيهِ
وليس يدري الذي قلناه غَيْرُ فَتّى
عنه فبان له لدى تَوَلِيهِ
وقد يراه الذي وَلَّى بصورته
قال الله عز وجل: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فمن النور من يدرك به ولا
يدرك في نفسه فهو حجاب عليك عن نفسه وأنت والعالم حجاب عليك، وقوله وَّر: ((إنَّ للهِ
سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ)) أَوْ ((سَبْعِينَ حِجَابً)) الشَّكَّ مِنِّي ((مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ)) الحديث، فحجاب النور
من هذه الحجب واحد، والظلم الحجابية ما بقي من هذا العدد فهو عين الحجاب عليك وهو
المحتجب فيه فبنفسه احتجب فالنور لا يرى أبداً، والظلمة وإن حجبت فإنها مرئية للمناسبة
التي بينها وبين الرائي، فإنه ما ثم ظلمة وجودية إلا ظلمة الأكوان، وكان وَل يسأل الله في
دعائه أن يجعله نوراً لما علم أن الله هو النور، وعلم أن النور الأدنى يندرج في النور الأعلى،
وعلم أن الحق هو جميع ما يكون به العبد عبداً من جميع الوجوه، وأنه من حيث هويته
لا نعت له ولا صفة فعلم أن نسبة النعتية إليه، والصفة ما هو غير الحق لا من حيث صفة
الحق بل من هويته ولا يذكر العبد بهويته وإنما يذكر بما يقوم به من الصفات وليست إلا هوية
الحق فقوله: ((وَاجْعَلْنِي نُوراً) عين قوله: ((واجعلني أنت)) وأنت لا يكون بالجعل فقال له:
أقمني في علم شهود أني أنت حتى أتميز عن غيري من هويات العالم فأعلمهم وأعلم من أنا
وهم لا يعلمون، وإذا كان الأمر على هذا فما اندرج نور في نور وإنما هو نور واحد في عين
صورة خلق، فانظر ما أعجب هذا الاسم فالخلق ظلمة ولا يقف للنور فإنه ينفرها، والظلمة
لا ترى النور وما ثم نور إلا النور الحق، فلهذا قال ◌َ: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» فإنه ما رآه مني إلا
هويته وظلمتي لا تدركه، وهذا سر خفيّ عن إدراك الأدلة النظرية وعن إدراك الشهود في
الصور وهو من أسنى العلوم الإلهية الواضحة فلم يدركها من العبد إلا هو، فهو العلم والعالم
والمعلوم في هذه المسألة.

٥٧
في المنازلات/ الباب السابع والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة قاب قوسين
ولما فصل الإضافة إلى السموات وهو ما غاب من القوى وعلا وإلى الأرض وهو
ما ظهر من القوى الحسية ودنا قال الله تعالى: إنه عين نفورها عن ذاتها فلم يشهد إلا هو فهو
عین السموات والأرض، ولم نقل کما قال فيه المفسر معناه منوّر أو هاد فذلك له اسم خاص
وهو الهادي الذي هداهم لإباية حمل الأمانة وإلى الإتيان بالطاعة لأمره، فهو من باب إجابة
الأسماء للأسماء إذا دعا بعضها بعضاً فذلك علم آخر إلهي، وأما هنا فما قال إلا أنه ﴿نُورُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] والنور النفور، ويؤيد ذلك التشبيه بالمصباح على الوصف
الخاص فإن مثل هذا النور المصباحيّ ينفر ظلمة الليل بل هو عين نفور ظلمة الليل مع بقاء
الليل ليلاً، فإنه ليس من شرط وجود الليل وجود الظلمة وإنما عين الليل غروب الشمس إلى
حين طلوعها سواء أعقب المحل نور آخر سوى الشمس أو ظلمة، فوقع الغلط في ماهية الليل
ما هي ولهذا قال: ﴿ وَلَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] فلو كان عين الليل عين الظلمة ما نعته بأنه
أظلم فقد يكون الليل ولا ظلمة، كما أنه قد يكون النهار ولا ضوء، فإن النهار ليس إلا زمان
طلوع الشمس إلى غروبها وإن طلعت مكسوفة فلا يزول الحكم عن كون النهار موجوداً، فإن
قيل: ما سمي النهار نهاراً إلا لاتساع الضوء فيه. قلنا: وإن كان فلا يقدح فيما ذهبنا إليه من
ماهية النهار فإنّ ذلك الكسوف أمر عارض لا يقدح في طلوع الشمس ولو أظلمت في نفسها
فكيف وعلة الكسوف لها معلوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة قاب قوسين
[البسيط]:
ما قَابُ قَوْسَيْنٍ إلا قُطْرُ دائرةٍ
فمن يعاين عَيْناً لا تغايُرها
وهو الذي فيه أو أذنَى وفيه له
الشكُ يظهر في سلطان أو فَلَها
فهذه آيةٌ في النجم قد نزلت
وكل من جئته يدريه مختبراً
وذاك حين تجلّى صورة دائرة
تُعْطي الثَّمَيُّزَ بين الكَوْنِ واللَّهِ
عَيْنٌ فذاك دُنُوُّ العالِم السَّاهي
أسرارُ علم ولا تدري النَّهَى ما هي
حُكْمُ المقرّب ذي السلطان والجاهِ
دلّتْ على كون أمثالٍ وأشْبَاهِ
عقداً وفعلاً لدى التعيق والبَاهِ
يقول باللَّفْظ أنت الآمر الناهي
قال الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩] إشارة إلى التقريب الصوري
ورد في الخبر النبوي أن رسول الله وَل﴿ يقول: ((لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلِ لَهَبَطَ عَلَى الله)) وقال
تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال نَّهُ: ((يَنْزِلُ رَبَّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ
لَيْلَةِ فِي الثُلُثِ البَاقِي مِنَ اللَّيْلِ)) الحديث، فحير العقول الضعيفة ونبه العقول المعتكفة على
باب حضرته فعلمت ما أراد ولو استزدته لزاد كما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [النجم: ٨] في إسرائه
إلى السموات ليريه من آياته ﴿فَدَلََّ﴾ [النجم: ٨] فقوى ذلك منبهاً ومشيراً على أنه عين

٥٨
في المنازلات/ الباب الثامن والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة الاستفهام عن الأنيتين
الحبل الوارد المذكور في الخبر، فدل أن نسبة الصعود والهبوط على السواء في حقه،
فجمع بين خبر صاحب الحوت وصاحب الإسراء أنه لم يكن واحد منهما بأقرب إلى
الحق من الآخر، فهي إشارة إلى عدم التحيز وأن الذات مجهولة غير مقيدة بقيد معين،
فكان من آياته التي أراه ليلة إسرائه كونه تدلى في حال عروجه، وهذا عين ما أشار إليه
أبو سعيد الخراز في قوله عن نفسه: ما عرفت الله إلا بجمعه بين الضدين ثم تلا: ﴿هُوَ
اَلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِنٌ﴾ [الحديد: ٣] فكان بهويته في الجميع في حال واحدة بل هو
عين الضدين، فلولا أنت ما كان دنو ولا تدل [مخلع البسيط]:
ولا عُرُوجٌ ولا هُبُوطُ
فلادُنُوَّ ولا تَدَلْ
مُحَفِّقاً كلها خُطُوطُ
فهذه إنْ نَظَرْتَ فيها
فأنت من حيث هويتك لا نعت لك ولا صفة، قيل لأبي يزيد: كيف أصبحت؟ فقال:
لا صباح لي ولا مساء إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة وأنا لا صفة لي فإني بكيت زماناً
وضحكت زماناً وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي، والصعود والهبوط نعت، فلا صعود للعبد
ولا هبوط من حيث عينه وهويته، فالصاعد عين الهابط فما دنا إلا عين من تدلى، فإليه تدلى
ومنه دنا فكان ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] وما أظهر القوسين من الدائرة إلا الخط المتوهم،
وكفى بأنك قلت فيه المتوهم والمتوهم ما لا وجود له في عينه، وقد قسم الدائرة إلى قوسين
فالهوية عين الدائرة وليست سوى عين القوسين، فالقوس الواحد عين القوس الآخر من حيث
الهوية وأنت الخط القاسم المتوهم، فالعالم في جنب الحق متوهم الوجود لا موجود،
فالموجود والوجود ليس إلا عين الحق وهو قوله: ﴿أَوْ أَدَ﴾ [النجم: ٩] فالأدنى رفع هذا
المتوهم، وإذا رفع من الوهم لم يبق سوى دائرة فلم تتعين القوسان، فمن كان من ربه في
القرب بهذه المثابة أعني بمثابة الخط القاسم للدائرة ثم رفع نفسه منها ما يدري أحد
ما يحصل له من العلم بالله وهو قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] وما عين
لنا في الذكر الحكيم ما أوحى ولا ذكر رسول الله وَّر ما أوحي في ذلك القرب به إليه، فكان
التلقي في هذا الموطن تلقياً ذاتياً لا يعلمه إلا من ذاقه، وليست في المنازلة منازلة تقتضي
التقاء النقطة بالمحيط إلا هذه المنازلة، فإنه إذا التقى المحيط بالنقطة ذهب ما بينهما فذلك
ذهاب العالم في وجود الحق، ولم تتميز نقطة من محيط بل ذهب عين النقطة من كونها نقطة
وعين المحيط من كونه محيطاً فلم يبق إلا عين وجودية مذهبة حكمها وحكم ما ينسب من
العالم إليها ذهاباً كلياً عاماً عيناً وحكماً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والعشرون وأربعمائة
في معرفة منازلة الاستفهام عن الأنيتين
[الوافر]:
وكل أين قواي أنا وأنْتَا
إذ ما كُنْتَ عيني في وجودي

٥٩
في المنازلات/ الباب الثامن والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة الاستفهام عن الأنيتين
وإما أن يكون الشأن أنتا
فإما أن يكون الشأنُ عيني
وإما أن أكون أنا بوَجْهٍ
فأنت الحرفُ لا يُقْرَا فِيُذْرَى
أرى عَجْزاً وذاك العجزُ عيني
فما أقْوَى على تحصيل علم
فحِرْنَا في وجود الحقّ عَجْزاً
فزال أنا وهو والأنت فانظر
فمن أعني بأنت ولست عيني
لأني لا أرى مدلولَ لَفْظي
أرى أمراً تَضَمَّنَهُ وجودي
فإن زِلْنَا تقول فَعَلْتَ عبدي
فقل لي من أنا حتى أراه
فلولا الله ما كنا عبيداً
فأثْبِتْني لنُثْبِتَكُمْ إلهاً
ومن وَجْهٍ سواهُ تكون أنتا
وأنت مُحَيِّرُ الحَيْرانِ أنتا
وجهلاً بالأمور فأين أنتا
ولا تَقْوَى على التوصيل أنتا
وحِرْتَ وعزّةِ الرحمن أنتا
إلى قولي إذا ما قلت أنتا
ولا غيري فحرت بلفظ أنتا
ولا أنا عالمٌ من قال أنتا
وأنت تغارُ منه وليس أنتا
فتُثْبِتُنا بأمر ليس أنتا
فأعرف هل أنا أو أنت أنتا
ولولا العبد لم تَّكُ أنت أنتا
ولا تَنْفي الأنا فيزول أنتا
قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فهذا إثبات
الأنيتين وإثبات حكمهما، ثم نفى الحكم عن إحداهما بعد إثباته وهو الصادق القول. فاعلم
أن أنية الشيء حقيقته في اصطلاح القوم فهي في جانب الحق ﴿إِنّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] وفي
جانب الخلق الكامل ﴿إِنِّ رَسُولُ اللهِ﴾ [الصف: ٦] فهاتان أنيتان ضبطتهما العبارة وهما طرفان،
فلكل واحدة من الأنيتين حكم ليس للأخرى [الطويل]:
وما ثَمَّ إلا الله ليس سواهُ
وذاك الذي قالوا وذاك الذي عَنُوا
ويطلب من يدري وما ثَمَّ إلا مُؤْ
وكَلَّفَ والتكليفُ يطلب حادثاً
فالأنية الإلهية قائلة، والأنية القابلة سامعة، وما لها قول إلا بالتكوين، فلا يقال بأنية
الخلق في حال وجودها، وما القول إلا لمن هو في حال العدم فلا تكليف إلا في المعدوم
لعدم نسبة الإيجاد للحادث، فلا يقال للمنفعل انفعل فقد انفعل بقبوله الوجود، ولا إيجاد
يكون عنه فلا قول له، وما ثم عبث فإذا كلف قال لما كلف به ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] في حال
عدمه ﴿فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] في محل هذا الحادث فينسب إليه وليس إليه، فلهذا كانت
الأنيتان طرفين فتميزتا إلا أن لأنية الحادث منزلة الفداء والإيثار لجناب الحق بكونها وقاية،
وبهذه الصفة من الوقاية تندرج أنية العبد في الحق اندراجاً في ظهور وهو قوله تعالى:
﴿ إِنَّفِىّ ◌َنَاَ اَللَّهُ﴾ [طه: ١٤] فلولا نون العبد التي أثر فيها حرف الياء الذي هو ضمير الحق
فخفض النون فظهر أثر القديم في المحدث، ولولاه لخفضت النون من أن وهي أنية الحق
كما أثرت في قوله: ﴿إِنَّ أَنَأْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] فإنه لا بد لها من أثر فلما لم تجد أنية العبد

٦٠
في المنازلات/ الباب الثامن والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة الاستفهام عن الأنيتين
التي هي نون الوقاية أثرت في أنية الحق فخفضتها ومقامها الرحمة التي هي الفتح، فما أزاله
عن مقامه إلا هو ولا أثر فيه سواه، فأقرب ما يكون العبد من الحق إذا كان وقاية بين أنية
الحق وبين ضميره فيكون محصوراً قد أحاط به الحق من كل جانب وكان به رحيماً لبقاء
صفة الرحمة فبابها مفتوح وبها حفظ على المحدث وجوده فبقي عين نون الوقاية الحادثة في
مقام العبودية الذي هو الخفض المتولد عن ياء ضمير الحق فظهر في العبد أثر الحق وهو
عين مقام العبد الذلة والافتقار، فما للعبد مقام في الوصلة بالحق تعالى أعظم من هذا حيث
له وجود العين بظهور مقامه فيه وهو في حال اندراج في الحق محاط به من كل جانب
فعرف نفسه بربه حين أثر فيه الخفض فعرف ربه حين أبقاه على ما هو عليه من الرحمة فإنه
الرحمن الرحيم، فما زال عنه الفتح بوجود عين العبد فلا يشهده أبداً إلا رحماناً ولا يعلمه
أبداً إلا مؤثراً فيه، فلا يزال في عبوديته قائماً وهذا غاية القرب، ولما حار أبو يزيد في
القرب من الله قبل أن يشهد هذا المقام قال لربه: يا رب بماذا أتقرب إليك؟ فقال: بما ليس
لي، فقال: يا رب وما ليس لك وكل شيء لك؟ فقال: الذلة والافتقار، فعلم عند ذلك
ما لأنية الحق وما لأنية العبد، فدخل في هذا المقام فكان له القرب الأتم فجمع بين الشهود
والوجود إذ كان كل شيء هالك، فإن الشهود عند القوم فناء حكم لا فناء عين، وفي هذا
المقام شهود بلا فناء عين، وهو محل الجمع بيننا وبين الطائفة وبلا فناء حكم فإنه أبقى
للحق ما يستحقه من الفتح الرحموتيّ إذ لولاه أعني لولا هذا القرب المعين لعاد الأثر على
أنية الحق، ولهذا أظهر في ﴿إِنَّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] ليعلم أن الأثر إذا صدر من الحق لا بدّ
له من ظهور حكم وما وجد إلا الحق فعاد عليه فجاء العبد فدخل بين الأنية الإلهية والمؤثر
فعمل فيه [المتقارب]:
وأَنْيَّةُ الحَقّ ما تَتْضَبِطْ
فأَنْيَّةُ الخَلْقِ مضبوطةٌ
وكُلِّ بأحواله مُغْتَبِطْ
فيأخذُ من ذا ويُغطيه ذا
فرَبْطُ الوجود بعين الشُّهُو
د مقامٌ جليلٌ لمن يَرْتَبِطْ
عُبَيْدٌ إذا سرُّه قد شَخَطْ
وليس ينالُ مقامَ الدنوّ
وما فرحت بشيء قط مما وهبنيه الحق من المنح التي تقبلها الأكوان فرحي بهذا المقام
إذْ حلاني به ربي وهو أعلى المقامات وأسناها، وهو مقام كل ما سوى الله ولا يشعر به،
وليست العناية من الله ببعض عباده إلا أن يشهده هذا المقام من نفسه، فما يزيد على العالم
كله إلا بالعلم به حالاً وذوقاً، ولا يجني أحد ثمرة الإيثار مثل ما يجنيها صاحب هذا المقام،
فإن ثمرة الإيثار على قدر من تؤثره على نفسك، والذي تؤثره على نفسك هنا إنما هو الحق
فينسب إليك الفرح بما تجنيه من ثمرة هذا الإيثار على صورة نسبة الفرح إلى الحق، فانظر
ما أعظمها من لذة وابتهاج، وهذا أخصر ما يمكن من الإبانة عن هذا المقام، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل .