Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ في المنازلات / الباب الخامس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من دخل حضرتي ... صعبة التصوّر مع أن فحول العلماء يقولون بها ولا يعلمون أنها هي كبلقيس تقول كأنه هو وهو هو، وكذلك من تكلم في الحق في حال ظهوره في صورة خاصة مع الحق فهو يشهده ولا يعلم أنه هو، وهذا سار حكمه في العالم لمن نظر واستبصر والله غني عن العالمين لظهوره بنفسه، فلا دليل عليه سواه له إذ ما ثم إلا الله تعالى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الخامس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من دخل حضرتي وبقيت عليه حياته فعزاؤه علي في موت صاحبه [نظم: المديد] عنده مفاتِخُ الكَرَمِ منزل الآلاء والنَّعَم قَدَمٌ فِي رُتْبَةِ القِدَمَ وله الحدوثُ ليس له ماله في الكون من قدم وهو حكم عينه عدم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [الحديد: ٤] والمعية صحبة، وصح عن رسول اللّه ◌َيّة المترجم عن ربه بلسان حق لا ينطق عن هوى لكونه شديد القوى: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ)) فاتخذه صاحباً له في سفره، والسفر من الإسفار وهو الظهور فهو ظاهر الصحبة من الوجه الذي يليق به ويطلق عليه. فاعلم أن سر الحياة الإلهية سرى في الموجودات فحييت بحياة الحق، فمنها ما ظهرت حياتها لأبصارنا، ومنها ما أخذ الله بأبصارنا عنها في الدنيا إلا الأنبياء وبعض أولياء الله فإنه كشف لهم عن حياة كل شيء، والمحجوبون يدركونها بالإيمان إذا كانوا مؤمنين. وأما من ليس بمؤمن فلا يدرك ذلك لا بالكشف ولا بالإيمان، نسأل الله العصمة من الكفر. ولسريان هذه الحياة في أعيان الموجودات نطقت كلها مسبحة بالثناء على موجدها إلا أنه صحبت الدعوى في هذه الحياة لكل حي ابتدىء فيتخيلون أن حياتهم لهم حتى إذا فزع عن قلوبهم فرأوا الأمر على خلاف ما اعتقدوه وهو رؤيتهم أن الحياة التي كانوا بها أحياء هي حياة الحق لا بل هي الحق عينه كما ورد في الصحيح: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) وغير ذلك، فمن جملة ذلك أنه حياته فعندما أبصروا ذلك ﴿قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ وما قال حياة ربكم ولهذا قلنا بل هو عين الحق ﴿قَالُواْ الْحَقٌّ﴾ لما تبين لهم أنه الحق ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [ سبأ: ٢٣] عن الحلول والمحل ولكن نسب وإضافات وشهود حقائق، فبالوجه الذي يقول فيه أنه سمع العبد به بعينه يقول إنه حياة العبد وعلمه وجميع صفاته وقواه وهي نسب لا أعيان فهو الحي العالم السميع إلى غير ذلك فالعين واحدة وليس إلا ما ظهر فهو عين ما ظهر، فالعبد المتحقق بالحق ينكشف له فيتبين أنه الحق إلا أنه بكل شيء محيط . فالحياة التي كان يدعى فيها قبل دخوله إلى حضرة الحق لم تبق عليه في هذا الشهود أصلاً وضد الحياة الموت، فإن اشتبهت عليه الحضرة وتخيل أنه دخل حضرة الحق وما زالت عنه حياته أنها له كما تخيل صاف في عرش إبليس على البحر أنه العرش الذي استوى عليه الرحمن تعالى وجل فقال له رسول الله وَله: ذلك عرش إبليس، كذلك صاحب هذا الشهود ٣٨٢ في المنازلات / الباب السادس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من جمع المعارف والعلوم إذا رأى أن حياته باقية عليه منسوبة إليه فإن الحق قد مات في حقه وهو يدعي صحبة الحق فالحق يعزيه في موت صاحبه فإنه عنه في هذا الشهود أجنبي فهو الميت على الحقيقة، فمن لم يصحبه الحق في جميع صفاته فما هو حق فإن الحق لا يتبعض، فإذا كان كان، وإذا لم يكن كان في نفس الأمر ولا نعرفه، فكن عالماً ولا تكن جاهلاً، ولهذا قيل: ما اتخذ الله ولياً جاهلاً قط، وإن الله يتولى بالفعل تعليم أوليائه مما يشهدهم إياه في تجلياته، ومثل قوله وكلية: ((إِنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)) فمللكم هو في الإشارة ملل الحق. ولما كان الحق في حق كل أحد عين اعتقاده فيه وعلمه به ثم غفل عن اعتقاده الذي هو ربه فقد ذهب عن محل عقده ففقده وهو كان صاحبه فعزاه الحق فيه من حيث ما هو لنفسه في الحق الذي كان متعلق عقده قرب كل إنسان على صورة عقده فيه، والحق الذي هو حق في نفس الأمر وراء كل معتقد لا بل هو صورة كل معتقد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من جمع المعارف والعلوم حجبته عني وهو من الحضرة المحمدية [نظم: السريع] ألا إلى الله تَصِيرُ الأمُوز أهْلُ التُّقَى لم يأمُوا كَيْدَها لها صفاتُ الحق في مَكْرِها لَوَ أنّها تَتَّصِفُ في حالها مِنْ صِدْقِها في حالها أنها وكان لي فيها وما عندها بها ينالُ العَبْدُ في كونها وهو على النّصْفِ إذا ما مَضَى ميزانُها قام بها والذي كأحمد السبتيّ في الفِعل إذْ ما يظهرُ العَبْدُ بأسمائه ما أنْتِ يا دنيايَ إلا غُرُوز مع الثَّلَقْي فكيف أهلُ الفُجُوز وما لنا في مَكْرِهِ من شُعُوز كانت لهم نِعْمَ البَشِيرُ النَّذیز أَرَتْ رَحَى الموت علينا تَدُوزْ موعظةٌ مذكرةٌ للخَبيز كَمَالَ نَعْتِ الحَقِّ يَوْمَ النُّشُوز عنها ومن يَجْحَدْ هذا يَجُوز يعلمه هو العليمُ القدير مَلَّكَهُ الله زمامَ الأمُوز إلا بها فهو المبين الغَفُوز اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن الله تعالى في نفسه وجل أن يعرفه عبده واستحال ذلك فلم يبق لنا معلوم نطلبه إلا النسب خاصة أو أعيان الممكنات وما ينسب إليها، فالمعرفة تتعلق بأعيان الذوات من الممكنات، والعلوم تتعلق بما ينسب إليها فتعلم الذوات والأعيان بالضرورة من غير فكر ولا نظر، بل النفس تدركها بما ركز الله فيها وتعلم النسب إليها وهو علم الإخبار عنها مما توصف به أو يحكم به عليها بالدليل النظري أو بالإخبار الاعتصامي بغير هذا لا يوصل إلى العلم بذلك، والأحكام والأخبار غير متناهية الكثرة، فتفرق الناظر فيها ولا يجمعها، ٣٨٣ في المنازلات / الباب السادس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من جمع المعارف والعلوم وأراد الحق من عباده أن يجمعهم عليه لا على تتبع هذه الكثرة حتى تعلم، بل أباح لبعض عباده منها ما يتعلق العلم بها الذي يجمعه عليه وهو قوله في النظر في ذلك حتى يتبين لهم أنه الحق، فمن افترق في نفسه في جمع علوم لا ينطر فيها من حيث دلالتها على الحق حجبته عن موضع الدلالة التي فيها على الحق كعلوم الحساب والهندسة وعلوم الرياضات والمنطق والعلم الطبيعي، فما منها علم إلا وفيه دلالة وطريق إلى العلم بالله، ولكن أكثر الناس لا ينظر فيه من حيث طلبه ذلك الوجه الدال على الله فوقع الذم عليه والحجاب عن هذه الدلالة، ثم إن بعض الناس إذا نبهه الله على طلب موضع الدلالة من كل معلوم على الله تعالى يفرقه في المعلومات وإن كان مطلوبه دلالتها على الله فلا نشك أن جمعه لهذه المعلومات التي هي محل نظره حجاب عن الله أي عن الوجه الذي ينبغي أن يعلم منه ما في وسع القابل من الله، وليس له طريق إلى ذلك إلا بأن يترك جميع المعلومات وجميع العالم من خاطره ويجلس فارغ القلب مع الله بحضور ومراقبة وسكينة وذكر إلهي بالاسم الله ذكر قلب ولا ينظر في دليل يوصله إلى علمه بالله، فإذا لزم الباب وأدمن القرع بالذكر وهذه هي الرحمة التي يؤتيه الله من عنده أعني توفيقه وإلهامه لما ذكرناه فتولى الحق تعليمه شهوداً كما تولى أهل الله كالخضر وغيره فيعلمه من لدنه علماً قال تعالى: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةُ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] من الوجه الخاص الذي بينه وبين الله وهو لكل مخلوق، إذ يستحيل أن يكون للأسباب أثر في المسببات فإن ذلك لسان الظاهر كما قال في عيسى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠] لا بنفخك، والنفخ سبب التكوين في الظاهر، والتكوين ليس في الحقيقة إلا عن الإذن الإلهي، وهذا وجه لا يطلع عليه من العبيد نبيّ مرسل ولا ملك مقرب من أحد. وغاية العناية الإلهية بالشخص من ملك أو رسول أو ولي أن يوقفه الله من ذلك على الوجه الخاص به لا على وجه غيره كما قال الخضر لموسى عليه السلام: أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، لأنه كان من الوجه الخاص الذي من الله لعبده لا يطلع على ذلك الوجه إلا صاحبه إذا اعتنى الله به، وما من مخلوق إلا وله ذلك الوجه ويعلمه الله منه أموراً كثيرة، ولكن لا يعرف بعض العبيد أنه أتاه ذلك العلم من ذلك الوجه، وهو كل علم ضروري يجده لا يتقدم له فيه فكر ولا تدبر، وصاحب العناية يعلم أن الله أعطاه ذلك العلم من ذلك الوجه. ثم قال له الخضر أيضاً: وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، فإن كان موسى قد علم وجهه الخاص عرف ما يأتيه العلم من ذلك الوجه، وإن كان لم يعلم ذلك فقد نبهه الخضر عليه ليسأل الله فيه، فإذا علم الأشياء كلها من ذلك الوجه فهو ملازم لتلك المشاهدة والشؤون الإلهية والأشياء تتكون عن الله وهو ينظر إليها فلا تشغله مع كثرة ما يشاهد من الكائنات في العالم وهو مقام الصديق في قوله: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله، وذلك لما ذكرناه من شهود صدور الأشياء عن الله بالتكوين فهو في شهود دائم والتكوينات تحدث، فما من شيء حادث يحدث عن الله إلا والله مشهود له قبل ذلك الحادث، وما نبه أحد فيما وصل إلينا على هذا الوجه وما يتكوّن منه في قلب المعتكف على شهوده إلا أبو بكر الصديق، ولكن نحن ما أخذناه من تنبيه أبي بكر الصديق عليه لكوننا ما فهمنا عنه ما أراد ولا فكرنا فيه، وإنما اعتنى ٣٨٤ في المنازلات/ الباب السادس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من جمع المعارف والعلوم الله بنا فيه ففاجأنا العلم به ابتداء ولم نكن نعرفه فأنكرنا ذلك وقلنا هذا من أين؟ ففتح الله بيننا وبينه ذلك الباب، فعلمنا ما لنا من الحق على الخصوص، وعرفنا أن هذا هو الوجه الخاص الذي من الله عزّ وجلّ لكل كائن عنه فلزمته واسترحت، وعلامة من يدعيه لزوم الأدب الشرعي وإن وقعت منه معصية بالتقدير الإلهيّ الذي لا بدّ من نفوذه، فإن كان يراها معصية ومخالفة للأمر المشروع فيعلم أنه من أهل هذا الوجه، وإن كان يعتقد خلاف هذا فنعلم أن الله ما أطلعه قط على هذا الوجه الخاص ولا فتح له فيه وأنه شخص لا يعبأ الله به، فإنه ما من أحد أعظم أدباً مع الشرع ولا اعتقاداً حقيقاً فيه أنه الحق كما يعلمه العامي سواء إلا أهل هذا الوجه فإنهم يعلمون الأمور على ما هي عليه، فيعلمون أن حظهم من هذا الأمر المشروع والتكليف وحظ الآتي به وهو الرسول، وحظ العامة المخاطبين أيضاً به على السواء لا فضل لأحدهم على الآخر فيه لأنه لذاته ورد لا لأمر آخر، فالذي يحرم بالعموم في الخطاب المشروع على واحد يعم جميع المكلفين من غير اختصاص حتى لو قال بتحليل ذلك في حق شخص يتوجه عليه به لسان الذم في الظاهر كان كافراً عند الجميع، وكان كاذباً في دعواه أنه من أهل هذا الوجه، فإن أخص علوم هذا الوجه ما جاءت به الشرائع ولذلك قال رسول الله (83# لما خطب الناس في حق عليّ بن أبي طالب إذا قيل له إنه يخطب ابنة أبي جهل على ابنته فاطمة فقال وَ جَر: ((إنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنْي يَسُوءُ نِي مَا يَسُوءُهَا وَيَسُرُّنِي مَا يَسُرُّهَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي تَخْرِيمُ مَا أَحَلَّ الله وَلاَ تَخْلِيلُ ما حَرَّمَ الله)) فمع معرفته بالوجه الخاص الإلهيّ لم يعطه إلا إبقاء ما هو محرم على تحريمه وما هو محلل على تحليله، فما حرم على عليّ نكاح ابنة أبي جهل إذ كان حلالاً له ذلك ولكنه قال: ((إنْ أَرَادَ ذَلِكَ يُطَلْقِ ابْتَتِي فَوَ الله مَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ عَدُوِ الله وَبِنْتُ رَسُولِ الله تَحْتَ رَجُلٍ وَاحِدٍ)) وأثنى على زوج ابنته الأخرى خيراً فرجع علي بن أبي طالب عن ذلك، فلو كان ذلك الوجه يعطي ما يزعم هذا المجادل أنه أعطاه لكان رسول الله * أولى بذلك وما فعل وله الكشف الأتم والحكم الأعم والحظ الأوفر إذ هو السيد الأكبر، ولا بد لكل شخص من خصوص وصف ينفرد به يعطيه الله ذلك من ذلك الوجه وبه يسعد الله في المآل من يقال فيه إنه لا يسعد ولا تناله رحمة الله التي وسعت كل شيء فإنها صدرت من وجوه الاختصاص فعمت العالم والجاهل والطائع والعاصي، جعلنا الله ممن نالته في أحواله كلها فيلقى الله ولم يجر عليه لسان ذنب بعد معرفته بهذا الوجه، وأحكام المجتهدين وجميع الشرائع من هذا الوجه الخاص صدورها والتعبير للرؤيا بالقوة من غير نظر في كتاب ولا استدلال من هذا الوجه الخاص يكون، فمن أراد تحصيله فليلزم ما قررناه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٣٨٥ في المنازلات / الباب السابع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ... ﴾ الباب السابع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة ﴿إِلَيّهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: ١٠] هذا قول الله الصادق [نظم: البسيط] والعارفين ومن يبقى ومَنْ غَبَرَا إِنّ الرِّجَالَ رِجالُ اللهِ كُلُّهُمُ إلا الذي جَمَعَ الآياتِ والسُّوَرَا ما منهُمُ أحَدٌ يدري حقيقَتَه وما يبالي بمن قد ذُمَّ أو شَكَرَا وقام بالحقُّ سَبَّاقاً على قَدَم مَنَّ الإلهُ علينا في خلافتناً ولا نريد بذا فخراً فيلحقنا بِخاتم الحُكْم لم يَخْصُصْ به بَشَرَا نَقْصٌ لذلك أو يلحق بنا غِيَرَا اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وقال وَّرَ: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله)) ثم قال وَّ: ((لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ)) يعني فتح مكة فإنه ما ثم إلى أين، وقد جعل الله بيوت النفوس الإنسانية هذه الأجسام الطبيعية التي خلقها وسوّاها وعدّلها بالبناء لسكنى هذه النفوس الإنسانية التي هي من جملة كلم الحق، فلما نفخها فيها وأسكنها وأعلم هذه النفس بما لها عند الله في تدبير هذه المملكة التي ملكها الله وركز في جبلتها علم التدبير مطلقاً، ثم عين لها في تدبيرها الخاص والعام أوقات التدبير ومقادير ذلك وجهاته بلسان الشرع موافقاً لميزان الطبع فيحمد ذلك التدبير الخاص والعام، فقال أهل هذا الشأن من علماء الطبيعة: ما قال أحد في أصل هذا العلم أجمعٍ ولا أبدع من قول رسول الله وَ ل* إذا قال: ((المَعِدَةُ بَيْتُ الذَّاءِ وَالحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ وَأَصْلُ كُلِّ دَاءِ البَرَدَةُ)) وأمر في الأكل إن كثر ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس. وقال وَّ: ((بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ)) هذا في تدبير هذا البيت، فما زال يحكم فيه بحكم الله إلى أن انقدح له في سره أنه وإن حكم فيه بحكم الله أنه إنما يحكم فيه الله بحكم الله مع ثبوت عينه عنده، فلما عاين ذلك أنف من الحصر في ظلمة هذا الهيكل وطلب التنزيه عنه فوجد الله قد هيأ له من عمله مركباً ذلولاً غير جموح برزخياً دون البغل وفوق الحمار سماه براقاً لأنه تولد من عالم الطبيعة كما يتولد البرق في عالم الجو، فأعطاه الله السرعة في السير فيضع حافره عند منتهى طرفه براكبه، فخرج مهاجراً من مدينة جسمه وأخذ في ملكوت الملأ الأعلى وآياته بعين الاعتبار لما تعطيه الآيات من العلم بالله فتلقاه الحق عند وروده عليه من أكوانه وأكوان الموجودات فأنزله عنده خير منزل وعرفه بما لم يكن قبل ذلك يعرف معرفة خطاب إلهي وشهود مشيئة من أجل المناسبة حتى لا يفجؤه الأمر بغتة فيهلك عند ذلك كما صعق موسى عليه السلام، فإنه تعالى ما يتجلى له إلا في صورة محمدية فيراه برؤية محمدية وهي أكمل رؤية يرى فيها الحق وبها فيرفعه بها منزلاً لا يناله إلا المحمديون وهو منزل ألهوية فلا يزال في الغيب مشهده فلا يرى له أثر في الحس، وهذا كان مشهد أبي ٣٨٦ في المنازلات/ الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني السعود بن الشبل ببغداد من أخص أصحاب عبد القادر الجيلي. فإذا كان صاحب هذا الشهود غير صاحب هوية بل يشهده في الملكوت مليكاً وكل مشاهد لا بد أن يلبس صورة مشهوده فيظهر صاحب هذا الشهود بصورة الملك فيظهر بالاسم الظاهر في عالم الكون بالتأثير والتصريف والحكم والدعوى العريضة والقوّة الإلهية كعبد القادر الجيلي وكأبي العباس السبتي بمراكش لقيته وفاوضته وكان شياعي الميزان أعطي ميزان الجود، وعبد القادر أعطي الصولة والهمة فكان أتم من السبتي في شغله، وأصحاب هذا المقام على قسمين: منهم من يحفظ عليه أدب اللسان كأبي يزيد البسطامي وسليمان الدنيلي، ومنهم من تغلب عليه الشطحات لتحققه بالحق كعبد القادر فيظهر العلو على أمثاله وأشكاله وعلى من هو أعلى منه في مقامه، وهذا عندهم في الطريق سوء أدب بالنظر إلى المحفوظ فيه، وأما الذي يشطح بالله على الله فذلك أكثر أدب مع الله من الذي يشطح على أمثاله، فإن الله يقبل الشطح عليه لقبوله جميع الصور، والمخلوق لا يقبل الشطح عليه لأنه مربوط بمقام إلهي عند الله مجهول من الوجه الخاص، فالشاطح عليه قد يكذب من غير قصد ولا تعمد وعلى الله فما يكذب كالهيولى الكل التي تقبل كل صورة في العالم، فأي صورة نسبت إليها أو أظهرتها صدقت في النسبة إليها وصدق الظهور، فإن الصور تظهرها والهيولى الصناعية لا تقبل ذلك وإنما تقبل صوراً مخصوصة، فقد يمكن أن يجهل إنسان في النسبة إليها فينسب إليها صوراً لا تقبلها الهيولى الصناعية، هكذا هو الأمر فيما ذكرناه من الشطح على الله، والشطح على أهل الله أصحاب المنازل، وكان عبد القادر الجيلي رحمه الله ممن يشطح على الأولياء والأنبياء بصورة حق في حاله، فكان غير معصوم اللسان، ورأيت أقواماً يشطحون على الله وعلى أهل الله من شهود في حضرة خيالية فهؤلاء ما لنا معهم كلام فإنهم مطرودون من باب الحق مبعدون عن مقعد الصدق، فتراهم في أغلب أحوالهم لا يرفعون بالأحكام المشروعة رأساً ولا يقفون عند حدود الله مع وجود عقل التكليف عندهم، وبالجملة فإن الإدلال على الله لا يصح من المقربين من أهل الله جملة واحدة، ومن ادّعى التقريب مع الإدلال فلا علم له بمقام التقريب ولا بالأهلية الصحيحة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني، ومن ذكرهم عرفني، فكن أي الرجلين شئت [نظم: البسيط] إن قَامَ قَامَ به أو سار سار به فاعْجَبْ له من وُجُودٍ لا وُجُودَ له هذا الذي قُلْتُهُ العقلُ يجهلُه كَوْنٌ يُحَقِّقُه عِلْمٌ ولا بَصَرُ الخَلْقُ ظِلٌّ لذات الحَقِّ ليس له فعينُه ليس هو وكونُه بَشَرُ ولو يزولُ لزال النفعُ والضَّررُ وليس يَذْريه إلا الشمسُ والقمرُ ٣٨٧ في المنازلات / الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني عَيْنُ التفكّرِ فيه حاكمٌ ذَكَّرُ فالشمسُ أنثى وبدر التّمّ إن نَظَرَتْ سواهما فاعتبز إن كنت تعتبرُ فكان بينهما الأبْنا وليس هما له الظهور وفيه الكون والغِيَرُ عجبتُ من واحد في ذاته عددٌ اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله يقول سبحانه: ﴿وَذَكِّرُهُمْ بِأَتَِّمِ الَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وقال تعالى فيما أمر به نبيه وَّه في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقال عزّ وجلّ: ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] فمدار هذه المنازلة على هذه الثلاث الآيات فالتذكر للعلماء الغافلين والوعظ لا يكون للناس أجمعين، ولهذا قال: ((من وعظ الناس لم يعرفني فإنه إنما يعظهم بما يكون مني لا بي، وكذلك من يخوفهم إنما يخوف بما يكون مني لا مني))، فالترغيب لا يجري مجرى الترهيب، فإن الترغيب قد يكون فيّ، والترهيب لا يكون إلا مما يكون مني لا مني، واليوم العقيم الذي لا ينتج زماناً مثله أي ليس بعده يوم يكون عنه لأن الأيام في الدنيا كل يوم هو ابن اليوم الذي قبله وهما توأمان ليلة ونهار فالليلة أنثى والنهار ذكر فيتناكحان فيولدان النهار والليل اللذين يأتيان بعدهما ويذهبان الأبوان فإنهما لا يجتمعان أبداً، وفي غشيان الليل والنهار وإيلاج بعضهما في بعض يكون ولادة ما يتكون في كل واحد منهما من الأمور والكوائن التي هي من شؤون الحق فيكون الليل ذكراً والنهار أنثى لما يتولد في النهار من الحوادث، ويكون النهار ذكراً والليل أنثى لما يتولد في الليل من الحوادث، وتكون الليلة أنثى والنهار ذكراً لولادة التوأمين وهما اليوم الثاني وليلته، والليل أصل والنهار منه كحواء من آدم ثم يقع النكاح والنتاج. فصل في الواحدة التي يعظ بها الواعظ: وهي أن يقوم من أجل الله إذا رأيت من فعل الله في كونه ما أمرك أن تقوم له فيه إما غيرة وإما تعظيماً، فقوله في المقام مثنى بالله وبرسوله فإنه ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] فقمت لله بكتاب أو سنة لا تقوم عن هوى نفس ولا غيرة طبيعية ولا تعظيم كوني وفرادى إما بالله خاصة أو لرسوله خاصة كما قال وَ الآية: ((لاً أَرَىِ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئاً عَلَى أَرِبِكَتِهِ يَأْتِيهِ الحَدِيثُ عَنِّي فَيَقُولُ اثْلُ بِهِ عَلَيَّ قُرْآنَاً إِنَّهُ وَالله لَمِثْلُ القُرْآنِ أوْ أَكْثَرُ)) فقوله أكثر في رفع المنزلة، فإن القرآن بينه وبين الله فيه الروح الأمين والحديث من الله إليه، ومعلوم أن القرب في الإسناد أعظم رتبة من البعد فيه ولو بشخص واحد ينقص من الطريق وذلك لأنه ينقص حكمه فيه، فإنه لا بد أن يكتسب الخبر صورة من المبلغ فلا يبقى على ما هو عليه في الأصل الذي ينقل عنه ولا يكون في الصدق في قول المخبر هذا كلام فلان مثل من ينقله عنه أو يسمعه منه وذلك لتبدل اللغة واللسان فيه، فإن الترجمان لا ينقل عين ما تكلم به من ينقل عنه، وإنما يتكلم في نقله بما فهمه منه، وإذا كنت أنت الذي تنقل عنه كنت في طبقته وقد تفهم منه أمراً لم يفهمه منه المترجم لك عنه، فبهذا كان الحديث أكثر من القرآن، وغايته أن يكون إذا نزل عن هذه الطبقة مثله وما عدل رسول الله وَلقول إلى الأكثرية إلا والأمر أكثر بلا شك، وإنما قلنا في القرآن إنه بواسطة لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ ٣٨٨ في المنازلات/ الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيٌُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] بما يكون من الله إليه برفع الواسطة وهو الحديث الذي لا يسمى قرآناً. فلا ينبغي لواعظ أن يخرج في وعظه من الكتاب أو السنة ولا يدخل في هذه الطوام فينقل عن اليهود والنصارى والمفسرين الذين ينقلون في كتب تفاسيرهم ما لا يليق بجناب الله ولا بمنزلة رسل الله عليهم السلام، كما روينا عن منصور بن عمار أنه رآه إنسان بعد موته وكان من الواعظين فقال له: يا منصور ما لقيت؟ فقال: أوقفني الحق بين يديه وقال لي: يا منصور بم تقرّبت إليّ؟ فقلت له: كنت أعظ الناس وأذكرهم، فقال: يا منصور بشعر زينب وسعاد تطلب القرب مني وتعظ عبادي وذكر لي أشعاراً كنت أنشد بها على المنبر مما قاله أهل المحبة في محبوباتهم فشدد عليّ ثم قال: إن بعض أوليائي حضر مجلسك فقلت في ذلك المجلس: اللهم اغفر لأقسانا قلباً وأجمدنا عيناً فقال ذلك الولي الذي حضر عندك: اللهم اغفر لمن هذه صفته فاطلعت فلم أر أجمد عيناً ولا أقسى قلباً منك فاستجبت فيك دعاء وليّي فغفرت لك، فلا ينبغي أن ينشد واعظ في مجلسه إلا الشعر الذي قصد فيه قائله ذكر الله بلسان التغزل أو بغيره فإنه من الكلام الذي يقوله أهل الله فهو حلال قولاً وسماعاً فإنه مما ذكر اسم الله عليه. ولا ينبغي أن ينشد في حق الله شعراً قصد به قائله في أول وضعه غير الله نسيباً كان أو مديحاً فإنه بمنزلة من يتوضأ بالنجاسة قربة إلى الله فإن القول في المحدث حدث بلا شك، وقد نبه الله في كتابه على هذه المنزلة بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسُقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] والشعر في غير الله مما أهل لغير الله به فإنه للنية أثر في الأشياء والله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاص النية، وهذا الشاعر ما نوى في شعره إلا التغزل في محبوبه والمديح فيمن ليس له بأهل لما شهد به فيه، ولقد كتب إلي شخص من إخواني بكتاب يعظمني فيه بحيث أن لقبني فيه بثلاثة وستين لقباً فكتبت له: ستكتب شهادتهم ويسألون، وذكرت له مع هذا في جواب كتابه أن رسول الله اليه قال: ((لاَ أُزَكِّي عَلَى الله أَحَداً)) ولكن يقول: أحسبه كذا وأظنه كذا، ويقول الله تعالى: ﴿فَلَ تُرَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢] فلو نوى جانب الحق هذا القائل ابتداء في أي صورة شاء ربما كان ذلك القول قربة إلى الله فإن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن الله مطلع على ما في نفس الإنسان ولله يوم تبلى فيه السرائر، وكل ما كان قربة إلى الله شرعاً فهو مما ذكر اسم الله عليه وأهل به لله وإن كان بلفظ التغزل وذكر الأماكن والبساتين والجوار وكان القصد بهذا كله ما يناسبها من الاعتبار في المعارف الإلهية والعلوم الربانية فلا بأس، وإن أنكر ذلك المنكر فإن لنا أصلاً نرجع إليه فيه وهو أن الله تعالى يتجلى يوم القيامة لعباده في صورة ينكر فيها حتى يتعوّذوا منها فيقولون: نعوذ بالله منك لست ربنا، وهو يقول: أنا ربكم وهو هو تعالى وهنا سر في تجليه فابحث عليه في معرفة العقائد واختلافها كذلك هذه الألفاظ وإن كان صورة المسمى فيها في الظاهر غير الله وهو خلاف ما نواه القائل فإن الله ما يعامله إلا بما نواه في ذلك وتدل عليه أحوال القائل كما قيل ينظر إلى القول وقائله ويريدون ٣٨٩ في المنازلات/ الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني وحال قائله ما هو فإن كان ولياً فهو الولاء وإن خشن وإن كان عدواً فهو البذاء وإن حسن كما نذكر نحن في أشعارنا فإنها كلها معارف إلهية في صور مختلفة من تشبيب ومديح وأسماء نساء وصفاتهن وأنهار وأماكن ونجوم، وقد شرحنا من ذلك نظماً لنا بمكة سميناه ترجمان الأشواق وشرحناه في كتاب سميناه الذخائر والأغلاق، فإن بعض فقهاء حلب اعترض علينا في كوننا ذكرنا أن جميع ما نظمناه في هذا الترجمان إنما المراد به معارف إلهية وأمثالها فقال: إنما فعل ذلك لكونه منسوباً إلى الدين فما أراد أن ينسب إليه مثل هذا الغزل والنسيب، فجزاه الله خيراً لهذه المقالة فإنها حركت دواعينا إلى هذا الشرح فانتفع به الناس فأبدينا له ولأمثاله صدق ما نويناه وما ادّعيناه، فلما وقف على شرحه تاب إلى الله من ذلك ورجع. ولو رأينا رجلاً ينظر إلى وجه امرأة وهو خاطب لها ونحن لا نعرف أنه خاطب وكنا منصفين في الأمر لم نقدم على الأنكار عليه إذا جهلنا حاله حتى نسأله ما دعاه إلى ذلك فإن قال أو قيل لنا إنه خاطب لها أو هو طبيب وبها مرض يستدعي ذلك المرض نظر الطبيب إلى وجهها علمنا أنه ما نظر إلا إلى ما يجوز له النظر إليه فيه بل نظره عبادة لورود الأمر من الرسول ومية في ذلك ولا ينكر عليه ابتداء مع هذا الاحتمال، فليس الإنكار عليه من المنكر بأولى من الإنكار على المنكر في ذلك مع إمكان وجود هذه الاحتمالات، إذ لا تصح المنكرات إلا بما لا يتطرق إليها احتمال، وهذا يغلط فيه كثير من المتدينين لا من أصحاب الدين، فإن أصحاب الدين المتين أول ما يحتاط على نفسه ولا سيما في الإنكار خاصة فإن للمغير شروطاً في التغيير، فإن الله ندبنا إلى حسن الظن بالناس لا إلى سوء الظن بهم، فلا ينكر صاحب الدين مع الظن وقد سمع أن بعض الظن إثم، فلعل هذا من ذلك البعض وإثمه أن ينطق به وإن وافق العلم في نفس الأمر فإن الله يؤاخذه بكونه ظن وما علم فنطق فيه بأمر محتمل ولم يكن له ذلك، وسوء الظن بنفس الإنسان أولى من سوء ظنه بالغير لأنه من نفسه على بصيرة وليس هو من غيره على بصيرة، فلا يقال فيه في حق نفسه إنه سيىء الظن بنفسه لأنه عالم بنفسه، وإنما قلنا فيه إنه يسيء الظن بنفسه اتباعاً لسوء ظنه بغيره فهو من تناسب الكلام، وله وجه في الحقائق الشرعية فإنه بالنظر إلى نفسه ليس هو في فعله ما ينكره على نفسه على الحقيقة عالماً بأنه في فعله ذلك على منكر يعلمه بل هو على ظن فسوء الظن بنفسه أولى، وذلك أن لله عباداً قد قال لهم الله: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فما فعلوا إلا ما أباح الشرع لهم فعله، وإن لم يعلموا أنهم ممن خوطبوا بذلك وهو في الحديث الصحيح فما فعل إلا ما هو مباح عند الله وهو لا علم له بذلك فهو عند الله بهذه المثابة، فلهذا قلنا سوء الظن بنفسه إذ لم يكن فيها على بصيرة على الحقيقة مع هذا الاحتمال من جانب الحق، وقد جعل الله لمن هذه صفته علامة يعرف بها نفسه أنه من أولئك القوم، ولا يشك بالعلم الشرعيّ الصحيح أن حرمة نفس الإنسان عليه عند الله أعظم من حرمة غيره بما لا يتقارب، وأنه من قتل نفسه أعظم في الجرم ممن قتل غيره، وأن صدقته على نفسه أعظم في الأجر من صدقته على غيره، فالعالم الصالح من استبرأ لدينه في كل أحواله في حق نفسه وفي حق غيره، وإلى الآن ما رأيت أحداً من أهل الانتماء إلى ٣٩٠ في المنازلات/ الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني الدين وإلى العلم على هذا القدم، فالحمد لله الذي وفقنا لاستعماله وحال بيننا وبين إهماله. ولولا ما في ذكر هذا من المنفعة لعباد الله والنصيحة لهم ما بسطنا القول فيه هذا البسط وإن كان الفصل يقتضيه فإنه فصل الموعظة والله يقول لنبيه وَ لّ فيما أنزله عليه: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] مثل هذه التي ذكرناها فإنها وصية منا إلى عباد الله جمعت بين الحكمة لأنا أنزلناها منزلتها، وبين الحكم والحكيم من ينزل الأمر منزلته ولا يتعدى به مرتبته. وأما الموعظة الحسنة فهي الموعظة التي تكون عند المذكر بها عن شهود، فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فكيف بمن حقق أنه يراه فإن ذلك أعظم وأحسن، وقد يكون قوله مثنى يريد به التعاون في القيام الله تعالى في ذلك الأمر، وصورة التعاون فيه أن الشرع في نفس الأمر قد أنكر هذا الفعل ممن صدر عنه عليه، فينبغي للعالم المؤمن أن يقوم مع المشرع في ذلك فيعينه فيكون اثنان هو والشرع، وفرادى أن يكون هذا المنكر لا يعلم أنه معين للشرع في إنكاره ووعظه فيقول: قد انفردت بهذا الأمر وما هو إلا معين للشرع، وللملك الذي يقول بلمته للفاعل لا تفعل إذ يقول له الشيطان بلمته افعل فيكون مع الملك مثنى فإن الملك مكلف بأن ينهى العبد الذي قد ألزمه الله به أن ينهاه فيما كلفه الله به أن ينهاه عنه فيساعده الإنسان على ذلك فيكون ممن قام لله في ذلك مثنى، وقد يكون معيناً للشارع وهو الرسول عليه السلام فهو الذي أنكر أوّلاً هذا الفعل على فاعله وتقدم في الوعظ في ذلك، فيكون هذا الإنسان الواعظ مع وعظ الرسول المتقدم مثنى، كما سأل بعض الناس رسول الله وَالقر أن يجعله رفيقه في الجنة فقال له رسول الله وَّ: ((أَعِنِي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ)) فطلب منه العون فقد قاما في ذلك مثنى هو ورسول الله وَّ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقال: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] فشرك نفسه مع عبده في الفعل، وما لا يفعله الله إلا بالآلة فهو من هذا الباب، ولا يعلم ذلك إلا العالم بأسرار الله وما هي الحقائق عليه، فلا تغفل عن هذا النفس وكن المعين لمن ذكرت لك تحمد عاقبتك ويحصل لك سهم في الإعانة مع المعين، يقول العبد: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥] فيقول الحق: ((هذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) فتبين قوله تعالى هذه بيني وبين عبدي فهي لله وله في حكم الإعانة إذا أراد الله وجود الصلاة فلا بد من استعداد المحل الذي به ظهور الصلاة فافهم. فصل في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]: وأما تذكيره بأيام الله فهي أيام الأنفاس على الحقيقة فإنها أقل ما ينطلق عليه اسم يوم فهو أن تذكره بقوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فتلك أيام الله وأنت في غفلة عنها، وتدخل في مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ - إشارة إلى قوله: ﴿كُلَّ يَّوْمٍ هُوَ فِي شَأٍْ﴾ [الرحمن: ٢٩] مع غير ذلك - ﴿لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ أي لمن له فطنة بالتقلب في الأحوال أو تقلب الأحوال عليه فيعلم من ذلك شؤون الحق وحقائق الأيام التي الحق فيها في شأن، فالشأن واحد العين والقوابل مختلفة كثيرة يتنوّع فيها هذا الشأن بتنوّعها واختلافها، فهو من الله واحدة وفي صور العالم كثيرة، كالصورة الواحدة في المرايا الكثيرة والظلالات الكثيرة من الشخص الواحد للسرج المتعددة ٣٩١ في المنازلات / الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني هكذا الأمر ﴿أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ﴾ - لما يتلى عليه من قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وأمثاله - ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] من نفسه تقلب أحواله فيكون على بصيرة في ذلك من الله، فهذه أيام الله التي ينبغي أن يذكر العبد بها إلى أمثال ذلك من أيام الله وهي أيام النعم وأيام الانتقام التي أخذ الله فيها القرون الماضية . واعلم أن البلايا أكثر من النعم في الدنيا فإنه ما من نعمة ينعمها الله على عباده تكون خالصة من البلاء فإن الله يطالبه بالقيام بحقها من الشكر عليها وإضافتها إلى من يستحقها بالإيجاد وأن يصرفها في الموطن الذي أمره الحق أن يصرفها فيه، فمن كان شهوده في النعم هذا الشهود متى يتفرّغ للالتذاذ بها وكذلك في الرزايا هي في نفسها مصائب وبلايا، ويتضمنها من التكليف ما يتضمنه النعم من طلب الصبر عليها ورجوعه إلى الحق في رفعها عنه وتلقيها بالرضى أو الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى بالله إلى غير الله، وهذا غاية الجهل بالله لأنك تشكو بالقويّ إلى الضعيف لما تجد في حال الشكوى من الراحة مع كونك تشتكي إلى غير مشتكى لأنك تعلم أنه ما بيده شيء ولا يقدر على رفع ما نزل بك إلا من أنزله وقد علمت أن الدار دار بلاء لا يخلص فيها النعيم عن البلاء وقتاً واحداً وأقله طلب الشكر من المنعم بها عليها، وأي تكليف أشق منه على النفس ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] لجهلهم بالنعم أنها نعم يجب الشكر عليها يؤيد ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَنتٍ لِكُلِّ صَنَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] في حق راكب البحر إذا اشتدّ الريح عليه وبرد فبما فيها من النعمة يطلب منه الشكر عليها وبما فيها من الشدة والخوف يطلب منه الصبر فافهم وتدبر كلام الله تغنم، وما أنزله الله إلا تذكرة للبيب كما قال: ﴿لِيَدَّبَرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ اُلْأَلَْبِ﴾ [ص: ٢٩] ولا تكن ممن ليس له منه نصيب إلا البلاغ. فصل في اليوم العقيم: والعقيم ما يوجب أن لا يولد منه فلا تكون له ولادة على مثله، وسمي عقيماً لأنه لا يوم بعده أصلاً وهو من يوم الأسبوع يوم السبت وهو يوم الأبد، فنهاره نور لأهل الجنة دائم لا يزال أبداً، وليله ظلمة على أهل النار لا يزال أبداً، ولهذا يموتون أهل الكبائر فيها الذين يخرجون منها بعد العقوبة إلى الجنة إذ لا خلود في النار إلا لأهلها الذين هم أهلها، يقول رسول الله وهي: ((أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلاَ يَحْيَوْنَ وَلْكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ فَأَمَاتَهُمُ الله فِيهَا إِمَاتَّةً)) الحديث وهو صحيح، فينامون فيها نومة حتى لا يحسوا بالنار إذا مستهم عند ما تتسلط على آلات المعاصي بالأكل وهي الجوارح، والإيمان يمنع من تخلصها إلى القلب، فهذه عناية التوحيد الذي كان في قلوبهم، فعلم التوحيد يميتهم في النار موتة النائم في حال نومه، والإيمان على باب النار ينتظرهم حتى إذا بعثهم الله من تلك النومة وهم قد صاروا فحماً أخرجهم سبحانه فغمسهم في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة تكون في حميل السيل ثم يدخلون الجنة فلا يبقى في النار من علم أن الله إله واحد في الدنيا جملة واحدة، ولأهل الجنة في الجنة مقادير يعرفون بها انتهاء مدة طلوع الشمس إلى غروبها في الدنيا، وإن لم يكن في الجنة شمس فالحركة التي كانت تسير ٣٩٢ في المنازلات / الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني بالشمس فيظهر من أجلها طلوعها وغروبها موجودة في الفلك الأطلس الذي على الجنة وهو سقفها والحركة بعينها فيه موجودة، ولأهل الجنة كشف ورؤية إلى المقادير التي فيه المعبر عنها بالبروج، فإن ذلك الفلك هو السماء الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] فيعلمون بها حد ما كان عليهم في الدنيا مما يسمى بكرة وعشياً، وكان لهم في هذا الزمان في الدنيا حالة تسمى الغداء والعشاء فيتذكرونها هنالك فيأتيهم الله عند ذلك برزق يرزقهم فيها كما قال لهم: ﴿رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةُ وَعَشِيًا﴾ [مريم: ٦٢] وهو رزق خاص في وقت خاص معلوم عندهم وما عدا ذلك فأكلها دائم لا ينقطع، والدوام في الأكل إنما هو عين النعيم بما يكون به الغذاء للجسم ولكن لا يشعر به كثير من الناس إلا العلماء بعلم الطبيعة، وذلك أعني صورة قوله أكلها دائم، إن الإنسان إذا أكل الطعام حتى يشبع فذلك ليس بغذاء ولا بأكل على الحقيقة، وإنما هو كالجابي الجامع المال في خزانته والمعدة خزانة لما جمعه هذا الآكل من الأطعمة والأشربة فإذا جعل فيها أعني في خزانة معدته ما اختزنه فيها ورفع يده حينئذ تتولاها الطبيعة بالتدبير وينتقل ذلك الطعام من حال إلى حال ويغذيه بها في كل نفس يخرج عنه دائماً فهو لا يزال في غذاء دائم، ولولا ذلك لبطلت الحكمة في ترتيب نشأة كل متغذ والله حكيم، فإذا خلت الخزانة حرّك الطبع الجابي إلى تحصيل ما يملؤها به فلا يزال الأمر هكذا دائماً أبداً، فهكذا صورة الغذاء في المتغذي، فالتغذي في كل نفس دنيا وآخرة، وكذلك أهل النار وقد وصفهم الله بالأكل والشرب فيها على هذا الحد إلا أنها دار بلاء فيأكلون عن جوع ويشربون عن عطش، وأهل الجنة يأكلون ويشربون عن شهوة لالتذاذ لا عن جوع فإنهم ما يتناولون الشيء المسمى غذاء إلا عن علم بأن الزمان الذي كان الاختزان فيه قد فرغ ما كان مختزناً فيه فيسارع إلى الطبيعة بما تدبره فلا يزال في لذة ونعيم لا يحوج الطبيعة إلى طلب وحاجة للكشف الذي هم عليه، كما أن أهل النار في الحجاب فلا يعلمون هذا القدر فيجوعون ويظمؤون لأن المقصود منهم أن يتألموا، فتبين لك أنه لا لذة إلا العلم ولا ألم إلا الجهل، والشمس مكورة قد نزع نورها في أعينهم طالعة على أهل النار وغاربة كما تطلع على أهل الدنيا في حال كسوفها وكذلك القمر يسبحان وجميع الدراري على صورة سباحتهم الآن في أفلاكهم لكنها مطموسة في أعينهم، فعلى ما هو الأمر في نفسه هم الذين طمس الله أعينهم إذ شاء عن إدراك الأنوار التي في المنيرات فالحجاب على أعينهم كما نعلم أن الشمس هنا في حال كسوفها ما زال نورها منها وإنما القمر حجبها عنا، ولو لم يكن كذلك ما عرف أهل التعاليم متى يكون الكسوف وكم يذهب منها في الكسوف عن أعيننا ويقع ذلك على ما ذكروه. فلو كان من الأمور التي لا تجري على مقادير موضوعة وموازين محكمة قد أعلمها الله من وفقه لطلب مثل هذا العلم ما علمه، وهذا لا يقدح في قولنا إن الشمس قد كسفت أو قد زال نورها عن إدراك أعيننا فإن هذا القدر وهذه الصورة ما ثم من يمنعنا أن نصطلح على أن نطلق عليها اسم كسوف وخسوف وتكوير وطمس، فيشهد أهل النار أجرام السيارة طالعة عليهم وغاربة ولا يشهدون لها نوراً لما في الدخان من التطفيف، فكما كانوا في ٣٩٣ في المنازلات / الباب التاسع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة منزل من دخله ضربت عنقه الدنيا عمياً عن إدراك أنوار ما جاءت به الشرائع من الحق كذلك هم في النار عمي عن إدراك أنوار هذه السيارة وغيرها من الكواكب، ومن كان في هذه أعمى ﴿فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢] وإنما كان أضل سبيلاً فإنه في الدنيا يجد من يرشده إلى الطريق ولكن لا يسمع، وفي النار ما يجد من يرشده إلى الطريق فإنه ما ثم طريق لكن يجد من يندمه على ما فاته ليزيده حسرة إلى حسرته وعذاباً إلى عذابه، فليل أهل النار لا صباح له ونهار أهل الجنة لا مساء له أي لا ليل فيه، فمن وعظ الناس في عقده طلباً منه بذلك أن ينفع الناس في عقده فما عرف الله بخلاف المذكر فإنه يذكر ويعظ بما عنده ويعلم أن من السامعين من يكون له ذلك الوعظ شفاء ودواء، ومن الناس من يزيده مرضاً إلى مرضه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ وهي واحدة ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وهم يستبشرون بورود العافية عليهم ﴿وَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسَا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] والسورة واحدة والمزاج مختلف، فلا يعرف حقيقة هذه الآية إلا الأطباء الذين يعلمون أن العقار الفلاني فيه شفاء لمزاج خاص من مرض خاص وهو داء وعلة لمزاج خاص وزيادة مرض في مرض خاص، فالطبيب أحق الناس علماً بهذه الآية، وكذلك طبيب القلوب فيما يؤمنها ويخيفها، فالحكيم هو الذي يأتي إلى العليل من مأمنه ويظهر له بصورة من يعتقد فيه ليستدرجه إلى صورة الحق بالحق الذي يليق به، ولكن وقع الأمر الإلهي في العالم بخلاف هذا لأن مشيئة الله تعلقت بأن الله لا يجمعهم على الهدى. وأما الطريق في ذلك فمعلوم عند الله وعند أهله لا يشكون فيه، فإن الذي يعتقد في مخلوق مّا من حجر أو نبات أو حيوان أو كوكب أنه إلهه وهو يعبده ويخاطبه ذلك الإله المشهود له على الكشف بما هو الحق عليه يرجع إلى قوله لاعتقاده فيه كما يرجع إلى قوله في الآخرة ويتبرأ منه كما تبرأ إلهه منه، والله قادر على أن ينطقه في الدنيا بذلك في حق من يعبده لكن العلم السابق والمشيئة الإلهية منعا من ذلك ليكون الخلاف في العالم، فجري الأمر على ذلك في الدنيا وبعض الآخرة، ويرجع الأمر إلى حكم أخذ الميثاق بالرحمة التي وسعت كل شيء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة منزل من دخله ضربت عنقه وما بقي أحد إلا دخله [نظم: السريع] لم يَبْقَ من يبقى ومن يُبْقي لولا وُجُودُ الحَقِّ في الخَلْقِ من غير ما تَحَكِّم فاسْتَبْقِ قلتُ له إن كُنْتَ لي مُغْنِياً لأنني أعْلَمُ منّ يُلقي ما أنا غَيْرُ لا ولا عَيْئُكُمْ في الحَقّ إذ يُنْعَتُ بالحَقّ فانظر إلى الحكمة مكشوفةً وهذا هو منزل الاتحاد الذي ما سلم أحد منه، ولا سيما العلماء بالله الذين علموا الأمر على ما هو عليه ومع هذا قالوا به، فمنهم من قال به عن أمر إلهيّ، ومنهم من قال به بما ٣٩٤ في المنازلات / الباب التاسع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة منزل من دخله ضربت عنقه أعطاه الوقت والحال، ومنهم من قال به ولا يعلم أنه قال به، فأحوال الخلق مختلفة فيه، فأما أصحاب النظر العقلي فأحالوه لأنه عنده يصير الذاتين ذاتاً واحدة وذلك محال، ونحن وأمثالنا نرى ذاتاً واحدة لا ذاتين، ويجعل الاختلاف في النسب والوجوه والعين واحدة في الوجود والنسب عدمية وفيها وقع الاختلاف فتقبل الضدين الذات الواحدة من نسبتين مختلفتين فالله يقول: ﴿فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ويقول وهو القائل على لسان عبده: سمع الله لمن حمده. ويقول: ((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ)) وغير ذلك قولاً شافياً لأنه ذكر أحكامها، فقال الذي يبطش بها ويسعى بها ويتكلم به ويسمع به ويبصر به ويعلم ومعلوم أنه يسمع بسمعه أو بذاته يسمع، وعلى كل حال فجعل الحق هويته عين سمع عبده وبصره ويده وغير ذلك، فإما ذات العبد وإما صفته وإما نسبته، فهذا قول الحق الذي فيه يمترون، والملك يقول مع علمه بذلك: ﴿ وَغَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ﴾ [البقرة: ٣٠] والجن يقول: ﴿أَنْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] والرسول يقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] ومن الناس من يقول: أئنا لمردودون في الحافرة والسموات والأرض والجبال تأبى وتشفق من حمل الأمانة وتقول: ﴿أَنَّنَا طَآَبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فما في العالم إلا من نسب الفعل إليه أي إلى نفسه مع علم العلماء بالله أن الفعل لله لا لغيره والله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فأضاف العمل إليهم وهو خالقه وموجده أعني العمل [المجتث]: مِنْ حال مَنْ يَتَبَرَّا فأينَ حالُ الدَّعَاوَى أحكامُه فيه تَتْرَى والأمْرُ في العين فَرْدٌ وقال الهدهد: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ،﴾ [النمل: ٢٢] وقالت نملة: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِّنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨] وقال الله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم﴾﴾ [النور: ٢٤] وقالت الجلود: ﴿أَنَطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] وقال: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فما ترك شيئاً من المخلوقات إلا وأضاف الفعل إليه، إلا أن هذا المنزل لا يتمكن لمن دخله أن يرأس عليه أحد من جنسه لا بل ولا أحد من المخلوقين وهو تعريف إلهيّ في حضرة خيال، ومقامه أن يكشف له عن ماهية أحكام نفسه فيرى أنه محال أن يرأس عليه أحد، فإن كشف له عن ماهيات أحكام نفوس العالم يرى أنه من المحال أن يرأس على أحد أو يرأس عليه أحد، فإن الأمر واحد في نفسه والواحد لا يرأس على نفسه، وهو مشهد عزيز العالم كله فيه ولا يعلمه إلا من شاهده. ثم من هذا المقام ما تخيله من لم يطلع على صورة الأمر على ما هو عليه في نفسه من قوله تعالى: ((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن)) فتخيل أنه عينه الثابت في العدم ربما حصل لها الوجود لما رآه من حكم عينها في وجود الحق حتى انطلق عليه اسم هذا العين وما علم أن الوجود وجود الحق والحكم حكم الممكن مع ثبوته في عدمه، فلما تخيل بعض الممكنات هذا التخيل من اتصافه بالوجود حكم بأنه قد شارك الحق في الوجود فصح له المقام مقام الجمع بوجود الحق في الوجود، وفي نفس الأمر الوجود عين الحق ليس غيره، فلما أدخله حضرته تعالى ضرب عنقه ٣٩٥ في المنازلات / الباب الموفي أربعمائة في معرفة منازلة من ظهر لي بطنت له أي أزال جماعته لأن العنق الجماعة، فلما زال عنه إطلاق الجماعة عليه بما أعطاه من أحدية الأمر وعلم أنه جهل في إمكانه نفسه وأن جميع الممكنات مثله في هذا الحكم وهو قوله: وما بقي أحد إلا دخله أي في نفس الأمر ما ثم إلا أحدية مجردة علمها من علمها وجهلها من جهلها، وهذا الحكم يظهر في الشهادة في وجود الحق بالاسم الخاص الذي لذلك الممكن الذي يقال فيه عالم وجاهل، وما كان من الأسماء والأسماء والأحكام للمكنات والوجود للحق فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الموفي أربعمائة في معرفة منازلة من ظهر لي بطنت له ومن وقف عند حدي اطلعت عليه [نظم : الطويل] وحَدِّي وجودُ الحقّ في كل مَطلَغْ ظُهُورِي بُطُونُ الحَقِّ في كل مَوْطِنٍ وإن كان لم يظهر وضاق مَن اتَّسَعْ فإن كان عيني في وجودي لم يكنْ ويا سَعْدَها إن كان في عينها طَلَغْ فيا خَيْبَةَ الأكوان إن لم يكنْ بها فما يسبحُه رعدٌ ولا مطرٌ يَقَعْ هو البرقُ إلا أنه هو خَلَبٌ اعلم أيدنا الله وإياك أن الله تعالى يقول عن الهوية: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [الحديد: ٣] وما ثم إلا أنا وهو وكان ولم يكن ثم كنت، وعند وجودي قسم الصلاة بيني وبينه نصفين وما ثم إلا مصل ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَاَنَهُ وَتَسِْحَةٌ﴾ [النور: ٤١] وهو السمع والبصر مني، فما أسمع إلا نفسه فهو الأول والآخر ما هو أنا فإن الآلة لا حكم لها إلا بالصانع بها كما كان صانعاً فيها فصنع فيها بها وبنفسه بها من حيث قبولها وبنفسه من حيث تجليه بخطابه [الطويل]: تَعَذَّدَتِ الأعيانُ والأمْرُ وَاحِدُ وأُشْهِدَتِ الأكوانُ والله شاهِدُ أقرّ بتوحيد ما هو جاحدُ فما ثَمَّ إلا الله ما ثَمَّ غيْرُه فإذا ظهرت بعيني في: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] بطن تعالى في خطابي وسمع إيماني وقال: ((أثْنَى عليَّ عَبْدي)) فسمى آخريته عبداً وفي الجواب هو الرب فالأولية ردها إليّ فإنه لم يقل حتى قلت كما أني لم أوجد حتى قال كن فكنت أول سامع وكان أول قائل، ثم كنت أول قائل وكان أول سامع، فتعين الباطن والظاهر وهو بكل شيء عليم بي، وبنفسه وما ظهر إلا بي، وما بطن إلا بي، وما صحت الأولية إلا بي، وما ثبتت الآخرية إلا بي، فأنا كل شيء فهو بي عليم، فلو لم أكن بمن كان يكون عالماً، فأنا أعطيته العلم وهو أعطاني الوجود فارتبطت الأمور بيني وبينه، وقد اعترف لي بذلك في تقسيمه الصلاة بيني وبينه على السواء لأنه علم أنه لي كما أنا له فلا بد مني ومنه فلا بد من واجب وممكن، ولو لم يكن كذلك لكان عاطلاً غير حال فأنا زينته فهو أرضي ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لََّا﴾ [الكهف: ٧] فظهر بي اقتداره ونفوذ أحكامه وسلطان مشيئته، فلو لم أكن لم تكن زينته، ثم قلب الأمر فجعلني أرضاً وكان زينة لي وقلدني الإمامة فلم أجد على من أكون إماماً إلا عليه ٣٩٦ في المنازلات/ الباب الموفي أربعمائة في معرفة منازلة من ظهر لي بطنت له وعين إمامتي ما زينني به وما زينتي إلا بهويته، فهو سمعي وبصري ولساني ويدي ورجلي ومؤيدي، وجعلني نوراً كلي فزينني به له ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] وهو نور السموات والأرض وذكر أن الأرض ذلول وهل ثم أذل مني وأنا تحت عزته، ولما خلق الخلق وعرفني بما خلق قال لي: اجعل بالك وتفرج في صنعي بخلقي فكلف وأنا أنظر إلى ما يريد إظهاره مما لا علم لي به، فحد الحدود فتجاوزتها العبيد، وقال فلم يسمع له مقال، وأمر فلم يمتثل أمره ابتداء ونهى فلم يمتثل له نهي ابتداء، وقال فاعترض كيف تجعل فيها من يفسد فيها؟ فجعلوا نظرهم أصلح من نظره وعلمهم أتم من علمه، فقال لي: أنت قلت أنك ذلول ولا ذلة أعظم من ذلتك وأي ذلة أعظم من ذلة من أذله الذليل، هذا الملك يعترض هذا الخليفة وليته ونهيته فعصى هذا اللعين أمرته بالسجود فأبى وادعى الخيرية على من هو خير منه فهل رأيت بعينك إلا من اعترف بعظمتي ونفوذ اقتداري ومع ذلك خالفني واعترض عليّ وتعدى حدي، فلو كانت عزتي وعظمتي حالاً لهم زينتهم بها ما وقع شيء من ذلك، فهم أرض مرداء جرداء لا نبات فيها فلا زينة عليها، فعلمت أنه مني أتيت عليّ فزينتهم بي فرأتني زينتي فعظموني وما عظمني إلا زينتي فقال المعترض: لا علم لنا وقال من نهيته ربنا ظلمنا أنفسنا، وقال من خالف أمري إني أخاف الله رب العالمين فأين هذا المقام من ذلك؟ وأين دار رضوان من دار مالك؟ فإليه يرجع الأمر كله فمن العزيز ومن الذليل، فلو لا ما اطلع على من تجاوز الحدود والرسوم ما رجعوا إلى حدودهم فإن الاطلاع ما يكون إلا من رفيع وهو رفيع الدرجات، فخافوا فاعترفوا، كما قلنا بجهالتهم وظلمهم أنفسهم وخوفهم من تعدي حدود سيدهم فقال: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وتجاوزوا حدود سيدهم ﴿لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فإن الله للرحمة خلقهم ولهذا تسمى بالرحمن واستوى به على العرش وأرسل أكمل الرسل وأجلهم قدراً وأعمهم رسالة رحمة للعالمين ولم يخص عالماً من عالم، فدخل المطيع والعاصي والمؤمن والمكذب والموحد والمشرك في هذا الخطاب الذي هو مسمى العالم، ولما أعطاه وَلّ مقام الغيرة على جناب الله تعالى وما يستحقه أخذ يقنت في صلاته شهراً يدعو على طائفة من عباد الله بالهلاك رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله فأنزل الله عليه وحيه بواسطة الروح الأمين: يا محمد إن الله يقول لك ما أرسلك سباباً ولا لعاناً وإنما بعثك رحمة أي لترحم مثل هؤلاء، كأنه يقول له بدل دعائك عليهم كنت تدعوني لهم ثم تلا عليه كلام ربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أي لترحمهم فإنك إذا دعوتني لهم ربما وفقتهم لطاعتي فترى سرور عينك وقرتها في طاعتهم، وإذا لعنتهم ودعوت عليهم وأجبت دعاك فيهم لم يتمكن أن آخذهم إلا بأن يزيدوا طغياناً وإثماً مبيناً، وذلك كله إنما كان بدعائك عليهم، فكأنك أمرتهم بالزيادة في الطغيان الذي نؤاخذهم به، فتنبه رسول الله وَ ل﴿ لما أدبه به ربه فقال ◌َ له: ((إنَّ الله أَدَّبَنِي فَحَسَّنَ أَدَبِي)) وقال بعدك ذلك: ((اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)). وقام ليلة إلى الصباح لا يتلو فيها إلا قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وهو قول عيسى عليه ٣٩٧ في المنازلات/ الباب الموفي أربعمائة في معرفة منازلة من ظهر لي بطنت له السلام، والله تعالى قد قال له لما ذكر رسله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَنَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وكان من هدي عيسى عليه السلام هذه الآية التي قام بها رسول الله وَ ل# ليله كله إلى الصباح، أين هذا المقام من دعائه وَلّ على رعل وذكوان ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وما خصّ ذنباً من ذنب كما لم يخص إسرافاً من إسراف، كما لم يخص في إرسال محمد رَّ عالماً من عالم ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] بالألف واللام للشمول مع عمارة الدارين، فلا بد من شمول الرحمة، ولولا أن الأمور قد عين الله لها آجالاً مسماة وأياماً معدودات لكان عين الانتقال بالموت إلى الله عين الرحمة بهم التي تكون لهم بعد استيفاء الحدود لتعديهم الحدود، فتعديهم الحدود هو الذي أقام عليهم في الدار الآخرة الحدود كما أقامها على بعضهم في الدار الدنيا، فما مات أحد من خلق الله إلا كما ولد مؤمناً، وما وقع الأخذ إلا بما كان بين الإيمانين، فإن رحمة الله وسعت كل شيء وباطنه فيه الرحمة ولهذا قال : من ظهر لي بطنت له، لأنه ما ظهر أحد لله حتى فارقه، إذ لو لم يفارقه لما ميز نفسه عنه فبطن الحق في ظهوره فهو السور الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب والناس لا يشعرون، والكلام في هذا الباب لا يتناهى فصوله، وهذا القدر من التنبيه على ما فيه كاف إن شاء الله ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء السادس من كتاب الفتوحات المكية بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، ويتلوه الجزء السابع أوّله: الباب الحادي وأربعمائة ٠ فهرس المحتويات الباب الأحد والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الاشتراك مع الحق في التقدير وهو من الحضرة المحمدية ٣ الباب الثاني والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القلب والوجه والكل والجزء وهما ١٥ منزل السجودين والسجدتين الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه على من هو ٢٣ دونه ليعلمه ما ليس في وسعه أن يعلمه وتنزيه الباري عن الطرب والفرح الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين من عرفهما نال الراحة في الدنيا ٣١ والآخرة والغيرة الإلهية الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة بمن ٤٢ خفي مقامه وحاله على الأكوان وهو من الحضرة المحمدية الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشّر به رسول الله وَقر وهو من أهل البيت ٥٠ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس الذي ما كشفه أحد من المحققين لقلة القابلين له وقصور الأفهام عن دركه ٦٩ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال مثل أتى ولم يأت وحضرة الأمر ٩٠ وحده ٩٨ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد وسرّ وسرّين من أسرار الوجود والتبدل وهو من الحضرة المحمدية ١٦٦ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية أمية محمدية ... ١٧٨ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين وثنائك عليك بما ليس لك ٢٢٢ وإجابة الحق إياك في ذلك لمعنى شرّفك به من حضرة محمدية الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار ظهرت في الماء الحكمي المفضل مرتبته على العالم بالعناية وبقاء العالم أبد الآبدين وإن انتقلت صورته وهو من الحضرة المحمدية . ٢٣٢ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية وسوابق الأشياء في الحضرة الربية وأن للكفار قدماً كما أن للمؤمنين قدماً وقدوم كل طائفة على قدمها آتية بإمامها عدلاً وفضلاً من الحضرة المحمدية ٢٤١ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي وعالم الحقائق والامتزاج وهو من الحضرة المحمدية ٢٥٣ ٣٩٨ ٣٩٩ فهرس المحتويات الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء من الحضرة الحكمية ومقارعة عالم الغيب بعضهم مع بعض، وهذا المنزل يتضمن ألف مقام ٢٦٠ محمدي الباب السابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القيومية والصدق والمجد واللؤلؤة و السور ٢٧٢ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية والإحصار والثلاثة الأسرار العلوية وتقدم المتأخر وتأخر المتقدم من الحضرة الإلهية ٢٧٨ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد والإكرام والإهانة ونشأة ٢٨٧ الدعاء في صورة الإخبار وهو منزل محمدي ٢٩٨ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء من المقام المحمدي . الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع، وهو يحتوي على خمسة آلاف مقام رفرفي وهو من الحضرة المحمدية، وأكمل مشاهده من شاهده في ٣٠٥ نصف الشهر أو في آخره الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم وعدد الأعراس الإلهية والأسرار الأعجمية موسوية لزومية ٣١٣ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية ٣٢٥ الباب الرابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة المنازلات الخطابية ٣٣١ الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع ٣٣٦ الباب السادس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة حبل الوريد وأينية المعية ٣٤٢ الباب السابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي ٣٤٧ الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة وذلك إذا ارتقى من غير تعيين قصد ما يقصده من الحق وكل شيء عند الحق معين فقد قصده من الحق ما لا يناسب قصده من عدم التعيين . ٣٥٣ الباب التاسع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة إليّ كونك وإليك كوني ٣٦٠ الباب التسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة زمان الشيء وجوده إلا أنا فلا زمان لي وإلا أنت ٣٦٥ فلا زمان لك فأنت زماني وأنا زمانك الباب الأحد والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة المسلك السيال الذي لا يثبت عليه أقدام ٣٦٩ الرجال السؤال الباب الثاني والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من رحم رحمناه ومن لم يرحم رحمناه ثم غضبنا عليه ونسيناه ٣٧١ الباب الثالث والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وقف عندما رأى ما هنا له هلك .. ٣٧٦ الباب الرابع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من تأدب وصل ومن وصل لم يرجع ولو ٣٧٩ كان غير أديب الباب الخامس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من دخل حضرتي وبقيت عليه حياته فعزاؤه علي في موت صاحبه ٣٨١ الباب السادس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من جمع المعارف والعلوم حجبته ٤٠٠ فهرس المحتويات ٣٨٢ عني وهو من الحضرة المحمدية الباب السابع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ ٣٨٥ يَرْفَعُهُ﴾ هذا قول الله الصادق . الباب الثامن والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعرفني، ٣٨٦ ومن ذکرهم عرفني، فکن أي الرجلین شئت الباب التاسع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة منزل من دخله ضربت عنقه وما بقي ٣٩٣ أحد إلا دخله . الباب الموفي أربعمائة في معرفة منازلة من ظهر لي بطنت له ومن وقف عند حدي اطلعت ٣٩٥ عليه .