Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية وعليه مدار العالم كله، ومن أجله كانت القيامة، وبه أخد الجان، وله سخر ما في السموات وما في الأرض، ففي حاجته يتحرك العالم كله علواً وسفلاً دنيا وآخرة، وجعل نوع هذا الإنسان متفاوت الدرجات، فسخر بعضه لبعضه وسخره لبعض العالم ليعود نفع ذلك عليه، فما سخر إلا في حق نفسه وانتفع ذلك الآخر بالعرض، وما خص أحداً من خلق الله بالخلافة إلا هذا النوع الإنساني وملكه أزمة المنع والعطاء، فالسعداء خلفاء ونواب، ومن دون السعداء فنواب لا خلفاء ينوبون عن أسماء الله في ظهور حكم آثارها في العالم على أيديهم، فهم خلفاء في الباطن نواب في الظاهر، فالنائب هو الظاهر بالليل لأنه نائب لا خليفة إلهيّ بوضع شرعي ومستتر بالنهار فيعلم من حكمة تغير الحكم المشروع أن الشرع الإراديّ في جوره مستور. ولما كان الحكام في الخلق خلفاء ونواباً كما قررناه بين الله بما شرعه الحق من الباطل وما ينفع مما يضرّ من الأفعال الظاهرة والباطنة، وقسم العمل بين الجوارح والقلب فجعل الله القلوب محلاً للحق والباطل والإيمان والكفر والعلم والجهل، فالباطل والكفر والجهل ما له إلى اضمحلال وزوال لأنه حكم لا عين. له في الوجود فهو عدم له حكم ظاهر وصورة معلومة فيطلب ذلك الحكم وتلك الصورة أمراً وجودياً يستندان إليه فلا يجدانه فيضمحلان وينعدمان، فلهذا يكون المآل إلى السعادة. والإيمان والحق والعلم يستندون إلى أمر وجودي في العين وهو الله عز وجل فيثبت حكمهم في العين أي في عين المحكوم عليه بهم لأن الذي يحفظ وجود هذا الحكم هو موجود بل هو عين الوجود وهو الله المسمى بهذه الأسماء المنعوت بهذه النعوت، فهو الحق العالم المؤمن، فيستند الإيمان للمؤمن، والعلم إلى العالم، والحق إلى الحق، والله تعالى ما تسمى بالباطل لوجوده ولا بالجاهل والكافر تعالى الله عن هذه الأسماء علواً كبيراً، فنزلت الكتب الإلهية والصحف على قلوب المؤمنين الخلفاء والرعايا والورثة فسرت منفعتها في كل قلب كان محلاً لكل طيب . وأما الأمور العوارض التي ليست منزلة عن أمر إلهي مشروع فهي أهواء عرضت للنواب والرعايا تسمى جوراً والعوارض لا ثبات لها فيزول حكمها بزوالها إذا زال والعين الذي كان قبلها واتصف بها موجود ولا بد له من حال يتصف به وقد زال عنه الشقاء لزوال موجبه إذا كان الموجب عارضاً عرض فلا بد من نقيضه وهو المسمى سعادة، ومن دخل النار منهم فما دخلها إلا لتنفي عنه خبثه وتبقي طيبه، فإذا ذهب الخبث وبقي الطيب ذلك المعبر عنه بالسعيد الذي كان سعده مستهلكاً في خبئه، وهكذا هو الأمر في نفسه، ولا يعلم قدر ما قررناه إلا ذو عينين لا ذو عين واحدة، ومن وقف بين النجدين فرأى غاية كل طريق فسلك طريق سعادته التي لا يتقدمها شقاء فإنها طريق سهلة بيضاء مثلي نقية لا شوب فيها ولا عوجاً ولا أمتاً. والطريق الأخرى وإن كان غايتها سعادة ولكن في الطريق مفاوز ومهالك وسباع عادية وحيات مضرة فلا يصل مخلوق إلى غايتها حتى يقاسي هذه الأهوال، والطريقان متجاوران ينبعثان من أصل واحد، وينتهيان إلى أصل واحد، ويفترقان ما بين الأصلين ما بين البداية والغاية، وصورتهما في الهامش كما تراه: ١٨٢ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية فيشاهد صاحب المحجة البيضاء ما في طريق صاحبه لأنه بصير وصاحبه أعمى، فليس يرى الأعمى طريق البصير فيطرأ على البصير من مشاهدة تلك الآفات التي في طريق الأعمى مخاوف لما يرى من الأهوال ويتوهم في نفسه لو كان فيها ما كان يقاسيه ويرى الأعمى ليس عنده خبر من هذا كله لما هو عليه من العمى فلا يبصر شيئاً فيسير ملتذاً بسيره حتى يتردى في حفرة أو تلدغه حية من تلك الحيات فحينئذ يحس بالألم ويستغيث بصاحبه، فمن الأصحاب من يغيثه ومن الأصحاب من يكون قد سبقه فلا يسمعه فيبقى مضطراً ما شاء الله فيرحمه الله فيسعده، والحيوان بما هو حيوان يحس بالألم واللذة وبما هو عاقل وهو الإنسان يعلم السبب المؤلم والسبب الملذ ذوقاً من العادة، حتى أن جماعة غلطت في ذلك فجعلوا الألم للسبب المؤلم ذاتياً وليس كذلك، وإنما الذي يتألم به الإنسان أو يلتذ إنما هو قيام الألم به أو اللذة به عقلاً لا سببها هذا في الآلام واللذات العادية، وثم أسباب أخر لا يستقل العقل بإدراكها فيخبره الله بها على لسانه رسوله بالوحي فيعلمها فيأتي من ذلك ما أمره الله به أن يأتيه ويجتنب من ذلك ما أمره الله به أن يجتنبه وقد علم الألم واللذة عقلاً فيتذكرهما عند علمه بهذه الأسباب الشرعية الموجبة لهما، فمن أطاع أطاع على بصيرة من أمره، ومن عصى وعلم أنه عاص عصى على بصيرة من المعصية، وليس هو على بصيرة من المؤاخذة عليها كما هو على بصيرة في الطاعة من الجزاء عليها، فما أجرأه على المعصية بالقدر السابق إلا كونه على غير بصيرة من المؤاخذة، ولا ينبغي للمؤمن بل لا يصح أن يكون على بصيرة في المؤاخذة بالمعصية، فإن الرحمة والمغفرة ما هو الانتقام والأخذ بأولى من المغفرة إلا ما عين الله من صفة خاصة يستحق من مات وهي به قائمة المؤاخذة ولا بد وليس إلا الشرك وما عدا الشرك فإن الله أدخله في المشيئة فلا يصح أن يكون أحد على بصيرة في العقاب، فهذا هو الذي أجرأ النفوس على ارتكاب المحارم والدخول في المآثم إلا من عصم الله بخوف أو رجاء أو حياء أو عصمة في علم الله به خارجة عن هذه الثلاثة، ولا خامس لهذه الأربعة المانعة من وقوع المخالفة والتعرض للعقوبة والممكن قد عهد الله على قبوله لكل ممكن بذاته، فمن وفى بهذا العهد مع الله فإنه يسعده بلا شك ابتداء، فإن نقض عهد الله في ذلك وصير الممكن محالاً أو واجباً فقد خرج عما عاهد عليه الله وعرض بذاته لما تخيل أنه لا يصيبه، ومثل هذا هو الذي رد دعوة الحق التي جاء بها الرسول من عند الله كالبراهمة ومن قال بقولهم. واعلم أنه لما كان الإنسان الكامل عمد السماء الذي يمسك الله بوجوده السماء أن تقع على الأرض، فإذا زال الإنسان الكامل وانتقل إلى البرزخ هوت السماء وهو قوله تعالى : ﴿وَأَنْشَقَتِ السَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَيِّدٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] أي ساقطة إلى الأرض، والسماء جسم شفاف ١٨٣ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية صلب، فإذا هوت السماء حلل جسمها حر النار فعادت دخاناً أحمر كالدهان السائل مثل شعلة نار كما كانت أول مرة وزال ضوء الشمس فطمست النجوم فلم يبق لها نور إلا أن سباحتها لا تزول في النار لا بل انتثرت، فهي على غير النظام الذي كان سيرها في الدنيا، فتعطي من الأحكام في أهل النار على قدر ما أوحى فيها الله تعالى، لأن الأخرى تجديد نشأة أخرى في الكل لا يعرفها العقل الأول ولا اللوح المحفوظ ولذلك قال ◌َهو أنه يحمد الله يوم القيامة في المقام المحمود بمحامد لا يعلمها الآن يعلمه الله إياها في ذلك اليوم بحسب ما يظهر في ذلك من حكم الأسماء الإلهية لا يعلمها أحد اليوم، فنشأة الخلق وأحوالهم وما يكون منهم في القيامة والدارين على غير نشأة الدنيا وإن أشبهتها في الصورة ولذلك قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ التَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أنها كانت على غير مثال كذلك ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] يوم القيامة . فلنذكر في هذا الباب طرفاً من هيئة جهنم وهيئة الجنات وما فيها مما لم نذكره في بابهما فيما تقدم، ولنجعل ذلك كله في أمثلة ليقرب تصورها على من لا يتصور المعاني من غير ضرب مثل كما ضرب الله للقلوب مثلاً بالأودية بقدرها في نزول الماء، وكما ضرب المثل لنوره بالمصباح كل ذلك ليقرب إلى الأفهام الضعيفة الأمر وهو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] بما بين له فعلم كيف يبين لغيره فنقول: إن الجسم لما ملأ الخلاء كان أول شكل قبله الاستدارة فسمى تلك الاستدارة فلكاً، وفي تلك الدائرة ظهرت صور العالم كله أدناه وأعلاه ولطيفه وكثيفه وما يتحيز منه وما لا يتحيز، فالذي ملأ الخلاء غير متحيز ولا في مكان ولا يقبل المكان، ولولا اتصاف الحق بالإحاطة ما توهم العقل انحصار هذا الجسم الكل في الخلاء ولا توهم الخلاء إلا من شهود الجسم المحسوس كما لم يتوهم انحصار الممكنات وإن كانت لا تتناهى في نفس الأمر وما وجد منها هو متناه ويدخل في ذلك العقل الأول وكل ما لا يتحيز ولا يقبل المكان، وكان ينبغي أن يقال فيما لا يتحيز أن ذلك غير متناه لأن التناهي لا يعقل إلا في المكان والزمان الموجود وقد وجد ما لا يتحيز فكيف يعقل فيه التناهي، وكذلك ما دخل في الوجود من المراتب وإن كانت عدماً فإنها متوهمة الوجود، فإن المراتب نسب عدمية وهي المكانة تنزل كل شيء موجود أو معدوم بالحكم في رتبته، سواء كان واجب الوجود لذاته أو واجب الوجود لغيره أو محال الوجود، فللعدم الخالص مرتبة، وللوجود المحض مرتبة، وللممكن المحض مرتبة، كل مرتبة متميزة عن الأخرى فلا بد من الحصر المتوهم والمعقول، والمعلومات كلها في علم الله على ما هي عليه، فهو يعلم نفسه ويعلم غيره ووجوده لا يتصف بالتناهي، وما لم يدخل في الوجود فلا يتصف بالتناهي، والأجناس متناهية وهي معلومة بعلمه والعلم محيط بما يتناهى وما لا يتناهى مع حصر العلم له، وهنا حارت العقول من حيث أفكارها. ثم إن الحق إن حققت الأمر قد أدخل نفسه في الوصف الذي وصف به من الظرفية، فوصف نفسه بأنه في العماء وعلى العرش وفي السماء وفي الأرض، ووصف نفسه بالقبل وبالمعية وبكل شيء، وجعل نفسه ١٨٤ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية عين كل شيء ﴿ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ وهو ما ظهر في عين الأشياء ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] أي مردكم من كونكم أغياراً إلي فيذهب حكم الغير فيما في الوجود إلا أنا. ونبين ذلك مثلاً باسم الإنسان بجملة تفاصيله واتصافه بأحكام متغايرة من حياة وحس وقوى وأعضاء مختلفة في الحركات، وكل ما يتعلق بهذا المسمى إنساناً، وليست هذه الأعيان التي تظهر فيها هذه الأحكام بأمر غير الإنسان، فإلى الإنسان ترجع هذه الأحكام، والأحكام في الحق صور العالم كله ما ظهر منه وما يظهر والأحكام منه ولهذا قال له الحكم ثم يرجع الكل إلى أنه عينه، فهو الحاكم بكل حكم في كل شيء حكماً ذاتياً لا يكون إلا هكذا، فسمى نفسه بأسمائه فحكم عليه بها، وسمى ما ظهر به من الأحكام الإلهية في أعيان الأشياء ليميز بعضها عن بعض كما ميز جسم الإنسان عن روحه وليس إنساناً إلا بمجموعه، كما تسمى خالقاً به وبخلقه، فلا يقال في روح الإنسان إنها عين الإنسان ولا غيره، وكذلك في حقائقه ولوازمه وعوارضه، لا يقال في يد الإنسان ولا في شيء من أعضائه أنه عين الإنسان ولا غير الإنسان، كذلك أعيان العالم لا يقال إنها عين الحق ولا غير الحق بل الوجود كله حق ولكن من الحق ما يتصف بأنه مخلوق، ومنه ما يوصف بأنه غير مخلوق لكنه كل موجود فإنه موصوف بأنه محكوم عليه بكذا فنقول في الله إنه ﴿غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فحكمنا عليه بهذا النعت، وقلنا في المسمى سواه أنه فقير إلى الله فحكمنا عليه، فالكل محكوم عليه، كما حكمنا على كل شيء بالهلاك، وحكمنا على وجهه بالاستثناء من حكم الهلاك، فهو أوّل محكوم عليه من عين هويته، فما حكم به على هويته أن وصف نفسه بأن له نفساً بفتح الفاء وأضافه إلى الاسم الرحمن لنعلم إذا ظهرت أعياننا وبلغتنا سفراؤه هذا الأمر شمول الرحمة وعمومها ومآل الناس والخلق كله إليها، فإن الرحمن لا يظهر عنه إلا المرحوم فافهم، فالنفس أوّل غيب ظهر لنفسه فكان فيه الحق من اسمه الرب مثل العرش اليوم الذي استوى عليه بالاسم الرحمن، وهو أوّل كثيف شفاف نوري ظهر، فلما تميز عمن ظهر عنه وليس غيره وجعله تعالى ظرفاً له لأنه لا يكون ظرفاً له إلا عينه فظهر حكم الخلاء بظهور هذا النفس ولولا ذلك ما قلنا خلاء، ثم أوجد في هذا العماء جميع صور العالم الذي قال فيه إنه ﴿هَالِكُ﴾ يعني من حيث صوره ﴿إِلَّا وَجْهَمْ﴾ [القصص: ٨٨] يعني إلا من حقيقته فإنه غير هالك، فالهاء في وجهه تعود على الشيء، فكل شيء من صور العالم هالك إلا من حقائقه فليس بهالك ولا يتمكن أن يهلك، ومثال ذلك للتقريب أن صورة الإنسان إذا هلكت ولم يبق لها في الوجود أثر لم تهلك حقيقته التي يميزها الحد وهي عين الحد له فنقول: الإنسان حيوان ناطق، ولا نتعرض لكونه موجوداً أو معدوماً فإن هذه الحقيقة لا تزال له وإن لم تكن له صورة في الوجود فإن المعلوم لا يزول من العلم فالعلم ظرف المعلومات فصورة العالم بجملته صورة دائرة فلكية، ثم اختلف فيها صور الأشكال من تربيع وتثليث وتسديس إلى ما لا يتناهى حكماً لا وجوداً، والملائكة الحافون من حول العرش ما لهم سباحة إلا في هذا العماء المستدير الذي ظهر فيه أيضاً عين العرش على التربيع بقوائمه وحملته من صور المعاني ١٨٥ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية وصور أجسامها التي هي الحروف الدالة عليها، فإن المعنى لا يستدل عليه إلا من حكم صورته وهو الحرف، والحرف لا يعلم إلا من حيث معناه فهو العالم العلم المعلوم، فما في الوجود إلا الواحد الكثير، وفيه ظهرت الملائكة المهيمة والعقل والنفس والطبيعة، والطبيعة هي أحق نسبة بالحق مما سواها، فإن كل ما سواها ما ظهر إلا فيما ظهر منها وهو النفس بفتح الفاء وهو الساري في العالم، أعني في صورة العالم وبهذا الحكم يكون تجلي الحق في الصور التي ذكرها عن نفسه لمن عقل عنه ما أخبر به عن نفسه تعالى، فانظر في عموم حكم الطبيعة، وانظر في قصور حكم العقل لأنه في الحقيقة صورة من صور الطبيعة بل من صور العماء والعماء هو من صور الطبيعة، وإنما جعل من جعل رتبة الطبيعة دون النفس وقوف الهيولى لعدم شهوده الأشياء وإن كان صاحب شهود ومشى هذه المقالة فإنه يعني بها الطبيعة التي ظهرت بحكمها في الأجسام الشفافة من العرش، فما حواه فهي بالنسبة إلى الطبيعة نسبة البنت إلى المرأة التي هي الأم فتلد كما تلد أمها، وإن كانت البنت مولودة عنها فلها ولادة على كل من يولد عنها، وكذلك العناصر عندنا القريبة إلينا هي طبيعة ما تولد عنها، وكذلك الأخلاط في جسم الحيوان فلهذا سميناها طبيعة كما نسمي البنت والبنات والأم أنثى ونجمعها إناثاً. وإنما ذكرنا هذا لما نظهره من الأشكال لضرب الأمثال للتقريب على الأفهام القاصرة عن إدراك المعاني من غير مثل، فإن الله ما جعل معرفة الإنسان نفسه إلا ضرب مثال لمعرفة ربه، إذ لو لم يعرف نفسه لم يعرف ربه، وهذا صورة العماء الذي هو الجسم الحقيقي العالم الطبيعي الذي هو صورة من قوّة الطبيعة تجلى لما يظهر فيه من الصور وما فوقه رتبة إلا رتبة الربوبية التي طلبت صورة العماء من الاسم الرحمن فتنفس فكان العماء، فشبهه لنا الشرع بما ذكر عنه من هذا الاسم، فلما فهمنا صورته بالتقريب قال ما فوقه هواء يعلو عليه فما فوقه إلا حق وما تحته هواء يعتمد عليه أي ما تحته شيء، ثم ظهرت فيه الأشياء، فالعماء أصل الأشياء والصور كلها، وهو أوّل فرع ظهر من أصل فهو نجم لا شجر ثم تفرعت منه أشجار إلى منتهى الأمر والخلق وهو الأرض وذلك بتقدير العزيز العليم؛ فهذا المثل المضروب المشكل الممثل الذي نضربه ونشكله هو العماء وهو الدائرة المحيطة وهو فلك الإشارات والنقط التي في الدائرة، مثال أعيان الأرواح المهيمة والنقطة العظمى في هذه النقط العقل والدائرة التي إلى جانب النقطة العظمى التي في داخلها نقطتان هي النفس الكل واللوح المحفوظ، وتانك النقطتان فيهما القوتان العلمية والعملية، والأربع النقط المجاورات الدائرة النفس رتبة الطبيعة التي هي بنت الطبيعة العظمى والدائرة التي في جوف هذه الدائرة العظمى هي جوهر الهيولى وهو الهباء، والشكل المربع فيه هو العرش والدائرة في جوف هذا الشكل المربع هو الكرسي موضع القدمين، والدائرة التي في جوفه هي الفلك الأطلس، والدوائر الثمانية هي الجنات، والدائرة التي تحت الثمانية هو الفلك المكوكب فلك المنازل، وما تحت مقعره هو جهنم، وفيما تحت مقعره انفتحت أشكال السموات والأرض وما بينهما من الأركان والكواكب الثابتة كل ذلك جهنم، فإذا بدلت السماء والأرض فإنما يقع التبديل في الصور ١٨٦ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية لا في الأعيان وإن كانت الأعيان صوراً، ولكن إذا علم المراد فلا مشاحة في الألفاظ والعبارات والخطان اللذان تحت الشكل المربع المسمى عرشاً الخط الواحد الماء والآخر الهواء، وأنصاف الدوائر التي في جوف فلك الكواكب هي السموات والخطوط التي تستقر عليها أطراف أنصاف الدوائر الأرض، وما بين القبة التي في أوّل خط من خطوط الأرض ثلاثة خطوط بالحمرة هي الثلاثة الأركان: الماء والهواء والنار، والمقادير المعينة في الفلك الأطلس هي البروج، والمقادير المعينة في الفلك المكوكب هي المنازل، وكل قبة من القباب السبعة فيها نقطة حمراء هي صورة كوكب كل قبة، ثم جميع ما في جوف الفلك المكوكب يستحيل في الآخرة إلى صور غير هذه الصور، وفي جوف الفلك المكوكب يكون الحشر والنشر والحساب والعرش الذي يتجلى فيه الحق للفصل والقضاء والملائكة في تلك الأرض سبعة صفوف بين يدي ذلك العرش، والناس والجان بين العرش، وصفوف الملائكة والصراط منصوب كالخط الذي يقسم الدائرة نصفين، وينتهي إلى المرج الذي خارج سور الجنة موضع المأدبة التي يأكلها أهل الجنة قبل دخول الجنة وبعد الجواز على الصراط . وسأشكل هذا کله وأمثاله وأکتب علی کل شكل اسم المراد به : فمن ذلك: صورة العماء وما يحوي عليه إلى عرش الاستواء، فإن موضع صور الأشكال ضيق هنا لا يتسع لصور ما نريد تشكيلة واحدة فإنه لو اتسع كان أبين للناظر فيه : مقامـ القلم العقل الأول وهو الملائكـ النفس الكلية وهو اللوح المحفوظ القوتين رتبة. الحرارة الطبيعة ـوت البرودة الهبولى الكل ـه تـ ١٨٧ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك: صورة عرش الاستواء والكرسي والقدمان والماء الذي عليه العرش والهواء الذي يمسك الماء والظلمة : الهبولى الكل المذكورة الجسم الكل العرش القدمات الكرسي ١٨٨ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك: صورة الفلك الأطلس والجنات وسطح فلك الكواكب وشجرة طوبى : الكرسي المذكور المحصل الحوت جنة عدن الفردوس النعيم الدلو المساوى الخلد دار السلام دار المطلـ الجوزاء الجدي المسـ السرطان القوس الأسد العقرب السنبلة الميزان الثور ١٨٩ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك صورة الفلك المكوكب وقباب السموات وما تستقر عليه وهو الأرض والأركان الثلاثة والعمد الذي يمسك الله به القبة والمعدن والنبات والحيوان والإنسان: مقدم مؤخر رشا نطح بطين • نقل . سرى . مرح إحبيه • عطارد • المـ بلع سعود معدن نبات كامل انسان حيوان CU. حقعه هنعه ذراع نثره شوله نعام/ بلة ماء هواء ظلمة طرف جبهه خلب ـلبـ اكليل زبره صرفه عـ ـواء عنـ سماك ثريا دبران ١٩٠ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك: صورة أرض المحشر وما يحوي عليه من الأعيان والمراتب وعرش الفصل والقضاء وحملته وصفوف الملائكة : أرض الحشر جاعه ١ قائمة قائمة عنون عرش قائمة قائمة لامنو كفة السيئات كتاب اليمين كتاب الشمال ـو المقام المحمود . الأعراف الصراط مرج الجنة وهو موضع المأدبة جهنم الصف الثانى الصف الأول كتاب الظهر الصف الخامس الصف السادس الصف الساديع الإمنون الأمنون وايمـ எ الروح كفة الحسنات للحمض ١٩١ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك : صور جهنم وأبوابها ومنازلها ودركاتها : مراتب أبواب النار الظاهرة سجين 0 1 ثم لاتينهم من بين أيدهم ومن خلفهم نظی ٥ سقر 1 السعر الجيم و٩ O أعضاء التكليف الباطنة المتحاب آيس صر 2 اللتان الفر القلب المدعين اليدين السمع البصر C السـ مر لى :٦ لقـ 24سمة® وعن أيمانهم سجين ٤. مراتب أبواب النار المعنوية أعضاء التّطيف الطاهرة بع البط اللسان وعن شما ١٩٢ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك: صورة حضرة الأسماء الإلهية والدنيا والآخرة والبرزخ : الحيّ العالم) القدير المريد القادر w المديّر المفصل الجواد المقسط البرزة الدارالدينا أرض الحشر النار الجنة ١٩٣ في المنازل / الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك صورة كثيب الرؤية ومراتب الخلق فيه : الكتب الأنبياء -ـ الرسل الأولياء للجنة النابتة المؤمنون ١٩٤ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ومن ذلك: صورة العالم كله وترتيب طبقاته روحاً وجسماً وعلواً وسفلاً: وصل: فلنتكلم على كل صورة صورة منها على ما هو الأمر عليه في نفس في فصول تسعة كما رسمناها في وجوه تسعة من التصوير وما جعلتها على الترتيب من التقديم والتأخير، ولكن الكلام عليها يبين المتقدم من ذلك والمتأخر والمجمل والمفصل. الفصل الأول: في ذكر العماء وما يحوي عليه إلى عرش الاستواء اعلم أن الله موصوف بالوجود لا شيء معه موصوف بالوجود من الممكنات بل أقول : إن الحق هو عين الوجود وهو قول رسول الله وَلّ: «كَانَ الله وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ)) يقول: الله موجود ولا شيء من العالم موجود، فذكر عن نفسه بدء هذا الأمر أعني ظهور العالم في عينه، وذلك أن الله تعالى أحبّ أن يعرف ليجود على العالم بالعلم به عزّ وجلّ، وعلم أنه تعالى لا يعلم من حيث هويته، ولا من حيث يعلم نفسه، وأنه لا يحصل من العلم به تعالى في العالم إلا أن يعلم العالم أنه لا يعلم، وهذا القدر يسمى علماً كما قال الصديق: ((العجز عن درك الإدراك إدراك))، إذ قد علم أن في الوجود أمراً ما لا يعلم وهو الله، ولا سيما للممكنات من حيث إن لها أعياناً ثابتة لا موجودة مساوقة لواجب الوجود في الأزل، كما أن لنا تعلقاً سمعياً ثبوتياً لا وجوداً بخطاب الحق إذا خاطبنا وأن لها قوّة الامتثال، كذلك لها جميع القوى من علم وبصر وغير ذلك، وكل ذلك أمر ثبوتي وحكم محقق غير وجودي، وعلى تلك الأعيان وبها تتعلق رؤية من يراها من الموجودات كما ترى هي نفسها رؤية ثبوتية، فلما اتصف لنا بالمحبة والمحبة حكم يوجب رحمة الموصوف بها بنفسه ولهذا يجد المتنفس راحة في تنفسه، فبروز النفس من المتنفس عين رحمته بنفسه، فما خرج عنه تعالى إلا الرحمة ١٩٥ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية التي وسعت كل شيء، فانسحبت على جميع العالم ما كان منه وما لا يكون إلى ما لا يتناهى. فأوّل صورة قبل نفس الرحمن صورة العماء فهو بخار رحماني فيه الرحمة بل هو عين الرحمة، فكان ذلك أوّل ظرف قبله وجود الحق فكان الحق له كالقلب للإنسان، كما أنه تعالى لقلب الإنسان العارف المؤمن كالقلب للإنسان فهو قلب القلب كما أنه ملك الملك فما حواه غيره فلم يكن إلا هو، ثم إن جوهر ذلك العماء قبل صور الأرواح من الراحة والاسترواح إليها وهي الأرواح المهيمة فلم تعرف غير الجوهر الذي ظهرت فيه وبه وهو أصلها وهو باطن الحق وغيبه ظهر فظهر فيه وبه العالم فإنه من المحال أن يظهر العالم من حكم الباطن، فلا بد من ظهور حق به يكون ظهور صور العالم فلم يكن غير العماء، فهو الاسم الظاهر الرحمان فهامت في نفسها ثم أيه واحداً من هذه الصور الروحية بتجل خاص علمي انتقش فيه علم ما يكون إلى يوم القيامة مما لا تعلمه الأرواح المهيمة، فوجد في ذاته قوّة امتاز بها عن سائر الأرواح فشاهدهم وهم لا يشاهدونه ولا يشهد بعضهم بعضاً فرأى نفسه مركباً منه، ومن القوّة التي وجدها علم بها صدوره كيف كان، وعلم أن في العلم حقائق معقولات سماها معقولات من حيث أنه عقلها لما تميزت عنده، لم يكن لها أن يكون كل واحدة منها عين الأخرى، فهي للحق معلومات وللحق ولأنفسها معقولات، ولا وجود لها في الوجود الوجودي ولا في الوجود الإمكاني، فيظهر حكمها في الحق فتنسب إليه وتسمى أسماء إلهية، فينسب إليها من نعوت الأزل ما ينسب إلى الحق، وتنسب أيضاً إلى الخلق بما يظهر من حكمها فيه، فينسب إليها من نعوت الحدوث ما ينسب إلى الخلق فهي الحادثة القديمة والأبدية الأزلية، وعلم عند ذلك هذا العقل أن الحق ما أوجد العالم إلا في العماء، ورأى أن العماء نفس الرحمن فقال: لا بد من أمرين يسميان في العلم النظري مقدمتين لإظهار أمر ثالث هو نتيجة ازدواج تينك المقدمتين، ورأى أن عنده من الحق ما ليس عند الأرواح المهيمة، فعلم أنه أقرب مناسبة للحق من سائر الأرواح، ورأى في جوهر العماء صورة الإنسان الكامل الذي هو للحق بمنزلة ظل الشخص من الشخص، ورأى نفسه ناقصاً عن تلك الدرجة، وقد علم ما يتكون عنه من العالم إلى آخره في الدنيا وفي المولدات فعلم أنه لا بد أن يحصل له درجة الكمال التي للإنسان الكامل وإن لم يكن فيها مثل الإنسان فإن الكمال في الإنسان الكامل بالفعل وهو في العقل الأوّل بالقوّة وما كان بالقوّة، والفعل أكمل في الوجود ممن هو بالقوّة دون الفعل، ولهذا وجد العالم في عينه فأخرجه من القوّة إلى الفعل ليتصف بكمال الاقتدار، ولو كان في الإمكان إيجاد الممكنات كلها لما ترك منها واحداً منعوتاً بالعدم لكن يستحيل ذلك لعدم التناهي، وما يدخل في الوجود فلا بد أن يكون متناهياً فتجلى له الحق فرأى لذاته ظلالاً لأن ذلك التجلي كان كالكلام لموسى من جانب الطور، كذلك كان التجلي الإلهي لهذا العقل من الجانب الأيمن، فإن لله يدين مباركتين مبسوطتين يعني فيهما الرحمة فلم يقرن بهما شيئاً من العذاب، فيعطي رحمة يبسطها ويعطي رحمة يقبضها، فإن القبض ضم إليه والبسط انفساح ١٩٦ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية فيه، فكان ذلك الظل الممتد عن ذات العقل من نور ذلك التجلي، وكثافة المحدث بالنظر إلى اللطيف الخبير نفساً، وهو اللوح المحفوظ والطبيعة الذاتية مع ذلك كله، وتسمى هناك حياة وعلماً وإرادة وقولاً، كما تسمى في الأجسام: حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة، كما تسمى في الأركان: ناراً وهواء وماء وتراباً، كما تسمى في الحيوان: سوداء وصفراء وبلغماً ودماً والعين واحدة، والحكم مختلف : [البسيط] وذاك سِرٌّ لأهل العِلْم يَنْكَشِفُ فالعَيْنُ واحدةٌ والحُكْمُ مُخْتَلِفُ ثم صرف العقل وجهه إلى العماء فرأى ما بقي منه لم يظهر فيه صورة وقد أبصر ما ظهرت فيه الصور منه قد أنار بالصور وما بقي دون صورة رآه ظلمة خالصة ورأى أنه قابل للصور والاستنارة، فاعلم أن ذلك لا يكون إلا بالتحامك بظلك فعمه التجلي الإلهيّ كما تعم لذة الجماع نفس الناكح حتى تغيبه عن كل معقول ومعلوم سوى ذاتها، فلما عمه نور التجلي رجع ظله إليه واتحد به، فكان نكاحاً معنوياً صدر عنه العرش الذي ذكر الحق أنه استوى عليه الاسم الرحمن فقال: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فما أنكره من أنكره أعني الاسم الرحمن إلا للقرب المفرط، ولم يقرّوا بالله إلا لما يتضمنه هذا الاسم من الرحمة والقهر، فعلم وجهل الرحمن فقالوا: ﴿ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ولو قالها بلسان غير العربي لقال ما يشبه هذا المعنى ويقع الإنكار منهم أيضاً فلا أقرب من الرحمة إلى الخلق لأنه ما ثم أقرب إليهم من وجودهم ووجودهم رحمة بلا شك. الفصل الثاني في صورة العرش والكرسي والقدمين والماء الذي عليه العرش والهواء الذي عليه الماء والظلمة التي ظهر عنها الهواء الذي يمسك الماء ويمسك عليه الجرية والحملة والحافين اعلم أن هذه الظلمة هي ظلمة الغيب ولهذا سميت ظلمة أي لا يظهر ما فيها، فكلما برز من الغيب ظهر لنا فنحن ننظر إلى ما ظهر من صور العالم في مرآة الغيب ولا نعرف أن ذلك في مرآة غيب وهي للحق كالمرآة، فإذا تجلى الحق لها انطبع فيها ما في العلم الإلهيّ من صور العالم وأعيانه، وما زال الحق متجلياً لها فما زالت صورة العالم في الغيب، وكل ما ظهر لمن وجد من العالم فإنما هو ما يقابله في نظره في هذه المرآة التي هي الغيب، فلو جاز أن يعلم جميع ما في علم الحق وذلك لا يجوز فلا يجوز أن يرى من صور العالم في هذه المرآة إلا ما تراءى له منها، فكان مما رآه فيها صورة العرش الذي استوى الرحمن عليه وهو سرير ذو أركان أربعة ووجوه أربعة هي قوائمه الأصلية التي لو استقل بها لثبت عليه، إلا أنه في كل وجه من الوجوه الأربعة التي له قوائم كثيرة على السواء في كل وجه معلومة عندنا أعدادها زائدة على القواعد الأربعة وجعله مجوّفاً محيطاً بجميع ما يحوي عليه من كرسي وأفلاك وجنات وسموات وأركان ومولدات، فلما أوجده استوى عليه الرحمن واحداً لكلمة ١٩٧ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية لا مقابل لها فهو رحمة كله ليس فيه ما يقابل الرحمة وهو صورة في العماء، فالعقل أبوه والنفس أمه، ولذلك استوى عليه الرحمن، فإن الأبوين لا ينظران أبداً لولدهما إلا بالرحمة والله ﴿أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] والنفس والعقل موجودان كريمان على الله محبوبان الله، فما استوى على العرش إلا بما تقر به أعين الأبوين وهو الرحمن، فعلمنا أنه ما يصدر عنه إلا ما فيه رحمة، وإن وقع ببعض العالم غصص فذلك لرحمة فيه لولا ما جرعه إياها اقتضى ذلك مزاج الطبع ومخالفة الغرض النفسي فهو كالدواء الكريه الطعم الغير المستلذ، وفيه رحمة للذي يشربه ويستعمله، وإن كرهه فباطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وما استوى عليه الرحمن تعالى إلا بعد ما خلق الأرض وقدر فيها أقواتها وخلق السموات وأوحى في كل سماء أمرها وفرغ من خلق هذه الأمور كلها ورتب الأركان ترتيباً يقبل الاستحالات لظهور التكوين والتنقل من حال إلى حال، وبعد هذا استوى على العرش، قال تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] الضمير في قوله به يعود على الاستواء أي فاسأل بالاستواء خبيراً يعني كل من حصل له ذلك ذوقاً كأمثالنا، فإن أهل الله ما علموا الذي علموه إلا ذوقاً ما هو عن فكر ولا عن تدبر، فهو تعالى النازل الذي لا يفارق المنزل ولا النزول، فهو مع كل شيء بحسب حال ذلك الشيء. وفي ليلة تقييدي هذا الوجه أراني الحق في واقعتي رجلاً ربع القامة في شقرة فقعد بين يدي وهو ساكت فقال لي الحق: هذا عبد من عبادنا أفده ليكون هذا في ميزانك فقلت له: من هو؟ فقال لي: هذا أبو العباس بن جودي من ساكني البشرّات وأنا إذ ذاك في دمشق فقلت له: يا رب وكيف يستفيد مني وأين أنا منه؟ فقال لي: قل فإنه يستفيد منك فكما أريتك إياك فهو الآن يراك كما تراه فخاطبه يسمع منك ويقول هو مثل ما تقول أنت، يقول: أرأيت رجلاً بالشام يقال له محمد بن العربي وسماني أفادني أمراً لم يكن عندي فهو أستاذي فقلت له: يا أبا العباس ما الأمر؟ قال: كنت أجهد في الطلب وأنصب وأبذل جهدي فلما كشف لي علمت أني مطلوب فاسترحت من ذلك الكد، فقلت له: يا أخي من كان خيراً منك وأوصل بالحق وأتم في الشهود وأكشف للأمر قيل له وقل: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فأين الراحة في دار التكليف ما فهمت ما قيل لك قولك علمت أني مطلوب ولم تدر بماذا، نعم أنت مطلوب بما كنت عليه من الاجتهاد والجد ما هذه الدار راحة، فإذا فرغت من أمر أنت فيه فانصب في أمر يأتيك في كل نفس فأين الفراغ فشكرني على ما ذكرته به، فانظر عناية الله بنا وبه . ثم نرجع فنقول: ثم إنه تعالى خلق ملائكة من أنوار العرش يحفون بالعرش، وجعل فيما خلق من الملائكة أربع حملة تحمل العرش من الأربع القوائم الذي هو العرش عليها وكل قائمة مشتركة بين كل وجهين إلى حد كل نصف وجه وجعل أركانه متفاضلة في الرتبة، فأنزلني في أفضلها وجعلني من جملة حملته، فإنه الله وإن خلق ملائكة يحملون العرش فإن له من الصنف الإنساني أيضاً صوراً تحمل العرش الذي هو مستوى الرحمن أنا منهم، والقائمة التي هي أفضل قوائمه هي لنا وهي خزانة الرحمة، فجعلني رحيماً مطلقاً مع علمي بالشدائد، ١٩٨ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية ولكن علمت أنه ما ثم شدة إلا وفيها رخاوة، ولا عذاب إلا وفيه رحمة، ولا قبض إلا وفيه بسط، ولا ضيق إلا وفيه سعة، فعلمت الأمرين، والقائمة التي على يميني قائمة رحمة أيضاً لكن ما فيها علم شدة فينقص حاملها في الدرجة عن حامل القائمة العظمى التي هي أعم القوائم، والقائمة التي على يساري قائمة الشدة والقهر فحاملها لا يعلم غير ذلك، والقائمة الرابعة التي تقابلني أفاضت عليها القائمة التي أنا فيها مما هي عليه فظهرت بصورتها فهي نور ظلمة وفيها رحمة وشدة، وفي نصف كل وجه قائمة فهي ثمانية قوائم لا حامل لتلك الأربعة اليوم إلى يوم القيامة، فإذا كان في القيامة وكل الله بها من يحملها فيكونون في الآخرة ثمانية وهم في الدنيا أربعة، وما بين كل قائمتين قوائم العرش عليها وبها زينته وعددها معلوم عندنا لا أبينه لئلا يسبق إلى الأفهام القاصرة عن إدراك الحقائق أن تلك القوائم عين ما توهموه وليست كذلك، فلهذا لم نتعرض لإيضاح كميتها، وبين مقعر العرش وبين الكرسي فضاء واسع وهواء محترق وصور أعمال بعض بني آدم من الأولياء في زوايا العرش تطير من مكان إلى مكان في ذلك الانفساح الرحماني، وقوائم هذا العرش على الماء الجامد ولذلك يضاف البرد إلى الرحمة كما قال وَل ◌َّ: ((وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ))، فأعطاه العلم الذي فيه الرحمة، فالعرش إنما يحمله الماء الجامد والحملة التي له إنما هي خدمة له تعظيماً وإجلالاً، وذلك الماء الجامد مقره على الهواء البارد وهو الذي جمد الماء، وذلك الهواء نفس الظلمة التي هي الغيب، ولا يعلم أحد ما تلك الظلمة إلا الله كما قال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣] فلا يظهر على غيبه أحداً. وفيها يكون الناس على الجسر إذا بدلت الأرض غير الأرض والتبدل في الصفة لا في العين فتكون أرض صلاح لا أرض فساد، وتمد مد الأديم ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] وسيأتي ذكر ذلك في فصله من هذه الفصول إن شاء الله، وخلق الكرسي في جوف هذا العرش مربع الشكل ودلى إليه القدمين فانقسمت الكلمة الواحدة التي هي في العرش واحدة فهي في العرش رحمة واحدة إليها مآل كل شيء، وانقسمت في الكرسي إلى رحمة وغضب مشوب برحمة اقتضى ذلك التركيب لما يريد الله أن يظهر في العالم من القبض والبسط والأضداد كلها، فإنه المعز المذل، والقابض الباسط، والمعطي المانع، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩] فهذا من انقسام الكلمة غير أن الأمر إذا كان ذاتياً لم يكن إلا هذا: [البسيط] ومَرْجِعُ الكُلِّ في العُقْبَى إلى اللَّهِ انْظُرْ إلى الكَوْن في تفصيله عَجَباً دُنْيَا وآَخِرَةً فالحُكْمُ لله في الأصْل مُتَّفِقٌ في الصُّور مُخْتَلِفٌ ولا يَرى الكَوْنَ إلا اللّهُ بالله في الله من كَوْنِه مَجْلَى لعالمه وكُنْ بذاك على علم من الله فاعْلَمْ وُجُودَك إنّ الجُودَ مُوجِدُهُ فكما استوى الرحمن على العرش استوت القدمان على الكرسي وهو على شكل العرش في التربيع لا في القوائم، وهو في العرش كحلقة ملقاة، فالكرسي موضع راحة الاستواء، فإنه ما تدلى إليه ما تدلى إلا مباسطة، والقدم الثبوت فتانك قدم الصدق، وقدم الجبار، وقدم ١٩٩ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية الجبر، وقدم الاختيار، ولهاتين القدمين مراتب كثيرة في العلم الإلهي لا يتسع الوقت لإيرادها لما ذهبنا إليه في هذا الكتاب من الإيجاز والاختصار، ومقر هذا الكرسي أيضاً على الماء الجامد، وفي جوف هذا الكرسي جميع المخلوقات من سماء وأركان هي فيه كهو في العرش سواء وله ملائكة من المقسمات، ولهذا انقسمت الكلمة فيه لأن هذا الصنف لا يعرفون أحدية وإن كانت فيهم، فإن الله وكلهم بالتقسيم مع الأنفاس، فلو أشهدهم الأحدية منهم ومن الأمور كلها ربما شغلوا بها نفساً واحداً عن التقسيم الذي خلقوا له وهم المطيعون كما أخبر الله عنهم فحيل بينهم وبين مشاهدة الوحدات، فأية وحدة تجلت لهم قسموها بالحكم فلا يشهدون إلا القسمة في كل شيء ولا غفلة ولا نسيان لما علموه. وأما ملائكة التوحيد والوحدات إذا جمعهم مع المقسمات مجلس إلهيّ وجرت بينهما مفاوضات في الأمر اختصما لأنهما على النقيض، وهذا من جملة ما يختصم فيه الملأ الأعلى، فيقول الصنف الواحد بالوحدة، ويقول الآخر بالانقسام والثنوية لم توجد أرواحهم إلا من هذه الأرواح، ولم توجد هذه الأرواح إلا من القوّتين اللتين في النفس الكلية : [السريع] والحَقُّ لا يُغْرَفُ إلا بها فالنَّفْسُ لا تُغْرَفُ إلا به وأيضاً: [الرجز] فَكُنْ له مِنْ ذَاتِهِ مُنَزَّهَا وأيضاً: [الرجز] وكُنْ له مِنْ نَفْسِهِ مُشَبِّهَا ومَنْ يَكُنْ على الذي وَصَّيْتُهُ كان بما أوْصَيْتُهُ مُنْتَبِهَا واعلم علمك الله أن ألوهية المخلوقين من هذه الحضرة ظهرت في العالم لما تعطيه من انقسام كل شيء، فما ظهر في العالم إلا ما خلق تعالى فيه وعلمه، وما اختص العلماء بالله وحصل لهم الشفوف على غيرهم إلا بمصادر الأشياء من أين ظهرت في العالم، والتقابل لا نشك أنه انقسام في مقسوم فلا بد من عين جامعة تقبل القسمة، ولما كان عذر العالم مقبولاً في نفس الأمر لكونهم مجبورين في اختيارهم لذلك جعل الله مآل الجميع إلى الرحمة فهو الغفور لما ستر من ذلك عن قلوب من لم يعلمه بصورة الأمر رحمة به لأنه الرحيم في غفرانه لعلمه بأن مزاجه لا يقبل، فالمنع من القابل لتضمنه مشيئة الحق لكون العين قابلة لكل مزاج، فما اختصت واحدة على التعيين بمزاج دون غيره مع كونها قابلة لكل مزاج إلا لحكم المشيئة الإلهية، وإلى هذا إذا صعدت أرواح الثنوية يكون معراجها ليس لها قدم في غيره فلها طريق خاص وعلى الله قصد السبيل. الفصل الثالث في الفلك الأطلس والبروج والجنات وشجرة طوبى وسطح الفلك المكوكب اعلم أن الله خلق في جوف هذا الكرسي الذي ذكرناه جسماً شفافاً مستديراً قسمه اثنى عشر قسماً سمى الأقسام بروجاً وهي التي أقسم بها لنا في كتابه فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ ٢٠٠ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] وأسكن كل برج منها ملكاً هم لأهل الجنة كالعناصر لأهل الدنيا، فهم ما بين مائي وترابي وهوائي وناري، وعن هؤلاء يتكوّن في الجنات ما يتكوّن، ويستحيل فيها ما يستحيل، ويفسد ما يفسد، أعني ينفسد بتغير نظامه إلى أمر آخر ما هو الفساد المذموم المستخبث فهذا معنى يفسد فلا تتوهم، ومن هنا قالت الإمامية بالاثني عشر إماماً، فإن هؤلاء الملائكة أئمة العالم الذي تحت إحاطتهم، ومن كون هؤلاء الاثني عشر لا يتغيرون عن منازلهم لذلك قالت الإمامية بعصمة الأئمة لكنهم لا يشعرون أن الإمداد يأتي إليهم من هذا المكان، وإذا سعدوا سرت أرواحهم في هذه المعارج بعد الفصل والقضاء النافذ بهم إلى هذا الفلك تنتهي لا تتعدّاه فإنها لم تعتقد سواه، فهم وإن كانوا اثني عشر فهم على أربع مراتب، لأن العرش على أربع قوائم، والمنازل ثلاثة: دنيا وبرزخ وآخرة، وما ثم رابع، ولكل منزل من هذه المنازل أربعة لا بد منهم لهم الحكم في أهل هذه المنازل، فإذا ضربت ثلاثة في أربعة كان الخارج من هذا الضرب اثني عشر فلذلك كانوا اثني عشر برجاً. ولما كانت الدار الدنيا تعود ناراً في الآخرة بقي حكم الأربعة عليها التي لها والبرزخ في سوق الجنة ولا بد فيه من حكم الأربعة، والجنة لا بد فيها من حكم الأربعة فلا بد من البروج، فالحمل والأسد والقوس على مرتبة واحدة من الأربعة في مزاجهم، والثور والسنبلة والجدي على مرتبة أخرى ولاة أيضاً، والجوزاء والميزان والدالي على مرتبة أخرى ولاة أيضاً، والسرطان والعقرب والحوت على مرتبة أخرى ولاة أيضاً، لأن كل واحد من كل ثلاثة على طبيعة واحدة في مزاجهم لكن منازل أحكامهم ثلاثة وهم أربعة ولاة في كل منزل، وكل واحد منهم له الحكم في كل منزل من الثلاثة، كما أن اليوم والليلة لواحد من السبع الجواري الخنس الكنس هو واليها وصاحبها الحاكم فيها، ولكن للباقي من الجواري فيه حكم مع صاحب اليوم، فلا يستقل من دون الجماعة إلا بأوّل ساعة من يومه وثامن ساعة، وكذلك الليل والآخرة مثل ذلك، وإن كان لها الأسد كما كان للدنيا السرطان وهو برج منقلب والأسد برج ثابت فإن كل واحد من الاثني عشر له حكم فيها، كذلك الدنيا وإن كان لها السرطان فلا بد لباقي البروج من حكم فيها، كذلك البرزخ وإن كان له السنبلة فلا بد لكل واحد من الباقين من حكم فيها وما ثم منزل ثالث إلا بتبدل الدنيا بالنار، فإنه قد كان صاحب الدنيا بحكم الأصل السرطان، فلما عادت ناراً عزل السرطان ووليها برج الميزان وتبعه الباقون في الحكم فانظر ما أعجب هذا، فإذا انقضى عذاب أهل النار وليها برج الجوزاء، ولا بد لمن بقي من البروج حكم في ولاية هذا الوالي، وإذا كان الحكم لواحد من هؤلاء في وقت نظره فيهم كان مزاج القابل في الآخرة على حكم النقيض حتى يتنعم به إذا حكم عليه هذا في المآل خاصة لأن المآل رحمة مطلقة عامة فبذلك فليفرحوا أعني بفضل الله ورحمته فإنه ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]. ولما أدار الله الفلك الأطلس بما جعل فيه من الولاة والحكام وجعل منتهى دورته يوماً كاملاً لا ليل فيه ولا نهار أوجد ما فيه عند حركته وبما ألقى وأوحى به إلى النواب من الحكم في ذلك وجعل