Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود الوصل الرابع عشر من خزائن الجود يقرع الأسماع ويعطي الاستمتاع ويجمع بين القاع واليفاع: لما كان المقصود من العالم الإنسان الكامل كان من العالم أيضاً الإنسان الحيوان المشبه للكامل في النشأة الطبيعية، وكانت الحقائق التي جمعها الإنسان متبددة في العالم، فناداها الحق من جميع العالم فاجتمعت فكان من جمعيتها الإنسان فهو خزانتها، فوجوه العالم مصروفة إلى هذه الخزانة الإنسانية لترى ما ظهر عن نداء الحق بجميع هذه الحقائق، فرأت صورة منتصبة القامة مستقيمة الحركة معينة الجهات، وما رأى أحد من العالم مثل هذه الصورة الإنسانية، ومن ذلك الوقت تصوّرت الأرواح النارية والملائكة في صورة الإنسان وهو قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقول رسول الله بَّهِ: ((وَأَخْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلاً)) فإن الأرواح لا تتشكل إلا فيما تعلمه من الصور ولا تعلم شيئاً منها إلا بالشهود، فكانت الأرواح تتصوّر في كل صورة في العالم إلا في صورة الإنسان قبل خلق الإنسان، فإن الأرواح وإن كان لها التصوّر فما لها القوّة المصوّرة كما للإنسان، فإن القوّة المصوّرة تابعة للفكرة التي هي صفة للقوّة المفكرة، فالتصوّر للأرواح من صفات ذات الأرواح النفسية لا المعنوية لا لقوّة مصوّرة تكون لها إلا أنها وإن كان لها التصوّر ذاتياً فلا تتصوّر إلا فيما أدركته من صور العالم الطبيعيّ، ولهذا كان ما فوق الطبيعة من الأرواح لا يقبلون التصوّر لكونهم لا علم لهم بصور الأشكال الطبيعية، وليس إلا النفس والعقل والملائكة المهيمون دنيا وآخرة فما فوق الطبيعة لا يشهدون صور العالم، وإن كان بعضهم كالنفس الكلي يعطي الإمداد بذاته لعالم الطبيعة من غير قصد كما تعطي الشمس ضوءها لذاتها من غير قصد منها لمنفعة أو ضرر وهذا معنى الذاتي لها، ونسبة العلم والعمل نسبة ذاتية لها لعلمها بنفسها لا بما فوقها من علتها وغيرها، وأمّا عملها فينسب إليها العمل كما ينسب إلى الشمس تبييض الشقة وسواد وجه القصار، وكما ينسب إلى النار التسخين والإحراق فيقال: بيضت الشمس كذا، وأظهرت الشمس كذا، وأحرقت النار كذا، وأنضجت كذا وسخنت كذا، فهكذا هو الأمر في العالم إن كنت ذا لب وفطنة، والله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، ولهذا يتجلى في كل صورة، فجميع العالم برز من عدم إلى وجود إلا الإنسان وحده فإنه ظهر من وجود إلى وجود، من وجود فرق إلى وجود جمع، فتغیر علیه الحال من افتراق إلى اجتماع، والعالم تغير عليه الحال من عدم إلى وجود، فبين الإنسان والعالم ما بين الوجود والعدم، ولهذا ليس كمثل الإنسان من العالم شيء: [مخلع البسيط] إلا لكَوْني من الوُجُودِ فما أنا مَخْضَةُ الوُجُودِ مِنْ عَدَمِ يقضي في وُجودي ليس لأمرٍ عَلَيَّ حُكُمْ إذاقَةِ لَذّة المزِيدِ فليس لي في الكتاب مِثْلُ كَوْني وكُوّنْتُ للسُجودِ لذلك اختُصَّ بالسجود إلا الذي قال بالجُحُودِ أَسْجَدَ لي الأَمْرُ كُلَّ كَوْنٍ ولما تحلل الجامد تغيرت الصور فتغير الاسم فتغير الحكم، ولما تجمد المانع تغيرت ١٤٢ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود الصورة فتغير الاسم فتغير الحكم فنزلت الشرائع تخاطب الأعيان بما هي عليه من الصور والأحوال والأسماء، فالعين لا خطاب عليه من ذاته ولا حكم عليه من حقيقته، ولهذا كان له المباح من الأحكام المشروعة، وفعل الواجب والمندوب والمحظور والمكروه من الملمات الغريبة في وجوده، وذلك مما قرن به من الأرواح الطاهرة الملكية وغير الطاهرة الشيطانية، فهو يتردد بين ثلاثة أحکام: حكم ذاتي له منه عليه وحكمان قرنا به، وله القبول والرد بحسب ما سبق به الكتاب وقضى به الخطاب، فمنهم شقي وسعيد، كما كان من القرناء مقرب وطريد، فهو لمن أجاب وعلى الله تبيان الخطأ من الصواب، وغاية الأمر أن الله عنده حسن المآب، وما قرن الله قط بالمآب إليه سوءاً تصريحاً، وغاية ما ورد في ذلك في معرض التهديد في الفهم الأول ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فسيعلمون من كرم الله ما لم يكونوا يحتسبون قبل المؤاخذة لمن غفر له وبعد المؤاخذة لانقطاعها عنهم، فرحمته واسعة ونعمته سابغة جامعة، وأنفس العالم فيها طامعة لأنه كريم من غير تحديد، ومطلق الجود من غير تقييد، ولذلك حشر العالم يوم القيامة كالفراش المبثوث لأن الرحمة منبثة في المواطن كلها فانبث العالم في طلبها لكون العالم على أحوال مختلفة وصور متنوعة الوجوه، فتطلب بذلك الانبثاث من الله الرحمة التي تذهب منه تلك الصورة التي تؤديه إلى الشقاء، فهذا سبب انبثاثهم في ذلك اليوم، وكذلك الجبال الصلبة تكون كالعهن المنفوش لما خرجت عنه من القساوة إلى اللين الذي يعطي الرحمة بالعباد، ولا يدري ما قلناه إلا أهل الشهود والمتحققون بحقائق الوجود، وأما من بقي مع ثقليته فإن الثقلين ما سماهما الله بهذا الاسم إلا ليميزهما به عمن سواهما دائماً حيث كانا فلا تزال أرواحهما تدبر أجساماً طبيعية وأجساداً دنيا وبرزخاً وآخرة، وكذلك منازلهما التي يسكنونها من جنس نشأتهما فما لهما نعيم إلا بالمشاكل لطبعهما. وأما القائلون بالتجريد فهم مصيبون، فإن النفس الناطقة مجردة في الحقيقة عن هذه الأجسام والأجساد الطبيعية وما لها فيها إلا التدبير، غير أنهم ما عرفوا أن هذا التدبير لهذه النفوس دائماً أبداً فهم مصيبون من هذا الوجه إن قصدوه مخطئون إن قالوا بأنها تنفصل عن التدبير، فالنفوس الناطقة عندنا متصلة بالتدبير منفصلة بالذات والحد والحقيقة الشخصية فلا متصلة ولا منفصلة والتدبير لها ذاتي كمثل الشمس فإن لها التدبير الذاتي فيما تنبسط عليه أنوار ذاتها، غير أن الفرق بين الشمس والقمر والكواكب وأكثر الأسباب التي جعل الله فيها مصالح العالم لذاتها لا علم لها بذلك، والنفوس الناطقة وإن كان تدبيرها ذاتياً فهي عالمة بما تدبره، فالنفوس الفاضلة منها التي لها الكشف تطلع على جزئيات ما هي مدبرة لها بذاتها، وغير الفاضلة لا تعلم بجزئيات ذلك، وقد تعلم ولا تعلم أنها تعلم، وهكذا كل روح مدبرة، فمن له التدبير للعالم هو الأعلم بجزئيات العالم وهو الله تعالى العالم بالجزء المعين، والكل مع التدبير الذاتي الذي لا يمكن إلا هو، فالنفوس السعيدة مراكبها النفوس الحيوانية في ألذ عيش وأرغده يوم القيامة أعطاها ذلك الموطن، كما أنها في أشد ألم وأضيق حبس إذا شقيت وحبست في المكان الضيق كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا﴾ يعني من جهنم ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا ١٤٣ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود مُقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] هذه الأحوال للنفوس الحيوانية والنفوس الناطقة ملتذة بما تعلمه من اختلاف أحوال مراكبها لأنها في مزيد علم بذلك إلهي مناسب، ألا ترى ذوقاً هنا في شخصين لكل واحد منهما نفس ناطقة حيوانية فيطرأ على كل واحد من الشخصين سبب مؤلم فيتألم به الواحد ويتنعم به الآخر لكون الواحد وإن كان ذا نفس ناطقة فحيوانيته غالبة عليه، فتبقى النفس الناطقة منه معطلة الآلة الفكرية النظرية، والآخر لم تتعطل نفسه الناطقة عن نظرها وفكرها ومشاهدتها، ومن أين قام بنفسها الحيوانية ذلك الأمر المؤلم حتى يوصلها ذلك إلى السبب الأول فتستغرق فيه فتتبعها في ذلك النفس الحيوانية فيزول عنها الألم مع وجود السبب، وكلا الشخصين كما قلنا ذو نفس ناطقة وسبب مؤلم، فارتفع الألم في حق أحد الشخصين ولم يرتفع في حق الآخر، فإن الحيوان بنور النفس الناطقة يستضيء فإذا صرفت النفس الناطقة نظرها إلى جانب الحق تبعها نورها كما يتبع نور الشمس الشمس بغروبها وأفولها فتلتذ النفس الحيوانية بما يحصل لها من الشهود لما لم تره قبل ذلك، فلا ألم ولا لذة إلا للنفوس الحيوانية إن كان كما ذكرناه فهي لذة علمية، وإن كان عن ملائمة طبع ومزاج ونيل غرض فلذة حسية، والنفس الناطقة علم مجرد لا يحتمل لذة ولا ألماً، ويطرأ على الإنسان الذي لا علم له بالأمر على ما هو عليه في نفسه تلبيس وغلط، فيتخيل أن النفس الناطقة لها التذاذ بالعلوم حتى قالوا بذلك في الجناب الإلهي وأنه بكماله مبتهج. فانظر بذلك يا أخي ما أبعد هؤلاء من العلم بحقائق الأمور، وما أحسن قول الشارع: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فلم ينسب إليه إلا ما ينسبه لنفسه، فتعالى الله عز وجل عن أن يحكم عليه حال أو محل بل لله الأمر من قبل ومن بعد، عصمنا الله وإياكم من الآفات وبلغ بنا أرفع الدرجات وأبعد النهايات . الوصل الخامس عشر من خزائن الجود: وهو ما تخزنه الأجسام الطبيعية من الأنوار التي بها يضيء كونها وإن ظهرت في أعيننا مظلمة كما يخرج اللبن من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين تخزنه ضروع مواشيهم وإبلهم لهم، كما يخرج من بطون النحل شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس والله يقول: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] ولولا النور ما ظهر للممكنات عين، وقول رسول الله وَلّر في دعائه: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي سَمْعِي نُوراً وَفِي بَصَرِي نُوراً وَفِي شَعَرِي نُوراً)) حَتَّى قَالَ: ((وَاجْعَلْنِي نُوراً)) وهو كذلك، وإنما طلب مشاهدة ذلك حتى يظهر للأبصار، فإن النور المعنوي خفي لا تدركه الأبصار فأراد رسول الله وَل# أن يدرك بالحس ما أدركه بالإيمان والعقل وذلك لا يظهر إلا لأرباب المجاهدات: [الكامل] لا تُضْطَلى ما لم تُثِرْها الأَزْنُدُ النارُ في أحجارها مَخْبُوءَةٌ فنحن نعلم أن ثم ناراً ولانرى لها تسخيناً في الحجر ولا إحراقاً في المرخ والعفار، وهكذا جميع الموجودات لمن نظر واستبصر أو من شاهد فاعتبر، فالحق مخبوء في الخلق من كونه نوراً فإذا قدحت زناد الخلق بالفكر ظهر نور الحق من عرف نفسه عرف ربه، فمن عرف القدح وميز الزناد فالنار عنده، فهو على نور من ربه متى شاء أظهرها فهو الظاهر ومتى ١٤٤ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود شاء أخفاها فهو الباطن، فإذا بطن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وإذا ظهر ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فالقادح ما جاء بنور من عنده، فالحق معنا أينما كنا في عدم أو وجود فبمعيته ظهرنا فنحن ذو نور ولا شعور لنا: [الطويل] وللكَوْنِ ما للكَوْنِ من نُورِ ذَاتِه فللَّه ما له مِنْ عَيْنِ كَوْنِنَا تَوَخَّدَ في أسْمَائه وصِفَاتِه فَنَحْنُ كَثِيرٌ والمُهَيْمِنُ وَاحِدٌ وإنما قلنا نحن كثير وهو واحد لأن الأزند كثير والنار من كل زناد منها واحد العين، فسواء كان الزناد حجراً أو شجراً ولهذا اختلفت المقالات في الله والمطلوب واحد، فكل ما ظهر لكل طالب فليس إلا الله لا غيره فالكل منه بدا وإليه يعود، وإنما سمي طالب النار في الزناد قادحاً لأن طلب الحق من الخلق ليعرف ذاته قدح في العلم الصحيح بذاته، فإنه لا يعلم منه إلا المرتبة وهي كونه إلهاً واحداً خاصة، فإن رام العلم بذاته وهي المشاهدة ولا تكون المشاهدة إلا عن تجليه ولا يكون ذلك إلا بالقدح فيه فإنك لا تراه إلا مقيداً قيده عقلك بنظره وتجلى لك في صورة تقييدك، وهذا قدح فيما هو عليه في نفس الأمر، ولولا ما أنت في نفسك ذو نور عقلي ما عرفته وذو نور بصري ما شهدته فما شهدته إلا بالنور وما ثم نور إلا هو، فما شهدته ولا عرفته إلا به، فهو نور السموات من حيث العقول والأرض من حيث الأبصار، وما جعل الله عز وجل صفة نوره إلا بالنور الذي هو المصباح وهو نور أرضي لا سماوي فشبه نوره بالمصباح، ورؤيتنا إياه كرؤيتنا الشمس والقمر، أي وإن كان كالمصباح فإنه يعلو في الرؤية والإدراك عن رؤية المصباح فهو بنفسه أرضي لأنه لولا نزوله إلينا ما عرفناه وهو بالرؤية سماوي، فانظر ما أحكم علم الشارع بالله أين هو من نظر العقل ولهذا قال: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ لأنه نور والنور لا يدرك إلا بالنور، فلا يدرك إلا به ﴿وَهُوَ يُدْرُِ اُلْأَبْصَرِ﴾ لأنه نور ﴿وَهُوَ اُللَّطِيفُ﴾ لأنه يلطف ويخفى في عين ظهوره فلا يعرف ولا يشهد كما يعرف نفسه ويشهدها ﴿اَلْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] علم ذوق وما قال لا تدركه الأنوار: [الوافر] ولولا العَقْلُ لم يَعْرِفْهُ كَوْنُ فلولا النُّورُ لم تَشْهَذْهُ عَيْنٌ فبالنور الكوني والإلهي كان ظهور الموجودات التي لم تزل ظاهرة له في حال عدمها كما هي لنا في حال وجودها، فنحن ندركها عقلاً في حال عدمها وندركها عيناً في حال وجودها، والحق يدركها عيناً في الحالين، فلولا أن الممكن في حال عدمه على نور في نفسه ما قبل الوجود ولا تميز عن المحال، فبنور إمكانه شاهده الحق، وبنور وجوده شاهده الخلق، فبين الحق والخلق ما بين الشهودين، فالحق نور في نور، والخلق نور في ظلمة في حال عدمه، وأما في حال وجوده فهو نور على نور لأنه عين الدليل على ربه، وما يحتمل هذا الوصل أكثر من هذا فإن فيه مكراً خفياً لعدم المثل للحق، ولا يتمكن أن يشهد ويعلم إلا بضرب مثل ولهذا جعل لنا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقَ فِهَا مِصْبَاتٌ أَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبُ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنٍَّ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسَّهُ نَارٌ﴾ ثم قال: ﴿ُرُّ عَلَى ثُورِّ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهٍ﴾ من هذين النورين فيعلم المشبه ١٤٥ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود والمشبه به ﴿مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ﴾ [النور: ٣٥] فجعله ضرب مثل للتوصيل ويجوز في ضرب الأمثال المحال الذي لا يمكن وقوعه، فكما لا يكون المحال الوجود وجوداً بالفرض كذلك لا يكون الخلق حقاً بضرب المثل، فما هو موجود بالفرض قد لا يصح أن يكون موجوداً بالعين، ولو كان عين المشبه ضرب المثل لما كان ضرب مثل إلا بوجه، فلا يصح أن يكون هنا ما وقع به التشبيه وضرب المثل موجوداً إلا بالفرض، فعلمنا بضرب هذا المثل أننا على غاية البعد منه تعالى في غاية القرب أيضاً، ولهذا قبلنا ضرب المثل، فجمعنا بين البعد والقرب وتسمى لنا بالقريب والبعيد، فكما هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] هو أقرب من حبل الوريد ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فهو القريب بالمثل البعيد بالصورة لأن فرض الشيء لا يكون كهو ولا عين الشيء، وفي هذا الوصل إفاضة الحاج من عرفة إلى جمع ومن جمع إلى منى، فإن إفاضة عرفات ليلاً وإفاضة جمع نهار الصائم وإن شئت قلت نهاراً من غير إضافة والحج يجمع ذلك كله فقبل تفصيل اليوم الزماني الذي هو الليل والنهار كما أن فيه ما يشوش العقول عن نفوذ نورها إلى رؤية المطلوب وهو حجاب لطيف لقربه من المطلوب، فإن الشوق أبرح ما يكون إذا أبصر المحب دار محبوبه، قال الشاعر: [الوافر] إذا دَنَتِ الدِّيارُ مِنَ الدِّيارِ وأَبْرَحُ ما يكونُ الشَّوْقُ يَوْماً فمن أعجب الأمور أن بالإنسان استتر الحق فلم يشهد، وبالإنسان ظهر حتى عرف، فجمع الإنسان بين الحجاب والظهور، فهو المظهر الساتر وهو السيف الكهام الباتر، يشهد الحق منه ذلك لأنه على ذلك خلقه، ويشهد الإنسان من نفسه ذلك لأنه لا يغيب عن نفسه وأنه مريد للاتصال بما قد علم أنه لا يتصل به، فهو كالحق في أمره من أراد منه أن يأمره بما لا يقع منه فهو مريد لا مريد، فلولا ما هو الحق صدفة أعياننا ما كنا صدفة عين العلم به، وفي الصدف يتكون اللؤلؤ فما تكوّنا إلا في الوجود وليس الوجود إلا هو ولكنه ستر علينا ستر حفظ ثم أظهرنا ثم تعرّف إلينا بنا وأحالنا في المعرفة به علينا، فإذا علمنا بنا سترنا على علمنا به، فلم يخرج الأمر عن صدف ساتر لؤلؤاً ولكن تارة وتارة: [السريع] وما لنا كَوْنٌ بغير النِّدَا فذلك التُّبْرُ ونحن الصَّدَى وليس ذاك الكون منه ابتدا فمن يناديه يَكُنْ كأنه وقوله كُنْ لا يكونُ سُدَى لأنه يحدثُ عن قوله هذا الذي في عينه قد بَدًا فمنه كُنَّا وبه قد بَدَا فَهُوَ النَّدَى ليلاً كما كُنْتُه كما أنا منه نهاراً سُدَى فإنه اللّيْلُ ونحن النَّدَى وإنْ تَشَأْ عَكْسَ الذي قُلْتُه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الوصل السادس عشر من خزائن الجود: اعلم أن الله تعالى ما خلق شيئاً من الكون إلا حياً ناطقاً جماداً كان أو نباتاً أو حيواناً في العالم الأعلى والأسفل، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ بِهِ، وَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٤] فلم يعجل الفتوحات المكية ج٦ - م١٠ ١٤٦ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود عليكم بالعقوبة ﴿غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] ساتراً تسبيحهم عن سمعكم، فكل شيء في عالم الطبيعة جسم متغذ حساس، فهو حيوان ناطق بين جلي وخفي في كل فصل فصل من فصول هذا الحد، فكل ما نقص منه في حد محدود فذلك النقص هو ما خفي منه في حق بعض الناس وما ظهر منه فهو الجلي، ولذلك اختلفت الحدود في الجماد والنبات والحيوان والإنسان، والكل عند أهل الكشف حيوان ناطق مسبح بحمد الله تعالى. ولما كان الأمر هكذا جاز بل وقع وصح أن يخاطب الحق جميع الموجودات ويوحي إليها من سماء وأرض وجبال وشجر وغير ذلك من الموجودات ووصفها بالطاعة لما أمرها به وبالإباية لقبول عرضه وأسجد له كل شيء لأنه تجلى لكل شيء وأوحى إلى كل شيء بما خاطب ذلك الشيء به فقال للسماء والأرض: ﴿أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرّهَا قَالَتَآَ أَنْنَا طَآَيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فأوحى في كل سماء أمرها والأرض كذلك أوحى لها، وأوحى ربك إلى النحل وأوحينا إليك يعني محمداً بالخطاب وَله روحاً من أمرنا فعم وحيه الجميع، ولكن بقي من يطيع ومن لا يطيع، وكيف فضل السميع السميع، فمن أعجب الأشياء وصف السامع بالصمم، والبصير بالعمى، والمتكلم بالبكم، فما عقل ولا رجع وإن فهم: [الكامل] فالجَحْدُ من صِفَةِ النُّفوس إذا أَبَتْ كالنار تحرقُ بالقبول وإنْ خَبَتْ فيه لما أَبَتِ النفوسُ إذا أَبَتْ لولا وُجُودُ الاختبار وجَبْرُها قال الله تعالى: ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَبْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] ولذلك يقولون لجلودهم إذا شهدت عليهم ﴿لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا﴾ فتقول الجلود: ﴿أَنْطَقَنَا اَللَّهُ اُلَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فعمت فكانت الجلود أعلم بالأمر ممن جعل النطق فصلاً مقوّماً للإنسان خاصة، وعرى غير الإنسان عن مجموع حده في الحيوانية والنطق، فمن فاته الشهود فقد فاته العلم الكثير، فلا تحكم على ما لم تر وقل الله أعلم بما خلق وأرض الإنسان جسده، وقد شهد عليه بما عمل، أتراه شهد عليه بما لم يعلم، أتراه علم من غير وحي إلهي جاءه من عند الله عز وجل كما نشهد نحن على الأمم بما أوحى الله تعالى به إلينا من قصص أنبيائه مع أممهم: [السريع] إذا أتاه الخَبَرُ الصَّادِقُ فيشهد الشَّخْصُ بما لم يَرَ أوحى به فكله ناطقُ فالكلُّ قد أوحى إليه الذي فهو وُجُودُ الخَلْقِ والخَالِقُ فانْظُرْ فما في كونه غَيْرُهُ فإذا انحصر الأمر بين خبر صادق وشهود علمنا أن العالم كله مكشوف له: [مخلّع البسيط] بل كُلُّه ظاهرٌ مُبين ما ثَمَّ سَتْرٌ ولا حجَابٌ وسِرُّهُ في الحَشَا دَفِين فيعلم الحَقُّ دون شَكٌ فيوحي بالتكوين فيكون، ويشهده ما شاء فيرى، فشهادته بالخبر الصادق كشهادته بالعيان الذي لا ريب فيه مثل شهادة خزيمة فأقامه رسول الله وَّر في شهادته مقام رجلين ١٤٧ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود فحكم بشهادته وحده، فكان الشهادة بالوحي أتم من الشهادة بالعين، لأن خزيمة لو شهد شهادة عين لم تقم شهادته مقام اثنين وبه حفظ الله علينا ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخر السورة إذ لم يقبل الجامع للقرآن آية منه إلا بشهادة رجلين فصاعداً إلا هذه الآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ فإنها ثبتت بشهادة خزيمة وحده رضي الله عنه. وصل وتنبيه: وأما التحدث بالأمور الذوقية فيصح لكن لا على جهة الإفهام ولكن كل مذوق له مثال مضروب فتفهم منه ما يناسب ذلك المثال خاصة، فإذن ما ينبىء عن حقيقة إلا في الذوق المشترك الذي يمكن الاصطلاح عليه، كالتحدث بالأمور المحسوسة مع كل ذي حس أدرك لك المخبر عنه بحسه وعرف اللفظ الذي يدل عليه بالتواطؤ بين المخاطبين، فنحن لا نشك إذا تلي علينا القرآن أنا قد سمعنا كلام الله وموسى عليه السلام لما كلمه الله قد سمع كلام الله، وأين موسى منا في هذا السماع؟ فعلى مثل هذا تقع الأخبار الذوقية فإن الذي يدركه من يسمع كلام الله في نفسه من الله برفع الوسائط ما يمكن أن يساوي في الإدراك من يسمعه بالترجمة عنه، فإن الواحد صاحب الواسطة هو مخير في الإخبار بذلك عن الواسطة إن شاء، وعن صاحب الكلام إن شاء، وهكذا جاء في القرآن، قال تعالى في إضافة الكلام إليه: ﴿فَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فأضاف الكلام إلى الله. وقال في إضافة ذلك الكلام إلى ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَشِ الواسطة والمترجم فقال مقسماً أنه يعني القرآن ﴿لَقَوّلُ رَسُولٍ كِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠] وقال: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِمٍ ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١] فإن فهمت عن الإله ما ضمنه هذا الخطاب وقفت على علم جليل، وكذلك ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فأضاف الحدوث إلى كلامه، فمن فرق بين الكلام والمتكلم به اسم مفعول فقد عرف بعض معرفة. وما أسمع الرحمان كلامه بارتفاع الوسائط إلا ليتمكن الاشتياق في السامع إلى رؤية المتكلم لما سمعه من حسن الكلام، فتكون رؤية المتكلم أشدّ، ولا سيما ورسول الله وَ لَه يقول: ((إنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ)) والجمال محبوب لذاته وقد وصف الحق نفسه به فشوّق النفوس إلى رؤيته. وأما العقول فبين واقف في ذلك موقف حيرة فلم يحكم أو قاطع بأن الرؤية محال لما في الأبصار من التقييد العادي، فتخيلوا أن ذلك التقييد في رؤية الأبصار أمر طبيعيّ ذاتي لها وذلك لعدم الذوق، وربما يتقوّى عند المؤمنين منهم إحالة ذلك بقوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وللأبصار إدراك وللبصائر إدراك وكلاهما محدث، فإن صح أن يدرك بالعقل وهو محدث صح أو جاز أن يدرك بالبصر لأنه لا فضل لمحدث على محدث في الحدوث، وإن اختلفت الاستعدادات فجائز على كل قابل للاستعدادات أن يقبل استعداد الذي قبل فيه أنه أدرك الحق بنظره الفكري، فإما أن ينفوا ذلك نفياً جملة واحدة، وإما أن يجوّزه جملة واحدة، وإما أن يقفوا في الحكم فلا يحكمون فيه بإحالة ولا جواز حتى يأتيهم تعريف الحق نصاً لا يشكون فيه أو يشهدونه من نفوسهم. وأما الذي يزعم أنه يدركه عقلاً ولا يدركه بصراً فمتلاعب لا علم له بالعقل ولا بالبصر ولا ١٤٨ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود بالحقائق على ما هي عليه في أنفسها كالمعتزلي فإن هذه رتبته، ومن لا يفرق بين الأمور العادية والطبيعية فلا ينبغي أن يتكلم معه في شيء من العلوم ولا سيما علوم الأذواق، وما شوّق الله عباده إلى رؤيته بكلامه سدى، ولولا أن موسى عليه السلام فهم من الأمر إذا كلمه الله بارتفاع الوسائط ما جرأه على طلب الرؤية ما فعل، فإن سماع كلام الله تعالى بارتفاع الوسائط عين الفهم عنه فلا يفتقر إلى تأويل وفكر في ذلك، وإنما يفتقر من كلمه الله بالوسائط من رسول أو كتاب، فلما كان عين السمع في هذا المقام عين الفهم سأل الرؤية ليعلم التابع، ومن ليست له هذه المنزلة عند الله أن رؤية الله ليست بمحال وقد شهد الله لموسى أنه اصطفاه على الناس برسالاته وبكلامه ثم قال له: ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] وهو تعالى يقول: ﴿لَبِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ولا شك أن موسى قد شكر الله على نعمة الاصطفاء ونعمة الكلام شكراً واجباً مأموراً به، فيزيده الله لشكره نعمة رؤيته إياه، فهل رآه في وقت سؤاله بالشرط الذي أقامه كما ورد في نص القرآن أو لم يره؟ والآية محتملة المأخذ، فإنه ما نفى زمان الحال عن تعلق الرؤية وإنما نفى الاستقبال بأداة سوف، ولا شك أن الله تجلى للجبل وهو محدث وتدكدك الجبل لتجليه فحصل لنا من هذا رؤية الجبل ربه التي أوجبت له التدكدك فقد رآه محدث، فما المانع إن رآه موسى عليه السلام في حال التدكدك ووقع النفي على الاستقبال ما لذلك مانع لمن عقل ولا سيما وقد قام الصعق لموسى عليه السلام مقام التدكدك للجبل، ثم لتعلم أنه من أدرك الحق علماً لم يفته من العلم الإلهي مسألة، ومن رأى الحق ببصره رأى كل نوع من العالم لا يفوته من أنواعه شيء إذا رآه في غير مادة وإذا علمه بصفة إثبات نفسية، فإن علمه بصفة تنزيه لم يكن له هذا المقام وإن رآه في مادّة لم يكن له هذا المقام. وأما من ذهب إلى أن رؤية الحق إنما هي عبارة عن مزيد وضوح في العلم النظري بالله لا غير فهذه قولة من لا علم له بالله من طريق الكشف والتجلي إلا أن يكون قال ذلك لمعنى كان حاضراً من لا ينبغي أن يسمع مثل هذا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الوصل السابع عشر من خزائن الجود: قال بعض السادة في هذه الخزانة إنها تتضمن فناء من لم يكن وبقاء ومن لم يزل، وهذه المسألة تخبط فيها من لم يستحكم كشفه ولا تحقق شهوده، فإن من الناس من تلوح له بارقة من مطلوبه، فيكتفي بها عن استيفاء الحال واستقصائه، فيحكم على هذا المقام بما شاهد منه ظناً منه أو قطعاً أنه قد استوفاه، وقد رأيت ممن هذه صفته رجالاً وقد طرأ مثل هذا لسهل بن عبد الله التستري المبرز في هذا الشأن في علم البرزخ فمرّ عليه لمحة فأحاط علماً بما هو الناس عليه في البرزخ ولم يتوقف حتى يرى هل يقع فيما رآه تبديل في أحوال مختلفة على أهله أو يستمرون على حالة واحدة؟ فحكم ببقائهم على حالة واحدة كما رآهم، فرؤيته صحيحة صادقة، وحكمه بالدوام فيما رآهم عليه إلى يوم البعث ليس بصحيح. وأما الذين رأيت أنا من أهل هذه الصفة لما رأيتهم سريعين الرجعة غير ثابتين عندما يؤخذ عن نفسه سألت واحداً منهم: ما الذي يردّك بهذه السرعة؟ ١٤٩ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود فقال لي: أخاف أن تنعدم عيني لما نراه فيخاف على نفسه، ومن تكون هذه حالته فلا تثبت له قدم في تحقيق أمر ولا يكون من الراسخين فيه، فلو اقتصروا على ما عاينوه ولم يحكموا لكان أولى بهم، فيتخيل الأجنبي إذا سمع مثل هذا من صادق وسمع عدم الثبوت في البرزخ على حالة واحدة أنّ بين القوم خلافاً في مثل هذا وليس بخلاف، فإن الراسخ يقول بما شاهده وهو مبلغه من العلم، وغير الراسخ يقول أيضاً بما شاهده ويزيد في الحكم بالثبوت الذي ذهب إليه، ولو أقام قليلاً لرأى التغيير والتبديل في البرزخ كما هو في الدنيا، فإن الله في كل يوم وهو الزمن الفرد في شأن، يقول تعالى: ﴿يَسْتَلُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] والخلق جديد حيث كان دنيا وآخرة وبرزخاً، فمن المحال بقاء حال على عين نفسين أو زمانين للاتساع الإلهي لبقاء الافتقار على العالم إلى الله، فالتغيير له واجب في كل نفس، والله خالق فيه في كل نفس فالأحوال متجددة مع الأنفاس على الأعيان، وحكم الأعيان يعطي في العين الواحدة بحسب حقائقها إن لو صح وجودها لكانت بهذه الأحوال. فمن أصحابنا من يرى أن عين الوجود هو الذي يحفظ عليه أحوال أعيان الممكنات الثابتة وأنها لا وجود لها البتة بل لها الثبوت والحكم في العين الظاهرة التي هي الوجود الحقيقي. ومن أصحابنا من يرى أن الأعيان اتصفت بالوجود واستفادته من الحق تعالى وأنها واحدة بالجوهر وإن تكثرت وأن الأحوال يكسوها الحق بها مع الأنفاس إذ لا بقاء لها إلا بها، فالحق يجددها على الأعيان في كل زمان، فعلى الأوّل يكون قوله حتى يفنى من لم يكن فلا يبقى له أثر في عين الوجود فيكون مسلوب النعوت وذلك حال التنزيه ويبقى من لم يزل على ما هي عليه عينه وهو الغني عن العالمين، فإن العالم ليس سوى الممكنات وهو تعالى غني عنها إن تدل عليه فإنه ما ثم من يطلب على ما قلناه الدلالة عليه، فإن الممكنات في أعيانها الثابتة مشهودة للحق، والحق مشهود للأعيان الممكنات بعينها وبصرها الثابت لا الموجود، فهو يشهدها ثبوتاً وهي تشهده وجوداً. وعلى القول الآخر الذي يرى وجود أعيان الممكنات وآثار الأسماء الإلهية فيها وإمداد الحق لها بتلك الآثار لبقائها، فتفنى تلك الآثار والأعيان القابلة لها عن صاحب هذا الشهود حالاً، والأمر في نفسه موجود على ما هو عليه لم يفن في نفسه كما فني في حق هذا القائل به، فلا يبقى له مشهود إلا الله تعالى، وتندرج الموجودات في وجود الحق، وتغيب عن نظر صاحب هذا المقام كما غابت أعيان الكواكب عن هذا الناظر بطلوع النير الأعظم الذي هو الشمس فيقول بفناء أعيانها من الوجود، وما فنيت في نفس الأمر بل هي على حالها في إمكانها من فلكها على حكمها وسيرها وكلا القولين قد علم من الطائفة. ومن أصحاب هذا المقام من يجعل أمر الخلق مع الحق كالقمر مع الشمس في النور الذي يظهر في القمر، وليس في القمر نور من حيث ذاته ولا الشمس فيه ولا نورها ولكن البصر كذلك يدركه، فالنور الذي في القمر ليس غير الشمس كذلك الوجود الذي للمكنات ليس غير وجود الحق كالصورة في المرآة، فما هو الشمس في القمر، وما ذلك النور المنبسط ليلاً من القمر على الأرض بمغيب نور الشمس غير نور الشمس وهو يضاف إلى القمر كما قيل في ١٥٠ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود كلام الله: ﴿إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وقيل في قول الرسول وَّه إنه كلام الله تعالى إذا تلاه، وقول كل تال للقرآن ولكل مقالة وجه من الصحة،. والكشف يكون في كل ما ذكرناه، فأهل الله اختلافهم اتفاق لأنهم يرمون عن قوس واحد، فالأمر متردد بين فناء عين وفناء حال، ولا جامع في العالم بين الضدين إلا أهل الله خاصة، لأن الذي تحققوا به هو الجامع بين الضدين وبه عرف العارفون فهو ﴿اَلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِنٌ﴾ [الحديد: ٣] من عين واحدة ونسبة واحدة لا من نسبتين مختلفتين، ففارقوا المعقول ولم تقيدهم العقول بل هم الإلهيون المحققون حققهم الحق بما أشهدهم فهم وما هم ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَمَنَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فأثبت ونفى وحسبنا الله وكفى. فكان الشيخ أبو العباس بن العريف الصنهاجي الإمام في هذا الشأن يقول: وإنما يتبين الحق عند اضمحلال الرسم. وكان الشيخ أبو مدين يقول: لا بد من بناء رسم العبودية ليقع التلذذ بمشاهدة الربوبية. وكان القاسم بن القاسم من شيوخ رسالة القشيري يقول: مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة. وكل قائل صادق، فإنه قد قدمنا قبل هذا في هذا الكتاب أن شخصين لا يجتمعان أبداً في تجل واحد، وأن الحق لا يكرر على شخص التجلي في صورة واحدة، وقد قدمنا أن تجلياته تختلف لأنها تعم الصور المعنوية والروحانية والملكية والطبيعية والعنصرية ففي أي صورة شاء ظهر كما أنه ﴿في أَِّ صُوَرَقٍ مَّا شَآءَ رََّّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] وفي الطريق في أي صورة ما شاء أقامك، فالمراكب مختلفة والراكب واحد، فمن تجلى له في الصور المعنوية قال بفناء الرسم، ومن تجلى له في الصورة الطبيعية والعنصرية قال باللذة في المشاهدة، ومن قال بعدم اللذة في المشاهدة كان التجلي له في الصور الروحانية، فكل صدق وبما شاهد نطق، وأيّ الشهود أعلى وكلناك في ذلك لذوقك حتى تعلم من ذلك ما علمناه. ومن هذا الوصل تعلم المفارق وغير المفارق، ومن يفرق ومن لا يفرق، وتعلم منه من هو على بينة من ربه وما هي البينة، وتعلم أنواع الطهارات لكل موصوف بالطهارة، وتعلم الميل المحمود والميل المذموم، وتعلم ما يقع به الاشتراك في الدين وما نسخ منه فلم يجتمع فيه رسولان، وتعلم من خلق من المخلوقات من شيء موجود ومن خلق لا من شيء موجود ومراتب العالم في ذلك، وتعلم أن كل ما طلب الحق من عباده أن يعاملوه به عاملهم به، فعم أحكام الشرائع كلها وحكم بذلك على نفسه كما حكم على خلقه، وأن مكارم الأخلاق في الأكوان هي الأخلاق الإلهية . الوصل الثامن عشر من خزائن الجود: يتضمن فضل الطبيعة على غيرها وذلك لشبهها بالأسماء الإلهية، فإن العجب ليس من موجود يؤثر وإنما العجب من معدوم يؤثر، والنسب كلها أمور عدمية ولها الأثر والحكم، فكل معدوم العين ظاهر الحكم والأثر، فهو على الحقيقة المعبر عنه بالغيب، فإنه من غاب في عينه فهو الغيب والطبيعة غائبة العين عن الوجود فليس لها عين فيه وعن الثبوت وليس لها عين فيه فهي عالم الغيب المحقق وهي معلومة، كما أن المحال معلوم، غير أن الطبيعة وإن كانت مثل المحال في رفع الثبوت عنها والوجود فلها ١٥١ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود أثر ويظهر عنها صور والمحال ليس كذلك، ومفاتيح هذا الغيب هي الأسماء الإلهية التي لا يعلمها إلا الله العالم بكل شيء، والأسماء الإلهية نسب غيبية إذ الغيب لا يكون مفتاحه إلا غيباً، وهذه الأسماء تعقل منها حقائق مختلفة معلومة الاختلاف كثيرة ولا تضاف إلا إلى الحق فإنه مسماها ولا يتكثر بها، فلو كانت أموراً وجودية قائمة به لتكثر بها، فعلمها سبحانه من حيث كونه عالماً بكل معلوم، وعلمناها نحن باختلاف الآثار منهما فينا فسميناه كذا من أثر ما وجد فينا فتكثرت الآثار فينا فكثرت الأسماء والحق مسماها فنسبت إليه ولم يتكثر في نفسه بها فعلمنا أنها غائبة العين، ولما فتح الله بها عالم الأجسام الطبيعية باجتماعها بعدما كانت مفترقة في الغيب معلومة الافتراق في العلم، إذ لو كانت مجتمعة لذاتها لكان وجود عالم الأجسام أزلاً لنفسه لا لله، وما ثم موجود ليس هو الله إلا عن الله وما ثم واجب الوجود لذاته إلا الله وما سواه فموجود به لا لذاته، فالسر معقول النسب والأخفى منها أعيانها، فبالمشيئة ظهر أثر الطبيعة وهي غيب، فالمشيئة مفتاح ذلك الغيب، والمشيئة نسبة إلهية لا عين لها فالمفتاح غيب وإن لم تثبت هذه النسب في العلم وإن كانت غيباً وعدماً فلم يكن يصح الوجود لموجود أصلاً ولا كان خلق ولا حق فلا بد منها، فالغيب هو النور الساطع العام الذي به ظهر الوجود كله، وما له في عينه ظهور فهو الخزانة العامة التي خازنها منها. وإن أردت أن يقرب عليك تصوّر ما قلت فانظر في الحدود الذاتية للمحدود التي لا يعقل المحدود إلا بها، وينعدم المعلوم بعدمها، ويكون معلوماً بوجودها اتساعاً وإن لم توصف بالوجود، وذلك إذا أخذت في حد الجوهر مثلاً أعني الجوهر الفرد فتقول فيه هو الشيء فجئت بالجنس الأعم، والشيئية للأشياء ليست وجودية ولا بد فيدخل فيها كل ما هو محدود بشيء مما يقوم بنفسه ومما لا يقوم بنفسه، فإذا أردت أن تبينه ولا تتبين المعلومات إلا بذاتها وهو الحد الذاتي لها فتقول الموجود فجئت بما هو أخص منه فدخل فيه كل موجود وانفصل عنه كل من له شيئية ولا وجود له، ثم قلت القائم بنفسه، وهذه كلها معان معلومة هي للمحدود المعلوم بها صفات والصفة لا تقوم بنفسها، وباجتماع هذه المعاني جاء منها أعيان وجودية تدرك حساً وعقلاً فخرج منه كل موجود لا يقوم بنفسه ثم تقول المتحيز فيشركه غيره ويتميز عنه بهذا غير آخر والتحيز حكم وهو ما له قدر في المساحة أو القابل للمكان، ثم تقول الفرد الذي لا ينقسم ذاته فخرج عنه الجسم وكل ما ينقسم، ثم تقول القابل للأعراض فخرج منه من لا يقبل الأعراض ودخل معه في الحد من يقبل الأعراض، وبمجموع هذه المعاني كان المسمى جوهراً فرداً كما بالتأليف مع بقية الحدود ظهر الجسم، فلما ظهر من ائتلاف المعاني صور قائمة بنفسها وطالبة محال تقوم بها كالأعراض والصفات علمنا قطعاً أن كل ما سوى الحق عرض زائل وغرض ماثل، وأنه وإن اتصف بالوجود وهو بهذه المثابة في نفسه في حكم المعدوم فلا بد من حافظ يحفظ عليه الوجود وليس إلا الله تعالى، ولو كان العالم أعني وجوده لذات الحق لا للنسب لكان العالم مساوقاً للحق في الوجود وليس كذلك فالنسب حكم لله أزلاً وهي تطلب تأخر وجود العالم عن وجود الحق فيصح حدوث العالم وليس ذلك ١٥٢ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود إلا لنسبة المشيئة، وسبق العلم بوجوده فكان وجود العالم مرجحاً على عدمه، والوجود المرجح لا يساوق الوجود الذاتي الذي لا يتصف بالترجيح. ولما كان ظهور العالم في عينه مجموع هذه المعاني فكان هذا المعقول المحدود عرض له جميع هذه المعاني فظهر فما هو في نفسه غير مجموع هذه المعاني والمعاني تتجدد عليه والله هو الحافظ وجوده بتجديدها عليه وهي نفس المحدود، فالمحدودات كلها في خلق جديد الناس منه في لبس فالله خالق دائماً، والعالم في افتقار دائم له في حفظ وجوده بتجديده، فالعالم معقول لذاته موجود بالله تعالى فحدوده النفسية عينه، وهذا هو الذي دعا الحسبانية إلى القول بتجديد أعيان العالم في كل زمان فرد دائماً وذهلت عن معقولية العالم من حيث ما هو محدود وهو أمر وهمي لا وجود له إلا بالوهم وهو القابل لهذه المعاني، وفي العلم ما هو غير جميع هذه المعاني فصار محسوساً أمر هو في نفسه مجموع معقولات فأشكل تصوره وصعب على من غلب عليه وهمه فحار بين علمه ووهمه وهو موضع حيرة، وقالت طائفة بتجدد الأعراض على الجوهر والجوهر ثابت الوجود وإن كان لا بقاء له إلا بالعرض وما تفطن صاحب هذا القول لما هو منكر له فغاب عنه شيء فجهله وظهر له شيء فعلمه، وقالت طائفة أخرى بتجدد بعض الأعراض وهي المسماة عندهم أعراضاً وما عداها وإن كانت في الحقيقة على ما يعطيه العلم أعراضاً فيسمونها صفات لازمة كصفرة الذهب وسواد الزنجي، وهذا كله في حق من يثبتها أعياناً وجودية، وثم من يقول أن ذلك كله نسب لا وجود لها إلا في عين المدرك لها لا وجود لها في عينها، وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني على ما وصل إلينا والعهدة على الناقل، وأهل الكشف لهم الاطلاع على جميع المذاهب كلها والنحل والملل والمقالات في الله اطلاعاً عاماً لا يجهلون منه شيئاً، فما تظهر نحلة من منتحل ولا ملة بناموس خاص تكون عليه ولا مقالة في الله أو في كون من الأكوان ما تناقض منها، وما اختلف وما تماثل إلا ويعلم صاحب الكشف من أين أخذت هذه المقالة أو الملة أو النحلة، فينسبها إلى موضعها ويقيم عذر القائل بها ولا يخطئه ولا يجعل قوله عبثاً، فإن الله ما خلق سماء ولا أرضاً وما بينهما باطلاً، ولا خلق الإنسان عبئاً بل خلقه ليكون وحده على صورته، فكل من في العالم جاهل بالكل عالم بالبعض إلا الإنسان الكامل وحده فإن الله علمه الأسماء كلها وآتاه جوامع الكلم فكملت صورته فجمع بين صورة الحق وصورة العالم، فكان برزخاً بين الحق والعالم مرآة منصوبة يرى الحق صورته في مرآة الإنسان ويرى الخلق أيضاً صورته فيه. فمن حصل في هذه المرتبة حصل رتبة الكمال الذي لا أكمل منه في الإمكان، ومعنى رؤية صورة الحق فيه إطلاق جميع الأسماء الإلهية كما جاء في الخبر: ((فَبِهِمْ تُْصَرُون وَاللهُ النَّاصِرُ، وَبِهِمْ تُرْزَّقُونَ وَاللهِ الرَّازِقُ، وَبِهِمْ تُرْحَمُونَ وَالله الرَّاحِمُ)) وقد ورد في القرآن فيمن علمنا كماله واعتقدنا ذلك فيه أنه ﴿بِالْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أي لترحمهم لما دعا على رعل وذكوان وعصية والتخلق بالأسماء يقول به جميع العلماء، فالإنسان متصف يسمى ١٥٣ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود بالحي العالم، المريد، السميع، البصير، المتكلم، القادر، وجميع الأسماء الإلهية من أسماء تنزيه، وأفعال تحت إحاطة هذه الأسماء السبعة التي ذكرناها لا يخرج عنها جملة واحدة فلهذا لم نأت بها على التفصيل، وقد ذكرنا منها طرفاً شافياً في كتابنا المسمى إنشاء الجداول والدوائر صوّرنا فيه العالم والحضرتين ممثلتين في أشكال ليقرب العلم بها على صاحب الخيال، إذ لا يخلو الإنسان مع عقله عن حكم الوهم فيما يعلم أنه محال، ومع هذا تصوّره وتغلب عليه حكم الوهم إذا كان لا ينضبط لها العلم بذلك إلا بعد تصوّره، وحينئذ تضبطه القوّة الحافظة وتحكم عليه القوّة المذكرة إذا غلب على القوّة الحافظة فخرج من تحت حكمها، فإن المذكرة لا تفرط فيه فلا يزال المعلوم محصوراً في العلم ولهذا كان المعلوم محاطاً به، قال تعالى: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. فمن علم ما ذكرناه في هذا الوصل وما حوت عليه هذه الخزانة علم نفسه، وعلم ربه، وعلم العالم وما أصله وإذا بدا له منه ما بدا علم من أين جاء وإلى أين يعود؟ وعلم ما يستحقه منه فوفاه حقه فأعطى كل ذي حق حقه، كما أن الله ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] فالذي انفرد به الحق إنما هو الخلق، والذي انفرد به من العالم الكامل إنما هو الحق، فيعلم ما يستحقه كل موجود فيعطيه حقه وهو المسمى بالإنصاف، فمن أعطيته حقه فقد أنصفته، فإن تغاليت فما كملت وأنت ناقص فإن الزيادة في الحد نقص في المحدود فلا يتعدى الكامل بالشيء رتبته، وقد ذم الله تعالى تعليماً لنا في إقامة العدل في الأشياء من تغالي في دينه، ونزه الحق تعالى عما يستحقه، فهو وإن قصد تعظيماً بذلك الفعل في التغالي فقد وقع في الجهل وجاء بالنقص في موضع الكمال فقال: ﴿لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] فالغلوّ مثل أن ينسب إلى الله الأحوال وهي ليست إلا أحكام المعاني، فالمعاني الله وجودها، وإذا وجدت فيمن وجدت فيه أعطت بذاتها الحال المنعوت به ذلك المحل الذي قام به هذا المعنى فهذا من التغالي، وهذا مثل العالم، والقادر، والأبيض، والأسود، والشجاع، والجبان، والمتحرّك، والساكن، فهذه هي الأحوال وهي أحكام المعاني المعقولة أو النسب كيف شئت فقل وهي العلم والقدرة والبياض والسواد والحماسة والجبن والحركة والسكون، فقال لنا: ﴿ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] كان ما كان، كما نسبوا إليه تعالى الصاحبة والولد وضربوا له الأمثال وجعلوا له أنداداً غلوّاً في دينهم وتعظيماً لرسلهم فقالوا عيسى هو الله، وقالت طائفة هو ابن الله، وقال من لم يغل في دينه هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فلم يتعد به ما هو الأمر عليه، فمن سلك مسلكنا فقد سلك طريق النجاة والإيمان وأعطى الإيمان حقه ولم يجر على العقل والفكر في حقه ولا فيما له، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وفي هذه الخزانة من العلوم: علم مقام الملائكة كلها، وعلم الأنوار والأسرار والفضل الزماني لا الفضل بالزمان، ومن هنا تنزل الملائكة على قلوب الأرسال من البشر بالوحي المشروع، وعلى قلوب الأولياء بالحديث والإلهام، وكل من أدرك هذا سرّاً أو غيباً فكان له ١٥٤ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود جهراً وشهادة، فمن هذه الخزانة، فسبحان مرتب الأمور وشارح الصدور وباعث من في القبور بالنشور لا إله إلا هو العلم القدير. الوصل التاسع عشر من خزائن الجود: هذه خزانة التعليم، ورفعة المعلم على المتعلم، وما يلزم المتعلم من الأدب مع أستاذه. اعلم أن المعلم على الحقيقة هو الله تعالى، والعالم كله مستفيد طالب مفتقر ذو حاجة وهو كماله، فمن لم تكن هذه أوصافه فقد جهل نفسه، ومن جهل نفسه فقد جهل ربه، ومن جهل أمراً فما أعطاه حقه، ومن لم يعط أمراً حقه فقد جار عليه في الحكم وعرا عن ملابسة العلم، فقد تبين لك أن الشرف كله إنما هو في العلم والعالم به بحسب ذلك العلم، فإن أعطي عملاً في جانب الحق عمل به، وإن أعطاه عملاً في جانب الخلق عمل به، فهو يمشي في بيضاء نقية سمحاء لا يرى فيها عوجاً ولا أمتاً، وأوّل متعلم قبل العلم بالتعلم لا بالذات العقل الأول، فعقل عن الله ما علمه وأمره أن يكتب ما علمه في اللوح المحفوظ الذي خلقه منه فسماه قلماً، فمن علمه الذي علمه أن قال له أدباً مع المعلم ما أكتب هل ما علمتني أو ما تمليه عليّ؟ فهذا من أدب المتعلم إذا قال له المعلم قولاً مجملاً يطلب التفصيل فقال له: اكتب ما كان وما قد علمته وما يكون مما أمليه عليك وهو علمي في خلقي إلى يوم القيامة لا غير، فكتب ما في علمه مما كان، فكتب العماء الذي كان فيه الحق قبل أن يخلق خلقه وما يحوي عليه ذلك العماء من الحقائق، وقد ذكرناه في هذا الكتاب في باب النفس بفتح الفاء وكتب وجود الأرواح المهيمة وما هيمهم وأحوالهم وما هم عليه وذلك كله ليعلمه، وكتب تأثير أسمائه فيهم، وكتب نفسه ووجوده وصورة وجوده وما يحوي عليه من العلوم، وكتب اللوح. فلما فرغ من هذا كله أملى عليه الحق ما يكون منه إلى يوم القيامة لأن دخول ما لا يتناهى في الوجود محال فلا يكتب فإن الكتابة أمر وجودي فلا بد أن يكون متناهياً فأملى عليه الحق تعالى وكتب القلم منكوس الرأس أدباً مع المعلم لأن الإملاء لا تعلق للبصر به بل متعلق البصر الشيء الذي يكتب فيه، والسمع من القلم هو المتعلق بما يمليه الحق عليه، وحقيقة السمع أن لا يتقيد المسموع بجهة معينة بخلاف البصر الحسي فإنه يتقيد إما بجهة خاصة معينة وإما بالجهات كلها، والسمع ليس كذلك فإن متعلقه الكلام، فإن كان المتكلم ذا جهة أو في جهة فذلك راجع إليه، وإن كان لا في جهة ولا ذا جهة فذلك راجع إليه لا للسامع، فالسمع أدل في التنزيه من البصر، وأخرج عن التقييد وأوسع وأوضح في الإطلاق. فأوّل أستاذ من العالم هو العقل الأوّل، وأوّل متعلم أخذ عن أستاذ مخلوق هو اللوح المحفوظ، وهذه الأسمية شرعية، واسم اللوح المحفوظ عند العقلاء النفس الكلية وهي أوّل موجود انبعاثي منفعل عن العقل وهي للعقل بمنزلة حواء لآدم منه خلق وبه زوّج، فثنى كما ثنى الوجود بالحادث وثنى العلم بالقلم الحادث، ثم رتب الله الخلق بالإيجاد إلى أن انتهت النوبة،، والترتيب الإلهي إلى ظهور هذه النشأة الإنسانية الآدمية، فأنشأها في أحسن تقويم، ثم نفخ في آدم من روحه وأمر الملائكة بالسجود له فوقعت له ساجدة عن الأمر الإلهي بذلك فجعله لملائكته قبلة ثم عرّفهم بخلافته في الأرض فلم يعرفوا ١٥٥ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود عمن هو خليفة فربما ظنوا أنه خليفة في عمارتها عمن سلف، فاعترضوا لما رأوا من تقابل طبائعه في نشأته فعلموا أن العجلة تسرع إليه وأن تقابل ما تركب منه جسده ينتج منه نزاعاً فيؤثر فساداً في الأرض وسفك دماء، فلما أعلمهم أنه خلقه سبحانه على صورته وعلمه الأسماء كلها المتوجهة على إيجاد العالم العنصري وغيره فما فوقه، ثم عرض المسميات على الملائكة فقال: ﴿أَنْتُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] الذين توجهتم على إيجادهم أي توجهت الأسماء هل سبحتموني بها وقدستموا لي فإنكم زعمتم أنكم تسبحوني بحمدي وتقدسون إلي، فقالت الملائكة ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] فقال لآدم: ((أنبئهم بأسمائهم)) فجعله أستاذاً لهم فعلمهم الأسماء كلها فعلموا عند ذلك أنه خليفة عن الله في أرضه لا خليفة عن سلف. ثم ما زال يتلقاها كامل عن كامل حتى انتهت إلى السيد الأكبر المشهود له بالكمال محمد وَلايه الذي عرف بنبوّته وآدم بين الماء والطين، فالماء لوجود البنين والطين وجود آدم، وأوتي وَلّ جوامع الكلم كما أوتي آدم جميع الأسماء، ثم علمه الله الأسماء التي علمها آدم فعلم علم الأوّلين والآخرين، فكان محمد ◌َ﴿ أعظم خليفة وأكبر إمام، وكانت أمته ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وجعل الله ورثته في منازل الأنبياء والرسل، فأباح لهم الاجتهاد في الأحكام فهو تشريع عن خبر الشارع فكل مجتهد مصيب كما أنه كل نبي معصوم، وتعبدهم الله بذلك ليحصل لهذه الأمة نصيب من التشريع وتثبت لهم فيه قدم، فلم يتقدم عليهم سوى نبيهم * فتحشر علماء هذه الأمة حفاظ الشريعة المحمدية في صفوف الأنبياء لا في صفوف الأمم فهم شهداء على الناس، وهذا نص في عدالتهم، فما من رسول إلا ولجانبه عالم من علماء هذه الأمة أو اثنان أو ثلاثة أو ما كان، وكل عالم منهم فله درجة الأستاذية في علم الرسوم والأحوال والمقامات والمنازل والمنازلات إلى أن ينتهي الأمر في ذلك إلى خاتم الأولياء خاتم المجتهدين المحمديين إلى أن ينتهي إلى الختم العام الذي هو روح الله وكلمته، فهو آخر متعلم وآخر أستاذ لمن أخذ عنه، ويموت هو وأصحابه من أمة محمد ◌ّ في نفس واحد بريح طيبة تأخذهم من تحت آباطهم يجدون لها لذة كلذة الوسنان الذي قد جهده السهر وأتاه النوم في السحر الذي سماه الشارع العسيلة لحلاوته، فيجدون للموت لذة لا يقدر قدرها، ثم يبقى رعاع كغثاء السيل أشباه البهائم فعليهم تقوم الساعة، وكان الروح الأمين جبريل عليه السلام معلم الرسل وأستاذهم، فلما أوحي إلى محمد وَ لو كان يعجل بالقرآن قبل أن يقضي إليه وحيه ليعلم الله بالحال أن الله تولى تعليمه من الوجه الخاص الذي لا يشعر به الملك، وجعل الله الملك النازل بالوحي صورة حجابية ثم أمره تعالى فيما أوحى إليه: ﴿لَا ◌ُهَلْكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] أدباً مع أستاذه فإنه وَّه يقول: ((إنَّ الله أدَّبَنِي فَأَخْسَنَ أَدَبي)) وهذا مما يؤيد أن الله تولى تعليمه بنفسه، ثم قال مؤيداً أيضاً لذلك: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ (١٩)﴾ [القيامة] فما ذكر سوى نفسه وما ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ١٨ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَنَِّعْ قُرْءَانَهُ وَقُرْءَانَهُ (أَم أضافه إلا إليه، ولم يجر لغير الله في هذا التعريف ذكر، وبهذا جاء لفظ النبيّ ◌َّة في قوله: ((إنَّ الله أدَّبَنِي فَأَحْسَنَ أَدَبِي)) ولم يذكر إلا الله ما تعرّض لواسطة ولا لملك فإن الله هكذا ١٥٦ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود عرفنا، ثم وجدنا ذلك سارياً في ورثته من العلماء في كل طائفة أعني من علماء الرسوم وعلماء القلوب، فرجوع التعليم بالواسطة وغير الواسطة إلى الرب ولذلك قال الملك: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [ مريم: ٦٤] فتبين لك من هذا الوصل صورة التعليم. ثم إنه شرع تعالى لكل أستاذ أن لا يرى له مزية على تلميذه، وأن لا تغيبه مرتبة الأستاذية عن علمه بنفسه وعبوديته، وهذا هو الأصل المرجوع إليه، والله يقول الحق ويهدي السبيل. الوصل العشرون من خزائن الجود: وهذه خزانة الأحكام الإلهية والنواميس الوضعية والشرعية، وأن لله تعالى في وحيه إلى قلوب عباده بما يشرع في كل أمة طريقين: طريقاً بإرسال الروح الأمين المسمى جبريل أو من كان من الملائكة إلى عبد من عباد الله فيسمى ذلك العبد لهذا النزول عليه رسولاً ونبياً يجب على من بعث إليهم الإيمان به وبما جاء به من عند ربه، وطريقاً آخر على يدي عاقل زمانه يلهمه الله في نفسه وينفث الروح الإلهيّ القدسي في روعه في حال فترة من الرسل ودرس من السبل، فيلهمه الله في ذلك لما ينبغي من المصالح في حقن الدماء وحفظ الأموال والفروج لما ركب الله في النفوس الحيوانية من الغيرة فيمهد لهم طريقة يرجعون بها إذا سلكوا عليها إلى مصالحهم، فيأمنون على أهليهم ودمائهم وأموالهم، ويحد لهم حدوداً في ذلك، ويخوّفهم ويحذرهم ويرجيهم ويأمرهم بالطاعة لما أمرهم به ونهاهم عنه وأن لا يخالفوه، ويعين لهم زواجر من قتل وضرب وغرم ليردع بذلك ما تقع به المفسدة والتشتيت، ويرغب في نظم شمل الكلمة، وأن الله تعالى يأجره على ذلك في أصحاب الفترات، وأما في الأمة التي فيها رسول أو هم تحت خطاب رسول فحرام عليه ذلك وحرام عليه خروجه عن شرع الرسول، ولم تظهر هذه الطريقة الوضعية التي تطلبها الحكمة في نوع من الأنواع إلا في النوع الإنساني خاصة لخلقه على الصورة، فيجد في نفسه قوة إلهية تدعوه لتشريع المصالح، فإن شرعها أحد غيره وهو الرسول فلا يزال يؤيده ويمهد لأمته ما وضعه لها ذلك الرسول، ويبين لهم ما خفي عنهم من رسالته لقصور فهمهم، وإن لم يفعل ذلك مع قدرته عليه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة، كما جاء في الإمام إذا صلى وهو يعلم أن خلفه من هو أحق بالإمامة منه فلم يقدمه وتقدم عليه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة إلا أن يقدمه ذلك الأفضل فيتقدم عن أمره كصلاة أبي بكر برسول الله وَله وصلاة عبد الرحمن بن عوف برسول الله # لما جاء وقد فاتته ركعة وتقدم لأجل خروج الوقت فجاء رسول الله و8َّ﴿ وقد صلوا ركعة فصلى خلفه وشكرهم على ما فعلوا وقال: أحسنتم، ولولا أن الشارع قرر حكم المجتهد من علماء هذه الأمة ما ثبت له حكم. واعلم أن العلماء بالله على مراتب في أخذهم العلم الإلهيّ، فمنهم من أخذ العلم بالله من الله وهم الذين قيل لهم: فاعلموا أنه إله واحد، ومنهم من أخذ العلم بالله عن نظر واستدلال وهم الذي نصب الله لهم الأدلة والآيات في الآفاق وفي أنفسهم وأمرهم بالنظر في ذلك حتى يتبين لهم أن الحق مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقوله مَّه: ١٥٧ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) ومنهم من أخد العلم بالله من تقوى الله مثل قوله تعالى: ﴿إِن تَثَّقُواْ اَللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] تفرقون به بين الله وبين الآلهة التي عبدها المشركون وتعرفون ما عبدوا من ذلك مع علمهم إذا سموهم أنهم أحجار وأشجار وكواكب وملائكة وناس وجان ويعلمون حقيقة كل مسمى ولماذا اختصوا بالعبادة ما اختصوا منها وهي ومن لم يتخذوه معبوداً من أمثالها في الحد والحقيقة على السواء، وما في هذه الطوائف أعلى ممن حصل العلم بالله عن التقوى، فهذا المأخذ أعلى المراتب في الأخذ فإن له الحكم الأعم يحكم على كل حكم وعلى كل حاكم بكل حكم فهو خير الحاكمين، ولا يكون هذا العلم ابتداء ولهذا لا يختص به إلا المؤمنون العالمون الذي علموا أن ثم واحداً يرجع إليه ويوصل إلى شهوده، وإن لم يعلموا ذلك قصرت هممهم، ولو تجلى لهم الحق بنفسه أنكروه وردوه فإنه عندهم مقيد بأمر ما مهما لم يجدوا ذلك الأمر الذي قيدوه به فیمن تجلی لهم وقال لهم أو قيل لهم إنه الله ردوه ولا بد، فلما قصرت هممهم وأعطاهم نظرهم أن الحق لا يراه أحد كالفيلسوف والمعتزلي وإن علم فبالضرورة ينكرونه في تجليه لهم فلا بد للمؤمن أن يعطيه نور إيمانه ما أعطى لموسى عليه السلام في نفسه حتى سأل الرؤية ثم أخبر الله أنه تجلى للجبل والجبل من العالم وتدکدك الجبل عند رؤيته ربه، وإذا تجلى لمحدث جاز أن يراه كل محدث إذا شاء وجاز أن يتجلى له، فإذا علموا وآمنوا وانبسط نور الإيمان على المراتب والمقامات فعلموها كشفاً ووجوداً وانبسط على نفوسهم فشاهدوا نفوسهم فعرفوها فعرفوا ربهم بلا شك علماً وإيماناً ثم علموا بتقوى الله فجعل الله لهم فرقاناً بين ما أدركوه من الله بالعلم الخبري وبالعلم النظري وبالعلم الحاصل عن التقوى، وعلموا عند ذلك ما هو التام من هذه العلوم والأتم، فمن ادّعى التقوى ولم يحصل له هذا الفرقان فما صدق في دعواه فإن الكذب كله عدم أي مدلوله عدم وإن كان مذموماً بالإطلاق عرفاً محموداً بالتقييد الذي يحمد به والصدق كله حق أي مدلوله حق، وإن كان محموداً بالإطلاق عرفاً مذموماً بالتقييد الذي يذم به : [مخلَّع البسيط] جُوداً وفَضْلاً على وُجُودي أَوْقَفَنِي الحَقُّ في شُهُودي أرْغَبُ في لَذّة المَزيد فقُمْتُ شُكْراً به إليه فزادني جُودُهُ عُلُوماً بالله في نسبة الوُجُودِ تُرَى على الكَشْفِ والشُّهُودِ إليه سبحانه تعالى كالبَذْر في منزل السُعُودِ لا يَعْرِفُ اللّهَ غَيْرُ قَلْبٍ يَرْقَى إليه يجيء منه ما بين بيض وبين سُودٍ فأما العلماء بالله من طريق الخبر فلا يعلمون من الله إلا ما ورد به خبر الله عن الله في كتاب أو سنة، فهم بين مشبه بتأويل وبين واقف وهو الأسلم والأنجى من الرجلين، فإنه لا يتمكن له رد الألفاظ ولا رد ما تدل عليه فيقع في التشبيه، والآخر وإن لم يكن له رد الألفاظ ولا رد ما تدل عليه فإنه ما نزل ما نزل من ذلك إلا بلغته، ورأى التقابل فيما نزل من ١٥٨ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود نفي التشبيه فآمن وصرف علم ذلك إلى الله من غير تعيين لأن المسمى والموصوف لم يره ولم يعلم ما هو عليه إلا من هذه الأخبار الواردة عنه. وأما علماء النظر فهم طوائف كثيرة كل طائفة نزعت في الله منزعاً بحسب ما أعطاها نظرها في الذي اتخذته دليلاً على العلم به، فاختلفت مقالاتهم في الله اختلافاً شديداً وهم أصحاب العلامات لما ارتبطوا بها، وأما علماء الكشف والشهود وهم المؤمنون المتقون فإن الله جعل لهم فرقاناً أوقفهم ذلك الفرقان على ما ادعى أهل كل مقالة في الله من علماء النظر والخبر أن يقولوا بها وما الذي تجلى لقلوبهم وبصائرهم من الحق وهل كلها حق أو فيه ما هو حق وما ليس بحق؟ كل ذلك معلوم لهم كشفاً وشهوداً فيعبده من هذه صفته عبادة أمر وعبادة ذاتية وليس ذلك إلا لهم وللملائكة، وأما الأرواح التي لا تعرف الأمر فعبادتهم ذاتية، وأما علماء النظر والخبر فعبادتهم أمرية، قال رسول اللّهُ وَّ: ((نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ الله لَمْ يَعْصِهِ) وهذه هي العبادة الذاتية فأخبر أنه ذو عبادتين: عبادة أمر وذات وبالعبادة الذاتية يعبده أهل الجنان وأهل النار، ولهذا يكون المآل في الأشقياء إلى الرحمة لأن العبادة الذاتية قوية السلطان والأمر عارض والشقاء عارض وكل عارض زائل يجري إلى أجل مسمى. واعلم أنه ما تقدم لنبي قط قبل نبوته نظر عقلي في العلم بالله ولا ينبغي له ذلك، وكذلك كل ولي مصطفى لا يتقدم له نظر عقلي في العلم بالله وكل من تقدمه من الأولياء علم بالله من جهة نظر فكري فهو وإن كان ولياً فما هو مصطفى ولا هو ممن أورثه الله الكتاب الإلهي، وسبب ذلك أن النظر يقيده في الله بأمر ما يميزه به عن سائر الأمور ولا يقدر على نسبة عموم الوجود لله، فما عنده سوى تنزيه مجرد، فإذا عقد عليه فكل ما أتاه من ربه مخالف عقده فإنه يرده ويقدح في الأدلة التي تعضد ما جاءه من عند ربه، فمن اعتنى الله به عصمه قبل اصطفائه من علوم النظر واصطنعه لنفسه وحال بينه وبين طلب العلوم النظرية ورزقه الإيمان بالله وبما جاء من عند الله على لسان رسول الله، هذا في هذه الأمة التي عمت دعوة رسولها، وأما في النبوة الأولى ممن كان في فترة من الرسل فإنه يرزق ويحبب إليه الشغل بطلب الرزق أو بالصنائع العملية أو الاشتغال بالعلوم الرياضية من حساب وهندسة وهيئة وطب وشبه ذلك من كل علم لا يتعلق بالإله، فإن كان مصطفى ويكون نبياً في زمان النبوّة في علم الله فيأتيه الوحي وهو طاهر القلب من التقييد بإله محصور في إحاطة عقله وإن لم يكن نبياً وجاء رسول إلى أمة هو منها قبل ما جاءه به نبيه ذلك لسذاجة محله ثم عمل بإيمانه واتقى ربه رزقه الله عند ذلك فرقاناً في قلبه وليس لغيره ذلك، هكذا أجرى الله عادته في خلقه، وإن سعد صاحب النظر العقلي فإنه لا يكون أبداً في مرتبة الساذج الذي لم يكن عنده علم بالله إلا من حيث إيمانه وتقواه، وهذا هو وارث الأنبياء في هذه الصفة فهو معهم وفي درجتهم هذه، فاعلم ذلك ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وأما علوم الملائكة وما عدا النفوس الناطقة المدبرة لهذه الهياكل الإنسانية والهياكل الإنسانية فكلهم علماء بالله بالفطرة لا عن تفكر ولا استدلال، ولهذا تشهد الجلود من هذه النشأة والأسماع والأبصار والأيدي ١٥٩ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود والأرجل وجميع الجوارح على مدبرها بما أمرها به من التعدي لحدود ربه، وما شهادتها إلا إخبار بما جرى فيها من أفعال الله لأنها لا تعرف تعدي الحدود ولا العصيان، فيكون ذلك التعريف بتعيين هذه الأفعال شهادة على النفوس المصرفة لها في تلك الأفعال، فإن كل ما سوى هذه النفوس المشهود عليها ما تعلم إلا التسبيح بحمد ربها لا غير ذلك لما تجده في فطرتها، وما في العلوم أصعب تصوراً من هذا العلم لطهارة النفوس الناطقة بحكم الأصل ولطهارة الأجسام وقواها بما فطرت عليه، ثم باجتماع النفس والجسم حدث الإنسان وتعلق التكليف وظهرت الطاعات والمخالفات، فالنفوس الناطقة لا حظ لها في المخالفة لعينها، والنفوس الحيوانية تجري بحكم طبعها في الأشياء ليس عليها تكليف، والجوارح ناطقة بحمد الله مسبحة له تعالى، فمن المخالف والعاصي المتوجه عليه الذم والعقوبة، فإن كان قد حدث بالمجموع للجمعية القائمة بالإنسان أمر آخر كما حدث له اسم الإنسان فهو المذموم بالمخالفة خاصة، فإن الإنسان العاقل البالغ هو المكلف لا غير، ومن زالت عنه هذه الشروط من هذا النوع فليس بمكلف ولا مذموم على ترك أو فعل منهي عنه. ثم العلماء بالله انقسموا على أربعة أقسام لا خامس لها: فمنهم من أخذ العلم بالله من الله من غير دليل ظاهر ولا شبهة باطنة ومنهم من أخذه بدليل ظاهر وشبهة باطنة وهم أهل الأنوار، والطائفة الأولى هم أهل الالتذاذ بالعلوم. والقسم الثالث هم الراسخون في العلم ولهم في علمهم بالله ميل إلى خلق الله ليروا ما قبل الخلق من صورة الحق لا شبهة لهم في علمهم بالله ولا بالخلق، وهم أهل الأسرار وعلم الغيوب وكنوز المعارف والعلوم والثبات في حال الأمور المزلزلة أكبر العقول عما عقدت عليه. والقسم الرابع هم أهل الجمع والوجود والإحاطة بحقيقة كل معلوم فلا يغيب عنهم وجه فيما علموه، وله التصريف بذلك العلم في العالم حيث شاؤوا ولهم الأمان فلا أثر لشبهة قادحة في علمهم وهم أيضاً من أهل الأسرار، وما عدا هؤلاء العلماء فخلق من خلق الله يتصرفون فميا يصرفون مجبورون في اختيارهم من كان منهم من أهل الاختيار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الوصل الأحد والعشرون من خزائن الجود: وهذه خزانة إظهار خفي المنن التي لأهل الله في الورود والصدور، ووضع الآصار والأغلال والأعباء والأثقال، ولها رجال أي رجال، ولهم مشاهد راحة عند حط الرحال وهم البيوت التي ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُمُ﴾ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ومن هذه الخزانة يعلم إحاطة الرحمة بجميع الأعمال في الأحوال والأقوال والأفعال، وما ينبغي للعبد أن يكون عليه من التوجه إلى ربه والإقبال والفراغ إليه تعالى من جميع ما يشغل عنه من الأشغال، فهي خزانة الكرم ومعدن الهمم وقابلة أعذار الأمم وناطقة بكل طريق هو العالم عليه بأنه هو الطريق الأقوم. فأقول والله الموفق للصواب مترجماً عن هذه الخزانة بما كشفه لنا الجود الإلهي والكرم: اعلم أن كل موجود من العالم في مقامه الذي فطره الله عليه لا يرتقي عنه ولا ينزل قد أمن من التبديل والتحويل ﴿ُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ ١٦٠ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] فيئس من الزيادة التي طلبها من لا علم له بما أشرنا إليه وصار الأمر مثل الأجل المسمى بالإنسان فإنه في ترق دائم أبداً شقيه وسعيده، فأما السعيد فمعلوم عند جميع الطوائف، وأما ارتقاء الشقي في العلم بالله فلا يعرفه إلا أهل الله، والشقي لا يعرف أنه كان في ترق في أسباب شقائه حتى تعمه الرحمة ويحكم فيه الكرم الإلهي ويفتح له الفتح في المآل فيعرف عند ذلك ما ترقى فيه من العلم بالله في تلك المخالفات التي شقي بها فيحمد الله عليها، وقد أعطى الله منها أنموذجاً في الدنيا فيمن ﴿تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَدِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ومعنى ذلك أنه كان يريه عين ما كان يراه سيئة حسنة، وقد كان حسنها غائباً عنه بحكم الشرع، فلما وصل إلى موضع ارتفاع الأحكام وهو الدار الآخرة رأى عند كشف الغطاء حسن ما في الأعمال كلها لأنه ينكشف له أن العامل هو الله لا غيره فهي أعماله تعالى، وأعماله كلها كاملة الحسن لا نقص فيها ولا قبح، فإن السوء والقبح الذي كان ينسب إليها إنما كان ذلك بمخالفة حكم الله لا أعيانها، فكل من كشف الغطاء عن بصيرته وبصره متى كان رأى ما ذكرناه، ويختلف زمان الكشف فمن الناس من يرى ذلك في الدنيا وهم الذي يقولون أفعال الله كلها حسنة ولا فاعل إلا الله وليس للعبد فعل إلا الكسب المضاف إليه وهو عبارة عما له في ذلك العمل من الاختيار، وأما القدرة الحادثة فلا أثر لها عندهم في شيء فإنها لا تتعدى محلها. وأما العارفون من أهل الله فلا يرون أن ثم قدرة حادثة أصلاً يكون عنها فعل في شيء، وإنما وقع التكليف والخطاب من اسم إلهي على اسم إلهي في محل عبد كياني فسمي العبد مكلفاً وذلك الخطاب تكليفاً. وأما الذين يقولون إن الأفعال الصادرة من الخلق هي خلق لهم كالمعتزلة فعند كشف الغطاء يتبين لهم ما هو الأمر عليه فإما لهم وإما عليهم. ومنهم من يكون له الكشف عند الموت وفي القيامة عند كشف الساق والتفاف الساق بالساق وبعد نفوذ الحكم بالعقاب فينكشف لهم نسبة تلك الأعمال إلى الله، فللإنسان وحده ورود علی الله وصدور عن الله هو عين وروده على الله من طريق آخر غير الورود الأول، فهو بين إقبال على الله للاستفادة وصدور عن الله بالإفادة، وهذا الصدور هو عين الإقبال على الله لاستفادة أخرى، وأكثر ما يكون الفتح في الصدور عن الله من حيث ما هو عين إقبال على الله فهو ممن يرى الحق في الخلق، فمن ثقل عليه من أهل الله رؤية الحق في الخلق لما فيه من بعد المناسبة التي بين الواجب الوجود بالذات وبين الواجب الوجود بالغير، فإذا كان ذوق هذا العبد هذا الشهود أراه الحق عين ما ثقل عليه ليس إلا الله وحده وجوداً ويسمى خلقاً لحكم الممكن في تلك العين، فإذا علم العبد ما هي العين الموجودة وما هو الحكم وأنه عن عين معدومة لم يبال وزال ما كان يجده من ثقل الكون الذي من أجله سمي الجن والإنس بالثقلين وهو اسم لكل موجود طبيعي، وزال عنه ما كان يحس به من الألم النفسي والحسي ورفعه الله عند هذا مكاناً علياً وهو نصيبه من مقام إدريس عليه السلام، فارتفعت مكانته وزالت زمانته وحمد مسراه وعلم ما أعطاه سراه، فتميزت المراتب واتحدت المذاهب وتبحرت الجداول والمذانب واستوى