Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
اتبعوه وقلدوا صاحبه فما قلدوا إلا ما قرر الشارع حكمه في ذلك الشخص وفي هذا نظر، فإنه
ما أمرنا أن نسأل إلا أهل الذكر وهم أهل القرآن، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ﴾
[الحجر: ٩] يريد القرآن، ثم قيل له: لا تسلك من الطرق إلا ما تقع لك فيه المنفعة والربح
فإنها تجارة وهكذا سماها الله فقال: ﴿هَلْ أَثْلُكُمْ عَلَى ◌َِزَقْ نُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ثم
ذكر الإيمان والجهاد وقال: ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في حق من ابتاع الضلالة بما
كان في يديه من الهدى. ثم قيل له: عليك بالالتجاء إلى من تعرف أنه لا يقاوم فإنه يحميك،
ثم قيل له: عليك بآثار الأنبياء فإنها طرق المهتدين، ثم قيل له: إياك والحسد فإنه يخلق
الحسنات وأوّل ما يعود وباله على صاحبه، ثم قيل له: لا يكون التيسير الإلهي من نعوت
الحق إلا إذا ظهر الحق بصورة أهله فإن المنازع لله في إيجاد الممكن العدم الذاتي الذي
للممكن فانظر ما يزيله والأمر الذاتي يحكم لنفسه فتعمل في الخروج من هذه الشبهة، ثم قيل
له: خلق الله العالم أطواراً وكل طور يزهد في طوره ويذمه ويثني على ما سواه فما الذي دعا
إلى ذلك وما الذي أفرح كل أحد بما عنده حتى منعه ذلك الفرح من الخروج عنه، ثم قيل له :
الاقتداء شأن الرجال فاقتد بالله من كون الميزان في يده فإن فاتك هذا الاقتداء هلكت، ثم قيل
له: الإيمان برزخ بين إسلام وإحصان وهو الاستسلام، فلهذا يكون الإسلام ولا إيمان،
ويكون الإيمان ولا استسلام، فالزم الاستسلام تفز بالجميع، وما ثم برزخ لا يقوى قوّة
الطرفين إلا الإيمان فكل برزخ فيه قوّة الطرفين هو الإيمان ثم قيل له: ألحق المتأخر بالمتقدم
فتسعد ولا تعكس الأمر، ثم قيل له: لا تبديل لخلق الله وخلق الله كلماته ولا تبديل لكلمات
الله وإنما التبديل لله من كونه متكلماً لا من كونه قائلاً، فإن ظهرت القولة بصورة الكلمة لم
تبدل لكونها قولاً لا من حيث أنها كلمة من الكلام، ثم قيل له: الجزاء بالخير حتم وبالشر
في المشيئة، ثم قيل له: الاستناد إلى القوي حمى لا ينتهك فيرجع طالب انتهاكه خاسراً، ثم
قيل له: النزول من العلو بإنزال وبغير إنزال، فمن نزل من غير إنزال فهو محمود، ومن نزل
بإنزال فقد يحمد، والخلافة أرفع الدرجات ولها العلو، فمن خلع نفسه منها حمد وإن كان
فيها، ومن خلع منها فقد يحمد وهو بحسب ما يقع له. ثم قيل له: إن كنت وارثاً فلا ترث
إلا الحق فقال: وكيف يورث الحق؟ فقال: إذا أشهدك الحق غناه عن العالمين فقد تركهم
فهذه تركة إلهية لا يرثها إلا أنت، إن كنت صاحب هذا الشهود فتعرف من هذا الورث ما لم
تكن تعرفه قبله من العالم، ثم قيل له: لا تخلط بين الأمور وأنزل كل شيء حيث أنزلته
حقيقته فلا تقل ما ثم إلا الله ولو كان كذلك وهو كذلك، أليست المراتب المعقولة قد ميزت
بين كونه كذا وكونه كذا والعين واحدة كما تقول؟ ولكن هو من كذا أمر ومن كذا أمر آخر،
وأراك تحس بالألم وتهرب منه فما الذي دعاك إلى ما منه تهرب؟ وأراك تحس باللذة وأراك
فاقداً ما كنت تطلب، فبهذا القدر أثبت عينك واعرف أينك، فعلى كل حال الكثرة موجودة
والأغيار مشهودة، وعالم وجاهل، وأمر ومأمور، وحاكم ومحكوم عليه ومحكوم به ومحكوم
فيه، ومريد ومراد، وتخيير وجبر، وفاصل ومفصول، وواصل وموصول، وقريب وأقرب،

٣٤٢
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
ووعد ووعيد، فالفائدة في مخاطب ومخاطب وخطاب ومخاطب به الإنسان واحد بجملته،
وأعضاؤه متميزة وقواه متعددة وهو هو لا غير، فأي شيء تألم منه سرى الألم في كله، وترى
شخصاً يتألم وآخر يسر بألمه وآخر يحزن لذلك، فلو كان الأمر واحداً كما هو في الإنسان
السرى الألم في العالم بأسره إذا تألم منه واحد فليس الأمر كما تخيلته إذا كشف الغطاء علمت
ما أقول، فانصح نفسك إن أردت أن تلحق بالعلماء بالله الذين أسعدهم الله، فالظاهر لله
والباطن كالروح والجسد، فكما لا يفترقان كذلك لا يفترقان، فما الأمر إلا عبد ورب، فما
هو إلا أنت وهو، فالطائع مهتد والعاصي حائر بين ما أريد منه وما أمر به.
واعلم أن الله لما أنكح العقل النفس لإظهار الأبناء لا لحصول لذة الابتناء أسكنها أرض
الطبيعة فأثرت في مزاجها إذ كانت الأرض تقلب ما يزرع فيها إلى طبيعتها اجعل بالك إلى
قوله تعالى: تسقى بماء واحد والأرض واحدة، وتختلف الطعوم والروائح والألوان، فإن قلنا
في العسل إنه حلو لذيذ فترى بعض الأمزجة تتألم به ولا تلتذ وتجده مراً، وكذلك الروائح
والألوان، فرأينا هذا الاختلاف يرجع إلى الإدراكات لا إلى الأشياء، فرأيناها نسباً لا حقيقة
لها في أعيانها إلا من حيث جوهرها ثم قيل له: قف عند الإضافات والنسب تعثر على الأمر
على ما هو عليه، ثم قيل له: إذا أيََّ الله بك فاعلم من أين نوديت وأين كنت ولماذا دعيت
ومن دعاك وما دعاك؟ فكن بحسب ما ينتج لك ما ذكرته، ثم قيل له: السعادة في الإيمان
لا في العلم والكمال في العلم فإن جمعت بينهما فأنت إذا أنت ما فوقك غاية، ثم قيل له: هذه
حضرة الأخبار فاجعل بالك لكل خبر يأتيك فيها فإنك إن فقدتها لم تنل في غيرها ما تنال فيها.
وفيها من العلوم ما أذكره لك إن شاء الله، فمن ذلك: علم من أين صدر الأمر والنهي
وجميع الأحكام والنواميس الوضعية والإلهية، وفيه علم التنبيه على حقائق الأشياء بالتصريح
والتضمن والإيماء، وفيه علم خلق باطن الإنسان دون ظاهره وكم إنسان في الوجود فإذا
علمت أنه ما في الوجود إلا ثلاثة أناسي: الإنسان الأول الكل الأقدم، والإنسان العالم،
والإنسان الآدمي، فانظر ما هو الأتم من هؤلاء الثلاثة، وفيه علم ما لا يعلم إلا بالإيمان،
وفيه علم الموازنة، وفيه علم ما يؤثره القصد في الأمور مما لا يقصد، وفيه علم الالتحام،
وفيه علم الدواوين الإلهية والكتاب والعمال والمتصرفين، وفيه علم الشروط والشهادات
والقضايا المبثوثة في العالم، وفيه علم محاسبة الديوان العمال، وفيه علم الحركة والسكون،
وفيه علم الإطلاق الذي لا تقييد فيه فإذا علمه من علمه تقيد فيه وفيه علم الميل والاعتدال
وبأيهما يقع التكوين، وفيه علم الخواص في الإنسان وهي الطبيعة المجهولة، وفيه علم
الإهمال والإمهال ومن يتولى ذلك من الأسماء وقوله: ﴿قُلّ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلًا دُعَاؤُكُمْ﴾
[الفرقان: ٧٧] وفيه علم المحاربة الإلهية، وفيه علم المنع الإلهي وهو يناقض الجود المطلق هل
اقتضاه من اقتضائه لذاته أو لأمر آخر؟ وفيه علم عصمة الرسل، وفيه علم تنوع العالم من أين
قبله وما صدر فيما يعطيه الدليل العقلي إلا ممن لا يقبل التنوع، وفيه علم الأنبياء والأولياء
والعقلاء والفروق بين هؤلاء، وفيه علم حكمة التقديم والتأخير الزماني والوجودي والمكاني

في المنازل/ الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلَّسْمِيّة مصورة مدبرة ٣٤٣
والرتب، وفيه علم القبول والرد، وفيه علم ما يجده الحيوان من الخوف هل هو أمر طبيعي أم
إلهي؟ ووصف الملائكة بالخوف ولما خافت الملائكة ربها من فوقها فإنه لا يخاف تعالى إلا
لما يكون منه مما فوق الملائكة من الأسباب المخيفة وأي الملائكة هم الموصوفون بالخوف؟
هل كلهم أو جنس منهم؟ وفيه علم تدبير الروح الواحدة نفوساً كثيرة ومن هنا تعرف النشأة
الآخرة، وفيه علم تعظيم العقوبة على المقرب صاحب الرتبة العليا ولماذا لم تحمه رتبته عن
العقوبة؟ والفرق بين العقوبة والعذاب والألم والآلام، وفيه علم ما جبلت عليه النفوس من
النزاع والمخالفات، وفيه علم طهارة النفوس هل طهارتها ذاتية أو مكتسبة؟ وفيه علم فضل
الشهادتين وما يحمد من الشرك وما يذم، وفيه علم مرتبة المؤمن من غيره مع الاشتراك في
الإنسانية ولوازمها وحدودها والذي وقع به التمييز موجود في كل إنسان لأنه محقق في نفس
الأمر فنسبته إلى كل إنسان نسبة واحدة فلماذا خصص به المؤمن من غيره؟ وفيه علم مراعاة
الأكوان من الأكابر دون الحق هل ذلك من الرحمة بهم أو هو من خور الطبع؟ وفيه علم مرتبة
الواجبات الإلهية، وفيه علم الشروط والشهادة والقضايا المبثوثة في العالم، وفيه علم
الانتساب إلى الله ومن ينبغي أن ينسب إلى الله وبماذا يقع النسب إلى الله الزائد على العبودة،
وفيه علم غريب وهو نزول الحق إلى العالم في صفاتهم أو عروج العالم إلى الله بصفاته فإن
الأمر فيه في غاية الغموض فإن أكثر العلماء بالله يقولون إن الحق نزل إلى نعوت عباده
والحقائق تأبى ذلك والكشف، وفيه علم الأنوار النبوية المقتبسة من السبحات الإلهية
لا الوجهية، وفيه علم النقض بعد الإبرام فلماذا أبرم؟ وفيه علم الاختصاص وأهله في
المحسوس والمعقول، وفيه علم قرب النفوس وبعدها من الحضرة الإلهية، وفيه علم التحجير
على الأكابر من العلماء بالله وشهودهم لا يقضى به، وفيه علم الآداب الإلهية، وماذا حجب
الله عن عباده من المعارف وهل المعارف هي العلوم أو تختلف حقائقها كما اختلفت
أسماؤها؟ وفيه علم النفوس والأرواح هل هما شيء واحد يفترقان؟ وفيه علم السبب الذي
لأجله ظهر السلام في كل ملة وفي الملائكة قال تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْثٌ﴾ [الرعد: ٢٤]
وفيه علم الاسم الإلهي الصبور هل للاسم الحليم فيه حكم أم لا؟ وفيه علم أسباب رفع الأذى
من بعض العالم وهل يرتفع من العالم حتى لا يبقى له حكم أم لا؟ وفيه علم فضل ما سوى
الإنسان على الإنسان هل هو عام من جميع الوجوه أو يفضل عليه في شيء ويفضل هو على
غيره في شيء؟ وما العلة في ذلك؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة
في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلَّسْمِيّة مصوّرة مدبرة من الحضرة المحمدية
[البسيط]:
لَوْلاك ما كنتُ في قَتْلاك لولاك
يا قُرَّةَ العَيْنِ إِنّ القَلْبَ يَهْوَاك
فإن رضيت بذاك القدر أغناك
ما لي سوى عَيْنِ مالي قد عَلِمْت به

٣٤٤ في المنازل/ الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلَّسْمِيّة مصورة مدبرة
إلى الكَمَال فبَيْتُ الفَقْرِ مَأْواك
إن الوُجُودَ له فَقْرٌ وَمَسْكَنَةٌ
لا تعجزنَّ لإدراك الكمال فما
في الكَوْنِ من يَعْرِفُ المَطْلُوبَ إلاَّك
اعلم أيدك الله أنه إنما سمي الطلسم بهذا الاسم لمقلوبه يعني أنه مسلط على كل من
وكل به، فكل مسلط طلسم ما دام مسلطاً، فمن ذلك ما له تسليط على العقول وهو أشدها
فإنه لا يتركها تقبل من الأخبار الإلهية والعلوم النبوية الكشفية إلا ما يدخل لها تحت تأويلها
وميزانها وإن لم يكن بهذه المثابة فلا تقبله وهذا أصعب تسليط في العالم، فإن صاحبه
المحجور عليه يفوته علم كثير بالله فطلسمه الفكر وسلطه الله عليه أن يفكر به ليعلم أنه لا يعلم
أمر من الأمور إلا بالله، فعكس الأمر هذا المسلط فقال له لا تعلم الله يا عقل إلا بي والطلسم
الآخر الخيال سلطه الله على المعاني يكسوها مواد يظهرها فيها لا يتمكن لمعنى يمنع نفسه منه
والطلسم الثالث طلسم العادات سلطه الله على النفوس الناطقة فهي مهما فقدت شيئاً منها
جرت إليه تطلبه لما له عليها من السلطان وقوّة التأثير وما يتميز الرجال إلا في رفع هذه
الطلسمات الثلاثة، فأما الطلسم الأول فرأيت جماعة من أهل الله قد استحكم فيهم سلطانه
بحيث أنهم لا يلتذون بشيء من العلوم الإلهية التذاذهم بعلم يكون فيه رائحة فكر فيكونون به
أعظم لذة من علمهم بما يعطيهم الإيمان المحض بنوره الذي هو أكشف الأنوار وأوضحها
بياناً، وسبب ذلك ما نذكره وذلك أن نور الإيمان وهب إلهي ليس فيه من الكسب شيء ولا
أثر للأدلة فيه البتة، فإنا قد رأينا من حصل العلم بالأدلة وبما دلت عليه بحيث لا يشك، ومع
هذا لا أثر للإيمان فيه بوجه من الوجوه، فلما خرج عن كسب العبد فكأنه إذا فرح بما أعطاه
نور الإيمان من العلم فرح بما ليس له، وأنه إذا أعمل الفكر في تحصيل علم بأمر ما وحصل
له عن فكره ونظره فيه واجتهاده كان له تعمل واكتساب، فكانت لذته بما هو كسب له أعظم
مما ليس له فيه كسب لأنه فيما اكتسبه خلاق، ولم يكن ذلك من هؤلاء إلا لجهلهم بأصولهم
وبنفوسهم لأنهم لو علموا أنهم ما خرجوا من العدم إلى الوجود إلا بالمنة والوهب وهبة الله
لهم فأوجدهم فلم يكن لهم تعمل في ذلك وهم في غاية من الالتذاذ بوجودهم، فكانوا على
ما يعطي هذا الأصل أفرح بعلوم الوهب الذي يعطيهم نور الإيمان من الذي يعطيهم الفكر
بنظره، ثم الحجاب الآخر في جهلهم بنفوسهم وبما فيهم أن العقل والفكر ما حصل لهم من
الحق بتعمل ولا اكتساب بل بوهب إلهيّ وهم به فرحون، فهلا كان فرحهم بما وهبهم الحق
من العلم بنور الإيمان أعظم من فرحهم بما نالوه من جهة الفكر؟ ثم إنهم من جهلهم
وحجابهم أنهم يشهدون في أوقات في علم ما اتخذوه بالفكر شبهاً تدخل عليهم فيه فتزيله من
أيديهم أو تحيرهم فيه فيغتمون لذلك الغم الشديد ويعملون فكرهم في أمر من أنواع
الدلالات، إما أن يزيل عنهم تلك الشبهات حتى يعلموا أنها شبهات فيرجعوا إلى ما كانوا
عليه بلا مزيد ويخسرون ما يعطيه المزيد الإلهي في كل نفس، وإما أن يعطيهم الفكر أن تلك
الشبهة ليست بشبهة بل هي دليل أعطاهم العلم بضد ما كانوا عليه وأين الأمر الذي كانوا عليه
فيفرحون به ويقولون هو علم لم يكن كذلك بل كان شبهة، فلو فتح الله عليهم لكانوا في هذا

في المنازل/ الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلَّسْمِيّة مصورة مدبرة ٣٤٥
الذي رجعوا إليه تحت إمكان أيضاً كما ظهر لهم في حكم الأول الذي رجعوا عنه، فلو لم
يكن لصاحب الفكر في العلم الإلهي صارف يصرفه عنه إلا هذا لكان فيه كفاية، وكلامنا هذا
إنما هو في حق المؤمنين من أهل الله، وأما من يرى أنه لا يأخذ إلا من الأرواح العلوية وأنها
الممدة لهم وأنهم يستنزلونها لتفيدهم وأن جميع ما هم فيه إنما هو منهم كما يرون أن كل
ما يحجبهم عن مثل هذا إنما هو نظرهم إلى شهواتهم واشتغالهم بالأمور الطبيعية من أكل
وشرب ونكاح وغير ذلك من مثل هذه الأمور فلا كلام لنا معهم فإنهم عبيد أكوان لا عبيد الله
ليس لهم من الله رائحة إلا بعلم واحد أنه الأصل من غير تفصيل ولا استرسال واستصحاب
وظهور في كل جزء جزء من العالم الأعلى مساحة ومعنى، والعالم الأسفل مساحة ومعنى،
فهم عن هذا کله محجوبون وبه غیر قائلین.
ولما كان الطلسم في أصل الوضع لا يضعه واضعه إلا لخفاء ما يمكن أن يشهد
ويحصل أعملت الحيلة في رفع حكم ذلك الطلسم حتى يبدو ما كان يخفيه مما ينتفع به،
فالإنسان من حيث قيوميته التي يعتقدها في نفسه هو طلسم على نفسه، وبتلك القيومية
استخدم فكره وجميع قواه لأنه يعتقد أنه رب في ذاته وفي ملكه مالك، ثم رأى الحق قد كلفه
واستعمله فزاد تحقيقاً في قيوميته، ولو لم يكن له قيام بما كلفه الحق ما كلفه فيقول باستعمالي
لهذه القوى يكون لي الدليل على أني صدقت ربي وهو الصادق فيما كلفني به من استعمالها،
ولم يتحقق هذا المسكين المواضع التي يستعملها فيها، ثم إنهم رأوا أن أشرف ما يكتسبونه
بها العلم بذات الله وما ينبغي لها أن تكون عليه فتركوا استعمال قواهم فيما يمكن لهم أن
يصلوا إليه، واستعملوها فيما لا يمكن الوصول إليه مع تبيين الحق لهم فيما شرع من قول
الله: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي لا تستعملوا فيها الفكر، وقال رسول الله وَّه :
(لاَ تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللهِ)) فعصوا الله ورسوله مع أنهم من أهل الله بالمعصية المقدرة عليهم فلا
بد من نفوذ حكمها فيهم، فالله يجعلنا ممن عصمه الله أن يستعمل قواه فيما ليس لها التصرف
فيه إنه ولي كريم منعم محسان، فإذا أراد الله أن يوفقك لرفع حكم هذا الطلسم حتى تشهد
ما حجبك عنه وفقك لإزالة قيوميتك بقيوميته واستعملك في فقرك وذلك وشهود أصلك،
واستعمل فكرك في أنك لك موهوب وأنك صادر من عين منته عليك في وجودك وفي تقلبك
في أطوار نشأتك المحسوسة والمعنوية وفي إسلامك وإيمانك إلى أن جعلك من أهله
واصطنعك لنفسه وحجب غيرك ممن هو مثلك لا ليدلك عليه بل سابق عناية بك ومنة
اختصاص، فإذا وفقك لمثل هذا النظر وفقك للنظر أيضاً في قواك وما بين لك من مصارفها
فلم تتعد بها مصرفها الإلهي ووقفت عند حدوده وعرفت قدرك فعرفت قدره، وجعلت أمرك
كله فيما تصرفت فيها وهباً إلهياً من عين منته ونظرت إليه بنور الإيمان الذي وهبك إياه
فأشهدك الأمور كما هي عليه في نفسها وكشف لك عن الحق ورزقك اتباعه وكشف لك عن
الباطل ورزقك الاجتناب عنه. ورأيت جماعة في هذا الكشف من أصحاب الأفكار العقلاء
النظار قد أراهم الفكر الحق باطلاً فحققوه فاجتنبوا الحق واتبعوا الباطل ولا علم لهم بذلك إذ

٣٤٦ في المنازل/ الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلّسْمِيّة مصوّرة مدبرة
الباطل في جبلة كل أحد اجتنابه، فإذا رأيتهم على ذلك رحمتهم فربما تدعوهم إليه وهم
﴿يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبٍ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] فيجهلونك فيما تدعوهم إليه من الحق كما
كان ◌َلّ يدعو أهل الشرك إلى التوحيد فيقول إذا دعاهم إلى ذلك ودعوه إلى ما هم عليه:
(مَا لِيٍ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِالله وَأَشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ
عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ) فيا ولي لا تقل في جوابي أنهم أيضاً يقولون له مثل
ما قال لهم، ليس الأمر كذلك فإنهم مشركون، فقد أثبتوا بكونهم مشركين عين ما دعاهم إليه
هذا الرسول وهو ما أثبت الشريك وهم قالوا: إنما ندعوهم ﴿لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]
فأثبتوا له سبحانه وتعالى التعظيم والمنزلة العظمى التي ليست لشركائهم، فمن هناك لم يتمكن
لهم أن يقولوا في الجواب مثل ما قال لهم فإنه قال لهم ما ليس لي به علم وهم علماء بما
دعاهم الرسول إليه، فلما دعاهم دعاهم بحالهم ولسانهم من حيث ما أثبتوا عين ما دعاهم
إليه وزادوا الشريك الذي لا علم لمحمد رَّه به، فإذا قال صاحب الكشف لصاحب الفكر
مثل هذا كان جواب صاحب الفكر له أشد في البعد عن الله من المشركين مع رسول الله وَر،
وكان المشركون أسعد حالة من أصحاب الفكر، فإنهم أثبتوا على كل حال عين ما دعاهم إليه
أنه له المنزلة العليا، وهؤلاء قالوا إن الله لا يعلم ما نحن عليه حيث قالوا إنه أعظم من أن
يعلم الجزئيات بل علمه في الأشياء علم كلي وهو أن يعلم أن في العالم من يتحرّك ويسكن
لا أنه يعلم أن زيد بن عمرو هو المتحرّك عند زوال الشمس هذا أعطاهم فكرهم، فمن هنا
يعلم أن المشرك أسعد حالاً منهم، وأعطاهم فكرهم أنّ هذه النواميس الإلهية السائرة في
العالم أمداد الأرواح العلوية للنفوس الفاضلة القابلة لمصالح العالم في الدنيا، فهي أوضاع
روحانية على ألسنة قوم قد خلصوا نفوسهم من رق الشهوات وأسر الطبيعة وصفوا مرائي
قلوبهم، فأقبلت عليهم الأرواح العلوية وجالسوا بأفكارهم الملأ الأعلى فأمدهم بما وضعوه
في العالم من أسباب الخير فسموا أنبياء وحكماء ورسلاً وليس إلا هذا، وجعلوا ما وضعوه
من الوعد والوعيد المغيب المسمى الدار الآخرة سياسات يسوسون بها النفوس الشوارد عن
النظر فيما ينبغي لهم مما وجدوا له لا غير، ونعوذ بالله من هذا القول وهذا العلم، فهذا
ما أعطاهم الفكر حيث استعملوه في غير موطنه وذهبوا به في غير مذهبه ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦].
وأما الطلسم الثاني وهو الخيال فيجسد المعاني ويدخلها في قالب الصور الحسية، فهو
طلسم أيضاً على أهل الأفهام القاصرة التي لا علم لها بالمعاني المجرّدة عن المواد، فلا
تشهدها ولا يشهد هؤلاء إلا صوراً جسدية، فيحرم من حكم عليه طلسم الخيال إدراك الأمور
على ما هي عليه في أنفسها من غير تخيل، فهؤلاء لا يقبلون شيئاً من المعاني مع علمهم بأنها
ليست صوراً جسدية إلا حتى يصورها في خيالهم صوراً متجسدة متحيزة متميزة فيجمعون بين
النقيضين، فأنتم تعلمون أنها ليست صوراً ولا يقبلونها إلا صوراً، فمن أراد رفع حكم هذا
الطلسم فإن الطلسم لا يرتفع أبداً من هذه النشأة فإنه وضع إلهي، وكذلك جميع الطلسمات

في المنازل/ الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلَّسْمِيّة مصورة مدبرة ٣٤٧
الإلهية لا ترتفع أعيانها ولا ترفع أحكامها في الموضع الذي جعل الحق تعالی حکمها فيه،
ولكن بعض الناس خرجوا بها عن طريقها، فذلك الحكم الذي أعطاه ذلك الخروج هو الذي
يرتفع لا غيره فاعلم ذلك؛ فيرتفع حكم صاحب هذا الطلسم إذا أبصر الفكر قد دخل لخزانة
هذا الخيال ثم انصرف خارجاً منه فيصحبه إلى العقل ليشاهد المعاني مجرّدة عن الصور كما
هي في نفسها، فأوّل ما يشهد من ذلك حقيقة الفكر الذي صحبه إلى العقل فيراه مجرداً عن
المواد التي كان الخيال يعطيه إياها فيشكر الله ويقول: هكذا كنت أعلمه قبل أن أشهده، وما
كان الغرض إلا أن يوافق الشهود العلم، فإذا ارتفع إلى العقل شاهده أيضاً مجرّداً عن المواد
في نفسه، فيحصل له أنس بعالم المعاني المجرد عن المواد، فإذا تحقق بهذه المشاهدة انتقل
إلى مشاهدة الحق الذي هو أثره في التجرّد من المعاني، فإنه وإن تجرّدت المعاني المحدثة
فما تجرّدت عن حدوثها وإمكانها فيشاهد فيها صاحب هذا المقام عدمها الأصلي الذي كان
لها ويشاهد حدوثها ويشاهد إمكانها، كل ذلك في غير صورة مادية، فإذا ارتقى إلى الحق
فأوّل ما يشاهد منه عين إمكانه فيقع له عند هذا تحير فيه فإنه علمه غير ممكن فيأخذ الحق
بيده في ذلك بأن يعرفه أن الذي شاهده من الحق ابتداء عين الإمكان الذي يرجع إلى
المشاهد، وهو الذي يقول فيه أنه يمكن أن يشهدني الحق نفسه ويمكن أن لا يشهدني، فهذا
الإمكان هو الذي ظهر له من الحق في أوّل شهوده فإنه قد ترجح له بالشهود أحد الوجهين من
الإمكان فيسكن عند ذلك وتزول عنه الحيرة، ثم يتجلى له الحق في غير مادة لأنه ليس عند
ذلك في علم المواد، فيعلم من الله على قدر ما كان ذلك التجلي، ولا يقدر أحد على تعيين
ما تجلى له من الحق إلا أنه تجلى في غير مادة لا غير، وسبب ذلك أن الله يتجلى لكل عبد
من العالم في حقيقة ما هي عين ما تجلى بها لعبد آخر، ولا هي عين ما يتجلى له بها في
مجلى آخر، فلذلك لا يتعين ما تجلى فيه ولا ينقال، فإذا رجع هذا العبد من هذا المقام إلى
عالم نفسه عالم المواد صحبة تجلي الحق، فما من حضرة يدخلها من الحضرات لها حكم إلا
ويرى الحق قد تحول بحكم تلك الحضرة، والعبد قد ضبط منه أولاً ما ضبط، فيعلم أنه قد
تحول في أمر آخر فلا يجهله بعد ذلك أبداً ولا ينحجب عنه، فإن الله ما تجلى لأحد فانحجب
عنه بعد ذلك فإنه غير ممكن أصلاً، فإذا نزل العبد إلى عالم خياله وقد عرف الأمور على
ما هي عليه مشاهدة وقد كان قبل ذلك عرفها علماً وإيماناً رأى الحق في حضرة الخيال صورة
جسدية فلم ينكره وأنكره العابر والأجانب، ثم نزل من عالم الخيال إلى عالم الحس
والمحسوس فنزل الحق معه لنزوله فإنه لا يفارقه فيشاهده صورة كل ما شاهده من العالم
لا يخص به صورة دون صورة من الأجسام والأعراض ويراه عين نفسه ويعلم أنه ما هو عين
نفسه ولا عين العالم ولا يحار في ذلك لما حصل له من التحقيق بصحبة الحق في نزوله معه
من المقام الذي يستحقه ولاعالم وراءه يتحوّل في كل حضرة بحسب حكمها، وهذا مشهد
عزيز ما رأيت من يقول به من غير شهود إلا في عالم الأجسام والأجساد، وسبب ذلك عدم
الصحبة مع الحق لما نزل من المقام الذي يستحقه، فكان القائلون به في عالم الأجسام

٣٤٨ في المنازل/ الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلَّسْمِيّة مصوّرة مدبرة
والأجساد مقلدين ويعرف ذلك من كونه لا يصحبهم ذلك وتتوالى الغفلات عليهم فإذا
حضروا بنفوسهم حينئذ يقولون بذلك، وصاحب الذوق لا غفلة عنده عن ذلك جملة واحدة
فإنه معلوم عنده، والغفلة إنما تكون عن شيء دون شيء لا تعم فكل ما يبقى من الأمور غير
مشهود لصاحب الغفلة، فإن صاحب الذوق يشهد الحق فيه فما بقي له مشهود في حال
غفلته، ومن ليس له هذا المقام ذوقاً يغفل عن الحق بالأشياء حتى يستحضره في أوقات
ما فهذا هو الفارق بين أصحاب الذوق وبين غيرهم فلا تغالط نفسك، وما رأيت واحداً من
أهل هذا المقام ذوقاً إلا أنه أخبرتني أهلي مريم بنت محمد بن عبدون أنها أبصرت واحداً
وصفت لي حاله فعلمت أنه من أهل هذا الشهود إلا أنها ذكرت عنه أحوالاً تدل على عدم قوته
فيه وضعفه مع تحققه بهذا الحال ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى اُلسَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
وأما الطلسم الثالث وهو طلسم العادات الحاكمة على النفوس الناطقة لما حصل لها من
الألفة بها وتوقف المنافع والمصالح عليها دائماً لا يرتفع، فإذا أراد من أراد أن يرتفع عن
حكم هذا الطلسم إذا علم أنه لا يرتفع فإن الأسباب المألوفة هي أوضاع إلهية لا يمكن رفعها
ولا دفعها، يرجع هذا الشخص إلى النظر في وجهه الخاص به الذي لا أثر للسبب فيه وهو
خفي جداً فيعمد إلى بابه فيفتحه ويكثر العكوف عليه ويحس بالأسباب تجذبه عنه ليأخذ منها
ما بيدها من الأمانات له فلا يفعل ولا يقبل ما تأتيه به، فإذا جاءه خاطر أن ذلك سوء أدب مع
الله فخُذ ما أعطاك وكن من الشاكرين. وأن هذه الأسباب لا يمكن رفعها فلا تبطل حكمة الله
في حقك فتكون من الجاهلين، فلا يصغ إلى هذا العتب ولا إلى هذا العلم فإنه خاطر نفسي
ما هو خاطر إلهي، وليثبت على اعتكافه بالباب الخاص، وليقل لذلك المعلم أن الله قد نهى
أن تؤتى البيوت من ظهورها، فلو كنت من الله لأتيت البيوت من أبوابها وأنا بيت لا يزيده
على هذا، فإذا أراده الحق لذلك المقام أدخل عليه ذلك السبب بما عنده من الأمانة له على
باب ذلك الوجه الخاص الذي قد واجهه هذا العبد واعتكف عليه وذلك هو باب بيته، فإذا
أعطاه ذلك السبب ما أعطاه قبله منه لأنه ما جاءه إلا من باب الوجه الذي يطلب الأمر منه
وقد أتى البيت هذا السبب من بابه، وهذا هو المسمى خرق العوائد في العوائد، فإن العالم
لا يشهدون صاحب هذا المقام إلا آخذاً من الأسباب، فلا يفرقون بينهم وبينه فهو وحده
يعرف كيف أخذ، وليس هذا المقام إلا للملامية وهم أعلى الطوائف فإنهم في خرق العادة في
عين العادة، وبينهم في المقام ما بين المحجوب والمشاهد ولكن لا يشعرون، وأصحاب
خرق العوائد الظاهرة ما لهم هذا المقام ولاشموا منه رائحة أصلاً وهم الآخذون من الأسباب
فإن الأسباب ما زالت عنهم ولا تزول ولكن خفيت، فإنه لا بد لصاحب خرق العادة الظاهرة
من حركة حسية هي سبب وجود عين ذلك المطلوب، فيعرف أو يقبض بيده في الهواء فيفتحه
عن مقبوض عليه من ذهب أو غيره، فلم يكن إلا بسبب حركة من يده وقبض، فما خرج عن
سبب لكنه غير معتاد بالجملة لكن القبض معتاد وحركة اليد معتادة، وتحصيل هذا الذي
حصل له من غير هذا الوجه معتاد، وتحصيله من هذا الوجه غير معتاد فقيل فيه أنه خرق عادة

في المنازل/ الباب الثاني والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلَّسْمِيّة مصوّرة مدبرة ٣٤٩
فاعلم ذلك، فمن أراد رفع حكم طلسم العادات فليعمل نفسه فيما ذكرناه فلا تحكم عليه
العوائد وهو في العوائد غير معروف عند العامة والخاصة.
ومن علوم هذا المنزل: علم الإشارات والخطاب، وفيه علم الدخل بالشبه على
أصحاب الأدلة، وفيه علم الاسم الذي توجه على الخلق بالإيجاد والتقدير، وعلم ما بين
الإيجاد والتقدير من المدة، وفيه علم ترتيب الموجودات في الإيجاد بمرور الأزمان وعلى من
مرت هل على الموجد أو على الموجودات فيعلم من تقيد بها، وهل كان ذلك التقييد بها
اختياراً أو شيئاً لا بد منه؟ وفيه علم ما إذا توجه الحق على إيجاد أمر ما هل في ذلك إعراض
عن أمر آخر أم لا؟ وفيه علم لماذا يستند الفكر في حكمه وهل له سلطان إلهيّ يعضده حتى
يتمسك بذلك أهل الأفكار أم لا وإن لم يشعروا بذلك أو ربما أحالوه بين لهم وهو في نفس
الأمر صحيح، وفيه علم نزول الأمر الإلهيّ ورجوعه إلى ما منه نزل وكم مدّة ذلك من
الزمان؟ وفيه علم ارتباط السبب بالمسبب اسم فاعل بكسر الباء وهل يصح فعل ذلك من الله
من غير هذا السبب المعين أو من غير سبب أم لا؟ وفيه علم ارتباط العلم والرحمة والعزة مع
ما بين الرحمة والعزة من التنافر، وفيه علم الأعلى في الأنزل وما ثم علم الأنزل في الأعلى،
وفيه علم الأحسن في عالم الأمر والخلق وبما هو أحسن وما ثم قبيح ولا مفاضلة في
الحسن، وفيه علم منزلة هذه النشأة الإنسانية على غيرها من النشآت والعناية بها مع كونها
خلقت لشقاء ولسعادة وكان الأمر يقتضي أن لا شقاء لما ظهر من العناية بها، وفيه علم
ما يتولد عن هذا الإنسان في العالم من الأمور، وفيه علم المساكن وما قدم منها وما أخر وما
يتبدل منها وما لا يتبدل وما يلحقه التغيير وما لا يلحقه التغيير، وفيه علم ما يختلف فيه نشأة
الإنسان في الدارين من حيث صورته الظاهرة وما لا يختلف من نشأته في صورة روحه أو
لتلك النشأة الأخرى روح آخر يخلقه الله لها بحسب استعدادها وكيف هو الأمر في نفسه إذ قد
وردت الإعادة فما حقيقتها وفيماذا تكون؟ وهو علم غريب، وفيه علم كون الحق لا يلقاه
العبد إلا بالموت وهل هو لقاء خاص أو ما ثم لقاء إلا بالموت؟ وفيه علم الموت وبيد من
هو، وفيه علم اختلاف العالم لماذا يرجع في صوره وتخيله، وفيه علم التحديد الإلهي في
الآخرة مع كونها دار كشف للحقائق عند الناس أو حكمها حكم الدنيا في بعض الأمور، وفيه
علم ما يردّك إلى مشاهدة حقيقتك وأن في ذلك سعادتك، وفيه علم حب الإنسان بالطبع في
أن يكون قيوماً مع ذله وافتقاره وما الذي يدعوه إلى ذلك ثم اختلافهم في القيام فمنهم من
يقوم عبداً، ومنهم من يقوم سيداً، والذي يقوم سيداً منهم من يقوم سيداً بالحجاب ومنهم من
يقوم سيداً بكشف صحيح، وفيه علم ما لا يعلم إلا هناك وفيه علم أدنى الدنيّ وأدنى الدنو
وما حقيقة هذا؟ وفيه علم اختلاف أسماء أهل الاستحقاق مع وجود الاستحقاق، وفيه علم
الأولوية، وفيه علم الحكم الإلهي يوم القيامة بماذا يحكم ويفصل؟ وفيه علم الاستبصار،
وعلم ما ينفع من الخطاب، وعلم الفتح الإلهي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى
السفر الثالث والعشرون.

٣٥٠
في المنازل/ الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلَّسْمِيَّة حكمية
[السفر الرابع والعشرون]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة
في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلَّسْمِيَّة حكمية تشير إلى معرفة
منزل السبب وأداء حقه وهو من الحضرة المحمدية
[البسيط]
قُلْ للإمام أبي إنْ كُنْتَ تَأْنَسُ بي
أُنْسِي بربّي لا بالوالدين ولا
مني هربت ومني استوحشت خلقي
وكَيْفَ يُؤْنِسُني من لا يُنَاسِبُني
والمثل ضدّ فكيف الأنس يا سكني
لما جَهِلْتُ الذي لا شيء يُشْبِهُهُ
ما لي أقول بأن الحق يطلبني
الأنْسُ يطلبنا بأن يَقُومَ بنا
قد حِرْتُ فيه وإيحاشي يلازمُني
لا ذَاقَ أُنْساً حكيمٌ ما بَدَتْ مُثُلٌ
فإنّ أُنْسي برَبِّي لا بأشْكَالي
بالأهل إنّ وُجُودَ المِثْلِ أمثالي
فكيف أنسى بالماضي وبالحال
ولا يُنَاسِبُهُ شَيْءٌ مِنَ أَخوالي
والعقل يمنعه فالحالُ كالحالِ
سواي أخطرته جَهْلاً على بالي
ولست أعرفُه ما لي به مالي
وليس يأنَسُ دُونُ الدُّونِ بالعالي
ولست أطرُدُه إلا بآمالي
لعينه من علوم أو من أعْمَالٍ
اعلم أيدك الله بروح منه أن الله لما خلق النفس الناطقة المدبرة لهذا الهيكل المسمى
إنساناً سلط عليه في هذا المزاج الخاص بهذه النشأة الدنيوية ثلاثة أشياء جعلها من لوازم
نشأته: النفس النباتية، والنفس الشهوانية، والنفس الغضبية؛ فأما النفس النباتية والغضبية
فيزولان في نشأة أهل السعادة في الجنان ولا يبقى في تلك النشأة إلا النفس الشهوانية فهي
لازمة للنشأتين وبها تكون اللذة لأهل النعيم وأما النفس النباتية فهي التي تطلب الغذاء لتجبر به
ما نقص منه فينمى به الجسم فلا ينفك يتغذى دائماً فإما من خارج يجلب إليها وهو المعبر عنه
بالأكل، وإما من حيث شاء الله من غير تعيين ولها أربعة وزعة: الجاذب والماسك والهاضم
والدافع، فأما الجاذب فحكمه أن ينقل الغذاء من مكان إلى مكان فينقله من الفم إلى المعدة،
ومن المعدة إلى الكبد، ومن الكبد إلى القلب وإلى سائر العروق وأجزاء البدن، فإنه المقسم
على أجزاء البدن ما يحتاج إليه مما يكون به قواها، ويساعده الدافع فإنه يدفع به عن مكانه إذا
رآه قد استوفى حقه من ذلك المكان وما بقي له فيه شغل ودفع به حتى لا يزاحم غيره إذا ورد
فهو يساعد الجاذب وأمّا الماسك فهو الذي يمسكه في كل مكان حتى يأخذ التدبير فيه حقه،
فإذا رأى أنه وفى حقه ترك يده عنه فتولاه الدافع والجاذب وأما الهاضم فهو الذي يغير صورة
الغذاء ويكسوه صورة أخرى حتى يكون على غير الصورة التي كان عليها فإنه كان على صورة
حسنة وذا رائحة طيبة، فلما حصل بيده وغير صورة شكله وكساه صورة متغيرة الريح مبددة

٣٥١
في المنازل/ الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلَّسْمِيَّة حكمية
النظم ولهذا سمي هاضماً من الاهتضام ولكن وجود الحكمة في هذا الاهتضام فإنه لولا
الهضم ما وجد المقصود الذي قصده الغاذي بالغذاء، فظاهر الأمر فساد وباطنه صلاح، ولا
يزال هذا الهاضم ينقله من صورة إلى صورة والماسك يمسك عليه بقاءه حتى يدبر فيه
ما يعطيه علمه وما وكل به، فإذا استوفياه بحسب ذلك الموطن تركاه وأخذه الجاذب والدافع
فإذا أنزلاه ونقلاه إلى المكان الآخر ردّاه إلى الماسك وإلى الهاضم فيفعلان فيه مثل ما فعلاه
في المكان الذي قبله ويفتح فيه صوراً مختلفاً فيأخذه الجاذب والدافع فيسلكان بتلك الصورة
طرقاً معينة لا يتعديانها ما دام يريد الله إبقاء هذه النشأة الطبيعية، ولولا هؤلاء الوزعة
ما تمكنت النفس النباتية من مطلوبها، فإذا أراد الله هلاك هذه النشأة الطبيعية طلبت النفس
النباتية مساعدة الشهوة لها حتى تنبعث النفس المدبرة لجلب ما تشتهي فلم تفعل وأضعفها الله
باستيلاء سلطان الحرارة على محلها فضعفت كما يضعف السراج في نور الشمس فيبقى
لا حكم له، فتبقى النفس النباتية بحقيقتها تقول لوزعتها: لا بد لي من شيء أتغذى به
فتتغذى بأخلاط البدن وما بقي فيه من الفضول ووزعتها قد ضعفوا أيضاً مثلها، فلا تزال النشأة
في نقص متزايد والدافع يقوى والجاذب يضعف وكذلك الماسك إلى أن يموت الإنسان،
ولولا هذا التدبير بهذه الآلات لهذه النشأة ما سمعت أذن ولا نظر بصر ولا كان حكم لشيء
من هذه القوى الحسية والمعنوية وأما النفس الشهوانية فسلطانها في هذا الهيكل طلب
ما يحسن عندها ولا تعرف هل يضرها ذلك أو ينفعها؟ وهذا ليس إلا في نشأة الإنسان، وأما
سائر الحيوان فلا يتناول الغذاء إلا بالإرادة لا بالشهوة ليدفع عن نفسه ألم الجوع والحاجة فلا
يقصد إلا لما له فيه المنفعة، ويبقى حكم الشهوة في الحيوان في الاستكثار من الغذاء، فمنه
يدخل عليه الخلل والإنسان يدخل عليه الخلل كذلك من الاستكثار مما ينفع القليل منه، ومن
تناوله ما لا ينفعه أصلاً مما تطلبه الشهوة ويتضرر به المزاج فهذا الفارق بين الإنسان والحيوان
في تناول الغذاء فالنفس الشهوانية للنفس النباتية كما قيل في ذلك: [الطويل]
إذا امْتَحَنَ الدنيا لبيبٌ تَكَشَّفَتْ
له عَنْ عدوّ في ثياب صَدِيقٍ
فلها الصداقة مع النفس النباتية لأنها المساعدة لها على الغذاء وتناوله وهي العدوّة حيث
تدخل عليها من الأغذية ما يضرها ولا ينفعها، فمساعدتها للنفس النباتية إنما هو بالعرض
لا بالذات، فهي العدوّ اللازم الذي لا يمكن مفارقته ولا يؤمن شرّه. وأما النفس الغضبية
وهي السبعية فهي التي تطلب القهر لما رأت من تفوقها على سائر الحيوان بما أعطيت من
القوى والتمكن من التصرُّف وأبصرت العالم مسخراً لنشأتها ولمدبرها، ورأت أن في الوجود
عوارض تعرض اتفاقية أو لأسباب تظهر يمنعها ذلك كله من وصولها إلى أغراضها فتغضب
لعدم حصول الغرض، فإن كان لها سلطان قويّ مساعد من همة فعالة أو آمرة من خارج لها
بها إمضاء غضبها في المغضوب عليه أهلكته وأظهرت الانتقام منه، ولا تعرف ميزان الظلم
والعدل في ذلك الانتقام والقهر لأن ذلك ما هو لها، وإنما ذلك للعقل وناموس الوقت، ولذا
أخطأ الشاعر الذي قال : [الكامل]

٣٥٢
في المنازل/ الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلَّسْمِيّة حكمية
ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ
الظُّلْمُ مِنْ شِيَم النُّفُوسِ فإنْ تَجِدْ
فلو قال القهر بدلاً من الظلم لقال الصحيح فإن الظلم لا يأتي به إلا الشرعي فمنه يعرف
فليس للنفس إلا القهر حمية جاهلية، فإن صادفت الحق كانت حمية دينية ولهذا يحمد
الغضب لله وفي الله، ويذم الغضب لغير الله وفي غير الله، وهذا من تدبير الحكيم الحق الذي
رتب الأمور مراتبها وأعطى كل شيء خلقه ليكون آية له لأولي الألباب ولسائر أهل الآيات من
العالم إذ كانوا مختلفي المأخذ في ذلك، كما عددهم الله في كتابه العزيز الذي ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيرٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] وضم هذه الآيات كلها في كتاب
الوجود الذي ما فيه سوى البيان والرحمة لا غير، فكل ما ظهر في العالم من جانب الحق أو
من معاملة بعضه بعضاً يناقض الرحمة فأمر عرضي في الكتاب أبان عنه البيان حيث هو ذلك
العارض ما هو في نفس هذا الكتاب، فالكتاب رحمة كله من حيث ذاته وبيان، فما جعله الله
عذاباً فالله أكرم أن يعذب خلقه عذاباً لا ينتهي الأمر فيه إلى أجل ضمه وعينه بيان الكتاب ثم
يرجع الحكم للرحمة، هذا ما لا بدّ منه ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
ثم لتعلم أن الله أطلعني على حكم غريب يتعلق بالعالم الإنساني ولا أدري هل له تعلق
بما عدا الإنسان من العالم أم لا؟ ما أطلعني الله على ذلك ولا ينبغي لي أن أقول عن الله
ما لا أعلم الله يعصمني وإياكم من ذلك، وهذا الحكم يظهر في العالم الإنساني عند انقضاء
كل ثلاثة آلاف عام من أعوام الدنيا وهو عند الله يوم واحد ولا أدري لأيّ اسم إلهي يرجع هذا
اليوم لأني ما عرفت به، غير أن الحق تعالى قسمه لي ثلاثة أثلاث كل ثلث ألف سنة والألف
سنة يوم واحد من أيام الرب، هذا الذي أخبرني به ربي وهذه المدة التي هي ثلاثة آلاف سنة
حكمها في الإنسان حكم بدء وعود وحياة وموت كيف يشاء الله وحيث يشاء الله، غير أن الله
لما رقم لي هذا الأمر في درجي كلمات وقفت عليها مشاهدة جعل كلمة بفضة وكلمة بذهب
على هذه الصورة رقمها فعلمت أنها أحوال وأحكام تظهر في الإنسان في الجنة بمرور هذه
المدة المعينة، وما أثر والله عندي خبر إلهيّ ورد عليّ ما أثر هذا من الجزع والخوف المقلق
فما سكن روعي إلا كون الكلمات من ذهب وفضة الكلمة الذهبية إلى جانبها الكلمة الفضية،
ولما فرغ هذا الإلقاء الإلهي والتعريف الربانيّ وسكن عني ما كنت أجده من ألم هذا التجلي
في هذه الصورة، وسرّي عني، نظمت نظم إلهام لا نظم روية ما أذكره: [البسيط]
وهو الحبيب الذي حَارَ الوَرَى فِیهِ
لنا حَبِيبٌ نَزِيةٌ لا أُسَمِيهِ
أو قُلْتُ هو فكلامٌ لست أذرِيهِ
في كلّ حين تراه مِنْ تَجَلْيِهِ
والظرفُ حَقٌّ ولكن ليس يَخوِيهِ
إلا الذي أنا مَغْنِى مِنْ مَعَانيهِ
أذناي قد سمعت من قَوْلةٍ فيهِ
فهل له عِوَضٌ منه فيَشْفِيهِ
إنْ قلتُ هذا فإن الحَدَّ يَخْصُرُهُ
كيف السبيلُ إلى غَيْبٍ وأغْيُنُنا
أو قلتُ عندي جاء الظرفُ يطلبُه
ما أن رأيتُ وجوداً لست أذريهِ
قد حرتُ فيه وحار الكون فيّ وكم
هذا الذي وجلال الحقّ أمْرَضَهُ

٣٥٣
في المنازل/ الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلَّسْمِيَّة حكمية
هو الشفاءُ هو الداءُ فأين أنا
ضمير ((أمرضه)) يعود على الكون.
العينُ واحدةٌ وكلُّنا فيه
واعلم أن لنا من الله الإلهام لا الوحي، فإن سبيل الوحي قد انقطع بموت
رسول الله وَّر، وقد كان الوحي قبله ولم يجىء خبر إلهيّ أن بعده وحياً كما قال: ﴿وَلَقَدْ
أُوحِىَ إِلَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ولم يذكر وحياً بعده وإن لم يلزم هذا، وقد جاء
الخبر النبوي الصادق في عيسى عليه السلام، وقد كان ممن أوحي إليه قبل رسول الله وَ يقول أنه
عليه السلام لا يؤمنا إلا منا أي بسنتنا فله الكشف إذا نزل والإلهام كما لهذه الأمة، ولا يتخيل
في الإلهام أنه ليس بخبر إلهيّ ما هو الأمر كذلك بل هو خبر إلهيّ وإخبار من الله للعبد على
يد ملك مغيب عن هذا الملهم وقد يلهم من الوجه الخاص، فالرسول والنبيّ يشهد الملك
وتراه رؤية بصر عندما يوحى إليه، وغير الرسول يحس بأثره ولا يراه رؤية بصر، فيلهمه الله به
ما شاء أن يلهمه أو يعطيه من الوجه الخاصّ بارتفاع الوسائط وهو أَجَلُّ الإلقاء وأشرفه،
وهو الذي يجتمع فيه الرسول والولي أيضاً، فأصابع الرحمن للوجه الخاص، ولمة الملك
للوجه المشترك، والإلهام إلهيّ أكثره لا واسطة فيه، فمن عرفه عرف كيف يأخذه ومحله
النفس، قال تعالى: ﴿فَأَمَهَا﴾ فالفاعل هويته فهو الملهم لا غيره ﴿ُوَرَهَا﴾ ليعلمه
لا ليعمل به ﴿وَتَقْوَتُهَا﴾ [الشمس: ٨] ليعلمه ويعمل به فهو إلهام إعلام لا كما يظنه من
لا علم له ولذلك قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَنُهَا﴾ [الشمس: ١٠] والدسّ إلحاق خفي بازدحام،
فألحق العمل بالفجور بالعمل بالتقوى، وما فرق في موضع التفريق، فجمع بينهما في العلم
والعمل والأمر ليس كذلك، وسبب جهله بذلك أنه رمى ميزان الشرع من يده، فلو لم يضع
الميزان من يده لرأى أنه مأمور بالتقوى منهيّ عن الفجور مبين له الأمران معاً. ولما أضاف
الله الفجور لها والتقوى علمنا أنه لا بد من وقوعهما في الوجود من هذه النفس الملهمة،
وكان الفجور لها ما انفجر لها عن تأويل تأوّلته، فما أقدمت على المخالفة انتهاكاً للحرمة
الإلهية ولا يتمكن لها ذلك وكان هذا من رحمة الله بالأنفس، ولما كان الفجر فجرين فجر
كاذب وفجر صادق وهو الفجر المستطيل الكاذب ألهمها تقواها أي تتقي في فجورها الفجر
المستطيل لأنه يستطيل عليها بالأولية لتأخر المستطير الذي يطير حكمه عنها فألهمها في
فجورها الفجر المستطيل، فتبين لها بهذا الانفجار ما هو المشكوك فيه من غير المشكوك
وتقواها وما تتقي به ما يضرّها حكمه فيها، فلولا ما مكنها مما تتقي به وهو المعنى الذي
ألهمها لتتنبه النفس على استعماله فتفرق ما بين الشبهة والدليل ما تمكنت من الفرق بينهما،
فإن الله سبحانه كما لم يأمر بالفحشاء لم يلهم العبد العمل بالفحشاء كما يراه بعضهم، ولو
ألهمه العمل بالفحشاء لما قامت الحجة لله على العبد بل هذه الآية مثل قوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ
النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أي الطريقين بيناهما له فقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ أي بيناله ﴿إِمَّا
شَاكِرًا﴾ فيعمل في السبيل بمقتضاه إن كان نهياً انتهى وإن كان أمراً فعل ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾
[الإنسان: ٣] يقول: يستر على نفسه فيخادعون أنفسهم فإنه ما ضل أحد إلا على علم، فإن
الفتوحات المكية ج٥ - م٢٣

٣٥٤
في المنازل/ الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلْسْمِيَّة حكمية
بيان الحق ليس بعده بيان، ولا فائدة للبيان إلا حصول العلم، ثم يستره العالم به عن نفسه
لغرض يقوم له فتقوم الحجة لله عليه فالإلهام إعلام إلهيّ، فمن زكى نفسه بالتقوى فاتقى من
الفجور ما ينبغي أن يتقى منه وأخذ منه ما ينبغي أن يؤخذ منه، ومن دسّ نفسه في موضع
قيل له لا تدخل منه فقد خاب، فمن أراد طريق العلم والسعادة فلا يضع ميزان الشرع من
يده نفساً واحداً، فإن الله بيده الميزان لا يضعه يخفض القسط ويرفعه وهو ما هو الوجود
عليه من الأحوال، فلو وضع الحق الميزان من يده لفني العالم دفعة واحدة عند هذا
الوضع. وكذلك ينبغي للمكلف بل للإنسان أن لا يضع الميزان المشروع من يده ما دام
مكلفاً، لأنه إن وضعه من يده نفساً واحداً فني الشرع كله كما فني العالم لو وضع الحق
الميزان من يده، فإن كل حركة في المكلف ومن المكلف، وسكون لميزان الشرع فيه حكم
فلا يصح وضعه مع بقاء الشرع، فهذا الميزان له من كونه مكلفاً. وأما الميزان الآخر الذي
لا ينبغي أن يضعه الإنسان لا من كونه مكلفاً بل هو بيده دنيا وآخرة فذلك هو ميزان العلم
الذي ميزان الشرع حكم من أحكامه، وهو مثل الميزان الذي بيد الحق، فبه يشهد وزن
الحق، فنسبته إلى ميزان الحق نسبة شخص بيده ميزان، وشخص آخر بيده مرآة، فرأى في
مرآته التي في يده صورة ذلك الميزان والوزان والوزن، فعلم صورة الأمر من شهوده في
وجوده، وكان هذا الأمر من ورائه غيباً له لولا المرآة ما شهده فأضاف ما رآه في مرآته إليه
لكون مرآته ليس غيره، فالغيب الذي يزن والوزن والميزان حضرة الحق والمرآة حضرة
الإنسان، فالوزن الله تعالى، والشهود لمن كانت نفسه مرآه فهو السعيد الصادق، وإنما
كشف الله هذا السرّ لمن كشفه ليرى في مرآته صورة الخلق الإلهيّ وكيف صدور الأشياء
وظهورها في الوجود من عنده وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ما رأيت شيئاً إلا
رأيت الله قبله، فيرى من أين صدر ذلك الشيء فيكون صاحب هذا الكشف خلاقاً وهو
الذي أراده الحق منه بهذا الكشف بل يعلم أنه خلاق من هذا الكشف ولم يزل كذلك وهو
لا يشعر، فأفاده هذا الكشف العلم بما هو الأمر عليه لا أنه بالكشف ار خلاقاً، فأمره الله
عند ذلك أن يعطي كل شيء حقه من صورته كما أعطاه الله خلقه في صورته، فلا تتوجه
عليه مطالبة لمخلوق، كما لا يتوجه على الحق تعالى مطالبة لمخلوق، هذا ما أعطاه ذلك
الكشف من الفائدة، فإذا أقامه الحق تعالى في فعل من أفعاله المأمور بها أو المحجور عليه
فيها نظر إلى ما لها من الحق قبله فوفى ذلك الفعل حقه، فإن كان من الأمور المأمور
بفعلها أعطاها حقها في نشأتها حتى تقوم سوية الخلق معدّلة النشء فلم يتوجه لذلك الفعل
حق على فاعله فللَّه الخلق وللعبد الحق، فالحق أعطى كل شيء خلقه، والخلق أعطى كل
شيء حقه، فدخل الحق في الخلق، ودخل الخلق في الحق في هذه المسألة، وإن كان من
الأمور المنهي عنها فحقها على هذا العبد أنه لا يوجدها ولا يظهر لها عيناً أصلاً، فإن لم
يفعل فما وفاها حقها وتوجهت عليه المطالبة لها فلم يعط كل شيء حقه فلم يقم في الحق
مقام الحق في الخلق فكان محجوجاً، فهكذا ينبغي أن تعرف الأمور والأوامر الإلهية،

٣٥٥
في المنازل/ الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلَّسْمِيَّة حكمية
وصورة التروك في الجناب الإلهيّ هو الذي لم يوجد من أحد الممكنين لوجود الآخر
المرجح وجوده، فهو من حيث إنه لم يوجد ترك له، وهذه مسألة نبهناك عليها لعلمنا أنك
ما تجدها في غير هذا الكتاب لأنها عزيزة التصور قريبة المتناول لمن اعتنى الله به تعطي
الأدب مع الله وحفظ الشريعة على عباد الله، وهي من الأسرار المخزونة عند الله التي
لا تظهر إلا على العارفين بالله ولا ينبغي كتمها عن أحد من خلق الله، فإن كتمها العالم بها
فقد غش عباد الله، و ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) أي ليس من سنتنا الغش.
ولما وقفنا على هذه المسألة في كتاب الرحمة الإلهية الذي هو سرح عيون قلوب
العارفين شكرنا الله تعالى حيث رفع الغطاء وأجزل العطاء فله الحمد والمنة، وإذا قام العبد
صورة ما ذكرناه من كونه خلاقاً تعين عليه من تمام الصورة الإلهية التي هو عليها أن يحفظ
على ما أوجده صورته ليكون له البقاء أعني لذلك الموجود عنه فيدفعه لمن يحفظ البقاء عليه
وهو الله فاتخذه وكيلاً في ذلك الأمر وأمثاله عن أمر ربه فلا ينسب إلى سوء الأدب في ذلك،
فالعبد في كل نفس مشغول بخلق ما أمر بخلقه، والحق بتوكيل هذا العبد له قائم بحفظ
ما خلقه بإذن ربه في الخلق والتوكيل، وهذا علم دقيق إلهيّ وهو رد الحفظ إلى الله بحكم
الوكالة عن أمر الله وإيجاد الأشياء عن العبد بأمر الله، فلم يزل هذا العبد في كل حال تحت
أمر الله، ومن لم يزل تحت أمر الله في جميع أحواله لم يزل عند الله في شهوده أبداً دائماً دنيا
وآخرة، فإنه له النشء حيث كان في الأولى والآخرة عن أمر الله، قال تعالى في حق عيسى :
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠] وكذلك أمر
المكلف بالعمل فما عمل إلا بإذن الله، وموطن هذا العبد واستقراره إنما هو عند ربه من حيث
هو ﴿خَّرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] وهو ﴿وَلْآَخِرَةُ﴾ [الأعلى: ١٧] التي هي ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ [الأعلى: ١٧]
﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىِ ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٤ -٥] وهو عطاء. كن
في ظاهر العين كما هو له في الباطن، فإن الإنسان له في باطنه قوّة (كُنْ)) وما له منها في
ظاهره إلا الانفعال، وفي الآخرة يكون حكم كن منه في الظاهر، وقد يعطى لبعض الناس في
الدنيا وليس لها ذلك العموم، فمن رجال الله من أخذ بها، ومن رجال الله من تأدب مع الله
فيها لعلمه أن هذا ليس بموطن لها، ولا سيما وقد رأى الأكابر الذين لا خلاف في تقدمهم
عليه وعلينا قد قيل له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقيل: ﴿أَفَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِى
النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩] لأنه إذا أسلم فليس من أهل النار، فلما رآها رجال الله غير عامة الحكم في
هذه الدار جعلوا حكم ما لا تعم إلى حكم ما تعمه فترك الكل إلى موطنه، وهذه حالة الأدباء
العلماء بالله الحاضرين معه على الدوام، فالأديب خلاق في هذه الدار بالعمل لا بكن بل
ببسم الله الرحمن الرحيم ليسلم في عمله من مشاركة الشيطان حيث أمره الله بالمشاركة في
الأموال والأولاد، فهو ممتثل هذا الأمر الإلهيّ حريص عليه، ونحن مأمورون باتقائه في هذه
المشاركة فطلبنا ما نتقيه به لكونه غيباً عنا لا نراه فأعطانا الله اسمه، فلما سمينا الله على
أعمالنا عند الشروع فيها توحدنا بها وعصمنا من مشاركة الشيطان، فإن الاسم الإلهيّ هو الذي

٣٥٦
في المنازل/ الباب الثالث والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طِلْسْمِيّة حكمية
يباشره ويحول بيننا وبينه، وأن بعض أهل الكشف ليشهدون هذه المدافعة التي بين الاسم
الإلهيّ من العبد في حال الشروع وبين الشيطان، وإذا كان العبد بهذه الصفة كان على بينة من
ربه وفاز ونجا من هذه المشاركة، وكان له البقاء في الحفظ والعصمة في جميع أعماله
وأحواله .
وهذا المنزل يحوي على علوم: منها علم الفرق بين الدليل والآية وأن صاحب الآية
هو الأولى بنسبة الحكمة إليه وبالاسم الحكيم من صاحب الدليل، فإن الآية لا تقبل الشبهة
ولا تكون إلا لأهل الكشف والوجود وليس الدليل كذلك، وفيه علم الاختراع الدائم ولا
يكون في الأمثال إلا فيما تتميز به بعضها عن بعض ذلك القدر هو حكم الاختراع فيها وما
وقع فيه الاشتراك فليس بمخترع فافهم، وفيه علم الخواص، وفيه علم السبب الذي لأجله
لا يرفع العالم بما علمه رأساً مع تحققه أن ذلك الوضع له يضرّه، وفيه علم الفرق بين قول
الإنسان في الشي نعم بفتح العين وبين كسرها وأين يقول ذلك وأين يقول لا وبلى. وفيه
علم تميز الجنات بعضها من بعض هل هو تميز حالات في جنة واحدة أو تميز مساحات؟
فإن كل اسم جاءنا للجنات تستحقه كل جنة إن كان التمييز بالمساحات، فكل جنة لا نشك
أنها جنة مأوى وجنة عدن وجنة خلد وجنة نعيم وجنة فردوس وهي واحدة العين وهذه
الأحكام لها، ولو تميزت بالمساحات فلا بد من حكم هذه الأسماء لها، وفيه علم الفرق
بين الخلود والتأبيد والتسرمد وعدم الخروج، وفيه علم الفرق بين الوعد والوعيد بالمشيئة
في أحدهما دون الآخر ولماذا قبل الوعيد المشيئة دون الوعد وكلاهما إخبار إلهيّ وأين
وجود الحكمة في ذلك؟ وفيه علم السماء هل هي شبه الأكرة أو شبه الخيمة؟ أو هل هي
أكرة في خيمة أو خيمة في أكرة فتدور الأرض لدورانها؟ وهل السماء ساكنة أو متحرّكة؟
فإن الشهود يعطي جميع ما ذكرناه وما بقي إلا علم ما هو الأمر في نفسه من غير نظر إلى
شهود هل هو كما يقضي به شهود كل شاهد أم ليس كذلك؟ وفيه علم وجود الزوجين
وبماذا تكرم كل واحد من الزوجين على صاحبه؟ هل هو بما هو محتاج إليه كل واحد
منهما أم قد يكون بما لا حاجة فيه فلا يفرق بين العنين وبين أهله؟ وفيه علم من يدعي
الألوهة هل له خلق أم لا؟ فإن المدعي الألوهة لا خلق له ألبتة في حال دعواه فإذا فارق
الدعوى كان حكمه حكم كل سائر الموجودات التي ليست لها هذه الدعوى، وفيه علم
حكم من اتخذ إلهاً من غير دعوى منه بل هو في نفسه عبد غير راض بما نسب إليه وعاجز
عن إزالة ما ادعى فيه وأنه مظلوم حيث سلب عند هذا المدّعي ما يستحقه وهو كونه عبداً
فظلمه فينتصر الله له لا لنفسه فاتخاذ الشريك من مظالم العباد. وفيه علم الحكمة ما هي،
وفيه علم إلحاق ما ليس بنبيّ مشرع بالأنبياء في الرتبة العلمية بالله تعالى، وفيه علم الوصايا
والآداب الإلهية النبوية الموحى بها والملهمة إليها، وفيه علم الأخذ بالأولى والمبادرة إليه،
وفيه علم ما يدخل تحت القدرة الحادثة مما لا يدخل، وفيه علم ما لا بد منه، وفيه علم
الفرق بين الصوت والحرف والكلام والأنغام، وفيه علم النعم الجلية والخفية والعامة

٣٥٧
في المنازل/ الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
والمقصورة، وفيه علم نجاة استناد الناظر ولو كان شبهة، وفيه علم من ينبغي أن يلحق به
المذام من العالم، وفيه علم الفرق بين من رجع إلى الله عن كشف وبين من رجع إليه عن
غير كشف، وفيه علم المتقدم والعاقب وهو واحد، وفيه علم ما يبنغي أن لا يؤبه بالجهل
به، وفيه علم ما لا يمكن الجهل به، وفيه علم الوقت الذي يتعين فيه الثناء الجميل وعلى
ماذا يتعين والأحوال كلها تطلبه والأزمان، وفيه علم ما يقع به الاكتفاء من الثناء فلا يقبل
المزيد، وفيه علم حكم الكثير حكم الواحد عند الواحد واستناد الكثير إلى الكثير واستناد
الكثير إلى الواحد، وفيه علم التناكح للتناسل ولغير التناسل وما هو الأعلى منهما، وفيه علم
ما يشترك فيه الحق والباطل وليس ذلك إلا في الخيال، وفيه علم ما هو علم وليس بعلم،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة
في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني وهو من الحضرة المحمدية
[المدید]
وجماعُ الخَيْر في الكَلِم
مَعْدِنُ الآيات في العجمِ
بصنوف الحكْم والحِكْمَ
فطرةُ الرحمن تطلُبُنيّ
كشِهَابٍ لاحَ في عَلَمَ
فلتَكُنْ فِي رَأْسٍ مَزْقَبَةٍ
في غَمَام النُّور والظُّلَمَ
فهو المُزْجِي سَحَائِبَهُ
وازْتَفِعْ عن مَوْضِعِ التُّهَمَ
واتَّبِغْ ما أنْتَ طالبُه
من حَدِيدِ الطَّرْفِ غَيْرٍ عَمَ
هذي وَصِيَّةٌ صَدَرَتْ
اعلم أيدك الله بروح منه أن التنزيه في العبد نظير التنزيه في الحق سواء، فمن نزه الحق
عند أداء ما أوجب الله عليه من العبادات في العهد الذي أخذه عليه عقلاً وشرعاً أشرك الله
نفسه مع عبده في هذا الحكم بما أوجبه على نفسه له بما كتبه على نفسه من الرحمة به والوفاء
بعهده وبرأ عن أداء ما أوجب عليه بأن كشف له عن قيام الحق عنه فيما كلفه من العمل الذي
كان أهل الحجاب ينسبونه إليه ويقولون: إن فلاناً من ﴿ الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ الَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِثَقَ﴾
[الرعد: ٢٠] ﴿فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ﴾ لهذه البراءة ﴿وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] فقالوا عند
هذا الشهود بنور الإيمان لا فاعل إلا الله فقالوا قولاً سديداً، وبمثل هذا القول أمر الله عباده
المؤمنين أن يقولوه، فإذا قالوه أصلح لهم أعمالهم وغفر لهم ذنوبهم ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] فالسعيد من حال الله بينه وبين ربوبيته وأقامه عبداً في جميع
أحيانه يخاف ويرجو إيماناً ولا يخاف ولا يرجى عياناً: [الخفيف]
ليس بالعَبْدِ من يُخَافُ ويُرْجَى
إنّما العَبْدُ من يخافُ ويَرْجُو
ولهذا عن كل فِعْلٍ يُزْجَى
ولهذا من كل سُوءٍ يُوقَى
وإذا زَلَّ بالقضاء ينجَى
فتراه بكل وَجْهِ سعيداً

٣٥٨
في المنازل/ الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
وإذا لم يكن بعَبْدٍ فيُرْجَى
يُخشَرُ العَبْدُ في الوفود إليه
فالذي قام في المعارف أنْجَى
فإذا ما نَجَا الذي يَتَّقِيهِ
ما لديه ممالها فمُنْجَى
كلُّ من تُذْرَكُ الحقائقُ منه
اعلم أيدك الله أن العالم عند الله من علم علم الظاهر والباطن، ومن لم يجمع بينهما
فليس بعالم خصوصي ولا مصطفى، وسبب ذلك أن حقيقة العلم تمنع صاحبها أن يقوم في
أحواله بما يخالف علمه، فكل من ادعى علماً وعمل بخلافه في الحال الذي يجب عليه عقلاً
وشرعاً العمل به فليس بعالم ولا ظاهر بصورة عالم، ولا تغالط نفسك فإن وبال ذلك ما يعود
على أحد إلا عليك. فإن قلت: قد نجد من يعلم ولا يرزق التوفيق للعمل بعلمه فقد يكون
العلم ولا عمل. قلنا: هذا غلط من القائل به لتعلم أن مسمى العلم ينطلق اسمه على ما هو
علم وما ليس بعلم فإن الله تعالى يقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
٣٩١
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِّ﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠] فأعلمنا أنهم عملوا بما علموا، ولكن لا أريد بالعلم
إلا ما حصل عن مشاهدة المعلوم، فإن حصل عن دليل فكري فليس بعلم حقيقي، وإن كان
في نفس الأمر علماً كما قال النبيّ بَّ حين ذكر سورة في القرآن ولم يسمها ليختبر أصحابه
فوقع في نفس بعض أصحابه أنها ربما تكون الفاتحة فأخبر النبي ◌ّ أنها الفاتحة ولم تقع
للصاحب على جهة القطع فقال له رسول اللّه وَّلله حين أخبره بما وقع له: ((لِيَهْنِكَ العِلْمُ)) فهو
علم في نفس الأمر لا عند هذا الصاحب الذي وقع له ذلك، فلما كان هذا كذلك ذهب من
ذهب إلى القول بالعمل بخلاف العلم مع وجود العلم، والصحيح إذا اختبرته وبحثت عليه
وجدت الحق فيما ذهبنا إليه ولهذا قال رسول الله وَلَوَ لمن فهم عنه: ((إنَّ الله إذَا أَرَادَ إمْضَاءَ
قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سَلَبَ ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهُمْ حَتَّى إذا أَمْضَى فِيهِمْ قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ
لِيَعْتَبِرُوا)) وليس سوى ذهاب العلم عنهم والاعتبار عمل أوجبه العلم فهذا عين ما ذهبنا إليه،
قال تعالى في حق قوم ﴿يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِّنَ اُلْخَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ فعملوا بما علموا ﴿وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ
غَفِلُونَ﴾ [الروم: ٧] فلم يعملوا لها فإنه أغفلهم عنها فنسوا آخرتهم فتركوا العمل لها ﴿إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [قَ: ٣٧] قال تعالى آمراً: ﴿وَذَكِّرْ﴾
يعني بالعلم من غفل عنه أو نسيه ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وهم الذين علموا
ما ثم بنور الإيمان كشفاً ثم أنهم غفلوا، فحيل بينهم وبين ما علموه من ذلك وكان المشهود
لهم ما كانوا به عالمين وفي وقت نسيانهم، فإذا ذكروا تذكروا وقام لهم شهود ما قد كانوا
علموه فنفعتهم الذكرى فعملوا بما علموا فشهد الله ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى نَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥].
فإذا رأيت من يدعي الإيمان ويذكر فلا يقع له نفع بما ذكر به علمت أنه في الحال ليس بعالم
بما آمن به فليس بمؤمن أصلاً فإن شهادة الله حق وهو صادق، وقد أعلمنا أن المؤمن ينتفع
بالذكرى، وشهدنا أن هذا لم ينتفع بالذكرى فلا بدّ أن نزيل عنه الإيمان تصديقاً لله، ولا معنى
للنفع إلا وجود العمل منه بما علم، وما نرى أحداً يتوقف بالعمل فيما يزعم أنه عالم به إلا
وفي نفسه احتمال، ومن قام له في شيء احتمال فليس بعالم به ولا بمؤمن بمن أخبره بذلك

٣٥٩
في المنازل/ الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
إيماناً يوجب له العلم، مع أنك لو سألته لقال لك: ما نشك في أن ما جاء به هذا الشخص
حق يعني الرسول عليه السلام وأنا به مؤمن، فهذا قول ليس بصحيح إلا في وقت دعواه عند
بعض الناس، ثم إذا خلى بفكره قام معه الاحتمال فكان ذلك الذي تخيل أنه علم أمر عرض
له وبعضهم لا يزول عنه الاحتمال في وقت شهادته أن هذا حق صريح مع وجود الاحتمال،
وسبب هذه الشهادة بذلك أن الأمر إذا كان يحتمل أن يكون صدقاً ويحتمل أن يكون كذباً
فتجلى له في الوقت صدق ورده وتصديقه لذلك الذي هو به مؤمن أحد محتملات ذلك الخبر
وهو كونه صدقاً، هذا هو المشهود له في ذلك الحال، فيقطع في ذلك الوقت بصدقه وبأنه
لا يشك فيه، وما علم أن ذلك من تجلي أحد محتملاته فإذا غاب عنه ذلك الوارد قامت معه
المحتملات على السواء فلم يترجح عنده ذلك إلا بطريق الظن لا بالعلم، فانظر يا أخي
ما أخفى غوائل النفس وما أعظم حجاب الجهل مع كونه عدماً فكيف بنا لو كان وجوداً فللَّه
الحمد والمنة .
وإنما نبهناك على هذا لتعلم حظك من الإيمان ومنزلتك، فإن النبيّ وَّ # يقول في
الحديث الصحيح عنه: ((لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) أي مصدق بالعقاب عليه فإنه
تعالى قد يغفر، وإنّ الإيمان إذا لم يعط الكشف الذي يعطيه العلم فليس بإيمان، فاعلم أن
العلم يعطي العمل من خلف حجاب رقيق وفي حديث آخر عن رسول الله وّ # في الزاني إذا
زنى ((خَرَجَ عَنْهُ الإيمانُ حَتَّى صَارَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ)) ولنا فيه تأويل حسن وهو أن الزاني قد تعرّض
البلاء من الله ينزل عليه فيخرج الإيمان حتى يصير عليه كالظلة يمنع نزول ذلك البلاء عليه إن
نزل، فلا تغفل يا وليّ عن هذا القدر الذي نبهتك عليه، ألا ترى الله تعالى ما نصب الآيات
وكثرها إلا ليحصل بها العلم لعلمه أن العلم إذا حصل لزم العمل؟ ألا ترى إلى شارب الدواء
وهو علم ما شربه وتجرّع مرارته إلا لعلمه أن ثم دواء مزيلاً لهذه العلة التي يشكو منها
فيقول: عسى يكون ذلك الدواء عين هذا الذي شربته فيشربه بالإمكان والترجي فكيف به لو
علم أنه عين الدواء بلا شك لسارع إليه؟ فهذا حاله مع الترجي والإمكان.
فإن قلت: فقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] في حق من اتخذ إلهه هواه.
قلنا: إن الإله له القوة في المألوه، وإله هذا هو هواه، فحكم عليه وأضله عن سبيل الله وأما
قوله: ﴿عَلَى عِلٍ﴾ يعني من أنه أضله الله على علم لا أن الضال على علم، فإن الضال هو
الحائر الذي لا يعرف في أي جهة هو مطلوبه، فمتعلق على علم أضله وهو العامل فيه وهو
فعل الله تعالى، والذي على الله إنما هو البيان خاصة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ
قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] أي ليحير قوماً بعد أن هداهم في
أخذ الميثاق والفطرة التي ولدوا عليها ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ◌َا يَتَّقُونَ﴾ فإذا أبان لهم حيرهم،
فمنهم من حيره بالواسطة فشك في النبوّة وحار فيها وما تحقق أن هذا نبي فتوقف في الأخذ
عنه، ومنهم من حيره في أصل النبوّة هل لها وجود أم لا، ومنهم من حيره فيما جاء به هذا
النبيّ مما تحيله الأدلة النظرية فأورثهم البيان الإلهيّ هذه الحيرة وذلك لعدم الإيمان، فلم يكن

٣٦٠
في المنازل/ الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
لهم نور إيمان يكشف لهم عن حقيقة ما قاله الله وأبان عنه ﴿ وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ هنا من
إيمانه ﴿فَمَا لَهُ مِن ◌ُّورٍ﴾ [النور: ٤٠] في القيامة ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] فيعمل بما
علم أنه يكون كوّنه، وما علم أنه لا يكون لم يكوّنه، فكان عمله بعلمه قل أنزله بعلمه،
والإنزال عمل أوجده العلم، فلما أبان الحق ما أبانه لعباده فمنهم من رزقه الله العلم فعمل به،
ومنهم من حرمه الله العلم فضلّ وحار وشك وارتاب وتوقف. وأمّا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمّ﴾ [البقرة: ١٤٦] فإنهم مصدقون بكتابهم، وهذا النعت
فيه وقد أبصروه، فيعلمون أنه عين هذا النعت ولا يعرفون الشخص الذي قام به هذا النعت
لجواز أنه يقوم ذلك النعت بأشخاص كثيرين فدخلهم الاحتمال في الشخص لا في النعت.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] أنه الحق فيكتمونه
عن مقلديهم وعن النبيّ عليه السلام أنهم عرفوه أنه صاحب هذا النعت ولا يلزم من العالم
بالحق الإقرار به في الظاهر وإنما يستلزمه التصديق به في الباطن فهو مصدق به وإن كذبه
باللسان فقد عمل بما علم وهو التصديق وقوله تعالى في مثل هذا ﴿ وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:
١٤] أنها آيات فعلموا وعملوا بما علموا وهو التيقن الذي هو استقرار العلم في النفس، فلولا
ما علموا ما تيقنوا، وما كل عمل يعطي عموم النجاة بل يعطي من النجاة قدراً مخصوصاً من
عموم أو خصوص.
فإن قلت: فإن أهل النار قد علموا صدق الله في إنفاذ الوعيد وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا
نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فلا نشك أنهم في هذه الحال حصل لهم
العلم والله يقول: ﴿وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنّهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] مع هذا العلم الذوقي الذي حصل
لهم. قلنا: لما علم الله أن هذه الدار الدنيا جعلها الله على طبيعة مخصوصة وجعل نشأة
الإنسان على مزاج يقبل النسيان والغفلة وحب العاجلة ويقبل ضدّ هذا على حسب ما يقام فيه
فعلم سبحانه أن نشأة هؤلاء الذين عينهم أنهم لو ردّوا إلى الدنيا في نشأتهم التي كانوا عليها
في الدنيا لعادوا إلى نسيان ما كانوا قد علموا وجعل على أعينهم غطاء على ما لو شهدوه
لعلموا الأمر فعملوا له، فهذا معنى ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] لأن النشأة ليست إلا
تلك، فلو بقي لهم هذا العلم لما عادوا، ألا ترى أن النبيّ وَلّ يقول في الصحيح عنه: ((إِنَّهُ
يُؤْتَى فِي القِيَامَةِ بأَنْعَم أَهْلِ الدُّنْيَا فَيُغْمَسُ فِي النَّارِ غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ نَعِيماً قَطُ؟
فَيَقُولُ: لا والله)) ومعلوم أنه رأى نعيماً ولكن حجبه شاهد الحال عن ذلك النعيم فنسيه،
وكذلك صاحب البؤس إذا غمس في الجنة غمسة يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول:
لا والله ما رأيت بؤساً قط، فكذلك لو ردوا لكانوا بحسب النشأة والحال التي يردون فيها.
وأمّا عصاة المؤمنين فإنهم عالمون بإنفاذ الوعيد ولكن لا يعلمون فيمن فلو تعين لواحد منهم
أنه هو الذي ينفذ فيه الوعيد لما قدم على سببه الذي علم أنه يحصل له إنفاذ الوعيد به، وإذا
جبر في اختياره فذلك لا يعلمه لأنه لا يجد ذلك من نفسه، فإن الأمر في ذلك مشترك، وقد
تقدّم قبل هذا الكلام عليه في بعض المنازل، فمن شهد الجبر في اختياره علماً من طريق