Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
.
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
الأعلى واختلافها عليهم لاختلاف الواردات في مقامهم المعلوم. وفيه علم ما لا ينسب إلى
الله أعني لا يوصف به هل هو أمر عدمي أو وجودي؟ وفيه علم أين يشك العالم وهو ليس
بشاك، ولماذا يظهر بصورة الشاك، وفيه علم ما يسأل عنه وما لا يسأل عنه، وفيه علم فيماذا
يجمع الله بين عباده ثم يفصل بينهم في عين هذا الجمع فهم فيه مفصلون، وفيه علم من ادعى
أمراً طولب بالدليل على ما ادعاه إذا ادّعى ما يريد أن يؤثر به في أحوال العالم، وفيه علم
ما لا يقبل التقدم ولا التأخر من الأحوال، وفيه علم الحِجَاج، وفيه علم التقريب وإلى من
يكون القرب هل إلى كون أو إلى الله؟ وهل يصح القرب إلى الله أم لا، وهو أقرب إلى كل
إنسان من حبل الوريد كما قال تعالى؟ وفيه علم الأعراض، وفيه علم الفرق والتبرّي بين
الأرواح، وفيه علم ما يقال عند رؤية الدلالات، وفيه علم الأجر المعاد وإلحاق الشيء
بجنسه، وفيه علم من يدري ما يقول وما يقال له ومن لا يدري ما يقول وما يقال له من
ذلك، وفيه علم ردّ الأمور كلها حيرتها وإنابتها إلى الله وخيرها وشرها وأن الشر ليس إلى الله،
وفيه علم الإدراك الإلهي، وفيه علم ما لا يدرك مما يجوز أن يدرك، وفيه علم ما يمنع
الاحتلام بالرؤية، وفيه علم الموانع، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة
في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح في الصفات
وهو من حضرة الغيرة المحمدية من الاسم الودود
[البسيط]
فلا مقام له في الكَوْنِ يَخويهِ
إنّ المُكَمَّلَ لا تُزْسَى مَراسِيهِ
والله في كل حال فيه مجريه
ففُلْكُهُ سابحٌ والريحُ تُزْجِيهِ
فاعلمْ إذا قمت فيه من تُناجيهِ
وما لَهُ فَلَكٌ أعلى فيقطعه
أدناه خالقنا لا بدّ أدنيهِ
الكلّ لي وله على السّواء فمن
جَنَاحَ طيري فقُصْيِهِ وَقُصِيهِ
بالله يا أخْتَ مُوسى عَجِّلي وخُذي
اعلم أيدنا الله وإياك أن هذا المنزل من أعظم المنازل له الاسم الأوّل والآخر والظاهر
والباطن والخلق والأمر، يحوي على مقامات وأحوال لا يعرفها إلا القليل من الناس، عظم
الله مقداره وأعلى مناره، له زمام التكوين، وعنه ظهر وجود العالم الحق والعالم الأعلى
والأسفل ناظر إليه له الغيرة والصول والحجب، هو الغيب الذي يظهر منه ولا يظهر، يعطي
عالم الشهادة ويخفي عالم الغيب في الغيب، سلطانه قويّ لا يرام، ومقامه عزيز لا يضام نعته
النقص والكمال، وبصورته يظهر الليل والنهار، أوّل شيء أعطى الانقياد الإلهيّ الكوني:
[مجزوء الرمل]
عند رَبّ وعِبَادِ
فانقياد لانـقـــاد
من بَخيل وجوادٍ
بين مَنْع وعطاءٍ
الفتوحات المکیة ج٥ - م٢١

.
٣٢٢ في المنازل / الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
فـصَـلاحٌ لــصـلاح
واتّفاق لاتفاقٍ
وانْفِصَالٌ لانفصالٍ
وبياضِ لبياض
وبقاءً لبقاء
واقترابٌ لاقتراب
وسرير الاستواء
وحجابٌ لبغيض
ومحلّ قدتَهيَّا
من عُلوم بأمور
وعذابٌ في نعيم
يقطعان اللَّيْلَ ذكراً
يسألان الله أمناً
وفسادٌ لفَسَادِ
وعنادٌ لعِنَادٍ
واسْتِنادٌ لاستنادٍ
وسوادٌ لسوادٍ
ونَفَادٌ لبفادِ
وبعاد لبعادٍ
وسماء لمهَادٍ
وتَجَلُ لوِدَادِ
كل وقت لازديادِ
علمُها عينُ الرَّشَادِ
لمُريد ومُرادِ
بسُجود واجْتهادٍ
يوم إسماع المنادي
ولما رجح الله وجود الممكنات على عدمها لطلبها الترجيح من ذاتها كان ذلك انقياداً
من الحق لهذا الطلب الإمكانيّ وامتناناً فإنه تعالى الغنيّ عن العالمين، ولكن لما وصف نفسه
بأنه يحب أن تعرفه الممكنات بأنه لا يعرف، ومن شأن المحب الانقياد للمحبوب فما انقاد
في الحقيقة إلا لنفسه، والممكن حجاب على هذا الطلب الإلهيّ الذي طلبه حب العرفان به
من نفسه وتبعه ما طلبه الممكن من ترجيح الوجود على عدمه، فلما أوجده عرفه أنه ربه فعرفه
أنه ربه ما عرف منه غير ذلك، ولا يتمكن لغير الله أن يعرف الله من حيث ما يعرف الله نفسه،
ثم طلبه بالانقياد إليه فيما يأمره به وينهاه عنه فقال الممكن هذا مقام صعب لا أقدر عليه كما
أنك يا رب ما يبدّل القول لديك ولا يكون عنك إلا ما سبق به علمك، فمشيئتك واحدة
والاختيار المنسوب إليّ منك، فالذي تقبله ذاتي من الانقياد إليك أن أكون لك حيث تريد
لا حيث تأمر إلا إن وافق أمرك إرادتك فحينئذ أجمع بينهما وأكثر من هذا فما تعطي حقيقتي
إذا نسبتها إليك أنت القائل: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنُقِذُ مَن فِى النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩]
وهو أكرم المكلفين عليك، وهذا الحكم منك وعليك يعود، فما كان انقيادك إلا إليك، وأنا
صورة مماثلة للمحجوبين الذين لا يعرفونك معرفتي فيقولون: قد أجاب الحق سؤالنا وانقاد
إلينا فيما نريد منه، وأنت ما أجبت إلا نفسك وما تعلقت به إرادتك، فانقيادي أنا لنفسي، فإنه
لا يتمكن أن أطلبك لك وإنما أطلبك لنفسي، فلنفسي كان انقيادي لما دعوتني، وجعلت
حجاباً بيني وبين المحجوبين من خلقك الذين لا يعرفون فقالوا فلان أجاب أمر ربه حين دعاه
وما علموا أن الانقياد مني إنما كان لإرادتك لا لأمرك، فإنه ما يبدّل الحكم لديّ فإني ما أقبل
غير هذا قبول ذات وفيه سعادتي .
ثم إنك سبحانك نسبت لي ذلك وأثنيت عليّ به وأنت تعلم كيف كان الأمر فظهرت

٣٢٣
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
بأمر تشهد الحقيقة بخلافه فقلت: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]، والحقيقة من خلف
هذا الثناء تنادي لا يعصون الله ما أراد منهم وقرن الأمر منه بإرادته، فذلك هو الأمر الذي
لا يعصيه مخلوق وهو قوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] هذا هو الأمر الذي
لا يمكن للممكن المأمور به مخالفته لا الأمر بالأفعال والتروك يعرف ذلك العارفون من
عبادك ذوقاً وشهوداً، فإن أمرت الفعل المأمور به أن يتكوّن في هذا العبد المأمور بالفعل تكوّن
فتقول: هذا عبد طائع امتثل أمري وما بيده من ذلك شيء فالصمت حكم وقليل فاعله، فمن
تكلم بالله كانت الحجة له فإن الحجة البالغة لله، ومن تكلم بنفسه كان محجوباً، كما أن الحق
إذا تكلم بعبده كان كلامه ظاهراً بحيث يقتضيه مقام عبده، فإذا ردّ الجواب عليه عبده به
لا بنفسه وظهر حكمه على كلام ربه نادى الحق عليه وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً وإن قال
الحق، ولكن ما كل حق يحمد ولا كل ما ليس بحق يذم، فالأدباء يعرفون المواطن التي
يحمد فيها الحق فيأتون به فيها ويعرفون المواطن التي يحمد فيها ما ليس بحق فيأتون به فيها
مغالطة جزاء وفاقاً إلهياً، فمن عرف الانقياد الإلهيّ والكونيّ كما قرّرناه كان من العارفين،
ولكن فيه أسرار وآداب ينبغي للإنسان إذا تكلم في هذا المقام وأمثاله أن لا يغفل عن دقائقه
فإن فيه مكراً خفياً لا يشعر به إلا أهل العناية، ومن أراد العصمة من ذلك فلينظر إلى ما شرع
الله له وأتى على ألسنة رسله فيمشي معه حيث مشى ويقف عنده حيث وقف من غير مزيد،
وإن تناقضت الأمور وتصادمت فذلك له لا لك وقل لا أدري هكذا جاء الأمر من عنده
وارجع إليه ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١٤] فهذا قد أبنا عن المقام الأوّل.
وصل: وأما المقام الثاني الذي بيد اسمه المؤمن فإنه نتيجة عن الاسم المؤمن الكيانيّ
وهو المظهر له إذا كان بمعنى المصدق لا بمعنى معطي الأمان، فإن كان بمعنى معطي الأمان
فالاسم الإلهيّ المؤمن متقدم على المؤمن الكيانيّ فأعطاه الأمان في حال عدمه أنه لا يعدمه
إذا أوجده ولا يحول بينه وبين معرفته بوجوده واستناده إليه فأعطاه الأمان في ذلك كله، فمن
عرف ذلك لم يخف وكان من الآمنين: [الطويل]
ولولاه لم يَضْدُقْ وإن كان صَادِقًا
فَتَصْدِيقُ صِدْق الحَقّ مِنْ صِدْقِ کَوْنِهِ
هو الأصلُ فاسْبُزْها فإنّ الحقائقا
فلا تَنْظُر الأشياءَ من حيث إنه
فتُبْدي لكم فيها سَنّى وطرائقا
ويمشي بها حقّاً مُبيناً وخالقا
إذا كنتَ بالرحمن ربّاً ورازقا
تُريك أموراً لم تكن عالماً بها
فتُبْصِرُها بالنُّور من خلف ستره
فيدعوك من في الكون فَقْراً وحاجةً
صدق الممكن ربه فيما أخبره به من إعطاء الأمان من العدم إذا أوجده فصدقه الله في
صدقه وأجرى له الصدق في خلقه، فالمصدق والصديق ما هو الصادق إلا بنسبتين مختلفتين،
والخبر لا يكون أبداً إلا من الأول، والتصديق لا يكون أبداً إلا من الآخر، والأوّل والآخر
اسمان الله، فإذا أقام الله عبده في الأوّلية أعطاه الأخبار فأخبر وأقام الله نفسه في الاسم الآخر
فصدقه فيما أخبر به، وإذا أقام الله نفسه في الاسم الأول وأخبر أقام العبد في الاسم الآخر

٣٢٤ في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
فصدقه في خبره، فالصادق للأول أبداً والصديق للآخر أبداً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَقَ بِهْ أُوْلَبِّكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] المفلحون الباقون بهذا الحكم: [الطويل]
ولولا وُجُودُ الشَّفْعِ مَا ظَهَرَ الفَرْدُ
فلولا وُجُودُ القَوْلِ مَا صَدَقَ العَبْدُ
له الحكمُ في الأشياء والذمُّ والحَمْدُ
فجىء معه من حيث ما جاء فإنه
وإن كان عن قَصْدٍ فقد حَكَمَ القَصْدُ
فإن كان عن وَفْقٍ كما قال بعضُهم
وما قال بالأوفاق إلا مُخَلُّطْ
جَهُولٌ بنَعْتِ الحقّ بالقَبْلِ والبَعْدِ
فالصدق متعلقه الخبر ومحله الصادق، وليس بصفة لأصحاب الأدلة ولا للعلماء الذين
آمنوا بما أعطتهم الآيات والمعجزات من الدلالة على صدق دعواه فذلك علم والصدق نور
يظهر على قلب العبد يصدق به هذا المخبر ويكشف بذلك النور أنه صدق ويرجع عنه برجوع
المخبر، لأن النور يتبع المخبر حيث مشى، والصدق بالدليل ليس هذا حكمه إن رجع المخبر
لم يرجع لرجوعه، فهذا هو الفارق بين الرجلين، وهذه المسألة من أشكل المسائل في
الوجود، فإن الأحكام المشروعة أخبار إلهية يدخلها النسخ والتصديق يتبع الحكم فيثبته ما دام
المخبر يثبته ويرفعه ما دام المخبر يرفعه، ولا يتصف الحق بالبدا في ذلك وهو الذي جعل
بعض الطوائف ينكرون نسخ الأحكام. وأما الصادق فما أكذب نفسه في الخبر الأول وإنما
أخبر بثبوته وأخبر برفعه وهو صادق في الحالتين ولا تناقض، ولما كان من حقيقة الخبر
الإمكان لحكم الصفتين الصدق والكذب من حيث ما هو خبر لا من حيث النظر إلى من أخبر
به لذلك ميزنا بين القائل بصدق المخبر للدليل والقائل بصدقه للإيمان، فإن الإيمان كشف
نوري لا يقبل الشبه، وصاحب الدليل لا يقدر على عصمة نفسه من الدخل عليه في دليله
القادح فيرده هذا الدخل إلى محل النظر فلذلك عزّيناه عن الإيمان، فإن الإيمان لا يقبل
الزوال فإنه نور إلهي رقيب قائم على كل نفس بما كسبت ما هو نور شمسي كوكبي يطلع
ويغرب فيعقبه ظلام شك أو غيره، فمن عرف ما قلناه عرف مرتبة العلم من جهة الإيمان
ومرتبة العلم الحاصل عن الدليل، فإن الأصل الذي هو الحق ما علم الأشياء بالدليل وإنما
علمها بنفسه، والإنسان الكامل مخلوق على صورته فعلمه بالله إيمان نور وكشف ولذلك
يصفه بما لا تقبله الأدلة ويتأوله المؤمن به من حيث الدليل فينقصه من الإيمان بقدر ما نفاه
عنه دليله .
وصل: وفي هذا المنزل صمت العبد إذا كلمه الحق والحق يكلمه على الدوام، فالعبد
صامت مُضْغ على الدوام على جملة أحواله من حركة وسكون وقيام وقعود، فإن العبد
الممنوح السمع لكلام الحق لا يزال يسمع أمر الحق بالتكوين فيما يتكون فيه من الحالات
والهيئات، ولا يخلو هذا العبد ولا العالم نفساً واحداً من وجود التكوين فيه، فلا يزال سامعاً،
فلا يزال صامتاً، ولا يمكن أن يدخل معه في كلامه، فإذا سمعتم العبد يتكلم فذلك تكوين
الحق فيه، والعبد على أصله صامت واقف بين يديه تعالى، فما تقع الأسماع إلا على
تكوينات الحق فافهم فإن هذا من لباب المعرفة التي لا تحصل إلا لأهل الشهود: [الطويل]

٣٢٥
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
وما ثَمَّ إلا الله لا غير خَالِقُ
فما ثَمَّ إلا الصَّمْتُ والحَقُّ ناطقٌ
فيُشْهِدُنا تَكْوِينَهُ في شُهُودنا
تدلّ عليه في الوجود الحقائقُ
خلافَ الذي قلناه والله صادقٌ
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فَلْيَقُلْ
وصل: التقييد صفة تضيفها العقول والكشف إلى الممكنات وتقصرها العقول عليها
وتضيف الإطلاق إلى الحق وما علمت أن الإطلاق تقييد، فإن التقييد إنما أصله وسببه التمييز
حتى لا تختلط الحقائق، فالإطلاق تقييد فإنه قد تميز عن المقيد وتقيد بالإطلاق ولا سيما
وقد سمى نفسه حليماً لا يعجل فإمهاله العبد المستحق للأخذ إلى زمان الأخذ حبس عن
إرسال الأخذ في زمان الاستحقاق ولذلك سمى نفسه بالصبور، فما ثم إطلاق لا يكون فيه
تقييد لأن المقيد الذي هو الكون تميز عن إطلاقه بتقييده فقد قيده بالإطلاق وهو تجليه في كل
صورة وقبوله كل حكم ممكن من حيث إنه عين الوجود فقد قيدته أحكام الممكنات :
[الطويل]
فما ثَمّ إطلاقٌ يكون بلا قَيْدِ
فتقييدُه إطلاقُهُ مِن وَثَاقنا
فعَوْدٌ على بَذْءٍ وبدء على عَوْدِ
فمَنْ عَرَفَ الأشياءَ قال بقولنا
فَمِن مَكْرِهِ مَكري ومِنْ كَيْدِهِ گھدي
فحَاذِرْ وُجُودَ المَكْرِ إنْ كنتَ مؤمناً
قُوَى عَبْدِهِ الموصوفِ بالعِلْمِ والأَیْدِ
له قوّةُ المكر التي لا تَرَدُّها
وصل: الشدة نعت إلهي وكياني، قال موسى: ﴿أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِى﴾ [طه: ٣١] وَتلي بحضرة
أبي يزيد : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] فقال: بطشي أشد وذلك لخلو بطش العبد من
الرحمة الكونية وبطش الله ليس كذلك، فإن الرحمة الإلهية تصحبه وهو يعلمها، وكذا هي في
بطش العبد إلا أن العبد لا يشهدها ولا يجد لها أثراً في نفسه وإن كان يرحم نفسه بذلك
البطش ولكن لا يعلم والله عليم بكل شيء، فهو عليم بأن رحمته ﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[غافر: ٧] فوسعت بطشه وبطش الكون ولكن ما كل باطش يعلم ذلك ولما كان للعبد بطش من
حيث عينه وله بطش بربه وليس للرب في الحقيقة بطش بعبده فأضاف أبو يزيد بطش ربه إلى
بطشه فقال: بطشي أشد لأن فيه بطش ربي وما في بطش ربي بعباده بطشي، فإذا وصف الحق
نفسه بالشديد فهو ما يوجده من الأشياء بالأسباب الموضوعة في العالم فيعذب عباده بالنار،
فللنار حكم في العذاب مضاف إلى ما يوجده الله من الألم القائم بالمعذب وهو في الحجاب
عن الله، وليس للمعذب شهود إلا للأسباب، فبطشه بالعبد بمشاهدة الأسباب من كونه شديد
لا من كونه معذباً فالشدة تطلب الغير ولا بد وهذا لا يقدر أحد على إنكاره، فإن المشاهدة
لأسباب الآلام أعظم في العذاب ممن يجد الألم ولا يشهد سببه ولا سيما إن كان يعلم أنه
قادر على إزالة السبب: [الوافر]
دون أن يَبْدُو لعَيْنٍ شَخْصُ ظِلْ
ليس للشْدَّةِ حُكْمٌ مُسْتَقِلْ
ذلك الظلُّ الذي عنه انْفَعَلْ
فإذا أبْصَرَهُ يَبْهُرُهُ
فإذا غَيَّبَهُ عنه انْتَقَلْ
فهو لا يَبْرَحُ مِنْ شِدَّته

٣٢٦ في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
وصل: الخضوع عند تجلي الحق ومناجاته هو المحمود وما سوى هذا فهو مذموم،
ويلحق الذم بمن ظهر عليه إلا من يرى الحق في الأشياء كلها من الوجه الإلهي الذي لها ولكن
على ميزان محقق لا يتعداه، فإن الله قد وضع له ميزاناً عندنا في الأرض قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَآءَ
رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] فليصرفه بحسب وضع الحق، فهو وإن شهده في كل شيء
فما يريد تعالى أن يعامله بمعاملة واحدة في كل شيء بل يحمده في المواضع التي تطلب منه
المحامد ويقبل عليه ويعرض عنه في المواضع التي يطلب منه الإعراض عنه فيها فلا يتعدى
الميزان الذي يطلبه منه، وهذا المشهد المكر فيه خفي ولا مزيل له إلا العلم بالميزان الإلهي
المشروع، فمن عرفه ووقف عنده وتأدب بآداب الله التي أدب بها رسله فقد فاز وحاز درجة
العلم بالله قال تعالى معلماً ومؤدباً لمن عظم صفة الله على غير ميزان: ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ ﴿ أَن ◌ََّهُ
اْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَُّ يَزََّّ﴾ [عبس: ٣] يعني ذلك الجبار، وأن الله عند المنكسرة
قلوبهم أصحاب العاهات غيباً وهو في الجبابرة المتكبرين ظاهر عيناً ولظهور حكم أقوى،
وكان ◌َّله حريصاً على الناس أن يؤمنوا بوحدانية الله وإزالة العمى الذي كانوا عليه، فلما جاء
الأعمى في الظاهر البصير في الباطن فكان باطن الجبابرة ظاهر هذا الأعمى، فحصل في
النفس البشرية ما حصل، والنبي ◌َّ ليس له مشهود إلا صفة الحق حيث ظهرت من
الأكوان، فإذا رآها أعمل الحيلة في سلبها عن الكون الذي أخذها على غير ميزانها وظهر بها
،فَنْتَ لَمُ تَصَدَى﴾ [عبس: ٥، ٦] يقول :
في غير موطنها وهو وَلَ غيور فقيل له: ﴿أَمَّا مَنِ اُسْتَغْنَى
إنه لما شاهد صفة الحق وهي غناه عن العالم تصدى لها حرصاً منه أن يزكى من ظهر بها عنده
فقيل له: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّ﴾ [عبس: ٧] ولك ما نويت وحكمه لو تزكى لما فاتك شيء سواء
(ج)﴾ [عبس] لكونه أعمى
فَأَنْتَ عَنْهُ نَلَغَّى
تزكى أو لم يتزك ﴿وَمَّا مَن ◌َكَ يَسْعَىِّ {لَ وَهُوَ يَخْشَى
أي لا تتطير فنهاه عن الطيرة، فمن هنا كان يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة وهو الحظ من
المكروه، والفأل الحسن الحظ والنصيب من الخير. وقيل له أيضاً: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وانظر فيهم صفة الحق فإنها مطلوبك في الكون
فإني أدعو عبادي بالغداة والعشي وفي كل وقت أريد وجههم أي ذاتهم أن يسمعوا دعائي
فيرجعوا إليّ ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ﴾ فإنهم ظاهرون بصفتي كما عرفتك ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ
الدُّنيًّا﴾ فهذه الزينة أيضاً في هؤلاء وهي في الحياة الدنيا فهنا أيضاً مطلوبك ﴿وَلَا نُطِعْ﴾ فإنهم
طلبوا منه وَّر أن يجعل لهم مجلساً ينفردون به معه لا يحضره هؤلاء الأعبد ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ
عَن ذِكْرِنَا﴾ أي جعلنا قلبه في غلاف فحجبناه عن ذكرنا فإنه إن ذكرنا علم أن السيادة لنا وأنه
عبد فيزول عنه هذا الكبرياء التي ظهر بها التي عظمتها أنت لكونها صفتي وطمعت في إزالتها
عن ظاهرهم فإني أعلمتك أني قد طبعت على كل قلب متكبر جبار فلا يدخله كبر وإن ظهر به
﴿وَأَنَّبَعَ هَوَنُهُ﴾ أي غرضه الذي ظهر به ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] أي ما هو نصب عينيه
له وهو مشهود له لا يصرف نظره عنه إلى ما يقول له الحق على لسان رسوله وما يريده منه
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ زَّيَّكُمْ فَمَنْ شَآءَ﴾ الله أن يؤمن ﴿فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ﴾ [الكهف: ٢٩] الله أن يكفر

٣٢٧
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح
﴿فَلْيَكْفُرَّ﴾ فإنهم ما يشاؤون ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] فكان
رسول الله وَّ إذا أقبل عليه هؤلاء قال بَّر: ((مَرْحَباً بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِمْ رَبِّي)) ويمسك نفسه
معهم في المجلس حتى يكونوا هم الذين ينصرفون، ولم تزل هذه أخلاقه وَل# بعد ذلك إلى
أن مات، فما لقيه أحد بعد ذلك فحدثه إلا قام معه حتى يكون هو الذي ينصرف، وكذلك إذا
صافحه شخص لم يزل يده من يده حتى يكون الشخص هو الذي يزيلها، هكذا روينا من
أخلاقه وَالية: [الطويل]
إذا ظَهَرتْ فيه لذي العَيْنِ أُكْوَانُ
لرُؤْيتنا النَّعْت الإلهيّ ميزانُ
به عن رسول الله شَرِعٌ وقُرْآنُ
يعامله الحَبْرُ اللبيبُ بما أتَى
كما هو إيمانٌ كما هو إحسانُ
فذاك هو الإسلامُ فاعْمَلْ بحُكْمِهِ
وصل: أداء الحقوق نعت إلهيّ طولب به الكون، قال تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾
[طه: ٥٠] فذلك حق ذلك الشىء الذي له عند الله من حيث ذاته فهو حق ذاتي، والحق العرضي
الذي له عند الله هو قوله: ﴿أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فهذا حق على الله أوجبه على نفسه لمن
وفى بعهده، ومن لم يف فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة، فمن عباد
الله من يدخل الجنة بالاستحقاق، ومنهم من يدخلها بالمشيئة لا بالاستحقاق، كما أنه ثمّ من
يدخل النار بالاستحقاق وهم المجرمون خاصة وهم أهلها فلا يخرجون منها أبداً ولهذا يقال
لهم يوم القيامة: ﴿وَآَمْتَزُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] أي أهل الاستحقاق الذي يستحقون
سكنى هذه الدار، وما عدا المجرمين فإنهم وإن دخلوا النار فلا بد وأن يخرجوا منها بشفاعة
الشافعين أو بمنة الله عليهم وهم الذين ما عملوا خيراً قط، وإن كان المجرمون قد عملوا
خيراً، ولكن الاستحقاق يطلبهم بالإقامة فيها، فصورتهم صورة من يفعل ذلك بالخاصية،
فمن أعطى الحق من نفسه فما ترك عليه حجه لأحد، ومن زاد على الحق فذلك امتياز له وثناء
من الله خاص، وهذا نعت فيه بين أهل الله كلام فإنه في إعطاء الواجب عبد اضطرار، وفي
الامتنان عبد اختيار، فمن الناس من رجح مقام عبودية الاختيار على عبودية الاضطرار فإن
الاضطرار جبر فحكمه غير حكم المختار، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ.
مُظْمَئِنُّ بِآلْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦] وغير المكره إذا كفر أخذ بكفره، وأيّ شيء فعل جوزي
بفعله بخلاف المجبور، وما بقي النظر إلا في معرفة من هو المجبور المكره وما صفته، فإن
بعض العلماء لم يصح عنده الجبر والإكراه على الزنى فيؤاخذ به، فإن الآلة لا تقوم له إلا
بسريان الشهوة وحكمها فيه، وعندنا أنه مجبور في مثل هذا مكره على أن يريد الوقاع ولا
يظهر حكم إرادته إلا بالوقوع، ولا يكون الوقاع إلا بعد الانتشار ووجود الشهوة وحينئذ
يعصم نفسه من المكره له على ذلك المتوعد له بالقتل إن لم يفعل، فصح الإكراه في مثل
هذا بالباطن، بخلاف الكفر فإنه يقنع فيه بالظاهر وإن خالفه الباطن فالزاني يشتهي ويكره
تلك الشهوة فإنه مؤمن، ولولا أن الشهوة إرادة بالتذاذ لقلنا إنه غير مريد لما اشتهاه: [مخلع
البسيط]

٣٢٨ في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
غَيْرَ مُرِيدٍ لما اشْتَهَاهُ
مَنْ يَشْتَهي الأمر قَدْ نَرَاهُ
في ظاهر الأمر إذْ رآهُ
لكنه اضْطُرَّ فاشتهاهُ
يَنْفَعُهُ الله إذْ حَمَاهُ
فقل له يَخْتَمي عساهُ
عساه يَجري إلى مَدَاهُ
قد قلتُ قولاً إن كان حقّاً
ومن ذلك : [المتقارب]
على شَاهدٍ أو على غَائِبٍ
أداءُ الحقوق مِنَ الوَاجِبِ
يقوم بها قام بالواجبٍ
وما ثَمَّ إلا حقوقٌ فمَنْ
قِ دَعَتْهُ الشريعةُ بالغاصبِ
ومن لم يَقُمْ بأداءِ الحُقُو
وصل: الممكن إذا وجد لا بدّ من حافظ يحفظه عليه وجوده، وبذلك الحافظ بقاؤه في
الوجود كان ذلك الحافظ ما كان من الأكوان، فالحفظ خلق الله فلذلك نسب الحفظ إليه لأن
الأعيان القائمة بأنفسها قابلة للحفظ، بخلاف ما لا يقوم بنفسه من الممكنات فإنه لا يقبل
الحفظ ويقبل الوجود ولا يقبل البقاء فليس له من الوجود غير زمان وجوده ثم ينعدم، ومتعلق
الحفظ إنما هو الزمان الثاني الذي يلي زمان وجوده، فما زاد فالله حفيظ رقيب، والعين القائمة
بنفسها محفوظة مراقبة وحافظ الكون حفيظ زمان وجوده والحق مراقب بفتح القاف للعبد غير
محفوظ له فإنه لا يقبل أن يكون محفوظاً فإن الصمد الذي لا مثل له، ألا تراه قد قال لنبيه
عليه السلام ما يقوله لمن عبد غير الله ينبههم أن كل ما سوى الله من معبود يطلب بذاته من
يحفظ عليه بقاء وجوده فقال له يا محمد ﴿قُلْ أَغَيْرَ الَّهِ أَقَّخِذُ وَلِنَّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ
وَلَا يُطْعَمُّ﴾ [الأنعام: ١٤] وقد قرئ الثاني في الشاذ بفتح الياء، فكل موجود له بقاء في وجوده،
فلا بدّ من حافظ كيانيّ يحفظ عليه وجوده، وذلك الحافظ خلق الله وهو غذاء هذا المحفوظ
عليه الوجود فلا تزال عينه وإن تغيرت صورته ما دام الله يغذيه بما به بقاؤه من لطيف وكثيف
ومما يدرك ومما لا يدرك، فالسعيد من الحافظين هو من يرى أنه مجعول للحفظ قال تعالى :
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وليس هؤلاء من حفظة الوجود وإنما هؤلاء هم المراقبون
أفعال العباد، وإنما الحفظة العامة في قوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] فنكر فدخل
تحت هذا اللفظ حفظة الوجود وحفظة الأفعال: [الطويل]
فما هو إلا خلقه ما به الحفْظُ
إذا قُلْتُ إنّ الله يحفظُ خلقه
ودلَّ عليه من عبارتنا اللَّفْظُ
فهذا هو المعنى الذي قد قَصَدْتُهُ
سَيُرْدِيك إن حَقَّقْتَهُ ذلك اللَّفْظُ
فلا تَلْفُظَنَّ ما قُلْتُ فيه فإنه
وصل: القلم واللوح أوّل عالم التدين والتسطير وحقيقتهما ساريتان في جميع
الموجودات علواً وسفلاً ومعنى وحساً، وبهما حفظ الله العلم على العالم، ولهذا ورد في
الخبر عنه وَّ: ((قَيْدُوا العِلْمَ بِالكِتَابَةِ)) ومن هنا كتب الله التوراة بيده، ومن هذه الحضرة اتخذ
يَعْلَمُونَ مَا
رسول الله صلٍّ وجميع الرسل عليهم السلام كتاب الوحي وقال: ﴿كِرَامًا كَئِينَ
تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١١، ١٢] وقال: ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلََّ أَحْصَنَهَاً﴾

٣٢٩
.
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
[الكهف: ٤٩] وقال: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَّ إِمَامِ مُّبِينٍ﴾ [يسَ: ١٢] وقال: ﴿فِي كِتَبٍ تَكْنُونٍ﴾
(١٥) ﴾ [عبس: ١٣ - ١٥]
بِأَيْدِى سَفَرَقِ
تَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ
[الواقعة: ٧٨] وقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَّمَتٍ
وقال: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والكتب الضم، ومنه سميت الكتيبة كتيبة لانضمام
الأجناد بعضهم إلى بعض، وبانضمام الزوجين وقع النكاح في المعاني والأجسام فظهرت
النتائج في الأعيان، فمن حفظ عليها هذا الضم الخاص أفادته علوماً لم تكن عنده، ومن لم
يحفظ هذا الضم الخاص المفيد العلم لم يحصل على طائل وكان كلاماً غير مفيد: [الطويل]
وما كلُّ موجود يكون عن الضَّمِّ
إذا كان إنتاجٌ فلا بُدَّ مِنْ ضَمِّ
له الحُكْمُ فينا بالثَّعانق واللَّثْم
فمن كان دون اللَّوْحِ والقَلَمِ الذي
إلى لَوْحِهِ فالكونُ فِي رُتْبَةِ الكَمَّ
فلا بُدَّ من كَوْنٍ يكون بضَمِّه
وكُنْ منه في هذا الوجود على عِلْمٍ
وفي الكَيْفِ فانظرْ في الذي قد نَظَمْتُهُ
وصل: اعلم أن الله مجالس مع عباده وعددها على عدد ما فرض عليهم سبحانه مما
كلفهم به ابتداء، فلما سوّاها دعاهم إليها ليجالسوه فيها، فمن تخلف عن مجالسته فيها فقد
عصى دعوته، ولله مجالس تسمى مجالس الإيمان خيرهم في مجالسته فيها على وجه خاص،
فيجالسهم فيها إذا دخلوها من حيث دعاهم إليها فيجدون خيراً كثيراً فإن دخلوها لا من حيث
دعاهم إليها لم يجالسوه فيها ولا وجدوا فيها خيراً ولا شراً، وعدد هذه المجالس بعدد
ما أباح لهم في الشرع أن يتصرّفوا فيه مما لا أجر فيه ولا وزر، فإذا فعلوا المباح من حيث أن
الله تعالى أباحه لهم وهم مؤمنون بذلك حضر معهم بالإيمان، فهذا معنى قولي: ((من حيث
ما دعاهم إليها))، ولله مجالس في هذه المجالس التي أباح لهم الدخول فيها ليجالسوه إذا
جاؤوا إليها من حيث ما دعاهم إلى الدخول فيها، فإذا لم يأتوا إلى هذه المجالس التي في
مجالس الإباحة المعينة منها ولا جالسوا الحق فيها فقد عصوه، وكان حكمهم في ترك
مجالسته فيها حكم مجالس الفرائض، وأعني بالفرائض كل ما أذكره من فعل وترك حتى
يشمل الحظر والكراهة التي في مقابلة الندب، وعدد هذه المجالس بعدد ما أوجبوه على
أنفسهم بالنذر فأوجبه الله عليهم، وبعدد ما أمرهم به أولو الأمر منهم فأوجب الله عليهم
طاعتهم في ذلك، فإن لم يدخلوا هذه المجالس فقد عصوا، وإنما جعلنا هذه المجالس معينة
في مجالس الإباحة لأن النذر لا يكون إلا فيما أبيح له فعله، وخيره الحق فيه بين الفعل
والترك، وكذلك ما أمرهم به أولو الأمر منهم ما لهم أمر فيهم إلا بما أبيح لهم فعله
فيجالسهم الحق في هذه المجالس المعينة مجالسته لهم في مجالس الفرائض، ولله مجالس
أعدّها سبحانه لعباده تسمى مجالس نوافل الخيرات بينها وبين مجالس الإباحة الترجيح فإن
الإباحة ليس فيها ترجيح، وكما قلنا في كل ذلك من فعل وترك؛ وقرن تعالى محبته العالية
السامية لأهل مجالس الفرائض، وقرن محبة أخرى دون هذه المحبة لأهل مجالس نوافل
الخيرات، وعدد هذه المجالس بعدد النوافل، ولا تكون نافلة إلا ما كان له مثل في الفرائض
كصدقة التطوّع نافلة لأن لها أصلاً في الفرائض وهو الزكاة، وكذلك الحج والصيام والصلاة

٣٣٠
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
وكل فرض. ولله مجالس يجالس الحق فيها عباده تسمى مجالس السنن الكيانية وهو
قوله وَّ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةَ)) وتسمى في العامّة بدعة حسنة لأنها مبتدعة لمن سنها ما كتبها
الله علينا ولا أوجبها وعددها على عدد ما سنّ من ذلك وعدد من عمل بها، كل ذلك يكون
مجالسة الحق فيها مع من سنها من حيث لا يشعر، إلا أن يكشف الله له في سره بمجالسته
إياه بعدد كل عامل بها فيرى مجالسته غريبة وهو غير عامل لها في الوقت فيقال له: إن فلاناً
وفلاناً عملا بالخير الذي سننته فجالسناه فيه فجالسناك فأحمد فعلك فيشكر الله على ذلك.
ولكل مجلس باب عليه يكون الدخول إلى هذه المجالس، وعلى كل باب بوّاب وهو
الإيمان، ومن المجالس ما يكون عليها بوّابان الإيمان والنية، والأبواب ما هي غير الشروع
في ذلك العمل الذي هو بمنزلة الدخول، فالحال الذي يكون عليه أوّل الشروع الذي هو
الدخول ذلك هو الباب قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَتِهِمْ دَابِعُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] والمصلي يناجي
ربه والمناجاة ذكر وهو جليس من ذكره سبحانه، والدوام على مناجاته أن يكون العبد في
جميع أحواله وتصرّفاته مع الله كما هو في صلاته يناجيه في كل نفس، وسبب ذلك كونه لا بد
أن يكون على حال من الأحوال، ولا بد أن يكون للشارع وهو الله في ذلك الحال حكم أي
حكم كان وهو سبحانه حاضر مع أحكامه حيث كانت، فالمراتب تناجيه في كل حال محظور
وغير ومحظور، لأن الأفعال والتروك وهي أحوال العبد التي تعلقت بها أحكام الحق مقدّرة
فلا بد من وقوعها وهو سبحانه خالقها فلا بد من حضوره فيها فيناجيه هذا العبد الذي قد
عرف بحضور الحق معه في حاله فهذا هو الدوام على الصلاة، وقالت عائشة تخبر عن حال
رسول الله وَ﴾ ((أنه كان يذكر الله على كل أحيانه)) تشير إلى ما قلناه فإنه قد كان يأتي البراز
وهو ممنوع أن يذكر بلسانه ربه في تلك الحال، وقد كان من أحيانه يمازح العجوز والصغير
ويكلم الأعراب ويكون في هذه الأحيان كلها ذاكراً، وهذا هو الذي يقال فيه ذكر القلب
الخارج عن ذكر اللفظ وذكر الخيال، فمن ذكر الله بهذا الذكر فهو جليسه دائماً، وهو الذي
أثنى عليه ربه وألحقه بالذين هم على صلاتهم دائمون ولما فسر الله الصلاة ما فسرها إلا
بالذكر وهو التلاوة فقال: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: ((حَمدَني عَبْدي))،
فقسم المناجاة بينه وبين عبده، فالمناجاة هي عين الصلاة والمناجاة فعل فاعلين فيقول
ويقول؛ قال تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: [البسيط]
ممَّنْ يجالسُه ومَنْ يُنَاجِيهِ
إذا تَلَوْتَ كتابَ الله كُنْتَ به
تلاه صَلَّى وفيه بعضُ ما فِيهِ
فما الصلاةُ سوى الذّكْرِ الحكيم فمَنْ
بأنَّ فيه وذكرى ليس يَخويهِ
من أجْل فاتحة القرآن قلتُ لَكم
وليس كلُّ مُصَلٌ منه يَذْرِيهِ
فالحَمْدُ فَرْضُ المُصَلّي في قراءته
وصل: الرجوع الاختياريّ إلى الله يشكر عليه العبد قال عز وجل: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ
كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فإذا علمت هذا فارجع إليه مختاراً ولا ترجع إليه مضطراً فإنه لا بد من
رجوعك إليه، ولا بد أن تلقاه كارهاً كنت أو محباً فإنه يلقاك بصفتك لا يزيد عليها فانظر

٣٣١
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
لنفسك يا وليّ، قال رَله: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ الله لِقَاءَهُ»،
وأخبرنا في الكشف بالإخبار الإلهيّ المنفوث في الروع من الوجه الخاص فقيل لنا: من
استحى من لقاء الله آنسه الله وأزال خجله، وذلك أن العبد ما يجعله يستحي إلا ما ظهر به من
المخالفة أو التقصير عن حق الاستطاعة وما ثم غير هذين فأنس الحق في ذلك أن يقول له:
يا عبدي إنما كان ذلك بقضائي وقدري فأنت موضع جريان حكمي، فيأنس العبد بهذا القول،
فلو قال هذا القول العبد لله لأساء الأدب مع الله ولم يسمع منه وبهذا بعينه يؤنسه الحق، فهو
من جانب الحق في غاية الحسن، ومن جانب الخلق في غاية القبح، قال وَلهو: ((الحَيَاءُ خَيْرٌ
كُلُّهُ)) وقال: ((وَالحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إلاَّ بِخَيْرٍ)) وأي خير أعظم من هذا الخير أن يقيم الحق حجة
العبد أنساً له ومباسطة وإزالة خجل ورفع وجل، فسبحان اللطيف الخبير المنعم المتفضل.
ولما ورد عليّ هذا التعريف الإلهيّ لم يسعني وجود بل ضاق عني الوجود مما امتلأت
من هذا الخطاب والتعريف الإلهي حيث جعلني محلاً لخطابه وأهلني لما أهل له أهل
خصوصه، وقد علمنا أن لقاء الله لا يكون إلا بالموت وعلمنا معنى الموت فاستعجلنا في
الحياة الدنيا فمتنا في عين حياتنا عن جميع تصرّفاتنا وحركاتنا وإراداتنا، فلما ظهر الموت
علينا في حياتنا التي لا زوال لها عنا حيث كنا التي بها تسبح ذواتنا وجوارحنا وجميع أجزائنا
لقينا الله فلقينا فكان لنا حكم من يلقاه محباً للقائه، فإذا جاء الموت المعلوم في العامة
وانكشف عنا غطاء هذا الجسم لم يتغير علينا حال ولا زدنا يقيناً على ما كنا عليه فما ذقنا إلا
الموتة الأولى وهي التي متناها في حياتنا الدنيا فوقانا ربنا عذاب الجحيم فضلاً من ربك ﴿ذَلِكَ
هُوَ الْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]؛ قال علي رضي الله عنه: ((لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً))
فمن رجع إلى الله هذا الرجوع سعد وما أحس بالرجوع المحتوم الاضطراريّ فإنه ما جاءه إلا
وهو هناك عند الله، فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه أن نفسه التي هي عند الله يحال
بينها وبين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره فتبقى مع الحق على حالها وينقلب هذا الجسد
إلى أصله وهو التراب الذي منه نشأت ذاته فكان داراً رحل عنها ساكنها فأنزله الملك في مقعد
صدق عنده إلى يوم يبعثون ويكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال من كونه مع الحق
لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس، وهكذا في الحشر العام وفي الجنان التي هي مقره
ومسكنه وفي النشأة التي ينزل فيها فيرى نشأة مخلوقة على غير مثال تعطيه هذه النشأة في
ظهورها ما تعطيه نشأة الدنيا في باطنها وخيالها، فعلى ذلك الحكم يكون تصرف ظاهر النشأة
الآخرة فينعم بجميع ملكه في النفس الواحد، ولا يفقده شيء من ملكه من أزواج وغيرهن
دائماً ولا يفقدهم فهو فيهم بحيث يشتهي وهم فيه بحيث يشتهون، فإنها دار انفعال سريع
لا بطء فيه كباطن هذه النشأة الدنياوية في الخواطر التي لها سواء، فالإنسان في الآخرة
مقلوب النشأة فباطنه ثابت على صورة واحدة كظاهره هنا وظاهره سريع التحوّل في الصور
كباطنه هنا، وقال تعالى: ﴿أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ولما انقلبنا قلبنا فما زاد علينا
شيء مما كنا عليه فافهم، وهذا الرجوع المذكور في هذا الوصل ما هو رجوع التوبة فإنه

٣٣٢
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
لذلك الرجوع المسمى توبة حد خاص عند علماء الرسوم وعندنا، وهذا رجوع عام في كل
الأحوال التي يكون عليها الإنسان، فهذا الفرق بين الرجوعين فإن التوبة رجعة بندم وعزم على
أمر، وهذا ليس كذلك، فالتوبة في العموم معلومة، وهذا الرجوع في الخصوص معلوم
لا يناله إلا أهل الله الذين هم هم: [البسيط]
إليه عن كُلِّ كَوْنٍ فيه بالله
إنّ الرُّجُوعَ هو المطلوبُ لله
فليس في الكَوْن إلا هو وإلا هي
فلا تَقُولَنَّ للأشياء لست به
ولا تكن عن شهود الله بالسَّاهي
فكُنْ مع الله في الأحوال أجْمَعِهَا
بها يراك ولا يشهد سوى الله
فذي التقاسيم في أكواننا مَاهِي
فإن لله عَيْناً غَيْرَ نائمة
من أعْجَب الأمْرِ أن الأمْرَ واحدةٌ
وصل: العبودية ذلة مخصه خالصه ذاتية للعبد لا يكلف العبد القيام فيها فإنها عين
ذاته، فإذا قام بحقها كان قيامه عبادة، ولا يقوم بها إلا من يسكن الأرض الإلهية الواسعة
التي تسع الحدوث والقدم، فتلك أرض الله من سكن فيها تحقق بعبادة الله وأضافه الحق
إليه، قال تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] يعني
فيها ولي مذ عبدت الله فيها من سنة تسعين وخمسمائة وأنا اليوم في سنة خمس وثلاثين
وستمائة، ولهذه الأرض البقاء ما هي الأرض التي تقبل التبديل، ولهذا جعلها مسكن عباده
ومحل عبادته والعبد لا يزال عبداً أبداً فلا يزال في هذه الأرض أبداً وهي أرض معنوية
معقولة غير محسوسة، وإن ظهرت في الحس فكظهور تجلي الحق في الصور، وتجلي
المعاني في المحسوسات، ولا تظهر المعاني في الصور الحسية إلا لقصور بعض النفوس
عن إدراك ما ليس بمادة، فإذا كان متضلعاً من المعرفة بالله لم ير المعاني في موادّ ولا رأى
الموادّ في غير نفسها فأدرك كل شيء في شيئيته كانت ما كانت، وهذا هو الإدراك الذي
يعوّل عليه لأنه بريء من التلبيس، ولا يصح بوجه من الوجوه أن يشهد الإنسان محض
عبوديته ولا يقام في عبادته المحضة التي لا يخالطها شيء من الربوبية التي تعطيه الصورة
التي خالق عليها إلا عن تجل إلهي، فإذا لم يكن تجل فإن الإنسان يقام في الصورة التي
خلق عليها فيكون عبداً رباً مالكاً مملوكاً مثل العامة سواء، غير أن الفارق بينه وبين العامة
أنه للعامة اعتقاد ولعلماء الرسوم علم، ولهذه الطائفة شهود وهو العبد الممتزج الظاهر
بالحقيقتين، وما يتخلص من هذا المزج إلا أهل العناية الذي يعمرون هذه الأرض الواسعة
التي لا نهاية لها، وكل أرض سواها فمحدودة ليس لها هذا الحكم ولهذا أربابها كثيرون،
فإن لكل عبد فيها ملكاً يملكه ويتصرّف فيه فلا يتعدى غيره عليه، وبنفس ما يملك منها
كان مالكاً ورباً فيها، وهذه الأرض الواسعة هي المتصرفة في سكانها الحاكمة عليهم بذاتها
وهي مجلى الربوبية ومنصة المالك الحق وفيها يرونه، فمن كان من أهلها حيل بينه وبين
الصورة التي خلق عليها، فكان عبداً محضاً شاهداً يشاهد الحق فى عين ذاته، فالشهود له
دائم والحكم له لازم، وهؤلاء هم المسؤّدون الوجه في الدنيا والآخرة. إذا علمت ذلك

٣٣٣
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
فالرب رب والعبد عبد، فلا تغالط ولا تخالط: [المديد]
فاعْبُدُوا فيها الذي هِيَ لَهْ
إنّ أرْضَ الله واسعةٌ
بالذي تَرْجونَه أمَلَهُ
بَلُغُوهُ في عبادتكم
لكَ من نَعْتٍ فما هولَةْ
فالذي له لكُمُ والذي
أنه أقامكم مَثَلَهْ
وإذا ما قال لست هنا
أرضه فاسْلُكْ بها سُبْلَةْ
ذلكم مَعْنَى الخلافة في
في الذي أقامَكُمْ بَدَلَه
ولْتَقُمْ بِعَيْنِ صُورَتِهِ
بالذي أراكُمُ عَمَلَهْ
واعمَلُوا في كل آونة
وصل: الانتقالات في الأحوال من أثر كونه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] والعالم
كله على الصورة وليس هو غير الشؤون التي تظهر بها، ولا يشهد هذا الأمر كشفاً إلا أصحاب
الأحوال، ولا يشهد هذا حالاً إلا أهل السياحات، ولا يشهده علماً إلا القائلون بتجدد
الأعراض في كل زمان، فإن من عباد الله من لا يعرف بمكان إلا انتقل عنه إلى مكان غيرة منه
على الله وعلى نفسه، فأما غيرته على الله فإنه لا يعرف إلا به فحاله هو الذي يظهره الحق لهم
فيغار على الجناب الإلهيّ حيث لا يذكر الله إلا به، وينبغي في نفس الأمر أن لا يذكروا الله
إلا بالله، فلما رأوا أن الأمر ظهر بالعكس وهو قوله عليه السلام حين قيل له: من أولياء الله؟
قال: ((الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله)) فغاروا من هذا وأرادوا احترام الجناب الإلهي حتى يذكروه
ابتداء لا بسبب رؤيتهم، وأما غيرتهم على نفوسهم فإنهم ما تحققوا بالحق في تقلباتهم
لمشاهدتهم شؤون الحق إلا حتى لا يعرفهم الخلق كما لا يعرفون الحق، فما داموا يجهلون
في العالم طاب عيشهم وعلموا أن الله قد جعلهم أخفياء أبرياء مصانين في الكنف الأحمى من
جملة ضنائنه، فمتى ما عرفوا انتقلوا إما بالحال وهو التصرف بحكم العادات التي هي مثل
الآيات المعتادة فلا يعرفها إلا الذين يعقلون عن الله، وإما بالانتقال الحسي المكاني من مكان
إلى مكان لتحققهم بالحق في نزوله من سماء إلى سماء، فمن أراد أن يتمتع بوجود هذا
الصنف ومشاهدته ويستفيد منه من حيث لا يشعر فلا يظهر له أنه يعرفه ويظهر العزة عليه
والاستغناء عنه ويصحبه صحبة عادة العامة ولا تبدو منه كلمة لا يرضاها الله فإنه لا يحتملها
صاحب هذا الحال وينفر منه كما ينفر ممن يعلمه فلا يعامله إلا بواجب أو مندوب أو مباح
خاصة، هكذا يقتضي حالهم : [مخلع البسيط]
أقامَهُ الحَقُّ في فُنُونِهْ
مَنْ شَهِدَ الحَقَّ في شُؤُونه
أَشْهَدَهُ ذلك من مبينة
فهو عليمٌ بكلّ شيء
يظهر في الكون من جُفُونِه
فإنما ذاك من عُيُونه
عيناً وحَقّاً إلى يَقينِه
كما أراه على شُؤُونِه
فهو الإمامُ الذِي سَنَاهُ
فكلّ شيءٍ تَرَاهُ عَيْناً
تَفَجَّرَتْ في القُلوب علماً
سبحان مَنْ لا يَرَاه غَيْري

٣٣٤
في المنازل / الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
وصل: الحالة البرزخية لا يقام فيها إلا من عظم حرمات الله وشعائر الله من عباده وهم
أهل العظمة، وما لقيت أحداً من هذا الصنف إلا واحداً بالموصل من أهل حديثة الموصل
كان له هذا المقام، ووقعت له واقعة مشكلة ولم يجد من يخلصه منها، فلما سمع بنا جاء به
إلينا من كان يعتقد فيه وهو الفقيه نجم الدين محمد بن شائي الموصلي فعرض علينا واقعته
فخلصناه منها فسرّ بذلك وثلج صدره واتخذناه صاحباً وكان من أهل هذا المقام، وما زلت
أسعى في نقلته منه إلى ما هو أعلى مع بقائه على حاله، فإن النقلة في المقامات ما هي بأن
تترك المقام وإنما هو بأن تحصل ما هو أعلى منه من غير مفارقة للمقام الذي تكون فيه، فهو
انتقال إلى كذا لا من كذا بل مع كذا، فهكذا انتقال أهل الله، وهكذا الانتقال في المعاني
لا يلزم من انتقل من علم إلى علم أن يجهل العلم الذي كان عليه، بل لا يزال معه إذا كان
عالماً، وصاحب هذا الحال بين الله وبين نفسه فهو ناظر إلى نفسه ليرى ربه منها أو فيها، فإذا
لم يبد له مطلوبه صرف النظر بالحال إلى ربه ليرى في رؤية نفسه، فإذا رآه الحق على ذلك
جاءه الاسم الغيور فخاف عليه أن يناله فردّه إلى رؤية نفسه وأشهده في نفسه ربه وهو المقام
الذي يأتي عقيب هذا إن شاء الله: [السريع]
ثلاثةً أعلامُها تَشْهَدُ
مِنْ حَالةِ البَرْزَخِ أَنْ يَشْهَدَا
وأنّه بعِلْمها السَّيِّدُ
بأنه حَصَّل أغَّيَانَها
أعْلَمَهُ بحاله المشهدُ
يحكمُ في ذاك وذا بالذي
فهو الإمامُ المُرْتَضَى والذي
فهو الذي يُسْجَدُ مِنْ أجله
له جِبَاهٌ للَّهَى تَسْجُدُ
وهو الذي يسجد والمسجدُ
وصل: من شهد نفسه شهود حقيقة رآها ظلاً أزلياً لمن هي على صورته فلم يقم مقامه
لأن المنفعل لا يقوم مقام فاعله، فلا تسجد الظلال إلا لسجود من ظهرت عنه، فالظلال
لا أثر لها بل هي المؤثر فيها، وكل منفعل ففاعله أعلى منه في الرتبة، فلا تشهد الأشياء إلا
بمراتبها لا بأعيانها، فإنه لا فرق بين الملك والسوقة في الإنسانية، فما تميز العالم إلا
بالمراتب، وما شرف بعضه على بعضه إلا بها، ومن علم أن الشرف للرتب لا لعينه لم يغالط
نفسه في أنه أشرف من غيره، وإن كان يقول: إن هذه الرتبة أشرف من هذه الرتبة، وهذا مقام
العقلاء العارفين، يقول رسول الله وَلّر كثيراً في هذا المقام في حق نفسه وتعليماً لنا: ﴿إِنَّمَا
أَنَأْ بَشَرٌّ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] فلم ير لنفسه فضلاً علينا، ثم ذكر المرتبة وهي قوله: ﴿يُوحَىّ
إِلَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ولا خلاف بين العقلاء أنه من تعاظم في نفسه بشرف غيره أنه أخرق جاهل
إذ لم يكن شرفه بنفسه والأمر ليس كذلك، فالعاقل الحاضر الشهيد لا يرى لنفسه شرفاً يفتخر
به على أمثاله، ألا تراه وَ له أنه قال: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا فَخْر)) فنفى أن يقصد بذلك
الفخر، ثم ذكر الرتبة التي لها الفخر الذي هو ◌َّ مترجم عنها وناطق بلسانها فذكر رتبة
الشفاعة والمقام المحمود، فالفخر للرتبة لا لنا، فما هلك امرؤ عرف قدره، ولنا بحمد الله
في هذا المقام القدم الراسخة والمراتب نسب عدمية، فلا فخر بالذات إلا لله وحده، وإذا كان

٣٣٥
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
الفخر فينا للرتب والرتب نسب عدمية فما فخرنا إلا بالعدم وناهيك ممن فخره بالعدم:
[المتقارب]
فأنْتَ المرادُ وأنْتَ الإمامْ
فإنْ كُنْتَ تَعْقِلُ مَا قُلْتُهُ
فأنت الجَهُولَ الذي لا يرام
وإن كُنْتَ تجهلُ ما قلتُه
وللجَهْلِ فينا حجابُ الظلامُ
فللعِلْم فينا حجابُ السَّنَا
ستَعْلَمُ ذلك عند الحِمَامْ
فقُلْ للَجهولِ بأحواله
غطاءً فلاحتْ بُدُورُ الثَّمَامُ
إذا كَشَفَ الله عن عينه
وصل: الأمر الإلهيّ نافذ في المأمور لا يتوقف لأمره مأموره، فإذا ورد الأمر الإلهيّ
على لسان الكون ظهر في الأمثال فاعتزت النفوس أن تكون تتصرّف تحت أوامر أمثالها فردت
أوامر الحق إما على جهالة بأنها أوامر الحق، وإما على علم بأنها أوامر الحق لكن أثرت فيها
الواسطة لأن المحل يرد الحال فيه إلى صورته كالماء في الأوعية، إلا أن المأمور إذا كان على
بينة من ربه أبصر المأمور به ليس في قدرته إيجاد عينه إلا أن يتعلق به الأمر الإلهيّ الذي له
النفوذ فيهيىء محله لوجود المأمور به عند إيجاد الحق إياه، فإذا هيأ محله أوجده الحق فيقال
في المحل: إنه عبد طائع لله فيما أمره به ولسان الحال والكشف يقول: ليس لك من الأمر
شيء، وإذا لم يهيىء محله لوجود المأمور به لم يظهر للمأمور به عين فقيل: عبد عاص أمر
ربه مخالف، ولسان الحال والكشف يقول له: ليس لك من الأمر شيء وسواء كان الواسطة
يأمر أو يتكلم بلسان حق أو بغير لسان حق، فإن هذه مسألة قد فشت في العامة وهي مبنية
على أصل فاسد فيقولون في المذكرين إذا لم يؤثروا في السامعين أنه لو خرج الكلام من
القلب لوقع في القلب، وإذا كان من اللسان لم يعد الآذان، ويشيرون بذلك إلى المذكر لو
كان صادقاً فيما يدعو به الناس إلى الله لأثر، ومعلوم أن الأنبياء والرسل عليهم السلام
صادقون في أحوالهم بل هم أصدق الدعاة إلى الله، ثم إنهم يدعون على بصيرة إلى الله بصورة
ما أوحى به إليهم فهم صادقون بكل وجه، ومع هذا يقول نوح عليه السلام: ﴿إِنِّ دَعَوْتُ قَوْمِى
لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُرْ دُعَاءِىّ إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦، ٧] وقال: ﴿فَلَمَّا جََّهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢] يعني دعاء
الحق على لسان الرسول وَلَ﴿ ﴿مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] استكباراً في الأرض، فلا تغالط
نفسك وانظر فيما دعيت إليه، فإن كان حقاً ولو كان من شيطان فاقبله فإنك إنما تقبل الحق
ولا تبال من جاء به، هذا مطلب الرجال الذين يعرفون الأشياء بالحق ما يعرفون الحق
بالأشياء، وأصحاب هذا الوصف هم العارفون بالموازين الإلهية المعرفة التامة وهم قليلون في
العالم إلى وقتي هذا ما رأيت منهم واحداً، وإن كنت رأيته فما رأيته في حال تصرّفه في هذا
المقام وهم حكماء هذا الطريق ناطقون بالله عن الله ما أمرهم به الله: [المتقارب]
عليه قُلُوبٌ لها عَاكِفَهُ
فللَّه من خَلْقِهِ طَائِفَهُ
مِنَ أحْوَالِهِمْ صِفَةٌ صِارقَهُ
وليست لهم في الذي قد دَعا
يراها على بابه وَاقِفَهْ
إذا ما دَعَاها بأنْفاسها

٣٣٦ في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
بمَنْ قد دعاها له عَارِفَهْ
تُبّادِرُ للأمْرٍ مِنْ كَوْنها
وصل: إذا أضيف حكم من أحكام الوجود إلى غير الله أنكره أهل الشهود خاصة وهم
الذين لا يشهدون شيئاً ولا يرونه إلا رأوا الله قبله كما قال الصديق عن نفسه. وأما العلماء فهم
في هذا المقام على حكم الحق فيه لا على ما يشهدونه، فينكرون النكرة ويعرفون المعرفة،
إذ كان الوجود مبناه على المعرفة وهو الأصل، فلما جاءت الأمثال والأشباه ظهر التنكير
فافتقرنا إلى البدل والنعت وعطف البيان، ولولا الأمثال وحصول التنكير ما احتجنا إلى شيء،
وليست الحدود الذاتية للأشياء تقوى قوّة النعوت، فإن الحدود الذاتية مثلاً للإنسان بما هو
إنسان لا تميز زيداً عن عمرو، فلا بد من زيادة يقع بها تعريف هذا التنكير لو قلت: جاءني
إنسان لم يعرف من هو حتى تقول فلان فإن كان في حضرة التنكير نعته أو أبدلت منه أو عرّفته
بعطف البيان حتى تقيمه في حضرة التعريف ليعرف المخبر به من أردت، وهذا مقام لم يتحقق
به أحد مثل الملامية من أهل الله وهم سادات هذا الطريق، ومن الناس من ينكر على الحق
لا على جهة الاعتراض عليه، وإنما يطلب بذلك أن يعلم ما هو الأمر عليه الذي جهله
بالتعريف الإلهيّ الذي ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:
٤٢] على ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [قَ: ٣٧] ومن هذا المقام قولي:
[السريع]
قلتُ لمن يخلقُ ما يخلقُ
فقال لي إن المَحَلَّ الذي
ما يقبلُ التكوينَ إلا كذا
ما العينُ إلا واحدٌ دائمٌ
أَجَدِدُ التكوينَ في عينه
خَلْفَ حِجَابٍ المثل أبصارُهم
فاسْتَنشِقِ العَرْفَ من أعراضهم
فانْظُرْ إلى مُوجِدِ أعيانهم
فكلُّ ما يُرَى منه بناؤه
أرواحُهم غذاءُ أشباحهم
ما لكَ لا تُبْقي الذي تخلقُ
أخلقُهُ في نفسه ضَيْقُ
فاسْكُتْ فإنّ البَابَ لا يُغْلَقُ
فلا تُبَّالي أنه مُطْلَقُ
والناسُ في لَبْسٍ فلا تنطقُ
لذلك الوَهْمُ لهم يَسْبقُ
فإنها المِسْكُ الذي يعبقُ
ما هو غير هكذا حَقّقُوا
من صُورةٍ في ذاتنا تعلّقُ
ورُوحهم من ثمري تَغْلَقُ
وصل: الحدود الذاتية الإلهية التي يتميز بها الحق من الخلق لا يعلمها إلا أهل الرؤية
لا أهل المشاهدة ولا غيرهم ولا تعلم بالخبر، لكن قد تعلم بعلم ضروري يعطيه الله من يشاء
من عباده لا يلحق بالخبر الإلهي، وما ثم أمر لا يدرك من جهة الخبر الإلهيّ إلا هذا، وما
عدا هذا فلا يعلم إلا بالخبر الإلهي أو العلم الضروري لا غير، فحدود الموجودات على
اختلافها هي حدود الممكنات من حيث أحكامها في العين الوجودية، وحد العين الوجودية
الذاتي ليس إلا عين كونها موجودة، فوجودها عين حقيقتها إذ ليس لمعلوم وجود أصلاً،
وغاية العارفين أن يجعلوا حدود الكون بأسره هو الحد الذاتي لواجب الوجود، والعلماء بالله

٣٣٧
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
فوق هذا الكشف والمشهد كما ذكرناه قبل، وهم رضي الله عنهم يحافظون على هذا المقام
لسرعة تفلته من قلوبهم، فإنه من لم تستصحبه الرؤية دائماً مع الأنفاس فإنه لا يكون من
هؤلاء الرجال، وهذا مقام من يقول: ما رأيت إلا الله، فإن قيل له: فمن الرائي؟ قال: هو،
فإن قيل له: فمن القائل؟ قال: هو، فإن قيل له: فمن السائل؟ قال: هو، فإن قيل له فكيف
الأمر؟ قال: نسب تظهر فيه منه له، فما ثم في ثم إلا هو وهو عين ثم، وهذا هو مشهد أبي
يزيد البسطامي رضي الله عنه بالحال: [الرمل]
بوجودي وبها قد عُرفَا
إن الله حُدُوداً عُرفَتْ
مثل ما شاهَدْتُها ما انْصَرَفَا
لو يراها أحدٌ من خَلْقِه
لم يزل بربه مُتَّصِفَا
لا يرى ما قلتُه إلا الذي
بوجودي أو حكيماً مُنْصِفًا
أو عليماً عن دليلٍ قاطعٍ
وممن عرف الحق من كان الحق سمعه وبصره وجميع قواه، فمن قواه العلم بالأمور
والحق تلك القوّة والعبد موصوف بها فهو موصوف بالحق والحق يعلم نفسه، فهذا العبد عالم
به من حيث ما هو الحق عين صفته فما علمه إلا به، ومن له هذا المقام من العلم بالله فلا
يجاريه أحد في علمه بالله، فهذا هو العالم بالحد الذاتي الذي لا ينقال.
وصل: رأيت بقونية في مشهد من المشاهد شخصاً إلهياً يقال له سقيط الرفرف ابن
ساقط العرش، ورأيت بفاس شخصاً يوقد في الأتون ممن سقط وصحبته وانتفع بنا، فإن
جماعة من أهل الله يعرضون عن الساقطين، وسبب ذلك أنهم ما بلغوا من معرفة الله بحيث
أنهم يرونه عين كل شيء، فلما حصروه صار عندهم كل من سقط من ذلك المقام الإلهيّ
الذي عينوه أعرضوا عنه لبعده عندهم من الله تعالى، والعلماء بالله لهم حالة الإعراض عن
هؤلاء لأنهم في حال الثبوت وحال السقوط ما خرجوا عن المقام الإلهيّ وإن خرجوا عن
المقام السعادي فلا أثر للسقوط عندهم فهم مقبلون على كل ساقط قبول رحمة أو قبول علم
ومعرفة، لأنهم علموا أين حصل لما سقط أو من هو الذي سقط، وقد رفع الله المؤاخذة عنهم
وعمن كانوا عنده، وهذا من أعظم العناية لمن عقل عن الله بهم وهم لا يشعرون ولا يشعر
بهم إلا العلماء بالله قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وهي ما تسقط إلا من
خشية الله كما قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] والهبوط سقوط بسرعة عن
غير اختيار والجبر الأصل فهذا حكم الأصل قد ظهر في الساقطين: [المتقارب]
وكان السُّقُوطُ على وَجْهِهِ
إذا سَقَطَ النَّجْمُ مِنْ أوْجِهِ
تَدَلَّى إلى السّفل من كُنْهِهِ
فما كان إلا ليدري إذا
كما يُعرَفُ الشّبْهُ من شِبْهِهِ
فَيَعْرِفُ من نَفْسِهِ رَبَّهُ
وصل: وأما رجال الله الذي يحفظون نفوسهم من حكم سلطان الغفلة الحائلة بينهم
وبين ما أمروا به من المراقبة فهم قسمان: قسم له الإطلاق في الحفظ كإطلاق حكم الشرع
في أفعال المكلف، وقسم له التقييد في الحفظ ظاهراً لا باطناً، فأما أهل الإطلاق فمنهم من
الفتوحات المكية ج٥ - م٢٢

٣٣٨ في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
يحافظ على ما عين الحق له منه أنه وسعه وهو القلب، ومنهم من يحافظ على ملازمة
الحجاب الذي يعلم أن الحق وراءه فيكون له كالحاجب في العالم ينفذ أوامره وهذه حالة
القطب، فليس له من الله إلا صفة الخطاب لا الشهود لأنه صاحب الديوان الإلهي فلا يكون
إلا من وراء حجاب إلى أن يموت، فإذا مات لقي الله وهو مسؤول عن العالم والعالم مسؤول
عنه، وهذا هو مقام الرسل صلوات الله عليهم أجمعين وشركهم في هذا المقام من يحافظ
على الصلوات في الجماعات إذا قدر عليها وعلى كثرة النوافل منها ليلاً ونهاراً ولما علموا أن
الله ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيُّطُ﴾ [سبأ: ٢١] وهم من الأشياء وهم الذين ادعوا أنهم أهل الصورة
المثلية لزمهم أن يقوموا في هذه الصفة فيصدق عليهم اسم الحفيظ على كل شيء فيحفظوا
ما خصص الله به نفسه في ملكه من الحقوق التي له أن ينازعه فيها أحد من عالمهم وينوب
عن العالم بأسره فيما فيه مصالحهم لما هو العالم عليه من الغفلة والجهل، فبالجهل لا يعرف
مصالحه من غير مصالحه، وبالغفلة يغفل عن مصالحه وإن كان يعرفها إذا نبه لها، فيكون هذا
العبد الحفيظ على كل شيء مستحقاً هذا الاسم ولما علم أن عليه من الله حافظاً يكتب
ما يعمله من أفعاله حفظ ما يملى عليه حتى يقع لصحيفته ميز على سائر الصحف إذا رفعت
إلى الله، هذا شأن القوم، وأما أنا فأقول: [الخفيف]
إنَّما يحفظُ الوُجُودَ الحَفِيظُ
قل لمَنْ يحفظُ الأُمُورَ عليه
وأتى للذي أتاهُ يغيظُ
ولهذا إذا الحفيظةُ جاءت
قام فَرْداً فزاحَمَتْهُ أمورٌ
فيُرَى لازدحامهنّ كَظِيظُ
هو قَلْبُ فَظْ عليه غَلِيظُ
قُلْتُ من زاحم الأمور فقالوا
ولما رأيت ما ينبغي لله وما ينبغي للعبد، ورأيت ما حجب الله به عباده المنسوبين إليه
من حيث إنه جعل لهم في قلوبهم أنهم يعتقدون أن لهم أسماء حقيقة وأن الحق تعالى قد
زاحمهم فيها وحجبهم عن العلم بأن تلك الأسماء أسماؤه تعالى زاحموه بالتخلق بالأسماء
الإلهية وقابلوا مزاحمة بمزاحمة وما تفطنوا لما لم يزاحمهم فيه من الذلة والافتقار الذي نبه
لأبي يزيد عليها ولنا اعتناء من الله فهذه أسماؤهم لا ما ادعوها فزاحموه فيما تخيلوه من
الأسماء أنها لهم وهم لا يشعرون، ولقد كنت مثلهم في ذلك قبل أن يمنّ الله عليّ بما من به
علي من معرفته، فعلمني أن الأسماء أسماؤه وأنه لا بدّ من إطلاقها علينا فأطلقناها ضرورة
لا اعتقاداً وأطلقتها أنا ومن خصه الله بهذا العلم على الله اعتقاداً وأطلقها غيرنا اضطراراً إيمانياً
لكون الشرع ورد بها لا اعتقاداً فحفظنا عليه ما هو له حين لم يحفظه ومكر بعباده وفي ذلك
قلت : [البسيط]
ضاهاه قلبي ولكن عِزُّهُ مَنَعَا
فلو يُضَاهيهِ خَلْقٌ مِنْ بَرِيَّتِهِ
فما أجاب ولا أضغَى ولا سَمِعَا
فقلتُ للقلب لا تحجب بصورته
دعاه قلبي فلبَّاهُ بحاجته
لو أن قلبي يدري ما أقول له
فِعِزُّهُ قولُه لَبَّيْكَ حين دَعًا
في مثل ما يبتغيه منه ما طَمِعًا

٣٣٩
في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح.
فعندما جاء ما أغناه قال دعا
لكنه جاهلٌ بالأصل مُبْتَئِسٌ
فمن حفظ على نفسه ذله وافتقاره وحفظ على الله أسماءه كلها التي وصف بها نفسه
والتي أعطى في الكشف أنها له فقد أنصف فاتصف بأنه على كل شيء حفيظ .
وصل: ولما فتح الله باب الرحمتين وبان الصبح بهما لذي عينين أوقف الحق من عباده
من شاء بين يديه وخاطبه مخبراً بما له وعليه وقال له إن لم تتق الله جهلته وإن اتقيته كنت به
أجهل، ولا بد لك من إحدى الخصلتين، فلهذا خلقت لك الغفلة حتى تتعرى عن حكم
الضدين والنسيان لأنه بدون الغفلة يظهر حكم أحدهما فاشكر الله على الغفلة والنسيان، ثم
قيل له: احذر من أهل الستور أن يستدرجوك إليها فإنهم أهل خداع ومكر أيكون الستر على
من هو منك أقرب من حبل الوريد فما استتر عنك إلا بك فأنت عين ستره عليك فلو رأيت
باطنك رأيته، وكذلك ذو الوجهين فإن له وجهاً معك ووجهاً معه فيحيرك فاحذره كما تحذر
الحجاب فهم جعلوا أنفسهم حجاباً ما أنا اتخذتهم حجبة، فإذا رأيت من يدعوك إليّ فيك
فأولئك حجتي فاصغ إليهم فإنهم نصحوك وصدقوك، ثم قيل له: لم يتسم الله بالحكيم إلا من
أجلك وتسمى بالعليم من أجلك ومن أجله فقد خصك بأمر ليس له وهو لك، فأنت أعظم
إحاطة في الصفات منه لأنه كل ما له لك فيه اشتراك، فما اختص بشيء دونك وهو كماله
الذي ينبغي له، واختصصت أنت بأمر ليس له وهو كمالك الذي ينبغي لك ولا ينبغي له، فما
ثم إلا كمال في كمال، ثم قيل له: اتبع الخبر ولا تتبع النظر المعرّى عن الخبر فإن الله
ما تسمى بالخبير إلا لهذا، ثم قيل له: اعتمد عليه تعالى في وكالتك واحذر أن تكون له
وكيلاً، ثم قيل له: أنت قلب العالم وهو قلبك فشرفك به وشرف العالم بك. ثم قيل له:
لا تجهل من أنت له وهو لك مثل من أنت منه وما هو منك كما لا تجعل من هو منك من
أنت منه واجر مع الحقائق على ما هي عليه في أنفسها، فإن لم تفعل وقلت خلاف هذا
تكذبك مشاهدة الحقائق فتكون من الكاذبين، وهذا هو قول الزور لأنه قول مال بصاحبه عن
الحق الذي هو الأمر عليه وزال عن العدل، ثم قيل له: ليكن مشهودك ما تقصده حتى تعرف
ما تقصد فإن اجتهدت وأخطأت بعد الاجتهاد فلا بأس عليك وأنت غير مؤاخذ فإن الله
ما كلف نفساً إلا ما أتاها فقد وفت بقسمها الذي أعطاها الله، فهو الذي ستر ما ستر لحكمه
وكشف ما كشف لحكمه رحمة بعباده، ثم قيل له: الحق أولى بعباده المضافين إليه المميزين
من غيرهم وهم الذين لم يزالوا عباده في حالة الاضطرار والاختبار من نفوسهم وما هو مع من
لم يضف إليه بهذه المثابة فلكل عالم حظ معلوم من الله لا يتعدى قسمه، ثم قيل له: إذا
بذلت معروفاً فلا تبذله إلا لمعروف وأنت تعرف من هو المعروف فإن للمعروف أهلاً
لا يعلمهم إلا الله ومن أعلمه الله، ثم قيل له: قد علمت أن الله ميثاقين وأنك مطلوب بهما فإن
العلماء ورثة الأنبياء فانظر لمن أنت وارث فإن ورثت الجميع تعين عليك العمل بميثاق
الجميع، وإن كنت وارثاً لمعين فأنت لمن ورثته، ثم قيل له: اصدق ولا تأمن، ثم قيل له: إن
ذكرت النعم كنت لها وكنت عبد نعمة، وإن ذكرت الله كنت له وكنت عبد الله، وإن ذكرت

٣٤٠ في المنازل/ الباب الحادي والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل اشتراك النفوس والأرواح ...
الأمرين كنت عبد المنعم وعبد الله فأنت أنت حكيم الوقت، فإن لم تناد بعبد المنعم فاعلم
أنك عبد المنعم خاصة، فاجعل بالك إذا نوديت من سرك بأي اسم تنادى من أسماء إضافة
العبودية إليه فكن منه على حذر. ثم قيل له: إن لله قهراً خفياً في العالم لا يشعر به وهو
ما جبرهم عليه في اختيارهم وقهراً جلياً وهو ما ليس لهم فيه اختيار يحكم عليهم، فرجال الله
يراقبون القهر الخفي لأنه عليه يقع السؤال من الله والمطالبة، فإن شهدت الجبر في اختيارك
كنت ممن شهد الجبر الجلي فيرفع عنك المطالبة ذلك الشهود، ولكن المشاهد له عزيز
ما رأيت من أهل هذا اللسان والحال إلا قليلاً بل ما رأيت إلا واحداً بالشام ففرحت به، ثم
قيل له: لك ست جهات أربعة منها للشيطان وواحدة لك وواحدة لله، فأنت فيما منها لله
معصوم فمن ثم خذ التلقي واحذر من الباقي وهو الخمسة ولذا جاء الشرع بخمسة أحكام منها
جهتك وجهات الشيطان منك، وأما جهته منك فلا حكم فيها للشرع وهي جهة معصومة
لا يتنزل على القلب منها إلا العلوم الإلهية المحفوظة من الشوب، ثم قيل له: إذا كنت مؤمناً
فكن عالماً حتى لا تزلزلك الشبه، وما علم لا يزلزل صاحبه الشبه إلا ما كان من الله، فكل
علم عن غير الله تزاحمه الشبه والشكوك في أوقات، ثم قيل له: لا يقيدك مقام فإنك محمديّ
فلا تكن وارثاً لغيره تحز المال كله، فمن ورثه من أمته زاد على سائر الأنبياء بصورة الظاهر
فإنهم ما شهدوه حين أخذوا عنه رسالاتهم إلا باطناً، كما يتميز على سائر الأنبياء من أدرك
شريعته الظاهرة كعيسى عليه السلام وإلياس فهذان قد كمل لهم المقام المحمدي. ثم قيل له:
الاستئذان في الخير دليل على الفتور والرغبة، فإن استأذنت ربك في خير تعلم أنه خير فانظر
فإن أجابك بالعمل به فحسن وإن خيرك فقد مكر بك واستدرجك، وإن لم تقع عندك منه
إجابة فاعلم أن في إيمانك ثلمة فإنك ما علمت أنه خير إلا من جهة الشارع والشارع الله فلأي
شيء تستأذن بعد العلم فجدد إيمانك بين يديه وقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله آمنت بما
جاء من عندك، واشرع في العمل ولا تستأذن في شيء قط فإن الله عليك رقيب، فهو يلهمك
ما فيه مصالحك، وميزان الشرع الذي شرع لك بيدك لا تضعه من يدك ساعة واحدة ولا نفساً
واحداً بل لا يزال أهل الله مع الأنفاس في وزن ما هم عليه فهم الصيارفة النقاد. ثم قيل له:
أنت على ملكك وعن ملكك زائل، وعن بلدك راحل، وعن الدنيا منتقل، فلا تفرط في الزاد
فإنك ما تأكل إلا ما تحمل معك، ولا تشرب إلا ما ترفع معك في مزادتك فالطريق معطشة
والبلاد مجدبة، ثم قيل له: لا تزد في العهود ويكفيك ما جبرت عليه، ولهذا كره
رسول الله وَّه النذر وأوجب الوفاء به لأنه من فضول الإنسان كما كان السؤال هو الذي أهلك
الأمم قبل هذه الأمة من فضولهم فإن السؤال يوجب إنزال الأحكام، وكما جرى في هذه الأمة
من إثبات القياس والرأي فإن رسول الله وَّ# كان يحب التقليل على أمته من التكليف
وبالقياس كثر بلا شك، فشغلوا نفوسهم بما كرهه رسول الله وّ مع أن لهم في ذلك أجراً
لأنهم أخطؤوا في الاجتهاد في إثبات القياس بلا شك فالله ينفعهم بما قصدوا وأما سائر الأمة
فلا يلزمهم إلا ما جاء عن الله وعن رسوله، وما كان عن رأي أو قياس فهم فيه مخيرون إن