Indexed OCR Text

Pages 301-320

في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... ٣٠١
المعين، فإذا دار دورة واحدة سميت من جهة الكرسي يوماً وكانت الكلمة في العرش
واحدة مثل حكم اليوم، فلما وجد الكرسي تحت العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض
انقسمت في الكرسيّ تلك الكلمة الواحدة التي هي يوم العرش، فكانت قسمتها بالقدمين
اللتين تدلتا إلى هذ الكرسي وهما قدم الرب وقدم الجبار، فكانتا أعني هاتين القدمين ليوم
العرش كالنهار والليل اللذين قسما اليوم ويوم العرش أحدية كلمته لأن أمر الله واحدة. ثم
إن الله أوجد فلك الكواكب الثابتة التي ميزتها مقادير البروج ولكل كوكب منها قطع في فلك
البروج، فإذا قطعه الكوكب كله كان يوماً واحداً من أيام ذلك الكوكب مدّة قطعه وهو يقطع
درجة من ثلاثمائة وستين درجة في مائة سنة كما نعده من سنينا، ثم أوجد بين هذين
الفلكين الجنة وما فيها ومن العالم ما لا يحصي عددهم إلا الله، ومن فلك البروج إلى آخر
العالم الجسميّ ظهر حكم البروج الهوائية والنارية والمائية والترابية في الفضاء الذي بين كل
فلك وفلك ولا يعلم ذلك إلا بالمشاهدة، والذين لا علم لهم بذلك يقولون إن الأفلاك
تحت مقعر كل فلك منها سطح الذي تحته ولا علم لهم بأن بينهم فضاء فيه حكم الطبيعة
كما هي في العناصر سواء غير أنها مختلفة الحكم بحسب القوابل، ثم أوجد الأركان
الأربعة على حكم ما هي عليه البروج التي في الفلك الأطلس لكل ركن طرفان وواسطة
للثلاثة الوجوه التي في البروج، فللأثير حكم الحمل والأسد والقوس، فالقوس والأسد
للطرفين والحمل للوسط وللتراب الثور والسنبلة والجدي فالجدي والسنبلة للطرفين والثور
للوسط وللهواء الجوزاء والميزان والدالي فالميزان والجوزاء للطرفين والدالي للوسط وللماء
السرطان والعقرب والحوت فالحوت للوسط والعقرب والسرطان للطرفين، وإنما رتبناها
هذا الترتيب لأن وجود الزمان والعالم الذي يحتوي عليه الفلك الأطلس كان بطالع الميزان،
وقد انتهت الدورة بالحكم إليه من أوّل مبعث رسول الله وَّر ونحن اليوم في سلطانه، ولهذا
كان العلم والعدل في هذه الأمة والكشف أكثر وأتم مما كان في غيرها من الأمم، وكل
ما مضى الأمر استحكم سلطانه وعظم الكشف حتى يظهر ذلك في العام والخاص، فتكلم
الرجل عذبة سوطه ويكلم الرجل فخذه بما فعل أهله، وقال رسول الله وَله: ((إنَّ الزَّمَانَ قَدِ
اسْتَدَارَ كَھَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ الله))، ولما خلق الله الأركان خلق منها دخاناً فتق فيه سبع سموات
ساكنة غير متحركة وأوحى في كل سماء أمرها بأن خلق لها أفلاكاً وجعلها محلاً لسباحات
الجواري الكنس الخنس وخلق فيها عماراً يعمرونها من الملائكة وجعل لها أبواباً تغلق
وتفتح لنزول الملائكة وعروجها وأسكنها أرواح من شاء من أنبيائه وعباده، وخلق في
الفضاء الذي بين سطح السماء السابعة ومقعر فلك الكواكب سدرة المنتهى التي غشاها من
نور الله ما غشى، وخلق على سطح هذه السماء البيت الضراح وقد تقدم ذكره وذكر
الملائكة التي تدخله في كل يوم، ويخرج من أصل هذه السدرة أربعة أنهار تمشي إلى
الجنة، فإذا انتهت إلى الجنة أخرج الله منها على دار الجلال نهرين: النيل والفرات اللذين
عندنا في الأرض، فأما النيل فظهر من جبل القمر، وأما الفرات فظهر من أرزن الروم وأثر

٣٠٢٠ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ...
فيهما مزاج الأرض فتغير طعمهما عما كان عليه في الجنة، فإذا كان في القيامة عادا إلى
الجنة، وكذلك يعود سيحون وجيحون.
ولما فتق الله هذه السموات بعدما كانت رتقاً فى الدخان ومعنى الدخان أنه أصل لها
وهي اليوم سموات، كما أن آدم خلقه من تراب أي أصله وهو لحم ودم وعروق وأعصاب
كما خلقنا من ماء مهين، وأحدث الله الليل والنهار بخلق الشمس وطلوعها وغروبها في
الأرض، فأما السموات فنور ليس فيها ليل ولا نهار ومخرج الليل من كرة الأرض التي غرب
عنها الشمس مخروط الشكل كشكل نور السراج كما تبصره يخرج من رأس الفتيلة فيشعل
الهواء مخروط الشكل إلى أن ينتهي، أمد قوّة اشتعاله وينقطع ويبقى الهواء الذي فوقه محترقاً
غير مشتعل قويّ الحرارة، ولما سبحت هذه الأنجم في أفلاكها جعل الله لكل كوكب يوماً من
أيام حركة فلك البروج سمى تلك الأيام زماناً يعد به حركة الفلك، كما جعل حركة فلك
البروج أياماً كل حركة يوم يعد به مدة الزمان المتوهم الذي يتوهم ولا يعلم ولا يدرك وهو
الدهر الذي نهينا عن سبه وقال الناهي: إن الله هو الدهر فجعله اسماً من أسمائه فله الأسماء
الحسنى جل وتعالى، فعين لكل يوم ليلاً ونهاراً وفرق بين كل ليلة ونهارها بحكم الكوكب
الذي هو اليوم الذي ظهر فيه الليل أو النهار، فينظر لمن هي أوّل ساعة من النهار من الجواري
فهو حاكم ذلك النهار ويطلب في الليالي فالليلة التي حكم في أوّل ساعة منها ذلك الكوكب
الذي حكم في أوّل ساعة من النهار فتلك الليلة ليلة ذلك النهار وبالحساب تعرف ذلك، وفتق
الأرض سبعاً جعل لكل أرض قبولاً لنظر كوكب من الجواري إليه وقد ذكرنا ذلك كله فيما
تقدم، وجعل لكل كوكب قطعاً في فلك البروج فإذا انتهى قطعه فذلك يوم واحد له هو يومه
الذي أحدثه قطعه، وجعل حركات هذه الأفلاك والأركان في الوسط لا من الوسط ولا إلى
الوسط، وجعل حركة عمارها إلى الوسط ومن الوسط، وتحدث الأشياء عند هذه الحركات
في عالم الخلق والأمر وفي الجناب الأقدس وهي آثار محسوسة ومعقولة يحكم بها دليل
الشرع والعقل وهي آثار أحوال كنزول الحق إلى السماء الدنيا، وأعمال وأقوال كإجابة الحق
من دعاه، وخلق الملائكة من أعمال بني آدم الظاهرة والباطنة، وغرس الجنة من أعمال أهلها
من بني آدم، ويوم شرع محمد أن كمل ليلة ونهاره فهو من أيام الرب وإن لم يكمل وانقطع في
أية ساعة انقطع فيها فذلك مقداره وهو من الاسم الخاذل والناصر، لأن الخاذل والناصر ليس
ليومهما مقدار معلوم عندنا بل ميزانه عند الله لا يعلمه إلا هو، وحكمهما في كل إنسان بقدر
عمر ذلك الإنسان، وقدرهما في هذه الأمة بقدر بقائها في الدار الدنيا وذلك بحسب نظرها
إلى نبيها محمد وَّر، فإن نظرت إليه كمل لها يوم الرب، وإن أعرضت فلها ما انقضى من
مدّة يوم الرب، ويرجع الحكم لاسم آخر له عند الله يوم موقت لا يعلمه إلا هو، ويوم هذه
الأمة متصل بيوم الآخرة ليس بينهما إلا ليل البرزخ خاصة، وفي فجر هذه الليلة تكون نفخة
البعث، وفي طلوع شمس يومه يكون إتيان الحق للفصل والقضاء، وفي قدر ركعتي الإشراق
ينقضي الحكم فتعمر الداران بأهلهما وذلك يوم السبت فيكون نهاره أبدياً لأهل الجنان ويكون

في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... ٣٠٣
ليله أبدياً لأهل جهنم، فإذا انقضت مدّة الآلام في جهنم وهو يوم من خمسين ألف سنة في
حق قوم وأقل من ذلك في حق قوم وشفعت التسعة عشر ملكاً في أهل جهنم للرحمة التي
سبقت ارتفعت الآلام فراحتهم ارتفاع الآلام لا وجود النعيم فافهم، وهذا القدر هو نعيم أهل
جهنم إن علمت .
وفي هذا المنزل من العلوم: علم رحمة السيادة وأين ينادي بها وبماذا يستحقها وما
حكمه كونه نداء ترخيم والترخيم التسهيل ولهذا يوصف به الحسان فيقال في المرأة الحسناء
رخيمة الدلال أي سهلة، وفيه علم جميع الحكم لا جميع كل شيء فإن الحكم ليس لها عين
إلا في الترتيب خاصة معنى وحساً، وفيه علم الرسالة على اختلاف أنواعها لاختلاف الرسل
فإن الأنبياء رسل والملائكة رسل والبشر رسل وتختلف الرسالة باختلاف الأحوال، وكل ذلك
شرائع موصلة إلى الله وإلى السعادة الدائمة لا اعوجاج فيها ولا ينبغي لأنها نزلت من عرش
الرحمة مرتدية بالعزة فلا يؤثر فيها شيء يخرج أممها عن حكمها فما من أمة إلا والرحمة
تلحقها كما لحقتها الشريعة التي خوطبت بها، وفيه علم حكمة وضع الشرائع في العالم ولماذا
وضعت في الدار الدنيا ولم توضع في الآخرة لماذا؟ وتوقيت ما وضع منها في الدار الآخرة
أوّلاً كالتحجير على آدم في قرب الشجرة وآخر كدعاء الحق عباده إلى السجود يوم القيامة،
وبهذا الحكم الشرعي يوم القيامة يرجح ميزان أهل الأعراف فيثقل ميزانهم بهذه السجدة
فينصرفون إلى الجنة بعدما كان منزلهم في سور الأعراف ليس لهم ما يدخلهم النار ولا
ما يدخلهم الجنة وفيه قوّة المؤمن فيعدل من قوى الكفار قوى كثيرين، ولهذا شرع لهم أن
لا يفروا في قتال عدوّهم وشرع لبعضهم قوّة واحد لعشرة ثم خفف عنهم مع إبقاء القوّة
عليهم، فشرع لهم لكل قوّة مؤمن قوّة رجلين من الكفار ولهذا قال رسول الله وَله: ((إنَّهُ
يُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانٍ مِنْ أمَّتِهِ)» فأعطي قوّة رجلين من أمته. وفيه علم رحمة وجود الغفلة
والنسيان في العالم بل في هذه الأمة لما نص فيها وكذلك الخطأ، وفيه علم الفرق بين القول
وقول الله والقول المضاف إلى الخلق والكلمة وهل لكل قول وكلمة حق واجب في الإمضاء
أو ليس ذلك إلا لخصوص قول؟ فإن كان لخصوص قول دون كلمة فما السبب الموجب لهذا
التخصيص والكل قول من حيث ما هو قول وكلمة من حيث ما هي كلمة، وإذا كان في نفس
الأمر الحكم للقول وهو السابق فلماذا وقع الأخذ بالسؤال والتقرير مع العلم بأنه مجبور في
اختياره وهي مسألة صعبة التصوّر كثيرة التفلت؟ ولولا وجود الآلام لهانت وما خطرت على
بال، وفيه علم تقييد المعاني ووجود آثار أحكامها فيمن قامت به وإلى أين ينتهي حدّ التقييد
منها في نشأة الإنسان، وفيه علم السبب الذي لأجله ترفع الوجوه والأبصار إلى الفوق يوم
القيامة وفي الدنيا هل حكمهما وسببهما واحد أو مختلف؟ وهل الرفع عن جذب من خلف أم
عن اختيار؟ وفيه علم كون الإنسان بين قصاء الله وقدره فلا يقدر يتعداهما، وهل عمّ القضاء
والقدر جهات الإنسان كلها أو ليس لهما منه إلا جهتان: جهة الحادي والهادي وهما السائق
والشهيد، وما الذي أعمى الناس اليوم عن شهود هذين وفي الآخرة يرونهما؟ ولم اختصا

٣٠٤ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ...
بالخلف والأمام دون سائر الجهات؟ والشيطان له مسالك الأربع جهات فهل مكان الخلف
والأمام لهما الاستشراف على اليمين والشمال بحكم اليدين اللذين لهما؟ ولو كان لهما اليمين
والشمال لتعطلت اليد الواحدة من كل واحد منهما في حق من التزماه، فلا بد أن يكون لهما
الخلف والأمام، وفيه علم نسبة العدم والوجود إلى الممكن وهو لا يعقل إلا بالمرجح،
وليس عند المرجح إلا وجه واحد من هاتين النسبتين فيرتفع الإمكان فما الصحيح في ذلك
هل بقاء الإمكان أو ارتفاعه؟ وفيه علم القوابل هل هي قوابل لكل شيء أو لأشياء مخصوصة؟
أو تتميز في القبول فيكون على صفة توجب لبعض القوابل ما تقبله مما لا تقبله، وهل لما
تقبله من الأمور التي تأخذها القوابل طريق واحد أم تختلف الطرق؟ وفيه علم وصف الأجر
بالعظمة والكرم لماذا يرجع وهو علم شريف؟ وفيه علم الموت وما معنى إحياء الموتى ومن
يميتهم هل الله بلا سبب أو هل الملك وما هو ذلك الملك؟ هل هو بعض الأخلاط التي قام
بها الجسد الحيواني؟ فإن الأخلاط من ملائكة الله، أو هو ملك من ملائكة السموات؟ وإن
أضيف إلى السموات هل يضاف إلى واحدة منها بحكم أنه عن حركة ما أوحى الله فيها قوى
هذا الخلط القاهر المسمى ملك الموت أو هو ملك غريب من سكان السماء السابعة، وكذلك
المحيي مثل المميت غير أنه تختلف السماء فإن السماء السادسة معدن الحياة ولها تقوية من
كل سماء كما للموت أيضاً، والكلام في المحيي كالكلام في المميت، أو يكون المميت هو
الله من حيث إنه اسم إلهي من أسمائه، وكذلك المحيي فهو المميت المحيي ولا نقدر نرفع
الأسباب التي وضعها الحق فتبطل حكمة الحق فنرفع الأسباب في الاعتقاد ونقرها في الوجود
في أماكنها، وإسرافيل ينفخ في الصور وعزرائيل يقبض الأرواح، وهذا للاستعداد الذي في
هذه الصور لقبول الاشتعال فتحيا ولقبول الانطفاء فتموت، وهذا الملك الموكل بنا
لا بالموت هو الذي يقوي الملك الذي به وبأصحابه قامت نشأة جسد الحيوان فيميت لقوّة
سلطانه على بقية أصحابه ولهذا تعرف الأطباء أن الإنسان يموت بالعلامات، فلو كان الملك
غير ما ذكرناه ما انتهى إليه علم الأطباء فإن ذلك من خصائص علم الأنبياء ومن أعلمه الله من
عباده، وهل المقتول له هذا الحكم الذي للعليل في الموت أم له حكم آخر؟ وهل للملك
الموكل بنا لا بالموت هل له حكم الموت أو حكم قبض الأرواح والعروج بها؟ وهل هو
ملك واحد أو ملائكة؟ فإن الله أضاف وفاة الأنفس إليه وإلى ملك الموت وإلی رسله فلا بد
من علم هذه الإضافات وما المراد بها وهل تختلف مدارجها أو هي على مدرجة واحدة. وفيه
علم ما يؤول إليه الجسم بعد الموت والروح وما يبعث في نفخة البعث منهما وهل يتغير
النشء بالعرض أو بالصورة؟ وفيه علم آثار الأكوان وما الحضرة التي تمسك فيها إلى وقت
الحشر فيوقف أصحابها عليها وهي آثار المكلفين وهي ما صدر عنهم من الأفعال زمان
التكليف لا في غير زمانه مثل النائم والمغلوب على عقله والشخص الذي لم يبلغ الحلم،
فلهذا قلنا زمان التكليف، ولم نقل دار التكليف، وفيه علم تتابع الرسل في الأمة الواحدة
بخلاف هذه الأمة المحمدية فإنها ما اختلفت عليها الرسل بل إن ظهر فيها من كان رسولاً

في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... ٣٠٥
التحق بها وقام بشرعها وجرت عليه أحكام شرع محمد ◌ّير، وفيه علم النصائح وكون هذه
النشأة الإنسانية جبلت على البخل والكرم لها بحكم العرض ما هو لها ذاتيّ، وإذا كانت بهذه
المثابة فمن أين صح لها الأجر الكريم وليس بينها وبين الكرم نسبة ذاتية والكرم للأجر ذاتي
والعظمة له ذاتية وللأجر العظيم قوم مخصوصون وللأجر الكريم قوم مخصوصون، وفيه علم
اختلاف أسباب البواعث على العبادة في الثقلين وغيرهما، وفيه علم التسليم والتفويض إلى
الله، وفيه علم التمني وفائدته وصفة القائم به. وفيه علم معرفة كون العالم ملكاً لله تعالى من
حيث ما هو ملك ومن ينازعه حتى وصف نفسه أن له جنود السموات والأرض، وفيه علم
ما يضاف إلى الله أنه منعوت بالوحدة وما سبب تكثر هذه الوجدة وما أثرها في العالم، وفيه
علم الكشف لما كان غيباً، وفيه علم عدم القبول مع ظهور الدليل والعلم به أنه دليل وما سبب
جهل من جهل أنه دليل؟ وهل لكل معلوم دليل أم هو لبعض المعلومات؟ وفيه علم عدم
الرجعة إلى ما خرج منه، وفيه علم الحضرة التي يجتمع فيها عالم الدنيا من مكلف وغير
مكلف وهل يبعث غير المكلف من حيوان ونبات وحجر لتقوم به المطالبة والحجة من الله
على المكلفين أو يبعثون لأنفسهم لما لهم في ذلك من الخير المعلوم عند الله، ثم ما يؤول
إليه أمرهم بعد البعث، وفيه علم ما اختزن الله لنا في عالم السماء والأرض من المنافع، وفيه
علم الشكر الواجد من الشكر الذي يتبرع به الإنسان وأيهما أكمل أجراً، وفيه علم السبب
والحكمة التي لأجلها خلق الله من كل شيء زوجين وهل من هذه الحكمة خلق آدم على
صورته؟ وفيه علم الزمان الذي یفصل به الیوم، وفيه علم سکون من لا سکون له، وفيه علم
مناهل المسافرين وهل يحصون عدداً أم لا؟ وفيه علم اختلاف الصفات على المسافرين
باختلاف طرقهم ومناهلهم، وفيه علم السابق الذي يلحق والسابق الذي لا يلحق من
المسافرين كالشخص مع ظله لا يلحق ظله أبداً ويلحقه ظله وغير ذلك من المسافرين، وهو
علم شريف يتضمن جميع الأسفار الإلهية والكونية والعلوية والسفلية، وهو علم عزيز المنال
بعيد المدرك لا يتفطن له كل أحد، وأما الإحاطة به فلا تعلم إلا بإعلام الله ولا يصبح الإعلام
بها على التفصيل فإنها أسفار لا نهاية لها. وفيه علم الطرق التي يسلك فيها كل مسافر، وفيه
علم الأسباب التي تحول بين بعض المسافرين وبين ما قصدوه في سفرهم والفرق بين السفر
الاختياريّ والجبريّ، وفيه علم زمان الدنيا العام الذي يكون بعد انقضائه القيامة الكبرى، وفيه
علم زمان عمر الحيوان والمولدات وقيامتهم الصغرى بانقضاء مدتهم والفرق بين هذين
الحشرين فإن رسول الله وَّرِ قال: ((مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ)) فحشرهم إلى البرزخ قيامة،
وفيه علم صفات ترجي الرحمة التي تسأل الرحمة بلسانها، وفيه علم السبب الموجب الذي
لأجله أعرض من أعرض عن النظر في الدلالات العقلية التي جاءت بها الرسل والتي لم تجىء
بها من الآيات المعتادة، وهل تختلف دلالتها وما صورة دلالتها؟ وهل يختلف مدلولها
باختلاف قصد الدال أو قصد الذي يحرّك الدال للنظر في الدليل كالرسول يجيء بالدلالة على
صدقه في كونه رسولاً، وتلك الدلالة بعينها تكون دلالة على وجود الحق وعجز الخلق وفيه
الفتوحات المکیة ج٥ - م٢٠

٣٠٦ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ...
علم التأسي بالله فيما ذمه الله هل يذم صاحبه من جهة لسان الحقيقة أو لا يذم إلا بلسان
الشرع؟ وفيه علم ما يقبض عليه الإنسان هل يبقى عليه في البرزخ ويحشر عليه أم يتغير عليه
الحال أو يقبض على ما يبدو له عند كشف الغطاء قبل القبض أو هل عين القبض هو عين
الكشف للغطاء؟ وفيه علم ردّ السائل هل ردّه عن سؤاله جواب له عن سؤاله أم لا؟ وفيه علم
السبب الموجب للإسراع لمن ناداه الحق هل هو إسراع جبر أو إسراع توقع جبر؟ وفيه علم
ما سبب اختلاف كلام المبعوثين من أهل القبور؟ وفيه علم من يجيبهم في ذلك هل يجيبهم
الحق أو الملائكة أو العالمون؟ وفيه علم ما يتجلى للذين يبعثون من قبورهم هل هو صورة
واحدة أم صور متخلفة؟ وهل ذلك المتجلي اسم إلهيّ أم لا؟ وفيه علم ما السبب الذي
أوجب أن يخالف ترتيب البروج وهي طبيعة ترتيب العناصر فإن ترتيب البروج كل برج بين
منافر ومناسب بوجه كل واحد إذا أخذته تجده كما ذكرناه، وأما الأركان فترتيبها لمناسبة ليس
فيها تنافر من جميع الوجوه، فالنارية الثلاثة كلها من مائية وترابية، والترابية كلها من نارية
وهوائية، والهوائية كلها بين ترابية ومائية، والمائية كلها بين هوائية ونارية، والأركان ليست
كذلك، وفيه علم الفرق بين ((عندي)) و((لديّ))، و((عندنا)) و(لدنا)) و(لدينا)) و((لدني)). وفيه علم
الفصل بين الأشياء ليتميز بعضها عن بعض، وفيه علم ما يرى الرائي غير صورته وصفته كان
الرائي من كان، وفيه علم الاشتغال ولم سمي شغلاً وعمن يشتغل؟ وهل ثم شغل يغني عن
سواء بالكلية أم لا؟ وفيه علم الأنس بمثله لا بمثلية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وفيه
علم الهيئات والحالات التي تكتسبها النفوس في الدار الدنيا، وفيه علم الأعراس الإلهية، وفيه
علم ما لكل اسم إلهيّ من الرحمة من الأسماء التي تعطي بظاهرها ذهاب الرحمة منها، وفيه
علم الاستحقاق الذي يستحقه العالم من حيث ما هو عليه من الصفة فهو استحقاق الصفة
لا استحقاق الموصوف، وفيه علم العهد الإلهيّ والكونيّ فيماذا وقع، وفيه علم حكم المتقدم
كيف ظهر في المتأخر ومن أين ظهر؟ وفيه علم البعد الكونيّ من البعد الإلهيّ، وفيه علم
النطق والصمت وتعيين الناطق والصامت وزمانه ومكانه، وفيه علم تبدل الصور العلية بالصور
الدنية، وفيه علم سبب التثبط عن النهوض مع وجود الكشف، وفيه علم ما يعطيه الزمان في
نشأة الإنسان وفي سائر المعادن والنبات والحيوان، وفيه علم الإبهام والإيضاح، وفيه علم
اجتماع الكثير على إيجاد الواحد، وفيه علم تمليك ما ينشئه المنشىء لكونه أنشأه، وفيه علم
الرياضة الإلهية والفرق بينها وبين الرياضة الكونية، وفيه علم حضرة المنعم ومآلها في الدنيا
والآخرة في الحكم، وفيه علم سبب الاعتماد على من يعلم أنه ليس ممن يعتمد عليه، وفيه
علم المبدأ والمعاد، وفيه علم التشبيه وعكس التشبيه وما هو الأصل الذي يقع به التشبيه،
وفيه علم تأثير اجتماع الأضداد من العلم الإلهيّ ووجود النار في الماء والماء في النار، وفيه
علم الصفة التي أظهرت العالم في عينه، وفيه علم الملكوت وأين حظه من الملك
والجبروت. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

في المنازل/ الباب التاسع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل فتح الأبواب وغلقها وخلق كل أمة ٣٠٧
الباب التاسع والأربعون وثلاثمائة
في معرفة منزل فتح الأبواب وغلقها وخلق كل أمة من الحضرة المحمدية
[البسيط]
نَغْتاً من الحَقِّ والأكوانُ أعلامُ
لا تَرُمْ شيئاً من الأكْوان إنَّ لها
أتّى بذلك قرآنٌ وإِلْهَامُ
مِنْ غيرة الحقُّ كان الحقُّ أعْيُنَها
ولا تحقَّقَ لي قُرْبٌ وإِلْمَامُ
لولا افتقاري وذُلّي ما اجتمعت به
قَضَى به في كتاب الله إعلامُ
في حَقِّه كلُّ موجود سَعَى ومَشَى
لذاك أوْجَدَهُ والله عَلامُ
فكلّ شيءٍ من الأعيان سَبَّحَهُ
في كل حال فلَذَّاتٌ وآلامُ
فما ترى غير فقر فيه إعدامُ
وكُلّ كَوْنٍ من الأكوان مفتقرٌ
أين الغنَى وكلامُ الله أبْطَلَهُ
قال الله تعالى: ﴿اللََّ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ
اٌلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٦٨] لما أمركم به من الفحشاء
وفضلاً لما وعدكم به من الفقر والله غنيّ حميد وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى
اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] وقال لأبي يزيد البسطامي: يا أبا يزيد تقرّب إليّ بما
ليس لي: الذلة والافتقار.
واعلم أن لله أبواباً فتحها للخير وأبواباً أعدها لم يصل أوان وقت فتحها للخير أيضاً،
وأبواباً فتحها للآلام المعبر عنها بالعذاب لما يؤول إليه أمر أصحابه فيستعذبه في آخر الحال
ولذلك سماه عذاباً، وإنما يستعذبه في آخر الأمر لكونه ذكره بربه فإن الإنسان إذا أصابه الضر
وانقطعت به الأسباب وهو أشد العذاب ذكر ربه فرجع إليه مضطراً لا مختاراً فيستعذب عند
ذلك الأمر الذي ردّه إلى الله وذكره به وأخرجه عن حكم غفلته ونسيانه فسماه عذاباً فهو اسم
مبشر لمن حل به بالرحمة أنها تدركه، فما ألطف توصيل الحق بشارته لعباده في حال الشدة
والرخاء، ولولا ذلك ما حقت الكلمة في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَّهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩]
فأتى بلفظة العذاب، ألا ترى إبراهيم الخليل عليه السلام يقول: ﴿يَكَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ
عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] والرحمن لا يعطي ألماً موجعاً إلا أن يكون في طيه رحمة
يستعذبها من قام به ذلك الألم كشرب الدواء الذي يتضمن العافية استعماله ألا تراه كيف قال
لأبيه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] فلو علم أن في الرحمة ما يوجب النقمة لما
عصاه فما عصى إلا الرحمن لأن كل اسم يعمل على شاكلته، فما أعلم الأنبياء بربهم وأشد
الآلام عدم نيل الغرض، وقد روينا أن الله يقول للملك: ((لا تقضي حاجة فلان في هذا
الوقت فإني أحب أن أسمع صوته)) وإن كان يتألم ذلك الشخص من فقد ما يسأل فيه ربه فهذا
منع مؤلم عن رحمة إلهية .
ثم إن السور باطنه فيه الرحمة الخالصة وظاهره من قبله العذاب ولم يقل آلام العذاب

٣٠٨ في المنازل/ الباب التاسع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل فتح الأبواب وغلقها وخلق كل أمة
لعلمه بما يؤول إليه الأمر فأبان تعالى أن باطن هذا الموجود فيه الرحمة والظاهر منه
لا يتصرف إلا بحكم الباطن فلا يكون أمر مؤلم في الظاهر إلا عن رحمة في الباطن، فإن
الحكم للباطن في الظاهر هل تتصرّف الجوارح وهي الظاهرة إلا عن قصد الباطن المصرف لها
والقصد باطن بلا شك، فما كان العذاب في ظاهر السور إلا عن قصد الرحمة به التي في
باطن السور، فليس الألم بشيء سوى عدم اللذة ونيل الغرض، فما عند الله باب يفتح إلا
أبواب الرحمة، غير أنه ثم رحمة ظاهرة لا ألم فيها وثم رحمة باطنة يكون فيها ألم في الوقت
لا غير ثم يظهر حكمها في المآل، فالآلام عوارض واللذات ثوابت، فالعالم مرحوم بالذات
متألم بما يعرض له ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يضع الأمور مواضعها وينزلها منازلها،
والإنسان يضرب ابنه أدباً ويؤلمه بذلك الضرب عقوبة لذنبه وهو يرحمه بباطنه، فإذا وفى
الأمر حقه أظهر له ما في قلبه وباطنه من الرحمة به وشفقة الوالد على ولده، ولهذا ورد في
الخبر عن رسول الله وَّ﴿ في قصة طويلة يقول فيها: ((وَإِنَّ الله أَشْفَقُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى
وَلَدِهَا)) وأشار إلى امرأة، وهذا كله من علوم الأذواق جعلنا الله والسامعين من أهل الرحمة
الخالصة التي لا ألم لها بمنّه.
واعلم أن الله ما أظهر الممكنات في أعيانها موجودة إلا ليخرجها من شر العدم، إذ
علم أن الوجود هو الخير المحض الذي لا شرّ فيه إلا بحكم العرض وهو من كونه ممكناً
للعدم نظر إليه وهو الآن موصوف بالوجود فهو في الخير المحض، فالذي يناله من حيث هو
ممكن من نظر العدم إليه في حال وجوده ذلك القدر يكون الشر الذي يجده العالم حيث
وجده، فإذا نظر الممكن إلى وجوده وأبده سرّ لاستصحابه الوجود له، وإذا نظر إلى الحالة
التي كان موصوفاً بها ولا وجود له تألم بمشاهدته لأن الحال له الحكم فيمن قام به، وحال
هذا الممكن الآن مشاهدة العدم فيتعذب عذاباً وهمياً كان النبيّ وَّ يقول في الضراء: «الحَمْدُ
للِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)) ومن الأحوال الموجبة للحمد أحوال السرّاء التي حَمْدُها: ((الحمد لله المنعم
المتفضل))، فلولا أن الحمد على كل حال يتضمن حمد السرّاء فهو إعلام بأن في الضرّاء سرّاء
لعموم حمدها، والحمد ثناء على المحمود، وصاحب الضرّاء لو لم يكن في طيّ تلك الضرّاء
سراء لم يكن ذلك الحمد ثناء من الحامد في حال الضرّاء والحمد ثناء بلا شك في نفس
الأمر، فما في العالم ضر لا يكون مشوياً برحمة، كما أن المؤمن لا تخلص له معصية غير
مشوبة بطاعة أصلاً وهي طاعة الإيمان فهو في مخالفته طائع عاص كالمعذب المرحوم.
ثم لتعلم أن الممكنات مفتقرة بالذات، فلا يزال الفقر يصحبها دائماً لأن ذاتها دائمة
فوضع لها الأسباب التي يحصل لها عندها ما افتقرت فيه فافتقرت إلى الأسباب فجعل الله
عين الأسباب أسماء له، فأسماء الأسباب من أسمائه تعالى حتى لا يفتقر إلا إليه لأنه العلم
الصحيح، فلا فرق عند أهل الكشف بين الأسماء التي يقال في العرف والشرع أنها أسماء الله
وبين أسماء الأسباب أنها أسماء الله فإنه قال: ﴿أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ﴾ [فاطر: ١٥] ونحن نرى
الواقع الافتقار إلى الأسباب، فلا بد أن تكون أسماء الأسباب أسماء الله تعالى، فندعوه بها

في المنازل/ الباب التاسع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل فتح الأبواب وغلقها وخلق كل أمة ٣٠٩
دعاء الحال لا دعاء الألفاظ، فإذا مسنا الجوع سارعنا إلى الغذاء المزيل ألم الجوع فافتقرنا
إليه وهو مستغن عنا ولا نفتقر إلا إلى الله فهذا اسم من أسمائه أعني صورة ذلك الغذاء النازل
منزلة صورة لفظ الاسم الإلهيّ أو صورة رقمه، ولذلك أمر بشكر الأسباب لأنه أمر بشكره
فهو الثناء عليه بها .
واعلم أن من رحمة الله بخلقه أن جعل على قدم كل نبيّ ولياً وارثاً له فما زاد فلا بد أن
يكون في كل عصر مائة ألف وليّ وأربعة وعشرون ألف ولي على عدد الأنبياء ويزيدون ولا
ينقصون، فإن زادوا قسم الله علم ذلك النبي على من ورثه، فإن العلوم المنزلة على قلوب
الأنبياء لا ترتفع من الدنيا وليس لها إلا قلوب الرجال فتقسم عليهم بحسب عددهم، فلا بد
من أن يكون في الأمة من الأولياء على عدد الأنبياء وأكثر من ذلك. روينا عن الخضر أنه قال:
((ما من يوم حدثت فيه نفسي أنه ما بقي ولي الله في الأرض إلا قد رأيته واجتمعت به، فلا بد
لي أن أجتمع في ذلك اليوم مع ولي الله لم أكن عرفته قبل ذلك))، وروينا عنه أنه قال:
((اجتمعت بشخص يوماً لم أعرفه فقال لي: يا خضر سلام عليك فقلت له: من أين عرفتني؟
فقال لي: إن الله عرفني بك))، فعلمت أن لله عباداً يعرفون الخضر ولا يعرفهم الخضر.
واعلم أن لله عباداً أخفياء أبرياء أصفياء أولياء بينهم وبين الناس حجب العوائد غامضين
في الناس لا يظهر عليهم ما يميزهم عن الناس وبهم يحفظ الله العالم وينصر عباده، معروفون
في السماء مجهولون في الأرض عند أبناء الجنس لهم المهناة في الدنيا والآخرة، ليسوا بأنبياء
ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء لا في الدنيا يعرفون ولا في الآخرة يشفعون انفردوا
بالحق في سرائرهم، وما كنت عرفت أن الله قد جعل في الوجود ولياً له على كل قدم نبي،
فإن الله تعالى لما جمع بيني وبين أنبيائه كلهم حتى ما بقي منهم نبي إلا رأيته في مجلس واحد
لم أر معهم أحداً ممن هو على قدمهم، ثم بعد ذلك رأيت جميع المؤمنين وفيهم الذين هم
على أقدام الأنبياء وغيرهم من الأولياء فلما لم يجمعهم مجلس واحد لذلك لم أعرفهم ثم
عرفتهم بعد ذلك ونفعني الله برؤيتهم، وكان شيخنا أبو العباس العريبي على قدم عيسى عليه
السلام وكنا نقول قبل هذا إن ثم أولياء على قلوب الأنبياء فقيل لنا: لا بل قل هم على أقدام
الأنبياء لا تقل على قلوبهم، فعلمت ما أراد بذلك لما أطلعني الله على ذلك رأيتهم على
آثارهم يقفون ورأيت لهم معراجين: المعراج الواحد يكونون فيه على قلوب الأنبياء ولكن من
حيث هم الأنبياء أولياء النبوّة التي لا شرع فيها، والمعراج الثاني يكونون فيه على أقدام
الأنبياء أصحاب الشرائع لا على قلوبهم، إذ لو كانوا على قلوبهم لنالوا ما نالته الأنبياء من
الأحكام المشروعة وليس ذلك لهم وإن وقع لهم التعريف الإلهي بذلك، ويأخذون الشرع من
حيث أخذته الأنبياء ولكن من مشكاة أنوار الأنبياء يقترن معه حكم الأتباع، فما يخلص لهم
ذلك من الله ولا من الروح القدسي، وما عدا هذا الفن من العلم فإنه مخلص للأولياء من الله
سبحانه ومن الأرواح القدسية، وهذا كله لتتميز المراتب عند الله لنعرف ذلك فنعطي كل ذي
حق حقه كما أعطى الله كل شيء خلقه، وهذا كله من رحمة الله التي أفاضها على خلقه .

٣١٠ في المنازل/ الباب التاسع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل فتح الأبواب وغلقها وخلق كل أمة
ثم لتعلم أن الله جعل للملائكة ثلاث مراتب في القوة الإلهية، فمنهم من أعطاه قوّتين،
ومنهم من أعطاه ثلاث قوى، ومنهم من أعطاه أربع قوى وهي الغاية فإن الوجود على التربيع
قام من غير مزيد إلا أنه كل قوّة تضمن قوى لا يعلم عددها إلا الله وذلك من حيث أن
الملائكة أجسام نورية فلهم هذه القوى من حيث أجسامهم فإنهم مركبون كالأجسام الطبيعية،
فالملك صاحب القوّتين على تركيب النبات، وصاحب الثلاث على تركيب الحيوان،
وصاحب الأربع على تركيب الإنسان وانتهت المولدات فانتهت قوى الملائكة والجسم يجمع
الكل فله الإحاطة، فقبلت الملائكة الأجسام النورية من العماء الذي ظهر فيه الجسم النوري
الكل وقبل الشكل والصور، وفيه تظهر الأرواح الملكية والعماء لهذا الجسم الكل، وما
يحمله من الصور والأشكال الإلهية والروحانية بمنزلة الهيولى في الأجسام الطبيعية سواء
والتفصيل في ذلك يطول. ومن هذا النور الذي فوق الطبيعة تنفخ الأرواح في الأجسام
الطبيعية فما تحت الطبيعة إلى العناصر أنوار في ظلال وما تحت العناصر من الأجسام
العنصرية أنوار في ظلمة، وما فوق الطبيعة من الأجسام النورية أنوار في أنوار، وإن شئت
أنوار في أنفاس رحمانية، وإن شئت أنوار في عماء كيفما شئت عبر إذا عرفت الأمر على
ما هو عليه .
واعلم أن كل روح مما هو تحت العقل الأوّل صاحب الكلمة فهو ملك وما فوقه فهو
روح لا ملك، فأمّا الملائكة فهم ما بين مسخر ومدبر وكلهم رسل الله عن أمر الله حفظه وهم
على مراتب ولهم معارج ونزول وصعود دنيا وآخرة، فمنهم المسخرون في الدعاء والاستغفار
للمؤمنين وآخرون في الاستغفار لمن في الأرض، ومنهم المسخرون في مصالح العالم
المتعلقة بالدنيا، ومنهم المسخرون في مصالح العالم المتعلقة بالآخرة، وهذا القدر من العمل
الذي هم عليه هو عبادتهم وصلاتهم، وأما تسبيحهم فذكر الله في هذه الصلوات التي لهم
كالقراءة والذكر لنا في صلاتنا ولا يزال الأمر كذلك إلى الوقت الذي يشاء الله أن تعم الرحمة
جميع خلقه التي وسعت كل شيء، فإذا عمتهم الرحمة لم يبق لبعض الملائكة الذين كان لهم
الاستغفار من عبادتهم إلا التسبيح خاصة، وبقيت الملائكة الذين لهم تعلق بأحوالنا في
الجنان، وحيث كان من كان من الدارين فذلك منهم لا ينقطع وزال عن أولئك اسم الملائكة
وبقوا أرواحاً لا شغل لهم إلا بالتسبيح والتمجيد لله تعالى كسائر الأرواح المهيمة، والملائكة
يدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَّرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبِىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] فهذا الصنف
المذكور هنا هم الصابرون أهل البلاء من البشر.
وأما الملائكة التي تدخل على أصحاب النعيم الشاكرين فلم يجر لهم ذكر مع أنه لا بد
من دخول الملائكة عليهم من كل باب لأن أبواب النعيم كثيرة كما هي أبواب البلاء، ومن
رأى أن النعم التي أنعم الله بها على عباده في الدنيا ليست بخالصة من البلاء لما وجه عليهم
فيها من التكليف بالشكر عليها وهو أعظم البلاء إذ كانت النعم أشدّ في الحجاب عن الله من
الرزايا فدخل أهل النعيم على هذا في قول الملائكة ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبِىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] أي

في المنازل/ الباب التاسع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل فتح الأبواب وغلقها وخلق كل أمة ٣١١
حصلتم في دار نعيمها غير مشوب بتكليف ولا طلب حق، فلذلك لم يجر ذكر لأحوال
الملائكة مع الشاكرين واقتصر على ما جاء به الحق من التعريف وهو الصحيح، فإن الدار
الدنيا تعطي هذا وهو الذي يقتضيه الكشف الذي ٧ تلبيس فيه أن جميع من في الدار الدنيا من
مبتلى ومنعم عليه له حال الصبر، فالصبر أعم من الشكر والبلاء أعم من النعم في هذه الدار،
وإذا عمت الرحمة وارتفعت الآثار التي تناقض الرحمة ارتفعت نسب الأسماء التي عينتها الآثار
لأنها راجعة إلى عين واحدة كما بين تعالى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الُْمْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]
وقال: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُوْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] والأسماء
وضعية وضعتها حقائق الممكنات بما تطلبه، فعلى قدر ما تكون عليه من الاستعداد تطلب
ما يناسب ذلك من الفيض الإلهيّ، فإذا أعطيته وضعت لكل عين من ذلك أسماء، فإذا لم يبق
لها استعداد تقبل به الألم والعذاب لم يوجد للألم ولا للعذاب عين لعدم القابل فترتفع نسب
الأسماء المختصة بهذه الأحكام لارتفاع القوابل، وما كان له من الأسماء حكمان في القابل
فإنه يبقى كالغافر وهو الساتر، فلم يبق ذنب يطلب الغافر، وللغافر حكم الحجاب من كونه
حجاباً مطلقاً فيبقى الغافر وإن زال المذنب فإن الغفر لا بد منه، ولولا ذلك لم يكن مزيد ولا
خلق جديد والمزيد على الدوام فرفع الستور على الدوام وليس سوى الاسم الغفور بخلاف
المنتقم فإن القابل ارتفع فزال هذا الوضع الخاص فاعلم ذلك .
وفي هذا المنزل من العلوم: علم ثناء السماء والأرض والملائكة دون سائر الخلق وما
يثنون به على ربهم فإنه لكلٍ عالم ثناء خاص لا يكون لغيره قال تعالى: ﴿تُسَيِّعُ لَهُ التَّمَوَتُ السَّبْعُ
وَالْأَرْضُ﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ فِهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] وجمع السموات والأرض جمع من يعقل، وفيه
علم التشبيه والكنايات وما في العالم الروحانيّ من القوى، وفيه علم الرسائل المبثوثة في
العالم وأنه كل من يمشي في العالم فإنه لا يمشي إلا رسولا برسالة وهو علم شريف حتى
الدودة في حركاتها هي في رسالة تسعى بها لمن عقل ذلك، وفيه علم آثار القدرة وتمييزها عن
سائر النسب، وفيه علم الأنواء وما يحمد منها وقول أبي هريرة رضي الله عنه: مطرنا بنوء
الفتح، وفيه علم الأبواب ومراتبها، وفيه علم أن المنع الإلهيّ عطاء، وفيه علم التحديد
الإلهي، وفيه علم تنزيل الخطاب الإلهيّ على قدر التواطؤ، وفيه علم الإنباه الإلهيّ في طلب
الشكر من عباده، وفيه علم ردّ الخلق إليه تعالى، وفيه علم المواعيد على الإطلاق، وفيه علم
المميز بين الأعداء الظاهرين بصورة الولاء وبين الأولياء، وفيه علم مجازاة العدوّ بالعداوة
والوليّ بالولاية فيما بين العالم وأنه من اتخذ العدوّ ولياً أو الوليّ عدوّاً فهو مخلط لا حقيقة
عنده. وفيه علم كل داع إنما يدعو لنفسه وإن دعا إلى الله تعالى أو لغير نفسه فإنما يدعو من
حيث نفسه فإنه يطلب بذلك الدعاء الأنس بالأشكال في المرتبة، وفيه علم ترتيب الثواب على
الأعمال وفيه تمييز الأجور فإن منها العظيم والكريم والكبير وهي مراتب في الأجور لا بد أن
يعرف أصحابها وأعمالها التي توجبها، وعلم الأجر المطلق الذي لا يتقيد هل هو مقيد في
نفس الأمر أم لا؟ فإن الأجور أربعة، كما أن نشأة الإنسان على أربع، كما أن نشأة جسده على

٣١٢ في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ...
أربع لكل واحد أجر يخصه على صفة مخصوصة فينسب كل أجر ما يناسبه، وفيه علم
ما وراء الستور، وفيه علم القبيح الذي تحسنه المشاهدة وهو سرّ عجيب، وفيه علم العزل،
وفيه علم الحث على اشتغال الإنسان بنفسه، وفيه علم الظهور من الخفاء، وفيه علم
الحاملات العلوية والسفلية، وفيه علم تفاضل الصفات في الموصوفين بشديد وأشدّ وفيه علم
الحضرة الجامعة للمنافع الإنسانية وهي حضرة النعم للراحل والقاطن والمتحرّك والساكن،
وفيه علم التسخير والمسخرات وهل كل مسخر له أجل ينتهي إليه بتسخيره أم لا؟ أو بعضه له
أجل وبعضه لا أجل له؟ وفيه علم ((عند جهينة الخبر اليقين)) وقولهم ((على الخبير سقطت))
ولم يقولوا على العليم سقطت ولم يقولوا عند جهينة العلم اليقين، وفيه علم ظهور الحق
وسريانه في كل شيء وتقسيمات الحق في قوله: لكل حق حقيقة فأدخل عليه كل، وفيه علم
انفراد كل مكلف بنفسه والفرق بينه وبين من لا ينفرد من المكلفين بنفسه أعني من الثقلين
وفيما ينفرد وفيما لا ينفرد، وفيه علم القوابل وفيمن يؤثر الداعي، وفيه علم ما يكون
لأصحاب القبور في قبورهم وما هي القبور، وفيه علم الأخذ من كل أحد وصفة المأخوذ
والمأخوذ منه، وفيه علم الأعراض هل هي نسب عدمية أو أمور وجودية لها أعيان؟ وفيه علم
ما يحصل لأهل العناية من العزة والحجاب، وفيه علم مراتب أتباع الأنبياء، وفيه علم
المزيد، وفيه علم التمني، وفيه علم سريان الحكمة في مراتب الموجودات على ما هي عليه،
وفيه علم السبق الإلهيّ للعالم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الموفي خمسين وثلاثمائة
في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء عن أعين المعاني
وهو من الحضرة المحمدية من اسمه الرب
[المتقارب]
فكيف بهَيْكَل ظَلْمَائِهِ
إذا صُعِقَ الرُّوحُ من وَخْيِهِ
وأجْراه فَلَكاً على مائهِ
لقد ثَبَّتَ الله أركانَهُ
وأين التَّناهي لأسمائهِ
وما هو بَخرّ له ساحلٌ
وتَشْهَدُهُ عَيْنُ أبنائهِ
أبو الكَوْن لو كنتَ تَذْري به
ولا تَقْعُدَنْ بسيسائِهِ
فلا تفرحن بإتيانه
فسبحان مذهب أعياننا
ويا عجباً إذْ كفرنا بها
إذا ما كَفَرْنا بنَعْمَائِهِ
وأني من عين آلائهِ
اعلم أيدنا الله وإياك أن هذا المنزل منزل الحجب المانعة والآلات الدافعة، فمنها
حجب عناية مثل قوله وَّةُ: ((إنَّ له سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ أَوْ سَبْعِينَ حِجَاباً» - الشَّكُّ مني -
(مِنْ نُورٍ وظلمة لَوْ كَشَفَهَا لِأَحْرَقَتْ سبحاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرهُ مِنْ خَلْقِهِ)) وهنا نكتة
وإشارة أن البصر هنا بصر الخلق الذي الحق بصره وهو القابل لهذه الحجب وهو

٣١٣
في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ...
الموصوف بأن الحق بصره وهو عين سبحات الوجه، فإن الله لا يزال يرى العالم ولم يزل
وما أحرقت العالم رؤيته، ومنها حجب غير عناية مثل قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِدٍ
◌َّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
فاعلم أن الحجب على أنواع: حجب كيانية بين الأكوان مثل قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوهُنَّ
مِن وَرَءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ومنها حجب احتجبت بها الخلق عن الله مثل قوله: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا
فِىّ أَكِنَّةِ﴾ [فصلت: ٥] ومنها حجب احتجب بها الله عن خلقه مثل قوله وَّه: ((إنَّ الله يَتَجَلَّى
يَوْمَ القِيَامَةِ لِعِبَادِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْتَهُمْ إِلَّ رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ)) وفي رواية: ((بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ
ثَلاثَةُ حُجُبٍ)) أو كما قال. ومنها ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾
[الشورى: ٥١] كما كلم موسى عليه السلام من حجاب النار والشجرة وشاطىء الوادي الأيمن
وجانب الطور الأيمن وفي البقعة المباركة، وكما قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]
فكلم الله المستجير من خلف حجاب محمد 38 إذ كان هو عين الحجاب، لأن المستجير من
المشركين منه سمع كلام الله فلا نشك أن الله كلمنا على لسان رسول الله وَلّر، وكما أيضاً
كلمنا من وراء حجاب المصلي إذا قال: سمع الله لمن حمده، فألسنة العالم كلها أقوال الله
وتقسيمها لله فيضيف إلى نفسه منها ما شاء ويترك منها ما شاء.
فأمّا الحجب الكيانية التي بين الأكوان فمنها جنن ووقايات، ومنها عزة وحمايات
كاحتجاب الملوك وحجاب الغيرة على من يغار عليه كما قال في ذوات الخدور وهنّ
المحتجبات ومن ذلك: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] وأما الوقايات والجنن فمنها
الحجب التي تقي الأجسام الحيوانية من البرد القويّ والحر الشديد فيدفع بذلك الألم عن
نفسه، وكذلك الطوارق يدفع بها في الحرب المقاتل عن نفسه سهام الأعداء ورماحهم
وسيوفهم فيتقي هذا وأمثاله بمجنه الحائل بينه وبين عدوه ويدفع بذلك عن نفسه الأذى من
خودة وترس ودرع، وقد تكون حجب معنوية يدفع بها الأذى الشخص عمن يتكرم عليه
مثل شخص يصدر منه في حق شخص آخر ما يكرهه ذلك الشخص لكونه لا يلائم طبعه
ولا يوافق غرضه فيلحق به الذم لما جرى منه في حقه فيقوم شخص يجعل نفسه له وقاية
حتى يتلقى هو في نفسه سهام ذلك الذم فيقرّر في نفس الذام أنه السبب الموجب لذلك وأن
ذلك الأذى كان كله من جهته حتى يتحقق ذلك الذام هذا الأمر أنه كان من جهة هذا
الشخص بأي وجه أمكنه التوصل إليه فيعلق الذم به ويكون حائلاً بينه وبين الشخص الذي
كان منه الأذى لذلك الذم فوقى عرضه بنفسه، كما نلحق نحن من الأفعال ما قبح منها مما
لا يوافق الأغراض ولا يلائم الطبع إلينا مع علمنا أن الكل من عند الله، ولكن لما تعلق به
لسان الذم فدينا ما ينسب إلى الحق من ذلك بنفوسنا أدباً مع الله وما كان من خير وحسن
رفعنا نفوسنا من الطريق وأضفنا ذلك إلى الله حتى يكون هو المحمود أدباً مع الله وحقيقة،
فإنه لله بلا شك مع ما فيه من رائحة الاشتراك بالخير الإلهيّ في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَبِّئَةٍ فَنِ نَّفْسِكٌ﴾

٣١٤ في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ...
[النساء: ٧٩] وقال: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] فأضاف العمل وقتاً إلينا ووقتاً إليه فلهذا
قلنا فيه رائحة اشتراك، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فأضاف
الكل إلينا وقال: ﴿فَأَمَهَا ثُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ [الشمس: ٨] فله الإلهام فينا ولنا العمل بما ألهم،
وقال: ﴿كُلَّا تُّمِدُ هَتَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَيِّكٌ﴾ [الإسراء: ٢٠] فقد يكون عطاؤه الإلهام وقد
يكون خلق العمل، فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلاً لا من جهة الكشف ولا من
جهة الخبر، فالأمر الصحيح في ذلك أنه مربوط بين حق وخلق غير مخلص لأحد
الجانبين، فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق تعالى هو عين الوجود الذي
استفادته الممكنات فما ثم إلا وجود عين الحق لا غيره؛ والتغييرات الظاهرة في هذه العين
أحكام أعيان الممكنات، فلولا العين ما ظهر الحكم ولولا الممكن ما ظهر التغيير، فلا بد
في الأفعال من حق وخلق، وفي مذهب بعض العامة أن العبد محل ظهور أفعال الله
وموضع جريانها، فلا يشهدها الحس إلا من الأكوان، ولا تشهدها بصيرتهم إلا من الله من
وراء حجاب، هذا الذي ظهرت على يديه المريد لها المختار فيها فهو لها مكتسب
باختياره، وهذا مذهب الأشاعرة، ومذهب بعض العامة أيضاً أن الفعل للعبد حقيقة، ومع
هذا فربط الفعل عندهم بين الحق والخلق لا يزول، فإن هؤلاء أيضاً يقولون: إن القدرة
الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل أن الله خلق له القدرة عليها فما
يخلص الفعل للعبد إلا بما خلق الله فيه من القدرة عليه فما زال الاشتراك وهذا مذهب أهل
الاعتزال، فهؤلاء ثلاثة أصناف أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة ما زال منهم وقوع الاشتراك،
وهكذا أيضاً حكم مثبتي العلل لا يتخلص لهم إثبات المعلول لعلته التي هي معلولة لعلة
أخرى فوقها إلى أن ينتهوا إلى الحق في ذلك الواجب الوجود لذاته الذي هو عندهم علة
العلل، فلولا علة العلل ما كان معلول عن علة إذا كل علة دون علة العلل معلولة،
فالاشتراك ما ارتفع على مذهب هؤلاء، وأما ما عدا هؤلاء الأصناف من الطبيعيين
والدهريين فغاية ما يؤول إليه أمرهم أن الذي نقول نحن فيه إنه الإله تقول الدهرية فيه إنه
الدهر والطبيعيون إنه الطبيعة، وهم لا يخلصون الفعل الظاهر منا دون أن يضيفوا ذلك إلى
الطبيعة وأصحاب الدهر إلى الدهر، فما زال وجود الاشتراك في كل نحلة وملة، وما ثم
عقل يدل على خلاف هذا، ولا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى
أحد الجانبين فلنقره كما أقره الله على علم الله فيه، وما ثم إلا كشف وشرع وعقل، وهذه
الثلاثة ما خلصت شيئاً ولا يخلص أبداً دنيا ولا آخرة جزاء بما كنتم تعملون، فالأمر في
نفسه والله أعلم ما هو إلا كما وقع ما يقع فيه تخليص لأنه في نفسه غير مخلص، إذ لو
كان في نفسه مخلصاً لا بد إن كان يظهر عليه بعض هذه الطوائف ولا يتمكن لنا أن نقول
الكل على خطأ فإن في الكل الشرائع الإلهية ونسبة الخطأ إليها محال، وما يخبر بالأشياء
على ما هي عليه إلا الله وقد أخبر فما هو الأمر إلا كما أخبر لأن مرجوع الكل إليه، فما
خلص فهو مخلص وما لم يخلص فما هو في نفسه مخلص فإن اللّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهوَ يَهْدِي

في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ... ٣١٥
السَّبِيلَ، فاتفق الحق والعالم جميعه في هذه المسألة على الاشتراك، وهذا هو الشرك الخفيّ
والجلي وموضع الحيرة فلا يرجح فما ثم إلا ما قلناه.
فإذ قد قرّرنا في هذه المسألة ما قرّرناه فلنقل أن الجود الإلهيّ والغيرة الإلهية اقتضيا أن
يقولا ما نبينه إن شاء الله، وذلك أن المتكلمين في هذا الشأن على قسمين: الواحد أضاف
الأفعال كلها إلى الأكوان فقال لسان الغيرة الإلهية ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي حادثاً. وأما القسم الثاني فأضاف الأفعال الحسنة كلها إلى الله
وأضاف الأفعال القبيحة إلى الأكوان فقال لسان الجود الإلهيّ ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ لا تكذيباً
لهم بل ثناء جميلاً، وما ثم من قال: إن الأفعال كلها لله ولا للأكوان من غير رائحة اشتراك،
فلهذا حصرناها في قسمين من أجل الطبيعية والدهرية.
وأمّا حجب العناية وهي حجب الإشفاق على الخلق من الإحراق فهي الحجب التي
تمنع السبحات الوجهية أن تحرق ما أدركه البصر من الخلق، وسبب ذلك أن الله قد وضع
الدعاوى في الخلق لأن أعيانهم لما اتصفت بالوجود بعد العدم وأن ذلك الوجود كان عن
ترجيح المرجح الذي هو واجب الوجود فما أنكره أحد وإن كانت قد تغيرت العبارات عنه
باسم طبيعة ودهر وعلة وغير ذلك فهو هو لا غيره فرأوا أن الوجود لها، وإن كان مستفاداً فإنه
لهم حقيقة وأن أعيانهم هم الموجودون بهذا الوجود المستفاد، وهذه هي أعيان الحجب التي
بين الله وبين خلقه، فلو كشفها عموماً كما كشفها خصوصاً لبعض عباده لأحرقت أنوار ذاته
المعبر عنها بسبحات وجهه ما أدركه بصره من أعيان الموجودات أي أن بصره ما كان يدرك
من الموجودات سوى وجود الحق ويذهب الكل الذي قررته الدعاوى فيتبين أنه الحق
لا غيره، فعبر عن هذا الذهاب بالإحراق لما جعلها أنواراً والأنوار لها الإحراق لكنه تعالى
أبقى حجب الدعاوى ليتميز أهل الله من غيرهم، فلم تزل الممكنات عند أهل الله من حيث
أعيانهم موصوفين بالعدم ومن حيث أحكامهم لم يزالوا موصوفين بالوجود وهو الحق كما قال
تعالى: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) في الخبر الصحيح، فأثبت العين للعبد وجعل نفسه عين صفته
التي هي عين وجوده عين صفة العبد، فعين الممكن ثابتة غير موجودة والصفة موجودة ثابتة
وهي عين واحدة، ولو تكثرت بنسبها فإنها كثيرة في النسب فهي سمع وبصر وغير هذين إلى
جميع ما في العالم من القوى من ملك وبشر وجان ومعدن ونبات وحيوان ومكان وزمان
ومحل ومعقول ومحسوس وما ثم إلا هذا.
ولما قرر الله دعاوى المدعين بإرسال الحجب بينهم وبين ما هو الأمر عليه وشغلهم
بالحجب التي بينهم وبينه في الأفعال وضرب الكل بالكل انفرد بخاصته وجعلهم جلساء له
عنده بالشهود وفي صورهم المحسوسة بالذكر فهو جليس الذاكرين وهم آخر الطوائف ليس
بعدهم أحد له نعت يذكر، قال تعالى لما وصفهم ذكراناً وإناثاً: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًاً
وَالذَّكِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] فختم بجلسائه وما بعد جلسائه من يقبل صفة إلا صفة بعد عن هذه
المجالسة؛ ألا ترى أبا يزيد رحمه الله حين جهل الأسماء الإلهية وما تستحقه من الحقائق كيف

٣١٦ في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ...
صنع لما سمع القارىء يقرأ يوم الجمعة: ﴿يَوْمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] طار
الدم من عينيه حتى ضرب المنبر وتأوّه وقال: ((هذا عجب كيف يحشر إليه من هو جليسه؟»
فإنه في تلك الحالة كان جليساً مع الأسماء من حيث ما هي دالة على الذات كل واحد منها لم
يكن مع الاسم من حيث ما تطلبه حقيقته من عين دلالته على الذات فأنكر ما لم يعطه مشهده
مع كونه كلام الحق وقد وقع منه الإنكار بل ما وقع منه إلا التعجب خاصة فهو يشبه الإنكار
وليس بإنكار، حتى أنه لو كان هذ القول من غير الله لأمر القائل بالسكوت وزجره عن ذلك،
وإنما الرجل أظهر التعجب من قول الله في حق المتقين الذين هم جلساء الله كيف يحشرون
إليه؟ فكأنه إبراهيمي المشهد في طلب الكيفية في إحياء الموتى، فأراد أبو يزيد ما أراده
إبراهيم في كيفية إحياء الموتى لاختلاف الوجوه في ذلك لا إنكاراً لإحياء الموتى، فدل هذا
الكلام من أبي يزيد على حاله في ذلك الوقت، فهذا مثل قول إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ إِنِّّ أَخَافُ أَنْ
يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] والرحمة تناقض العذاب إلا على الوجه الذي قرّرناه في
المنزل الذي قبل هذا المنزل وهو منزل فتح الأبواب، كذلك أبو يزيد لو علم أن المتقي ما هو
جليس الرحمن وإنما هو جليس الجبار المريد العظيم المتكبر فيحشر المتقي إلى الرحمن
ليكون جليسه فيزول عنه الاتقاء فإن الرحمن لا يتقى بل هو محل موضع الطمع والإدلال
والأنس، لكنهم رضي الله عنهم صادقون لا يتعدون ذوقهم في كل حال، بخلاف العامة من
أهل الله فإنهم يتكلمون بأحوال غيرهم والخاصة لا سبيل لهم إلى ذلك، وإن اتفق أن يتكلم أحد
منهم في حال نبيّ أو وليّ هو فوقه فيبين أنه مترجم عن حال غيره حتى يعرف السامع عمن
يقول، هذه حالهم رضي الله عنهم، ولا يقع منهم مثل هذا إلا في النادر لضرورة تدعو إليه،
فإن لهم الكشف الخبريّ عن مقامات من هو فوقهم، وما لهم الكشف الذوقيّ إلا فيما هو
مقامهم وحالهم، فلولا هذه الحجب التي أسدلها الله بين الأكوان وبينه ما تميزت المراتب
واختلطت الحقائق، وهذا سبب وضع الحدود في الأشياء، وقد لَعَنَ الله من غَيََّ مَنَارَ الأرض .
وصل: ومن هذا الباب أن الله ما جمع لأحد بين مشاهدته وبين كلامه في حال
مشاهدته فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون التجلي الإلهيّ في صورة مثالية فحينئذ يجمع بين
المشاهدة والكلام وهذا غير منكور عندنا، وقد بلغنا عن الشيخ العارف شهاب الدين
السهرورديّ ببغداد رضي الله عنه أنه قال بالجمع بين المشاهدة والكلام، ولكن ما نقل عنه
أكثر من هذا، فإني سألت الناقل فلم يذكر لي نوع التجلي والظنّ بالشيخ جميل فلا بد أن يريد
التجلي الصوري، ألا ترى السياريّ من رجال رسالة القشيريّ حيث قال: ((ما التذ عاقل
بمشاهدة قط)) ثم فسر فقال: لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة، والخطاب في حال الفناء
لا يصح لأن فائدة الخطاب أن يعقل ولذلك قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن
وَرَآِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وما زال البشر عن حكم البشرية كمسألة موسى والحجاب عين
الصورة التي يناديه منها وما يزول البشر عن بشريته وإن فني عن شهودها فعين وجودها
لا يزول والحدّ يصحبها. وإنما قلنا هذا لأني سمعت بعض الشيوخ يقول: هذا حظ البشر

٣١٧
في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ...
فإذا زال عن بشريته كان حكمه حكماً آخر، فأبنت له رضي الله عنه أن الأمر ليس كما يظنه،
فلما تحقق ما ذكرناه رجع عن ذلك وقال: ما كنت أظن إلا أن الأمر على ما قلته لم أجعل
بالي من هذا فإنه تكلم في شرح الآية فغلط ما تكلم في ذلك عن ذوق الأمر ومن هنا يقع
الغلط، ونحن نعلم أن الذي قاله الله حق کله وأنه لا یخالف الأذواق، فلا بد أن یکون كلام
الذائق مطابقاً للإخبارات الإلهية حتى يقول من لا معرفة بمقام الرجال إن هذا المتكلم يتكلم
بما لا يخالف ما جاء به قرآن أو سنة، إنما هو أخذه منهما وهو مفسر لهما وصاحب الذوق
ما قال إلا ما ذاقه، فمن المحال أن يخالف شيئاً مما جاء عن الله، لكن الأجنبيّ الذي
لا ذوق له يقول هذا عن الذائق، بل جماعة من أهل الطريق ممن لا ذوق لهم يتخيلون مثل
هذا ويقولون: إن فلاناً يتكلم من حيثما ورد في الأخبار الإلهية ليس له مادة غيرها وينكرون
الذوق لأنهم ما عرفوه من نفوسهم مع كونهم يعتقدون في نفوسهم أنهم على طريق واحدة،
وكذلك هو الأمر أصحاب الأذواق هم على طريق واحدة بلا شك، غير أن فيهم البصير
والأعمى والأعشى، فلا يقول واحد منهم إلا ما أعطاه حاله لا ما أعطاه الطريق ولا ما هو
الطريق عليه في نفسه ولا سيما السلوك المعنويّ فإن عمى القلوب أشد من عمى الأبصار، فإن
عمى القلوب يحول بينك وبين الحق، وعمى البصر الذي لم ير قط صاحبه ليس يحول إلا
بينك وبين الألوان خاصة ليس له إلا ذلك وهذا العمى من الحجب، وكذلك الصمم والقفل
والكنّ والغشاوة دون العمى في الحكم، إلا أن تكون الغشاوة تعطي الظلمة فلا فرق بينها
وبين العمى، فإن خرجت عن حد الظلمة إلى حد السدفة فقد يكون حال صاحبها أحسن من
حال صاحب الظلمة ومن حال الأعمى، قال بعضهم لمحمد وَلّهِ: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْكَ حِجَابٌ﴾
[فصلت: ٥] وهو الأكنّة ﴿فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] أي اعمل في رفع ذلك، ويحتمل
قولهم: ﴿إِنَّنَا عَمِلُونَ﴾ في رفع ذلك في حق من يحتمل صدقه عندهم فإنهم اعترفوا أن
قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه فما جحدوا قوله ولا ردّوه كما اعتقد غيرهم ممن لم يقل
ذلك، فلا أدري ما آل إليه أمر هؤلاء فإنهم عندي في مقام الرجاء، فإنا نعلم قطعاً أن الرسول
يعمل في رفع الغطاء عن أعينهم بلا شك حتى قال: ((لأزيدَنّ على السَّبْعين))، ولذا قال في
الآية: ﴿وَوَيٌَّ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ولم يقل وويل لكم، فهذا يدل بقرينة الحال أنهم عاملون
في رفع الحجاب وإخراج قلوبهم من الأكنة، وإنما كثر الأكنة لاختلاف أسباب توقفهم في
قبول ما أتاهم به، فمنهم من كنه الحسد وآخر الجهل وآخر شغل الوقت بما كان عنده أهمّ
حتى يتفرغ منه والكل حجاب.
ومن أعجب الأشياء الواقعة في الوجود ما أقوله وذلك أن الملائكة إذا تكلم الله
بالوحي كأنه سلسلة على صفوان تصعق الملائكة، ورسول الله ◌َ و كان إذا نزل عليه الوحي
كسلسلة على صفوان يصعق وهو أشد الوحي عليه فينزل جبريل به على قلبه فيفنى عن عالم
الحس ويرغو ويسجى إلى أن يسرّى عنه، وإنه لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد
فيتفصد جبينه عرقاً، وموسى عليه السلام كلمه الله تكليماً بارتفاع الوسائط وما صعق ولا زال

٣١٨ في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ...
عن حسه وقال وقيل له وهذا المقام أعظم من مقام الوحي بوساطة الملك، فهذا الملك يصعق
عند الكلام، وهذا أكرم البشر يصعق عند نزول الروح بالوحي، وهذا موسى لم يصعق ولا
جرى عليه شيء مع ارتفاع الوسائط وصعق لذلك الجبل، فاعلم أن هذا كله من آثار الحجب،
فإن الحكم لها حيث ظهرت فإن الله لما خلقها حجباً لم يكن إلا أن تحجب ولا بد، فلو لم
تحجب لما كانت حجباً .
وخلق الله هذه الحجب على نوعين: معنوية ومادية، وخلق المادية على نوعين: كثيفة
ولطيفة وشفاقة، فالكثيفة لا يدرك البصر سواها، واللطيفة يدرك البصر ما فيها وما وراءها،
والشفاقة يدرك البصر ما وراءها ويحصل له الالتباس إذا أدرك ما فيها كما قيل: [الكامل أحذّ
مضمر]
فتَشَاكَلَا فِتشابَهَ الأَمْرُ
رَقَّ الزُّجاجُ ورَقَّتِ الخَمْرُ
وكأنَّما قَدَحْ ولا خَمْرُ
فكأنّما خَمْرٌ ولا قَدَحْ
وأما المرائي والأجسام الصقيلة فلا يدرك موضع الصور منها ولا يدرك ما وراءها
ويدرك الصور الغائبة عن عين المدرك بها لا فيها، فالصور المرئية حجاب بين البصر وبين
الصقيل وهي صور لا يقال فيها لطيفة ولا كثيفة وتشهدها الأبصار كثيفة وتتغير أشكالها بتغير
شكل الصقيل، وتتموّج بتموّجه، وتتحرّك بتحرك من هي صورته من خارج وتسكن بسكونه
إلا أن يتحرّك الصقيل كتموّج الماء فيظهر في العين فيها حركة، ومن هي صورته ساكن فلها
حركتان: حركة من حركة من هي صورته وحركة من حركة الصقيل، فما في الوجود إلا
حجب مسدلة والإدراكات متعلقها الحجب، ولها الأثر في صاحب العين المدرك لها، وأعظم
الحجب حجابان: حجاب معنويّ وهو الجهل وحجاب حسيّ وهو أنت على نفسك، فأما
الحجاب الأعظم المعنويّ فقول رسول الله وَل# لما أسري به في شجرة فيها وكرا طائر فقعد
جبريل في الوكر الواحد وقعد رسول الله وَّل# في الآخر، فلما وصلا إلى السماء الدنيا تدلى
إليهما شبه الرفرف دراً وياقوتاً وكان ذلك نوعاً من تجلي الحق، قال عليه السلام: ((فأما
جبريل فغُشِيَ عليه)) لعلمه بما تدلى إليه، وأمّا رسول الله وَلَر فبقي على حاله لكونه ما علم
ما هو فلم يكن له سلطان عليه، فلما أخبره جبريل عندما أفاق أنه الحق قال ◌َّ عند ذلك:
((فعلمتُ فَضْلَهُ)) يعني فضل جبريل ((عليّ في العلم))، فالعلم أصعق جبريل وعدم العلم أبقى
النبيّ وَّر على حاله مع وجود الرؤية من الشخصين، فهذا أعظم الحجب المعنوية.
وأمّا كونك حجاباً عليك وهو أكثف الحجب الحسية فقول القائل: [الطويل]
ولاحَ صباح كُنْتَ أنْتَ ظَلامُهُ
بَدَا لك سرِّ طال عَنْكَ اكْتِتَامُهُ
ولولاك لم يُطْبَعْ عليه خِتَامُهُ
فأنْتَ حجابُ القَلْب عن سرّ غَيْبِهِ
على مَنْكِب الكشفِ المَصُونِ خِيَامُهُ
شهيٍّ إلينا نَثْرُهُ ونِظَامُهُ
إذا غِبْتَ عنه حَلَّ فيه وطُثْبَتْ
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سَمَاعُهُ
فما جعل حجاباً عليك سواك.

في المنازل/ الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ... ٣١٩
ثم نرجع إلى مسألتنا ونقول: أما موسى عليه السلام فكان قد استفرغه طلب النار لأهله
وهو الذي أخرجه لما أمر به من السعي على العيال، والأنبياء أشدّ الناس مطالبة لأنفسهم
للقيام بأوامر الحق، فلم يكن في نفسه سوى ما خرج إليه، فلما أبصر حاجته وهي النار التي
لاحت له من الشجرة من ﴿جَانِبِ الطّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [طه: ٨٠] ناداه الحق من عين حاجته بما يناسب
الوقت ﴿إِنَّ أَنَأْ رَبُّكَ فَاخْلَعَ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَى﴾ [طه: ١٢] ﴿وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأُسْتَمِعْ لِمَا
يُؤْحَىّ﴾ [طه: ١٣] ولم يقل لما أوحي ﴿إِنَّنِىّ أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] فثبته الخطاب الأوّل بالنداء لأنه
خرج على أن يقتبس ناراً أو يجد على النار هدى وهو قوله: ﴿أَعَلِّ ءَاتِكُمْ مِنْهَا بِخٍَ﴾
[القصص: ٢٩] أي من يدله على حاجته، فكان منتظراً للنداء قد هيأ سمعه وبصره لرؤية النار
وسمعه لمن يدله عليها، فلما جاءه النداء بأمر مناسب لم ينكره وثبت، فلما علم أن المنادي
ربه وقد صح له الثبوت وجاءه النداء من خارج لا من نفسه ثبت ليوفي الأدب حقه في
الاستماع، فإنه لكل نوع من التجلي حكم، وحكم نداء هذا التجلي التهيؤ لسماع ما يأتي به
فلم يصعق ولاغاب عن شهوده، فإنه خطاب مقيد بجهة مسموع بإذن وخطاب تفصيلي،
فالمثبت للإنسان على حسه وشهود محسوسه قلبه المدبر لجسده، ولم يكن لهذا الكلام
الإلهيّ الموسويّ توجه على القلب، فليس للقلب هنا إلا ما يتلقاه من سمعه وبصره وقواه
حسبما جرت به العادة، فلم يتعدّ الحال حكمه في موسى عليه السلام.
وأما أمر محمد # فهو نزول قلبيّ وخطاب إجماليّ كسلسلة على صفوان فاجعل بالك
لهذا التشبيه؛ فاشتغل القلب بما نزل إليه ليتلقاه فغاب عن تدبير بدنه فسمى ذلك غشية
وصعقاً، وكذلك الملائكة أخبر النبيّ 18َّ عن الملائكة في طريان هذا الحال أنه إذا كان
الوحي المتكلم به كسلسلة على صفوان وكان نزوله على قلوب الملائكة فإنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا
فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] ثم لما أفاقوا أخبر عنهم بأنهم يقولون: ﴿مَاذَا﴾ وهنا وقف ثم
يجيبهم فيقول: ﴿رَبِّكُمْ﴾ وهنا وقف فيقولون: ﴿اُلْحَقَّ﴾ بالنصب أي قال الحق كذا علمناه
﴿وَهُوَ الْعَلِىّ﴾ عن هذا النزول في هذا النزول ﴿الْكِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] عن هذا التشبيه في هذه
النسبة. وعلى الوجه الآخر قالوا: ﴿مَذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ وهنا وقف فيقول بعضهم لبعض ﴿أَلْحَقّ
وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] من قول الله لا من قول الملائكة فعلى الوجه الأوّل لما أفاقوا
وأزال الخطاب الإجمالي المشبه وزالت البديهة ﴿قَالُواْ مَاذَا﴾ فقال لهم: ﴿رَبِّكُمْ﴾ وهو قوله:
﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] فما صعقوا عند هذا القول بل ثبتوا و﴿قَالُواْ أَلْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣] أي قال
الحق؛ أي قال ربنا القول الحق؛ يعنون ما فهموه من الوحي، أو قوله: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:
٢٣] أو هما معاً وهو الصحيح فهذا الفرق بين حال موسى عليه السلام وبين حال محمد وَل
وحال الملائكة عليهم السلام.
واعلم أن في هذا المنزل من العلوم علم ثناء الحق على نفسه بخلقه وهو المثني على
نفسه بغناه عن خلقه، فأيّ الثناءين أتم وأحق؟ وما هو الحق من هذين الثناءين؟ وما هو
الحقيقة منهما أو كلاهما حقيقتان لحقين أو هما حقان ولهما حقيقتان؟ وفيه علم الفرق بين

٣٢٠ في المنازل / الباب الموفي خمسين وثلاثمائة في معرفة منزل تجلي الاستفهام ورفع الغطاء ...
العلم والحكمة والخبرة، وفيه علم العلم بما في العالم بتقاسيم أحوالهم، وفي علم النيابة في
الأجوبة عن الله ولا يكون ذلك إلا لرسول أو نبيّ أو وارث عن سماع لخطاب إلهيّ لا عن
تجل ولا خطاب حال، وفيه علم علم الله، وفيه علم أين أودع الله علمه في خلقه من العوالم
وهل أودعه في واحد أو فيما زاد على واحد؟ وفيه علم بماذا تتميز به القبضتان في عالم
الشهادة وبماذا تتميز به في عالم الغيب، وفيه علم الدلالة على العلماء وأصحاب الأخبار
الإلهية لنعرفهم فنتلقى منهم ما يأتون به عن الله فنساويهم في العلم بذلك رغبة في أن تلحق
نفوسنا بنفوسهم في الصورة وإن اختلفت الطرق فلا أثر لاختلافها في صورة العلم، وهذا هو
الذي يحرّض الأكابر من العلماء الأكابر على نشر العلم كما يحرّض المتعلمين على طلب
العلم من أكابر العلماء الذي يعلمون أنهم أعلم بالله منهم، ومن هذا قال الرجل للتلميذ: ((لأن
ترى أبا يزيد مرة خير لك من أن ترى الله ألف مرة)» لفضله عليه في العلم بالله لما علم أن
ظهور الحق لعباده على قدر علمهم به، فرؤيتنا الله بعلم العلماء به إذا استفدناه منهم أتم من
رؤيتنا بعلمنا قبل أن نستفيده منهم.
وفيه علم إحاطة الاعتبار بالجهات وأن علم الاعتبار لا يخص حالاً من حال ولا جهة
من جهة وأنه علم عام وهو علم يعطي الدلالة لمن رجع إلى الله بالعبودة، وفيه علم الأمر
والنهي الإلهي بالمساعدة في العبادة وأعمال الخير، وفيه علم إرسال النعم الخارقة وما
يحجب منها وماذا يحجب، وفيه علم قوى المسخرات في التسخير إلى أين تنتهي قواهم فيما
سخروا فيه، وفيه علم الموت المجهول في الميت وبماذا يعرف؟ كما حكى القشيري في
رسالته عن بعضهم أنه مات إنسان فنظر إليه الغاسل فتحير فلم يدر أهو ميت أم ليس بميت
وهو ميت في نفس الأمر، ومثل هذا ظهر على صاحب لي كان يخدمني فمات عندي فشك
فيه الغاسل عند غسله هل هو ميت أم لا؟
وفيه علم أثر العلم في العالم ومن ادّعى العلم ولم يؤثر فيه ما هو عالم وهي مسألة
مشكلة يورث الإشكال فيها الحس فإنه ما رأينا أحداً يلقي نفسه في النار لعلمه أنها تحرقه إلا
طائفتين: الواحدة من تتخذها قرباناً فتلقي نفسها فيها طلباً للإحراق قربة إليها أو من يعلم أنها
لا تحرقه فعلمنا أن العلم له أثر في العالم.
وفيه علم آيات النعم وعلى ماذا تدل وما حقها على من يراها آية، وفيه علم العلم القوي
الذي يذهب بما سواه من العلوم التي يجدها في القلب، وفيه علم الأدنى والأعلى وما السبب
الموجب للطالب في طلبه الأدنى وتركه الأعلى مع علمه بمرتبة كل واحد منهما؟ وفيه علم
أسباب الجزاء في الخير والشر، وفيه علم البعد والقرب الكياني والإلهي، وفيه علم ما في
علم القرب والبعد من الآيات الدالة على الله، وفيه علم موافقة الظنّ العلم وبماذا يعلم
صاحب الحق أنه علم لا ظن وقد كان يعتقد أن ذلك ظن، وفيه علم حال أهل الريب وبمن
يلحقون من الأصناف وما ينظر إليهم من الأسماء، وفيه علم الحوالة، وفيه علم أحوال الملأ