Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ في المنازل/ الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين مشاركة فيه وهو الحافظ والمصوّر فإن الحس له أثر في الحفظ والتصوير، فلولا الاشتراك ما وصف الحق بهما نفسه فهو الحافظ المصور؛ فهاتان صفتان روحانية وحسية، فتنبه لما نبهناك عليه لئلا ينكسر قلبك لما أنزلتك منزلة القوى الحسية لحساسة الحس عندك وشرف العقل، فأعلمتك أن الشرف كله في الحس وأنك جهلت أمرك وقدرك، فلو علمت نفسك علمت ربك كما أن ربك علمك وعلم العالم بعلمه بنفسه وأنت صورته، فلا بد أن تشاركه في هذا العلم فتعلمه من علمك بنفسك، وهذه نكتة ظهرت من رسول الله وَ ل حيث قال: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) إذ كان الأمر في علم الحق بالعالم علمه بنفسه وهذا نظير قوله تعالى: ﴿سَؤُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ آَلَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فذكر النشأتين: نشأة صورة العالم بالآفاق ونشأة روحه بقوله: ﴿وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ فهو إنسان واحد ذو نشأتين حتى يتبين لهم للرائين أنه الحق أي أن الرائي فيما رآه الحق لا غيره، فانظر يا وليّ ما ألطف رسول الله وَلو بأمّته وما أحسن ما علمهم وما طرّق لهم، فنعم المدرس والمطرق، جعلنا الله ممن مشى على مدرجته حتى التحق بدرجته آمين بعزته، فإن كنت ذا فطنة فقد أومأنا إليك بما هو الأمر عليه بل صرّحنا بذلك وتحملنا في ذلك ما ينسب إلينا من ينكر ما أشرنا به في هذه المسألة من العمي الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ووالله لولا هذا القول لحكمنا عليهم بالعمى في ظاهر الحياة الدنيا والآخرة، كما حكم الله عليهم بعدم السماع مع سماعهم في قوله تعالى ناهياً: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] مع كونهم سمعوا نفى عنهم السمع، وهكذا هو علم هؤلاء بظاهر الحياة بما تدركه حواسهم من الأمور المحسوسة لا غير، لأن الحق تعالى ليس سمعهم ولا بصرهم، فلنذكر ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم إن شاء الله : فمن ذلك علم عطش العالم الذي لا يقبل معه الري من العلم بالله، وفيه علم استناد هذا العلم الذي أعطاه هذا التعطش إلى حضرة الجمع الذي فيه عين الفرقة، وفيه علم ما يحصل بالذكر هل هو علم ما نسيه أو مثله لا عينه لشبهه في الصورة فإنه كان عالماً بأمر ثم نسيه لما تعطيه نشأته فلم تحفظ عليه صورة علمه بذلك المعلوم ثم ذكره بعد ذلك فهل ما شاهده في ذكره عين ما نسيه أو مثله؟ فإن الزمان قد اختلف عليه مع شبه الزمان بعضه ببعضه فأنت تعلم أن عين أمس ما هو عين اليوم ولا عين غد مع شبهه به في الصورة فمن أي قبيل هو علم الذكر؟ فإن كان هو عينه فمن حفظه حتى ذكره، وأين خزانة حفظه هل هي في الناسي ولا ندري أو لها موضع آخر تحفظ فيه زمان نسيانه؟ فإذا تذكر كان عين تجلي ذلك العلم له فيكون الحق خزانته وهو الحافظ له والمجلي له حتى يذكره هذا الناسي، وإن لم يكن الأمر كذلك وإلا فليس بذاكر لما نسي بل هو متعلم علماً جديداً مماثلاً لعلمه الأوّل، وإنما وقع التجديد في التجلي الذي أعطاه ذكر ما نسي وهي مسألة عجيبة في علم كون العبد نسي ربه في أوقات ما لشغله بنفسه أو بشيء من العالم ثم يتذكره وهذا المنسي الذي لا يقبل التجديد بل هو عينه فمن هنا تعرف علم ذكر ما نسيته. وفيه علم البَدَاء وهل يستحيل هذا ٢٨٢ في المنازل / الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين الوصف على الله أم لا؟ ومن هنا أنكر من أنكر النسخ الإلهيّ في الأمور والشرائع وقال بإنكاره خلق كثير كما قال بتقريره لا على جهة البَدَاء خلق كثير، ونحن سلكنا في علم النسخ طريقاً بين طريقين فلم نقل بالبداء ولا نفينا النسخ وجعلناه انتهاء مدّة الحكم في علم الله إذ لم يرد حكم من الله ذكر أنه مؤبد أو جار إلى أجل معين ثم رفعه قبل وصول ذلك الأجل فلهذا سلكنا هذه الطريقة فيه، وفيه علم من ظهر في غير منزلته بصورة غيره حتى جعل نفسه مشقاً أو مثلاً لمن تلك صورته ليوقع اللبس ما حكم الله فيمن هذه صفته وما نعته الذي ينبغي أن يطلق عليه، وفيه علم الحكمة في الأمور التي تعطي التقديم والأمور التي تعطي التأخير بحكم الجزم أو بحكم الاختيار، وفيه علم منزلة المعتبرين في اعتبارهم ومن أين تطرق لهم هذا الزلل مع صحة الاعتبار في نفسه فإنه لا زلل فيه وإنما الزلل في المعتبرين وتميز طبقاتهم في ذلك وهو علم عزيز إذ ما كل معتبر يقيم الاعتبار في موضعه وهل المعتبر فيه بفتح الباء لما نصبه الحق هل نصبه لمجرد الاعتبار خاصة فلا يكون له قرار في نفسه إلا ما دام عبرة، فإذا ارتفعت عنه صفة الاعتبار من العالم ارتفع وجوده أو هو مقرر في نفسه لا يزول سواء اعتبره المعتبر أو لم يعتبره أو زال الاعتبار من العالم كما يزول في الآخرة عند الإقامة في الدارين، وفيه علم إنكار الجاهل على العالم من أين أنكر عليه هل من حضرة أو صفة أو وجودية في عينها أو عن تخيل لا وجود له من خارج في عينه بل في حضرة خيال المنكر، فإن إنكار العالم على الجاهل ما ينكره الجاهل عليه ما هي صورته صورة إنكار الجاهل على العالم وإن اجتمعا في النكران وهل على الحقيقة في العالم ما ينكر أم لا؟ وما هو الإنكار وعلى ما هو حقيقة؟ هل هو أمر وجودي أو نسبة؟ وفيه علم التنافس من أين ظهر في العالم ولماذا لا يظهر إلا في الجنس؟ وهل التشبه بالإله من هذا القبيل فإن كان فما الجنس الجامع بين الخلق والحق؟ هل الصورة التي نالها الإنسان الكامل المخلوق عليها أو ما ينافس هذا الإنسان الجزئي إلا الإنسان الذي لم يزل يحفظ صورة الحق في نفسه الذي هو ظل له فيحب هذا الإنسان الجزئي أن ينال رتبة ذلك الإنسان الذي هو ظل الصورة الإلهية أو ليس صورة الحق إلا عين هذا الإنسان الذي عبرنا عنه بالظل والحق روح تلك الصورة فيكون الحق ذا صورة وروح كما يتجلى في الآخرة فينكر ويعرف فإن الله ما ذكر ذلك التجلي سدى أعني في ذكر النبيّ ◌َّ له في هذه الحياة الدنيا فما ذكره إلا لينبه القلوب على طلب علم ذلك من الله، وفيه علم خزائن الرحموت لا الرحمة، وفيه علم الرحمة المستندة إلى إعطاء الإنعام وإلى المقام الذي به رفعت حكم الغضب الإلهيّ من العالم وإلى المقام الذي يكون منه خلق ما يصلح بالعالم وأعني بذلك كله عالم التكليف، ومن هذا المقام تكلم القائلون بوجوب مراعاة الأصلح في حق الحق. وفيه علم الترقي في علم الأسباب هل ينتهي أو لا ينتهي؟ وهل الترقي سبب فيرتقي فيه وبه، وفيه علم الفتن والملاحم المعنوية ولمن تكون الغلبة فيها والظهور وإلى حيث ينتهي أمر هذه الفتن، وفيه علم تشبه العالم بالعالم وطبقاته فمن ذلك ما هو تشبه محمود كتشبه عالم التكليف منا بعالم التسبيح وهو كل شيء مسبح بحمد الله من العالم وكتشبه الإنسان بمن تقدّمه ٢٨٣ في المنازل/ الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين ـسـ في مكارم الأخلاق ومنه ما هو تشبه مذموم، وأما التشبه بالحق فذلك التشبه المطلوب عند أكثر أهل الله، وأما عندنا فلا يصح التشبه بالله، وما قال به من الحكماء إلا من لا معرفة له بالأمر على ما هو عليه في نفسه. وفيه علم الفرق بين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُغْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] وبين قوله تعالى: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] فوحد وثنى، فما محل التثنية من محل الإفراد أو كيف هو الأمر؟ وفيه علم الخاتمة في الحال قبل كونها هل ذلك خاتمة في حق العالم بها أم لا؟ وهل العلم بذلك من البشرى التي قال الله فيها: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوَةِ﴾ [يونس: ٦٤] أم لهذا صورة وللبشرى صورة أخرى؟ فإن النبيّ وَل قد بشر جماعة بالجنة وعاشوا بعد ذلك زماناً طويلاً بخلاف بشرى المحتضر، وفيه علم القوة الحادثة وتجزئها في المحدثات وهل ثم محدث أخذها كلها أم لا يتصور ذلك؟ وما قدرها من القوّة الإلهية هل هي جزء من كذا وكذا جزء منها أم لا؟ فإن القوّة الإلهية محلها الممكنات على الإطلاق والقوة الحادثة محلها بعض الممكنات، فإذا حضرت أجناس العالم الممكن وسميت ما للقوّة من الممكنات علمت على القطع مقدار ذلك من القوّة الإلهية. وفيه علم الفرق بين التسخير العام والتسخير الخاص وهل كون الحق ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] و﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] هل هو من علم التسخير وبابه أو هو من حقيقة أخرى؟ فإن السيد بصورة الحال يقوم بما يحتاج إليه عبده فهو تسخير دقيق يعطي كمالاً في السيد، فإن العبد ليست منزلته أن يسخر سيده ومنزلة العبد أن يكون مسخراً تحت تسخير سيده، بالحالين تسخير بأمر سيده وتسخير بنفسه من ذاته لكونه عبداً وقد يسخر لغير سيده من أمثال سيده ومن أمثاله بطرق مختلفة، منها ما يكون تسخيره لذلك الغير عن أمر سيده، ومنها ما يكون بطريق المروءة مع المسخر له بفتح الخاء، ومنه ما يكون عادة لاستصحاب التسخير له من كونه عبداً فصار له ذلك ديدناً يحكم عليه فيتسخر لغير سيده بحكم العادة لا بالمروءة ولا بأمر السيد وفيه علم نظر العالم كله إلى هذا الإنسان هل ينظر إليه من كونه خليفة أو ينظر إليه من حيث ما عنده من الأمانات له ليؤديها إليه فهو مرسل من الحق بحكم الجبر لا بحكم الاختيار لأنه ما خلق بالأصالة إلا التسبيح خالقه، وفيه علم ما تقع به العناية الإلهية للعبد وما يعطيه ذلك الاعتناء من المنزلة والعلم، وفيه علم الإجمال والتفصيل. وفيه علم دقيق وهو أن آدم عليه السلام أعطى لداود من عمره ستين سنة حين رأى صورته بين إخوته فأحبه فقبل ذلك داود فجحد آدم بعد ذلك ما أعطاه فانكسر قلب داود عند ذلك فجبره الله بذكر لم يعطه آدم فقال في آدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِىِ اُلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وما عينه باسمه ولا جمع له بين أداة المخاطب وبين ما شرّفه به فلم يقل له وعلمتك الأسماء كلها، وقال في خلافة داود: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةُ فِى اَلْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] فسماه فلما علم الله أن مثل هذا المقام والاعتناء يورثه النفاسة على أبيه آدم فإنه على كل حال بشر يكون منه ما يكون من البشر وما عرف قدر هذا إلا رسول الله وعليه فقال: ((إنَّما أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ)) يعني لنفسه ولحق غيره ((وَأَرْضَى كَمَا يَرْضَى البَشَرُ)) يعني لنفسه ولغيره، وكان هذا من التأديب الإلهيّ الذي أدّبه به ربه تعالى فيما أوحى به ٢٨٤ في المنازل/ الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين إليه فقال له: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١] أي حكم البشرية فيّ حكمها فيكم، فلما أراد الله تأديب داود لما يعطيه الذكر الذي سماه الله به من النفاسة على أبيه ولا سيما وقد تقدم من أبيه في حقه ما تقدم من الجحد لما امتن به عليه لكون الإنسان إذا مسه الخير منوعاً غير أن آدم ما جحد ما جحده إلا لعلمه بمرتبته حيث جعله الله محلاً لعلم الأسماء الإلهية التي ما أثنت الملائكة على الله بها ولم تعط بعده إلا لمحمد ونَ﴾ وهو العلم الذي كني عنه بأنه جوامع الكلم، فعلم آدم أن داود في تلك المدّة التي أعطاه من عمره لا يمكن أن يعبد الله فيها إلا على قدر كماله وهو أنقص من آدم في المرتبة لا شك لسجود الملائكة وما علمهم من الأسماء فطلب آدم أن يكون له العمر الذي جاد به على ابنه داود عليه السلام ليقوم فيه بالعبادة لله على قدر علوّ مرتبته على ابنه داود وغيره مما لا يقوم بذلك داود، فإذا قام بتلك العبادة في ذلك الزمان المعين وهب لابنه داود أجر ما تعطيه تلك العبادة من مثل آدم، ولو ترك تلك المدّة لداود لم تحصل له رتبة هذا الجزاء وحصل لآدم عليه السلام من الله على ذلك رتبة جزاء من آثر على نفسه فإنه يجزى بجزاء مثل هذا لم يكن يحصل له لو لم يكن ترك تلك المدة لداود، فكما أحبه في القبضة حين أعطاه من عمره ما أعطاه كذلك من حبه رجع في ذلك ليعطيه جزاء ما يقع في تلك المدة من آدم من العمل ولا علم لداود بذلك، فلما جبره الله بذكر اسمه في الخلافة قال له من أجل ما ذكرناه من تطرق النفاسة التي في طبع هذه النشأة وإليه: ﴿وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَىُ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] فحذره فشغله ذلك الحذر عن الفرح بما حصل له من تعيين الله له باسمه، ولكن قد حصل له الفرح وأخذ حظه منه قبل أن يصل إليه : زمان ﴿وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا عن الله فأمره بمراقبة السبيل، ثم تأدب الله معه حيث قال له: ﴿إِنَّ الَِّينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ﴾ [ص: ٢٦] ولم يقل فإنك إن ضللت عن سبيل الله لك عذاب شديد، وهذا علم شريف، وفي هذا المنزل علم أصحاب الكشف أنه ليس من حقيقة الكشف أن يعلمه المكاشف في كل صورة بل ذلك على قدر ما يريده الحق فيستر عنه ما شاء ويطلعه على ما شاء، فليس من شأن المكاشف نفوذ بصره في كل صورة تتجلى له بل تقوم له تلك الصورة التي لا يدري ما هي مقام كثافة الصورة عن إدراك الحس البشري لما خطر في نفس تلك الصورة التي أدركها البصر، وفي وقت آخر يعطيه الكشف بما تكلم به ذلك الشخص في قلبه وهو الكلام على الخاطر عن علم معين له وكشف لا عن زجر ولا حدس ولا موافقة. وفيه علم ما يبقى الرفق الإلهي بالعالم، وفيه علم حكمة وجود العالم، وفيه علم أسباب النزول، وفيه علم الوهب والكسب، وفيه علم ما هو الأمر الذي يقوم فيه العبد مقام سيده وفيه علم رعاية الأسباب التي أعطت الخير لصاحب النظر فيها، وفيه علم الأبدال أي علم الصور التي يدركها البدل على صورته حيث شاء على علم منه وأن منزلته منزلة عيسى عليه السلام في قوله: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] وعلم الصور التي يقيمها الحق بدلاً من صورة هذا الذي يقام عنه حيث شاء الحق على غير علم من ٢٨٥ في المنازل/ الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... هذا الذي يقام عنه، ومنزلته فيها منزلة يحيى عليه السلام في قول الله ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] وأي المقامين أتم وأعلى، وكون يحيى لم يجعل له من قبل سميًّا، واختصاصه بذبح الموت يوم القيامة، وفيه علم ما السبب الذي يدعو الإنسان أن يطلب الانفراد بالأتم والأعلى والتفوق على غيره، وفيه علم رفع المقادير هل ترفع في نفس الأمر أو لا يصح رفعها، وإنما ترفع في حق من ترفع في حقه وهي مقدّرة عند الله من حيث لا يشعر العالم بذلك، وفيه علم أن كل شيء يعلمه الإنسان إنما هو تذكر لا ابتداء علم وأن كل علم عنده لكنه نسيه، وفيه علم صورة تسليط الجن على الإنس والإنس على الجن، وهل تسليط الجن على الإنس ظاهراً وباطناً أو هو في حق قوم ظاهراً خاصة والباطن معصوم أو كيف هو الأمر؟ وكذلك القول في تسليط الإنس على الجن إلا أن الإنس ليس لهم تسليط إلا على ظاهر الجن إلا من تروحن من الإنس وتلطف معناه بحيث يظهر في ألطف من صور الجن فيسري بذاته في باطن الجن سريان الجن في باطن الإنس فيجهله الجنيّ ويتخيل أن ذلك من حكم نفسه عليه وهو حكم هذا الإنسيّ المتروحن، وما رأيت أحداً نبّه على هذا النوع من العلم وأطلعني الله تعالى عليه فما أدري هل علمه من تقدم من جنسي وما ذكره أم لا؟ وفيه علم الدواء الذي يزيل به الإنسان ما أثر فيه الجن في تسلطه عليه، وفيه علم ما ينكشف له بعد ذهاب هذا الأثر منه، وفيه علم صدور الكثرة عن الواحد وهل صدر عن الواحد أحدية الكثرة أو الكثرة؟ وفيه علم الصادر عن المصدر أنه يؤذن أن يكون له حكم المصدر فإن ثبت هذا فيكون مآل العالم المكلف إلى الراحة فإن الحق ما صدر عنه العالم من يوم الأحد إلى يوم الجمعة ودخل يوم الأبد هو يوم السبت والسبت الراحة وهو السابع من الأيام الذي لا انقضاء له وما مس الخالق من لغوب في خلقه ما خلق، ولكن كان يوم السبت يوم الفراغ من طبقات العالم وبقي الخلق من الله فيما يحتاج إليه هذا العالم من الأحوال التي لا ينتهي أبدها ولا ينقضي أمدها، وفيه علم نشء الملائكة، وفيه علم نشء الإنسان ومرتبته وماله من الحضرة الإلهية وتفاضل أشخاص هذا النوع بماذا يكون التفاضل هل بالنشء أو بما يقبله من الأعراض؟ وفيه من العلوم غير هذا ولكن قصدنا إلى المهم فالمهم من ذلك لننبه القلوب عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية والصف الأوّل عند الله تعالى [السريع]: وبين مَنْ زَادَ على علْمِهِ كم بَيْنَ من يعلمُ ما كان لَهْ وذاك ما يبرحُ من حُكْمِهِ هذا الذي في علمه يَرْتَقي والعلمُ للآخَر من كَمِّهِ فالحالُ للأوّل من كَيْفِه فعلمُه يُرْبي على فَهْمِهِ وكَمُّهُ لا ينتهي حكمُه ٢٨٦ في المنازل / الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... فَهُمٌ وقد يُدْرَكَ من وَهْمِهِ لولا وجودُ الحَرْفِ ما كان لي وليس للحَقِّ سوى علمهِ فالعلمُ والفهمُ لعيني معاً وقال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاتٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقال: ﴿مَانَيْنَهُ رَحْمَةُ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] وقال: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال رسول الله وَلَهُ: ((كَمَا تَصفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا)). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] فاختلفت إضافات هذه العندية باختلاف ما أضيفت إليه من اسم وضمير وكناية، وهي ظرف ثالث ما رأيت من أهل الله من تنبه له حتى يعرف ما هو، فإنه ليس بظرف زمان ولا ظرف مكان مخلص بل ما هو ظرف مكانة جملة واحدة على الإطلاق، وكذلك هو في قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ﴾ [النحل: ٩٦] فجعل لنا عندية وما هي ظرف مكان في حقنا فعجبت من العلماء كيف غفلوا عن تحقيق هذه العندية التي اتصف بها الحق والإنسان، ثم إن الله جعل عنديته ظرفاً لخزائن الأشياء ومعلوم أنه يخلق الأشياء ويخرجها من العدم إلى الوجود، وهذه الإضافة تقضي بأنه يخرجها من الخزائن التي عنده فهو يخرجها من وجود لم ندركه إلى وجود ندركه فما خلصت الأشياء إلى العدم الصرف بل ظاهر الأمر أن عدمها من العدم الإضافي، فإن الأشياء في حال عدمها مشهودة له يميزها بأعيانها مفصلة بعضها عن بعض ما عنده فيها إجمال، فخزائنها أعني خزائن الأشياء التي هي أوعيتها المخزونة فيها إنما هي إمكانات الأشياء ليس غير ذلك لأن الأشياء لا وجود لها في أعيانها بل لها الثبوت، والذي استفادته من الحق الوجود العيني فتفصلت للناظرين ولأنفسها بوجود أعيانها ولم تزل مفصلة عند الله تفصيلاً ثبوتياً، ثم لما ظهرت في أعيانها وأنزلها الحق من عنده أنزلها في خزائنها فإن الإمكان ما فارقها حكمه، فلولا ما هي في خزائنها ما حكمت عليها الخزائن فلما كان الإمكان لا يفارقها طرفة عين ولا يصح خروجها منه لم يزل المرجح معها لأنه لا بدّ أن تتصف بأحد الممكنين من وجود وعدم فما زالت هي والخزائن عند الله إذ المرجح لا يفارق ترجيح أحد الممكنين على هذه الأشياء فما لها خروج من خزائن إمكانها، وإنما الحق سبحانه فتح أبواب هذه الخزائن حتى نظرنا إليها ونظرت إلينا ونحن فيها وخارجون عنها كما كان آدم خارجاً عن قبضة الحق وهو في قبضة الحق يرى نفسه في الموطنين، فمن رأى الأشياء ولم ير الخزائن ولا رأى الله الذي عنده هذه الخزائن فما رأى الأشياء قط فإن الأشياء لم تفارق خزائنها وخزائنها لم تفارق عندية الله، والضمائر والعندية الإلهية لم تفارق ذاته، فمن شهد واحداً من هذه الأمور فقد شهد المجموع: [مخلع البسيط] فيها لأشيائه خَزائِنْ عنْديَّةُ الحَقُ عينُ ذاته فهي لما يَختَويه صائنْ لأنه أعيُنُ الكوائن ما هي عنديَّةُ الأماكنْ يُنَزَّلُ منها الذي يَرَاهُ إنزالُه لم يُزله عنها عنديَّةٌ ظَرْفُها نزيهٌ ٢٨٧ في المنازل/ الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... والدهرُ ظرفٌ لكلّ ساكِنْ ودهرُها الله لا زمانٌ مسكنه أشرفُ المساكنْ يَمْلُكُهُ بالسكون فيه فَهْيَ كمَلْزُومِه تُعَايِنْ ليس لها نَقْلَةٌ بلا هو وما أنا للغريم ضامنْ ما سُقْتُهُ من دقيق معنى فما في الكون إن كنت عالماً أحدية إلا أحدية المجموع لأنه لم يزل إلهاً ولا يزال إلهاً، وما تجدّد عليه حكم لم يكن عليه ولا حدث اسم لم يكن تسمى به فإنه المسمى نفسه ولا قام به نعت لم يكن قبل ذلك منعوتاً به بل له الأمر من قبل ومن بعد، فهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العليا والإله الذي في العماء والرحمن الذي وصف نفسه بالاستواء والرب الذي ينزل كل ليلة في الثلث الباقي من الليل إلى السماء وهو معنا أينما كنا؛ ما يكون من نجوى عدد معين إلا وهو مشفع ذلك العدد أو موتره فهو رابع الثلاثة وسادس الخمسة وأكثر من ذلك وأدنى، فهل رأيت أو هل جاءك من الحق في وحيه إلا أحدية المجموع لأنه ما جاء إلا إله واحد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُذُوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُ﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿اَلْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِ﴾ [الحشر: ٢٤] وأنت تعلم إن كنت من أهل الفهم عن الله أن هذه الأسماء وإن ترادفت على مسمى واحد من حيث ذاته فإنا نعلم أنها تدل على معان مختلفة ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فما ندعو إلا إلهاً واحداً له هذه الأسماء المختلفة الحقائق والمدلولات، ولم تزل هذه الأسماء أزلاً، وهذه هي الخزائن الإلهية التي فيها خزائن الإمكانات المخزونة فيها الأشياء، فقابل الجمع بالجمع، والكثرة بالكثرة، والعدد بالعدد، مع أحدية العين فذلك أحدية الجمع، وكل مصل يناجي ربه في خلوته معه، وأن الله واضع كنفه عليه فو المطلق المقيد العام في الخصوص الخاص في العموم. واعلم أن الله جعل لنا موطنين في التصفيف لم يجعل ذلك لغيرنا من المخلوقين : صف في موطنِ الصلاة، وصف في موطن الجهاد فقال: ﴿إِنَّ اللََّ يُحِبُ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] وأمرنا بالتراص في الصف في الصلاة، وذكر أن الملائكة تتراص في الصف عند ربها وجعل صفوفنا كصفوف الملائكة وليس ذلك لغيرنا من الأمم ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿يَوْمَ يَقُومُ الزُّوحُ﴾ وهو الإمام ﴿وَالْمَلَتِكَةُ صَفًا﴾ [النبأ: ٣٨] فالإمام صف وحده لأنه مجموع وأحديته أحدية المجموع ولذلك كان صفاً وحده، وتجلى الحق لأهل الصفوف في مجموع الأحدية لا في أحدية المجموع، لأن كل شخص من أشخاص الصفوف يناجي من الحق ما يعطيه حضوره وما يناسب قصده وما هو عليه من العلم بربه، ولهذا تجلى لهم في مجموع الأحدية فسبق لهم المجموع وأضافه إلى الأحدية حتى لا يشركوا مع الله أحداً في عبادتهم مع اختلاف مقاصدهم وعقائدهم وأحوالهم وأمزجتهم ومناسباتهم ولهذا تختلف سؤالاتهم وتكثر، فلو تجلى لهم في أحدية ٢٨٨ في المنازل/ الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... المجموع لم يتمكن لهم النظر إلى المجموع مع وجود تقدم الأحدية، ولو كان ذلك لكانت مقاصدهم مقصداً واحداً وسؤالهم سؤالاً واحداً، وحالاتهم في الحضور حالاً واحدة، وعلمهم بالله علم واحد والواقع ليس كذلك، فدل على أن التجلي كان في مجموع الأحدية ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فرجع المجموع إلى الواحد وأضيف إليه لئلا يتخيلوا أن المجموع وجود أعيان وهو وجود أحكام وأن الله ما شرع الإمام في الصلاة إلا ليقابل به الأحدية التي أضاف المجموع إليها ويقابل بالجماعة مجموع الأحدية، فالإمام يناجي الأحدية خاصة، ولهذا اعتقد من اعتقد عصمة الإمام في الصلاة حتى يسلم وهم أصحاب الإمام المعصوم لأن الواحد لا يسهو عن أحديته إلا المعلم بالفعل فإنه يقوم به السهو ليعلم كيف يكون حكم الساهي من الجماعة وليس إلا الأنبياء خاصة، وما عدا الرسل فهو متبع واحد من أهل الصف، فإذا تقدم هو وليس برسول فهو معصوم لأنه ليس بمعلم، هذا الذي جعل أصحاب الإمام المعصوم الذين هم الإمامية يقولون بعصمة الإمام، والواقع خلاف ذلك فإنه ما من إمام إلا ويسهو في صلاته وإن لم يسه عن صلاته والجماعة تناجي مجموع الأحدية كل شخص مأموم يناجي ما يقابله من مجموع الأحدية، فأي مصل صلى ولم يشاهد ما ذكرناه من إمام ومأموم فما صلى الصلاة المشروعة بالكمال وإن أتمها فما أكملها لأن تمام الصلاة إقامة نشأتها واستيفاء أركانها من فرائضها وسننها من قيام وتكبير وقراءة وركوع وخفض ورفع وهيئة وسلام، إذا أتى بهذا كله فقد أتمها، وإذا شاهد ما ذكرناه فقد أكملها لأن الغاية هي المرتبة، وما وضعت الصلاة إلا لغايتها وهو المعبر عنه في العموم بالحضور في الصلاة أي استصحاب النية في أجزائها من أوّل الدخول فيها والتلبس بها إلى الخروج منها. فانظر يا أخي هل صليت مثل هذه الصلاة إماماً كنت أو مأموماً؟ وهل فرقت بينك وبين إمامك في الشهود أو ميزته عنك بالتقدم المكاني وبتقدم المكانة في الحكم؟ فلا تكبر حتى يكبر، ولا ترفع حتى يركع، ولا ترفع حتى يرفع، ولا تفعل شيئاً من أفعال الصلاة حتى يفعل فإن رتبتك الاتباع، فالإمام متقدم على المأموم مكاناً إن كان في جماعة ومكانة إن لم يكن معه إلا واحداً فهو إمام بالمكانة يقابل الأحدية ويقابل مجموع الأحدية بانضمام الآخر إليه حتى كأنه الصف، فالإمام إذا تقدم بالمكان والجماعة خلفه لم يشهد سوى الأحدية، وإن كان في الصف مع المأموم لوحدانية المأموم شهد الإمام مجموع الأحدية وأحدية المجموع أو شهد المأموم مجموع الأحدية لا غير فميزته عنه المكانة لاتباعه إياه واقتدائه به، فإن خالفه فإن ناصية المأموم بيد شيطان والشيطنة البعد والصلاة قرب، فهذا قرب في عين بعد وبعد في عين قرب، فلم يشهد هذا المأموم مجموع الأحدية لأنه ليس بمأموم لا مكاناً ولا مكانة، وإذا كان بهذه المثابة فإنّ الإمام في حال مخالفة المأموم له ما يشاهد إلا الأحدية لأنه ليس في صف لفقد المأموم لما زال عن مأموميته، فالإمام في هذه الحال كالمصلي وحده بالنظر إلى حال هذا المأموم وهو إمام بالنظر إلى من يصلي خلفه من الملائكة والملائكة لا تصف إلا خلفه والملائكة تصف عند ربها، وهي في ٢٨٩ في المنازل/ الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... هذه الحال عند الإمام المصلي وبها وهي لم تزل عند ربها فالإمام خليفة فسجد له الملائكة والإمام يسجد لله فالله قبلة الإمام والإمام قبلة الملائكة، وما أم جبريل عليه السلام بالنبيّ وَّر إلا ليعلمه الصلاة بالفعل فصلى به مكانة لا مكاناً، فإنه صلى به وحده ولم يتقدم عليه فعلمه عدد الصلوات في أوقاتها وهيئاتها على أتم الوجوه، ثم أمره إذا كان في جماعة أن يتقدمهم بالمكان ومن رأى أنه تقدم بالمكان جبريل أيضاً فلم يكن ذلك إلا حتى كشف الله الغطاء عن بصر النبيّ وَل# فرأى الملائكة فرأى الجماعة فصف معهم خلف جبريل وأما على الستر فلا، ولهذا صلى النبيّ وَّ بالرجل وحده وجعله على يمينه في صف واحد لأن ذلك الشخص لم يشاهد الملائكة فراعى الإمام حكم المأموم وما كنت بجانب الطور إذ نادى الله موسى، ولا بالجانب الغربي إذا قضى إلى موسى الأمر ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤] كذلك ما كنت مع رسول الله ربّ إذ أم به جبريل في الصلوات الخمس ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] وليس حكم من شاهد الأمور حكم من لم يشاهدها إلا بالإعلام، فللعيان حال لا يمكن أن يعرفه إلا صاحب العيان، كما أن للعلم حالاً لا يعرفه إلا أولو العلم ليس لغيرهم فيه ذوق ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] : [الوافر] ولَكِنْ للعَيَانِ لطيفُ مَعْنِى لِذَا سَأَلَ المُعاينةَ الكَلِيمُ ما زال سجود الملائكة لبني آدم في كل صلاة كما سجدوا لأبيهم آدم، فما زالت الخلافة في بني آدم ما بقي فيهم مصل يقول لله الله فإن الأمر الإلهيّ والشأن إذا وقع في الدنيا لم يرتفع حكمه إلى يوم القيامة، وقد وقع السجود لآدم من الملائكة وبقي سجودهم لذريته خلف كل من يصلي إلى يوم القيامة، كما نسي آدم فنسيت ذريته، كما جحد آدم فجحدت ذريته، قتل قابيل هابيل ظلماً فما زال القتل ظلماً في بني آدم إلى يوم القيامة، وعلى الأوّل كفل من ذلك، كما للأوّل في الخير نصيب عن كل من فعله، «فمَنْ سَنَّ سُنَةً حَسنةً فله أجْرُها وأخْرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سُنّةً سيئةً فعليه وزْرُها ووزْرُ من عمل بها إلى يوم القيامة)) وهم الذي يحملون ﴿ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَثْقَاِهِمٌّ﴾ [العنكبوت: ١٣] فكل مصل إمام للملائكة. والملائكة خلفه سجد له، إلا أن الفرق بين الأصل والفرع أعني آدم وذريته أن الملائكة تسجد لسجود بني آدم في القراءة والصلاة، وآدم سجدوا له سجود المتعلم للمعلم فاجتمعا في السجود واختلفا في السبب، وإنما المقصود الذي أردناه أن نبين أن السجود من الملائكة خلف بني آدم ما ارتفع، وأن الإمامة ما ارتفعت من آدم إلى آخر مصل والملائكة تبع لهذا الإمام كما قررناه فنحن عند الله في حال إمامتنا والملائكة في هذه الحال عندنا بالاقتداء فهي عند ربها لأن الإمام عنده فالملائكة عنده لأنها عند الإمام وكل صف إمام لمن خلفه بالغاً ما بلغ؛ وقولي: [مخلع البسيط] فِعِنْدِيَّةُ الربِّ معقولةٌ وعندية الهُولا تُعْقَلُ الفتوحات المكية ج٥ - م١٩ ٢٩٠ في المنازل / الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... وعندية الخَلْقِ لا تُجْهَلُ وعندية الله مجهولةٌ وليس لها غَيْرَها مَحمَلٌ وليس هما عند ظرفيّة الضمير في ((لها)) يعود على الظرفية، وفي ((هما)) يعود على عندية الحق والخلق. واعلم أن العندية نسبة ما هي أمر وجودي لأن النسب أمور عدمية ثابتة الحكم معدومة العين، وسيأتي الكلام إن شاء الله في أحوال الأقطاب فيمن كان هجيره ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَذِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] من هذا الكتاب، وإنما قلنا أن عندية الله مجهولة لأن الله بما هو الله لا يتعين فيه اسم من الأسماء الإلهية دون اسم فإنه عين مجموع الأسماء وما تخصصه إلا الأحوال، فإنه من قال: يا الله افعل لي كذا فحاله تخصص أيّ اسم أراد مما يتضمنه هذا الاسم الله من الأسماء، فلهذا يقال فيه إنه مقيد في إطلاق أي تقيده الأحوال بما تطلبه من الأسماء المندرجة فيه ومطلق من حيث انتفاء الأحوال فهو الاسم القابل لكل اسم، كما أن الهيولى الكل قابلة لكل صورة، وعندية الرب قريبة من هذا إلا أن الفرق بينهما أن الرب ما أتى قط إلا مضافاً، فمن كان عنده فهو عند من أضيف إليه ولا يضاف إلا إلى كون من الأكوان وعندية الخلق معلومة فعندية الرب معقولة، وأما عندية الهو فإن الهو ضمير غائب والغائب لا يحكم عليه ما كانت حالته الغيبة لأنه لا يدرى على أي حالة هو حتى يشهد فإذا شهد فليس هو لأن الغيبة زالت عنه، ألا ترى الساكت لا ينسب إليه أمر حتى يتكلم ولا مذهب؟ ولهذا لا يدخل في الإجماع بسكوته، وهذه مسألة خلاف والصحيح ما قلناه، كما أن ترك النكير ليس بحجة إلا في بقاء ذلك الأمر على الأصل المنطوق به في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وكلام بني آدم مما خلق في الأرض وجميع أفعالهم، فإذا رأينا أمراً قد قيل أو فعل بمحضر رسول الله وله ولم ينكره فلا نقول أن حكمه الإباحة فإنه لم يحكم فيه بشيء إذ يحتمل أنه لم ينزل فيه شيء عليه وهو لا يحكم إلا بما أوحى الله فيه إليه فيبقى ذلك على الأصل وهو التصرّف الطبيعي الذي تطلبه هذه النشأة من غير تعيين حكم عليه بأحد الأحكام الخمسة وهو الأصل الأوّل أو نرده إلى الأصل الثاني وهو قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وليس بنص في الإباحة وإنما هو ظاهر، لأن حكم المحظور خلق أي حكم به من أجلنا أي نزل حكمه من أجلنا ابتلاء من الله هل نمتنع منه أم لا؟ كما نزل الوجوب والندب والكراهة والإباحة، فالأصل أن لا حكم وهو الأصل الأوّل الذي يقتضيه النظر الصحيح . ويتضمن هذا المنزل من العلوم: علم حمد السواء وتفاصيله فإنه عم الطرفين والواسطة وأضافه إلى العالمين لمٍ يخص عالماً من عالم فقال في الطرف الواحد في أوّل فاتحة الكتاب: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وجعل هذا التحميد بين الرحمة المركبة فإنه تقدمه الرحمن الرحيم وتأخر بعده الرحمن الرحيم فصار العالم بين رحمتين: فأوّله مرحوم ومآله إلى الرحمة، وجاء في وسط سورة يونس في صفة أهل الجنة أن آخر دعائهم: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٢٩١ في المنازل/ الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... اَلْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وجاء في سورة والصافات ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] بعد قوله: ﴿وَسَلَمُّ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] وهم المرحومون السالمون، فحمد الله رب العالمين عقيب نصره وظفره بخيبر فهو حمد نعمة، فظهر حمد النعمة في أوّل السورة وفي وسطها وفي آخرها فعم الطرفين والواسطة، فهل هذا الحمد في هذه المراتب على السواء من كونه حمد سواء أو هو مختلف المراتب لاختلاف الطرفين والوسط؟ وأي المراتب أعلى فيه؟ هل أحد الطرفين أو الوسط؟ ولمن هو الحمد الأوّل من العالمين والوسط والآخر؟ كل ذلك علم يعطيه الله العلماء بالله الذين يخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله. وفيه علم المراتب الملكية والبشرية وهل مراتبهما على السواء أو أي المراتب أعلى؟ هل مراتب البشر أو مراتب الملائكة أو لكل صنف منهما مراتب تعلو على مراتب الآخر؟ وفيه علم جلب المنافع وهل المضار في طيها منافع أم لا وتعيين المنافع؟ وفيه علم الاتباع في الإلهيات هل يتبع التابع فيها الذكر أو الفكر؟ وفيه علم توحيد الإضافة لا توحيد الإطلاق وهل التوحيد توحيدان أم لا أعني توحيد الذات وتوحيد الإله في الألوهة؟ وبماذا يدرك كل واحد من هذا التوحيد؟ وفيه علم نسبة الله إلى الأشياء هل هي عين نسبة الأشياء إلى الله أو تختلف؟ وفيه علم هل للشيء الواحد وجوه متعددة أو ليس للشيء الواحد سوى وجه واحد وما يصدر عنه إذا كان بهذه المثابة؟ وفيه علم الفرق بين الرمي الإلهيّ والكونيّ، وفيه علم الديمومة، وفيه علم الاختلاس وما حكمه في المختلس بكسر اللام والمختلس بفتح اللام اسم فاعل واسم مفعول وأن الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وفيه علم ما للعالم من الخلق، وفيه علم اجتماع خالقين على مخلوق واحد هل أعطى كل واحد منهما ما أعطى الآخر أم أحكامهما في خلقه مختلفة وفيما اختلفوا فيه من خلقه وفيما اجتمعوا؟ وفيه علم الرفق بالجاهل في الحال وإمهاله ليرجع عن جهله. وفيه علم النطق من الجاهل هل حكمه حكم نطق العالم في الإصابة؟ وإن لم يعلم الجاهل المقام الذي منه نطق أم لا وإصابته التي يراها العالم خطأ فساوى العالم الجاهل في جهل المقام الذي منه نطق الجاهل والفرق بين من يدري ذلك ممن لا يدريه من العلماء وما حكم العالم الذي يعلم ذلك؟ وفيه علم تأثير الواحد في الكثيرين من أين أثر مع أحديته، وفيه علم الفصل والوصل، وفيه علم جمع الصفة للمختلفين بأيّ حقيقة تجمعهم، وفيه علم الهداية إلى الضلال، وفيه علم المواقف والقول وهل للرضى مواقف كما للقهر أم لا؟ وكم مواقف القيامة؟ وهل تنحصر مواقف أهل الله كمواقف النفري أم لا تنحصر أو تنحصر من وجه ولا تنحصر من وجه؟ ولماذا كان الوقوف؟ وهل هو وقوف سكون أم لا يزال منتقلاً في وقوفه؟ وفيه علم الفرق بين أهل الإسلام وأهل الاستسلام، وفيه علم طلب العلم من الكون، وفيه علم ما يعطيه الاعتراف بالحق في أيّ موطن كان وهل هو نافع صاحبه بكل وجه أم لا؟ وما ينبغي أن يعترف به مما لا ينبغي أن يعترف به، وفيه علم العلم النافع، وفيه علم أدوات المعاني ما كان منها مركباً وغير مركب، وفيه علم ما ينعم الإنسان وما يعذبه وأنه ليس شيء من الله في أحد. وفيه علم الخطوط والحدود الإلهية وأنها موسومة لا تختلط ٢٩٢ في المنازل/ الباب السابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل العندية الإلهية ... وهي أعلم بمحالها من محالها بها فإن محالها معلومة لها وليس هي معلومة المكان لمحالها، وفيه علم النعم التي ترفع الآلام والفرق بينها وبين النعم التي لا ترفع ألماً، وفيه علم الأنس بالمثل وهل يقع الأنس بالله لمن خلق على الصورة أو من حقيقة كونه على الصورة أنه لا يأنس بالله كما لا يأنس الله به وهل للعالم بجملته هذا الحكم أم لا؟ وهل الإنسان الذي هو كالظل للحق حكمه حكم الإنسان الكامل الخليفة الذي هو جزء من ذلك الإنسان المشبه بالظل أم لا؟ وفيه علم الالتذاذ بالنعم الواقعة بالأغيار هل هو من كمال الالتذاذ المطلوب أو هل هو نقص في المستلذ له؟ وفيه علم النفس في قوله: ((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وإن أفْتاك المُفْتُون))، فإن هنا لطفاً إلهياً في الإعلام أجراه الله على لسان رسوله وَّله إنباء أنه ما يلقى الله في القلب إلا ما هو حق فيه سعادة الإنسان فإن رجع في ذلك إلى نفسه فقد أفلح، وهذا معنى قول بعض العارفين بهذا المقام حيث قال: ((ما رأيت أسهل عليّ من الورع كلما حاك له شيء في نفسي تركته)). وفيه علم تعظيم ما يعظم من الأحوال في القرائن، وفيه علم ما ينبغي أن يثابر عليه، وفيه علم المفاضلة في الأحوال من غير نظر إلى أصحابها القائمة بهم، وفيه العلم بالماهيات، وفيه علم تشابه الصورتين واختلاف الحكم، وفيه علم حكمة إيجاد الأئمة في العالم المضلين منهم وغير المضلين، وفيه علم النداء عند البلاء ولماذا اختص به دون النعم، وفيه علم إجابة الداعين والسائلين هل يزيد المجيب على مطابقة ما وقع فيه السؤال أو لا يزيد؟ فإن زاد فهل هو إجابة سؤال حال؟ فإن النطق لم يكن ثم، وفيه علم ارتباط العالم العلوي بالسفلي ليفيد وارتباط السفلي بالعلوي ليستفيد، والمفيد هو الأعلى أبداً والمستفيد هو السفلي أبداً، ولا حكم للمساحة وعلوّ المكان وفيه علم تأثير المحجوب في المكشوف له من أي وجه أثر فيه مع علو مرتبته وأن الحق يعضده وما عقوبة ذلك المؤثر، وفيه علم الأسفار، وفيه علم من وصف بالحلم مع عدم القدرة والحليم لا يكون إلا قادراً على من يحلم عليه، وفيه علم أثر الخيال في الحس وأين يبلغ حكمه، وفيه علم حكم المراتب على أصحابها بما يكرهون، وفيه علم قيمة الأشياء ولها حضرة خاصة وأنه ما من شيء إلا وله قيمة إلا الإنسان الكامل فإن قيمته ربه، وفيه علم ما ينتجه الصدق ومراتب الصادقين وأن يسألوا عن صدقهم، وفيه علم حضرات البركات الإلهية، وفيه علم مراتب الظلم وما يحمد منه وما يذم، وفيه علم الاشتراك في الأمر هل حكم ذلك الأمر في كل واحد من الشركاء على السواء أم يختلف الحكم مع الاشتراك في الأمر لاختلاف أحوال الشركاء واستعداداتهم، وفيه علم صورة حضرة اجتماع الخصوم بين يدي الحاكم، وفيه علم إلحاق الإناث بالذكور. وفيه علم القرعة وأين يحكم بها؟ وقول النبيّ ◌ََّ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النَّدَاءِ وَالصَّفُ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي العتمةِ والصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)) وفيه علم الظلمات ولماذا ترجع حقيقة الظلمة هل لأمر وجودي أو عدمي؟ وفيه علم فضل التنزيه على غيره من المحامد، وفيه علم الشفقة على الجنين إذا خرج والرفق به ورحمته وقول النبيّ وَّهُ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا)) وفيه علم ٢٩٣ . في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع .. اليقين والشك وهل يتصف صاحب اليقين بالشك فيما هو على يقين فيه أم لا؟ وفيه علم انفراد الحق بعلم الحق، وفيه علم ما ينبغي أن ينسب إلى الله، وفيه علم من في طبعه أمر ما لا يزول عن حكم طبعه وإن عرض له عارض يزيله فليس بدائم الزوال والطبع أغلب، وفيه علم تغير الأحوال على الملائكة من أين حصل لهم ذلك؟ وفيه علم العناية وطبقات العالم فيه، وفيه علم الأناة والعجلة، وفيه علم عموم البشارة وخصوص الإنذار، إلى غير ذلك من العلوم التي يطول ذكرها فقصدنا إلى ذكر المهم منها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع والوجود [البسيط] رَحْمَةِ الله فقُلْ قَلْبٌ إذا كانا إِنْ قِيلَ هل في وُجُودِ الكونِ أوْسَعُ مِنْ مع التَّوَرُّعِ والتَّقْوَى إذا زَانَا بَيْتُ الإله لإيمان يقومُ به وهو العزيزُ الذي في عينه هانا يحيطُ بالحقّ علماً عَيْنُ صُورته عُمْرَى ورُقْبَى وإيماناً وإحْسَانا القَلْبُ مُلْكِيَ والسُّكْنَى لخالقه قال رسول الله وَ﴾: ((إنّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمُنِ يَأْتِينِي مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ))، فنفس الله عنه بالأنصار، فكانت الأنصار كلمات الله نصر الله بهم دينه وأظهره، وهذا المنزل هو منزل ذلك التنفس الرحماني، وهذا المنزل عنه ظهرت جميع المنازل الإلهية كلها في العالم الذي هو كل ما سوى الله تعالى علواً وسفلاً، روحاً وجسماً، معنى وحساً، ظاهراً وباطناً، فمنه ظهرت المقولات العشر وجاء في الخبر النبوي رائحة لما قلناه، وله وجوه إلى كل جنس ونوع وشخص من العالم لا تكون لجنس آخر ولا لنوع آخر ولا لشخص آخر، ولهذا المنزل صورة وروح وإمداد إلهي من حيث ما نسب الحق إلى نفسه من الصورة ولكن من باطن الصورة، وحكم هذا الإمداد في الظاهر والباطن من صورة هذا المنزل لكنه في الباطن أتم، ولهذا أخر الإسم الباطن عن الأوّل والآخر والظاهر لما عبر عن هذه النعوت الإلهية وذلك ن الأمر الإلهيّ في التالي أتم منه وأكمل منه في المتلوّ الذي هو قبله ففيه ما في الأوّل وزيادة، هكذا هي كلمات الوجود الإلهية، والآخر يتضمن ما في الأوّل والظاهر يتضمن ما في الآخر والأوّل والباطن يتضمن ما في الظاهر والآخر والأوّل، ولو جاء شيء بعد الباطن لتضمن الباطن وما قبله ولكن الحصر منع أن يكون سوى هذه الأربعة ولا خامس لها إلا هويته تعالى، وما ثم في العالم حكم إلا من هذه الأربعة، وعلى صورة هذه الأربعة ظهر عالم الأرواح وعالم الأجسام وما ثم عالم سوى هذين، فمن الإلهيات علم وإرادة وقدرة وقول عنها ظهر عالم الأرواح الخارج عن الطبيعة والطبيعة، ثم أظهر عن هذه الأربعة الإلهية الطبيعة على أربع، وعنها أظهر عالم الأجسام كثيفها ولطيفها، كما أظهر عن هذه الأربع الإلهية من عالم ٢٩٤ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... التدوين والتسطير عقلاً ونفساً وطبيعة وهيولى قبل ظهور الأجسام وأظهر الأركان أربعة وهي: النار والهواء والماء والتراب، وأظهر النشأة الحيوانية على أربعة أخلاط وجعل لهذه الأخلاط أربع قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة، فأقام الوجود على التربيع وجعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان، فإنه الأوّل والآخر والظاهر والباطن، فللباطن ركن الحجر الأسود فإنه يمين الله في الأرض المقبل على جهة البيعة لله فالعين تقع على الحجر والبصيرة تقع على اليمين، فاليمين باطن للحجر غير ظاهر للبصر، فيشرف ركن الحجر على سائر الأركان فضم حكم الباطن حكم الثلاثة النعوت التي قبل الباطن وهو المخصوص بهذا المنزل، ولب هذا المنزل هو الصورة الإلهية التي منها يكون الإمداد له لب تلك الصورة وهو روحها وهو لب اللب وهو خزانة الإمداد لهذا المنزل، ولهذا المنزل التحكم في العالم كله كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة توقد من شجرة هويته فهي لا شرقية ولا غربية لا تقبل الجهات عن هذه الزيتونة يكون الزيت وهو المادّة لظهور هذا النور، فهذه أربعة مشكاة وزجاجة ومصباح وزيت، والخامس الهوية وهو الزيتونة المنزهة عن الجهات، وكنى عنها بالشجرة من التشاجر وهو التضاد لما تحمله هذه الهوية من الأسماء المتقابلة كالمعز والمذل والضار والنافع فانظر ما أكمل العبارات الإلهية في الإخبار بما هو الأمر عليه، فمن دخل هذا المنزل وفاته شيء من العالم وحقائقه فما دخله وإنما خيل الشيطان له أو النفس أنه دخله ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] إذ حضرة الخيال تنشىء كل صورة، وكثير من الناس يدخلون هذه الحضرة الخيالية ويشاهدون ما تجلى لهم من الصور فيزعمون أنهم شاهدوا الوجود الثابت العين على ما هو عليه ولم يكن سوى ما صوره الخيال، فمن بلي بمثل هذا فليتربص قليلاً، فإن كان ما يشاهده روحاً ثابت العين في الوجود أو محسوساً في العين فإنه يثبت ولا يتغير، وإن كان خيالاً فلا يثبت ويسرع إليه التغير في الحال ويرى صورة التغير فيه ويعلم أن الذي ظهر له بالتغير هو عين الأوّل، ويرى بعضهم نفسه في صورتين وأكثر ويعلم أنه هو، فبهذا يفرق بين الصور الثابتة في عينها حساً وروحاً وبين الصور الخيالية وهذا ميزانها لمن لا معرفة له فقد نبهتك ونصحتك، فلا تغفل عن هذا الميزان إن كنت من أهل الكشف . وما جعل الله النوم في العالم الحيواني إلا لمشاهدة حضرة الخيال في العموم، فيعلم أن ثم عالماً آخر يشبه العالم الحسي ونبهه بسرعة استحالة تلك الصور الخيالية للنائمين من العقلاء، على أن في العالم الحسي والكون الثابت استحالات مع الأنفاس لكن لا تدركها الأبصار ولا الحواس إلا في الكلام خاصة وفي الحركات، وما عدا هذين الصنفين فلا تدركه صورة الاستحالات والتغيرات فيها إلا بالبصيرة وهو الكشف أو بالفكر الصحيح في بعض هذه الصور لا في كلها، فإن الفكر يقصر عن ذلك، وأصل ذلك كله، أعني أصل التغير من صورة إلى مثلها أو خلافها في الخيال أو في الحس أو حيثما كان في العالم، فإنه كله لا يزال يتغير أبد الآبدين إلى غير نهاية لتغير الأصل الذي يمدّه وهو التحوّل الإلهي في الصورة الوارد في ٢٩٥ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع. الصحيح، فمن هناك ظهر في المعاني والصور: [مجزوء الوافر] ومِنْ صُوَرِ إلى صُوَرِ فَمِنْ مَعْنّى إلى مَعْنى وهو قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍَ﴾ [الرحمن: ٢٩] وهو ما يحدثه من التغييرات في الأكوان، فلا بد أن يظهر في كل صورة تغيرها بحكم لا يكون إلا لذلك المتغير، فإن فهمت فقد أبنت لك الأمر على ما هو عليه فإن في ذلك لذكرى أي في تغيير العالم ذكرى بتغير الأصل لمن كان له قلب فإن القلب له التقليب من حال إلى حال وبه سمي قلباً فمن فسر القلب بالعقل فلا معرفة له بالحقائق فإن العقل تقييد من العقال، فإن أراد بالعقل الذي هو التقييد ما نريده نحن أي ما هو مقيد بالتقليب فلا يبرح يتقلب فهو صحيح، كما نقول بالتمكين في التلوين فلا يزال يتلون وما كل أحد يشعر بذلك. ولما علمنا أن من صفة الدهر التحوّل والقلب والله هو الدهر وثبت أنه يتحوّل في الصور وأنه كل يوم في شأن واليوم قدر النفس فذلك من اسمه الدهر لا من اسم آخر إن عقلت، فلو راقب الإنسان قلبه لرأى أنه لا يبقى على حالة واحدة فيعلم أن الأصل لو لم يكن بهذه المثابة لم يكن لهذا التقلب مستند فإنه بين أصبعين من أصابع خالقه وهو الرحمن، فتقليب الأصابع للقلب بغير حال الأصبعين لتغير ما يريد أن يقلب القلب فيه فمن عرف نفسه عرف ربه وفي حديث الأصابع بشارة إلهية حيث أضافهما إلى الرحمن فلا يقلبه إلا من رحمة إلى رحمة، وإن كان في أنواع التقليب بلاء ففي طيه رحمة غائبة عنه يعرفها الحق، فإن الأصبعين أصبعا الرحمن فافهم، فإنك إذا علمت ما ذكرناه علمت من هو قلب الوجود الذي يمد عالم صورته التي هو لها قلب وأجزاؤها كلها وأنه هو قلب الجمع، وهو ما جمعته هذه الصورة الوجودية من الحقائق الظاهرة والباطنة، فلما كان الله كل يوم هو في شأن كان تقليب العالم الذي هو صورة هذا القالب من حال إلى حال مع الأنفاس، فلا يثبت العالم قط على حال واحدة زماناً فرداً لأن الله خلاق على الدوام، ولو بقي العالم على حالة واحدة زمانين لا تصف بالغنى عن الله ولكن الناس ﴿فِى لَبِسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [قَ: ١٥] فسبحان من أعطى أهل الكشف والوجود التنزه في تقليب الأحوال والمشاهدة لمن هو كل يوم في شأن والله هو الدهر، فلا فراغ لحكم هذا الدهر في العالم الأكبر والأصغر الذي هو الإنسان وهو أحد المعلومات الأربعة التي لها التأثير، فالمعلوم الأول لنا الإنسان والمعلوم الثاني العالم الأكبر الذي هو صورة ظاهر العالم الإنساني، والإنسان الذي هو قلب هذه الصورة ولا أريد به إلا الكامل صاحب المرتبة وهو المعلوم الثالث والمعلوم الرابع حقيقة الحقائق التي لها الحكم في القدم والحدوث، وما ثم معلوم خامس له أثر سوى ما ذكرناه. ويتشعب من هذا المنزل شعب الإيمان وذلك بضع وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله وما بينهما من الشعب، وهذا المنزل منزل الإيمان ومنه ظهر الإيمان في قلب المؤمن والخاص به الاسم المؤمن من الأسماء الإلهية. فمن هنا شرع المؤمن شعب الإيمان، وأبانها، ومن هذا المنزل أخذت أمة محمد أعمارها، فغاية عمر هذه ٢٩٦ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... الأمة المحمدية سبعون سنة لا تزيد عليها شيئاً، فإن زاد فما هو محمدي وإنما هو وارث لمن شاء الله من الأنبياء من آدم إلى خالد بن سنان فيطول عمره طول من ورثه، ولهذا قال النبيّ وَّه في أعمار أمّته ((إنّها ما بين السّنّين إلى السّبعين)) فجعل السبعين الغاية لعمر أمته، فعلمنا أنه ما يريد بأمته إلا المحمديين الذين خصهم الله برتبة ما خص الله بها نبيه من الأحكام والمراتب على جميع الأنبياء إذا كنا ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وكل حكم ورتبة كانت لنبيّ قبله، وإن كانت له ووقع له فيها الاشتراك فلم يخلص له وحده وليس له الشرف الكامل إلا بما خلص له دون غيره فأمته مثله، فمن كان عند انفصاله عن الدنيا أو في حاله على شرع مشترك من هذه الأمة نسبناه إلى من ظهر به أولاً قبل ظهور محمد نَّلو ليظهر الفرق بين الأمرين ولتعرف منزلة الشخصين، وإن كان ما أخذه إلا من تقرير محمد وَلّ فإنه من أمته، ولكن حكم الاشتراك يتميز عن حكم الاختصاص، ومات ◌َّل# وله ثلاث وستون سنة، والذي يزيد على السبعين سنة بالغاً ما بلغ وإن كان من أمته وممن حصل له الاختصاص المحمدي كله فإنه لا يقبض حين يقبض إلا في الشرع المشترك وما هو نقص به فإنه قد حصل حكم الاختصاص ولكن خروجه عن السبعين التي جعلها رسول الله وَل# غالب غاية عمر أمته المقبوضين في الحكم الاختصاصي جعله أن يفرق بينه وبين غيره من الأمة، وهذا من العلوم التي لا تدرك بالرأي والقياس، وإنما ذلك من علوم الوهب الإلهي. وكذا ذكر أن كل واحد من الخلفاء الأربعة ما مات حتى بلغ ثلاثاً وستين سنة إثباتاً أنهم قبضوا في الاختصاص المحمديّ لا في حكم الشرع المشترك، فمن هذا المنزل تعين هؤلاء الأربعة من غيرهم، وتعينت العشرة أيضاً من هذا المنزل الذين هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجرّاح، فهذا منزلهم الذي منه عينهم رسول الله وَّر وشهد لهم بالجنة في مجلس واحد بأسمائهم، فإن المشهود لهم بالجنة كثيرون لكن ليس في مجلس واحد، ومقيدون بصفة خاصة كالسبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وعين منهم عكاشة بن محصن ونبه بقوله: ((بغير حساب)) أي لم يكن ذلك في حسابهم ولا تخيلوه، فبدا لهم خير من الله لم يكونوا يحتسبونه، وهم الذين ((لا يَسْتَرْقُون ولا يكتَوُون ولا يَتَطيّرون وعلى ربهم يتوكلون)) فقوله: ((لا يَسْتَزْقُون)) أي لا يستدعون الرقية لإزالة ألم يصيبهم ولا يرقون أحداً من ألم يصيبه وجاء بالاستفعال للمبالغة، وإنما رقى النبيّ وَّه واستعمل الطب في نفسه في مرضه لأنه يتأسى به فيتأسى به الضعيف والقوي فإنه رحمة للعالم وهكذا جميع الرسل، فما حكمهم حكم أممهم فلا يقدح ذلك في مقامهم، فلهم المقام المجهول حيث يظهرون لأممهم بصورة القوّة والضعف، فلا يعرف أحد لماذا ينسبهم من المقامات. وقوله: ((ولا يتطَّيَّرُون)) فإن الطائر هو الحظ فهم خارجون عن حظوظ نفوسهم مشتغلون بما كلفهم الله به من الأعمال وفاء لما تستحقه الربوبية عليهم لا يبتغون بذلك حظاً لنفوسهم من الأجر الذي وعد الله به على ما هم عليه من الأعمال فلم يبعثهم على العمل ما نيط به من الأجر ولكن ما ذكرناه من وفاء المقام فهذا في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... ٢٩٧ معنى لا يتطيرون أي لا يعملون على الحظوظ. وقوله: ((ولا يَكْتَوُون)) فإن الاكتواء لا يكون إلا بالنار وقد عصمهم الله أن تمسهم النار فيجدون في نفوسهم أنهم لا يكتوون وتلك عصمة إلهية من حيث لا يشعرون وقوله: ((وعلى رَبّهم يَتَوَكَّلُون)) أي يتخذونه وكيلاً فيتكلون عليه اتكال الموكل على الوكيل وهي معرفة وسطى جاءتهم من القصد الثاني، فرأوا أن الله خلق الأشياء لهم وخلقهم له فاتخذوه وكيلاً فيما خلق لهم ليتفرغوا إلى ما خلقوا له. وإنما قلنا مرتبة وسطى لأن فوقها المرتبة العالية وهو القصد الأوّل، فإن الله ما خلق شيئاً من العلم كله إلا له ليسبحه بحمده وننتفع نحن بحكم العناية والتبعية والقصد الثاني هو هذا لأنه لما سوّانا وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه قصد أن في الخلق في العالم الإنساني وغير الإنساني من يتوكل عليه في أمره كله لأنه مؤمن بأن الله تعالى في كل شيء وجهاً ولا يقول به إلا المؤمن، إذ كان غير المؤمن من الناس خاصة من يقول: إن الله ما وجد عنه بطريق العلية إلا واحد، ولا علم له بجزئيات العالم على التفصيل إلا بالعلم الكليّ الذي يندرج فيه جميع العلم بالجزئيات فلهذا جعل التوكل في المؤمنين قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فجعل التوكل علامة على وجود الإيمان في قلب العبد، ولم يتخذه وكيلاً إلا طائفة مخصوصة من المتوكلين المؤمنين الذي امتثلوا أمر الله في ذلك في قوله: ﴿فَأَخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] فيتخيل من لا علم له بالوجود في الأشياء أنك صاحب المال فاتخذته وكيلاً سبحانه فيما هو ملك لك، وأن إضافة الأموال إليك بقوله: ﴿أَمْوَلَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] إضافة ملك، وما علم أن تلك الإضافة إضافة استحقاق كسرج الدابة وباب الدار لا إضافة ملك. والذي نراه نحن والأكابر أن الله قال لنا: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فما هو لنا فوكلناه واتخذناه وكيلاً في الإنفاق الذي هو ملكاً لعلمنا بعلم الوكيل بالمصالح ومواضع الإنفاق التي لا يدخلها حكم الإسراف ولا التقتير، فتولى الله الإنفاق علينا بأن ألهمنا حيث ننفق ومتى ننفق، فإن النفقة على أيدينا تظهر فيدنا يد الوكيل في الإنفاق فنحن معصومون في الإنفاق لمعرفتنا بالوجوه، ولأن يدنا يد حق فإنها يد الوكيل وهذا لا يعلم إلا بالكشف الإلهيّ فهم بهذه المثابة في التوكل وما يشعرون بذلك لأنه قال: ﴿يِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨] فهم على غير بصيرة وأفعالهم أفعال أهل البصائر عناية إلهية ﴿يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] والفضل الزيادة. واعلم أن العالم لما كان أصله أن يكون مربوطاً وجوده بالواجب الوجود لنفسه كان مربوطاً بعضه ببعض فيتسلسل الأمر فيه إذا شرع الإنسان ينظر في العلم به فيخرجه من شيء إلى شيء بحكم الارتباط الذي فيه ولا يكون هذا إلا في علم أهل الله خاصة، فلا يجري على قانون العلماء الذين هم علماء الرسوم والكون، فقانونهم ارتباط العالم بعضه ببعض فلهذا تراهم يخرجون من شيء إلى شيء وإن كان يراه عالم الرسوم غير مناسب وهذا هو علم الله ومعلوم أن المناسبة ثم ولكن في غاية الخفاء مثل قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالصَّلَوةِ اُلْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فجاء بآية الصلاة وقبلها آيات النكاح والطلاق وبعدها آيات ٢٩٨ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... الوفاة والوصية وغير ذلك مما لا مناسبة في الظاهر بينهما وبين الصلاة، وأن آية الصلاة لو زالت من هذا الموضع واتصلت الآية التي بعدها بالآيات التي قبلها لظهر التناسب لكل ذي عينين، فهكذا علم أولياء الله تعالى. سئل الجنيد عن التوحيد، فأجاب السائل بأمر، فقال له: لم أفهمه أعد عليّ، فأجابه بأمر آخر فقال السائل: لم أفهمه، فأجابه بأمر آخر ثم قال له: هكذا هو الأمر فقال: أمله عليّ، فقال: إن كنت أجريه فأنا أمليه. يقول: إني لا أنطق عن هوى بل ذلك علم الله لا علمي فمن علم القرآن وتحقق به علم علم أهل الله وأنه لا يدخل تحت فصول منحصرة ولا يجري على قانون منطقي ولا يحكم عليه ميزان فإنه ميزان كل ميزان، فلهذا المنزل من عالم الأجسام فلك الشمس من الأفلاك فسبعة فوقه منها ثلاث سموات وفلك المنزل والأطلس الذي هو فلك البروج والكرسي والعرش المحيط وهو نهاية عالم الأجسام، وتحته أيضاً سبعة: ثلاث سموات وكرات الأثير والهواء والماء والأرض، وبقطعها في الفلك تظهر فصول السنة وهي أربعة فصول لوجود التربيع الذي ذكرناه، فإن البروج التي هي التقديرات في الفلك الأطلس مربعة قد جعلها الله على أربع مراتب، نارية وترابية وهوائية ومائية لحكم الأربعة الإلهية والأربعة الطبيعية، ولكل فصل ثلاثة أحكام: حكمان للطرفين وحكم للوسط وبينهما أحكام في كل حركة ودقيقة وثانية وثالثة إلى ما لا يتناهى التقسيم فيها، وجعل نجم السماء الثانية من جهتنا ممتزجاً وهو الكاتب ولهذا أسكنه عيسى عليه السلام لأنه ممتزج من العالمين فإنه ظهر بين ملك وبشر وهما جبريل ومريم، فهو روح عن روح وبشر عن بشر، ولم يجعل ذلك في غيره من هذا النوع، كما لم يجعل شيئاً من الجواري الخنس على صورة الكاتب فهو السادس من هناك ليحصل له شرف رتبة قوله: ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِشُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وهو الثاني من جهتنا لأن الثاني هو الباء وهو المبدع الأول بفتح الدال الظاهر عن الإنسان الذي هو ظل الصورة الإلهية الذي لم يزل، فذلك هو الأول لا أولية الحق لأن أولية الحق لا تقبل الثاني فإن الواحد ليس بعدد وأول العدد الاثنان فظهر في ألسنة الامتزاج بظهور الفصول . واعلم أن الله لما أعلمنا أنه هو الدهر ذكر لنا سبحانه أن له أياماً من كونه دهراً وهي أيام الله فعين هذه الأيام أحكام أسمائه تعالى في العالم، فلكل اسم أيام وهي زمان حكم ذلك الاسم والكل أيام الله وتفاصيل الدهر بالحكم في العالم وهذه الأيام تتوالج ويدخل بعضها في بعض ويغشي بعضها بعضاً وهو ما يراه في العالم من اختلاف الأحكام في الزمان الواحد، فذلك لتوالجها وغشيانها وتقليبها وتكررها، ولهذه الإيام الإلهية ليل ونهار، فليلها غيب وهو ما غاب عنا منها وهو عين حكمها في الأرواح العلوية الكائنة فوق الطبيعة والأرواح المهيمة، ونهارها شهادة وهو عين حكمها في الأجسام الطبيعية إلى آخر جسم عنصري وهي ما تحت الطبيعة، وسدفة هذا اليوم عين حكم هذه الأيام في الأرواح المسخرة التي تحت الطبيعة وهم عمار السموات والأرض وما بينهما، وهم الصافون والتالون والمسبحون، وهم على مقامات في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... ٢٩٩ معلومة، فمنهم الزاجرات والمرسلات والمقسمات والمنقيات والنازعات والناشطات والمدبرات وغير ذلك مثل السائحين والعارجين والكاتبين والراقبين كل هؤلاء تحت حكم أيام الله من حيث سدف هذه الأيام، فعن غشيان نهار هذه الأيام ليلها وجدت الأرواح التي فوق الطبيعة، وعن غشيان ليل هذه الأيام نهارها وجدت الأجسام التي دون الطبيعة، وعن توالج ليلها بنهارها فليس بنهار خالص لحكم الليل ومشاركته، وليس بليل خالص لحكم النهار ومشاركته، وهذا الحال لهذه الأيام تسمى سدفاً وجد عن هذا التوالج الأرواح التي دون الطبيعة . ولما قسم الله أيامه هذه الأقسام جعل ليلها ثلاثة أقسام ونهارها ثلاثة أقسام فهو سبحانه ينزل لعباده في الثلث الأخير من ليل أيامه وهو تجليه فيه للأرواح الطبيعية المدبرة للأجسام العنصرية، والثلث الوسط يتجلى فيه للأرواح المسخرة، والثلث الأول يتجلى فيه للأرواح المهيمنة، وقسم نهار هذه الأيام إلى ثلاثة أقسام يتجلى في كل قسم إلى عالم الأجسام من أجل ما هي مسبحة بحمد الله دائماً، ففي الثلث الأول يتجلى للأجسام اللطيفة التي لا تدركها الأبصار، وفي الثلث الوسط يتجلى للأجسام الشفافة، وفي الثلث الأخير يتجلى للأجسام الكثيفة، ولولا هذا التجلي ما صحت لهم المعرفة بمن يسبحونه، فإن المسبح لا بد أن يكون له معرفة بمن يسبحه، والمعرفة بالله لا يصح أن تكون عن فكر ولا عن خبر وإنما تكون عن تجليه لكل مسبح، فمنهم العالم بذلك ومنهم من لا يعلم ذلك ولا يعلم أنه سبح عن معرفة تجل وذلك ليس إلا لبعض الثقلين، وما عدا هذين فهم عارفون بمن تجلى لهم مسبحون له على الشهود أجساماً عموماً وأرواحاً خصوصاً، فكل من ليس له قوة التوصل لما يشهده فعنده العلم بمن تجلى له، وكذلك من له قوة التوصيل غير أنه أمين لا يتكلم إلا عن أمر إلهي فذلك عنده العلم بمن تجلى له، ومن علم أن عنده قوة التوصيل وهو نمام ينم بما شهده وسمعه وليس بأمين ينتظر أمر صاحب الأمانة فإنه لا يعلمه الحق في تجليه أنه هو وهم المنكرون له إذا تجلى لهم في الدنيا والآخرة جعلنا الله من الأمناء العالمين بمن تجلى لهم. فإن قلت: فالليل والنهار في اليوم ما يحدثه إلا طلوع الشمس وغروبها فما الشمس التي أظهرت الليل والنهار في أيام الله المسمى دهراً؟ قلنا: اسمه النور الذي ذكر أنه ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فله الطلوع والغروب علينا من خلف حجاب الإنسان المثلي الذي ذكرنا أنه ظله المخلوق على صورته الأزلي الحكم الذي نفى عنه المثلية وأثبت عين وجوده في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] بكاف الصفة فيسمى ليله باطناً ونهاره ظاهراً، فهو الباطن من حيث ليله وهو الظاهر من حيث نوره، وذلك المثل الإنساني يميز طلوع هذا النور فيكون النهار وغروب هذا النور فيكون الليل، وهو حكم الظاهر والباطن في العالم. وقد قررنا أنه لكل اسم في العالم حكم قبل هذا، فالدهر من حيث عينه يوم واحد لا يتعدد ولا ليل له ولا نهار، فإذا أخدته الأسماء الإلهية عينت بأحكامها في هذا اليوم الأزلي الأبدي الذي هو عين لدهر الأيام الإلهية التي أمر المذكر أن يذكرنا بها لنعرفها من أيام ٣٠٠ في المنازل/ الباب الثامن والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار قلب الجمع ... الزمان، وأنه إذا أخذ الاسم النور في وجود الظل المثليّ المنزه وفي طلوعه على من فيه من العالم سمي العالم الذي في هذا المثل ذلك الطلوع إلى وقت غروبه عنهم نهاراً ومن وقت غروبه عنهم سموه ليلاً، وذلك النور غير غائب عن ذلك الظل، كما أن الشمس غير غائبة عن الأرض في طلوعها وغروبها، وإنما تطلع وتغيب عن العالم الذي فيها، والظلام الحادث في الأرض إنما هو ظلال اتصالات ما فيها من العالم فهو على الحقيقة ظل يسمونه ظلاماً، والذين يسمونه ظلاماً ممن ليس له هذا الكشف يجعل ذلك ظل الأرض لما هي عليه من الكثافة وهي في المثل الظلي الإلهي ظل أعيان عمرته لا غير فاعلم ذلك. ثم جعل الله هذه الأيام المعلومة عندنا التي أحدثتها حركة الأطلس، والليل والنهار اللذين أحدثتهما حركة القلب أعني الشمس ليقدر بها أحكام الأيام الإلهية التيٍ للأسماء فهي كالموازين لها يعرف بها مقادير تلك الأيام فقال: ﴿وَإِنَ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ مِّمًّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] فإذا ضربت ثلاثمائة يوم وستين يوماً في ألف سنة فما خرج لك بعد الضرب من العدد فهو أيام التقدير التي ليوم الرب فينقضي ثم ينشىء في الدهر يوماً آخر لاسم آخر غير اسم الرب، وكذلك يضرب ثلاثمائة يوم وستين يوماً في خمسين ألف سنة فما خرج لك بعد الضرب من الأيام فهو أيام التقدير التي ليوم ذي المعارج من الأسماء الإلهية، فإذا انقضى ذلك اليوم أنشأ في الدهر يوماً آخر لاسم آخر غير الذي لذي المعارج هكذا الأمر دائماً فلكل اسم إلهيّ يوم، وإنما ذكرنا هذين اليومين يوم الرب ويوم ذي المعارج لكونهما جاءا في كتاب الله، فلا يقدر المؤمنون بذلك على إنكارهما وما لم يرد إلا على ألستنا فلهم حكم الإنكار في ذلك، بل الأمر كما ذكرناه أنه ما من اسم إلهيّ مما يعلم ويجهل إلا وله يوم في الدهر وتلك أيام الله والكل على الحقيقة أيام الله ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. فإذا نزلنا من الأسماء الإلهية إلى يوم العقل الأوّل قسمه حكمه في النفس الكلية إلى ليل ونهار، فليل هذا اليوم عند النفس إعراض العقل عنها حين يقبل على ربه بالاستفادة، ونهاره عند هذه النفس حين يقبل عليها بالإفادة فهو يومها، وجعل الله من هذا الحكم في النفس قوّتين: قوّة علمية وهي ليلها في العالم الذي دونها، وقوّة عملية وهي النهار في العالم الذي دونها وهو المسمى غيباً وشهادة وحرفاً ومعنى ومعقولاً ومحسوساً، فهذا الحكم في النفس يوم لا نهار فيه ولا ليل وهو في العالم نهار وليل، وكذلك يوم الهيولى الكل ليلها جوهرها ونهارها صورتها وهي في نفسها يوم لا ليل فيه ولا نهار، وشمس كل ليل ونهاره هو المعنى المظهر لهذا الحكم الذي به ينسب إلى هذا اليوم ليل ونهار، فإذا نزلنا إلى فلك البروج تعين في حركته اليوم وعين ذلك الكرسي الذي تقطع فيه فتعيينه من فوق لأنه لم يكن ظهر في جوفه بعد ما تعين به حركته مستوفاة فهو يوم لا نهار له ولا ليل ولا مقدار أيام من جهة مقعره، وهو متماثل الأجزاء ما هو متماثل الأحكام. ولما كان الكرسي هو الذي أظهر فيه تعيين الأحكام بتعيين المقادير المسماة بروجاً وجعل لكل مقدار فيها ملكاً معيناً تعينت المقادير بتلك الأحكام التي وليها ذلك الملك