Indexed OCR Text
Pages 81-100
في المنازل/ الباب الرابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الفرق بين مدارج الملائكة والنبيين والأولياء ٨١ السلام: ((فَأَعِيَ مَا يَقُولُ)) ثم يفيضه الرسول على أتباعه متنوّعاً خلاف ما أعطاه الملك، فإن الملك إنما يخاطب واحداً والرسول يخاطب الأمة والأمة تختلف أحوالها، فلا بد للرسول أن يقسم ذلك الوحي على قدر اختلاف الأمة فإنه رزق مقسوم، فيتعين لكل ولي قسطه من ذلك الوحي لنفسه، ثم يأخذ منه مما لا يقتضيه حاله ليوصله إلى التابع بعده الذي لم يحضر ذلك المجلس، وهكذا إلى يوم القيامة وهم الورثة في التبليغ، فيعمل على حاله خاصة ويبلغ ما لا يقتضيه حاله. فقد تقتضي حاله تحليل ما حرّمه على غيره، فيكون مضطرّاً إلى الغذاء في وقت تحريم أكل الميتة على غير المضطرّ، وهو في تلك الحال من التبليغ يأكل الميتة على شهود من المبلغ إليه فيقول له: كيف تحرّم علي تناول ما تناولته أنت؟ فيقول له: لأن الحال مختلف، فإن حالة الاضطرار لم تحرّم عليها الميتة، وحالة غير الاضطرار حرّمت عليها الميتة، فيبلغ ما لا يقتضيه حاله ولا يعمل إلا بما يقتضيه حاله، ثم لتعلم إذا رقيت الأولياء في معارج الهمم، فغاية وصولها إلى الأسماء الإلهية فإن الأسماء الإلهية تطلبها، فإذا وصلت إليها في معارجها أفاضت عليها من العلوم وأنوارها على قدر الاستعداد الذي جاءت به، فلا تقبل منها إلا على قدر استعدادها، ولا تفتقر في ذلك إلى ملك ولا رسول فإنها ليست علوم تشريع وإنما هي أنوار فهوم فيما أتى به هذا الرسول في وحيه أو في الكتاب الذي نزل عليه أو الصحيفة لا غير، وسواء علم ذلك الكتاب أو لم يعلمه ولا سمع بما فيه من التفاصيل، ولكن لا يخرج علم هذا الولي عن الذي جاء ذلك الرسول به من الوحي عن الله وكتابه وصحيفته لا بد من ذلك لكل وليّ صديق برسوله إلا هذه الأمة، فإن لهم من حيث صديقيتهم بكل رسول ونبيّ العلم والفتح والفيض الإلهيّ بكل ما يقتضيه وحي كل نبي وصفته وكتابه وصحيفته، وبهذا فضلت على كل أمة من الأولياء، فلا يتعدى كشف الوليّ في العلوم الإلهية فوق ما يعطيه كتاب نبيه ووحيه، قال الجنيد في هذا المقام: ((علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة)) وقال الآخر: ((كل فتح لا يشهد له الكتاب والسنة فليس بشيء))، فلا يفتح لوليّ قط إلا في الفهم في الكتاب العزيز فلهذا قال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال في ألواح موسى ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] موعظة وتفصلاً لكل شيء فلا يخرج علم الوليّ جملة واحدة عن الكتاب والسنة، فإن خرج أحد عن ذلك فليس بعلم ولا علم ولاية معاً، بل إذا حققته وجدته جهلاً والجهل عدم والعلم وجود محقق، فالوليّ لا يأمر أبداً بعلم فيه تشريع ناسخ لشرعه، ولكن قد يلهم لترتيب صورة لا عين لها في الشرع من حيث مجموعها، ولكن من حيث تفصيل كل جزء منها وجدته أمراً مشروعاً، فهو تركيب أمور مشروعة أضاف بعضها إلى بعض هذا الولي، أو أضيفت له بطريق الإلقاء أو اللقاء أو الكتابة فظهر بصورة لم تظهر في الشرع بجمعيتها، فهذا القدر له من التشريع، وما خرج بهذا الفعل من الشرع المكلف به فإن الشارع قد شرع له أنه يشرع مثل هذا فما شرع إلا عن أمر الشارع فما خرج عن أمره، فمثل هذا قد يؤمر به الولي من هناك، وأما خلاف هذا فلا. فإن قلت: وأين جعل الله للولي العالم ذلك بلسان الشرع؟ قلنا: قال وَّرَ: ((مَنْ سَنَّ الفتوحات المكية ج٥ - م٦ ٨٢ في المنازل/ الباب الرابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الفرق بين مدارج الملائكة والنبيين والأولياء سُنَّةٌ حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئاً» فقد سنّ له أن يسن ولكن مما لا يخالف فيه شرعاً مشروعاً ليحل به ما حرم أو يحرم به ما حلل، فهذا حظ الولي من النبوّة إذا سنّ من هنالك، وهو جزء من أجزاء النبوّة كما هي المبشرات من أجزاء النبوّة وكثير من الأشياء على ذلك، فالأسماء الإلهية لها على كل معراج ظهور، ولهذا تخبر كل طائفة ممن ذكرنا عن ربها في أوقات بغير واسطة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((لِي وَقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي)) وهذا المقام لكل شخص من الخلق، ألم يقل أن كل مصلّ يناجي ربه فأين الوسائط في هذا المقام؟ وكذلك في الدار الآخرة في الموقف قال وَرَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ سَيُكَلْمُهُ الله كفَاحاً لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ)) وكذا هو الآن غير أن في القيامة يعرف كل أحد أن ربه يكلمه، وفي الدنيا لا يعرف ذلك إلا العلماء بالله أصحاب العلامات فيعرفون كلام الله إياهم، فسبحان من خلقنا أطواراً وجعل لنا على علم الغيب والشهادة دليلاً ليلاً ونهاراً، فمحا آية الليل لدلالتها على الغيب، وجعل آية النهار مبصرة لدلالتها على عالم الشهادة، فمنا من كلم ربه غيباً وهو التجلي المشبه بالقمر ليلة البدر فذلك الأبدار صفتك أي إذا كملت حينئذ كلمك الحق في تجلي القمر بدراً لأنه بذاته مع كل موجود، ومنا من كلمه ربه شهادة وهو التجلي المشبه بالشمس ليس دونها سحاب، قال العارف : [الكامل] ومُحَدِّثي مِنْ بَيْنِهِمْ بِنَهَارِ يا مُؤْنِسي باللّيْلِ إذْ هَجَعَ الوَرَى وبعد أن بانت لك المعارج والمدارج وظهرت لك المراتب ومن لها من العالم وامتازت كل طائفة من غيرها بمعراجها فقد نجز بعض الغرض من هذا الباب، فلنذكر أمهات ما يحوي عليه من العلوم فإنه منزل شريف، وهو يحوي على نحو من سبعين علماً أو يزيد على ذلك، فلنذكر منها الأمهات التي لا بد منها، وفي ضمنها يندرج ما بقي: فمنها علم السؤال فإنه ما كل أحد يعلم كيف يسأل فقد يكون للسائل في نفسه أمر مّا ولا يحسن يسأل عنه، فإذا سأل أفسده بسؤاله ووقع له الجواب على غير ما في نفسه، ويتخيل أن المجيب ما فهم عنه، والعيب إنما كان من السائل حيث لم يفهم المسؤول صورة ما في نفسه، ويتصوّر هذا كثير في الدعاوى عند الحكام وتحريرها، قال وَيَّ: ((إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنَ الآخَرِ)) ومعناه أكثر إصابة ومطابقة لما في نفسه عند دعواه ممن لا يحسن ذلك، فهو علم مستقل في كل ما يسأل عنه أو يدعي فيه وله شروط معلومة مذكورة، وفيه علم القدر القضاء والحكم، وفيه علم مقامات الأملاك عمار الأفلاك منهم وغير عمارها، وعلم المقادير، وعلم الزمان، وعلم أحوال الناس في القيامة، وعلم النور، وعلم الجسر الذي يكون عليه الناس إذا تبدل الأرض وهو دون الظلمة، وعلم الظلمة، وعلم طبقات جهنم وتفاصيلها وأحوال الخلق فيها، وعلم الإنسان وما جبل عليه وهل ينتقل عما جبل عليه أم يستحيل ذلك؟ وعلم الديمومية، وعلم محادثة الحق، وعلم أداء الحقوق وعلم المحاضرة، وعلم الخوف وعلم الحفظ الإلهي، وعلم مجاوزة الحدود وما يتجاوز منها وما لا يتجاوز في المنازل/ الباب الخامس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل وجوب العذاب من الحضرة المحمدية ٨٣ وهل لكل حد مطلع أم لا؟ وعلم مراعاة الأمور إذا تعرضت للإنسان في طريق سلوكه إلى ربه، وعلم ذي الجلال والإكرام، وعلم التفرقة، وعلم الخلق والاختراع ولماذا يرجع؟ وعلم الجهات، وعلم الأسرار، وعلم الكمون والظهور، وعلم الاقتدار الإلهي، وعلم المسابقة بين الحق والخلق، وعلم الإمهال والإهمال وما حكمته؟ وهل الحليم يمهل أو يهمل؟ وعلم البعث، فهذا قد أبنت لك ما ذكرت أن أبينه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل وجوب العذاب من الحضرة المحمدية [الوافر] ولكنْ لا سَبِيلَ إلى الوُصُولِ إذا حَقَّتْ حَقَائِقُنا اتَّحدْنا مِنَ أَجْلِ الاسْتواء مَعَ النُّزُولِ إلى هذا المَقَامِ بِكُل وَجْهٍ وأين سَنَا الجليل مِنَ الخَلِيلِ وكيف يصحُّ أن يُزْقَى إليه كما صَلَّى على نَفْسِ الخَليلِ رأيتُ حَبِيبَهُ صَلَّى عليه كذا جاء الحَدِيثُ عن الرَّسُول فعَيْنُ الجَمْعِ عَيْنُ الفَرْقِ فيه عُقُولٌ حَظُّها عِلْمُ الدَّلِيلِ لكان طُلُوعُهَا عَيْنَ الأُقُولِ إذا أَفَلَتْ شُمُوسُ العِلْم تاهَتْ لَوَ أَنَّ الغَيْبَ تَشْهَدُهُ عُيُونٌ اعلم أيها الولي الحميم أن وجوب العذاب وقوعه بالمعذب، يقال: وجب الحائط إذا سقط ولا يكون السقوط إلا ممن لم يكن له علوّ ذاتي ولم يستحق العلوّ لذاته، فلما علا من هذه صفته لم يكن له حقيقة تمسك عليه علّوه فسقط ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] والصفات النفسية لا تكون مرادة للموصوف بها، فمن علا بغيره ولم يكن له حافظ يحفظ عليه علوّه سقط وقوتل، فالعالي من أعلى الله منزلته كما قال: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] فلما كانت الرفعة من الله الذي له العلوّ الذاتي حفظ على كل من أعلى الله منزلته علوّه، ومن علا بنفسه من الجبارين والمتكبرين قصمه الله وأخذه ولهذا قال: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] أي عاقبة العلوّ الذي علا به من أراد علوّاً في الأرض يكون للمتقين أي يعطيهم الله العلوّ في المنزلة في الدنيا والآخرة فأمّا في الآخرة فأمر لازم لا بد منه لأن وعده صدق وكلامه حق، والدار الآخرة محل تميز المراتب وتعيين مقادير الخلق عند الله ومنزلتهم منه تعالى، فلا بد من علوّ المتقين يوم القيامة. وأما في الدنيا فإنه كل من تحقق صدقه في تقواه وزهده فإن نفوس الجبارين والمتكبرين تتوفر دواعيهم إلى تعظيمه لكونهم ما زاحموهم في مراتبهم، فأنزلهم ما حصل في نفوسهم من تعظيم المتقين عن علوّهم وقصدوا خدمتهم والتبرك بهم، وانتقل ذلك العلوّ الذي ظهروا به إلى هذا المتقي وكان عاقبة العلوّ للمتقي، والجبار لا يشعر ويلتذ الجبار إذا قيل فيه إنه قد تواضع ونزل إلى هذا المتقي فيتخيل الجبار أن المتقي هو الأسفل، وأن الجبار نزل إليه بل علوّ الجبار انتقل إلى المتقي من ٨٤ في المنازل/ الباب الخامس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل وجوب العذاب من الحضرة المحمدية حيث لا يشعر، ونزل الجبار تحت عُلُوّ هذا المتقي، ولو سئل المتقي عن عُلُوِّه ما وجد عنده منه شيء، فثبت أن العلوّ في الإنسان إنما هو تحققه بعبوديته وعدم خروجه واتصافه بما ليس له بحقيقة، ألا ترى حكمة الله تعالى في قوله: ﴿لَمَّا طَغَا ◌ٌلْمَآءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي علا وارتفع وأضاف العلوّ له وما أضافه الحق إلى نفسه، فلما علا للماء وارتفع حمل الله من أراد نجاته من سطوة ارتفاع الماء في أخشاب ضم بعضها إلى بعض حتى كانت سفينة، فدخل فيها كل من أراد الله نجاته من المؤمنين، فعلت السفينة بمن فيها على علوّ الماء وصار الماء تحتها وزال في حق السفينة طغيان الماء فانكسر في نفسه، وسبب ذلك إضافة العلوّ له وإن كان من عند الله وبأمر الله، ولكن ما أضاف الله العلوّ إلا للماء فلو أضاف علوّ الماء إلى الله تعالى لحفظ علوّه عليه، فلم يكن تعلو عليه سفينة ولا يطفو على وجه الماء شيء أبداً فهذا شؤم الدعوى، فسقوط العذاب بالمعذب إنما كان سقوطه من ارتفاعه في نفسه لكونه صفة ملكية للاسم الله المعذب، فأعطته هذه النسمة سمة العلوّ لأنه صفة من له العلوّ وهو الاسم المعذب، فلما رأى الاسم المعذب ما قام في نفس العذاب من العلوّ بسببه أسقطه على المعذب به فزال عن العلوّ الذي كان يزهو به حين كان المعذب موصوفاً به، فلهذا يقال بوجوب العذاب على المعذب. وتحقيق ذلك أن الأمر الصحيح أن الملك لا يعذب أحداً إلا حتى يقوم به الغضب على ذلك الذي يريد تعذيبه لأمر صدر منه يستوجب به العذاب، فأثر ذلك الأمر في نفس الملك غضباً تأذى به الملك، والملك جليل القدر لا يليق بمكانته لعلوّ منصبه أن يتعذب بشيء، وقد فعل هذا الشخص أمراً أغضب الملك فأنزل الملك العذاب الذي كان يجده الملك في نفسه المعبر عنه بالغضب، أو الذي أثمر الغضب في نفس الملك أوجبه بهذا الشخص أي أسقطه عليه، فإذا وجب العذاب على هذا الشخص وجد الملك راحته بعذاب هذا الشخص وليس الأمر كذلك هنا، وإنما وجود الراحة بزوال العذاب الذي كان في نفس الملك الذي أورثه فعل هذا الشخص فتعذب الملك به، فلما أنزله بهذا الشخص انتقل عنه فوجد الراحة بانتقاله، ويسمى في العامّة التشفي وهو من الشفاء، والشفاء زوال العلة لا نزول العلة التي كانت في العليل بشخص آخر، هذا تحقيق الشفاء والراحة. ثم كونه نزل ذلك الألم بشخص آخر لهذا به لذة فتلك لذة أخرى زائدة على لذة زوال العذاب، والعلوّ هنا حقيقة للاسم الإلهي، فلهذا اتصف العذاب بالسقوط وهو الوجوب قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩] أي وجبت وسقطت . فإن قلت: هذا يصح في حق المخلوقين كيف يتمشى ذلك في حق الجناب العالي سبحانه؟ قلنا: فلما عجزنا عن معرفة الله ويحق لنا العجز فينبغي لنا إذا تركنا وعقولنا وحقائقنا أن نلتزم ذلك وننفي عنه مثل هذا وغيره، فإن قوة العقل تعطي ذلك غير أن قوة العقل والدليل الواضح قاما للعقل على تصديق الرسول الذي بعثه إلينا في إخباره الذي يخبر به عن ربه بما يكون منه سبحانه في خلقه وبما يكون عليه سبحانه في نفسه ومما يصف به نفسه مما يحيله عليه العقل إذا انفرد بدليله دون الشارع، فالعاقل الحازم يقف ذليلاً مشدود الوسط في خدمة في المنازل/ الباب الخامس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل وجوب العذاب من الحضرة المحمدية ٨٥ الشرع قابلاً لكل ما يخبر به عن ربه سبحانه وتعالى مما يكون عليه ومنه، فكان مما قد أخبر الحق عن نفسه أن قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وقال ◌َ: ((لاَ أَحَدَ أَضْبَرُ عَلَى أَذَى مِنَ الله)) وقال تعالى: ((كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَشَتَمِني ابْنُ آدَمَ» وقال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦] وقالت الأنبياء قاطبة: إن الله يوم القيامة يغضب غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وسلم العاقل ذلك كله إلى الله في خبره عن نفسه كما سلم إليه سبحانه أنه يفرح بتوبة عبده، وكل من اتصف بالفرح فيتصف بنقيضه، ووصف نفسه بأنه يتعجب من الشاب ليست له صبوة، ووصف نفسه بأنه يضحك إذا قال هناد يوم القيامة: أتستهزىء بي وأنت رب العالمين؟ ووصف نفسه بأنه يتبشبش لعبده، إذا جاء المسجد يريد الصلاة، ووصف نفسه بأنه يكره لعباده الكفر ويرضى لهم الشكر والإيمان، فهذا كله واجب على كل مسلم الإيمان به، ولا يقول العقل هنا كيف ولا لم كان كذا؟ بل يسلم ويستسلم ويصدق ولا يكيف فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلما رأيناه وصف نفسه بالغضب والأذى ووصف العذاب بالوجوب والسقوط لا يكون إلا من العلوّ لا ينبغي إلا لله تعالى، فعلمنا أن الأذى الذي وصف الحق به نفسه هو هذا فعلا الأذى بعلوّ من اتصف به، فأسقطه عن ذلك العلوّ على من يستحقه وهو الذي آذى الله ورسوله فحل به العذاب في دار الخزي والهوان. فإن علمت ما قررناه جمعت بين الإيمان الذي هو الدين الخالص وبين ما تستحقه مرتبتك من التسليم الله في كل ما يخبر به عن نفسه، ولا يتمكن في الإفصاح عن هذا المقام بأكثر من هذا ولا أبلغ إلا أن يخبر الحق بما هو أجلى في النسبة وأوضح، وإنما غاية المخلوق من هذا الأمر بمجرد عقله هذا الذي قررناه إلا عقولاً أدركها الفضول فتأولت هذه الأمور، فنحن نسلم لهم حالهم ولا نشاركهم في ذلك التأويل، فإنا لا ندري هل ذلك مراد الله بما قاله فنعتمد عليه أو ليس بمراده فنرده؟ فلهذا التزمنا التسليم، فإذا سئلنا عن مثل هذا قلنا: إنا مؤمنون بما جاء من عند الله على مراد الله به، وإنا مؤمنون بما جاء عن رسول الله وَليه ورسله عليهم السلام على مراد رسوله وّله ومراد رسله عليهم السلام، ونكل العلم في كل ذلك إليه سبحانه وإليهم، وقد تكون الرسل بالنسبة إلى الله في هذا الأمر مثلنا يرد عليها هذا الإخبار من الله فتسلمه إليه سبحانه وتعالى كما سلمناه ولا تعرف تأويله هذا لا يبعد، وقد تكون تعرف تأويله بتعريف الله تعالى بأيّ وجه كان هذا أيضاً لا يبعد، وهذه كانت طريقة السلف جعلنا الله لهم خلفاً بمنه، فطوبى لمن راقب ربه وخاف ذنبه وعمر بذكر الله قبله وأخلص لله حبه، فهذا قد أعلمتك بمعنى وجوب العذاب على من وجب عليه وأكثر من هذا فلا يحتمل هذا الباب، فإن مجاله ضيق في العامة، وإن كان المجال فيه رحباً عند أمثالنا بما منحنا الله به من المعرفة بالله، ولكن العقول المحجوبة بالهوى وبطلب الرياسة والنفاسة والعلو على أبناء الجنس يمنعهم ذلك من القبول والانقياد، ونحن فما نحن رسل من الله حتى نتكلف إيصال مثل هذه العلوم بالتبليغ، وما نذكر منها ما نذكر إلا للمؤمنين العقلاء الذين اشتغلوا بتصفية نفوسهم مع الله وألزموا نفوسهم التحقق بذلة العبودية والافتقار إلى الله في جميع ٨٦ في المنازل / الباب الخامس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل وجوب العذاب من الحضرة المحمدية الأحوال فنوّر الله بصيرتهم إمّا بالعلم وإما بالإيمان والتسليم لما جاء به الخبر عن الله وكتبه ورسله، فتلك العناية الكبرى والمكانة الزلفى والطريقة المثلى والسعادة العظمى ألحقنا الله بمن هذه صفته . وأما ما يتضمن هذا المنزل من العلوم فهو يتضمن علم الحق، ومنه ما كنا بسبيله في شرح وجوب العذاب، وفيه أيضاً علم الاسم الإلهيّ الذي يستفهم منه الحق عباده مثل قوله يوم يجمع الله الرسل فيقول: ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ﴾ [ القصص: ٦٥] وهو أعلم، ومثل قوله: كيف تركتم عبادي؟ يقوله للملائكة الذين باتوا فينا ثم عرجوا إليه وهو علم شريف، وفيه الزواجر الإلهيّة وهل هي كونية أو إلهية؟ وعلم السبب الموجب لهلاك الأمم عند كفرهم، ومن هلك من المؤمنين بهلاكهم وهلاك المقلدة معهم، كل ذلك في الدنيا، ومن يخرج من هذا الهلاك في الآخرة؟ ولماذا وقع الهلاك بالمؤمنين حين وقع بالكافرين فعم الجميع واختلفت الصفة؟ وهل هذا من الركون كما قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [هود: ١١٣] وعلم الركون الموجب لمس النار إياهم هل هو ركون حسيّ أو معنوي؟ وقوله بتضعيف العذاب على الركون وإن قصد خيراً قال تعالى: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذَا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ اٌلْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥] ما سبب هذا الضعف الذي هو أشد من العذاب المستحق بالأصالة؟ وما مراد الله في مثل هذه الآية التي لا يعلم ما فيها إلا بتعريف الله وهو علم عظيم يتضمنه هذا المنزل؟ ومن أهلك بنفسه ومن أهلك بغيره؟ وما حدّ الهلاك بالغير وما حد الهلاك بالنفس؟ وما مقدار زمانه؟ وهل الهلاك في اختلاف أنواعه لاختلاف الأحوال في الهالكين أو لاختلاف حقائق الأسماء الإلهية حتى يأخذ كل اسم إلهيّ بهذا المقام قسطه من العذاب؟ وما ينعدم من الأسماء بعد وجودها وما يبقى ولا ينعدم بهلاك أو غيره، وعلم الفرق بين من عصى الله وعصى رسوله وعصى أولي الأمر، وما يتضمنه عصيان الرسول وعصيان أولي الأمر من معصية الله، فإن عصيانهم عصيان أمر الله وليس في عصيان الله عصيانهم إلا في الرسول خاصة، فإنه في عصيان الله عصيان رسول الله إذ متعلق المعصية الأمر الإلهيّ والنهي، ولا يعرف ذلك إلا بتبليغ الرسول وعلى لسانه، فإن الله لا يبلغ أمره إلا رسل الله، وليس لغير الرسل من البشر هذا المقام، ومع هذا فللّه أمر يعصى فيه وللرسول أمر يعصى فيه، وثم أمر يجمع فيه معصية الله ورسوله، فكل أمر يتعلق بجناب الله ليس لمخلوق فيه دخول فتلك معصية الله، وكل أمر يتعلق بجناب المخلوق الذي هو رسول الله فتلك معصية الرسول، وكل أمر يتضمن الجانبين فتلك معصية الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الجن: ٢٣] وقال: ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٨] فأفرده، وقال: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ﴾ [النساء: ١١٦] فأفرد نفسه، وعلم من يستحق العظمة والصفة التي تطلبها، وعلم التذكير، وعلم السماع من الحق، وعلم الملك وملك الملك، وعلم ملك العزة، وعلم الملك الحامل، وعلم الملك المحمول، وعلم ملك الهباء، وعلم الهول الأعظم، وعلم الكنز الذي تحت العرش قال ◌َّه: ((إنَّ لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بالله خَرَجَتْ مِنْ كَثْزِ تَحْتَ العَرْشِ)) وما هو الكنز وما في المنازل / الباب الخامس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل وجوب العذاب من الحضرة المحمدية ٨٧ يتضمن من الذكر المكنوز فيه سوى لا حول ولا قوة إلا بالله، وعلم القوّة الإلهية والكونية، وعلم ضم المعاني بعضها إلى بعض في حضرة الكلمات، وهل لها انضمام في أنفسها مجردة عن مواد الكلمات أو ليس لها ضم في أنفسها؟ وإذا لم يكن لها ضم فهل ذلك لاستحالة الأمر في نفسه؟ فلا يقبل الانضمام أو بإرادة الله، وما الفرق بين كتابة المخلوق وكتابة الخالق؟ وهو علم عجيب رأيناه وشاهدناه، فإن النبي ◌َّ خرج وفي يديه كتابان مطويان قابض بكل يد على كتاب فسأل أصحابه: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فأخبرهم أن فى الكتاب الذي بيده اليمنى أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم من أوّل من خلقه الله إلى يوم القيامة، وفي اليد الأخرى في الكتاب الآخر أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم إلى يوم القيامة، ولو أخذ المخلوق يكتب هذه الأسماء على ما هي عليه في هذين الكتابين لما قام بذلك كل ورق في العالم، فمن هنا يعرف كتابة الله من كتابة المخلوقين . وقد حكي عن بعض البله من أهل الحاج أنه لقي رجلاً وهو يطوف طواف الوداع فأخذ ذلك الرجل يمازح هذا الأبله هل أخذت من الله براءتك من النار؟ فقال الأبله: لا وهل أخذ الناس ذلك؟ قال له: نعم، فبكى ذلك الأبله ودخل الحجر وتعلق بأستار الكعبة وجعل يبكي ويطلب من الله أن يعطيه كتابه بعتقه من النار، فجعل الناس وأصحابه يلومونه ويعرفونه أن فلاناً مزح معك وهو لا يصدقهم بل بقي مستمراً على حاله، فبينا هو كذلك إذ سقطت عليه ورقة من الجوّ من جهة الميزاب فيها مكتوب عتقه من النار، فسر بها وأوقف الناس عليها، وكان من آية ذلك الكتاب أنه يقرأ من كل ناحية على السواء لا يتغير كلما قلبت الورقة انقلبت الكتابة لانقلابها، فعلم الناس أنه من عند الله. وأما في زماننا فاتفق لامرأة أنها رأت في المنام كأن القيامة قد قامت وأعطاها الله ورقة شجرة فيها مكتوب عتقها من النار، فمسكتها في يدها واتفق أنها استيقظت من نومها والورقة قد انقبضت عليها يدها ولا تقدر على فتح يدها وتحس بالورقة في كفها، واشتد قبض يدها عليها بحث أنه كان يؤلمها، فاجتمع الناس عليها وطمعوا أن يقدروا على فتح يدها فما استطاع أحد على فتح يدها من أشد ما يمكن من الرجال، فسألوا عن ذلك أهل طريقنا فما منهم من عرف سرّ ذلك. وأما علماء الرسم من الفقهاء فلا علم لهم بذلك. وأما الأطباء فجعلوا ذلك لخلط قوي انصب إلى ذلك العضو فأثر فيه ما أثر فقال بعض الناس: لو سألنا فلاناً - يريدون إياي بذلك - ربما وجدنا عنده علماً بذلك، فجاؤوني بالمرأة وكانت عجوزاً ويدها مقبوضة قبضاً يؤلمها فسألتها عن رؤياها فأخبرتني كما أخبرت الناس، فعرفت السبب الموجب لقبض يدها عليها، فجئت إلى أذنها وساررتها فقلت لها: قربي يدك من فمك وانوي مع الله أنك تبتلعين تلك الورقة التي تحسين بها في كفك فإنك إذا نويت ذلك وعلم الله صدقك في ذلك فإن يدك تنفتح، فقربت المرأة يدها من فيها وألزقته وفتحت فاها ونوت مع الله ابتلاع الورقة فانفتحت يدها وحصلت الورقة في فمها فابتلعتها وانفتح يدها، فتعجب الحاضرون من ذلك فسألوني عن علم ذلك فقلت لهم: إن مالك بن أنس إمام دار الهجرة اتفق في زمانه وهو ابن ٨٨ في المنازل/ الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ ثلاث عشرة سنة وكان يقرأ الفقه على شيوخه وكان ذا فطنة وذكاء فاتفق في ذلك الزمان أن امرأة غسلت ميتة فلما وصلت إلى فرجها ضربت بيدها على فرج الميتة وقالت: يا فرج ما كان أزباك، فالتصقت يدها بالفرج والتحمت به فما استطاع أحد على إزالة يدها، فسئل فقهاء المدينة ما الحكم في ذلك؟ فمن قائل بقطع يدها، ومن قائل يقطع من بدن الميتة قدر ما مسكت عليه اليد وطال النزاع في ذلك بين الفقهاء أي حرمة أوجب علينا حرمة الميت فلا نقطع منه شيئاً أو حرمة الحي فلا يقطع، فقال لهم مالك: أرى أن الحكم في ذلك أن تجلد الغاسلة حد الفرية فإن كانت افترت فإن يدها تنطلق، فجلدت الغاسلة حد الفرية فانطلقت يدها فتعجب الفقهاء من ذلك ونظروا مالكاً من ذلك الوقت بعين التعظيم وألحقوه بالشيوخ، كما كان عمر بن الخطاب يلحق عبد الله بن عباس بأهل بدر في التعظيم لعظم قدره في العلم. ولما علمت أنا بما ألقى الله في نفسي أن الله غار على تلك الورقة أن لا يطلع عليها أحد من خلق الله وأن ذلك سر خص الله به تلك المرأة قلت لها ما قلت فانفتحت يدها وابتلعت تلك الورقة . ويحوي هذا المنزل على علم الجنان والنار، وعلم مواقف القيامة، وعلم الأحوال الأخروية، وعلم الشرائع، وعلم ما السبب الموجب الذي لأجله عرفت الرسل مقاديرها مع علو منزلتهم عند الله، والفرق بين منزلتهم عند الله ومنزلتهم عند الناس المؤمنين بهم وبأي عين ينظر إليهم الحق؟ وبأي اسم يخاطبهم؟ وعلم التنزيه والتقديس والعظمة وما حضرة الربوبية من حضرات بقية الأسماء المقيدة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ في اللوح المحفوظ الإنساني من الحضرة الإجمالية الموسوية والمحمدية وهما من أسنى الحضرات [مجزوء الرجز] سِرُّ الدَّواةِ والقَلمْ عِلْمُ الحُدُوثِ والقِدَمْ نُودِي بعَبْدي فقَدِمْ وذاك مخصوصٌ بمَنْ كان له فيها قِدَمْ لحَضْرَةٍ منْ ذَاتُهُ في رُتْبةِ العِلْم قَدَمْ وماشياً على قَدَمْ مِزَاجَ لَحم مَعَ دَمْ أَشْهَدَهُ الحقّ العَدَمْ كَمِثلِهِ حين عُدِمْ صَاحِبَ أقدام تُذَمْ عَزْمٌ صحيحٌ ونَدَمْ وكان من قولهم له وجاء يَسْعَى راكباً وكان قد مَازَجَهُمْ وألْحَقَ الكَوْنَ إذا فَسِرُّه في كَوْنه ولم يكن في وَقْتِه فَشَرْطُ كُلٌ تـائِبِ في المنازل/ الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ ٨٩ جاء بذُلٌ وخدم لمَّا أتَى حَضْرَتَهُ عَيْناً على العَرْش حَزَمْ وعندما أبْصَرهُ إذْ كان مِنْ بَعْضِ الخَدَمْ فجَادَتِ العَيْنُ له مقامه ذاك خدم وعندما يَخْرُجُ من اعلم أيدك الله أيها الولي الحميم والصفي الكريم نور الله بصيرتك أن رسول الله وَلا لما كان خلقه القرآن وتخلق بالأسماء وكان الله سبحانه ذكر في كتابه العزيز أنه تعالى استوى على العرش على طريق التمدح والثناء على نفسه إذا كان العرش أعظم الأجسام، فجعل لنبيه وعليه. من هذا الاستواء نسبة على طريق التمدح والثناء عليه به حيث كان أعلى مقام ينتهي إليه من أسري به من الرسل، وذلك يدل أنه أسري به وق له بجسمه ولو كان الإسراء به رؤيا لما كان الإسراء ولا الوصول إلى هذا المقام تمدحاً، ولا وقع من الأعراب في حقه إنكار على ذلك، لأن الرؤيا يصل الإنسان فيها إلى مرتبة رؤية الله تعالى وهي أشرف الحالات، وفي الرؤيا ما لها ذلك الموقع من النفوس،. إذ كل إنسان بل الحيوان له قوّة الرؤيا فقال وَ ل# عن نفسه على طريق التمدح لكونه جاء بحرف الغاية وهو حتى فذكر أنه أسري به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام وهو قوله تعالى: ﴿لِثُرِّيَّهُ مِنْ ءَايَلِنَأْ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] فالضمير في أنه هو يعود على محمد بنّ فإنه أسري به، فرأى الآيات وسمع صريف الأقلام، فكان يرى الآيات ويسمع منها ما حظه السماع وهو الصوت فإنه عبر عنه بالصريف والصريف الصوت، قال النابغة: [البسيط] له صَرِيفٌ صَرِيفُ القَعْوِ بِالمَسَدِ فدل أنه بقي له من الملكوت قوة ما لم يصل إليه بجسمه من حيث هو راء ولكن من حيث هو سميع، فوصل إلى سماع أصوات الأقلام وهي تجري بما يحدث الله في العالم من الأحكام، وهذه الأقلام رتبتها دون رتبة القلم الأعلى ودون اللوح المحفوظ، فإن الذي كتبه القلم الأعلى لا يتبدّل، وسمي اللوح بالمحفوظ من المحو فلا يمحى ما كتب فيه، وهذه الأقلام تكتب في ألواح المحو والإثبات وهو قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ﴾ [الرعد: ٣٩] ومن هذه الألواح تتنزل الشرائع والصحف والكتب على الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولهذا يدخل في الشرائع النسخ، ويدخل في الشرع الواحد النسخ في الحكم وهو عبارة عن انتهاء مدّة الحكم لا على البداء، فإن ذلك يستحيل على الله. وإلى هنا كان يتردد و84# في شأن الصلوات الخمسين بين موسى وبين ربه إلى هذا الحدّ كان منتهاه، فيمحو الله عن أمة محمد # ما شاء من تلك الصلوات التي كتبها في هذه الألواح إلى أن أثبت منها هذه الخمسة، وأثبت لمصليها أجر الخمسين، وأوحى إليه أنه لا يبدّل القول لديه، فما رجع بعد ذلك من موسى في شأن هذا الأمر ومن هذه الكتابة ثم قضى أجلاً وأجل مسمى، ومن هذه الألواح وصف نفسه سبحانه بأنه تعالى يتردّد في نفسه في قبضه نسمة المؤمن بالموت وهو قد قضى عليه، ومن هذه الحقيقة الإلهية التي كنى عنها بالتردّد الإلهيّ يكون سريانها في ٩٠ في المنازل/ الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ التردّد الكوني في الأمور والحيرة فيها، وهو إذا وجد الإنسان أن نفسه تتردّد في فعل أمر ما هل يفعله أو لا يفعله؟ وما تزال على تلك الحال حتى يكون أحد الأمور التي تردّدت فيها فيكون ويقع ذلك الأمر الواحد ويزول التردّد، فذلك الأمر الواقع هو الذي ثبت في اللوح من تلك الأمور المتردّد فيها، وذلك أن القلم الكاتب في لوح المحو يكتب أمراً ما وهو زمان الخاطر الذي يخطر للعبد فيه فعل ذلك الأمر ثم تمحى تلك الكتابة يمحوها الله فيزول ذلك الخاطر من ذلك الشخص لأنه ما ثم رقيقة من هذا اللوح تمتد إلى نفس هذا الشخص في عالم الغيب، فإن الرقائق إلى النفوس من هذه الألواح تحدث بحدوث الكتابة وتنقطع بمحوها، فإذا أبصر القلم موضعها من اللوح ممحوّاً كتب غيرها مما يتعلق بذلك الأمر من الفعل أو الترك، فيمتد من تلك الكتابة رقيقة إلى نفس ذلك الشخص الذي كتب هذا من أجله فيخطر لهذا الشخص ذلك الخاطر الذي هو نقيض الأول، فإن أراد الحق إثباته لم يمحه، فإذا ثبت بقيت رقيقة متعلقة بقلب هذا الشخص وثبتت، فيفعل ذلك الشخص ذلك الأمر أو يتركه بحسب ما ثبت في اللوح، فإذا فعله أو ثبت على تركه وانقضى فعله محاه الحق من كونه محكوماً بفعله وأثبته صورة عمل حسن أو قبيح على قدر ما يكون، ثم إن القلم يكتب أمراً آخر هكذا الأمر دائماً، وهذه الأقلام هذه مرتبتها، والموكل بالمحو ملك كريم على الله تعالى هو الذي يمحو على حسب ما يأمره به الحق تعالى، والإملاء على ذلك الملك، والأقلام من الصفة الإلهية التي كنى عنها في الوحي المنزل على رسوله بالتردد، ولولا هذه الحقيقة الإلهية ما اختلف أمران في العالم ولا حار أحد في أمر ولا تردّد فيه، وكانت الأمور كلها حتماً مقضياً. كما أن هذا التردّد الذي يجده الناس في نفوسهم حتم مقضي وجوده فيهم إذ كان العالم محفوظاً بالحقائق، وعدد هذه الأقلام التي يجري على حكم كتابتها الليل والنهار ثلاثمائة قلم وستون قلماً على عدد درج الفلك، فكل قلم له من الله علم خاص ليس لغيره، ومن ذلك القلم ينزل العلم إلى درجة معينة من درجات الفلك، فإذا نزل في تلك الدرجة ما نزل من الكواكب التي تقطعها بالسير من الثمانية الأفلاك تأخذ من تلك الدرجة من العلم المودع من ذلك القلم بقدر ما تعطه قوّة روحانية ذلك الكوكب فتحرك بذلك فلكها فيبلغ الأثر إلى الأركان فتقبل من ذلك الأثر بحسب استعداد ذلك الركن، ثم يسري ذلك الأثر من الأركان في المولدات فيحدث فيها ما شاء الله بحسب ما قبلته من الزيادة والنقصان في جسم ذلك المولد أو في قواه وفي روحه وفي علمه وجهله ونسيانه وغفلته وحضوره وتذكره ويقظته، كل ذلك بتقدير العزيز العليم، وتحدث الأيام بحركة الفلك الكبير، ويتعين الليل والنهار في اليوم بحكم الحركة الكبيرة اليومية على حركة فلك الشمس فإنها تحت حوطته، وجعل الأرض كثيفة لا تنفذها أنوار الشمس لوجود الليل الذي هو ظل الأرض، ولهذا يكبر النهار في أماكن ويصغر، وكذلك يكبر الليل ويصغر، وبه تقع الزيادة عندنا بالليل والنهار، وبهذا الليل والنهار الموجودين في المعمور من الأرض بهما تعد أيام الأفلاك وأيام الرب وكل يوم ذكر وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] يعني من أيامنا هذه المعلومة، ونحن نعلم في المنازل/ الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ ٩١ قطعاً أن الأماكن التي يكون فيها النهار من ستة أشهر والليل كذلك أن ذلك يوم واحد في حق ذلك الموضع، فيوم ذلك الموضع ثلاثمائة يوم وستون يوماً مما نعده، فقد أنبأتك بمكانة هذه الأقلام التي سمع صوت كتابتها رسول الله وَطّر من العلم الإلهيّ ومن يمدها وإلى أي حقيقة إلهية مستندها، وما أثرها في العالم العلوي من الأملاك والكواكب والأفلاك، وما أثرها في العناصر والمولدات وهو كشف عجيب يحوي على أسرار غريبة من أحكام هذه الأقلام تكون جميع التأثيرات في العالم دائماً، لا بد لها أن تكتب وتثبت انتثار الكواكب وانحلال هذه الأجرام الفلكية وخراب هذه الدار الدنياوية وانتقال العمارة في حق السعداء إلى الجنان العلية التي أرضها سطح الفلك الثامن وجهنم إلى أسفل سافلين وهي دار الأشقياء، وقد ذكرنا ذلك في هذا الكتاب في باب الجنة وفي باب النار. وأمّا القلم الأعلى فأثبت في اللوح المحفوظ كل شيء يجري من هذه الأقلام من محو وإثبات ففي اللوح المحفوط إثبات المحو في هذه الألواح وإثبات الإثبات ومحو الإثبات عند وقوع الحكم وإنشاء أمر آخر، فهو لوح مقدس عن المحو فهو الذي يمده القلم الإلهيّ باختلاف الأمور وعواقبها مفصلة مسطرة بتقدير العزيز العليم، ولقلوب الأولياء من طريق الكشف الإلهيّ الحقيقيّ في التمثيل من هذه الأقلام كشف صحيح، كما مثلت الجنة لرسول الله وَله في عرض الحائط وإنما قلنا إن ذلك الممثل حقيقة مع كونه ممثلاً لقول رسول الله وَّرَ: «أَرَأَنْتُمُونِي حِينَ تَقَدَّمْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَقْطِفَ مِنْهَا قِطْفاً لَوْ أَخْرَجْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ ما بَقِيَتِ الدُّنْيَا)) ولما مثلت له النار تأخر عن قبلته لئلا يصيبه من لهبها، ورأى فيها ابن لحي وصاحب المحجن وصاحبة الهرة وكان ذلك في صلاة كسوف الشمس، وقد قال رََّ: ((إنَّ اللهَ فِي قِبْلَةِ المُصَلِّي)) وقد رأى الجنة والنار في قبلته كما أن الحائط في قبلته. واعلم أن الله تعالى أسماء تختص بالجنة وأهلها، وأن لله تعالى أسماء تختص بالنار وأهلها، وأن الحق يناجيه المصلي من حيث أسمائه لا من حيث ذاته، إذ كانت ذاته تتعالى عن الحد والمقدار والتقييد، فاعلم بما نبهتك عليه أن رسول الله وَ له ما زال الحق يناجيه في قبلته وفي صلاته، وما أخرجه مشاهدة الجنان والنار ومن فيها وحركته بالتقديم والتأخر عن كونه مصلياً ظاهراً وباطناً، وإنما أخبر النبي ول# بهذا كله في حال الصلاة إعلاماً لنا بما يخطر لنا في صلاتنا من مشاهدة أمورنا من بيع وشراء وأخد وعطاء وتصريف خواطر المصلي في الأكوان المتجلية له في باطنه في حال صلاته، وقد قال عمر عن نفسه إنه كان يجهز الجيش وهو في صلاته، فكان خبر النبي ◌َّر لنا بما شاهده في صلاته أن ذلك لا يقدح في الصلاة المشروعة لنا كما يعتقده بعض عامة الفقهاء ممن لا علم له بالأمور، وربما بعض الصالحين يتخيلون أن هذا كله مما يبطل الصلاة ويخرج الإنسان عن الحضور مع الحق ما الأمر على ذلك، بل كل ما يشاهده المصلي في صلاته من الأكوان هو حق وهو من الصلاة لمن عقل ما المراد بالصلاة وكما لم يقدح في صلاته ما تشاهده عينه من المحسوسات التي في قبلته التي ظهرت لبصره بوجودها وذواتها من العوالم وحركاتهم، ولا يخرجه ذلك عن كونه مصلياً بلا خلاف، ويكره للمصلي أن يغمض عينيه في صلاته، فكذلك أيضاً ما يتجلى لعين بصيرته ٩٢ في المنازل/ الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ وقلبه من مثل الخواطر وصور الأمور التي تعرض له في باطنه وهي من عند الله، وعين بصيرته مفتوح مثل عين حسه، فكل صورة ممثلة تجلى له الحق بها في باطنه كما تجلى له في المحسوسات في ظاهره فلا بد أن يدركها بعين بصيرته وقلبه كما أدرك صور المحسوسات ببصره، وكما أنه لم يخرجه ذلك عن كونه مصلياً على ما شرع له مع استقباله القبلة بوجهه، كذلك لا يخرجه ما شاهده في باطنه من صور الأكوان عن كونه مصلياً على حد ما شرع له مع استقباله ربه، وذلك الاستقبال هو المعبر عنه بالنية المطلوبة منه عند الشروع في تلك العبادة، فمن لا علم له بالأمور يقدح هذا عنده، فإن احتج أحد بقوله يسير في الركعتين اللتين يصليهما العبد عقيب الوضوء ((لا يُحَدِّث نَفْسَه فيهما بِشَيْء)) فليس بحجة، وما فهم ما أراده رسول الله وَّه وما حقق نظره في لفظه بماذا قيده وَّ فإنه قيده بالحديث مع نفسه، وهذه الصور التي يرى المصلي نفسه فيها إنما يشاهدها بعين قلبه، وما تعرض الشارع إلا لمن يحدث لا لمن يبصر، لأنه ليس في قوته أن يغمض عين قلبه عما تجلى له الحق من الصور، ثم قيد الحديث منه مع نفسه، فإن تحدث مع ربه أو مع الصورة التي تتجلى له في صلاته فإن ذلك لا يقدح في صلاته، وقد كان رسول الله ◌َّ في صلاته إذا مرّ في تلاوته بآية استغفار استغفر وبآية رغبة سأل الله في نيل ما تدل عليه، وما أخرجه شيء من ذلك عن كونه مصلياً، ولا حدثت له نية أخرى تخرجه عن صلاته، كما لم يتحوّل في ظاهره إلى جهة أخرى غير جهة قبلته، فما دام المصلي لم يتحوّل عن قبلته بوجهه ولا أحدث نية خروج عن صلاته فصلاته صحيحة مقبولة ذلك من فضل الله على عباده ورحمته بهم، وما كل إنسان يعلم خطاب الحق عباده وما أراده منهم. وأمّا الحديث المرويّ عن رسول الله وسلم فيما يقبل من الصلاة عشرها إلى أن وصل إلى نصفها إلى ما عقل منها فلم يصح، ولو صح لما قدح فيما ذكرناه. واعلم أن هذا المنزل منزل عظيم جليل القدر له بالنبيّ ◌َّ اختصاص عظيم، وهذا القدر الذي ذكرنا منه فيه غنية لمن نظر واستبصر فلنذكر ما يحوي عليه من العلوم، فإن أبواب الكتاب كثيرة، ويطول الكلام فيها مع كثرتها فيتعذر تحصيله على من يريده، فاعلم أنه يحوي على علم الإجمال، وهل في علم الله إجمال أو لا يعلم الأشياء إلا على التفصيل؟ وهي غير متناهية، ويحوي على علم التفصيل، ويحوي على العلم الذي بين الإجمال والتفصيل، وهو علم غريب لا يعرفه القليل من العلماء بالله فكيف الكثير؟ وفيه علم الدواوين وترتيبها، وفيه علم الأجور والمستحقين لها مع كونهم عبيداً ولم سمي العبد أجيراً؟ فإنه مشعر بأن له نسبة إلى نسبة الفعل الصادر منه إليه فتكون الإجارة من تلك النسبة، ومنها طلب العون على خدمة سيده، ومن أية جهة تعين الفرض عليه ابتداء قبل الأجرة والأجير لا يفترض عليه إلا حتى يؤجر نفسه، والعبد فرض عليه طاعة سيده، والإنسان هنا مع الحق على حالين: حالة عبودية وحالة إجارة، فمن كونه عبداً يكون مكلفاً بالفرض كالصلاة المفروضة والزكاة وجميع الفرائض ولا أجر له عليها جملة واحدة في أداء فرضه، بل له ما يمتن به عليه سيده من النعم التي هي أفضل من الأجور لا على جهة الأجر. ثم إن الله تعالى ندبه إلى عبادته في أمور في المنازل/ الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ ٩٣ ليست عليه فرضاً فعلى تلك الأعمال المندوبة إليها فرضت الأجور، فإن تقرب العبد بها إلى سيده أعطاه إجارته عليها، وإن لم يتقرب لم يطلب بها ولا عوتب عليها، فمن هنا كان العبد حكمه حكم الأجنبي في الإجارة، فالفرض له الجزاء الذي يقابله فإنه العهد الذي بين الله وعباده، والنوافل لها الأجور وهي قوله تعالى: ((وَلاَ يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَبَصَرا)) الحديث، فالنافلة أنتجت له المحبة الإلهية ليكون الحق سمعه وبصره، والمحبة الإلهية هي التي أنزلته من الحق منزلة أن يكون الحق سمعه وبصره، والعلة في ذلك أن المتنفل عبد اختيار كالأجير، فإذا اختار الإنسان أن يكون عبد الله لا عبد هواه فقد آثر الله على هواه، وهو في الفرائض عبد اضطرار لا عبد اختيار، فتلك العبودية أوجبت عليه خدمة سيده فيما افترضه عليه، فبين الإنسان في عبوديته الاضطرارية وبين عبوديته الاختيارية ما بين الأجير والعبد المملوك، فالعبد الأصلي ما له على سيده استحقاق إلا ما لا بد منه يأكل من سيده ويلبس من سيده ويقوم بواجبات مقامه، فلا يزال في دار سيده ليلاً ونهاراً لا يبرح إلا إذا وجهه في شغله، فهو في الدنيا مع الله، وفي القيامة مع الله، وفي الجنة مع الله، فإنها جميعها ملك سيده فيتصرف فيها تصرف الملاك، والأجير ما له سوى ما عين له من الأجرة منها نفقته وكسوته وماله دخول على حرم سيده ومؤجره ولا الاطلاع على أسراره ولا تصرف في ملكه إلا بقدر ما استؤجر عليه، فإذا انقضت مدة إجارته وأخذ أجرته فارق مؤجره واشتغل بأهله، وليس له من هذا الوجه حقيقة ولا نسبة تطلب من استأجره إلا أن يمن عليه رب المال بأن يبعث خلفه ويجالسه ويخلع عليه فذلك من باب المنة، وقد ارتفعت عنه في الدار الآخرة عبودية الاختيار، فإن تفطنت فقد نبهتك على مقام جليل تعرف منه من أي مقام قالت الأنبياء مع كونهم عبيداً مخلصين له لم يملكهم هوى أنفسهم ولا أحد من خلق الله، ومع هذا قالوا: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: ٧٢] فيعلم أن ذلك راجع إلى دخولهم تحت حكم الأسماء الإلهية، فمن هناك وقعت الإجارة فهم في الاضطرار والحقيقة عبيد الذات وهم لها ملك، وصارت الأسماء الإلهية تطلبهم لظهور آثارها فيهم، فلهم الاختيار في الدخول تحت أي اسم إلهيّ شاؤوا، وقد علمت الأسماء الإلهية ذلك، فعينت لهم الأسماء الإلهية الأجور، يطلب كل اسم إلهيّ من هذا العبد الذاتيّ أن يؤثره على غيره من الأسماء الإلهية بخدمته فيقول له: ادخل تحت أمري وأنا أعطيك كذا وكذا، فلا يزال في خدمة ذلك الاسم حتى يناديه السيد من حيث عبودية الذات، فيترك كل اسم إلهيّ ويقوم لدعوة سيده، فإذا فعل ما أمره به حينئذ رجع إلى أي اسم شاء، ولهذا يتنفل الإنسان ويتعبد بما شاء حتى يسمع إقامة الصلاة المفروضة فتحرم عليه كل نافلة، ويبادر إلى أداء فرض سيده ومالكه، فإذا فرغ دخل في أي نافلة شاء فهو في التشبيه في هذه المسألة كعبد لسيده أولاد كثيرة، فهو مع سيده بحكم عبودية الاضطرار إذا أمره سيده لم يشتغل بغير أمره، وإذا فرغ من أداء ذلك طلب أولاد سيده منه أن يسخروه فلا بد أن يعينوا له ما يرغبه في خدمتهم، وكل ولد يحب أن يأخذه لخدمته في وقت فراغه من شغل سيده فيتنافسون في أجره ليستخلصوه إليهم، فهو مخير مع ٩٤ في المنازل/ الباب السادس عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصفات القائمة المنقوشة بالقلم الإلهيّ أي ولد يخدم في ذلك الوقت، فالإنسان هو العبد، والسيد هو الله، والأولاد سائر الأسماء الإلهية، فإذا رأى العبد ملهوفاً فأغاثه فيعلم أنه تحت تسخير الاسم المغيث فيكون له من المغيث ما عين له في ذلك من الأجر، وإذا رأى ضعيفاً في نفسه فتلطف به كان تحت تسخير الاسم اللطيف، وكذلك ما بقي من الأسماء، فتحقق يا وليّ كيف تخدم ربك وسيدك، وكن على علم صحيح في نفسك وفي سيدك تكن من العلماء الراسخين في العلم الحكماء الإلهيين، وتفز بالدرجة القصوى والمكانة العليا مع الرسل والأنبياء. ويحوي أيضاً هذا المنزل على علم التخلق بالأسماء الإلهية كلها، وأعني بالكل ما وصل إلينا العلم بها وعلم التمييز وأين يناله العبد؟ وتقدير الزمان الذي بينه وبين الوصول إليه، وعلم التفاضل الإلهي بين الله وبين عباده في مثل قوله ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] و﴿أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١] ما الوجه الذي جمعهم حتى كان الحق في ذلك الوجه أكمل ولا مفاضلة بين الله وخلقه، إذ كان السيد هو الذي لا يكاثر ولا يفاضل والكل عبيد له، ولا مفاضلة بين السيد وعبده من حيث هو عبد بل السيد له الفضل أجمعه، وعلم مراتب أهل التصديق أهل التكذيب من مراتب أهل الكفر والشرك وغيرهم، وعلم التمني أي اسم إلهيّ يطلبه، وعلم الصفات التي يكرهها السيد من العبد وما السبب الموجب للعبد حتى يدخل فيما يكرهه سيده؟ هل من حقيقة هو عليها تطلب ذلك أو هو راجع إلى القضاء والقدر خاصة؟ وعلم القلوب، وعلم العلامات، وعلم الإصرار وبما يتعلق وقد بيناه في كتاب إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن في قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] فانظره هناك، وعلم الجزاء الدنياوي والأخراوي وقد بيناه في التفسير لنا في فاتحة الكتاب في قوله تعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وعلم التقوى، وعلم الفرقان، وعلم القرآن، وعلم الشدائد والأهوال ولماذا ترجع؟ وكون أيام الدجال من سنة وشهر وجمعة وسائر أيامه كالأيام المعهودة هل ذلك راجع إلى شدة الفجأة؟ فإن الهم يولد كبيراً ويصغر كلما دام واستصحبه الإنسان هان عليه ما يجد حتى أن المعاقب بالضرب ما يحس به إلا في أول ما يقع به مقداراً قليلاً ثم لما يتخدر موضع الضرب فلا يحس به، وعلم الانفراد بالحق لأهل الشقاء ما فائدته ولماذا يرجع، وعلم المكر والخداع والكيد والاستدراج والفرق بين هذه المراتب وأصحابها، وعلم الصبر، وعلم عقوبة من لم يصبر ومتى يكون صابراً؟ وعلم العناية، وعلم الاجتباء، وعلم منازل الصالحين وهو علم غريب شريف ما رأيت من العارفين من يعرفه إلا الأنبياء خاصة، فالحمد لله الذي منّ علينا بمعرفته وما رأينا ذلك إلا بكون الله امتنّ علينا بالاحترام التام لرسله عليهم السلام وشرائعه المنزلة، وعلم الصلاح يختص بهم، فمكنني الله من جني ثمرته، فقد نبهتك على الطريق الموصلة إلى علم الصلاح الذي أغفل الناس طريقه وجعلوه في الطبقة الرابعة وأخذوا الطريق خطاً مستقيماً وطريق الحق ليس كذلك وإنما هو مستقيم الاستدارة، فإن القوم جهلوا معنى الاستقامة في الأشياء ما هي، فالاستقامة الدائرة أن تكون دائرة صحيحة بحيث أن يكون كل خط يخرج من النقطة إلى المحيط منها ٩٥ في المنازل/ الباب السابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الابتلاء وبركاته مساوياً لصاحبه وسائر الخطوط، كما أن الاستقامة في الشكل المربع والمثلث أن يكون متساوي الأضلاع بتساوي الزوايا، كما أن الاستقامة في الشكل المثلث المتساوي الساقين أن يكون متساوي الساقين، فكل شيء لم يخرج عما وضع له فهي استقامته، وعلم العين وعلم الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الابتلاء وبركاته وهو منزل الإمام الذي على يسار القطب [الطويل] وأسْكَنَها رُوحاً كريماً وأبْلاهَا عَجِبْتُ لدَارٍ قد بَنَاها وسوّاها وخرّبها تَخْرِيبٌ من لا يقيمُها وقد كان عَلاَّماً بما قد أقامه ولِمْ لا بَنَاها أوّلاً وأقامها وما فَعَلَتْ ما تستحقُّ به الرَّدا لقد عَبَثَتْ فينا وفيها يَدُ البِلَى وردّ إليها ذلك الروحَ فَاسْتَوَى وأورثها عَدْناً وخُلْداً عنايةٌ فَمَنْ لي بجَمْعِ الشَّملِ مَن لي ببُقْيَاهَا فيا ليت شِغري ما الذي كان أذراها إقامةً بَاقٍ لا يزول محياها فما كان أسناها وما كان أقواها وبَعْدَ زمانٍ ردَّها ثم علاها على عَزْشها ملكاً وخلَّد سكناها فأسْكَنَها فِرْدوْسَها ثم مَأْوَاهَا اعلم أيّدك الله أيها الوليّ الحميم، والصفيّ الكريم، أن الحياة للأرواح المدبرة الأجسام كلها النارية والترابية والنورية كالضوء للشمس سواء، فالحياة لها وصف نفسي، فما يظهرون على شيء إلا حيي ذلك الشيء وسرت فيه حياة ذلك الروح الظاهر له كما يسري ضوء الشمس في جسم الهواء ووجه الأرض وكل موضع تظهر عليه الشمس، ومن هنا يعلم من هو روح العالم وممن يستمد حياته، وما معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] ثم مثل فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ﴾ [النور: ٣٥] وهي الكوة ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] وهو النور إلى آخر التشبيه، فمن فهم معنى هذه الآية علم حفظ الله العالم، فهذه الآية من أسرار المعرفة بالله تعالى في ارتباط الإله بالمألوه والرب بالمربوب، فإن المربوب والمألوه لو لم يتولَّ الله حفظه دائماً لفني من حينه إذا لم يكن له حافظ يحفظه ويحفظ عليه بقاءه، فلو احتجب عن العالم في الغيب انعدم العالم، فمن هنا الاسم الظاهر حاكم أبداً وجوداً والاسم الباطن علماً ومعرفة، فبالاسم الظاهر أبقى العالم، وبالاسم الباطن عرفناه، وبالاسم النور شهدناه، فإذا كانت حياة الإنسان الذي هو مقصودنا في هذا الباب لأنه باب الابتلاء وهو يعم المكلفين من الثقلين فإنه كل ما سوى الثقلين ليسوا مثلنا في حكم العبادة والتكليف، فكلامي على الإنسان وحده من حيث حياته كلامي على كل ما سوى الله، وكلامي على ابتلائه كلامي على كل مكلف من الثقلين، قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود. ٧] على هنا بمعنى في أي كان العرش في الماء، كما أن الإنسان في الماء أي منه تكوّن، فإن الماء أصل ٩٦ في المنازل/ الباب السابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الابتلاء وبركاته الموجودات كلها وهو عرش الحياة الإلهية، ومن الماء خلق الله كل شيء حيّ، فإن كل ما سوى الله مسبح بحمد الله ولا يكون التسبيح إلا من حيّ وقد وردت الأخبار بحياة كل رطب ويابس وجماد ونبات وأرض وسماء، وهذه هي التي وقع فيها الخلاف بين أهل الكشف وغيرهم ممن ليس له كشف وبين أهل الإيمان وبين من لا يقول بالشرائع أو من يتأوّل الشرائع على غير ما جاءت له فيقولون إنه تسبيح حال، وأما ما أدرك الحس حياته فلا خلاف في حياته، وإنما الخلاف في سبب حياته ما هو وفي تسبيحه بحمد ربه لماذا يرجع إذ لا يكون التسبيح إلا من حيّ عاقل يعقل ذلك، وما عدا الإنسان والجن من الحيوان ليس بعاقل عند المخالف بخلاف ما نعتقد نحن وأهل الكشف والإيمان الصحيح وأعني بالعقل هنا العلم، فالعرش هنا عبارة عن الملك وكان حرف وجودي فمعناه أن الملك موجود في الماء أي الماء أصل ظهور عينه فهو للملك كالهيولى ظهر فيه صور العالم الذي هو ملك الله والعلم محصور في أعيان ونسب، فالأعيان وجودية والنسب معقولة عدمية، وهذا هو كل ما سوّى الله. ولما كان الماء أصل الحياة وكل شيء حيّ والنسب تابعة له قرن بين العرش المجعول على الماء وبين خلقه الموت والحياة في الابتلاء فقال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [هود: ٧] أي يختبركم، والعرش كما ذكرت لك أعيان موجودة ونسب عدمية، وقال: ﴿خَلَقَ الْمَوَتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ﴾ [الملك: ٢] فالحياة للأعيان والموت للنسب، فظهور الروح للجسم حياة ذلك الجسم كظهور الشمس لاستنارة الأجسام التي ظهرت الشمس لها، وغيبة الروح عن الجسم زوال الحياة من ذلك الجسم وهو الموت، فالاجتماع حياة والفرقة موت، والاجتماع والافتراق نسب معقولة لها حكم ظاهر وإن كانت معدومة الأعيان. واعلم أن القوى كلها التي في الإنسان وفي كل حيوان مثل قوة الحس وقوّة الخيال وقوّة الحفظ والقوّة المصوّرة وسائر القوى كلها المنسوبة إلى جميع الأجسام علواً وسفلاً إنما هي للروح تكون بوجوده وإعطائه الحياة لذلك الجسم، وينعدم فيها ما ينعدم بتوليه عن ذلك الجسم من ذلك الوجه الذي تكون عنه تلك القوّة الخاصة فافهم، فإذا أعرض الروح عن الجسم بالكلية زال بزواله جميع القوى والحياة وهو المعبر عنه بالموت كالليل بمغيب الشمس، وأما بالنوم فليس بإعراض كليّ وإنما هي حجب أبخرة تحول بين القوى وبين مدركاتها الحسية مع وجود الحياة في النائم، كالشمس إذا حالت السحب بينها وبين موضع خاص من الأرض يكون الضوء موجوداً كالحياة وإن لم يقع إدراك الشمس لذلك الموضع الذي حال بينه وبينها السحاب المتراكم، وكما أن الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض وجاء الليل بدلاً منه ظهرت في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع فكان النهار هنالك كما كان هنا، كذلك الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كانت حياته به تجلى على صورة من الصور الذي هو البرزخ وهو بالصاد جمع صورة فحييت به تلك الصورة في البرزخ كما قال ◌َّ في نسمة المؤمن: ((إنَّهُ طَيْرٌ أَخْضَرُ)) فذلك الطير كالجسم هنا صورة حييت بهذا الروح الذي كان يحيا به هذا الجسم، وكما تطلع الشمس في اليوم الثاني علينا فتستنير ٩٧ في المنازل/ الباب السابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الابتلاء وبركاته الموجودات بنورها كذلك الروح يطلع في يوم الآخرة على هذه الأجسام الميتة فتحيا به فذلك هو النشر والبعث. واعلم أن الصور أوجده الله على صورة القرن وسمي بالصور من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له أو كان منه بسبب، ولما كان هذا القرن محلاً لجميع الصور البرزخية التي تنتقل إليها الأرواح بعد الموت وفي النوم فيه سمي صوراً جمع صورة وشكله شكل القرن أعلاه واسع وأسفله ضيق على شكل العالم أين سعة العرش من ضيق الأرض وتنتقل القوى مع الروح إلى تلك الصورة البرزخية نوماً وموتاً ولهذا تكون دراكة بجميع القوى سواء فقد أعلمتك بما هو الأمر عليه، ومن هنا زل القائلون بالتناسخ لما رأوا أو سمعوا أن الأنبياء قد نبهت على انتقال الأوراح إلى هذه الصور البرزخية وتكون فيها على صور أخلاقها ورأوا تلك الأخلاق في الحيوانات تخيلوا في قول الأنبياء والرسل والعلماء أن ذلك راجع إلى هذه الحيوانات التي في الدار الدنيا وأنها ترجع إلى التخليص، وذكروا ما قد علمت من مذهبهم فأخطؤوا في النظر وفي تأويل أقوال الرسل وما جاء في ذلك من الكتب المنزلة، ورأوا النائم يقرب من هذا الأمر الذي شرعوا فيه، فاستروحوا من ذلك ما ذهبوا إليه فما أتى عليهم إلا من سوء التأويل في القول الصحيح وهذا معنى قوله: ﴿ِيَبْلُكُمْ﴾ أي يختبر عقولكم بالموت والحياة ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] بالخوض فيهما والنظر، فيرى من يصيب منكم ومن يخطىء كأهل التناسخ، وجعل ذلك كله دليلاً واضحاً ونصبه برهاناً قاطعاً على اسمه الحيّ واسمه النور واسمه الظاهر والباطن والأول والآخر ليعلم نسبة العالم من موجده وأنه غير مستقل بنفسه، وأن افتقاره إلى الله افتقار ذاتيّ لا ينفك عنه طرفة عين، وأن النسب دائمة الحكم لبقاء وجود الأعيان وهو العزيز المنيع الحمى عن أن يدركه خلقه أو يحاط بشيء من علمه إلا بما شاء، وهو الغفور الذي ستر العقول عن إدراك كنهه أو كنه جلاله . واعلم يا وليّ نَوَّر الله بصيرتك بعد أن تقرّر عندك أن حياة الأجسام كلها من حياة الأرواح المدبرة لها وبانفصالها عنها يكون الموت فيزول نظامهما إذ القوى الماسكة لها زالت بزوال الروح المدبر الذي وكله الله بتدبيرها، فاعلم أن الحياة في جميع الأشياء حياتان، حياة عن سبب وهي الحياة التي ذكرناها ونسبناها إلى الأرواح، وحياة أخرى ذاتية للأجسام كلها حياة الأرواح للأرواح غير أن حياة الأرواح يظهر لها أثر في الأجسام المدبرة بانتشار ضوئها فيها وظهور قواها التي ذكرناها، وحياة الأجسام الذاتية لها ليست كذلك فإن الأجسام ما خلقت مدبرة فبحياتها الذايتة التي لا يجوز زوالها عنها فإنها صفة نفسية لها بها تسبح ربها دائماً سواء كانت أرواحها فيها أو لم تكن، وما تعطيها أرواحها إلا هيئة أخرى عرضية في التسبيح بوجودها خاصة وإذا فارقتها الروح فارقها ذلك الذكر الخاص وهو الكلام المتعارف بيننا المحسوس تسبيحاً كان أو غيره، فيدرك المكاشف الحياة الذاتية التي في الأجسام كلها، وإذا اتفق على أيّ جسم كان أمر يخرجه عن نظامه مثل كسر آنية أو كسر حجر أو قطع شجر، فهو مثل قطع يد إنسان أو رجله يزول عنه حياة الروح المدبر له ويبقي عليه حياته الذاتية له، فإنه الفتوحات المکیة ج٥ - م٧ ٩٨ في المنازل/ الباب السابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الابتلاء وبركاته لكل صورة في العالم روح مدبرة وحياة ذاتية تزول الروح بزوال تلك الصورة كالقتيل، وتزول الصورة بزوال ذلك الروح كالميت الذي مات على فراشه ولم تضرب عنقه، والحياة الذاتية لكل جوهر فيه غير زائلة، وبتلك الحياة الذاتية التي أخذ الله بأبصار بعض الخلق عنها بها تشهد الجلود يوم القيامة على الناس والألسنة والأيدي والأرجل وبها تنطق فخذ الرجل في آخر الزمان فتخبر صاحبها بما فعل أهله، وبها تنطق الشجرة في آخر الزمان إذا اختفى خلفها اليهود حين يطلبهم المسلمون للقتل فتقول للمسلم إذا رأته يطلب اليهودي: يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله إلا شجرة الغرقد فإنها تستر اليهوديّ إذا لاذ بها فلعنها رسول الله وَ له ولا يقال إن الشجرة إنما رأفت مع من استند إليها كما يراه أصحاب الخلق الكريم فلتعلم أن حق الله أحق بالقضاء وتصريف الخلق الكريم مع الله هو الأوجب على كل مؤمن، ألا تراه يقول: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللَِّ﴾ [النور: ٢] وإنما كانت هذه الحياة في الأشياء ذاتية لأنها عن التجلي الإلهيّ للموجودات كلها لأنه خلقها لعبادته ومعرفته، ولا أحد من خلقه يعرفه إلا أن يتجلى له فيعرفه بنفسه إذ لم يكن في طاقة المخلوق أن يعرف خالقه كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] والتجلي دائم أبداً مشاهد لكل الموجودات ظاهر ما عدا الملائكة والإنس والجنّ فإن التجلي لهم الدائم إنما هو فيما ليس له نطق ظاهر كسائر الجمادات والنبات. وأما التجلي لمن أعطي النطق والتعبير عما في نفسه وهم الملائكة والإنس والجن من حيث أرواحهم المدبرة لهم وقواها فإن التجلي لهم من خلف حجاب الغيب، فالمعرفة للملائكة بالتعريف الإلهيّ لا بالتجلي، والمعرفة للإنس والجن بالنظر والاستدلال والمعرفة لأجسامهم ومن دونهم من المخلوقات بالتجلي الإلهيّ، وذلك لأن سائر المخلوقات فطروا على الكتمان فلم يعطوا عبارة التوصيل وأراد الحق ستر هذا المقام رحمة بالمكلفين إذ سبق في علمه أنهم يكلفون، وقد قدر عليهم المعاصي وقدر على بعضهم الاعتراض فيما لم يكن ينبغي لهم كالملائكة حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وجرى ما جرى في قصة آدم معهم فلهذا وقع الستر عنهم لأنهم لو عصوه بالقضاء والقدر على التجلي والمشاهدة لكان عدم احترام عظيم وعدم حياء وكانت المؤاخذة عظيمة فكانت الرحمة لا تنالهم أبداً، فلما عصوه على الستر قامت لهم الحجة في المعذرة، ولهذا كانت الغفلة من الرحمة التي جعلها الله لعباده والنسيان ليجدوا بذلك حجة لو اعترض عليهم ويجدون بها عذراً، ولهذا ما كلف الله أحداً من خلقه إلا الملائكة والإنس والجنّ وما عداهم فإن دوام التجلي لهم أعطاهم الحياة الذاتية الدائمة وهم في تسبيحهم مثلنا في أنفاسنا دوام متوال من غير مشقة نجده في تنفسنا بل الأنفاس عين الراحة لنا بل لولاها لمتنا، ألا ترى المخنوق إذا حيل بينه وبين خروج نفسه مات ووجد الألم، فعلى هذا الحد هو تسبيح كل شيء إن فهمت فالحق على الحقيقة هو مدبر العالم كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ اَلْآَيَتِ﴾ [الرعد: ٢] يعني الدلالات على توحيده، فيعطي كل خلق دلالة تخصه على توحيد موجده كما قال القائل : [المتقارب] ٩٩ في المنازل/ الباب السابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الابتلاء وبركاته وفي كُلِّ شَيْءٍ له آيَةٌ تَدُلُّ على أنَّهُ وَاحِدُ وهي هذه الآيات التي يفصلها فيقسمها على خلقه بحسب ما فطرهم الله تعالى عليه، فهو سبحانه روح العالم وسمعه وبصره ويده، فبه يسمع العالم، وبه يبصر، وبه يتكلم، وبه يبطش، وبه يسعى إذ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا يعرف هذ إلا من تقرّب إلى الله بنوافل الخيرات كما ورد في الصحيح من الأخبار النبوية الإلهية: ((فَإِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إلَيْهِ تَعَالَى بِالثَّوَافِلِ أَحَبَّهُ وَإِذَا أَحَبَّهُ قَالَ الله تَعَالَى: فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ)) وفي رواية : ((كُنْتُ لَهُ سَمْعَاً وَبَصَراً وَيَداً وَمُؤْيِّدًا)) فقوله: (( كنت)) يدل على أنه كان الأمر على هذا وهو لا يشعر، فكانت الكرامة التي أعطاه هذا التقرب الكشف والعلم بأن الله كان سمعه وبصره فهو يتخيل أنه يسمع بسمعه وهو يسمع بربه كما كان يسمع الإنسان في حال حياته بروحه في ظنه لجهله وفي نفس الأمر إنما يسمع بربه، ألا ترى نبيه الصادق في أهل القليب كيف قال ما أنتم بأسمع منهم حين خاطبهم ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ نَا وَعَدَ رَبِّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] وكان قد جَيَّقُوا فما من أحد من المخلوقات إلا وهو يسمع ولكن فطروا على منع توصيل ما يعلمون ويسمعون، وهذه الحياة التي تظهر لأعين الخلق عند خرق العوائد في إحياء الموتى كبقرة موسى وغيرها فالاسم الظاهر هو العالم إن تحققته فإنه للحق بمنزلة الجسم للروح المدبرة والاسم الباطن لما خفي عن الموجودات في نسبة الحياة لأنفسهم، وبالمجموع يكون الإنسان إذ حده حيوان ناطق فالحيوانية صورته الظاهرة، فإن الحيوانية مطابقة في الدلالة للجسم المتغذي الحساس إلا أنها أخصر فرجحوها في عالم العبارة للاختصار لأنها تساويها في الدلالة وهو ناطق من حيث معناه، وليس معناه سوى ما ذكرناه، فالعالم كله عندنا الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله حيوان ناطق لكن تختلف أجسامه وأغذيته وحسه، فهو الظاهر بالصورة الحيوانية وهو الباطن بالحياة الذاتية الكائنة عن التجلي الإلهيّ الدائم الوجود، فما في الوجود إلا الله تعالى وأسماؤه وأفعاله، فهو ﴿اَلْأَوَّلُ﴾ [الحديد: ٣] من الاسم الظاهر، وهو ﴿الآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] من الاسم الباطن، فالوجود كله حق ما فيه شيء من الباطل، إذ كان المفهوم من إطلاق لفظ الباطل عدماً ما فيما ادّعى صاحبه أنه وجود فافهم، ولو لم يكن الأمر كذلك لانفرد الخلق بالفعل، ولم يكن الاقتدار الإلهيّ يعم جميع الممكنات، بل كانت الإمكانات تزول عنه، فسبحان الظاهر الذي لا يخفى، وسبحان الخفيّ الذي لا يظهر، حجب الخلق به عن معرفته وأعماهم بشدّة ظهوره، فهم منكرون مقرون متردّدون حائرون مصيبون مخطئون، والحمد لله الذي منّ علینا بمثل هذه المشاهد وجلا لأبصارنا هذه الحقائق، فلم تقع لنا عين إلا عليه، ولا كان منا استناد إلا إليه ﴿لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]. ومن أراد أن يعرف حقيقة ما أومأت إليه في هذه المسألة فلينظر في خيال الستارة وصوره ومن الناطق في تلك الصور عند الصبيان الصغار الذين بعدوا عن حجاب الستارة المضروبة بينهم وبين اللاعب بتلك الأشخاص والناطق فيها فالأمر كذلك في صور العالم والناس أكثرهم أولئك الصغار الذين فرضناهم فتعرف من أين أتى عليهم، فالصغار في ذلك ١٠٠ في المنازل/ الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية المجلس يفرحون ويطربون، والغافلون يتخذونه لهواً ولعباً، والعلماء يعتبرون ويعلمون أن الله ما نصب هذا إلا مثلاً ولذلك يخرج في أوّل الأمر شخص يسمى الوصاف فيخطب خطبة يعظم الله فيها ويمجده، ثم يتكلم على كل صنف صنف من الصور التى تخرج بعده من خلف هذه الستارة، ثم يعلم الجماعة أن الله نصب هذا مثلاً لعباده ليعتبروا وليعلموا أن أمر العالم مع الله مثل هذه الصور مع محركها، وأن هذه الستارة حجاب سر القدر المحكم في الخلائق، ومع هذا كله يتخذونه الغافلون لهواً ولعباً وهو قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهُوَّا وَلَعِبًّا﴾ [الأعراف: ٥١] ثم يغيب الوصاف وهو بمنزلة أوّل موجود فينا وهو آدم عليه السلام، ولما غاب كان غيبته عنا عند ربه خلف ستارة غيبه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية بالأعراض النفسية عافانا الله وإياكم من ذلك بمنّه [الرمل] أنا إنْ فارقتُ نَفْسي قَامَ لي ذاتُ حُسْنٍ وبَهَاءٍ وسَنّا مِثْلُها في الحُسنْ من غير البَشَرْ ليس منها بدَلِيل الشَّرْعِ شَرْ وكأنّ الشَّهْدَ في ذاك الأثَرْ فكأنَّ الشَّمْسَ في ذاك السَّنَا من رأى الشِّبْلَ إلى جانبه حَذَراً منه على أشْبَالِهِ صار يستغذِبُ في مَرْضَاتِهِ فَلْتُتَرْجِمْ بِكَلامِ حَسَنٍ لا يَرَى الحَقَّ عُبَيْدٌ لم يَكُنّ فإذا أبْصَرَهُ قَامَ به رَحْمَةَ الله على عَالَمِهِ أسَدْ عنْ نَاب شِذْقَيْهِ كَشَرْ طالباً كُلَّ خَؤُونٍ وأَشِرْ صَبْراً لصَبْرٍ ويَسْتَخلي العُشَرْ لا تَكُنْ ممِّنْ هَذَى ثم فَشَرْ يُبْصِرُ المَعْنَى من الحَرْفِ نشرْ ورَأى الكَوْنَ فقيراً فنشر ودَعَا الخَلْقَ إليه وحَشَرْ اعلم أيها الولي الحميم أنا روينا في هذا الباب عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أصاب من عرضه فجاء إليه يستحله من ذلك فقال له: يا ابن عباس إني قد نلت منك فاجعلني في حل من ذلك، فقال: ((أعوذ بالله أن أحل ما حرّم الله إن الله قد حرّم أعراض المسلمين فلا أحلها ولكن غفر الله لك)) فانظر ما أعجب هذا التصريف وما أحسن العلم، ومن هذا الباب حلف الإنسان على ما أبيح له فعله أن لا يفعله أو يفعله، ففرض الله تحلّة الإيمان وهو من باب الاستدراج والمكر الإلهي إلا لمن عصمه الله بالتنبيه عليه فما ثم شارع إلا الله تعالى، قال الله تعالى لنبيه وَاجٍ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ولم يقل بما رأيت، بل عتبه سبحانه وتعالى لما حرم على نفسه باليمين في قضية عائشة وحفصة فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اَللَّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكْ﴾ [التحريم: ١] فكان هذا مما أرته