Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ في المنازل / الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية ... قلناه والعبودية من جملة المراتب، والله سبحانه قد منحنيها هبة أنعم بها عليّ لم أنلها بعمل بل اختصاص إلهي أرجو من الله أن يمسكها علينا ولا يحول بيننا وبينها إلى أن نلقاه بها، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. واعلم أن هذا المنزل منزل النواشىء الاختصاصية وهي عبارة عن بداية وأوّلية كل مقام وحال قال تعالى: ﴿وَنُنِشِتَكُمْ فِىِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] فلو كانت إعادة أرواحنا إلى أجسادنا على هذا المزاج الخاص الذي كان لنا في النشأة الدنيا لم يصح قوله تعالى: ﴿ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] فإنه قد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ أَلْأُوْلَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] وقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] يعني في النشأة الآخرة أنها تشبه النشأة الدنياوية في عدم المثال، فإن الله أنشأنا على غير مثال سبق، وكذلك ينشئنا على غير مثال سبق. فإن قيل: فما فائدة قوله: ﴿تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]؟ قلنا: يخاطب الأرواح الإنسانية أنها تعود إلى تدبير الأجسام في الآخرة كما كانت في الدنيا على المزاج الذي خلق تلك النشأة عليه ويخرجها من قبرها فيها، ومن النار حين ينبتون كما تنبت الحبة تكون في حميل السيل مع القدرة منه على إعادة ذلك المزاج لكن ما شاء، ولهذا علق المشيئة به فقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] يعني ذلك المزاج الذي كان عليه، فلو كان هو بعينه لقال: ثم ينشره. فنرجع إلى ما نريد أن نبينه من بعض علوم هذا المنزل وهو العلم الذي يدور عليه فنقول: إن العالم عالمان والحضرة حضرتان، وإن كان قد تولد بينهما حضرة ثالثة من مجموعهما، فالحضرة الواحدة حضرة الغيب ولها عالم يقال له عالم الغيب، والحضرة الثانية هي حضرة الحس والشهادة ويقال لعالمها عالم الشهادة ومدرك هذا العالم بالبصر، ومدرك عالم الغيب بالبصيرة، والمتولد من اجتماعهما حضرة وعالم، فالحضرة حضرة الخيال، والعالم عالم الخيال، وهو ظهور المعاني في القوالب المحسوسة، كالعلم في صورة اللبن، والثبات في الدين في صورة القيد، والإسلام في صورة العمد، والإيمان في صورة العروة، وجبريل في صورة دحية الكلبي وفي صورة الأعرابي، وتمثل لمريم في صورة بشر سوي كما ظهر السواد في جسم العفص والزاج عند اجتماعهما ولم يكن لهما ذلك الوصف في حال افتراقهما، ولذلك كانت حضرة الخيال أوسع الحضرات لأنها تجمع العالمين: عالم الغيب وعالم الشهادة، فإن حضرة الغيب لا تسع عالم الشهادة فإنه ما بقي فيها خلاء وكذلك حضرة الشهادة، فقد علمت أن حضرة الخيال أوسع بلا شك وأنت قد عاينت في حسك وعلى ما تعطيه نشأتك في نفسك المعاني، والروحانيين يتخيلون ويتمثلون في الأجساد المحسوسة في نظرك بحيث إذا وقع أثر في ذلك المتصور تأثر المعنى المتصوّر فيه في نفسه، ولا شك أنك أحق بحضرة الخيال من المعاني ومن الروحانيين، فإن فيك القوّة المتخيلة وهي من بعض قواك التي أوجدك الحق عليها فأنت أحق بملكها والتصرف فيها من المعنى، إذ المعنى لا يتصف بأن له قوّة خيال، ولا الروحانيين من الملأ الأعلى بأن لهم في نشأتهم قوّة خيال، ومع هذا فلهم التميز في هذه الحضرة الخيالية بالتمثل والتخيل، فأنت أولى بالتخيل والتمثل منهم ٦٢ في المنازل / الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية ... حيث فيك هذه الحضرة حقيقة، فالعامة لا تعرفها ولا تدخلها إلا إذا نامت ورجعت القوى الحساسة إليها، والخواص يرون ذلك في اليقظة لقوّة التحقق بها، فتصور الإنسان في عالم الغيب في حضرة الخيال أقرب وأولى ولا سيما وهو في نشأته له في عالم الغيب دخول بروحه الذي هو باطنه، وله في عالم الشهادة دخول بجسمه الذي هو ظاهره، والروحاني ليس كذلك وليس له دخول في عالم الشهادة إلا بالتمثل في عالم الخيال، فيشهده الحس في الخيال صورة ممثلة نوماً ويقظة، فإن تميز الإنسان في عالم الغيب فله ذلك فإنه يتميز فيه حقيقة لا خيالاً من حيث روحه الذي لا يدركه الحس وهو من عالم الغيب، وإن أراد أن يتروحن بجسمه ويظهر به في عالم الغيب وجد المساعد وهو روحه المرتبط بتدبيره فهو أقرب إلى التمثل في عالم الغيب من الروحاني المتمثل في صورة عالم الشهادة، ولكن هذا المقام يكتسب وينال مثل قضيب البان رحمه لله فلقد كان له هذا المقام، ففي قوّة الإنسان ما ليس في قوّة عالم الغيب، فإن في قوّة الإنسان من حيث روحه التمثل في غير صورته في عالم الشهادة، فيظهر الإنسان في أيّ صورة شاء من صور بني آدم أمثاله، وفي صور الحيوانات والنبات والحجر، وقد وقع ذلك منهم. ولقد أخبرني شيخ من شيوخ طريق الله وهو عندي ثقة عدل وفاوضته في هذه المسألة فقال: أنا أخبرك بما شاهدته من ذلك تصديقاً لقولك، وذلك أني صحبت رجلاً ممن له هذا المقام ولم يكن عندي من ذلك خبر فسألته الصحبة من بغداد إلى الموصل في ركب الحاج عند رجوعه فقال لي: إذا عزمت فلا تبتدئني بشيء من مأكول ومشروب حتى أكون أنا الذي أطلبه منك، فعاهدته على ذلك وكان قد أسنّ فركب في شقة محارة وأنا أمشي على قدمي قريباً منه لئلا تعرض له حاجة إليّ فمرض بعلة الإسهال وضعف فصعب ذلك عليّ وهو لا يتداوى بما يقطعه ويزيل عنه القيام، قال: فقلت له: يا سيدي أروح لي هذا الرجل الذي على سبيل صاحب سنجار آخذ من المارستان دواء قابضاً فنظر إليّ كالمنكر وقال: الشرط أملك فسكت عنه، قال: فزاد به الحال فما قدرت على السكوت، فلما نزل الركب بالليل وأسرجت المشاعل وقصد صاحب سبيل سنجار وكان خادماً أسود وقد وقفت الرجال بين يديه وأصحاب العلل يجيئون إليه، يطلبون منه الأدوية بحسب عللهم وأمراضهم فقلت له: يا مولاي أرح قلبي وفرّج عني بأن تأمرني آتيك بدواء من عند هذا الرجل، قال: فتبسم وقال لي: رح إليه، قال: فجئت إليه ولم يكن يعرفني قبل ذلك ولا كنت أنا على حالة وبزة توجب تعظيمي، فمشيت إليه وأنا خائف أن يردّني أو ينتهرني لما كان فيه من الشغل، فوقفت على رأسه بين الناس فلما وقعت عينه عليّ قام إليّ وأقعدني وسلم عليّ بفرح وبسط وتبشبش وقال: ما حاجتك؟ فقلت له عن حال الشيخ ومرضه، فاستدعى بالدواء من الوكيل على أكمل ما يمكن واعتذر وقال لي: تعنيت وهلا بعثت إليّ في ذلك؟ وقمت أخرج من الخيمة فقام لقيامي ومشت المشاعل بين يدي فودعته بعدما مشى معي خطوات وأمر المشاعلي أن يمشي بالضوء أمامي فقلت له ما الحاجة وخفت من الشيخ أن يعز ذلك عليه فرجع المشاعلي وجئت فوجدت الشيخ على حاله كما تركته فقال لي: ما فعلت؟ فقلت له: ٦٣ في المنازل/ الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية ... ببركتك أكرمني وهو لا يعرفني ولا أعرفه ووصفت له تفصيل ما كان منه فتبسم الشيخ وقال لي: يا حامد أنا أكرمتك ما كان الخادم الذي أكرمك لا شك أني رأيتك كثير الجزع عليّ لعلتي فأردت أن أريح سرك فأمرتك أن تمشي إليه وخفت عليك منه لئلا يفعل معك ما يفعله مع الناس من الإهانة والطرد فترجع منكسراً فتجردت عن هيكلي وتصورت لك في صورته فأكرمتك وعظمت قدرك وفعلت معك ما رأيت إلى أن انفصلت وهذا دواؤك لا أستعمله، فبقيت مبهوتاً، فقال لي: لا تعجل ارجع إليه وانظر إلى ما يفعل بك، قال: فجئت إليه وسلمت عليه فلم يقبل عليّ وطردت، فذهبت متعجباً فرجعت إلى الشيخ فقصصت إليه ما جرى لي فقال ما قلت لك فقلت له: عجباً كيف رجعت خادماً أسود؟ فقال: الأمر كما رأيت. ومثل هذه الحكاية عن الرجال كثير. وهذا يشبه علم السيمياء وليس بعلم السيمياء، والفرق بيننا في هذا المقام وبين علم السيمياء أنك إذا أكلت بالسيمياء أكلت ولا تجد شبعاً، والذي يقبض عندك مما تقبضه من هذا العلم إنما ذلك في نظرك ثم تطلبه فلا تجده، وإذا أراك صاحب هذا العلم السيماوي تدخل الحمام ثم ترجع إلى نفسك لا ترى لذلك حقيقة بل كل ما تراه بطريق السيمياء إنما هو مثل ما يرى النائم فإذا انتبه لم يجد شيئاً مما رآه، فإن صاحب علم السيمياء له سلطان وتحكم على خيالك بخواص الأسماء أو الحروف أو القلقطيرات، فإن السيمياء لها ضروب أكثفها القلقطيرات وألطفها التلفظ بالكلام الذي يخطف به بصر الناظر عن الحس ويصرفه إلى خياله فيرى مثل ما يرى النائم وهو في يقظته، وهذا المقام الذي ذكرناه ليس كذلك، فإنك إن أكلت به شبعت وإن مسكت فيه شيئاً من ذهب أو ثياب أو ما كان بقي معك على حاله لا يتغير، وقد وجدنا هذا المقام من نفوسنا وأخذناه ذوقاً في أوّل سلوكنا مع روحانية عيسى عليه السلام، ولهذا قال عليه السلام وقد نهى عن الوصال فقيل له إنك تواصل فقال وَلّ: ((لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيْتُ مَعِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِي)) وفي رواية: ((يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي)) فلم يكن من تلك الجماعة التي خاطبها في ذلك الوقت من له هذا المقام ولم يقل لست كهيئة الناس، فكان إذا أكل شبع وواصل على قوّة معتادة . ولما كان الأكل في حضرة الخيال لا في حضرة الحس صح أن يكون مواصلاً، وقد رأينا أن جبريل ظهر في صورة الحس رجلاً معروفاً كظهوره في صورة دحية وفي وقت رجلاً غير معروف ولم يبلغنا أنه ظهر في عالم الغيب في الملائكة في صورة غيره من الملائكة، فجبريل لا يظهر في الملائكة وفي عالم الغيب في صورة ميكائيل أو إسرافيل ولهذا قال تعالى عنه : ﴿وَمَا مِنَّآَ إِلَّا لَمُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وقد رأينا من له قوة التمثل من البشر يظهر في البشر في صورة بشر آخر غير صورته، فيظهر زيد في صورة عمرو، وليس للملك ذلك في عالم الغيب، وكما ظهر جبريل في صورة البشر يظهر الإنسان في عالم الغيب عند الملائكة في صورة ملك من الملائكة أيّ صورة ملك شاء، وأعجب من هذا أن بعض الرجال من المحبين من أهل هذه الطريقة دخل على شيخ فتكلم له الشيخ في المحبة وقد رآه بعض الحاضرين قد دخل عليه فما زال ذلك المحب يذوب في نفسه حساً من كلام ذلك الشيخ في المحبة لقوّة ٦٤ في المنازل/ الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية ... تحقق ذلك المحب إلى أن رجع بين يدي ذلك الشيخ كفاً من ماء فدخل عليه رجال فسألوه عن ذلك المحب أين هو فإنا ما رأيناه خرج ؟ فقال: هذا الماء هو ذلك المحب الذي بين يدي، فنظروا إلى ماء قليل على الحصير بين يدي الشيخ فانظر كيف رجع إلى أصله الذي خلق منه فياليت شعري أين تلك الأجزاء. فاعلم أن الإنسان في هذا الطريق يعطى من القوّة ما يظهر به في هذه النشأة كما يظهر في النشأة الآخرة التي يظهر فيها على أيّ صورة شاء فإن هذا في أصل هذه الصورة الدنياوية، ولكن لا يصل كل واحد إلى معرفة هذا الأصل وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] وهي هذه النشأة الظاهرة، ثم قال: ﴿فِيّ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رََّّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] أي هذه النشأة المسواة المعدّلة قابلة لجميع الصور فيجليه الله تعالى في أي صورة شاء، فأعلمنا أن هذه النشأة تعطي القبول لأي صورة كانت، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَّ﴾ [المؤمنون: ١٤] بعد الفراغ من تسوية صورة الإنسان الظاهر فعين له صورة من الصور التي في قوّته وتركيبه أن يقبلها، فإذا علم الإنسان بالكشف الإلهي أنه على أصل وحقيقة تقبل الصور فيتعمل في تحصيل أمر يتوصل به إلى معرفة الأمر، فإذا فتح له فيه ظهر في عالم الشهادة في أي صورة من صور عالم الشهادة شاء، وظهر في عالم الغيب والملكوت في أي صورة من صوره شاء، غير أن الفرق بيننا وبين عالم الغيب أن الإنسان إذا تروحن وظهر للروحانيين في عالم الغيب يعرفون أنه جسم تَرَوْحَنَ، والناس في عالم الشهادة إذا أبصروا روحاً تجسد لا يعلمون أنه روح تجسد ابتداء حتى يعرفوا بذلك كما قال عليه السلام حين دخل عليه الروح الأمين في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر قال الراوي لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى رسول الله وَ# فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وذكر حديث سؤاله إياه عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وما لها من الشروط فلما فرغ من سؤاله قام ينصرف فلما غاب قال النبي ◌َّ لأصحابه: ((أَتَذْرُونَ مَنِ الرَّجُلُ؟)) وفي رواية: ((رُدّوا عليَّ الرَّجُل)) فالتمس فلم يجدوه فقال ◌َّ: ((هذا جِبْرِيلُ جَاءَ لَيعلْم الناسَ دِينَهُمْ)) غير أن بعض الناس يعرفون الروحانيّ إذا تجسد من خارج من غيره من الناس أو من جنس تلك الصورة التي يظهر فيها وما كل أحد يعرف ذلك، ويفرّقون أيضاً بين الصورة الروحانية المعنوية المتجسدة وبين الصورة الممثلة من داخل بعلامات يعرفونها وقد علمتها وتحققتها، فإني أعرف الروح إذا تجسد من خارج أو من داخل من الصورة الجسمية الحقيقية والعامّة لا تعرف ذلك، والملائكة كلهم يعرفون الإنسان إذا تروحن وظهر فيهم بصورة أحدهم أو بصورة غريبة لم يروا مثلها فيزيدون على عامة البشر بهذا وينقصهم أن يظهروا في عالمهم على صور بعضهم كما نظهر في عالمنا إذا كان لنا هذا المقام في صورة جنسنا، فسبحان العليم الحكيم مقدّر الأشياء والقادر عليها لا إله إلا هو العليم القدير. واعلم أن أصل هذ الأمر الذي ذكرته في هذه المسألة إنما هو من العلم الإلهيّ في التجلي الإلهيّ، فمن هناك ظهر هذا الأمر في عالم الغيب والشهادة إذ كان العالم بجملته ٦٥ في المنازل/ الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية ... والإنسان بنسخته والملك بقوّته على صورة مقام التجلي في الصور المختلفة، ولا يعرف حقيقة تلك الصور التي يقع التحوّل فيها على الحقيقة إلا من له مقام التحوّل في أيّ صورة شاء وإن لم يظهر بها، وليس ذلك المقام إلا للعبد المحض الخالص فإنه لا يعطيه مقام العبودية أن يتشبه بشيء من صفات سيده جملة واحدة، حتى أنه يبلغ من قوّته في التحقق بالعبودية أنه يفنى وينسى ويستهلك عن معرفة القوّة التي هو عليها من التحوّل في الصور بحيث أن لا يعرف ذلك من نفسه تسليماً لمقام سيده إذ وصف نفسه بذلك، ولولا هذا الأصل الإلهيّ وأن الحق له هذا وهو في نفسه عليه ما صح أن تكون هذه الحقيقة في العالم، إذ يستحيل أن يكون في العالم أمر لا يستند إلى حقيقة إلهية في صورته التي يكون عليها ذلك الأمر، ولو كان لكان في الوجود من هو خارج عن علم الله، فإنه ما علم الأشياء إلا من علمه بنفسه ونفسه علمه ونحن في علمه كالصور في الهباء، لو كنت تعلم يا فتى من أنت علمت من هو إذ لا يعلم الله إلا من يعلم نفسه، قال ربََّ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فألحق علمك من نفسه وأعلمك أنك لا تعرفه إلا من نفسك، فمن تفطن لهذا المعنى علم ما نقول وما نومىء إليه. فأمّا حديث التجلي يوم القيامة فأنا أورده إن شاء الله كما ورد في الصحيح، وذلك أنه خرّج مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن ناساً في زمن رسول الله وَل# قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله وَله: «نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَذْرِ صَحْوَاً لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟)) قالوا: لا يا رسول الله، قال: ((كَذْلِكَ لا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ إلَّ كَمَا تُضَارُّونَ نِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أُذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِتَتْبَعْ كُلُّ أمَّةِ مَا كانَتْ تَعْبُدُ فَلاَ يَبْقَى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنْصَابِ إلا ويتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ وَعبر أهلُ الكتابِ قَالَ فَتُذْعَى اليَهُودُ فيقالُ لَهُمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْراً وَتَقُولُ إِنَّهُ ابْنُ الله، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ إِنَّا عَطِشْنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إلَيْهِم أَلاَ تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّها سَرَابٌ يَحْطُمُ بَعْضُهَا بَعْضاً فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ تُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ وَنَقُولُ إِنَّهِ ابْنُ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ، وَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا عَطِشْنَا يَا رَبّ فَاسْقِنَا قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلاَ تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَخْطُمُ بَعْضُها بَعْضاً فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهُ مِنْ بَرْ وَفَاجِرٍ فَيَأْتِيهِم رَبّ العَالَمِينَ تَبَارَكَ وَتَعَالى فِي أَدْنَى صُورةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا قَالَ: فَيَقُولُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ لِتَتْبَغْ كُلُّ أُمَّةِ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسِ فِي الدُّنْيَا أَفَقْرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، قَالَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبَّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بالله مِنْكَ لاَ تُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَاً حَتَّى إنَّ بَعْضَهُم لَيَكَادُ أنْ يَنْقَلِبَ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْتَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ آيَةٌ تَعْرِفُونَها؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، قَالَ: فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ فَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلاَّ أُذِنَ لَهُ بِالسُّجُودِ وَلاَ الفتوحات المكية ج٥ -م٥ ٦٦ في المنازل/ الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية ... يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجِدُ اتَّقَاءَ ورِيَاءَ إلاَّ جَعَلَ الله ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّل في صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوّل مرّةٍ فَيَقُولُ: أَنَا رَبّكم، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ أَنْتَ رَبّنا قَالَ: ثُمَّ يُضرَبُ الجِسْرُ على جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ)) الحديث إلى آخره . وقد طال الكلام، فلنذكر ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم، فمن ذلك علم الاسم القيوم واختلف في أصحابنا هل يتخلق به أم لا؟ فكان الشيخ أبو عبد الله بن جنيد القبرفيقي من كبار مشايخ هذه الطريقة بالأندلس وكان معتزلياً سمعته يمنع التخلق به وفاوضته في ذلك مراراً في محله بحضور أصحابه بقبرفيق من أعمال ونده إلى أن رجع إلى قولنا من التخلق بالقيوم كسائر الأسماء الإلهية، وفيه علم نشء عالم الغيب، وفيه علم مقادير عالم الغيب، وفيه علم وصف كلام الله بالتتابع، وفيه علم تنزل الأرواح وما يجده من تنزل عليه من الثقل وضيق النفس، ولقد كنت انقطعت في القبور مدة منفرداً بنفسي فبلغني أن شيخنا يوسف بن يخلف الكرميّ قال: إن فلاناً وسماني ترك مجالسة الأحياء وراح يجالس الأموات فبعثت إليه لو جئتني لرأيت من أجالس، فصلى الضحى وأقبل إلي وحده فطلب عليّ فوجدني بين القبور قاعداً مطرقاً وأنا أتكلم على من حضرني من الأرواح فجلس إلى جانبي بأدب قليلاً قليلاً فنظرت إليه فرأيته قد تغير لونه وضاق نفسه فكان لا يقدر أن يرفع رأسه من الثقل الذي نزل عليه وأنا أنظر إليه وأتبسم فلا يقدر أن يتبسم لما هو فيه من الكرب، فلما فرغت من الكلام وصدر الوارد خفف عن الشيخ واستراح وردّ وجهه إليّ فقبل بين عينيّ فقلت له: يا أستاذ من يجالس الموتى أنا أو أنت؟ قال: لا والله بل أنا أجالس الموتى، والله لو تمادى عليّ الحال فطست وانصرف وتركني فكان يقول: من أراد أن يعتزل عن الناس فليعتزل مثل فلان، وفيه علم استقامة عالم الغيب وعصمته من المخالفة وأنه عالم الوفاق، وفيه علم ما تواطأت عليه القوى الإنسانية، وعلم ما اختلفت فيه فعين تجمعها وعين تفرقها، وفيه علم الأسماء التي تعطي الذكر في كل ذاكر وما حضرتها وما أثرها، وفيه علم الانفراد بالحق وما الذي يدعوه إلى ذلك وهل يصح في الملأ الانفراد أو لا يصح إلا بكلية الإنسان ظاهراً وباطناً، وفيه علم أسماء الجهات من حضرة الربوبية، وفيه علم توحيد كل حضرة، وفيه علم ملك الملك وهو علم تصريف الخلق الحق وهو مقام عزيز، وفيه علم السياسة في ترك أبناء الجنس، وفيه علم الوعيد وفيه علم الرسالة ومن أين بعثت الرسل ولمن بعثت من صفات الإنسان وما مقام الرسول من المرسل إليه؟ وفيه علم الموطن الذي يلحق الأصاغر بالأكابر بالخاصية وهو علم انطواء الزمان كانطواء ألف سنة من الزمان في يوم من أيام الرب، وانطواء خمسين ألف سنة من الزمان عندنا في يوم من أيام ذي المعارج وهو كاللمحة في عالمه، وكانطواء ثلاثمائة يوم وستين يوماً من أيام الزمان المعلوم في يوم من أيام الشمس، ولكل كوكب من السيارة والثوابت أيام تقدر لها من الأيام الزمانية بقدر اتساعها وهو من علوم هذا المنزل، وفيه علم إثبات المشيئة للعبد من أي حضرة هي وأي اسم إلهي ينظر إليها، وفيه علم تقلب الإنسان في ٦٧ في المنازل/ الباب الثاني عشر وثلاثمائة في معرفة منزل كيفية نزول الوحي على قلوب الأولياء عالم الغيب بين دخول وخروج، وفيه علم المقادير والأوزان وما يعطى بالكيل والميزان فإنه قد ورد أن العقل يعطى بالمكيال والأعمال بالميزان، وفيه علم الرفق بالكون والتخلق به وما اسمه في الأسماء الإلهية، وفيه علم عجز العالم عن إدراك ما لا يمكن إدراكه ليتميز بذلك العبد فيعرف قدره، وفيه علم السفر والمسافر والطريق، وفيه علم ما يسافر من أجله وهل حصوله من عين المنة أم لا؟ وهل يكون العالم المكتسب من عين المنة؟ وإن كان فبماذا يقع الفرقان بين العلمين وكلاهما من عين المنة؟ وفيه علم إنشاء صور الأعمال، وفيه علم المقارضة الإلهية ولماذا يرجع؟ وما فهمت من ذلك طائفة حتى قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] حين قال لهم الله ﴿ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠] فقالت: إن رب محمد يطلب منا القرض، وفيه علم الستر ورحمة الاختصاص، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثاني عشر وثلاثمائة في معرفة منزل كيفية نزول الوحي على قلوب الأولياء وحفظهم في ذلك من الشياطين من الحضرة المحمدية [البسيط] قُلْ لَلَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقِ قل للذي خلق الإنسان من علقٍ قل للذي خلق الإنسان من علق قل للذي خلق الإنسان من علق قل للذي خلق الإنسان من علق قل للذي خلق الإنسان من علق قل للذي خلق الإنسان من علق قل للذي خلق الإنسان من علق لأنَّ لي بَصَراً لا جَفْنَ يَخصُرُهُ قل للذي خلق الإنسان من علق لكنني إذْ رأيتُ الأمْرَ من جهتي فالكلُّ في ظُلَم الأطْباق مُنْحَصِرٌ فصاحبُ القَلَقِ المَشْهُودُ ظاهِرُهُ وصاحبُ الغَسَقِ المشهودُ باطِنُهُ فالكلُّ في حضرة التقييد ما بَرحُوا فلا يزال على بَلْوَى تقلُّبُهُ وزاده عِشْقُهُ فيه مكابدةً لقد رَبَطْتَ به مَوَائِقَ العُلَقِ لقد أتيتَ به جَمْعاً على نَسَقٍ الحَقُّ أبلجُ بين النَّصِّ والعَنَقِ جعلتُ عَهْدَك بالتوحيد في عُنُقي كيف الشَّخَلُّقُ بالأسماء والخُلُقِ لا تَخْجُبَنْي فهذا آخرُ الرَّمَقِ العلمُ عند الْتِجَامِ الناسِ بالعَرَقِ أَعْلَمْتَني أنّ عَيْنَ الأمر في النّفْقِ وأنّ لي بصراً قد حُفَّ بالحَدَقِ لقد جعلت وجود الكون في طَبَقِ كان الوجود الذي شاهدتُ عن طبقٍ لذا تراه كثيرَ الشّوقِ والقَلَقِ يَرَى الحقائقَ في الأسْحَارِ والغَسَقِ يرى الحقائق في الأنوار والفَلَقِ فإن أتاه سِرَاجٌ مِنْهُ لم يُطِقِ فيها وتُزْعِجُه لَوَاعِجُ الحُرَقِ والعشقُ لفظةٌ اشْتُقَّتْ مِنَ العَشَقِ ٦٨ في المنازل/ الباب الثاني عشر وثلاثمائة في معرفة منزل كيفية نزول الوحي على قلوب الأولياء فالقيدُ في قَدَم والغلُّ في عُنُقِ أعلاه في جنسه فيه كأسفله والجسمُ يُمْسِكُهُ تَوَافُقُ الفِرَقِ فالرُّوحُ يمسكه جسمٌ یدبُرُه أريد بتوافق الفرق اجتماع الطبائع التي وجد عنها الجسم. اعلم أن المعلومات ثلاثة لا رابع لها، وهي: الوجود المطلق الذي لا يتقيد وهو وجود الله تعالى الواجب الوجود لنفسه. والمعلوم الآخر العدم المطلق الذي هو عدم لنفسه وهو الذي لا يتقيد أصلاً وهو المحال وهو في مقابلة الوجود المطلق فكانا على السواء حتى لو اتصفا لحكم الوزن عليهما، وما من نقيضين متقابلين إلا وبينهما فاصل به يتميز كل واحد من الآخر وهو المانع أن يتصف الواحد بصفة الآخر، وهذا الفاصل الذي بين الوجود المطلق والعدم لو حكم الميزان عليه لكان على السواء في المقدار من غير زيادة ولا نقصان، وهذا هو البرزخ الأعلى وهو برزخ البرازخ له وجه إلى الوجود ووجه إلى العدم، فهو يقابل كل واحد من المعلومين بذاته وهو المعلوم الثالث وفيه جميع الممكنات وهي لا تتناهى كما أنه كل واحد من المعلومين لا يتناهى، ولها في هذا البرزخ أعيان ثابتة من الوجه الذي ينظر إليها الوجود المطلق، ومن هذا الوجه ينطلق عليها اسم الشيء الذي إذا أراد الحق إيجاده قال له ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وليس له أعيان موجودة من الوجه الذي ينظر إليه منه العدم المطلق ولهذا يقال له: ﴿كُنْ﴾ وكن حرف وجوديّ فإنه لو أنه كائن ما قيل له ﴿كُنْ﴾ وهذه الممكنات في هذا البرزخ بما هي عليه وما تكون إذا كانت مما تتصف به من الأحوال والأعراض والصفات والأكوان، وهذا هو العالم الذي لا يتناهى وما له طرف ينتهي إليه وهو العامر الذي عمر الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام عمارة الصور الظاهرة للرائي في الجسم الصقيل عمارة إفاضة، ومن هذا البرزخ هو وجود الممكنات، وبها يتعلق رؤية الحق للأشياء قبل كونها، وكل إنسان ذي خيال وتخيل إذا تخيل أمراً ما فإن نظره يمتدّ إلى هذا البرزخ وهو لا يدري أنه ناظر ذلك الشيء في هذه الحضرة، وهذه الموجودات الممكنات التي أوجدها الحق تعالى هي للأعيان التي يتضمنها هذا البرزخ بمنزلة الظلالات للأجسام بل هي الظلالات الحقيقية وهي التي وصفها الحق سبحانه بالسجود له مع سجود أعيانها، فما زالت تلك الأعيان ساجدة له قبل وجودها فلما وجدت ظلالاتها وجدت ساجدة لله تعالى لسجود أعيانها التي وجدت عنها من سماء وأرض وشمس وقمر ونجم وجبال وشجر وداوب وكل موجود، ثم لهذه الظلالات التي ظهرت عن تلك الأعيان الثابتة من حيث ما تكوّنت أجساماً ظلالات أوجدها الحق لها دلالات على معرفة نفسها من أين صدرت، ثم إنها تمتد مع ميل النور أكثر من حد الجسم الذي تظهر عنه إلى ما لا يدركه طولاً ومع هذا ينسب إليه، وهو تنبيه أن العين التي في البرزخ التي وجدت عنها لا نهاية لها كما قررناه في تلك الحضرة البرزخية الفاصلة بين الوجود المطلق والعدم المطلق، وأنت بين هذين الظلالين دو مقدار، فأنت موجود عن حضرة لا مقدار لها ويظهر عنك ظل لا مقدار له، فامتداده يطلب تلك الحضرة البرزخية، وتلك الحضرة البرزخية هي ظل الوجود المطلق من الاسم النور الذي ٦٩ في المنازل/ الباب الثاني عشر وثلاثمائة في معرفة منزل كيفية نزول الوحي على قلوب الأولياء ينطلق على وجوده فلهذا نسميها ظلاً، ووجود الأعيان ظل لذلك الظل، والظلالات المحسوسة ظلالات هذه الموجودات في الحس، ولما كان الظل في حكم الزوال لا في حكم الثبات وكانت الممكنات وإن وجدت في حكم العدم سميت ظلالات ليفصل بينها وبين من له الثبات المطلق في الوجود وهو واجب الوجود، وبين من له الثبات المطلق في العدم وهو المحال لتتميز المراتب، فالأعيان الموجودات إذا ظهرت ففي هذا البرزخ هي فإنه ما ثم حضرة تخرج إليه ففيها تكتسب حالة الوجود والوجود فيها متناه ما حصل منه والإيجاد فيها لا ينتهي، فما من صورة موجودة إلا والعين الثابتة عينها والوجود كالثوب عليها، فإذا أراد الحق أن يوحي إلى ولي من أوليائه بأمر ما تجلى الحق في صورة ذلك الأمر لهذه العين التي هي حقيقة ذلك الولي الخاص، فيفهم من ذلك التجلي بمجرد المشاهدة ما يريد الحق أن يعلمه به فيجد الولي في نفسه علم ما لم يكن يعلم، كما وجد النبي عليه السلام العلم في الضربة وفي شربه اللبن، ومن الأولياء من يشعر بذلك ومنهم من لا يشعر به، فمن لا يشعر يقول: وجدت في خاطري أمر كذا وكذا ويكون ما يقول على حد ما يقول، فيعرف من يعرف هذا المقام من أي مقام نطق هذا الولي وهو أتم ممن لا يعرف، وتلك حضرة العصمة من الشياطين فهو وحي خالص لا يشوبه ما يفسده، وإن اشتبه عليك أمر هذا البرزخ وأنت من أهل الله فانظر في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ يَلَْقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٠] أي لولا ذلك البرزخ لم يتميز أحدهما عن الآخر ولأشكل الأمر وأدى إلى قلب الحقائق، فما من متقابلين إلا وبينهما برزخ لا يبغيان أي لا يوصف أحدهما بوصف الآخر الذي به يقع التميز وهو محل دخول الجنة التي لا تنال إلا برحمة الله، ولهذا لا يصح أن يكون له عمل وهو حال الدخول إليها، فلا تتصف بأنك قد دخلت ولا بأنك خارج، وهو خط متوهم يفصل بين خارج الجنة وداخلها، فهو كالحال الفاصل بين الوجود والعدم فهو لا موجود ولا معدوم، فإن نسبته إلى الوجود وجدت فيه منه رائحة لكونه ثابتاً، وأن نسبته إلى العدم صدقت لأنه لا وجود له، والعجب من الأشاعرة كيف تنكر على من يقول أن المعدوم شيء في حال عدمه وله عين ثابتة ثم يطرأ على تلك العين الوجود وهي تثبت الأحوال اللهم منكر الأحوال لا يتمكن له هذا. ثم إن هذا البرزخ الذي هو الممكن بين الوجود والعدم سبب نسبة الثبوت إليه مع نسبة العدم هو مقابلته للأمرين بذاته، وذلك أن العدم المطلق قام للوجود المطلق كالمرآة فرأى الوجود فيه صورته فكانت تلك الصورة عين الممكن، فلهذا كان للممكن عين ثابتة وشيئية في حال عدمه، ولهذا خرج على صورة الوجود المطلق، ولهذا أيضاً اتصف بعدم التناهي فقيل فيه إنه لا يتناهى، وكان أيضاً الوجود المطلق كالمرآة للعدم المطلق، فرأى العدم المطلق في مرآة الحق نفسه فكانت صورته التي رأى في هذه المرأة هو عين العدم الذي اتصف به هذا الممكن وهو موصوف بأنه لا يتناهى، كما أن العدم المطلق لا يتناهى فاتصف الممكن بأنه معدوم، فهو كالصورة الظاهرة بين الرائي والمرآة لا هي عين الرائي ولا غيره، فالممكن ما هو من حيث ثبوته عين الحق ولا غيره ولا هو من حيث عدمه عين المحال ولا غيره فكأنه أمر ٧٠ في المنازل/ الباب الثاني عشر وثلاثمائة في معرفة منزل كيفية نزول الوحي على قلوب الأولياء إضافي، ولهذا نزعت طائفة إلى نفي الممكن وقالت ما ثم إلا واجب أو محال ولم يتعقل لها الإمكان، فالممكنات على ما قررناه أعيان ثابتة من تجلي الحق معدومة من تجلي العدم، ومن هذه الحضرة علم الحق نفسه فعلم العالم وعلمه له بنفسه أزلاً فإن التجلي أزلاً وتعلق علمه بالعالم أزلاً على ما يكون العالم عليه أبداً مما ليس حاله الوجود لا يزيد الحق به علماً ولا يستفيد ولا رؤية تعالى الله عن الزيادة في نفسه والاستفادة. فإن قلت: فإن أحوال الممكنات مختلفة وإذا كان الممكن في حالة له مقابل لم يكن في الأخرى وبظهور إحداهما تنعدم الأخرى فمن أين كان العلم له بهذه المرتبة؟ قلنا له: إن كنت مؤمناً فالجواب هين وهو أنه علم ذلك من نفسه أيضاً واكتسى الممكن هذا الوصف من خالقه وقد ثبت لك النسخ الإلهي في كلام الحق بما شرع، وقد ثبت عندك تجلي الحق في الدار الآخرة في صور مختلفة فأين الصورة التي تحول إليها من الصورة التي تحول عنها؟ فهذا أصل تقلب الممكنات من حال إلى حال يتنوع لتنوّع الصور الإلهية . فإن قلت: فهذا التنوّع ما متعلقه هل متعلقه الإرادة؟ قلنا: لا فإنه ليس للإرادة اختيار ولا نطق بها كتاب ولا سنة ولا دل عليها عقل وإنما ذلك للمشيئة فإن شاء كان وإن شاء لم يكن، قال عليه السلام: ((مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ)) فعلق النفي والإثبات بالمشيئة، وما ورد مالم يرد لم يكن بل ورد لو أردنا أن يكون كذا لكان كذا فخرج من المفهوم الاختيار، فالإرادة تعلق المشيئة بالمراد وهو قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [النحل: ٤٠] هذا تعلق المشيئة، وقد ذهب بعض الناس من أهل الطريق أن المشيئة هي عرش الذات وهو أبو طالب أي ملكها أي بالمشيئة ظهر كون الذات ملكاً لتعلق الاختيار بها، فالاختيار للذات من كونها إلهاً فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهو التردد الإلهي في الخبر الصحيح: ((ما تَرَدَّدْتُ في شيء أنا فاعلُه تَرَدُّدي في قَبْضٍ نَسَمَةِ المؤمن يَكْرَهُ المَوْتَ)) والعلم للذات من كونه ذاتاً، ولهذا تظهر رائحة الجبر مع العلم ويظهر الاختيار مع المشيئة، فما حكم وسبق به العلم لا يتبدل عقلاً ولا شرعاً ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾ [ق: ٢٩] ولرائحة الجبر فيه أعقبه ﴿وَمَّ أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْعِبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] لئلا يتوهم متوهم ذلك إذا كان الحكم للعلم فيه فلم أخذ بما هو عليه مجبور غير مختار، ومن علم ما ذكرناه من تجلي الحق في مرآة العدم لظهور صور أعيان الممكنات على صورة الوجوب هان عليه هذا كله وعرف أصله واستراح راحة الأبد، وعلم أن الممكن ما خرج عن حضرة إمكانه لا في حال وجوده ولا في حال عدمه، والتجلي له مستصحب والأحوال عليه تتحوّل وتطرأ، فهو بين حال عدمي وحال وجودي والعين هي تلك العين، وهذا من العلم المكنون الذي قيل فيه: إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون بالله، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله، ولهذا كان الجن والأرواح لو بعث إليهم أحسن رداً على النبي ◌َّير حين كان يقرأ عليهم القرآن من الإنس وكذا قال لأصحابه وذلك لأنهم إلى هذه الحضرة أقرب نسبة وإلى عالم الغيب فإن لهم التحوّل في الصور ظاهراً وباطناً، فكان استماعهم لكلام الله أوثق وأحسن للمشاركة في سرعة التنوّع والتقلب من حال إلى حال وهو ٧١ في المنازل/ الباب الثاني عشر وثلاثمائة في معرفة منزل كيفية نزول الوحي على قلوب الأولياء من صفات الكلام، فهم بالصفة إليه أقرب مناسبة وأعلم بكلام الله منا، ألا تراهم لما منعوا السمع وحيل بينهم وبين السماء بالرجوم قالوا: ما هذا إلا لأمر حدث، فأمر زوبعة أصحابه وغيره أن يجولوا مشارق الأرض ومغاربها لينظروا ما هذا الأمر الذي حدث وأحدث منعهم من الوصول إلى السماء، فلما وصل أصحاب زوبعة إلى تهامة مروا بنخلة فوجدوا رسول الله وَيّ يصلي صلاة الفجر وهو يقرأ فلما سمعوا القرآن أصغوا إليه وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فلولا معرفتهم برتبة القرآن وعظم قدره ما تفطنوا لذلك ﴿ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِزَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١] ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِنَّ أَحَدًّا وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ١ -٣] وكذلك لما قرأ عليهم سورة الرحمن ليلة الجن ما مر بآية يقول فيها: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ولما تلاها رسول الله ولو بعد ذلك على أصحابه من الإنس لم يقولوا شيئاً مما قالته الجن، فقال لهم رسول الله وَّه: ((إنّي تَلَوْتُها عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ فَكَانُوا أَخْسَنَ اسْتِمَاعاً لَهَا مِنْكُمْ مَا قِيلَ لَهُمْ ﴿فَأَِ ءَالَآءِ رَتِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلاَّ وَقَالُوا: وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْ آَلائِكَ رَبّنا نُكَذِّبُ)). ولقد روينا حديثاً غريباً عن واحد من هذه الجماعة من الجن حدثني به الضرير إبراهيم بن سليمان بمنزلي بحلب وهو من دير الرمان من أعمال الخابور عن رجل حطاب ثقة كان قد قتل حية فاختطفته الجن فأحضرته بين يدي شيخ كبير منهم هو زعيم القوم فقالوا له هذا قتل ابن عمنا قال الحطاب: ما أدري ما تقولون وإنما أنا رجل حطاب تعرضت لي حية فقتلتها، فقالت الجماعة: هو كان ابن عمنا، فقال الشيخ رضي الله عنه: خلوا سبيل الرجل وردوه إلى مكانه فلا سبيل لكم عليه فإني سمعت رسول الله وَّطير وهو يقول لنا: من تصوّر في غير صورته فقتل فلا عقل فيه ولا قود وابن عمكم تصوّر في صورة حية وهي من أعداء الإنس، قال الحطاب: فقلت له: يا هذا أراك تقول سمعت رسول الله وَل* هل أدركته؟ قال نعم أنا واحد من جنّ نصيبين الذين قدموا على رسول الله وَّ فسمعنا منه وما بقي من تلك الجماعة غيري فأنا أحكم في أصحابي بما سمعته من رسول اللّه مثلة، ولم يذكر لنا اسم ذلك الرجل من الجن ولا سألت عن أسمه، وقد حدث بهذا الحديث الشيخ الذي حدّثنا به صاحبي شمس الدين محمد بن برنقش المعظمي وبرهان الدين إسماعيل بن محمد الأيدني بحلب أيضاً فإني كنت أحدثهما بهذا الحديث فلما جئنا مدينة حلب بعثتهما إليه ليحدثهما كما حدثني فحدثهما كما حدثني، فكل عالم برزخي هو أعلم بحضرة الإمكان من غيره من المخلوقين لقرب المناسبة . ويكفي هذا القدر من هذا المنزل فلنذكر ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم وذلك أنه حوي على علم الأمر الإلهي هل له صفة أم لا؟ وهل من شرطه أو من حقيقته الإرادة أم لا؟ ٧٢ في المنازل/ الباب الثالث عشر وثلاثمائة في معرفة منزل البكاء والنوح من الحضرة المحمدية وعلم الوحي وضروبه، وعلم السماع، وعلم العالم البرزخي، وعلم الجبروت، وعلم الهدى، وعلم العظمة الإلهية لماذا ترجع وأين تظهر ومن هو الموصوف بها ولمن هي نسبة ولمن هي صفة؟ وعلم التنزيه وعلى من يعود؟ وعلم الحضرة التي أطلق الله منها ألسنة عباده على نفسه بما لا يليق به في الدليل العقلي، وهل لذلك وجه إلهيّ يستند إليه في ذلك أم لا؟ وهو قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] وأن عيسى ابن الله وكذلك عزير و﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَهُ﴾ [المائدة: ٦٤] كما حكى الله عنهم وأمثال هذا، وعلم الظن وحكمه والمحمود منه والمذموم وما متعلقة وعلم الإيمان وعلم ما ينبغي أن يستند إليه ممن لا يستند وما صفته وما يجوز من ذلك مما لا يجوز، وعلم مراتب الكواكب، وعلم منازل الروحانيين من السماء، وعلم أحوال الخلق، وعلم الصديقين، وعلم المسابقة بين الله وبين عبده، وعلم المكر والفتن، وعلم القيام بأوامر الله، وعلم مراتب الغيب وما انفرد به الحق من علم الغيب دون خلقه، وما يمكن أن يعلم من الغيب وهل العلم به يزيل عنه اسم الغيب في حق العالم أم لا؟ وقوله تعالى : ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ﴾ [التوبة: ٩٤] لماذا يرجع إطلاق الغيب؟ هل لكونه غيباً عنا أو غيباً في نفسه من حيث لم يصفه بتعلق الرؤية فيكون شهادة؟ وعلم العصمة، وعلم تعلق العلم بما لا يتناهى هل يتعلق به على جهة الإحاطة أم لا؟ وعلم قول النبي وَل# في الأسماء الحسنى: ((مَنْ أحْصَاها دَخَلَ الجَنَّة)) وما معنى الإحصاء؟ ولماذا يرجع؟ وهل يدخل تحته ما لا يتناهى كما يدخل تحت الإحاطة أو لا يدخل؟ وما الفرق بين الإحاطة والإحصاء؟ فإن الواحد يحاط به ولا يحصى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث عشر وثلاثمائة في معرفة منزل البكاء والنوح من الحضرة المحمدية [الوافر] أقول لَّدَمْ أَضْلُ الجُسُومِ وإنَّ محمَّداً أصلٌ شريفٌ أنا وَلَدْ لآباءِ كِرَامِ إذا حَضَرُوا وإخواني وُقُوفٌ فإنّي كنتُ تُبْتُ على يَدَيْهِ وذلك في المَنَام وكان مُوسَى وأعطاني الغَزَالةَ في يَميني وأغْنَاني فَرَوَّ حنِي عُلُوّاً فإنْ حَضَرُوا وضَمَّهُمُ مَقَامٌ فبرُّ الوالدَيْن عليَّ فرضٌ أنا ابنُ مُحَمَّد وأنا ابْنُ نُوحٍ كما أضلُ الرِّسالة شَرْعُ نُوحٍ عزيزٌ في الوُجُود لكلّ رُوحٍ فنُوري في الإضاءة مِثْلُ يُوحِ لِخذْمَتِهِم حَنَنْتُ إلى المَسيحِ وساعَدَني على قَتْل المَسِيحِ نَجِيِّي فيه بالقَوْلِ الْفَصِيحِ وأفْهَمَ بالإشارة والصَّريح وأفْقَرني فَأَصْحَبَني ضَرِيحِي إليهم حين أبصرهم جُنُوحي فيا نفسي على التّفْريط نُوحِي كما أنّي ابنُ آدم في الصَّحِيحِ ٧٣ في المنازل/ الباب الثالث عشر وثلاثمائة في معرفة منزل البكاء والنوح من الحضرة المحمدية لسانُ رُمُوزنا بالعِلْم يُوحِي فيا من يَفْهَمُ الإِلْغَازَ هذا اعلم أيدك الله أن أصل أرواحنا روح محمد وَّر فهو أوّل الآباء روحاً، وآدم أوّل الآباء جسماً، ونوح أوّل رسول أرسل، ومن كان قبله إنما كانوا أنبياء كل واحد على شريعة من ربه، فمن شاء دخل في شرعه معه ومن شاء لم يدخل، فمن دخل ثم رجع كان كافراً ومن لم يدخل فليس بكافر، ومن أدخل نفسه في الفضول وكذب الأنبياء كان كافراً ومن لم يفعل وبقي على البراءة لم يكن كافراً، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ليس بنص في الرسالة وإنما هو نص في أن في كل أمة عالماً بالله وبأمور الآخرة وذلك هو النبيّ لا الرسول، ولو كان الرسول لقال إليها ولم يقل فيها، ونحن نقول: إنه كان فيهم أنبياء عالمون بالله، ومن شاء وافقهم ودخل معهم في دينهم وتحت حكم شريعتهم كان ومن لم يشأ لم يكلف ذلك وكان إدريس عليه السلام منهم ولم يجىء له نص في القرآن برسالته بل قيل فيه صدّيقاً نبياً، فأوّل شخص استفتحت به الرسالة نوح عليه السلام، وأوّل روح إنسانيّ وجد روح محمد، وأوّل جسم إنسانيّ وجد جسم آدم، وللوراثة حظ من الرسالة، ولهذا قيل في معاذ وغيره رسول رسول الله وما فاز بهذه الرتبة ويحشر يوم القيامة مع الرسل إلا المحدثون الذين يروون الأحاديث بالأسانيد المتصلة بالرسول عليه السلام في كل أمة فلهم حظ في الرسالة وهم نقلة الوحي وهم ورثة الأنبياء في التبليغ والفقهاء إذا لم يكن لهم نصيب في رواية الحديث فليست لهم هذه الدرجة ولا يحشرون مع الرسل بل يحشرون في عامة الناس، ولا ينطلق اسم العلماء إلا على أهل الحديث وهم الأئمة على الحقيقة، وكذلك الزهاد والعباد وأهل الآخرة من لم يكن من أهل الحديث منهم كان حكمه حكم الفقهاء لا يتميزون في الوراثة ولا يحشرون مع الرسل بل يحشرون مع عموم الناس ويتميزون عنهم بأعمالهم الصالحة لا غير، كما أن الفقهاء أهل الاجتهاد يتميزون بعلمهم عن العامة، ومن كان من الصالحين ممن كان له حديث مع النبيّ ◌َّ في كشفه وصحبه في عالم الكشف والشهود وأخذ عنه حشر معه يوم القيامة وكان من الصحابة الذين صحبوه في أشرف موطن وعلى أسنى حالة، ومن لم يكن له هذا الكشف فليس منهم، ولا يلحق بهذه الدرجة صاحب النوم ولا يسمى صاحباً ولو رآه في كل منام حتى يراه وهو مستيقظ كشفاً يخاطبه ويأخذ عنه ويصحح له من الأحاديث ما وقع فيه الطعن من جهة طريقها فهؤلاء الآباء الثلاثة هم آباؤنا فيما ذكرناه، والأب الرابع هو إبراهيم عليه السلام هو أبونا في الإسلام وهو الذي سمانا مسلمين وأقام البيت على أربع أركان فقام الدليل على أربع مفردات متناسبة وكانت النتيجة تناسب المقدمات، فانظر من كانت هذه مقدماته وهو محمد وآدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام ما أشرف ما تكون النتيجة والولد عن هؤلاء الآباء روح طاهر وجسد طاهر ورسالة وشرع طاهر واسم شريف طاهر، ومن كان أبوه هؤلاء المذكورين فلا أسعد منه وهو أرفع الأولياء منصباً ومكانة. ولما كانت النشأة ظهرت في الجنان أولاً واتفق هبوطها إلى الأرض من أجل الخلافة لا عقوبة المعصية فإن العقوبة حصلت بظهور السوءات، والاجتباء والتوبة قد حصلا بتلقي ٧٤ في المنازل/ الباب الثالث عشر وثلاثمائة في معرفة منزل البكاء والنوح من الحضرة المحمدية الكلمات الإلهية فلم يبق النزول إلا للخلافة، فكان هبوط تشريف وتكريم ليرجع إلى الآخرة بالجم الغفير من أولاده السعداء من الرسل والأنبياء والأولياء والمؤمنين، ولكن الخلافة لما كانت ربوبية في الظاهر لأنه يظهر بحكم الملك فيتصرف في الملك بصفات سيده ظاهراً وإن كانت عبوديته له مشهودة في باطنه فلم تعمّ عبوديته جميعه عند رعيته الذين هم أتباعه وظهر ملكه بهم وبأتباعهم والأخذ عنه فكان في مجاورتهم بالظاهر أقرب وبذلك المقدار يستتر عنه من عبوديته، فإن الحقائق تعطي ذلك، ولذلك كثيراً ما ينزل في الوحي على الأنبياء ﴿قُلْ إِنَّمَاً أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ﴾ [فصلت: ٦] وهذه آية دواء لهذه العلة، فبهذا المقدار كانت أحوال الأنبياء الرسل في الدنيا البكاء والنوح فإنه موضع تتقى فتنته، ومن كان ذلك حاله أعني التقوى والاتقاء كيف يفرح أو يلتذ من يتقي فإن تقواه وحذره وخوفه أن لا يوفي مقام التكليف حقه وعلمه بأنه مسؤول عنه لا يتركه يفرح ولا يسر بعزة المقام، قال وَيّ: ((أَنَا أَتْقَاكُمْ لله وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي)) حين قالت له الصحابة في اجتهاده: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر بعد قوله المنزل عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وأمثال هذا، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقال: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا هو حظ الوراثة من النبوة أن يتولى الله تعليم المتقي من عباده فيقرب سنده فيقول: أخبرني ربي بشرع نبيه الذي تعبَّده به ممن أخذه أوحى به إليه فهو عال في العلم تابع في الحكم وهم الذين ليسوا بأنبياء، وتغبطهم الأنبياء عليهم السلام في هذه الحالة لأنهم اشتركوا معهم في الأخذ عن الله، وكان أخذ هذه الطائفة عن الله بعد التقوى بما عملوا عليه مما جاءهم به هذا الرسول، فهم وإن كانوا بهذه المثابة وأنتج لهم تقواهم الأخذ عن الله في موازين الرسل وتحت حوطتهم وفي دائرتهم ووقع الاغتباط في كونهم لم يكونوا رسلاً فبقوا مع الحق دائماً على أصل عبودية لم تشبها ربوبية أصلاً، فمن هنا وقع الغبط لراحتهم وإن كانت الرسل أرفع مقاماً منهم، ألا تراهم يوم القيامة: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ولا يداخلهم خوف البتة والرسل في ذلك اليوم في غاية من شدة الخوف على أممهم لا على أنفسهم، والأمم في الخوف على أنفسهم، وهؤلاء في ذلك اليوم لا أثر للخوف عندهم فإنهم حشروا ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدًا﴾ [مريم: ٨٥]. ثم لتعلم بعد أن عرّفتك بعلوّ منصبك أيها الصديق في اتباع ما شرع لك أن الناس غلطوا في الصادقين من عباد الله المثابرين على طاعة الله، واشترط من لا يعرف الأمر على ما هو عليه ولا ذاق طريق القوم أن الداعي إلى الله إذا كان يدعو إلى الله بحالة صدق مع الله أثر في نفوس السامعين القبول فلا تردّ دعوته، وإذا دعا بلسانه وقلبه مشحون بحب الدنيا وأغراضها وكان دعاؤه صنعة لم يؤثر في القلوب ولا تعدى الآذان فيقولون: إن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يتعد الآذان، وهذا غاية الغلط، فوالله ما من رسول دعا قومه إلا بلسان صدق من قلب معصوم ولسان محفوظ كثير الشفقة على رعيته ٧٥ في المنازل/ الباب الثالث عشر وثلاثمائة في معرفة منزل البكاء والنوح من الحضرة المحمدية راغب في استجابتهم لما دعاهم إليه، هذه أحوال الرسل في دعائهم إلى الله تعالى وصدقهم ومع هذا يقول رَّمَ: ((إِنّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّ فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ واسْتَغْشَوا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً)) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ﴾ [النور: ٥٤] فلو أثر كلام أحد في أحد لصدقه في كلامه الأسلم كل من شافهه النبيّ عليه السلام بالخطاب، بل كذب وردّ الكلام في وجهه وقوتل، فإن لم يكن لله عناية بالسامع بأن يجعل في قلبه صفة القبول حتى يلقى بها النور الإلهيّ من سراج النبوّة كما وصفه تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ألا ترى الفتيلة إذا كان رأسها يخرج منه دخان وهي غير مشتعلة فإذا سامتت بذلك الدخان السراج اشتعل ذلك الدخان بما فيه من الرطوبة وتعلق فيه النور من السراج ونزل على طريقه حتى يستقر في رأس الفتيلة التي انبعث منها ذلك الدخان إلى السراج فتشتعل الفتيلة وتلحق برتبة السراج في النورية؟ فإن كانت لها مادة دهن وهي العناية الإلهية بقيت مستنيرة ما دام الدهن يمدها، وذلك النور يذهب برطوبات ذلك الدهن الذي به بقاؤه ولم يبق معه للسراج حديث بعد أن ظهر فيه النور وبقي الإمداد من جانب الحق فلا يدري أحد ما يصل إليه، فإن الأنبياء ما دعت لأنفسها الناس وإنما دعتهم إلى ربها، فأيّ قلب اعتنى الله به وقام به حرقة الشوق إلى ذلك الدعاء مثل احتراق رأس الفتيلة ثم انبعث من هذا الشوق همة إلى ما دعاه إليه الرسول في كلامه مثل انبعاث الدخان من تلك النارية التي في رأس الفتيلة وهي قوّة جاذبة فجذبت من نور النبوّة والوحي والهداية ذلك الاشتعال الذي قام بالدخان فرجع به إلى قلب صاحبه فاهتدى واستنار كما اتقدت هذه الفتيلة ثم فارق النبيّ ومشى إلى أهله نوراً فإن اعتنى الله به وأمده بتوفيقه ثبت له في قلبه نور الهداية بذاك الإمداد ولم يبق للرسول بعد ذلك معه شغل إلا بتعيين الأحكام، إلا أن ذلك النور هو نور الإيمان ﴿مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ ﴿ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ ◌ِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] قال عليه السلام عن ربه: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ﴾ ولم يقل أدعو إلى نفسي، وإلى حرف موضوع للغاية فإذا أجاب المؤمن مشى إلى ربه على الطريقة التي شرع له هذا الرسول، فلما وصل إلى الله تلقاه الحق تلقي إكرام وهبات ومنح وعطايا فصار يدعو إلى الله على بصيرة كما دعا ذلك الرسول وهو قوله حين قال: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِىّ﴾ [يوسف: ١٠٨] فأخبر أن من اتبعه يدعو إلى الله أيضاً على بصيرة، فإن كنت عارفاً بمواقع الخطاب الإلهيّ وتنبيهاته وإشاراته فقد عرّفك بحالك مع رسول ◌َله وبحالك معه وقد جعلك على صورة نبيه وَّل# في نوره وإمداده، وأبان لك أن صورتك معه في هذا الأمر صورته أيضاً مع جبريل عليهما السلام الذي اتقدت فتيلته من سراج جبريل واشتعلت نوراً، وكل واحد من السرج ما انتقل نوره عنه بل هو على نوره في نفسه. وانظر إلى من استندت الرسل بعد أخذها عن جبريل عليه السلام هل كان استنادها إلى جبريل أو إلى الله؟ لا والله بل قيل رسول الله وما قيل رسول جبريل، وكذلك من أخذ عن النبوّة مثل هذا النور ودعا إلى الله على ٧٦ في المنازل/ الباب الثالث عشر وثلاثمائة في معرفة منزل البكاء والنوح من الحضرة المحمدية بصيرة فذلك الدعاء والنور الذي يدعو به هو نور الإمداد لا النور الذي اقتبسه من السراج، فلينسب إلى الله في ذلك لا إلى الرسول فيقال: عبد الله وهو الداعي إلى الله عن أمر الله بوساطة رسول الله بحكم الأصل لا بحكم ما فتح الله به عليه في قلبه من العلوم الإلهية التي هي فتح عين فهمه لما جاء به الرسول وسل# من القرآن والأخبار لا أن هذا الوليّ يأتي بشرع جديد، وإنما يأتي بفهم جديد في الكتاب العزيز لم يكن غيره يعرف أن ذلك المعنى في ذلك الحرف المتلوّ أو المنقول، فللرسل صلوات الله عليهم وسلامه العلم ولنا الفهم وهو علم أيضاً، فإن حققت يا أخي ما أوردناه في هذا الباب وقفت على أسرار إلهية وعلمت مرتبة عباد الله الذين هم بهذه المثابة أين ينتهي بهم ومع من منهم؟ وعمن يأخذون؟ ومن يناجون؟ وإلى من يستندون؟ وأين تكون منزلتهم في الدار الآخرة؟ وهل لهم شركة في المرتبة في الدار الآخرة كما كان لهم شركة هنا في النورية والإمداد الإلهي أم لا؟ فأمّا في الدنيا فليسوا بأنبياء فإنهم عن الأنبياء أخذوا طريقهم وما بقي الأمر إلا في الإمداد هل أثره إبقاء النور الأوّل أو تتجدد لهم الأنوار مع الآنات من الحق كما يتجدد نور السراج باشتعال الهواء من رطوبات الدهن؟ فليس هو ذلك النور الأوّل ولا هو غيره، ولا ذهب ذلك النور ولا بقي عينه، والناظر يرى اتصال الأنوار صورة واحدة في النورية إلا أنه يعرف أنه لولا إمداد الدهن لطفىء، هذا حظ كل مشاهد من ذلك من حيث النظر والصورة ومن حيث المعنى يزيد على النظر معرفة ما يقع به الإمداد وما أثره في ذلك المشهود فيزيد علماً آخر لم يكن عنده، فمن فقد مثل هذا ينبغي أن يطول نوحه وبكاؤه على نفسه جعلنا الله من أهله وممن دعا إلى الله على بصيرة أو انفرد مع الله على بصيرة إنه المليّ بذلك والقادر عليه. وهذا القدر كاف في هذا الباب وقد حصلت الفائدة فلنذكر ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم. فاعلم أنه يتضمن علم الحقائق الأسمائية، وعلم الرسالة من حيث المكانة التي أرسل منها لا من حيث إنها رسالة، وعلم التخويف هل يخاف الله أو يخاف ما يكون منه؟ وما مشهود من يخاف الله والخوف إنما هو مما يتعلق بك ويحل فيك والحق تعالى منزه الذات عن الحلول في الذوات فما معنى وأعوذ بك منك؟ وعلم طاعة العباد فيماذا يطاعون وهل لهم في تلك الطاعة نصيب بطريق الاستحقاق أو ليس لهم؟ فإن الله يقول: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اُللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] هذا مقام، ومقام آخر: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] ومقام آخر: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فهذه مقامات كلها تقتضيها الطاعة ويختلف المطاع وتحقيق ذلك عجيب وتفصيل ما يقع فيه الطاعة كذلك، وهل نسبة الطاعة لأولي الأمر كنسبتها إلى الرسول كنسبتها إلى الله أم لا؟ بل تكون مختلفة، وعلم نتائج المخالفات والموافقات، وعلم الفرق بين الأجلين، ولماذا كان الأوّل أجلاً؟ ولماذا كان الآخر أجلاً؟ هل لعين واحدة أم لأمرين مختلفين؟ وعلم أحوال الناس المدعوّين إلى الله ما الذي يحول بينهم وبين الإجابة مع العلم بصدق الداعي، وما الذي يدعوهم إلى الإجابة والمجلس واحد والداعي واحد والدعوة واحدة؟ وعلم الثواب المعجل الحسيّ والمعنويّ، وعلم الاعتبار، وعلم العالم في المنازل/ الباب الرابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الفرق بين مدارج الملائكة والنبيين والأولياء ٧٧ العلويّ، والعالم السفليّ، وعلم السر الذي قام في المعبودين من دون الله، وما المناسبة التي جمعت بينهم وبين من عبدهم؟ ولماذا شقوا شقاوة الأبد ولم تنلهم المغفرة ولا خرجوا من النار؟ وعلم الغيرة الإلهية والغيرة من كل غيور ولماذا ترجع؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الفرق بين مدارج الملائكة والنبيين والأولياء من الحضرة المحمدية [الكامل] تَتَنَزَّلُ الأَمْلاكُ من مَلَكُوتِه في قَالبِ الأنْوار بالأَسْرَارِ بدقائق الأدوارِ والأكْوَارِ حتى إذا ألْقَتْ إليَّ عُلُومَهَا إلا بِنَعْت الواحد القَهَّارِ من كُلِّ عِلْم ما له مُتَعَلَّقٌ بأَلُوكَةٍ من حَضْرَةِ الأَبْرَارِ عادت إلى أفْلإِكِهَا أمْلاكُهَا بالصُّورَتَيْن حميدةَ الآثارِ قد زَانَها حُسْنُ الثَّلَقِّي فَانْثَنَتْ وتَيَقَّنَتْ أنّ المَعَارِفَ إنّما وَقَدِ اشْتَهَتْ طُولَ المقام بساحتي وُهِبَتْ لأَهْلِ العلم بالأسْرارِ لخُرُوجها فيها عَنِ الأطْوَارِ اعلم أيدك الله أيها الولي الحميم أن الله تعالى لما خلق الخلق قدرهم منازل لا يتعدّونها فخلق الملائكة ملائكة حين خلقهم، وخلق الرسل رسلاً، والأنبياء أنبياء، والأولياء أولياء، والمؤمنين مؤمنين، والمنافقين منافقين، والكافرين كافرين، كل ذلك مميز عنده سبحانه معين معلوم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ولا يبدّل أحد بأحد، فليس لمخلوق كسب ولا تعمل في تحصيل مقام لم يخلق عليه بل قد وقع الفراغ من ذلك ﴿ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] فمنازل كل موجود وكل صنف لا يتعدّاها ولا يجري أحد في غير مجراه قال تعالى في شأن الكواكب: ﴿وَكُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وهكذا كل موجود له طريق تخصه لا يسلك عليها أحد غيره روحاً وطبعاً، فلا يجتمع اثنان في مزاج واحد أبداً، ولا يجتمع اثنان في منزلة واحدة أبداً، فلا يكون الإنسان ملكاً أبداً، ولا الملك إنساناً، ولا الرسول غيره أبداً، ولكل مدرجة عن الله تعالى لكل صنف بل لأشخاص كل نوع خواص تخصها لا ينالها إلا السالك عليها، ولو جاز أن يسلك غيره على تلك المدرجة لنال ما فيها وإن جمع الجنس منزل واحد والنوع منزل واحد، وهكذا كل نوع من الأنواع التي تحت كل جنس من الأجناس، وكذلك كل جنس من الأجناس إلى جنس الأجناس كذلك إلى النوع الأخير، كما تجمع الرسالة الرسل ويفضل بعضهم بعضاً، والأنبياء النبوة ويفضل بعضهم بعضاً، هذا وإن كانت الكواكب تقطع في فلك واحد وهو فلك البروج فلكل واحد منها فلك يخصه يسبح فيه لا يشاركه فيه غيره، فهكذا الأمر في الجميع أعني في المخلوقات وإن جمعهم مقام فإنه يفرّقهم مقام، فالفلك الكبير الذي يجمع العالم كله فلك الأسماء الإلهية فيه يقطع كل شخص في العالم فهي ٧٨ في المنازل/ الباب الرابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الفرق بين مدارج الملائكة والنبيين والأولياء منازله المقدّرة لا يخرج عنها بوجه من الوجوه، ولكن يسبح فيه بفلكه الخاص به الذي أوجده الحق، فلا يذوق غيره ذوقه من فلك الأسماء، ولو ذاقه لكان هو ولا يكون هو أبداً فلا يجمع اثنين منزل أبداً لاتّساع فلك الأسماء الإلهية. فكلّ من ادعى من أهل الطريق أنه خرج عن الأسماء الإلهية فما عنده علم بما هي الأسماء ولا يعلم ما معنى الأسماء وكيف يخرج عن إنسانيته الإنسان أو عن ملكيته الملك، ولو صح هذا انقلبت الحقائق وخرج الإله عن كونه إلهاً وصار الحق خلقاً والخلق حقاً وما وثق أحد بعلم، وصار الواجب ممكناً ومحالاً والمحال واجباً وانفسد النظام، فلا سبيل إلى قلب الحقائق، وإنما يرى الناظر الأمور العرضية تعرض للشخص الواحد وتنتقل عليه الحالات ويتقلب فيها فيتخيل أنه قد خرج عنها، وكيف يخرج عنها وهي تصرّفه وكل حال ما هو عين الآخر، فطرأ التلبيس من جهله بالصفة المميزة لكل حال عن صاحبه ﴿ِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وإن سبح الكل في فلك الرسالة فأين قطع الهلال من قطع النسر؟ وذلك أن في الأمر اتساعاً وضيقاً ونشراً وطياً الحس حقيقة واحدة يقطع في فلكها الحواس فأين اللمس من البصر؟ اللمس لا يدرك الملموس كونه خشناً أو ليناً إلا بغاية من القرب، فإذا لمسه عرفه، والبصر عندما تفتح عينك وترسله في المبصرات علواً كان زمان فتحه زمان إدراكه فلك البروج فأين مسافة ما يقطعه البصر من مسافة ما يقطعه اللمس لو أرادت حاسة اللمس تدرك ملوسة فلك البروج أو خشونته لو كان خشناً متى كانت تصل إلى ذلك؟ ومع هذا فقد جمعهما الحس، وكذلك السمع والشم والطعم، فانظر ما بين هذه الحقائق من التباين وطبقاتها من التفاضل، وأين اتساع أفلاكها من اتساع أفلاك القوى الروحانية في الإنسان؟ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يسّ: ٣٨]. وإذا علمت هذا علمت أن النبوّة اختصاص إلهيّ وأن الرسالة كذلك والولاية والإيمان والكفر وجميع الأحوال وأن الكسب اختصاص، فإن الملائكة ما لها كسب بل هي مخلوقة في مقاماتها لا تتعداها فلا تكتسب مقاماً وإن زادت علوماً ولكن ليس عن فكر واستدلال لأن نشأتهم لا تعطي ذلك مثل ما تعطيه نشأة الإنسان والقوى التي هم عليها الملائكة المعبر عنها بالأجنحة كما قال عز وجل: ﴿جَاعِلِ الْمَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلٍ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَكَ وَرُبَعْ﴾ [فاطر: ١] وقد صح في الخبر ((أن جبريل له ستمائة جناح))، فهذه القوة الروحانية ليس لها في كل ملك تصرّف فيما فوق مقام صاحبها مثل الطائر عندنا الذي يهوي سفلاً ويصعد علواً، وأجنحة الملائكة إنما تنزل بها إلى من هو دونها وليس لها قوّة تصعد بها فوق مقامها فإذا نزلت بها من مقامها إلى ما هو دونه رجعت علواً من ذلك الذي نزلت إليه إلى مقامها لا تتعدّاه، فما أعطيت الأجنحة إلا من أجل النزول، كما أن الطائر ما أعطي الجناح إلا من أجل الصعود، فإذا نزل بطبعه وإذا علا بجناحه، والملك على خلاف ذلك إذا نزل بجناحه وإذا علا علا بطبعه، وأجنحة الملائكة للنزول إلى ما دون مقامها، والطائر جناحه للعلوّ إلى ما فوق مقامه وذلك ليعرف كل موجود عجزه، وأنه لا يتمكن له أن يتصرّف بأكثر من طاقته التي أعطاه الله إياها، فالكل تحت ذل الحصر والتقييد والعجز لينفرد جلال الله بالكمال في الإطلاق لا إله إلا هو العليّ الكبير. في المنازل/ الباب الرابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الفرق بين مدارج الملائكة والنبيين والأولياء ٧٩ فإذا تقرر هذا فاعلم أن للملائكة مدارج ومعارج يعرجون عليها ولا يعرج من الملائكة إلا من نزل فيكون عروجه رجوعاً إلا أن يشاء الحق تعالى فلا تحجير عليه، وإنما كلامنا في الوقع في الوجود، وإنما سمي النزول من الملائكة إلينا عروجاً والعروج إنما هو لطالب العلو لأن الله في كل موجود تجلياً ووجهاً خاصاً به يحفظه ولا سيما وقد ذكر أنه سبحانه وسعه قلب عبده المؤمن، ولما كان للحق سبحانه صفة العلوّ على الإطلاق سواء تجلى في السفل أو في العلوّ فالعلوّ له، والملائكة أعطاهم الله من العلم بجلاله بحيث إذا توجهوا من مقامهم لا يتوجهون إلا لله لا لغيره، فلهم نظر إلى الحق في كل شيء ينزلون إليه، فمن حيث نظرهم إلى ما ينزلون إليه يقال: ﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤] ومن حيث إنهم ينظرون إلى الحق سبحانه عند ذلك الأمر الذي إليه وله سبحانه مرتبة العلوّ يقال: ﴿تَمْرُجُ الْمَلَتَبِكَةُ﴾ [المعارج: ٤] فهم في نزولهم أصحاب عروج فنزولهم إلى الخلق عروج إلى الحق، وإذا رجعوا منا إلى مقاماتهم يقال إنهم عرجوا بالنسبة إلينا وإلى كونهم يرجعون إلى الحق لغرض ما بأيديهم مما نزلوا إليه، فكل نظر إلى الكون ممن كان فهو نزول، وكل نظر إلى الحق ممن كان فهو عروج فافهم. ثم إن الله عين للرسل معارج يعرجون عليها ما هي معارج الملائكة، وعين للأتباع أتباع الرسل معارج يعرجون عليها وهم أتباع الأتباع فإن الرسول تابع للملك والولي تابع للرسول، ولهذا قيل للرسول: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهٌ﴾ [طه: ١١٤] فهو مصغ تابع للملك ونحن مع الرسول بهذه المثابة، فإذا نزل الملك بالوحي على الرسول وتلقاه منه ألقاه الرسول على التابع وهو الصاحب فتلقاه منه، فإذا عرج الملك عرج بذاته لأنه رجوع إلى أصله، وإذا عرج الرسول ركب البراق فعرج به البراق بذاته، وعرج الرسول لعروج البراق بحكم التبعية والحركة القسرية، فكان محمولاً في عروجه حمله من عروجه ذاتيّ فتميز عروج الرسول من عروج الملك. ثم إنه لما وصل إلى المقام الذي لا يتعدّاه البراق وليس في قوته أن يتعداه تدلى إلى الرسول الرفرف فنزل عن البراق واستوى على الرغرف وصعد به الرفرف وفارقه جبريل فسأله الصحبة فقال: إنه لا يطيق ذلك وقال له: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] فلو أراد الحق صعوده فوق ذلك المقام لكان محمولاً مثل ما حمل الرسول ملة. ولما وصل المعراج الرفرفيّ بالرسول وَّل إلى مقامه الذي لا يتعداه الرفرف زج به في النور زجة غمره النور من جميع نواحيه وأخذه الحال فصار يتمايل فيه تمايل السراج إذا هب عليه نسيم رقيق يميله ولا يطفئه ولم ير معه أحداً يأنس به ولا يركن إليه وقد أعطته المعرفة أنه لا يصح الأنس إلا بالمناسب، ولا مناسبة بين الله وعبده، وإذا أضيفت المؤانسة فإنما ذلك على وجه خاص يرجع إلى الكون، فأعطته وّر هذه المعرفة الوحشة لانفراده بنفسه، وهذا مما يدلك أن الإسراء كان بجسمه وَ لّ لأن الأرواح لا تتصف بالوحشة ولا الاستيحاش، فلما علم الله منه ذلك وكيف لا يعلمه وهو الذي خلقه في نفسه وطلب عليه السلام الدنو بقوّة المقام الذي هو فيه فنودي بصوت يشبه صوت أبي بكر تأنيساً له به إذ كان أنيسه في المعهود فحنّ لذلك وأنس به وتعجب من ذلك اللسان في ذلك الموطن وكيف جاءه ٨٠ في المنازل/ الباب الرابع عشر وثلاثمائة في معرفة منزل الفرق بين مدارج الملائكة والنبيين والأولياء من العلوّ وقد تركه بالأرض، وقيل له في ذلك النداء: يا محمد قف إن ربك يصلي فأخذه لهذا الخطاب انزعاج وتعجب كيف تنسب الصلاة إلى الله تعالى فتلا عليه في ذلك المقام : ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ اْلُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فعلم ما المراد بنسبة الصلاة إلى الله فسكن روعه مع كونه سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، ولكن قد وصف نفسه بأنه لا يفعل أمراً حتى يفرغ من أمر آخر فقال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] فمن هذه الحقيقة قيل له: قف إن ربك يصلي أي لا يجمع بين شغلين يريد بذلك العناية بمحمد ﴾ حيث يقيمه في مقام التفرّغ له، فهو تنبيه على العناية به والله أجلّ وأعلى في نفوس العارفين به من ذلك، فإن الذي ينال الإنسان من المتفرّغ إليه أعظم وأمكن من الذي يناله ممن ليس له حال التفرّغ إليه لأن تلك الأمور تجذبه عنه، فهذا في حال النبيّ عليه السلام وتشريفه، فكان معه في هذا المقام بمنزلة ملك استدعى بعض عبيده ليقرّبه ويشرّفه، فلما دخل حضرته وقعد في منزلته طلب أن ينظر إلى الملك في الأمر الذي وجه إليه فيه فقيل له تربص قليلاً فإن الملك في خلوته يعزل لك خلعة تشريف يخلعها عليك فما كان شغله عنه إلا به ولذلك فسر له صلاة الله بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فشرّف بأن قيل له: إنما غاب عنك من أجلك وفي حقك، فلما أدناه تدلى إليه ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأٌَ﴾ [النجم: ١٠ -١١] العين، أي تجلى له في صورة علمه به، فلذلك أنس بمشاهدة من علمه فكان شهود تأنيس في ذلك المقام. فقد علمت مما أبنته لك معارج الرسل من معارج الملائكة صلوات الله على الجميع، فلهذا المعراج خطاب خاص تعطيه خاصية هذا المعراج لا يكون إلا للرسل، فلو عرج عليه الوليّ لأعطاه هذا المعراج بخاصيته ما عنده وخاصيته ما تنفرد به الرسالة، فكان الولي إذا عرج به فيه يكون رسولاً وقد أخبر رسول الله و # أن باب الرسالة والنبوّة قد أغلق، فتبين لك أن هذا المعراج لا سبيل للولي إليه البتة، ألا ترى النبي ◌ّر في هذا المعراج قد فرضت عليه وعلى أمته خمسون صلاة فهو معراج تشريع وليس للوليّ ذلك، فلمّا رجع إلى موسى عليهما السلام قال له: راجع ربك يخفف عن أمتك الحديث إلى أن صارت خمسة بالفعل، وبقيت خمسين في الأجر والمنزلة عند الله والحديث صحيح في ذلك وفيه طول. واعلم أن معارج الأولياء بالهمم وشاركهم الأنبياء في هذا المعراج من كونهم أولياء ومن كونهم أنبياء ولا رسلاً، فيعرج الولي بهمته وبصيرته على براق عمله ورفرف صدقه معراجاً معنوياً يناله فيه ما يعطيه خواص الهمم من مراتب الولاية والتشريف، فهي ثلاثة معارج متجاورة مختلفة، والمعراج الرابع معراج توجهات الأسماء عليهم، فتفيض الأسماء الإلهية أنوارها على معارج الملائكة، ولكن من أنوار التكاليف والشرائع التي هي الأعمال المقرّبة إلى السعادة خاصة، هذا الذي أريده في هذا الموضع للفرقان بين المعارج، فتسطع معارج الملك بذلك النور فينصبغ به الملك كما تنصبغ الحرباء بالمحل الذي تكون فيه، ثم يفيض الملك على الرسول أي على معراجه فينصبغ به الرسول في باطنه من حيث روحانيته وهو قوله عليه