Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
في المنازل/ الباب السادس والتسعون ومائتان في معرفة منزل انتقال صفات أهل السعادة ...
الذي في موازنة درجته، فإن العمل الذي نال به هذا الشخص تلك الدرجة تركه هذا
الشخص الآخر الذي كان قرينه في الدنيا بعينه، فانظر إلى هذا العدل الإلهيّ ما أحسنه وهما
الرجلان اللذان ذكرهما الله في سورة الكهف المضروب بهما المثل وهو قوله تعالى :
﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ﴾ [سورة الكهف: الآية ٣٢] إلى آخر الآيات في قصتهما في الدنيا، وذكر
في الصافات حديثهما في الآخرة في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَآَبِلٌ مِّنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ قَرِيْنٌ يَقُولُ أَوِنَّكَ
لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٥١، ٥٢] وفيها ذكر المعاتبة وفي قوله: ﴿تَّهِ إِن كِدتَّ
لَتُرُدِينِ﴾ [سورة الصافات: الآية ٥٦] لما اطلع عليه ﴿فَرَءَاهُ فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصافات: الآية ٥٥]
وهو قوله: ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٠].
وورد في الأخبار الإلهية الصحاح عن رسول الله رَّ عن ربه عزّ وجلّ فيما يقوله
لعبده يوم القيامة: ((أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ)) فَلْنُمَثْلِ لَكَ مِنْهَا الأُمَّهاتِ التّي بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَيْهَا
وَهِيَ خَمْسَةٌ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهَ وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَحِجُّ البَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ آمَنَ بِهَا كَلَّها فَسَعِدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِهَا كُلّها فَشَقِيَ،
وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِهَا وَكَفَرَ بِبَعْضِهَا فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالكَافِرِ إِلْحَاقَ حَقِّ وهكذا جميع الأوامر
والنواهي التي تقتضيها فروع الشريعة في جميع حركات الإنسان وسكونه في الإيمان بالحكم
المشروع فيها والكفر والعمل المشروع فيها بظاهر الإنسان المكلف وباطنه وترك العمل
ويحصر ذلك عقد وقول وعمل، وفي مقابلته حل وصمت وترك عمل. هذه مقابلة من وجه
في حق قوم ومقابلة أخرى في حق قوم، أو هذا الشخص بعينه وهو عقد مخالف لعقد
وقول يخالف قولاً وعمل مخالف لعمل، إذ كان لا يلزم من صاحب الحل أن يكون قد
عقد أمراً آخر، فإن الحل إنما متعلقه ذلك العقد الإيماني بذلك المعقود عليه فأسقطه
المعطل فلم يرتبط بعقد آخر، وشخص آخر عقد على وجود الشريك لله فحل من عنقه عقد
حبل التوحيد وعقد حبل التشريك، فلهذا فصلنا الأمر على ما يكون عليه في الدار الآخرة
موازناً لحالة الدنيا، وهذا صورة الشكل في الأمّهات، وعليها نأخذ جميع المأمور بها
والمنهي عنها من العمل بالمأمور والقول به والإيمان به وترك ذلك حلاً وعقداً في الكل أو
في البعض، وكذلك المنهي عنها من العمل به والقول به والعقد عليه وترك ذلك حلاً وعقداً
للكل والبعض صورة درج الجنة ودرك النار والأعراف وهو السور الذي باطنه فيه الرحمة
وظاهره من قبله العذاب، والرقائق النازلة والصاعدة، وضعناها لك لتتصوّرها في ذهنك إن
كنت بعيد الفهم، والله المعين لا ربَّ غيره.

٤٦٢
في المنازل / الباب السادس والتسعون ومائتان في معرفة منزل انتقال صفات أهل السعادة ...
شمال
درج الإيمان بالحج
نزول
صعود
درك الكفريه
A s
نزول
الأعراف الأعراف
رقيقة النزول والصعود
أسفل
أعلى
درج الإِيمان بالزكاة
الأعراف
رقيقة النزول والصعود
درك الکفربما
درجات الجنـ
درج الإیمان بالصلاة
رقيقة النزول والصعود
الأعراف
الدرك الأسفل
درج التوحيد علّون
رقيقة النزول والصعود
يمين
ـار
رقيقة النزول والصعود
درك الكفربه
درج الإيمان بصوم رمضان
نزول
درك الكفربها
نزول
ءَ
دركات النـ
درك الشرك

٤٦٣
في المنازل / الباب السادس والتسعون ومائتان في معرفة منزل انتقال صفات أهل السعادة ...
وهكذا درج العمل بالأمر والنهي ودرك ترك العمل بهما ودرج القول بالأمر والنهي ودرك
تركهما عقداً وحلاً كلاً وبعضاً، وهكذا مناسبات الجزاء كلها لا تختل، قال الله عزّ وجلّ :
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] وقال: ﴿ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾
[سورة البقرة: الآية ١٤] وقال: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [سورة هود: الآية ٣٨]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ٢٩] وقال في
الجزاء: ﴿فَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ٣٤] ثم بيّن فقال: ﴿هَلْ تُوُّبَ
اَلْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ٣٦] فعمّ بالألف واللام ورد الفعل عليهم. وقال
تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٧] ولهذا سمّي: ﴿جَزَآءَ وِفَاقًا﴾ [سورة النبأ: الآية ٢٦]
ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان جزاء، وقد ورد في المتكبرين أنهم يحشرون كأمثال الذر
يطأهم الناس بأقدامهم صغاراً لهم وذلّة ولتكبرهم على أوامر الله، فالجنة خير لا شرّ فيها والنار
شرّ لا خير فيها، فجميع علم المشرك وعمله وقوله الذي لو كان موحداً جوزي عليه في الجنة
بحسبه يعطي ذلك الجزاء للموحد الجاهل بذلك الأمر والعلم المفرط في ذلك العمل التارك
لذلك القول والجزاء عليه الذي لو كان مشركاً لحصل له في النار يعطى لذلك المشرك الذي لا
حظ له في الجنة، فإذا رأى المشرك ما كان يستحقه لو كان سعيداً يقول: يا رب هذا لي فأين
جزاء عملي الذي هذا جزاؤه؟ فإن الأعمال بمكارم الأخلاق والتحريض عليها الذي هو القول
يقتضي جزاء حسناً وقع ممّن وقع، فيقول الله له: لما عملت كذا، ويذكر له ما عمل من
مكارم الأخلاق والقول بها والعمل بمواقعها، قد جازيتك على ذلك بما أنعمت به عليك من
كذا وكذا، فيقرّر عليه جميع ما أنعمه عليه جزاء لا نعمة في خلقه المبتدأة التي ليست بجزاء
فيزنها المشرك هنالك بما قد كشف الله من علم الموازنة فيقول صدقت، فيقول الله له: فما
نقصتك من جزائك شيئاً والشرك قطع بك عن دخول دار الكرامة فتنزل فيها على موازنة هذه
الأعمال ولكن انزل على درجات تلك الأعمال فإن صاحبها منعه التوحيد أن يكون من أهل
هذه الدار، فهذا هو من الميراث الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ونذكر الكلام في هذا
الفصل في باب الجنة والنار من هذا الكتاب، فهذا هو الانتقال الذي بين أهل السعادة وأهل
الشقاء، فإن المؤمن هنا في عبادة والعبادة تعطيه الخشوع والذلة والكافر في عزّة وفرحة، فإذا
كان في هذا اليوم يخلع عزّ الكافر وسروره وفرحه على المؤمن، ويخلع ذل المؤمن وخشوعه
الذي كان لباسه في عبادته في الدنيا على الكافر يوم القيامة قال تعالى: ﴿خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٥] فإن هذا النظر هو حال الذليل لا يقدر يرفع
رأسه من القهر، وذلك الخشوع من الكافر يوم القيامة والذلة والنظر المنكسر الذي لا يرفع
بسببه رأسه إنما هو لله تعالى خوفاً منه، وهذا كان حال المؤمن في الدنيا لخوفه من الله، فذلك
يوم التغابن حيث يرى الإنسان صفة عزّه وسروره وفرحه على غيره، ويرى ذلّ غيره وغمّه
وحزنه على نفسه، فالحكم الله العليّ الكبير.
ويتضمن هذا المنزل من العلوم علم سؤال الحق عباده السعداء عن مراتب الأشقياء

٤٦٤
في المنازل/ الباب السادس والتسعون ومائتان في معرفة منزل انتقال صفات أهل السعادة ...
بأيّ اسم يسأل، وعلم المناسبات، وعلم ما تعطيه الأفكار، وعلم الكيفيات وهو على
ضربين: ضرب منه لا يعرف إلاَّ بالذوق، وضرب منه يدرك بالفكر وهو من باب التوسع في
الخطاب لا من باب التحقق، فإن التحقق بعلم الكيفيات إنما هو ذوق، ولقد نبهني الولد
العزيز العارف شمس الدين إسماعيل بن سودكين التوري على أمر كان عندي محققاً من غير
الوجه الذي نبهنا عليه هذا الولد ذكرناه في باب الحروف من هذا الكتاب وهو التجلي في
الفعل هل يصح أو لا يصحّ؟ فوقتاً كنت أنفيه بوجه، ووقتاً كنت أثبته بوجه يقتضيه ويطلبه
التكليف، إذ كان التكليف بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيم عليم يقول: اعمل وافعل
لمن يعلم أنه لا يعمل ولا يفعل إذ لا قدرة له عليه، وقد ثبت الأمر الإلهيّ بالعمل للعبد
مثل: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [سورة آل
عمران: الآية ٢٠٠] ﴿وَجَهِدُواْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] فلا بدّ أن يكون له في المنفعل عنه تعلق
من حيث الفعل فيه يسمّى به فاعلاً وعاملاً، وإذا كان هذا فبهذا القدر من النسبة يقع التجلي
فيه، فبهذا الطريق كنت أثبته وهو طريق مرضي في غاية الوضوح يدل أن القدرة الحادثة لها
نسبة تعلق بما كلفت عمله لا بدّ من ذلك، ورأيت حجة المخالف واهية في غاية من
الضعف والاختلال، فلما كان يوماً فاوضني في هذه المسألة هذا الولد إسماعيل بن سودكين
المذكور فقال لي: وأيّ دليل أقوى على نسبة الفعل إلى العبد وإضافته إليه والتجلي فيه إذ
كان من صفته من كون الحق خلق الإنسان على صورته، فلو جرّد عنه الفعل لما صحّ أن
يكون على صورته ولما قبل التخلّق بالأسماء، وقد صحّ عندك وعند أهل الطريق بلا خلاف
أن الإنسان مخلوق على الصورة وقد صحّ التخلّق بالأسماء فلم يقدر أحد أن يعرف ما دخل
عليّ من السرور بهذا التنبيه، فقد يستفيد الأستاذ من التلميذ أشياء من مواهب الحق تعالى
لم يقض الله للأستاذ أن ينالها إلاَّ من هذا التلميذ، كما نعلم قطعاً أنه قد يفتح للإنسان
الكبير في أمر يسأله عنه بعض العامة ممّا لا قدر له في العلم ولا قدم، ويكون صادق
التوجه في هذا العلم المسؤول عنه، فيرزق العالم في ذلك الوقت لصدق السائل علم تلك
المسألة، ولم تكن عنده قبل ذلك عناية من الله بالسائل، وتضمنت عناية الله بالسائل أن
حصل للمسؤول علماً لم يكن عنده، ومن راقب قلبه يجد ما ذكرناه، فالحمد لله الذي
استفدنا من أولادنا مثل ما استفاده شيوخنا منا أموراً كانت أشكلت عليهم، ويتضمن هذا
المنزل علم التبليغ عن الله إلى خلقه من رسول ونبي ووارث، ويتضمن علم السياسة في
التعليم بباب اللطف من حيث لا يشعر المطلوب بذلك، ويتضمن علم الجزاء المطلق
والمقيد، فالمطلق مجازاة العبد ربه مثل الشكر على المنعم، ومجازاة الله العبد مثل المزيد
فيما وقع عليه الشكر من العبد، والمجازاة المقيدة هي جزاء الله العبد في الدار الآخرة فإنها
ليست بدار تكليف قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ﴾ في موطن التكليف وهو الدنيا ﴿أُوْفٍ بِعَدِكُمْ﴾
[سورة البقرة: الآية ٤٠] في الدارين معاً دنيا وآخرة، وهذا القدر كافٍ في هذا الباب إن شاء الله
تعالى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٤٦٥
في المنازل/ الباب السابع والتسعون ومائتان في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الإنسية
الباب السابع والتسعون ومائتان في معرفة منزل ثناء تسوية
الطينة الإنسية في المقام الأعلى من الحضرة المحمدية
[نظم : الوافر]
على صفة المُسَوَّى بالسَّوَاءِ
تنزَّهُ أيها الخَلَقُ المُسَوَّى
وجاء به الرَّسولُ من السماءِ
بما تُعطيه مَأْمَنَةُ الرَّجاءِ
ولا تنظُزْ إلى ما حَالَ منه
فإن خفْتَ الرَّجَا أيّدتَ فيه
أقيمُ بها رُخَاءً من رُخَاءِ
سُلَيْمانِيَّةٌ وقفَتْ أمامي
إلهيٍّ بمَنْزلةِ الصَّفاءِ
وقفتُ على الصَّفَا أَعْنو لسرْ
لأعلو فوقَ مَنْزِلةِ السّهَاءِ
وخضْتُ حَيَا النفوسِ على حَياءٍ
وعائَقْتُ الغزالةَ في سَنَاها
وجاوزْتُ العقولَ بغير حدِّ
قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] فما من صورة في
العالم - وما في العالم إلاَّ صور - إلاَّ وهي مسبحة خالقها بحمد مخصوص ألهمها إياه، وما
من صورة في العالم تفسد إلاَّ وعين فسادها ظهور صورة أخرى في تلك الجواهر عينها مسبحة
الله تعالى حتى لا يخلو الكون كله عن تسبيح خالقه، فتسبحه أعيان أجزاء تلك الصورة بما
يليق بتلك الصورة، والصور التي في العالم كلها نسب وأحوال لا موجودة ولا معدومة، وإن
كانت مشهودة من وجه ما فليست بمشهودة من وجه آخر، وعين زمان فناء تلك الصور عين
زمان وجود تلك الصور أي عين فسادها هو عين الأخرى لا أنه بعد الفساد تحدث الأخرى.
واعلم إذا علمت هذا أن العالم كله ما عدا الإنس والجان مستوفى الكشف لما غاب عن
الإحساس البشري، فلا يشاهد أحد من الجن والإنس ذلك الغيب إلاَّ في وقت خرق العوائد
لكرامة يكرمه الله بها أو خاصية أمر ما من الأمور التي تعطي كشف الغيوب، كما أن كل جماد
ونبات وحيوان في العالم كله وفي عالم الإنسان والجن وأجسام الملائكة والأفلاك وكل صورة
يدبرها روح محسوساً كان ذلك التدبير فيمن ظهرت حياته أو غير محسوس فيمن بطنت حياته
كأعضاء الإنسان وجلوده وما أشبه ذلك، كل هؤلاء في محل كشف الغيوب الإلهية المستورة
عن الأرواح المدبرة لهذه الأجسام من ملك وإنس وجن لا غير فإنها محجوبة عن إدراك هذا
الغيب الإلهيّ إلاَّ بخرق عادة في بعضهم أو في كلهم، وقد عرفت أن الحجر والحيوان
والنبات عرف من هذا الباب نبوّة محمد له وهو من الغيوب الإلهية فيجهل كل روح مثل هذا
إلاَّ أن يعرفه الله به إلاَّ من ذكرناهم فإنهم يعرفونه بالفطرة التي فطرهم الله عليها، إذا ظهرنا
داهم الحق به في ذواتهم باسمه وإذا حضر بعينه. أخبرني يوسف بن يخلف الكومي من أكبر
من لقيناه في هذا الطريق سنة ست وثمانين وخمسمائة رحمه الله قال: أخبرني موسى السرداني
وكان من الأبدال المحمولين قال: لما مشيت أنا ورفيقي إلى الحبل المسمّى قاف وهو جبل
محيط بالبحر المحيط بالأرض وقد خلق الله حية على شاطىء ذلك البحر بين البحر والجبل
دارت بجسمها بالبحر المحيط إلى أن اجتمع رأسها بذنبها فوقفنا عندها فقال لي صاحبي :
الفتوحات المكية ج٤ - م٣٠

٤٦٦
في المنازل/ الباب السابع والتسعون ومائتان في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الإنسية
سلم عليها فإنها ترد عليك، قال موسى: فسلمت عليها فقالت: وعليك السلام ورحمة الله
وبركاته، ثم قالت لي: كيف حال الشيخ أبي مدين؟ وكان أبو مدين ببجاية في ذلك الوقت
فقلت لها: تركته في عافية وما علمك به؟ فتعجبت وقالت: وهل على وجه الأرض أحد لا
يحبه أو يجهله؟ إنه والله مذ اتخذه الله ولياً نادى به في ذواتنا وأنزل محبته إلى الأرض في
قلوبنا، فما من حجر ولا مدر ولا شجر ولا حيوان إلا وهو يعرفه ويحبه، فقلت لها: والله لقد
ثم أناس يريدون قتله لجهلهم به وبغضهم فيه، فقالت: ما علمت أن أحداً يكون على هذه
الحال فيمن أحبه الله .
فهذا من ذلك الباب، ومنه شهادة الأيدي والأرجل والجلود والأفواه والألسنة التي هي
في نظرنا خرس هي ناطقة في نفس الأمر، فكل مخلوق ما عدا بني آدم في مقام الخشوع
والتواضع إلاَّ الإنسان فإنه يدعي الكبرياء والعزّة والجبروت على الله تبارك وتعالى، وأما الجن
فتدعي ذلك على من دونها في زعمها من المخلوقين كاستكبار إبليس من حيث نشأته على آدم
عليه السلام ولذا قال: ﴿َأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦١] لأنه رأى عنصر النار
أشرف من عنصر التراب وقال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية
١٢] فلم يتكبر على الله عزّ وجلّ، فاختصّ الإنسان وحده من سائر المخلوقات بهذه الصفة،
فلما حصلت مثل هذه الدعوى في الوجود وتحققت من المدعى في نفسه وفيمن اعتقد ذلك
فيه مثل فرعون ومن استخف من قومه جعل الله في الوجود أفعل من كذا بمعنى المفاضلة
كالمقرر لتلك الدعوى والمثبت لها فقال: الله أكبر، فأتى بلفظة افعل. وقال وَ له: «الله أعْلَى
وأجَلَ))، فأتى بأفعل، فكل أفعل من كذا المنعوت به جلال الله فسببه مشاركة الدعوى في تلك
الصفة لكن منها محمود ومذموم، فالمذموم ما ادّعاه فرعون والمحمود مثل قوله تعالى عن
نفسه أنه ﴿أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٤] ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] فأتى
بأفعل وأثنى على الرحماء من عباده بأن جعل نفسه أرحم منهم بخلقه. وأما تقريره العام فإن
الرحمة منهم حقيقة أوجدها فيهم فتراحموا بها، وأوجد الكبرياء في الإنسان بالصورة فتكبر
به. فإن قلت: إذا ورد أفعل فليس هو المقصود به أفعل من. قلنا: فالله يقول: ﴿أَحْسَنُ
اٌلْخَلِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] وهو هنا أفعل من بلا شك، وكذلك في حق الإنسان قال
تعالى: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فكل موجود فهو على التقويم الذي يعطيه
خلقه، وقال في الإنسان إنه خلقه في أحسن تقويم أي التقويم الذي خلقه عليه أفضل من كل
تقويم، وما صحّت له هذه الصفة التي فضل بها على غيره إلاَّ بكونه خلقه الله على صورته .
فإن قلت: فهذا التغيير الذي يطرأ على الإنسان في نفسه وصورة الحق لا تقبل التغيير. قلنا:
الله يقول في هذا المقام: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] وقال ◌َّ: ((فرغ
ربك)) وقال: يتجلى في أدنى صورة، ثم يتحوّل عند إنكارهم إلى الصورة التي عرفوه فيها
بالعلامة التي يعرفونها فقد أضاف إلى نفسه هذا المقام وهو العلي عن مقام التغيير بذاته
والتبديل، ولكن التجليات في المظاهر الإلهية على قدر العقائد التي تحدث للمخلوقين مع

٤٦٧
في المنازل الباب السابع والتسعون ومائتان في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الإنسية
الآنات تسمّى بهذا المقام، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه وكذلك هو فيصح ما ذكرناه ويرتفع
الاعتراض الوهمي تعالى الله علواً كبيراً.
وممّا يتضمن هذا المنزل من العلوم علم أسماء الأسماء وأن نها من الحرمة ما للمسمى
بأسمائها، فالحروف المرقومة في الصحف أعيان كلام يفهم منها كلام الله الذي هو موصوف
به ولماذا يرجع ذلك الوصف علم آخر اختلف الناس فيه ولا حاجة لنا في الخوض في ذلك،
فالحق سبحانه من كونه متكلماً يذكر نفسه بأسمائه بحسب ما ينسب إليه الكلام الذي لا تكيف
نسبته، ولتلك الأسماء أسماء عندنا في لغة كل متكلم، فيسمّى بلغة العرب الاسم الذي سمّى
به نفسه من كونه متكلماً الله، وبالفارسية خداي، وبالحبشية واق، وبلسان الفرنج کربطور،
وهكذا بكل لسان. فهذه أسماء تلك الأسماء وتعددت لتعدد النسب فهي معظمة في كل طائفة
من حيث ما تدل عليه، ولهذا نهينا عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو وهو خط أيدينا
أوراق مرقومة بأيدي المحدثات بمداد مركب من عفص وزاج، فلولا هذه الدلالة لما وقع
التعظيم لها ولا الحقارة ولهذا يقال: كلام قبيح وكلام حسن في عرف العادة وفي عرف الشرع
وأمثال ذلك وسببه مدلول هذه الألفاظ في الاصطلاح والوضع، وهذا علم شريف لا يدركه
سوى أهل الكشف على ما هو الأمر عليه، فليس بأيدينا سوى أسماء الأسماء، فإذا وقع التنزيه
لأسماء الأسماء فتنزيه العبد الكامل أولى بالحرمة لأجل الصورة ولا سيما الوجه، إذ كان
الوجه أشرف ما في ظاهر الإنسان لكونه حضرة جميع القوى الباطنة والظاهرة، ووجه كل
شيء ذاته. مرّ رسول الله وَّر على رجل وهو يضرب وجه غلام له فقال له رسول الله الحل:
((اتَّقِ الوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) وهو محل الإقبال على الله دون غيره من الجهات
فهي الجهة العظمى.
ومن علوم هذا المنزل العلم بالفرق بين الخلق والتقدير، فالتقدير متعلق الاسم المدبر
والمفصل لا غيرهما من الأسماء وقد قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيْتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢]
وكلا الإسمين تحت حيطة الاسم العالم ولا دخول للاسم القادر في هذه الحضرة، فإن هذه
الأسماء الثلاثة راجعة إلى ذات الحق، ولا يكون الحق مقدوراً لنفسه فلا حكم للاسم القادر
هنا، فالاسم المقدر هو المعتبر في هذه المرتبة، والخلق يطلب الاسم القادر عقلاً ويطلب
الاسم القائل كشفاً وشرعاً، وإنما قلنا كشفاً ليفرق في ذلك بين الوليّ والنبيّ، لأن كل واحد
من هذين الرجلين يقول بهذا بخلاف ما يعطيه النظر الفكري للعقل بدليله، فكما تميّز الاسم
القادر من المقدر لفظاً ومعنى كذلك تميز الخلق من التقدير لفظاً ومعنى، فبالتقدير يقع البيان
في صور الموجودات على اختلاف ذواتها حسيّة كانت أو معنوية من عالم الحروف الرقمية أو
اللفظية أو الفكرية، ومن عالم الأعيان القائمة بأنفسها، ومن عالم الأعيان التي لا تقوم
بأنفسها، ويدخل في ذلك عالم النسب فيما في هذه الأعيان من التسوية لذوات أشخاصها في
عالم الغيب والشهادة يكون خلقاً، ولا يدخل في هذا عالم النسب لأنها ليست أعياناً وجودية،
ولا تتصف بالعدم المطلق لكونها معقولة وبما فيها كلها من التمييز الذي يتضمنه أعيانها عقلاً

٤٦٨
في المنازل/ الباب السابع والتسعون ومائتان في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الإنسية
كان أو حساً يكون للتقدير لا للخلق، فإذا ظهر عين ما ذكرناه من كل عالم للحسّ أو للعقل
عن الاسم الخالق أو المدبر المفصل والمقدر علّق نفع بعضه ببعض فنفعت الأعيان بعضها
بعضاً ودعاهم الحق إليه من خلف ستر هذه الأعيان عند توجه بعضها لبعض بالمنافع، فيدعو
كل صورة من كل صورة إليه، فمنا من يشعر فيعرف من دعاه، ومنا من يلتبس عليه ذلك ولا
يعرف كيف الأمر ويجد في نفسه قوّة الفرقان ولا يبدو له وجه الفرقان، ومنا من لا يلتبس عليه
دلك ويكون أعمى مكفوف البصر أكمه فيقول ما ثم إلاَّ ما نشاهد وهي أعيان هذه الصور،
فنحن ثلاثة أصناف: صنف سليم النظر حديد الطرف، وصنف قام به غشاء في عينيه فلا
بتحقق الصور مع معرفته أن ثم أمراً ما ولكن لا يحقق صورته، ومنا من هو أكمه ما أبصر شيئاً
قط فهو مستريح الخاطر، وما ثم صنف رابع.
وتختلف منافع هذه الصور باختلاف القوابل والسائلين، وكل سائل يسأل بحسب
حاجته وغرضه، وقد يكون ضرورياً وقد لا يكون، وعلى الحقيقة ما ثم إلاَّ ضروري ولهذا
يتعين العطاء، فإن السائل ما يسأل إلاَّ لغرض أحوجه ذلك الغرض إلى السؤال، فالغرض هو
السائل واللسان بالحال أو بالمقال هو المترجم عن ذلك الغرض، وليس لذلك الغرض حياة
إلاَّ بتحصيل ما سأل فيه، فإن لم ينله هلك، فكان المانع له ممّا سأل فيه كان سبب زوال
صورته من العالم، فنقص بمنعه صورة من العالم كانت مسبحة لله تعالى، والمحقق يريد أنه لا
زاد ولا ينقص، والأغراض قد تكون مذمومة، وإذا مكنت ممّا تطلبه وقع الإنسان في محظور
أشد من قتل هذا الغرض بما منع من سؤاله وكيف التخلص في هذه المسألة، فاعلم أنه لا
يخاطب بقضاء الأغراض على الإطلاق من هو مقيد معقول في قبضة عقل التكليف، وإنما
هذا المقام لأصحاب الأحوال المغلوب على عقولهم. فإن قلت: فالحفظ أحسن كما قال
الإمام في وله الشبلي حين قيل له إنه يرد في أوقات الصلوات فإذا فرغ حكم عليه حال الوله
وحال بينه وبين عقله الذي يعطيه الصحو، فقال الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد سيد هذه
الطائفة: الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب ولم يضف إليه الذنب، ولكن يتعلق به لسان
الذنب من حيث الصورة عند من لا يعرفه وهو في نفس الأمر غير مذنب، قال بعض
أصحابنا: فلولا أن التنزه عن جريان لسان الذنب أولى وأعظم لما حمد الله على ذلك هذا
الإمام. قلنا: ليس الأمر كما زعمت وأن هذا الإمام خاف على من لم يبلغ هذه الرتبة أن يظهر
بها وهو غير محقق بها فيخطىء فيقع في الذنب ولهم الشفقة على العالم، وإما أن يكون من
طريق الأفضلية، وكيف يكون ذلك وقد أطلق سبحانه ألسنة عباده عليه وعلى رسله بالذم
والسب، فلصاحب هذا الوله فيمن ذكرنا أسوة وعزّ فليس في ذلك فضل عندنا.
وممّا يتضمن هذا المنزل علم الرحمة التي أبطنها الله في النسيان الموجود في العالم وأنه
لو لم يكن لعظم الأمر وشقّ وفيما يقع فيه التذكّر كفاية، وأصل هذا وضع الحجاب بين العالم
وبين الله في موطن التكليف، إذ كانت المعاصي والمخالفات مقدرة في علم الله فلا بدّ من
وقوعها من العبد ضرورة، فلو وقعت مع التجلي والكشف لكان مبالغة في قلة الحياء من الله

٤٦٩
في المنازل/ الباب السابع والتسعون ومائتان في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الإنسية
حيث يشهده ويراه والقدر حاكم بالوقوع فاحتجب رحمة بالخلق لعظيم المصاب، ألا تراهم
في الأمور المدبرة بالعقل الجارية على السداد العقلي إذا أراد الله إمضاء قضائه وقدره في أمر
ما أخفى فى ذلك الأمر حكمته وعلمه الذي أجراه له ممّا لا يقتضيه نظر العقل، فإذا أمضاه ردّ
عليهم عقولهم ليعلموا أن الله قد رحمهم بزوال العقل في ذلك الحين لرفعِ المطالبة،
قال بَّه: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ نَفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سَلَبَ ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهُمْ حَتَّى إِذَا أَمْضَى فِيهِمْ
قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ رَدَّها عَلَيْهِمْ لِيَعْتَبِرُوا)) وقال ◌ِّهِ: ((رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فَلاَ يُؤَاخِذُهُم
اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ) فأما في الآخرة فمجمع عليه من الكل، وأما في الدنيا فأجمعوا
على رفع الذنب، واختلفوا في الحكم وكذلك في الخطأ على قدر ما شرع الشارع في
أشخاص المسائل، فمن أفطر ناسياً في رمضان فطائفة أوجبت القضاء عليه مع رفع الإثم،
وقوم لم يوجبوا القضاء عليه مع ارتفاع الإثم أيضاً فإن الله أطعمه وسقاه، هذا قول الشارع
فيه، فهذا من الرحمة المبطونة فيه أعني في النسيان، وكذلك ما نسي من القرآن ولم يتذكر
فينقل إلينا فيكون زيادة علينا في التكليف فرحم عباده بذلك، وقد كان ◌َ# يقول: ((اتْرُكُونِي
ما تَرَكْتُكُمْ)) وقال: ((لَوْ قُلْتُ نَعَمْ - للسَّائِلِ عَنِ الحَجِّ فِي كُلْ عَامٍ - لَوَجَبَتْ)) وكانت الأحكام
تحدث بحدوث السؤال عن النوازل، فكان غرض النبيّ بَّوحيّن علم ذلك أن يمتنع الناس
عن السؤال ويجرون مع طبعهم حتى يكون الحق هو الذي يتولى من تنزيل الأحكام ما شاء،
فكانت الواجبات والمحظورات تقل وتبقى الكثرة في قبيل المباحات التي لا يتعلق بها أجر ولا
وزر، فأبت النفوس قبول ذلك وأن تقف عند الأحكام المنصوص عليها فأثبتت لها عللاً
وجعلتها مقصودة للشارع وطردتها وألحقت المسكوت عنه في الحكم بالمنطوق به بعلة جامعة
بينهما اقتضاها نظر الجاعل المجتهد، ولو لم يفعل لبقي المسكوت عنه على أصله من الإباحة
والعافية، فكثرت الأحكام بالتعليل وطرد العلة والقياس والرأي والاستحسان: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ
نَسِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٤] ولكن بحمد الله جعل الله في ذلك رحمة أخرى لنا لولا أن الفقهاء
حجرت هذه الرحمة على العامّة بإلزامهم إياها مذهب شخص معين لم يعينه الله ولا رسوله،
ولا دلّ عليه ظاهر كتاب ولا سنة صحيحة ولا ضعيفة، ومنعوه أن يطلب رخصة في نازلته في
مذهب عالم آخر اقتضاه اجتهاده وشدّدوا في ذلك وقالوا هذا يفضي إلى التلاعب بالدين
وتخيّلوا أن ذلك دين وقد قال النبي ◌َّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)) فالرخص ممّا
تصدق الله بها على عباده.
وقد أجمعنا على تقرير حكم المجتهد وعلى تقليد العامي له في ذلك الحكم لأنه عنده
عن دليل شرعي سواء كان صاحب قياس أو غير قائل به، فتلك الرخصة التي رآها الشافعي في
مذهبه على ما اقتضاه دليله قد قرّرها الشرع، فيمنع المفتي من المالكية المالكي المذهب أن
يأخذ برخصة الشافعي التي تعبده بها الشارع، وإنما أضفناها إلى الشارع لأن الشرع قرّرها
بمنعه ممّا يقتضيه الدليل في الأخذ به بأمر لا يقتضيه الدليل الذي لا أصل له، وهو ربط الرجل
نفسه بمذهب خاص لا يعدل عنه إلى غيره ويحجر عليه ما لم يحجر الشرع عليه، وهذا من

٤٧٠
في المنازل/ الباب السابع والتسعون ومائتان في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الإنسية
أعظم الطوام وأشق الكلف على عباد الله، فالذي وسع الشرع بتقرير حكم المجتهدين من هذه
الأمة ضيقة عوام الفقهاء. وأما الأئمة مثل أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي
فحاشاهم من هذا ما فعله واحد منهم قط ولا نقل عنهم أنهم قالوا لأحد اقتصر علينا ولا
قلّدني فيما أفتيتك به بل المنقول عنهم خلاف هذا رضي الله عنهم.
وممّا يتضمنه هذا المنزل الفرق بين تعلّق علمه سبحانه بما يسره العبد في نفسه وبين ما
يبديه ويظهره، وهل يرجع ذلك إلى نسبة واحدة أونسبتين؟ ويتعلق بهذا الباب ما يريده الحق
بقوله تعالى: ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلٍ خَيْر
مِنْهُمْ)) فهاتان حالتان في الذكر والعلم، فاعلم أن للحق سبحانه غيباً ومظهراً، فبما هو غيب له
الاسم الباطن وهو ذكره عبده في نفسه وعلمه بما يسرّه، ومع ذلك الاسم يكون سر العبد
الذي يعلمه الحق وذكر النفس الذي يذكر العبد به ربه وبما له المظهر من الاسم الظاهر وهو
ذكره تعالى عبده في ملأ من ملائكته أو ملأ الأسماء الإلهية، وعلمه بما يبديه العبد في عالم
الشهادة، ومع ذلك الاسم يكون علانية العبد التي يعلمها الحق وذكر العلانية التي يذكر العبد
به ربه. وأما العلم بما هو أخفى من السر فهو ما لا يعلمه إلاَّ الله وحده لا علم لهذا العبد به
ولا يمكن أن يعلمه إلاَّ الله وهو علمه بنفسه، وما عدا هذا العلم فهو إما علم سرّ أو علم
علانية، فمتعلق العلم ثلاثة أشياء: الجهر والسرّ وما هو أخفى من السرّ، ومتعلق الذكر
أمران: ذكر الملأ وهو نوعان: ملأ الأسماء وملأ الملائكة، والأمر الآخر ذكر النفس فتساوى
الذكر مع العلم في التقسيم.
وممّا يتضمن هذا المنزل كون الإنسان قد أودع الله فيه علم كل شيء ثم حال بينه وبين
أن يدرك ما عنده ممّا أودع الله فيه، وما هو الإنسان مخصوص بهذا وحده بل العالم كله على
هذا، وهو من الأسرار الإلهيّة التي ينكرها العقل ويحيلها جملة واحدة وقرّبها من الذوات
الجاهلة في حال علمها قرب الحق من عبده وهو قوله تعالى: ﴿وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا
نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] ومع
هذا القرب لا يدرك ولا يعرف إلاَّ تقليداً، ولولا إخباره ما دل عليه عقل، وهكذا جميع ما لا
يتناهى من المعلومات التي بعلمها هي كلها في الإنسان وفي العالم بهذه المثابة من القرب وهو
لا يعلم ما فيه حتى يكشف له عنه مع الآنات، ولا يصحّ فيه الكشف دفعة واحدة لأنه يقتضي
الحصر، وقد قلنا إنه لا يتناهى، فليس يعلم إلاَّ شيئاً بعد شيء إلى ما لا يتناهى، وهذا من
أعجب الأسرار الإلهية أن يدخل في وجود العبد ما لا يتناهى كما دخل في علم الحق ما لا
يتناهى من المعلومات وعلمه عين ذاته، والفرق بين تعلّق علم الحق بما لا يتناهى وبين أن
يودع الحق في قلب العبد ما لا يتناهى أن الحق يعلم ما في نفسه وما في نفس عبده تعييناً
وتفصيلاً، والعبد لا يعلم ذلك إلاَّ مجملاً، وليس في علم الحق بالأشياء إجمال مع علمه
بالإجمال من حيث إنّ الإجمال معلوم للعبد من نفسه ومن غيره، فكل ما يعلمه الإنسان دائماً
وكل موجود فإنما هو تذكر على الحقيقة وتجديد ما نسيه، ويحكم هذا المنزل على أن العبد

في المنازل/ الباب الثامن والتسعون ومائتان في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي في الحضرة المحمدية ٤٧١
أقامه الحق في وقت ما في مقام تعلق علمه بما لا يتناهى وليس بمحال عندنا، وإنما المحال
دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تعلق العلم به. ثم إن الخلق أنساهم الله ذلك كما أنساهم
شهادتهم بالربوبية في أخذ الميثاق مع كونه قد وقع وعرفنا ذلك بالإخبار الإلهيّ، فعلم
الإنسان دائماً إنما هو تذكر، فمنا من إذا ذكر تذكر أنه قد كان علم ذلك المعلوم ونسيه كذي
النون المصري، ومنا من لا يتذكر ذلك مع إيمانه به أنه قد كان يشهد بذلك ويكون في حقه
ابتداء علم، ولولا أنه عنده ما قبله من الذي أعلمه ولكن لا شعور له بذلك ولا يعلمه إلاَّ من
نور الله بصيرته وهو مخصوص بمن حاله الخشية مع الأنفاس وهو مقام عزيز لأنه لا يكون إلاَّ
لمن يستصحبه التجلي دائماً، ويتضمن هذا المنزل مسائل ذي النون المشهورة وهي إيجاد
المحال العقلي بالنسب الإلهيّة، ويتضمن علم المفاضلة بين المتنافرين من جميع الوجوه،
ويتضمن أن كل جوهر في العالم يجمع كل حقيقة في العالم، كما أن كل اسم إلهيّ مسمّى
بجميع الأسماء الإلهية وذلك قوله تعالى: ﴿قَلِ آَدِّعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ
اٌلْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] وهذا العلم خاصة انفردت به دون الجماعة في علمي، فلا
أدري هل عثر عليه غيري وكوشف به أم لا من جنس المؤمنين أهل الولاية لا جنس الأنبياء.
وأما في الأسماء الإلهية فقد قال به أبو القسم بن قسي في خلع النعلين له، فرحم الله عبداً
بلغه أن أحداً قال بهذه المسألة عن نفسه كما فعلت أنا أو عن غيره فيلحقها بكتابي هذا في هذا
الموضع استشهاد إليّ فيما ادعيته فإني أحب الموافقة، وأن لا أنفرد بشيء دون أصحابي، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والتسعون ومائتان
في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي في الحضرة المحمدية
[نظم: البسيط]
وزهرُ روضِكَ من زَهْرِ السَّمواتِ
زَهْرُ المعارف من زَهْرِ الرِّیاضاتِ
فللجُسوم علومٌ ليس يُشْبهها
حقائقُ الحقُّ لا تَخْفَى مداركُها
وما سواها فإدراكٌ بواسطةٍ
هَزْلُ الأكابر جِدُّ عن مُشَاهدةٍ
إمهالُهم ليس إهمالاً لعِلْمِهِمُ
إن الرجالَ وإن حقَّقْتَ نسبَتَهم
إن قلتَ هُمْ فَهُمْ أو قلت لا فَهُمُ
لأنه ليس تُفْنيهم مَظَاهِرُهُ
علمُ النّفوس لأسبابٍ وآفاتِ
لأن إدراكَها للذات بالذَّاتِ
بما يراه مِنَ اغُلام وآياتٍ
في طَيِّهِ عندهم مَكْرُ الكراماتِ
بأن ذلك مَزبوطُ بأوقاتِ
إلى أبٍ واحدٍ أولادُ عَلَأَّتِ
لكونِهم بين آلام ولَذَّاتِ
وهي المُعَبَّرُ عنها بالْسِتَاراتِ
اعلم وفقك الله أن شيخنا أبا العباس العريبي كان ممّن تحقق بهذا المنزل وفاوضناه فيه
مراراً فكانت قدمه فيه راسخة رحمه الله. واعلم أن هذا المنزل قد جمع بين المشقة الشديدة

٤٧٢ في المنازل/ الباب الثامن والتسعون ومائتان في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي في الحضرة المحمدية
والأمور التي لا تُنال إلاَّ بالقهر الشديد والآفات المانعة عن إدراك المطلوب، وبين الرفق
وارتفاع الآفات والوصول إلى المطلوب بالراحة المستلذة المعشوقة للنفوس، وما بين هاتين
الصفتين شدائد عظام، فأوّل علم يتضمن هذا المنزل علم الخروج عن الطبع، فاعلم أن
الحركات منها طبيعية ومنها قسرية، فلا تتخيل أن الحركة الطبيعية تعطي لذة، والحركة
القسرية تعطي ألماً لخروجك عن الطبع، قد يكون الأمر كذلك وقد يكون على النقيض، فلو
وقع الإنسان من علو عظيم لكان نزوله إلى الأرض عن حركة طبيعية، ولكن إذا وصل إلى
الأرض ربما تكسرت أعضاؤه وتضاعفت آلامه، وسببه الاضطراب الذاتي وعدم موافقة
الاختيار الذي تطلبه ربانيته المودعة فيه التي قيل له أخرج عنها فما فعل، والحركة القسرية هي
أن يعرج به فيرى من الآيات والفرح والانفساحات والتنزه على قدر ما علت به تلك الحركة
القسرية التي أخرجته عن طبعه واضطراره ووافقته في اختياره، فلا تفرح بكل ما يقتضيه الطبع
فإنه أيضاً ما قبل الحركة القسرية إلاَّ بطبعه فالطبع لا يفارقه حكمه في الحركتين.
واعلم أن الصفات التي جبل عليها الإنسان لا تتبدل فإنها ذاتية له في هذه النشأة الدنيا،
والمزاج الخاص من الجبن والشح والحسد والحرص والنميمة والتكبر والغلظة وطلب القهر
وأمثال هذا، ولما لم يتجه تبدلها بين الله لها مصارف صرفها إليها حكماً مشروعاً، فإن صرفت
إليها أحكام هذه الصفات سعدت ونالت الدرجات فجبنت عن إتيان المحارم لما تتوقعه من
المضرة وشحت بدينها وحسدت منفق المال وطالب العلم وحرصت على الخير وسعت بين
الناس بإيصال الخير، فنمت به كما تنم الروضة بما فيها من الأزهار الطيبة الريح، وتكبرت
بالله على من تكبر على أمر الله، وأغلظت القول والفعل في المواطن التي تعلم أن ذلك في
مرضاة الله، وطلبت القهر على من ناوى الحق وقاواه، فلم تزل هذه النفس عن صفاتها
وصرفتها في المصارف التي يحمدها عليها ربها وملائكته ورسله، فالشرع ما جاء إلاَّ بما
يساعده الطبع، فلا أدري من أين ينال الإنسان المشقة وما حجر عليه ما يقتضيه طبعه من هذه
الصفات بتبيين المصارف، فما هلك الناس إلاَّ بسلطان الأغراض، فإنه الذي أدخل الألم
عليهم والمكروه، فلو أن الإنسان يصرف غرضه إلى ما أراده له خالقه لاستراح، قيل لأبي
يزيد: ما تريد؟ قال: أريد أن لا أريد أي اجعلني مريداً لكل ما تريد حتى لا يكون إلاَّ ما يريد
الحق سبحانه، فما يريد بعباده إلاَّ اليسر، ولا يريد بهم العسر، ويريد لهم الخير وليس إليه
الشرّ، كما ورد في الخبر الصحيح: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرْ لَيْسَ إِلَيْكَ)) وإن كان الكل
من عند الله بحكم الأصل.
ولما كان خروج الإنسان عن أن يكون مريداً محالاً وأنه أوّل ما كان يقدح ذلك في
الطاعات فيفعلها من غير نية مشروعة فلا تكون طاعة، وإنما طلب أبو يزيد الخروج عن
الأغراض النفسية التي لا توافق مرضاة الحق عزّ وجلّ. واعلم أن المشي في الظلمة بغير
سراج وضوء في طريق كثيرة المهالك والحفر والأوحال والمهاوي والحشرات المؤذية التي لا
يتقي شيء من هذا كله إلا أن يكون الماشي فيها بضوء یری به حيث يجعل قدمه ويجتنب به ما

في المنازل/ الباب الثامن والتسعون ومائتان في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي في الحضرة المحمدية ٤٧٣
ينبغي أن يجتنب ممّا يضره من مهواة يهوي فيها أو مهلك يحصل فيه أو حية تلدغه، وليس له
ضوء سوى نور الشرع الذي قال فيه تعالى: ﴿نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [سورة الشورى:
الآية ٥٢] وقال: ﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٠] وقال: ﴿نُورُ عَلَى
نُورٍّ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] فإذا اجتمع نور الشرع مع نور بصر التوفيق والهداية بان الطريق
بالنورين، فلو كان نور واحد لما ظهر له ضوء، ولا شك أن نور الشرع قد ظهر كظهور نور
الشمس ولكن الأعمى لا يبصره، كذلك من أعمى الله بصيرته لم يدركه فلم يؤمن به، ولو
كان نور عين البصيرة موجوداً ولم يظهر للشرع نور بحيث أن يجتمع النوران فيحدث الضوء
في الطريق لما رأى صاحب نور البصيرة كيف يسلك لأنه في طريق مجهولة لا يعرف ما فيها
ولا أين تنتهي به من غير دليل وموقف، فهذا الشخص الماشي في هذه الطريق إن لم يحفظ
سراجه من الأهواء أن تطفئه بهبوبها وإلاَّ هبت عليه رياح زعازع فأطفأت سراجه وذهب نوره،
وهو كل ريح يؤثر في نور توحيده وإيمانه، فإن هبت ريح لينة تميل لسان سراجه وتحيره حتى
يتحير عليه الضوء في مشاهدة الطريق فتلك الريح، كمتابعة الهوى في فروع الشريعة وهي
المعاصي التي لا يكفر بها الإنسان ولا تقدح في توحيده وإيمانه، فلقد خلقنا لأمر عظيم،
ولكن إذا اقتحمنا هذه الشدائد وقاسينا هذه المكاره حصلنا على أمر عظيم وهو سعادة الأبد
التي لا شقاء فيها .
وممّا يتضمن هذا المنزل علم الوقت الذي يصحبه فيه القرينان من الملك والشيطان،
فاعلم أن الإنسان إذا خلقه الله في أمّة لم يبعث فيها رسول لم يقترن به ملك ولا شيطان ويبقى
يتصرف بحكم طبعه ناصيته بيد ربه خاصة، فكل ما يمشي فيه في ذلك الوقت فهو على صراط
مستقيم، فإن ربه على صراط مستقيم، قال تعالى: ﴿مَا مِن دَآبَةٍ إلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِىِ
عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فإذا بعث فيهم رسول أو خلق في أمة فيهم رسول لزمه
من حين ولادته قرينان: ملك وشيطان من حين يولد لأجل وجود الشرع، وأعطى كل واحد
من القرينين لمة يهمزه ويقبضه بها، ولا تقل إن المولود غير مكلف فلماذا يقرن به هذان
القرينان؟ فاعلم أن الله ما جعل له هذين القرينين في حق المولود، وإنما ذلك من أجل مرتبة
والديه أو من كان فيهمزه القرين الشيطاني فيبكي أو يلعب بيده فيفسد شيئاً ممّا يكره فساده أبوه
أو غيره، فتكون تلك الحركة من المولود الغير مكلف سبباً مثيراً في الغير ضجراً وتسخطاً
كراهة لفعل الله فيتعلق به الإثم فلهذا يقرن به الشيطان لا لنفسه وكذلك الملك وهو كل حركة
تطرأ من المولود ممّا تثير في نفس الغير أمراً موجباً للشرّ أو للخير، فإن كان شراً فمن
الشيطان، وإن كان خيراً فمن الملك، وليس للصبي الصغير قط حركة نفسية ولا ربانية حتى
يدرك، وإن لم يكن في أمة لها شرع فحركته كلها نفسية من حال ولادته إلى أن يموت ما لم
يرسل إليه رسول أو يدخل هو في دين إلهيّ يتقيد به أيّ دين كان مشروعاً من الله أو غير
مشروع، حينئذ يوكل به القرينان، إذ لم يكن للعقل أن يشرع القربات، وإن كان على مكارم
الأخلاق المعتادة في العرف المحبوبة بالطبع التي يدركها العقل ولكن لا يحكم عليها بحكم

٤٧٤ في المنازل/ الباب الثامن والتسعون ومائتان في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي في الحضرة المحمدية
أصلاً يقطع به على الله، وليس له حكم في إثبات الآخرة ولا نفيها، لكن هو متمكن بعقله من
النظر في إثبات موجده ولمن يستند في وجوده، وما ينبغي أن يكون عليه موجده من
الصفات، وما ينبغي أن يعظه به من نعوت الجلال، لكن لا على جهة المنزلة الأخراوية عنده،
ولا يعرف بعقله ما يصير إليه بعد الموت، ولا يدري هذا المدبر لبدنه ما هو ولا أين يذهب
من الميت إذا مات، ولولا أن الأمر من آدم كان ابتداؤه بالنبوّة فأخبر بما هنالك ففطنت العقول
حيث أعلمت مآل هذه النفوس فذلك الذي حرضها على البحث والنظر في ذلك وحشر
النفوس بعد الموت إلى أين يكون وكيف يجمع وصورة ما ينتقل به وإليه، وهل تنتقل مدبرة
المواد أخر أو تتجرّد عن المادة؟ وهل كان لها وجود قبل تسوية البدن في التكوين أم حدثت
بحدوث البدن؟ ووقفوا على حكم تأثيرات في العالم فراقبوا الأفلاك وحركات الكواكب ورأوا
حدوث الآثار عند تلك الحركات عن تكرار، فعلموا أن ثم نسبة بين هذا الأثر وتلك
الحركات، وأما ما لم تدرك الأعمار تكراره فذلك بإعلام النبي عليه السلام الذي كان في
زمانهم أتاهم بما أعلمه الله وأطلعه على ما اختزنه في تلك الحركات العلوية من الآثار
العنصرية وأعلمهم حكمها في الدنيا والآخرة، وليس مثل هذا كله من مدركات العقول من
غير موقف، فلولا التعريف الإلهيّ في هذه الدار والدار الآخرة ما عرف أحد شيئاً ممّا هنالك.
واعلم أن كل مخلوق ما سوى الإنس والجان مفطورون على تعظيم الحق والتسبيح
بحمده، وكذلك أعضاء جسد الإنس والجان كلها ولكن لا على جهة التقريب وابتغاء المنزلة
العظمى بل التسبيح لهم كالأنفاس في المتنفسين لما تستحقه الذات، وهكذا يكون تسبيح
الإنس والجان في الجنة والنار لا على طريق القربة ولا ينتج لهم قربة، بل كل واحد منهم
على مقام معلوم، فتصير العبادة طبيعية تقتضيها حقائقهم ويرتفع التكليف ولا يتصوّر منهم
مخالفة لأمر الله إذا ورد عليهم، ولا يبقى هنالك نهي أصلاً بعد قوله لأهل النار: ﴿أَخْسَثُواْ فِيهَا
وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٠٨] وكلامنا إذا نزل الناس منازلهم في كل دار وغلقت
الأبواب واستقرت الداران بأهلها الذين هم أهلها وارتفع شأن أرض الحشر وعادت كلها ناراً
وصار كل ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى منتهى أسفل سافلين داراً واحدة تسمّى
جهنم تحوي على حرور وزمهرير وبينهما برازخ يكون فيها التكوينات في الجلود التي يقع فيها
التبديل عند الإنضاج ﴿خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] يريد المدة
التي كانت الأرض عليها من يوم خلقها الله إلى يوم التبديل، وكانت العرب التي نزل القرآن
بلسانها تطلق هذه اللفظة وتريد بها التأييد وهي منقطعة بالخبر الإلهيّ وتعريف النبي ◌َلّ إلاَّ ما
شاء ربك بما يرزقون في النار من اللذة والنعيم بها ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ [سورة هود: الآية
١٠٧] وفي الجنة ﴿ خَلِدِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ التَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ من حيث جوهرهما لا من حيث
صورتهما، ولهذا قال: عطاء غير مجذوذ، أي غير مقطوع، ويقع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا
شَآءَ رَبِّكَ﴾ من زوال صورتهما إذ كانت السماء سماء والأرض أرضاً، فإنا نعلم أن جوهر
السماء هو جوهر الدخان وتبدّلت عليه الصور، فالجوهر الذي قبل صورة الدخان هو الذي

في المنازل/ الباب الثامن والتسعون ومائتان في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي في الحضرة المحمدية ٤٧٥
قبل صورة السماء كما قبل جوهر الطين، والحجر صورة البيت فإذا تهدم البيت ويبس الطين
ذهبت صورة البيت والطين وبقي عين الجوهر، وكذلك العالم كله بالجوهر واحد وبالصور
يختلف فاعلم ذلك، فيكون الاستثناء في حق أهل النار لمدة عذابهم، ويكون الاستثناء في
حق أهل الجنة على معنى: ((إلاَّ أن يشاء ربك)) وقد شاء أن لا يخرجهم فهم لا يخرجون فإن
الله ما شاء ذلك بقوله ﴿عَطَاءٌ غَيْرَ مَجْذُوفٍ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٨] ولم يقل في أهل النار عذاباً غير
مجذوذ فافهم. فإن الخبر الصحيح المتواتر قد ورد فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
وَالسَّمَوَثُ ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤٨] ووصف السماء بأنها تصير كالدهان ووصفها بالانشقاق وأنها
تمور وقال تعالى: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةٌ كَلَدِّهَانٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣٧] أي مثل الدهن الأحمر في
اللون والسيلان، فهذا كله أخبار عن ذهاب الصورة لا ذهاب الجوهر.
وممّا يتضمن هذا المنزل علم ما أراد الله من الإنسان أن يشتغل به في حال اعتباره
وتفكّره لما يؤدّيه ذلك النظر إليه من المعرفة بخالقه لا بربه، فإنه لكل اسم من أسماء الله في
العالم دليل خاص لا يدل على غيره من حيث هو دليل عليه، ومن هنا تعلم أن الأرض خلقت
من تموج الماء حتى أزبد فكان ذلك الزبد عين الأرض لأنه انتقل من المائية إلى الزبدية وفي
الزبد يكون الأرض، وهذا هو السبب في اختراق الصالحين لها وجلوس الميت في قبره مع
ردم الأرض عليه، وحكم كل ما خلق منها حكمها، وحكمها حكم الزبد، وحكم الزبد حكم
الماء، والماء يقبل الخرق، وتحرك الأشياء فيه فيجري حكم هذا الأصل في جميع ما وجد
عنه سواء كثف كالأرض أو سخف كالهواء والنار، لكن النار للماء بمنزلة ولد الولد، والأرض
للماء بمنزلة الولد والهواء، والزبد للماء بمنزلة أولاد الصلب، فالماء لهما أب وهو للنار جد
من جهة الهواء وللأرض جد من جهة الزبد، فبين خلق آدم والماء وجود التراب الزبد فهو ولد
ولد الولد من حيث كثافته، وكذلك بما فيه من النار وبما فيه من الهواء هو ولد الولد، وأما
خلق حواء فبينها وبين الأصل ثلاثة: آدم والتراب والزبد فهي أبعد من الأصل. وأما خلق بني
آدم فهم أقرب إلى الأصل من آدم فإنهم مخلوقون من الماء فهم من الماء مثل الزبد فهم أولاد
الماء الصلبه والزبد أخ لبني آدم وهو جد لآدم وأب للأرض، فبنو آدم أعمام للأرض، فتكون
منزلة آدم من بنيه منزلة ابن الأخ من عم أبيه، ويكون بنو آدم من آدم بمنزلة عم أبيه فهم أولاده
وهو ولد ابن أخيهم، فهم في الإسناد من هذا الوجه أقرب إلى السبب الأوّل وهو الجد
الأعلى، إلاَّ بما في آدم من الماء الذي صار به التراب طيناً ففيه إلحاق بولد الصلب بمنزلة من
نكح امرأة وهي حامل من غيره فسقى زرع غيره فله فيه بما حصل له من ذلك السقي نصيب .
وأما خلق عيسى عليه السلام فبينه وبين الماء أمه وحوّاء وآدم والأرض والزبد إلاَّ من
وجه آخر فهو يشبهنا وقليل من يعثر عليه، وقد نبّه الله على ما أومأنا إليه بقوله: ﴿فَتَمَثَلَ نَهَا
بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ١٧] لما أراد الله فسرت اللذة بالنظر إليه بعدما استعاذت منه وعرفها
أنه رسول الحق ليهب لها غلاماً زكيا فتأهبت لقبول الولد فسرت فيها لذة النكاح بمجرد النظر
فنزل الماء منها إلى الرحم فتكوّن جسم عيسى من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة

٤٧٦ في المنازل/ الباب الثامن والتسعون ومائتان في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي في الحضرة المحمدية
فيها فهو من ماء أمه، وينكر ذلك الطبيعيون ويقولون إنه لا يتكوّن من ماء المرأة شيء وذلك
ليس بصحيح، وهو عندنا أن الإنسان يتكون من ماء الرجل ومن ماء المرأة، وقد ثبت عن
النبيِ نَّه الذي لا ينطق عن الهوى أنه قال: ((إِذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ أَذْكَرَا وَإِذَا عَلاَ مَاءُ
المَزْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَنْثَا)) وفي رواية: سبق بدل علا، فقد جاء بالضمير المثنى في أذكرا وأنثا،
وقد قلنا في كتاب النكاح لنا في هذا الفصل إن المرأة والرجل إذا لم يسبق أحدهما صاحبه في
إنزال الماء وأنزلا معاً بحيث أن يختلطا ولا يعلو أحد الماءين على الآخر فإنه من أجل تلك
الحالة إذا وقعت على تلك الصورة يخلق الله الخنثى فيجمع بين الذكورة والأنوثة، فإن كانا
على السواء من جميع الجهات والاعتدال من غير انحراف ماء من أحدهما كان الخنثى يحيض
من فرجه ويمني من ذكره فيعطي الولد ويقبل الولد ممّن ينكحه، وقد روي أنه رؤي رجل
ومعه ولدان أحدهما من صلبه والآخر من بطنه، وإن انحرف الماء عن الاعتدال ولم يبلغ مبلغ
العلو على الآخر كان الحكم للمنحرف إلى العلو، فإن كان ماء المرأة حاض الخنثى ولم يمن
وإن كان ماء الرجل أمنى ولم يحض، فسبحان القدير الخلاق العليم، وهذا من أعجب
البرازخ في الحيوان ﴿لِنَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] ويكفي علم هذا القدر من هذا المنزل فإنه يتضمن مسائل
كثيرة أكثرها في تولد العالم الطبيعي بين حركات الأفلاك وتوجهاتها وتوجهات كواكبها بأشعة
النور، وبين قبول العناصر والمولدات لآثار تلك الأنوار، فيظهر من تلك الأحكام إيجاد
الأعيان والمراتب والأحوال، وهذا علم كبير طويل، ويتعلق بهذا المنزل علم الابتلاء في غير
موطن التكليف، ويتضمن علم الديوان الإلهي، ويتضمن علم وجوب الكلمة الإلهية التي لا
تتبدل، ويتضمن علم أنه ما في العالم باطل ولا عبث، وأنه حق كله بما فيه من الحق
والباطل، ويتضمن لماذا أخّر الله غالباً العقوبات إلى الدار الآخرة في حق الأكثرين وعجلها في
حق آخرين وهو المعبر عنه بإنفاذ الوعيد وهو خبر، والخبر الذي لا يتضمن حكماً لا يدخله
النسخ فقد ينفذ ما أوعد به لمن خالفه لأنه لم يخصّ بإنفاذه داراً من دار، بل قال في الدنيا:
﴿ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ﴾ [سورة الروم: الآية ٤١] وهو من جملة إنفاذ الوعيد.
فالذاهبون إلى القول بإنفاذ الوعيد مصيبون، ولكن إنفاذه حيث يعينه الحق تعالى، فإذا
أنفذه في الدنيا بمرض وألم نفسي أو حسيّ يدخله على هذا المستحق بالوعيد كان ذلك ستراً
له عن عقوبة الآخرة فهو المعبر عن ذلك هنا بالمغفرة أي لا يؤاخذ بها في الآخرة، وهذه
أحوال أكثر السعداء والسعداء الذين لا تمسهم النار ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [سورة
الأنبياء: الآية ١٠٣] ﴿الَّذِينَ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٢] ولهذا عظم
ابتلاء النفوس والبلاء المحسوس في الأمثال من الناس كالأنبياء والذين يأمرون بالقسط من
الناس من رد الحق في وجوههم وما يسمعون من الكفرة ممّا يتأذون به في نفوسهم وقد أخبر
الله بذلك، وكذلك ما سلط عليهم من القتل والضرب، كل ذلك من إنفاذ الوعيد لخطرات
وحركات تقتضيها البشرية والطبع ممّا لا يليق بالمنصب الذي هم فيه لكن هو لائق بالبشر،

في المنازل/ الباب التاسع والتسعون ومائتان في معرفة منزل عذاب المؤمنين من المقام السرياني ٤٧٧
ومن هنا يعرف قول الله تعالى لرسوله بَلّ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة
الفتح: الآية ٢] فقد قرّر الذنب وأوقع المغفرة، وأفهم من ذلك عباده أنه لا يعاقبهم في الآخرة
وما علّق المغفرة بالدنيا لما فيها من الآلام والأمراض النفسية والحسية وهو عين إنفاذ الوعيد
في حقهم، ويصحّ قول المعتزلي في هذه المسألة مسألة إيلام البريء، فإن الأشعري يجوّز
ذلك على الله ولكن ما كل جائز واقع، وكل ما يحتجون به على المعتزلة فليس هو بذلك
الطائل والانفصال عنه سهل، وليس هذا الكتاب موضع إيراد هذا العلم، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .
الباب التاسع والتسعون ومائتان
في معرفة منزل عذاب المؤمنين من المقام السرياني في الحضرة المرادية المحمدية
[نظم : الكامل]
قد هُيِّئتْ للسَّبعة الأنوارِ
إن البُروجَ منازلٌ لمنازلٍ
تبدو لعَيْنكَ أعيُنُ الأغْيَارِ
فإذا مَشَتْ بالعدل في أفلاكها
والكونُ في الأكوار والأدوارِ
فالحقُّ يُجري في المنازل حُكْمَه
والأمرُ من فوق المنازل جَاري
والخَلْقُ من تحت المنازل ظاهرٌ
فيُقال في لغةِ الكيانِ بأنه
والكفُّ والقلمُ العَليُّ مخطّطٌ
أمرّ تُصَرِّفه يَدُ الأقدارِ
في اللَّوحِ ما يَبْدو من الأسرارِ
اعلم وفقنا الله وإياك أن هذا المنزل من أعظم المنازل الذي تخافه الشياطين النارية لقوّة
سلطانه عليهم وهو منزل عال يتضمن علوماً جمة. اعلم أن الروح الإنساني لما خلقه الله خلقه
كاملاً بالغاً عاقلاً مؤمناً بتوحيد الله مقراً بربوبيته، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال
رسول الله وَرَ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ وَأَبَوَاهُ هُمَا اللُّذَانِ يُهَوْدَانِهِ أَوْ يُنَصْرَانِهِ أَو
يُمَجِّسَانِهِ)) فذكر الأغلب وهو وجود الأبوين فإنه قد يكون يتيماً فالذي يربيه هو له بمنزلة
أبويه، فالروح ليس له كمية فيقبل الزيادة في جوهر ذاته بل هو جوهر فرد لا يجوز أن يكون
مركباً إذ لو كان كذلك لجاز أن يقوم بجزء منه علم بأمر ما، وبالجزء الآخر جهل بذلك الأمر
عينه، فيكون الإنسان عالماً بما هو به جاهل وهذا محال فتركيبه في جوهره محال، فإذا كان
هكذا فلا يقبل الزيادة ولا النقصان كما يقبله الجسم لعدم التركيب، ولولا ما هو عاقل بذاته
وهو عقل لنفسه ما أقرّ بربوبية خالقه عند أخذ الميثاق منه بذلك، إذ لا يخاطب الحق إلاَّ من
يعقل عنه خطابه، هذا هو حقيقة الإنسان في نفسه .
ثم إن الله تعالى جعل له في الجسم الذي جعله الله له ملكاً واستوى عليه جعل فيه قوى
وآلات حسية ومعنوية وقيل له: خذ العلوم منها وصرفها على حدّ كذا وكذا، وجعلت له هذه
الآلات على مراتب، فالقوى المعنوية كلها قوى كاملة إلاّ قوّة الخيال فإنها خلقت ضعيفة
والقوّة الحساسة، وجعلت هاتان القوّتان تابعة للجسم، فكلما نما الجسم وكبر وزادت كميته

٤٧٨ في المنازل/ الباب التاسع والتسعون ومائتان في معرفة منزل عذاب المؤمنين من المقام السرياني
كلما تقوى حسه وخياله، إذ كانت جميع القوى لا تأخذ الأشياء إلاَّ من الخيال وهي قوّة
هيولانية قابلة لجميع ما يعطيها الحسّ من الصور، وقابلة لما تفتح فيها القوّة المصوّرة من
الصور التي تركبها من أمور موجودة قد أمسكها الخيال من القوّة الحساسة، وليس في القوى
من يشبه الهيولى في قبول الصور إلاَّ الخيال، فإذا تقوّى الخيال حينئذ وجد الفكر حيث
يتصرّف ويظهر سلطانه، والوهم كذلك، والعقل كذلك، والقوّة الحافظة كذلك، فلم تكن
لطيفة الإنسان من حيث ذاتها مدركة لما تعطيها هذه القوى إلا بوساطتها، فلو اتفق أن تعطيها
هذه القوى المعلومات من أوّل ما يظهر الولد في عالم الحسّ قبلها الروح الإنساني قبولاً
ذاتياً، ألا ترى أن الله قد خرق العادة في بعض الناس في ذلك وهو ما ذكر من صبيّ يوسف
حين شهد له بالبراءة، وكلام عيسى عليه السلام حين شهد بالبراءة، وصبي جريج حين شهد
له بالبراءة، هذا سبب تأخير التكليف عن الروح الإنساني إلى الحلم الذي هو حد كمال هذه
القوى في علم الله، فلم يبق عند ذلك عذر للروح الإنساني في التخلف عن النظر والعمل بما
كلفه ربه وأوّل درجات التكليف إذ كان ابن سبع سنين إلى أن يبلغ الحلم، وقد اعتبر الله فعل
الصبي في غير زمان تكليفه لو قتل لم يقم عليه الحدّ وحبس إلى أن يبلغ ويقتل بمن قتل في
صباه إلاّ أن يعفو ولي الدم، فقد آخذه الله بما لم يعمله في زمان تكليفه، والقصد من هذا
التمهيد ليقع الانس بما نورده من عذاب المؤمن، فإن الإنسان كما قلنا خلق مؤمناً، وإن
ألحقناهم بآبائهم في دفنهم في قبورهم معهم ورقّهم إذا ملكناهم بطريق الإلحاق لا بطريق
الاستحاق تشريفاً وتبييناً لعلوّ مرتبة ظهور الإيمان الذي في الآباء .
وكما أن الكفر عارض كان الاسترقاق عارضاً أيضاً والأصل الحرية والإيمان، فمن إنفاذ
الوعيد من حيث لا يشعر به وجود التكليف وهو أوّل العذاب لقيام الخوف بنفس المكلف،
فقد عذب عذاباً نفسياً مؤلماً وهو عقوبة ما جرى منه في الزمان الذي لم يكن فيه مكلفاً من
الأفعال التي تطرأ بين الصبيان من الأذى والشتم والضرب على طريق التعدي، وكل خير يفعله
الصبي يكتب له، وقد قرّر ذلك الشارع حين رفعت امرأة إليه وَلّ صبياً صغيراً وهو في الحج
فقالت له: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهِذَا حَجِ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِ ﴿: (نَعَمْ لَهُ حَجِّ وَلَكِ أَجْرٌ)) وذلك
أن لها أجر المعونة التي لا يقدر الصبيّ عليها. وقد ورد عن رسول اللّه وَلهم: ((أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا
حَجَّ قَبْلَ بُلُوعِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ البُلُوعِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ذُلِكَ الحَجَّ عَنْ فَرِيضَتِهِ، وَكَذَلِكَ العَبْدُ
إِذا حَجَّ عَبْداً ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ العثْقِ)) وهذا الحديث وإن كان قد تكلم فيه من طريق إسناده فإن
الحديث الصحيح يعضده، وقد ورد في الصحيح: ((أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي حَقّ العَبْدِ يَأْتِي
بِمَا فَرِضَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَاقِصاً قَدِ انْتَقَصَ مِنْهُ شَيْئاً أَنْ يُكْمِلَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ مَا نَقَصَ مِنْ ذُلِكَ)) فقد
أقام التطوع مقام العرض وهو هذا بعينه لأن حج غير المكلف به ليس هو فرض عليه .
قال ◌ََّ عن الله تعالى في الحديث الصحيح: ((أَنَّهُ أَوْلُ مَا يَنْظُرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ
الصَّلاةُ فَيَقُولُ اللَّهُ: انْظُرُوا فِي صَلاَةٍ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَمّةً وَإِنْ
كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئاً قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِيَ مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعْ قَالَ: أَكَمِلُوا لِعَبْدِي

في المنازل/ الباب التاسع والتسعون ومائتان في معرفة منزل عذاب المؤمنين من المقام السرياني ٤٧٩
فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، قَالَ بَِّرَ: ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ)) أي فيفعل في الزكاة والصوم
والحج مثل ما فعل في الصلاة سواء، فلو لم يعتبر الشرع ذلك لم يحكم بهذا، وكل ما يفعله
الصبيّ في غير بلوغ زمان التكليف معتبر في الشرع في الخير وفي الشرّ، غير أن الكرم الإلهيّ
جازاه بالخير المعمول في هذا الزمان في الدار الآخرة وادخر له ذلك. وأمّا الشرّ فلم يدخر له
في الآخرة منه شيئاً بل جازاه به في الدنيا من آلام حسية ونفسية تطرأ على الصبيان وهي
موجودة لا يقدر أحد على إنكارها وهي عقوبات وعذاب لأمور تطرأ من الصبيان، يعرف هذا
القدر أهل طريقنا حكمة أوقفهم الحق عليها وهي في حق المؤمنين كما قلنا عذاب أوجب لهم
الكفارة، وفي حق الكفار إذا أدركوا وماتوا وهم كفار وعوقبوا في الآخرة وقد كانوا عذبوا في
الدنيا وهم صغار مثل ما تعذب المؤمنون في حال صغرهم فذلك قوله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا
فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٨] يعني الذي عذبوا به في الدنيا وما شاكل هذا، فإن هذا نص
في تضاعف العذاب على مراتبه الذي هو واحد من ذلك.
ومن عذاب المؤمنين ما سلّط الله عليهم من أصحاب الأهواء والكفار من الأسر
والعذاب والاسترقاق والقتل في الدنيا، كل هذا تكفير لهفوات ومزلات نفسية وحسية على
قدر ما وقع منهم، وما يقع هذا من الكفار بالمؤمنين إلاَّ لأجل إيمانهم، قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ
الرَّسُولَ وَإِيََّكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ [سورة الممتحنة: الآية ١] فإن وما بعدها بتأويل المصدر كأنه يقول:
يخرجون الرسول وإياكم من أجل إيمانكم. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ﴾ [سورة
البروج: الآية ٨] وعليه يخرج تخليد من قتل مؤمناً متعمداً أي قصد قتله لإيمانه.
وممّا يتضمن هذا المنزل علم الابتلاء وليس ذلك إلاَّ لله قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١٥٥] وقال عزّ وجلّ أيضاً: ﴿لِيَبْلُوَّكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨] وليس للمؤمن أن يبتلي
المؤمن إلاَّ بأمر إلهيّ فيكون الابتلاء لله تعالى ومنه لا منهم مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾.
[سورة الممتحنة: الآية ١٠] فالله أمر بذلك فامتثل العبد أمر سيده، كالسلطان يأمر بعذاب شخص
فيتولى عذابه من أمر بتعذيبه وإن كان شفيقاً عليه ولكن أمر السلطان واجب أن يمتثل للمرتبة
لما يقتضيه من الهيبة، فالابتلاء لا يكون إلاَّ لله، وكل من ابتلى أحداً من المؤمنين بغير أمر
إلهيّ فإن الله يؤاخذه على ذلك، وبهذا المقام انفرد الاسم الخبير وهو من أعجب أحكام
الأسماء، لأن الخبرة إنما جاءت لاستفادة علم المخبر المختبر، وهنا في الجناب الإلهيّ العلم
محقق بما يكون من هذا المختبر اسم مفعول فلا يستفيد علماً المختبر اسم فاعل فيظهر أنه لا
حكم لهذا الاسم، وكان الأولى به العبد لجهله بما يكون من المختبر اسم مفعول والعبد
ممنوع من الاختيار إلا بأمر إلهيّ، فقد يسمّى الله تعالى بما يستحقه العبد فحكمه في جناب
الحق إفادة العلم للمختبر في نفسه بهذا الاختبار لإقامة الحجة عليه وله، فلهذا لا يلحق الخبير
بصفة العلم كما ألحقه أبو حامد والاسفرايني وأكثر الناس، ولو كان كما زعموا لكان نقصاً،
وإنما أوقعهم في ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] وهو حجة عليهم أن لو
كان الأمر على ظاهره فإن الاختبار سبب في تحصيل العلم ما هو نفس العلم وبالخبرة سمي

٤٨٠ في المنازل/ الباب التاسع والتسعون ومائتان في معرفة منزل عذاب المؤمنين من المقام السرياني
خبيراً، فإذا حصل العلم سمّي عالماً في ذلك الحال، وغاية من نزّه مثل ابن الخطيب وغيره
في قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَرَ﴾ تعلق العلم بهذه الحالة وتعلق العلم محدث ولا يؤدّي إلى حدوث
العلم، فبقي العلم على حاله من الوصف بالقدم، وإن حدث التعلق فهذا منتهى غايتهم في
التنزيه، ويقولون: لو تعلق العلم بما من شأنه أنه سيكون كائناً أو قد كان فقد علم الشيء على
خلاف ما هو به، وكذلك لو علم ما هو كائن قد كان أو سيكون أو علم ما كان هو كائن أو
سيكون لكان هذا كله جهلاً والله يتعالى عن ذلك، فأدخلوا على الله الزمان من حيث لا
يشعرون، والتقدّم في الأشياء والتأخّر، وما علموا أن الله تعالى يشهد الأشياء ويعلمها على ما
هي عليه في أنفسها، والأزمنة التي لها من جملة معلوماته مستلزمة لها أحوالها وأمكنتها إن
كانت لها ومحالها إن كانت ممّن يطلب المحال وأحيازها، كل ذلك مشهود للحق في غير
زمان لا يتصف بالتقدم ولا بالتأخر ولا بالآن الذي هو حد الزمانين، ولهذا لم يرد مع
قوله {َّل﴿ عن ربه: ((كَانَ اللَّهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ)) وأتى بكان وهي حرف وجودي لا بفعل ولم يقل
وهو الآن فإن الآن نص في وجود الزمان، فلو جعله ظرفاً لهوية الباري تعالى لدخل تحت
ظرفية الزمان بخلاف كان، فإن لفظ كان من الكون وهو عين الوجود فكأنه يقول: الله موجود
ولا شيء معه في وجوده، فما هي من الألفاظ التي ينجر معها الزمان إلاَّ بحكم التوهم، ولهذا
لا ينبغي أن يقال كان فعل ماض في إعرابه على طريقة النحويين، وقد بوّب عليها الزجاجي
وسمّاها بالحرف الذي يرفع الاسم وينصب الخبر ولم يجعلها فعلاً فينجر معها الزمان الماضي
والحال والمستقبل، وبهذا القدر المتوهم الذي يتخيل في هذه الصيغة التي هي كان ويكون
وسيكون من الزمان أشبهت الفعل الصحيح الذي هو قام ويقوم وسيقوم وجعلوا قائماً مثل
كائن فأجروها مجرى الأفعال من هذا الوجه، وإذا كان أمرها على هذا فيطلق من الوجه الذي
لا يقبل به ظرفية الزمان على الله تعالى وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٩٦]
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٤٧] وما أطلق عليه الآن لما ذكرناه لأنه نص في
الزمان اسم علم له ومعناه الظرف، كما جاء الاستواء على العرش بلفظ العرش ولفظ الاستواء
وما هو نص في ظرفية المكان بخلاف اسم لفظة المكان فإنه نص بالوضع في ظرفيته،
والمتمكن في المكان نص فيه فعدل إلى الاستواء والعرش ليسوغ التأويل الذي يليق بالجناب
العالي لمن يتأول ولا بدّ، والأولى التسليم لله فيما قاله، وردّ ذلك إلى علمه سبحانه بما أراده
في هذا الخطاب ونفى التشبيه المفهوم منه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية
١١] على زيادة الكاف أو فرض المثل إذ كان لا يستحيل فرض المحال.
وممّا يتضمن هذا المنزل علم العالم العلوي المختص بالفلك الأطلس خاصة ومن
عماره، وما تسبيحهم وما يتعلق به، وعمن يأخذ ولمن يعطي، من يتلقى منه، والعطاء الذاتي
وهو عطاء العلة، والعطاء الإرادي وهو عطاء الاختيار، ومعرفة الآخرة، ومعرفة ما يحصل من
التجلي في نفس العبد، وتأثير الضعيف في القويّ، وما تؤدّي إليه الأغراض والأهواء الربانية
السارية في العالم التي يدّعيها كل أحد من الحيوان الإنسان وغيره، ومعرفة الصلاح الذي