Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
في الأحوال / الباب الثالث والعشرون ومائتان في معرفة حال التفرقة
الملك إذا كان للسيد عليه فنفد، فكل ما نسب إلى المخلوق فإنه ينفد بالموت أو بالشهادة،
وكل ما ينفد فقد فارق من كان عنده، وهذا لا يوجد في الحق فإنه لا يفارقه شيء لأنه معنا
وإليه تصير الأمور، فهذا معنى قوله: الفرق ما ينسب إليك.
وأما قول من قال: الفرق ما أشهدك الحق من أفعالك أدباً، يشير إلى الأفعال التي لا
يعطي الأدب أن تنسب إلى الله، وإن كانت من الله لا إلى الأفعال التي تنسب إلى الله أدباً
وحقيقة، وأفعال العباد لا بقاء لها عند العبد سوى زمان وجودها خاصة، وتزول عنه في
الزمان الذي يلي زمان وجودها، فهذا معنى قول الدقاق فاجتمعا في المعنى، غير أن هذا
القائل خصّص بعض الأفعال بقوله أدباً، فإذا نسبت أعيان هذه الأفعال إلى الله اتصفت بالبقاء
لا لأعيانها بل لكونها مشهودة لله ﴿وَمَا عِندَ اُلَّهِ بَانٍ﴾ كما يبقى الفعل عندك ما دام مشهوداً
لك، فإذا لم تشهده زال عينه عن شهودك ولهذا قال: ما أشهدك الحق من أفعالك ولم يتعرض
لما يشهدك كما أنه لم يتعرض إلى المحمود من أفعالك مع كونه ينسب إليك فقال أدباً .
وأمّا قول من قال: الفرق مشاهدة العبودية فإنه نسب العبد إلى الصفة القائمة به ولا
ينبغي أن تنسب إلاَّ إلى الله، والعبودية صفة للعبد، فمن شاهد عبوديته كان لمن شاهد، ولهذا
ينسب عباد الله إلى العبودة لا إلى العبودية، فهم عبيد الله من غير نسبة بخلاف نسبتهم إلى
العبودية فإن الحق لا يقبل نسبة العبودية لأنه عين صفة العبد لا عين العبد، فمن شاهد
العبودية فلم يشاهد كونه عبد الله ففرّق بين ما ينسب إلى الصفة وبين ما يضاف إلى الله، قال
أهل اللسان: رجل بين الخصوصية والخصوصة، وبين العبودية والعبودة، والعبودية نسبة
إليها، والعبودة نسبة إلى السيد.
وأما قول من قال: الفرق إثبات الخلق فهو كما تقدم في معنى قولهم إشارة إلى خلق بلا
حق غير أن بينهما فرقاناً فإنه قال إثبات الخلق ولم يقل وجود الخلق، لأن عين وجود الخلق عين
وجود الحق والخلق من حيث عينه هو ثابت وثبوته لنفسه أزلاً، واتصافه بالوجود أمر حادث طرأ
عليه قد عرفناك بما يعقل من هذه اللفظة، فقوله: إثبات الخلق، أي في الأزل وقع الفرق بين الله
والخلق، فليس الحق هو عين الأعيان الثابتة، بخلاف حال اتصافها بالوجود فهو تعالى عين
الموصوف بالوجود لا هي، فلهذا قال هذا القائل في الفرق أنه إثبات الخلق.
وأما قول من قال: إن الفرق شهود لأغيار اللّه، أراد من أجل الله فهذه لام العلة،
فيشاهد في عين وجود الحق أحكام الأعيان الثابتة فيه فلا يظهر إلاَّ بحكمها، ولهذا ظهرت
الحدود وتميزت مراتب الأعيان في وجود الحق فقيل: أملاك، وأفلاك، وعناصر،
ومولدات، وأجناس، وأنواع، وأشخاص، وعين الوجود واحد والأحكام مختلفة لاختلاف
الأعيان الثابتة التي هي أغيار بلا شك في الثبوت لا في الوجود فافهم.
وأما قول من قال: التفرقة شهود تنوّعهم في أحوالهم، يريد ظهور أحكامهم في وجود
الحق فإنها متنوّعة والحق لا يقبل التنوّع، فثبت أن ذلك حكم الأعيان، والمشهود لهذا العبد
التنوّع فالمشهود له الأعيان ففرّق بينها وبين الوجود. وأما قول من قال في التفرقة: [المتقارب]

٢٢٢
في الأحوال/ الباب الرابع والعشرون ومائتان في معرفة عين التحكم
فَفَرْطُ التَّوَاصُلِ مَثْنَى العَدَدْ
جمعتُ وفرَّقتُ عَنِّي به
فإنه أراد ظهور الواحد في مراتب الأعداد، فظهرت أعيان الاثنين والثلاثة والأربعة إلى
ما لا يتناهى بظهور الواحد، وهذه غاية الوصلة أن يكون الشيء عين ما ظهر، ولا يعرف أنه
هو كما رأيت النبي 18 في المنام وقد عانق أبا محمد بن حزم المحدث فغاب الواحد في
الآخر فلم نر إلاَّ واحداً وهو رسول الله وَّر، فهذه غاية الوصلة وهو المعبر عنه بالاتحاد أي
الاثنين عين للواحد ما في الوجود أمر زائد، كما أن زيداً هو عين عمرو، بل عين أشخاص
هذا النوع الإنسانيّ في الإنسانية، فهو هو من حيث الإنسانية وليس هو هو من حيث
الشخصية، فانعطاف الواحد بنفسه على مرتبة الاثنين هو عين ظهور الاثنين وما ثم سوى عين
الواحد وهكذا ما بقي من الأعداد التي لا تتناهى، فتحقق معنى التفرقة إن كنت ذا لب سليم،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والعشرون ومائتان
في معرفة عين التحكم
عين التحكم عند القوم التصرف لإظهار الخصوصية بلسان الانبساط في الدعاء، وهذا
ضرب من الشطح وقريب منه لما يتوهم من دخول النفس فيه إلاَّ أن يكون عن أمر إلهيّ فلا
مؤاخذة على صاحبه فيه: [الكامل]
مهما تحكّمَ عارفٌ في خَلْقه
عن غير أَمْرٍ فالرُّعُونَةُ قائمَهُ
لزمَ الحياءَ ولو أتَّتْهُ راغِمَةْ
تَرْكُ الشَّحَكُّم نَعْتُ كل محقِّق
المُصْطَفين له نفوسٌ حاكمَه
ما للرجال الَصمِّ أعيانِ الوَرَى
في كل حالٍ فالشهادةُ دائمَهْ
خلفَ الستور المُرْسَلاتِ المُظْلمَةْ
بل هم عبيدٌ لم يزالوا خُشَّعاً
إن التَّحَكُمَ في الحجاب مِقَامُهُ
فإذا كان عن أمر إلهيّ بتعريف فالإنسان فيه عبد ممتثل أمر سيده بطريق الوجوب، فإن
عرض عليه عين التحكم من غير أمر عرض الأمانة وقبله فليس هناك بل مرتبته مرتبته في قبول
الأمانة المعروضة التي قال الله فيمن حملها ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢]
ظلوماً لنفسه جهولاً بقدر ما تحمل لأنه جهل ما في علم الله فيه، هل هو ممّا يؤدّي الأمانة إلى
أهلها أم لا؟ فعين التحكّم مخصوص بالرسل في إظهار المعجزات والتحدّي بها عن الأمر
الإلهيّ فإنهم مرسلون بالدلالات على أنهم رسل الله، فهم مخبرون بالحال أنهم المصطفون
الأخيار لا بالقصد، ثم قد يقع منهم بعد ثبوت الرسالة قول خارج عن مقتضى الدلالة، ولا
يكون منهم إلاَّ عن أمر إلهيّ يؤذن ذلك القول بمرتبة القائل عند الله مثل قوله و الر: ((أَنَا سَيّدُ
النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) فلما كان في قوّة هذا اللفظ إظهار الخصوصية عند الله ومن هو مشغول بالله
ما عنده فراغ لمثل هذا، ومن شغل أهل الله بالله امتثال أمر الله فأخبر عليه السلام حين عمّ
فقال: ((ولا فَخْرَ)) أي ما قصدت الفخر، أي هكذا أمرت أن أعرفكم، فإن العارف كيف يفتخر

٢٢٣
في الأحوال / الباب الخامس والعشرون ومائتان في معرفة الزوائد
والمعرفة تمنعه ومشاهدة الحق تشغله، ولا يظهر مثل هذا ممّن ليس بمأمور به إلاَّ عن رعونة
نفس أو فناء لغلبة حال يستغفر الله من ذلك إذا فارقه ذلك الحال الذي أفناه، وقد يظهر مثل
هذا من صاحب الغيرة خاصة وهو مذهب شيخنا أبي مدين وقد ظهر منه مثل ذلك من باب
الغيرة، فلا يدل على إظهار الخصوصية وذلك بأن يرى الإنسان دعوة الرسل تردّ ويتوقف في
تصديقها، ولا سيما عند من ينفي النبوّة التي نثبتها فيقوم هذا العبد مقام وجود الرسول فيدعي
ما يدعيه الرسول من إقامة الدلالة على صدق الرسول في رسالته نيابة عنه، فيأتي بالأمر
المعجز على طريق التحدي للرسول لا لنفسه فيظهر منه ذلك، وهذا لا يدل على مقام
الخصوصية عند الله فهو خارج عن عين التحكم وليس بخارج من حيث ما هو تحكيم لكنه
خارج من حيث ما هو تحكيم خاص، وقد يكون عين التحكيم في رجل يكون له مقام الإدلال
مع الحق، ويكون عنده تعريف إلهيّ بمقامه المعلوم كالملائكة في قوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا مِنَّآ
إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآَفُونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٦٤ - ١٦٦] فأثنوا على
أنفسهم بعد معرفتهم وتعريفهم بمقامهم، فلا ينقصهم هذا الثناء ولا يحط مرتبتهم، وإذا لم
يؤثر عين التحكيم في المقام فلا بأس به وتركه أعلى لأنه على كل حال فراغ، وما وقع مثل
هذا من جبريل إلاَّ لكونه معلماً رسول الله صلوات الله عليهما، والمعلم ينبّه التلميذ بمرتبته
لتعلو همته ليلحق بمعلمه، ومنهم من يبلغ في التحكيم أن يقسم على الله في أمر فيبر الحق
قسمه ومع هذا يستغفر الله، فلولا أن فيه رائحة ما استغفر. والحكايات في التحكيم عن
الصالحين كثيرة ولا سيما ما يحكى عن عبد القادر الجيلي رحمه الله كان ببغداد أدركناه
بالسنّ، وكالذي سجد وحلف أن لا يرفع رأسه من سجدته حتى ينزل الغيث فأبر الله قسمه،
وكالذي وقف على رأس بئر وقد عطش ولم يكن له حبل ولا ركوة فقال: لئن لم تسقني
لأغضبن ففاض الماء على فم البئر فسئل على من تغضب؟ فقال: على نفسي فأمنعها الماء.
وأما عين التحكيم عندنا فأمر هين في شهود المعرفة فإن التحكيم للظاهر في المظهر فما تحكم
إلاَّ من له التحكم، فمهما ظهر الظاهر به دلّ على أن استعداد المظهر أعطى هذا فيفرّق بينه
وبين ما يعطيه مظهر آخر من عدم التحكيم، وهذه طريقة انفردنا بإظهارها في الوجود لأنها
تقرّب على أهل الله مأخذ الأمور ولا تستعظم شيئاً ممّا ظهر فإنه ما ظهر إلاَّ ممّن له الأمر من
قبل ومن بعد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والعشرون ومائتان
في معرفة الزوائد
اعلم أن الزوائد في اصطلاح الصوفية من أهل الله تعالى زيادات الإيمان بالغيب
واليقين: [الوافر]
يزيد المؤمنون بها سُرورًا
إذا ما أُنزلتْ بالنور سُورَهْ
وكان العلمُ أجْمَعُه حُضُورًا
فعلْمُ الغيبِ أَنْفَسُ كلِّ علمٍ

٢٢٤
في الأحوال / الباب الخامس والعشرون ومائتان في معرفة الزوائد
سوى الرحمنٍ لا يُعْطِي ثُبُورَا
وإدراكُ الغيوبِ بـلا دلـيلٍ
ولو جَلَّى لك الاسمَ الخَبِيرَا
وما للغيبِ عند الحقِّ عينٌ
بحتى نعلَمَ الجَلْدَ الصَّبُورَا
لقد حجَبَ العبادَ وكلَّ عقلٍ
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَنَّأَ فَـ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌّ فَزَادَتْهُمْ رِجْسَا إِلَى
رِجْسِهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٤، ١٢٥] فلا بدّ من الزوائد في الفريقين وهي الشؤون التي
الحق عليها وفيها في كل يوم أي في كل نفس الذي هو أصغر الأيام، غير أن الزوائد
التي اصطلح عليها أهل الله هي ما تعطي من ذلك سعادة خاصة وعلماً بغيب يزيده يقيناً
مثل قوله: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَظْمَيْنَ قَلِىّ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٢٦٠] يقول: بلى آمنت ولكن وجوه الأحياء كثيرة متنوّعة، كما كان وجود
الخلق، فمن الخلق من أوجدته عن ﴿كُنْ﴾ ومنهم من أوجدته بيدك، ومنهم من أوجدته
بيديك، ومنهم من أوجدته ابتداء، ومنهم من أوجدته عن خلق آخر، فتنوّع وجود الخلق
وإحياء الخلق بعد الموت إنما هو وجود آخر في الآخرة فقد يتنوّع وقد يتوحد، فطلبت
العلم بكيفية الأمر هل هو متنوّع أو واحد؟ فإن كان واحداً فأيّ واحد هو من هذه
الأنواع؟ فإذا أعلمتني به اطمأن قلبي وسكن بحصول ذلك الوجه والزيادة من العلم ممّا
أمرت بها قال تعالى آمراً: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] فأحاله على الكيفية
بالطيور الأربعة التي هي مثال الطبائع الأربع إخباراً بأن وجود الآخرة طبيعيّ يعني حشر
الأجساد الطبيعية، إذ كان ثم من يقول: لا تحشر الأجسام وإنما تحشر النفوس بالموت
إلى النفس الكلية مجرّدة عن الهياكل الطبيعية، فأخبر الله إبراهيم أن الأمر ليس كما زعم
هؤلاء فأحاله على أمر موجود عنده تصرّف فيه إعلاماً أن الطبائع لو لم تكن مشهودة
معلومة مميزة عند الله لم تتميز، فما أوجد العالم الطبيعي إلاّ من شيء معلوم عنده
مشهود له نافذ التصرف فيه، فجمع بعضها إلى بعض فأظهر الجسم على هذا الشكل
الخاص، فأبان لإبراهيم بإحالته على الأطيار الأربعة وجود الأمر الذي فعله الحق في
إيجاد الأجسام الطبيعية والعنصرية، إذ ما ثم جسم إلاَّ طبيعي أو عنصري، فأجسام النشأة
الآخرة في حق السعداء طبيعية، وأجسام أهل النار عنصرية لا تفتح لهم أبواب السماء،
فلو فتحت خرجوا عن العناصر بالترقي.
وأما حشر الأرواح التي يريد أن يعقلها إبراهيم من هذه الدلالة التي أحاله الحق عليها
في الطيور الأربعة فهي في الإلهيات كون العالم يفتقر في ظهوره إلى إله قادر على إيجاده،
عالم بتفاصيل أمره، مريد إظهار عينه، حيّ لثبوت هذه النسب التي لا تكون إلاَّ لحيّ، فهذه
أربعة لا بدّ في الإلهيات منها، فإن العالم لا يظهر إلاَّ ممّن له هذه الأربعة، فهذه دلالة الطيور
له عليه السلام في الإلهيات في العقول والأرواح وما ليس بجسم طبيعي، كما هي دلالة على
تربيع الطبيعة لإيجاد الأجسام الطبيعية والعنصرية. ثم قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٠]

٢٢٥
في الأحوال/ الباب السادس والعشرون ومائتان في معرفة الإرادة
أي ضمهنّ والضم جمع عن تفرقة ويضم بعضها إلى بعض ظهرت الأجسام ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى
كُلِّ جَبَلٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٠] وهو ما ذكرناه من الصفات الأربع الإلهيات وهي أجبل
الشموخها وثبوتها فإن الجبال أوتاد ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٠] ولا يدعى
إلاَّ من يسمع وله عين ثابتة فأقام له الدعاء بها مقام قوله: ﴿كُنْ﴾ في قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْنَا لِشَىْءٍ
إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فزاد يقينه طمأنينة بعلمه بالوجه الخاص
من الوجوه الإمكانية ومن الزوائد ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] فتزيد علماً
لم يكن عندك بعلمك إياه الحق تعالى تشريفاً منحك إياه التقوى، فمن جعل الله وقاية حجبه
الله عن رؤية الأسباب بنفسه فرأى الأشياء تصدر من الله، وقد كان هذا العلم مغيباً عنك
فأعطاك العلم به زيادة الإيمان بالغيب الذي لو عرض على أغلب العقول لردّته ببراهينها فهذه
فائدة هذا الحال. ومن الزوائد أن تعلم أن حكم الأعيان ليس نفس الأعيان، وأن ظهور هذا
الحكم في وجود الحق وينسب إلى العبد بنسبة صحيحة وينسب إلى الحق بنسبة صحيحة فزاد
الحق من حيث الحكم حكماً لم يكن عليه، وزاد العين إضافة وجود إليه لم تكن يتصف به
أزلاً، فانظر ما أعجب حكم الزوائد، ولهذا عمّت الفريقين فزادت السعيد إيماناً وزادت الشقيّ
رجساً ومرضاً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والعشرون ومائتان
في معرفة الإرادة
الإرادة عند القوم لوعة يجدها المريد من أهل هذه الطريقة تحول بينه وبين ما كان عليه
ممّا يحجبه عن مقصوده. [نظم: المديد]
لَوْعَةٌ في القلب مُخرقَةٌ
هي بدءُ الأمر لو عَلِمُوا
للذي عنه العبادُ عَمُوا
فلهذا حنَّ صاحبُها
يَعْتَرِيهِ البَهْتُ والصَّمَمُ
فإذا يبدو لناظِرِهِ
بلهيبِ النار يَضْطَلِمُ
فتراه دائماً أبداً
وبهذا كلُّهم حَكَمُوا
كل شيء عنده حَسَنٌ
والإرادة عند أبي يزيد البسطامي ترك الإرادة وذلك قوله: أريد أن لا أريد، فأراد محو
الإرادة من نفسه، وقال هذا القول في حال قيام الإرادة به، ثم تمّم وقال: لأني أنا المراد
وأنت المريد، يخاطب الحق، وذلك أنه لما علم أن الإرادة متعلقها العدم والمراد لا بدّ أن
يكون معدوماً لا وجود له ورأى أن الممكن عدم، وإن اتصف بالوجود لذلك قال: أنا المراد
أي أنا المعدوم وأنت المريد فإن المريد لا يكون إلاَّ موجوداً. وأمّا الإرادة عندنا فهي قصد
خاص في المعرفة بالله وهي أن تقوم به إرادة العلم بالله من فتوح المكاشفة لا من طريق الدلالة
بالبراهين العقلية، فتحصل له المعرفة بالله ذوقاً وتعليماً إلهياً فيما لا يمكن ذوقه وهو قوله:
﴿ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقالت المشايخ في الإرادة: إنها ترك ما
الفتوحات المكية ج٤ - م١٥

٢٢٦
في الأحوال / الباب السادس والعشرون ومائتان في معرفة الإرادة
عليه العادة، وقد تكون عادة زيد ما هي عادة عمرو فيترك عمرو عادته بعادة زيد لأنها ليست
عادة له .
ثم اعلم في مذهبنا أنك إذا علمت أن الإرادة متعلقها العدم وعلمت أن العلم بالله مراد
للعبد، وعلمت أنه لا يحصل العلم به على ما يعلم الله به نفسه لأحد من المخلوقين مع كون
الإرادة من المخلوقين لذلك موجودة، فالإرادة للعبد ما دام في هذا المقام لازمة لازم حكمها
وهو التعلّق بالمعدوم والعلم بالله كما قلنا لا يصحّ وجوده، فالعبد حكم الإرادة فيه أتم من
كونها فيمن يدرك ما يريد، فليست الإرادة الحقيقية إلاَّ ما لا يدرك متعلقها فلا يزال عينها
متصفاً بالوجود ما دام متعلقها متصفاً بالعدم، فإن الإرادة إذا وجد مرادها أو ثبت زال حكمها
وإذا زال حكمها زال عينها، وينبغي للإرادة فينا أن لا تزول فإن مرادها لا يكون. وأما من
يتكوّن عن إرادته ما يريد فلا تصحبه الإرادة وجوداً وإنما بقيت الإرادة هناك لأن متعلقها آحاد
الممكنات وآحادها لا تتناهى فوجودها هناك لا يتناهى ولكن يختلف تعلقها باختلاف
المرادات. والذي يشير إليه أهل الله في تحقيق الإرادة أنها معنى يقوم بالإنسان يوجب له
نهوض القلب في طلب الحق المشروع ليتصف به بالعمل ليرضى الله بذلك فيكون ممّن رضي
الله عنهم ورضوا عنه، فصاحب الإرادة يسعى في أن يكون بهذه المثابة، ثم ما زاد على هذا
ممّا يناله أهل الله من الفتوح والكشف والشهود وأمثال هذه الأحوال فذلك من الله ليست
مطلوبة لصاحب الإرادة التي يقتضيها طريق الله، إنما جلّ إرادتهم أن يكونوا على حال مع الله
يرضي الله في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم إيثاراً لجناب الحق لا رغبة في نعيم ينالونه بذلك
ولا فراراً من ضده دنيا ولا آخرة بل هم على ما شرع لهم، ولله الأمر فيهم بما يشاء، لا تخطر
لهم حظوظ نفوسهم بخاطر، هذا أتم ما توجبه الإرادة في المريد، وإن خطر لهم حظ في
ذلك فما خرجوا عن حكم الإرادة، ولكن يكون صاحب الحظ النفسيّ ناقص المقام بالنظر
إلى الأوّل مع كونه صاحب إرادة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّيْنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة
الإسراء: الآية ٥٥] مع أن النبوّة موجودة فما زالوا من النبوّة مع فضل بعضهم على بعض.
وأما معنى قول الطائفة في الإرادة أنها لوعة يجدها المريد تحول بينه وبين ما كان عليه
ممّا يحجبه عن مقصوده فصحيح، غير أنه ثم أمر تعطيه المعرفة بالله إذا حصل له العلم بالله
من طريق الكشف والتعليم الإلهيّ فلا يبقى شيء يتصف به العبد يحجبه عن مقصوده إذا كان
مقصوده الحق فهو يشهده في كل عين وفي كل حال ولا ينال هذا المقام إلاَّ من رضي الله
عنه، ومن علامات صاحب هذا المقام معانقة الأدب إلا أن يسلب عنه عقله بهذه المشاهدة
فلا يطالب بالأدب كالبهاليل وعقلاء المجانين لأنه طرأ عليهم أمر إلهي ضعفوا عن حمله
فذهب بعقولهم في الذاهبين، وحكمهم عند الله حكم من مات على حالة شهود ونعت
استقامة وبقي من حالته هذه حكمه حكم الحيوان ينال جميع ما يطلبه حكم طبيعته من أكل
وشرب ونكاح وكلام من غير تقييد ولا مطالبة عليه عند الله مع وجود الكشف وبقائه عليهم
كما يكشف الحيوان وكل دابة حياة الميت على النعش وهو يخور ويقول سعيدهم: قدموني

٢٢٧
في الأحوال / الباب السادس والعشرون ومائتان في معرفة الإرادة
قدموني، ويقول الشقيّ: إلى أين تذهبون بي؟ ويشاهدون عذاب القبر ويرون ما لا يراه
الثقلان، كذلك هذا الذي ذهب الله بعقله فيه حكمه حكم الحيوان وكل دابة وكما هو الميت
على حكم ما مات عليه، كذلك هذا البهلول هو على حكم ما ذهب عنده عقله فهو معدود في
الأموات بذهاب عقله، معدود في الأحياء بطبعه، فهو من السعداء الذين رضي الله عنهم
كمسعود الحبشيّ وعلي الكردي وجماعة رأيناهم بهذه المثابة بالشام وبالمغرب وهم من عباد
الله على مثل هذا الحال نفعنا الله بهم، ومهما ردّ على من هذه حاله عقله وهو في الحياة الدنيا
فإنه من حينه يلازم الآداب الشرعية ويعانقها، ومن أبقى عليه عقله كان عند القوم أتم وأعلى.
قيل للشيخ أبي السعود بن الشبل: ما تقول في هؤلاء المجانين من أهل الله؟ فقال رضي الله
عنه: هم ملاح ولكن العاقل أملح، يشير إلى أن العناية بمن أبقي عليه عقله أتم، فهذا أصل ما
يرجع إليه مجموع أقوال أهل الله في الإرادة المصطلح عليها عندهم وإن اختلفت عباراتهم
فهم بين أن ينطقوا في ذلك بأمر كليّ أو بأمر جزئيّ بحسب ذوقه، وما يترجح عنده في حاله
فإنهم لا يتعدّون في العبارة عن الشيء ما يعطيه ذوقهم ولا يتصنعون ولا يتعملون ولا يأخذون
شيئاً في تحقيق ذلك عن فكرهم بل ما يتعدّى نطقهم ذوقهم ووجودهم، فهم أهل صدق وعلم
محقق لا تدخله شبهة عندهم، ومن فكر فليس منهم، ويصيب ويخطئ وليس صاحب الفكر
بصاحب حال ولا ذوق. وأما أهل الاعتبار فيكون منهم أصحاب أذواق ويعتبرون عن ذوق لا
عن فكر، وقد يكون الاعتبار عن فكر فيلتبس على الأجنبيّ بالصورة فيقول في كل واحد أنه
معتبر ومن أهل الاعتبار، وما يعلم أن الاعتبار قد يكون عن فكر وعن ذوق.
والاعتبار في أهل الأذواق هو الأصل وفي أهل الأفكار فرع، وصاحب الفكر ليس من
أهل الإرادة إلاَّ في الموضع الذي يجوز له الفكر فيه إن كان ثم ممّا لا يمكن أن يحصل الأمر
المفكر فيه إلاَّ به بفتح الكاف فحينئذ يأخذه من بابه، وهل ثم أمر بهذه المثابة لا يمكن أن ينال
من طريق الكشف والوجود أم لا؟ فنحن نقول ما ثم ونمنع من الفكر جملة واحدة لأنه يورث
صاحبه التلبيس وعدم الصدق، وما ثم شيء إلاَّ ويجوز أن ينال العلم به من طريق الكشف
والوجود والاشتغال بالفكر حجاب وغيرنا يمنع هذا، ولكن لا يمنعه أحد من أهل طريق الله
بل مانعه إنما هو من أهل النظر والاستدلال من علماء الرسوم الذين لا ذوق لهم في الأحوال،
فإن كان لهم ذوق في الأحوال كأفلاطون الإلهيّ من الحكماء فذلك نادر في القوم وتجد نفسه
يخرج مخرج نفس أهل الكشف والوجود، وما كرهه من كرهه من أهل الإسلام إلاّ لنسبته إلى
الفلسفة لجهلهم بمدلول هذه اللفظة والحكماء هم على الحقيقة العلماء بالله وبكل شيء
ومنزلة ذلك الشيء المعلوم ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٣٠] ﴿وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرًاً﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٩] والحكمة هي علم النبوّة كما قال في
داود عليه السلام وأنه ممّن آتاه الله الملك والحكمة فقال: ﴿وَءَاتَلُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَآءُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥١].
والفيلسوف معناه محب الحكمة لأن سوفيا باللسان اليوناني هي الحكمة وقيل هي

٢٢٨
في الأحوال / الباب السابع والعشرون ومائتان في معرفة حال المراد
المحبة، فالفلسفة معناه حب الحكمة وكل عاقل يحب الحكمة، غير أن أهل الفكر خطؤهم
في الإلهيات أكثر من إصابتهم سواء كان فيلسوفاً أو معتزلياً أو أشعرياً أو ما كان من أصناف
أهل النظر، فما ذمّت الفلاسفة لمجرّد هذا الاسم وإنما ذمّوا لما أخطأوا فيه من العلم الإلهيّ
ممّا يعارض ما جاءت به الرسل عليهم السلام بحكمهم في نظرهم بما أعطاهم الفكر الفاسد
في أصل النبوّة والرسالة ولماذا تستند فتشوش عليهم الأمر، فلو طلبوا الحكمة حين أحبوها
من الله لا من طريق الفكر أصابوا في كل شيء، وأما ما عدا الفلاسفة من أهل النظر من
المسلمين كالمعتزلة والأشاعرة فإن الإسلام سبق لهم وحكم عليهم ثم شرعوا في أن يذبّوا عنه
بحسب ما فهموا منه فهم مصيبون بالأصالة مخطؤون في بعض الفروع بما يتأوّلونه ممّا يعطيهم
الفكر والدليل العقليّ من أنهم إن حملوا بعض ألفاظ الشارع على ظاهرها في حق الله ممّا
أحالته أدلة العقول كان كفراً عندهم فيؤولونه، وما علموا أن الله قوّة في بعض عباده تعطي
حكماً خلاف ما تعطي قوّة العقل في بعض الأمور وتوافق في بعض، وهذا هو المقام الخارج
عن طور العقل فلا يستقل العقل بإدراكه ولا يؤمن به إلاّ إذا كانت معه هذه القوّة في
الشخص، فحينئذ يعلم قصوره ويعلم أن ذلك حق فإن القوى متفاضلة تعطى بحسب حقائقها
التي أوجدها الله عليها، فقوّة السمع لو عرض عليها حكم البصر أحالته والبصر كذلك مع
غيره من القوى، والعقل من جملة القوى بل هو المستفيد من جميع القوى ولا يفيد العقل
سائر القوى شيئاً ومن صحّ له حكم الإرادة المصطلح عليها عند أهل الله عرف هذه المقامات
كلها والمراتب كشفاً وعرف صورة الغلط في الأشياء وأنه واقع في النسب والوجوه، وكل
غالط إنما غلط في النسبة حيث نسبها إلى غير جهتها فيأخذها أهل الله فيجعلون تلك النسبة في
موضعها ويلحقونها بمنسوبها وهذا معنى الحكمة، فأهل الله من الرسل والأولياء هم الحكماء
على الحقيقة وهم أهل الخير الكثير جعلنا الله من أهل الإرادة وممّن جمع بين العادة وترك
العادة من حيث ما تعطيه الشهادة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والعشرون ومائتان
في معرفة حال المراد
[نظم: البسيط]
في كل حالٍ على حِلِّ وتزحَالٍ
إن المرادَ هو المجذوبُ بالحَالِ
على المقاماتِ من حالٍ إلى حَالٍ
يمشي به وهو في بيضاءَ في دَعَةٍ
بعينه فهو في نُعْمَى وإِقْبَالٍ
عنايةً منه والرحمنُ يَخرُسُه
اعلموا أن المراد في اصطلاح القوم هو المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له، فهو
يجاوز الرسوم والمقامات من غير مشقة بل بالتذاذ وحلاوة وطيب تهون عليه الصعاب وشدائد
الأمور، وينقسم المرادون هنا إلى قسمين: القسم الواحد أن يركب الأمور الصعبة وتحلّ به
البلايا المحسوسة والنفسية ويحسّ بها ويكره ذلك الطبع منه غير أنه يرى ويشاهد ما له في

٢٢٩
في الأحوال / الباب السابع والعشرون ومائتان في معرفة حال المراد
ذلك في باطن الأمر عند الله من الخير مثل العافية في شرب الدواء الكريه، فيغلب عليه
مشاهدة ذلك النعيم الذي في طيّ هذا البلاء فيلتذ بما يطرأ عليه من مخالفة الغرض وهو
العذاب النفسيّ ومن الآلام المحسوسة لأجل هذه المشاهدة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه
فإنه من أصحاب هذا المقام فقال في ذلك: ما أصابني الله بمصيبة إلاَّ رأيت أن لله عليّ فيها
ثلاث نعم: النعمة الواحدة حيث لم تكن تلك المصيبة في ديني. والنعمة الثانية حيث لم تكن
مصيبة أكبر منها إذ في الجائز أن يكون ذلك. والنعمة الثالثة ما عند الله لي فيها من تكفير
الخطايا ورفع الدرجات، فأشكر الله تعالى عند حلول كل مصيبة. وهنا فقه عجيب في طريق
القوم تعطيه الحقائق لمن عرف طريق الله، فإنّ البلاء لا يقبل الشكر والنعمة لا تقبل الصبر،
فإن شكر من قام به البلاء فليس مشهوده إلاَّ النعم فيجب عليه الشكر، وأن صبر من قامت به
النعماء فليس مشهوده إلاَّ البلاء وهو ما فيها من تكليف طلب الشكر عليها من الله وما كلفه من
حكم التصرّف فيها فمشهوده يقتضي له الصبر والحق سبحانه يردف عليه النعم وهو في شهوده
ينظر ما الله عليه فيها من الحقوق فيجهد نفسه في أدائها، فلا يلتذ بما يحسب الناس أنه به ملتذ
فيصبر على ترادف النعماء عليه فهو صاحب بلاء فليس المعتبر إلاَّ ما يشهده الحق في وقته فهو
بحسب وقته إما صاحب شكر أو صاحب صبر فهذا حال القسم الواحد من المرادين. وأما
القسم الآخر فلا يحسّ بالشدائد المعتادة بل يجعل الله فيه من القوّة ما يحمل بها تلك الشدائد
التي يضعف عن حملها غيرها من القوى كالرجل الكبير ذي القوّة فيكلف ما يشق على الصغير
أن يحمله فما عنده خبر من ذلك بل يحمله من غير مشقة فإنه تحت قوّته وقدرته، ويحمله
الصغير بمشقة وجهد فهذا ملتذ بحمله فارح بقوّته يفتخر بها لا يجد ألماً ولا يحسّ به كما قال
أبو يزيد في بعض مناجاته: [الوافر]
ولكنّي أريدكَ للعِقَابِ
أريدكَ لا أريدكَ للثّوَابٍ
وكلُّ مآربي قد نِلْتُ منها
سوى مَلْذُوذِ وَجْدي بالعَذَاب
فطلب اللذة بما جرت العادة به أن يثمر عذاباً خرقاً للعادة فما طلب العذاب، يقول أهل
الله: ليس العجب من ورد في بستان وإنما العجب من ورد في قعر النيران، يقول صاحب هذا
الكلام: ليس العجب ممّن يلتذ بما جرت العادة أن يلتذ به الطبع وإنما العجب أن يلتذ بما
جرت العادة أن يتألم به الطبع.
ذكر أن بعض المحبين جنى جناية فجلده الحاكم مائة جلدة فما أحسّ بتسع وتسعين
منها فما استغاث فلما كان في السوط المكمل مائة استغاث فقيل له في ذلك فقال: العين التي
كنت أعاقب من أجلها كانت تنظر إليّ فكنت أتنعم بالنظر إليها فما كنت أحسّ بمواقع السوط
من ظهري فلما كان في السوط الموفى مائة غابت عني فأحسست بموقع السوط فاستغثت.
ورأيت المرأة الصالحة بمكة فاطمة بنت التاج ضربها أبوها ضرباً مبرحاً من غير جناية فما
أحسّت بذلك وكانت تحسّ بشيء يحول بين ظهرها ومواقع السياط فيقع السوط في ذلك
الحائل وتسمع وقع السوط بأذنها وتتعجب حیث لا تحسّ به.

٢٣٠
في الأحوال / االباب السابع والعشرون ومائتان في معرفة حال المراد
وقد جرى لنا مثل هذا في بدايتنا في حكاية طويلة، فهذا المراد قد يعطيه الله اللذة دائمـ
بكل شيء يقوم به من بلاء ونعمة، فإن النعيم ليس بشيء زائد على عين اللذة القائمة
بالشخص، كما أن البلاء ليس بشيء زائد على وجود عين الألم، وأما الأسباب الموجبة لهمـ
فغير معتبرة عندنا فليس صاحب البلاء إلاَّ من قام به الألم، وليس صاحب النعمة سوى من
قامت به اللذة، ويكون السبب ما كان معتاداً أو غير معتاد، وهذا القسم قد يجعل الله فيه أن
يكون مراداً له في نفسه جميع ما يريد الله أن ينزله به، فإذا أعطاه الله مرادة ولا بدّ من ذلك فإن
ذلك مراد الله تعالى فإنه يلتذ بوقوع مراده، فتكون الشدائد والمكاره المضادة مرادة له فتحل بـ
فيحملها بما عنده وما جعل الله فيه من القوّة، فقد يكون حال المراد بهذه المثابة وأهل البداية
في هذا الطريق كلهم عند حصول التوبة ملتذون بكل شدة تطرأ عليهم فهي شدة عند غيرهم
وهي ملذوذة هيئة عندهم، ولهذا أهل النهاية من العارفين يحنون إلى البداية لأجل هذه اللذة
فإنهم لا يجدونها في النهاية فإنهم أهل تمييز متحققون بالحق فهم أهل غضب ورضى فيحنون
إلى البداية لأجل ما فيها من الالتذاذ، وكلما كمل الرجل أعطاه الله التمييز في الأمور وحقّقه
بالحقائق إذ الموطن يعطي ذلك، فلو كان مزاج الدنيا على مزاج الجنة لم يعطَ إلاَّ نسيماً
مجرداً أو على مزاج النار لم يعط إلاَّ ألماً، فلما كان ممتزجاً وقتاً هكذا ووقتاً هكذا كان
العارفون بحسب الموطن، وإذا علمت هذا فاعلم أنه يكون أيضاً من أحوال المراد رفع التمني
والطمع والإخلاص من نفسه مع المبالغة في الأعمال فيشاهدها من حيث ما هو محل لجريانه
ويجعلها من جملة الأقدار الجارية عليه وذلك لفنائه عمّا ينسب إليه من الحول والقوّة فليس له
مقام ولا يحكم عليه حال، فإنه لا يرى المقام ولا الحال لنظره إلى رب المقام والحال بعين
رب المقام والحال متفرج في جريان الأقدار عليه وظهورها فيه وهو مع نفسه كأنه لا داخل
فيها ولا خارج عنها .
وصل: وأما كون هذا الشخص سمّي مراداً ليس معناه أنه مراد لما أريد به وإنما معناه أنه
محبوب، فإن المحبوب لا يكون معذباً بشيء فلا بدّ أن يحول المحب بين ما يؤلم محبوبه
وبين محبوبه وإن لم يفعل ذلك فليس بمحب ولا ذلك محبوباً، وكذا وقع أنّ الله ما ابتلى من
ابتلى من عباده المحبوبين عنده من كونهم محبوبين وإنما رزقهم من جملة ما رزقهم أن
جعلهم محبين له، فلما ادّعوا محبته ابتلاهم من كونهم محبين لا من كونهم محبوبين فافهم.
فالمحبوب له الإدلال والمحب له الخضوع فالمراد هو المحبوب فلا يذوق بلاء، وأما المراد
الذي يكون مراداً لما أريد به فإنه لا بدّ أن يرزق الإرادة لما أريد به فلا يقع له إلاَّ ما هو مراد له
وقد ذكرناه، وما كل مراد لما أريد به يكون له إرادة فيما أريد به، فمن يكون له إرادة ذلك فهو
المراد المصطلح عليه في هذا الطريق، فالمراد لما أريد به هو حال يعمّ الخلق أجمعه ما فيه
اختصاص، ومن يكون له إرادة فيما أريد به فذلك خصوص وهو المطلوب بهذه اللفظة وهذ
الاسم في هذا الطريق عند أهل الله فيكون مراداً مريداً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل،
فإن الكلام في باب الإرادة والمراد والمريد يطول.

٢٣١
في الأحوال / الباب الثامن والعشرون ومائتان في حال المريد
الباب الثامن والعشرون ومائتان
في حال المريد
فاعلم يا وليّ وفقك الله أنه: [البسيط]
ليس المريدُ الذي قامَتْ إرادتُهُ
فإن أرادَ أموراً ليس يُدركُها
به ولكنَّه من يَنْقَضِي غَرَضُهْ
فإن حاكمَه في صَرْفِه مَرَضُهُ
في حكمه جَوْهَرٌ في الكون أو عَرَضُهْ
وليس إذ ذاك من أَهْلِ الطريقٍ ولا
لفظة المريد عند المحققين من أهل الله تطلق بإزاء المنقطع إلى الله المؤثر جناب الله
الساعي في محاب الله ومراضيه، وقد يطلقونها بإزاء المتجرد عن إرادته، وأعظم مراتب
المريد عندهم وعندنا أن يكون نافذ الإرادة لا عن كشف، فإن كان عن كشف فليس بمريد
وإنما هو عالم بما يكون، كما أنه ليس من شرط المراد أن تكون له إرادة فيما يقع في الوجود
به وبغيره أن يكون ما يقع مشهوداً له في إرادته فیریده قبل وقوعه بل قد لا يكون ذلك وليس
بشرط، وإنما حاله أن الأمر إذا وقع في الوجود يرضى به ويلتذّ بوقوعه ولا يردّه بخاطره ولا
يكرهه، فاعلم أنه من أعلمه الله مراده فيما يكون عناية منه فإنه مطلوب بالتأهب لذلك ولا
سيما فيما يقع به لا بغيره فيتلقاه بالصفة التي يطلبها ذلك الواقع شرعاً من رضى أو صبر أو
شكر، فإن كان مع هذا الإعلام يكون مريداً لذلك فتلك إرادة موافقة، ويكون مريداً لقيام
الإرادة به لا لنفوذ إرادته، فإنه لا ينبغي في الطريق أن يسمّى مريداً إلاَّ من تنفذ إرادته وهو الله
أو من أعطاه الله ذلك من خلقه، وما سمعنا أنه نال هذا المقام أحد من خلق الله فإنه قد صح
عندنا كشفاً ونقلاً أنه لا مقام أعلى من مقام محمد بلهر ومع هذا قد سأل الله في أشياء منها أن
لا يجعل الله بأس أمته بينها فلم يقبل سؤاله في ذلك قال رَّير: ((فَمَنَعَنِيهَا)) فإذا لم يكمل مقام
نفوذ الإرادة له ◌ّ﴾ فكيف يناله غيره؟ فإنه ممّن انفرد الله به، فمن أطلعه الله على مراداته فما
أراد إلاَّ ما يقع فيظهر نفوذ إرادته وما يعلم الناس ما هو مشهوده الذي أشهده الحق فهم
يتخيلون أن ذلك المراد الواقع من أثر همته وليس كذلك، فالمريد من انقطع إلى الله تعالى عن
نظر واستبصار وطلب مرضاة الله وتجرّد عن إرادته، إذا علم أنه ما يقع في الوجود إلا ما يريده
الله لا ما يريده الخلق فيقول هذا المريد: فلماذا أتعنّى وأريد ما لا أعلم أنه يقع أم لا يقع، فإنه
لا علم لي بما في علم الله تعالى من ذلك، فإن وقع ما أريد فلكونه مراد الله فبماذا أفرح؟ وإن
لم يقع فلا بدّ من انكسار الخيبة فاستعجل الهمّ وربما ينجر معه عدم الرضى لعدم وقوع
المراد، فالأولى أن لا يريد إلاَّ ما يريده الحق كان ما كان على الإجمال، فمتى وقع تلقيته
بالقبول والرضى فيتجرد عن إرادته فلا يبقى له إرادة إلاَّ على هذا الحكم.
وأما الذي يطلعه الله من المريدين على مراد الله في العالم فإن ذلك قد يكون على أحد
طريقين: الطريق الواحدة بإخبار إلهيّ وكشف لما يكون. والطريق الثانية أن يرزقه الله علم ما
تعطيه حقائق الأشياء وترتيبها الإلهيّ الذي رتبت عليه فيريد عند ذلك أمراً مّا فلا تخطئ له

٢٣٢
في الأحوال/ الباب التاسع والعشرون ومائتان في حال الهمة
إرادة بل يقع مراده على حسب ما تعلق به، فهذا مريد بالحق كما كان سميعاً بصيراً بالحق إذ
كان الحق سمعه وبصره فتكون أيضاً إرادته، ومهما أخطأت إرادته فليس بمريد على الحقيقة،
إذ لا فائدة في أن لا يكون مريداً إلاَّ من قامت به الإرادة، وإنما الفائدة في أن لا يكون مريداً
إلاَّ من تنفذ إرادته، فالمريد في هذه الطريقة يحمل المشاق والشدائد، والمكاره مشاق وشدائد
ومكاره غير ملتذّ بها بل يحملها من أجل الله أو أجل ما له فيها أي في حملها من السعادة
الأبدية أعلاها وأن يشكر الله فعله فيكون ممّن أثنى الله عليه، فيتجرع الغصص ويصبر عليها
لعلمه بما في طيّ ذلك من الخير الإلهيّ، وقد يكون بعض رجال الله مريداً من وجه مراداً من
وجه فتختلف أحواله فتختلف أحكامه، فإذا التذّ بالواقع المكروه كان مراداً، وإذا تألم بالواقع
المحبوب كان مريداً فكيف حاله بالمكروه؟ فهذا حال المريد قد بيّناه مفصلاً لمن يعقل من
أهل الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والعشرون ومائتان
في حال الهمة
[نظم: المتقارب]
فإن الوجودَ لها مسْتعِدّ
إذا كنتَ في هِمَّةٍ فاتَّئد
ولا تَكُ ممَّنْ بها يَسْتَبدّ
ولا تفتَحَنَّ بها مُغْلقاً
كما أنتَ في باطنِ المُعْتَقَدْ
ولا تَزْكنَنَّ إليها وكُنْ
فباطن المعتقد كون الله هو الفاعل للأشياء لا أثر فيها لهمة مخلوق ولا لسبب ظاهر ولا
باطن، لعلمه بأن الأسباب إنما جعلها الله ابتلاء ليتميز من يقف عندها ممّن لا يرى وقوع
الفعل إلاَّ بها ممّن لا يرى ذلك، ويرى الفعل لله من ورائها عندها لا بها.
اعلم أن الهمة يطلقها القوم بإزاء تجريد القلب للمنى، ويطلقونها بإزاء أوّل صدق
المريد، ويطلقونها بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام فيقولون: الهمة على ثلاث مراتب: همة
تنبه، وهمة إرادة، وهمة حقيقة. فاعلم أن همة التنبّه هي تيقّظ القلب لما تعطيه حقيقة الإنسان
ممّا يتعلق به التمنّي سواء كان محالاً أو ممكناً فهي تجرد القلب للمنى فتجعله هذه الهمة أن
ينظر فيما يتمناه ما حكمه فيكون بحسب ما يعطيه العلم بحكمه، فإن أعطاه الرجوع عن ذلك
رجع، وإن أعطاه العزيمة فيه عزم، فيحتاج صاحب هذه الهمة إلى علم ما تمناه. وأما همة
الإرادة وهي أوّل صدق المريد فهي همة جمعية لا يقوم لها شيء وهذه الهمة توجد كثيراً في
قوم يسمون بأفريقية العزابية يقتلون بها من يشاؤون، فإن النفس إذا اجتمعت أثرت في أجرام
العالم وأحواله ولا يعتاض عليها شيء حتى أدّى من علم ذلك ممّن ليس عنده كشف ولا قوّة
إيمان أن الآيات الظاهرة في العالم على أيدي بعض الناس إنما ذلك راجع إلى هذه الهمة ولها
من القوّة بحيث أن لها إذا قامت بالمريد أثراً في الشيوخ الكمل فيتصرفون فيهم بها، وقد يفتح
على الشيخ في علم ليس عنده ولا هو مراد به بهمة هذا المريد الذي يرى أن ذلك عند هذا

٢٣٣
في الأحوال/ الباب التاسع والعشرون ومائتان في حال الهمة
الشيخ، فيحصل ذلك العلم في الوقت للشيخ بحكم العرض ليوصله إلى هذا الطالب صاحب
الهمة إذ لا يقبله إلاَّ منه، وذلك لأن هذا المريد جمع همته على هذا الشيخ في هذه المسألة،
والحكايات في ذلك مشهورات مذكورة، وأثر هذه الهمة في الإلهيات قول الله تعالى: ((أَنَا عِنْدَ
◌َنَّ عَبْدِيَ بِي فَلْيَظُنَّ بِي خَيْراً) فمن جمع همته على ربه أنه لا يغفر الذنب إلاَّ هو وأن رحمته
وسعت كل شيء كان مرحوماً بلا شك ولا ريب، قال تعالى: ﴿وَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ
أَزْدَ انَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢٣] لأنهم ظنّوا ﴿ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] فلهذا قلنا إنه لا بدّ من علم ما تتعلق به هذه الهمة، فإن تعلقت بمحال
لم يقع وعاد وبالها على صاحبها فأثر في نفسه بهمته، وإن تعلقت بما ليس بمحال وقع ولا بدّ
وهنا من هذه الطائفة تعلقت بالمحال وهو نفي العلم عن الله ببعض أعمال العباد فعذبهم الله
بأعمالهم فظنهم أرداهم، وهذه مسألة لا يمكن أن أوفيها حقّها لاتساعها وما يدخل فيها ممّا لا
ينبغي أن يقال ولا يذاع، غير أن لها النفوذ حيث وجدت، فإذا لم تجتمع ودخلها خلل فليس
لها هذا الحكم، فلو أن هؤلاء الذين ظنوا بربهم أنه ﴿ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يظنون أن الله
لا يؤاخذ على الجريمة لما هو عليه من الصفح والتجاوز وتحجبهم جمعيتهم على هذا عن
بطشه تعالى وشديد عقابه لم يؤاخذهم فإن ظنهم إنما تعلق بممكن .
وأمّا همة الحقيقة التي هي جمع الهمم بصفاء الإلهام فتلك همم الشيوخ الأكابر من أهل
الله الذين جمعوا هممهم على الحق وصيّروها واحدة لأحدية المتعلق هرباً من الكثرة وطلباً
لتوحيد الكثرة أو للتوحيد، فإن العارفين أنفوا من الكثرة لا من أحديتها في الصفات كانت أو
في النسب أو في الأسماء وهم متميزون في ذلك أي هم على طبقات مختلفة، وأن الله
يعاملهم بحسب ما هم عليه لا يردّهم عن ذلك إذ لكل مقام وجه إلى الحق، وإنما يفعل ذلك
ليتميز الكثير الاختصاص بالله الذي اصطنعه الله لنفسه من عباد الله عن غيره من العبيد، فإن الله
أنزل العالم بحسب المراتب لتعمير المراتب، فلو لم يقع التفاضل في العالم لكان بعض المراتب
معطلاً غير عامر، وما في الوجود شيء معطل بل هو معمور كله، فلا بدّ لكل مرتبة من عامر
يكون حكمه بحسب مرتبته، ولذلك فضل العالم بعضه بعضاً، وأصله في الإلهيات الأسماء
الإلهية أين إحاطة العالم من إحاطة المريد من إحاطة القادر؟ فتميز العالم عن المريد والمريد عن
القادر بمرتبة المتعلق، فالعالم أعمّ إحاطة فقد زاد وفضّل على المريد والقادر بشيء لا يكون
للمريد ولا للقادر من حيث إنه مريد وقادر فإنه يعلم نفسه تعالى ولا يتصف بالقدرة على نفسه
ولا بالإرادة لوجوده، إذ من حقيقة الإرادة أن لا تتعلق إلاَّ بمعدوم والله موجود، ومن شأن
القدرة أن لا تتعلق إلاَّ بممكن أو واجب بالغير وهو واجب الوجود لنفسه، فمن هناك ظهر
التفاضل في العالم التفاضل المراتب، فلا بدّ من تفاضل العامرين لها، فلا بدّ من التفاضل في
العالم إذ هو العامر لها الظاهر بها، وهذا ممّا لا يدرك كشفاً بل إدراكه بصفاء الإلهام، فيكشف
المكاشف عمارة المراتب بكشفه للعامرين لها ولا يعلم التفاضل إلاَّ بصفاء الإلهام الإلهيّ، فقد
نبهناك على معرفة الهمة بكلام مبسوط في إيجاز فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٣٤
في الأحوال / الباب الموفي ثلاثين ومائتين في الغربة
الباب الموفي ثلاثين ومائتين
في الغربة
[نظم: الطويل]
تغرَّبْ عن الأوطانِ والحالِ والحقُّ
وكُنْ نافذاً في كل أمرٍ تَرُومُهُ
ولولا وجودُ الفَتْقِ في الأرض والسَّمَا
كذاك سمواتُ العقول وأرضُها
فدارتْ بأفلاك القوى ثم أبْرَزَتْ
عَسَاكَ تَحُوزُ الأمرَ في مَفْعَد الصُّدْقِ
ولا تَذْهَشَنْ إن جاءك الحقُّ بالحقُّ
لما دارتِ الأفلاكُ من شدَّةِ الرَّثْقِ
وأعني بها الطّبْعَ المؤثّرَ في الخَلْقِ
معارفَها للسامعين من النُّطْقِ
اعلم أن الغربة عند الطائفة يطلقونها ويريدون بها مفارقة الوطن في طلب المقصود
ويطلقونها في اغتراب الحال، فيقولون في الغربة الاغتراب عن الحال من النفوذ فيه، والغربة
عن الحق غربة عن المعرفة من الدهش، أما غربتهم عن الأوطان بمفارقتهم إياها فهو لما
عندهم من الركون إلى المألوفات، فيحجبهم ذلك عن مقصودهم الذي طلبوه بالتوبة وأعطتهمٍ
اليقظة وهم غير عارفين بوجه الحق في الأشياء فيتخيلون أن مقصودهم لا يحصل لهم إلا
بمفارقة الوطن وأن الحق خارج عن أوطانهم، كما فعل أبو يزيد البسطامي لما كان في هذا
المقام خرج من بسطام في طلب الحق فوقع به رجل من رجال الله في طريقه فقال له: يا أبا
يزيد ما أخرجك عن وطنك؟ قال: طلب الحق، قال له الرجل: إن الذي تطلبه قد تركته
ببسطام، فتنبّه أبو يزيد ورجع إلى بسطام ولزم الخدمة حتى فتح له فكان منه ما كان فهؤلاء هم
السائحون، فجعل الله سياحة هذه الأمة الجهاد في سبيل الله .
واعلم أن هذا الأمر ليس باختيار العبد وإنما صاحب هذا الأمر يطلب وجود قلبه مع ربه
في حاله، فإذا لم يجده في موضع يقول: ربما أن الله تعالى لم يقدر أن يظهر إلى قلبي في هذا
الموضع، فيرحل عنه رجاء الحصول لما علم أن الله تعالى قد رتّب أموراً واقتضى علمه أزلاً
أنه لا يكون كذا إلاَّ بموضع كذا وبطالع كذا وبسبب كذا، فلما حكم عليه هذا الإمكان وفقد
قلبه في بعض المواطن عن وجود متقدم أولاً عن وجود رحل عن ذلك الموطن رجاء حصول
البغية، هذا سبب اغترابهم عن الأوطان وأمثاله، فإن بعضهم قد يفارق وطنه لما كان فيه من
العزّة فإذا رأى أنه قد زاد عزّاً بالزهد والتوبة أو لم يكن مذكوراً فاشتهر بالتوبة والخير فأورثه
عزّاً في قلوب الناس فوقع الإقبال عليه بالتعظيم فيفر يغترب عن وطنه إلى مكان لا يعرف فيه
لمعرفته بنفسه مع ربه، فإن تعظيم الناس للشخص سم قاتل مؤثر فيه أثراً يؤديه إلى الهلاك،
وهذا أيضاً من الأسباب المؤدية إلى مفارقة الموطن والاغتراب عن الأهل، فحيث وجد قلبه
مع الله أقام .
أخبرني شيخي أبو الحسين ابن الصائغ الزاهد المحدث بسبتة قال: سمعت شيخنا أبا
عبد الله محمد بن رزق رحمه الله في سياحة كنا معه فيها أقرأ عليه بعض أجزاء الحديث وكان

٢٣٥
في الأحوال / الباب الموفي ثلاثين ومائتين في الغربة
صاحب رواية يقول: مررت في سياحتي بمسجد خراب في فلاة من الأرض فقلت: أدخل
أركع فيه ركعتين فدخلته فوجدت قلبي فقعدت فيه سنتين فأين زمان ركعتين من سنتين؟
فمطلوبهم بالغربة عن الأوطان وجود القلب مع الله، فحيثما وجدوه قاموا في ذلك الموضع.
قال بعضهم: كنت ماراً إلى مكة فرأيت في الطريق شاباً تحت شجرة وهو يصلي في
البرية وحده فقلت له: ألا تمشي إلى مكة؟ فقال لي: كنت أسير إلى مكة عام أول فلما مررت
بهذه الشجرة وجدت قلبي فلي هنا سنة لا أبرح من هذا الموضع إلاَّ إن فقدت قلبي، قال :
فبعد سنة مررت بذلك الموضع وبتلك الشجرة فلم أجد الشاب فمشيت غير بعيد فإذا بالشاب
قائم يصلي فسلمت عليه فعرفني فقلت له: رأيتك قد تركت تلك السمرة، فقال لي: لما
فقدت قلبي أخذت في طريقي الذي نويت أولاً أريد مكة فانتهيت إلى هذا الموضع فوجدت
قلبي فأنا به أيضاً مقيم، فقلت له: من أين طعامك وشرابك؟ قال: من عنده يجيئني به في
الوقت الذي يريد أن يغذيني، قال: فتركته وانصرفت وما أدري ما انتهى إليه أمره بعد ذلك،
فقد يطلبون بالغربة وجود قلوبهم مع الله .
وأما غربة العارفين عن أوطانهم فهي مفارقتهم لا مكانهم فإن الممكن وطنه الإمكان
فيكشف له أنه الحق والحق ليس وطنه الإمكان فيفارق الممكن وطن إمكانه لهذا الشهود،
ولما كان الممكن في وطنه الذي هو العدم مع ثبوت عينه سمع قول الحق له: ﴿ كُنْ﴾ [سورة
النحل: الآية ٤٠] فسارع إلى الوجود فكان ليرى موجده، فاغترب عن وطنه الذي هو العدم رغبة
في شهود من قال له: ﴿كن﴾ فلما فتح عينه أشهده الحق أشكاله من المحدثات ولم يشهد
الحق الذي سارع إلى الوجود من أجله، وفي هذه الحال قلت: [الطويل]
إذا ما بدا الكونُ الغريبُ لنّاظري
حَنَنْتُ إلى الأوطانِ حَنَّ الرَّكَائبِ
يقول: فأردت الرجوع إلى العدم، فإني أقرب إلى الحق في حال اتصافي بالعدم مني
إليه في حال اتصافي بالوجود لما في الوجود من الدعوى وطلب حالة الفناء عن الحق للبقاء
بالحق هو أن يرجع إلى حالة العدم التي كان عليها، فهذه غربة أيضاً موجودة واقعة عن وطن
بغير اختيار العبد، ومن غربة العارفين بالله غربتهم عن صفاتهم عند وجودهم الحق عين
صفاتهم وهذه غربة حقيقية، فإن الصفة مضافة إليهم بكلام الله وهو الصادق فهم أهل صفة،
ولكن ما هي تلك الصفة وإلى من تضاف حقيقة؟ فإن العالم يضاف إلى الله بأنه عبد الله، كما
أن الله مضاف إلى العالم فإنه رب العالمين فإضافة العبد مستندة إلى إضافة الحق، فأول غربة
اغتربناها وجوداً حسيّاً عن وطننا غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بالربوبية الله علينا، ثم
عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام وطننا فاغتربنا عنها بالولادة فكانت الدنيا وطننا واتخذنا
فيها أوطاناً فاغتربنا عنها بحالة تسمّى سفراً وسياحة إلى أن اغتربنا عنها بالكلية إلى موطن
يسمّى البرزخ فعمرناه مدة الموت فكان وطننا، ثم اغتربنا عنه بالبعث إلى أرض الساهرة فمنا
من جعلها وطناً أعني القيامة ومنا من لم يجعله وطناً فإنه ظرف زماني، والإنسان في تلك
الأرض كالماشي في سفره بين المنزلتين ويتخذ بعد ذلك أحد الموطنين: إما الجنة وإما النار،

٢٣٦
في الأحوال / الباب الموفي ثلاثين ومائتين في الغربة
فلا يخرج بعد ذلك ولا يغترب، وهذه هي آخر الأوطان التي ينزلها الإنسان ليس بعدها وطن
مع البقاء الأبدي.
وأما قولهم في الغربة إنها الاغتراب عن الحال من النفوذ فيه، فتلك غربة أخرى، وذلك
أن أصحاب الأحوال لا شكّ أن لهم النفوذ والتحكّم وبها يكون خرق العوائد لهم المشهورة
فى العالم، فإذا اطلعوا على أن الحال لا أثر له فيما ظهر له من الفعل عند قيامه بهم فيما أعطاه
الكشف لم يرضوا به فاغتربوا عنه وقالوا: الوقوف معه وبال على صاحبه، فيرون أن الغربة
عنه غاية السعادة وأنه من أعظم حجاب يحجب به الإنسان وأنه موضع المكر والاستدراج،
فإن العاقل لا يقف في مواطن إمكان المكر فيها بل ينبغي له أن لا يقف إلاَّ في موضع يكون
على بصيرة فيه كما فعل موسى في غربة الوطن ﴿فَفَرَّرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا
وَجَعَلَى مِنَ اُلْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢١] فاغترب بجسمه عن وطنه خوفاً منهم، فلو كان مثل
خروج محمد رَّ من مكة إلى المدينة مهاجراً لم يكن خوفه منهم، بل كان مشهوده خوفه من
الله أن يسلطهم عليه فوهب له مع الرسالة التي كانت له قبل هجرته السيادة على العالمين فإن
الهجرة كانت له مطلوبة وهي الاغتراب عن وطنه، فعلامة صدق المريد في غربته عن وطنه
حصول مقصوده، فإذا لم يحصل فخلل في غربته إذا طلبه وجده فليس بصادق، وإذا فارقه
بالكلية ظاهراً وباطناً فلا بدّ من حصول المقصود، فمن تعلق قلبه بوطنه في حال غربته فما
اغترب الغربة المطلوبة .
وأما الغربة عن الحق التي هي من حقيقة الدهش عن المعرفة فاعلم أن الإمكان موطنه
غير موطن الوجوب بل هما موطنان للواجب والممكن، وموطن الممكن العدم أولاً وهو
موطنه الحقيقي، فإذا اتصف بالوجود فقد اغترب عن وطنه بلا شك، وكان في حال سكناه في
وطنه مشاهداً للحق فإنه جار له إذ وصف العدم له أزلاً وصف الوجود لله أزلاً فاغترب عن
وطنه بالوجود ففارق مجاورة الحق ولزم الحدوث بهذه الغربة والحق غير متصف بهذه الصفة
ولم يتصف الحق بالحدوث أزلاً في حال عدمه فاغترب عن الحق بحدوثه، ولما حصل له
الوجود الحادث ووقعت المشاركة في الوجود بينه وبين الحق دهش فإنه رأى ما لا يعرفه فإنه
عرف نفسه متميزاً عن الحق بحال العدم، فلما فارق هذا الحال بالوجود أدركه الدهش عن
المعرفة الأولى، وهذه الغربة حال رجلين: رجل لم يأنس بهذا المقام ولا وصل إليه بطريق
استدراج وترق من حال إلى حال بل أتاه بغتة فجاءه ما لم يعهده ولا ألفه فرأى نفسه تضعف
عن حمله فيخاف من عدم عينه فيدهش عن تحصيل تلك المعرفة ويرجع إلى حسّه عاجلاً
فيتغرب عن الحق في تلك الرجعة، ورأينا من أهل هذا المقام أبا العباس أحمد العصاد
المعروف بمصر بالحريري وما رأينا غيره. وأما الرجل الآخر فهو رجل ما من معرفة ترد عليه
إلاَّ وتدهشه لعظيم ما يرى ممّا هو أعلى ممّا حصل له وأمكن، فيتغرب عن الحق الذي كان
بيده ويحصل من هذه المعرفة حقاً يقوم به إلى وقت تجلّ آخر يعطي فيه معرفة تدهشه لما
ذكرناه فيتغرب أيضاً عن الحق الذي حصل له في هذه المعرفة دائماً أبداً دنيا وآخرة.

٢٣٧
في الأحوال / الباب الأحد والثلاثون ومائتان في المكر
وأما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلاً وإنهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم
يبرحوا عن وطنهم، ولما كان الحق مرآة لهم ظهرت صورهم فيه ظهور الصور في المرآة فما
هي تلك الصور أعيانهم لكونهم يظهرون بحكم شكل المرآة ولا تلك الصور عين المرآة لأن
المرآة ما في ذاتها تفصيل ما ظهر منهم وما هم فما اغتربوا وإنما هم أهل شهود في وجود،
وإنما أضيف إليهم الوجود من أجل حدوث الأحكام إذ لا تظهر إلاّ من موجود، فمرتبة الغربة
ليست من منازل الرجال فهي منزلة أدنى ينزلها المتوسطون والمريدون. وأما الأكابر فما يرون
أنه اغترب شيء عن وطنه بل الواجب واجب والممكن ممكن والمحال محال فتعين وطن كل
مستوطن، ولو قامت غربة بهم لانقلبت الحقائق وعاد الواجب ممكناً والممكن واجباً والمحال
ممكناً والأمر ليس كذلك، والغربة عند العلماء بالحقائق في هذا المقام غير موجودة ولا
واقعة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأحد والثلاثون ومائتان
في المكر
[نظم: السريع]
من حيثُ لا يعلمه الماكِرُ
يُسْتَدرجُ العاقلُ في عَقْلهِ
يدري بذاكَ الفَطِنُ الخَابِرُ
ومَكْرُه عاد عليه وما
ليحصلَ الباطنُ والظاهرُ
فمن أراد الأمنَ من مَكْرهِ
فيُعْلَمُ الرابحُ والخاسِرُ
يُحَقِّقُ الميزانَ من شَرْعِهِ
اعلم أن المكر يطلقه أهل الله على أرداف النعم مع المخالفة وإبقاء الحال مع سوء
الأدب وإظهار الآيات من غير أمر ولا حدّ. واعلم أنه من المكر عندنا بالعبد أن يرزق العبد
العلم الذي يطلب العمل ويحرم العمل به وقد يرزق العمل ويحرم الإخلاص فيه، فإذا رأيت
هذا من نفسك أو علمته من غيرك فاعلم أن المتصف به ممكور به، ولقد رأيت في واقعة وأنا
ببغداد سنة ثمان وستمائة قد فتحت أبواب السماء ونزلت خزائن المكر الإلهيّ مثل المطر العام
وسمعت ملكاً يقول: ماذا نزل الليلة من المكر، فاستيقظت مرعوباً ونظرت في السلامة من
ذلك فلم أجدها إلاّ في العلم بالميزان المشروع، فمن أراد الله به خيراً وعصمه من غوائل
المكر فلا يضع ميزان الشرع من يده وشهود حاله وهذه حالة المعصوم والمحفوظ. فأما
إرداف النعم مع المخالفة فهو موجود اليوم كثير في المنتمين إلى طريق الله، وعاينت من
الممكور بهم خلقاً كثيراً لا يحصي عددهم إلاّ الله وهو أمر عام. وأما إبقاء الحال مع سوء
الأدب فهو في أصحاب الهمم وهم قليلون على أنا رأينا منهم جماعة بالمغرب وبهذه البلاد
وهو أنهم يسيؤون الأدب مع الحق بالخروج عن مراسمه مع بقاء الحال المؤثرة في العالم
عليهم مكراً من الله، فيتخيلون أنهم لو لم يكونوا على حق في ذلك لتغير عليهم الحال نعوذ
بالله من مكره الخفي، قال تعالى: ﴿سَنَتَدْرِعُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٢]

٢٣٨
في الأحوال / الباب الأحد والثلاثون ومائتان في المكر
﴿وَأُمْلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَنِينُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٣] وقال: ﴿ وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ﴾ [سورة النمل: الآية ٥٠] وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِدُونَ كَيْدًا وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ [سورة الطارق: الآية ١٥ -١٦]
وهو من كاد من أفعال المقاربة أي كاد أن يكون حقاً لظهوره بصفة حق، فهو كالسحر المشتق
من السحر الذي له وجه إلى الليل ووجه إلى النهار، فيظهر للممكور به وجه النهار منه فيتخيل
أنه الحق نعوذ بالله من الجهل .
واعلم أن المكر الإلهي إنما أخفاه الله عن الممكور به خاصة لا عن غير الممكور به
ولهذا قال: ﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فأعاد الضمير على المضمر في ﴿سَنَتَدْرِجُهُم﴾ وقال:
﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فمضمرهم هو المضمر في مكروا فكان مكر
الله بهؤلاء عين مكرهم الذي اتصفوا به وهم لا يشعرون، ثم قد یمکر بهم بأمر زائد على
مكرهم فإنه أرسله سبحانه نكرة فقال: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ فدخل فيه عين مكرهم ومكر آخر
زائد على مكرهم، وقد يكون المكر الإلهي في حق بعض الناس من الممكور بهم يعطي
الشقاء وهو في العامّة، وقد يكون يعطي نقصان الحظ وهو المكر بالخاصة وخاصة الخاصة
لسرّ إلهيّ وهو أن لا يأمن أحد مكر الله لما ورد في ذلك من الذمّ الإلهيّ في قوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ
مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٩٩] ومن خسر ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َتُهُمْ وَمَا
كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦] فأخفى المكر الإلهيّ وأشده ستراً في المتأوّلين ولا سيما
إن كانوا من أهل الاجتهاد وممّن يعتقد أن كل مجتهد مصيب وكل من لا يدعو إلى الله على
بصيرة وعلم قطعيّ فما هو صاحب اتباع لأن المجتهد مشرع ما هو متبع إلاَّ على مذهبنا، فإن
المجتهد إنما يجتهد في طلب الدليل على الحكم لا في استنباط الحكم من الخبر بتأويل يمكن
أن يكون المقصود خلافه، فإذا أمكن فليس صاحبه ممّن هو على بصيرة، وإن صادف الحق
بالتأويل فكان صاحب أجرين بحكم الاتفاق لا بحكم القصد فإنه ليس على بصيرة، وإن لم
يصادف الحق كان له أجر طلب الحق فنقص حظه، فهذا مكر إلهيّ خفي بهذا العالم المتأوّل
فإنه من المتأهلين أن يدعو إلى الله على بصيرة بتعليم الله إياه إذا كان من المتقين، فمكر
العموم الإلهيّ في إرداف النعم على أثر المخالفات وزوالها عند الموافقات فلا يؤخذ بها، فإن
كان من علماء عامّة الطريق فيرى أن ذلك من حكم قوّة الصورة التي خلق عليها فيدعي القهر
والتأثير في الحكم الإلهيّ بالوعيد، ويرى أن عموم الحكمة أن يعطي الأسماء الإلهية حقها،
فيرى أن الاسم الغفار والغفور وأخواته ليس له حكم إلاَّ في المخالفة، فإن لم تقم به
مخالفات لم يعط بعض الأسماء الإلهية حقها في هذه الدار ويحتج لنفسه بقول الله: ﴿يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٣]
وكذلك يفعل وهذا النظر كله لا يخطر له عند المخالفة وإنما يخطر له ذلك بعد وقوع
المخالفة، فلو تقدّمها هذا الخاطر لمنع من المخالفة فإنه شهود والشهود يمنعه من انتهاك
الحرمة الشرعية ولهذا ورد الخبر: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سَلَبَ ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهُمْ
حَتَّى إِذَا أَمْضَى فِيهِمْ قَضَاءَهُ وَقَدَره رَدَّهَا عَلَيْهِمْ لِيَعْتَبِروا)) فمنهم من يعتبر ومنهم من لا يعتبر

٢٣٩
في الأحوال / الباب الأحد والثلاثون ومائتان في المكر
كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْجِنَ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فمنهم من عبده ومنهم
من أشرك به، فما يلزم نفوذ حكم العلة في كل معلول، فلو أبقى عليهم عقلهم ما وقع منهم ما
وقع كذلك لو كان المشهود له عند إرادة وقوع المخالفة للأسماء الإلهيّة لمنعه الحياء من
المسمّى أن ينتهك حرمة خطابه في دار تكليفه، فالمخالف يقاوم القهر الإلهيّ ومن قاوم القهر
الإلهي هلك، فإذا أردف النعم على من هذه حالته تخيل أن ذلك بقوّة نفسه ونفوذ همته وعناية
الله به حيث رزقه من القوّة ما أثر بها في الشديد العقاب وغاب عن الحليم وعن الإمهال وعدم
الإهمال، فإن لم يقصد انتهاك الحرمة بقوّة ما هو عليه من حكم اسم إلهيّ فليس بممكور به
مثل عصاة العامّة عن غفلة وندامة بعد وقوع مخالفة، فالصبر على إرداف النعم لما في طيّها
من المكر الإلهيّ أعظم من الصبر على الرزايا والبلايا، فإن الله يقول لعبده: مرضت فلم
تعدني، ثم قال في تفسير ذلك: أما إن فلاناً مرض فلم تعده فلو عدته لوجدتني عنده كما
يجده الظمآن المضطر عندما يسفر له السراب عن عدم الماء فيرجع إلى الله بخلاف النعم فإنها
أعظم حجاب عن الله إلاَّ من وفقه الله.
وأما مكر الله بالخاصة فهو مستور في إبقاء الحال عليه مع سوء الأدب الواقع منه وهو
التلذّذ بالحال والوقوف معه، وما يورث من الإدلال فيمن قام به والهجوم على الله وعدم طلب
الانتقال منه وما قال الله لنبيه ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] وما أسمعنا ذلك إلاَّ
تنبيهاً لنقول ذلك ونطلبه من الله، ولو کان خصوصاً بالنبي لم یسمعنا أو کان یذکر أنه خاص به
كما قال في نكاح الهبة فللحال لذة وحلاوة في النفس يعسر على بعض النفوس طلب الانتقال
من الأمر الذي أورثه ذلك الحال بل لا يطلب المزيد إلا منه وجهل أن الأحوال مواهب.
وأما المكر الذي في خصوص الخصوص وهو في إظهار الآيات وخرق العوائد من غير
أمر ولا حدّ الذي هو ميزانها فإنه لما وجب على الأولياء سترها كما وجب في الرسل إظهارها
إذا مكّن الوليّ منها وأعطي عين التحكيم في العالم يطلب الممكور به لنقص حظ عن درجة
غيره يريد الحق ذلك به، وجعل فيهم طلباً لطريق إظهارها من حيث لا يشعر أن ذلك مكر
إلهيّ يؤدي إلى نقص حظ، فوقع الإلهام في النفس بما في إظهار الآيات على أيديهم من انقياد
الخلق إلى الله عزّ وجلّ، وإنقاذ الغرقى من بحار الذنوب المهلكة وأخذهم عن المألوفات،
وأن ذلك من أكبر ما يدعى به إلى الله، ولهذا كان من نعت الأنبياء والرسل، ويرى في نفسه
أنه من الورثة، وأن هذا من ورث الأحوال فيحجبهم ذلك عمّا أوجب الله على الأولياء من
ستر هذه الآيات مع قوتهم عليها وغيبهم عن ما أوجب الله على الرسل من إظهارها لكونهم
مأمورين بالدعاء إلى الله ابتداء، والوليّ ليس كذلك إنما يدعو إلى الله بحكاية دعوة الرسول
ولسانه لا بلسان يحدثه كما يحدث لرسول آخر والشرع مقرّر من عند العلماء به، فالرسول
على بصيرة في الدعاء إلى الله بما أعلمه الله من الأحكام المشروعة، والوليّ على بصيرة في
الدعاء إلى الله بحكم الاتباع لا بحكم التشريع فلا يحتاج إلى آية ولا بينة، فإنه لو قال ما
يخالف حكم الرسول لم يتبع في ذلك ولا كان على بصيرة فلا فائدة لإظهار الآية، بخلاف

٢٤٠
في الأحوال / الباب الثاني والثلاثون ومائتان في مقام الاصطلام
الرسول فإنه ينشئ التشريع وينسخ بعض شرع مقرر على يد غيره من الرسل فلا بدّ من إظهار
آية وعلامة تكون دليلاً على صدقه أنه يخبر عن الله إزالة ما قرّره الله حكماً على لسان رسول
آخر إعلاماً بانتهاء مدة الحكم في تلك المسألة، فيكون الوليّ مع خصوصيته قد ترك واجباً
فنقصه من مرتبته ما يعطيه الوقوف مع ذلك الواجب والعمل به، فلا شيء أضرّ بالعبد من
التأويل في الأشياء، فالله يجعلنا على بصيرة من أمرنا ولا يتعدّى بنا ما يقتضيه مقامنا، والذي
أسأل الله تعالى أن يرزقنا أعلى مقام عنده يكون لأعلى وليّ فإن باب الرسالة والنبوّة مغلق،
وينبغي للعالم أنه لا يسأل في المحال وبعد الإخبار الإلهيّ يغلق هذا الباب فلا ينبغي أن نسأل
فيه، فإن السائل فيه يضرب في حديد بارد إذ لا يصدر هذا السؤال من مؤمن أصلاً قد عرف
هذا، ويكفي الوليّ من الله أن جعله على بصيرة في الدعاء إلى الله تعالى من حيث ما يقتضيه
مقام الولاية والاتباع كما جعل الرسول يدعو إلى الله على بصيرة من حيث ما يقتضيه مقام
الرسالة والتشريع ويعصمنا من مكره ولا يجعلنا من أهل النقص، ويرزقنا المزيد والترقي دنيا
وآخرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والثلاثون ومائتان
في مقام الاصطلام
[نظم: الكامل]
وله على كل الثَّعوت تَقَدُّمُ
للاضطِلام على القلوبِ تَحَكُمُ
وهو السبيلُ من الإله الأقْوَمُ
يعطي الشَّخَيّرَ في العقولِ وجودُهُ
ذاك المؤمَّلُ والنبيُّ الأعْلَمُ
من قال زِذني فيك تَحَيُّراً
أَلْبَابُ أهل الله أين هُمْ هُمُ
لولاه ما عُرِفَ الإلهُ ولا دَرَتْ
الاصطلام في اصطلاح القوم وله يرد على القلب سلطانه قويّ فيسكن من قام به تحته،
وهو أن العبد إذا تجلّى له الحق في سرّه في صورة الجمال أثر في نفسه هيبة، فإن الجمال
نعت الحق تعالى والهيبة نعت العبد، والجمال نعت الحق، والأنس نعت العبد، فإذا اتصف
العبد بالهيبة لتجلّى الجمال فإن الجمال مهوب أبداً كان عن الهيبة أثر في القلب وخدر في
الجوارح، حكم ذلك الأثر اشتعال نار الهيبة فيخاف لذلك سطوته فيسكن، وعلامته فيه في
الظاهر خدر الجوارح وموتها، فإن تحرك من هذه صفته فحركته دورية حتى لا يزول عن
موضعه فإنه يخيل إليه أن تلك النار محيطة به من جميع الجهات فلا يجد منفذاً فيدور في
موضعه كأنه يريد الفرار منه إلى أن يخف ذلك عنه بنعت آخر يقوم به وهو حال ليس هو
مقام. ولما كان هذا الاصطلام نعت الشبلي كان يدور لضعفه وخوفه غير أن الله كانت له عناية
منه فكان يرده إلى إحساسه في أوقات الصلوات، فإذا أدّى صلاة الوقت غلب عليه حال
الاصطلام بسلطانه فقيل للجنيد عنه فقال: أمحفوظ عليه أوقات الصلوات؟ فقيل: نعم، فقال
الجنيد: الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب، فما أحسن قول الجنيد لسان ذنب فإنه أخید