Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ في الأحوال / الباب السادس عشر ومائتان في معرفة الفتوح وأسراره واستدراج، فإن الله قد ذكر الفتح بالبركات من السماء والأرض وذكر الفتح بالعذاب هذا حتى لا يفرح العاقل بالفتح عند فتح الباب حتى يرى ما يفتح له، قال بعضهم عند الموت: هذا باب كنت أقرعه منذ كذا وكذا سنة هو ذا يفتح لي ولا أدري بماذا قالت عاد، هذا عارض ممطرنا حجبتهم العادة قيل لهم: ﴿بَلَ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِّ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٢٤] فلا تغتر بالفتح إذا لم تدر ما ثمة. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤]. ولما كان الفتح الإلهيّ على نوعين في العالم: فتح عن قرع وفتح ابتداء لا عن قرع، فأما فتح القرع فيعلم أهل الله بماذا يفتح فإن القرع هو دليلهم على ما يفتح به وليس مطلوب القوم بالفتوح هذا النوع وإنما مطلوبهم بالفتوح ما يكون ابتداء من غير تعمل لذلك، وإن كان يطلبه العمل من العبد الذي هو عليه بحكم التضمن، ولكن ما يخطر للعبد العامل ذلك جملة واحدة فيكون الفتح في حقه إذا ورد ابتداء، وإذا ورد الفتح على اختلاف ضروبه كما قررناه تعين على هذا العبد إقامة الوزن بالقسط كما أمره الله في قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٩] فيقيم الوزن هذا العبد بين حاله الذي هو عليه وبين الفتح، فإن كان الفتح مناسباً للحال فهو نتيجة حاله فيقيم عند ذلك وزناً آخر وهو أن ينظر في مقدار الفتح وقوّة الحال فإن ساواه فهو نتيجة بلا شك، فليحذر هذا العبد مكر الله في هذا الفتح فإنه نتيجة في غير موطنها، فربما عجلت له عطيته وانقلب إلى الدار الآخرة صفر اليدين، فإن كان الفتح ممّا يعطي أدباً وترقياً فليس بمكر بل هو عناية من الله تعالى بهذا العبد حيث زاده فتحاً يؤدّيه إلى زيادة خير عند الله تعالى. وإن أقام الوزن بين مقدار الفتح وقوّة الحال ورأى الفتح فوق الحال فينزل منه مقدار قوّة الحال وما زاد فذلك هو الفتوح الذي ذكرته الطائفة، هذا أصل ينبغي أن يعلم ويتحقق وله شواهد يعلمها الذائق له، وإن لم يدخل الفتح في ميزان الحال جملة واحدة وبقي حاله موفوراً عليه كان ذلك الفتح هو الفتح المطلوب عند القوم. وبعد أن تقرر هذا فلنذكر كل نوع من أنواع الفتوح، أما الفتوح في العبارة فإنه لا يكون إلاَّ للمحمدي الكامل من الرجال ولو كان وارثاً لأي نبي كان، وأقوى مقام صاحب هذا الفتح الصدق في جميع أقواله وحركاته وسكونه إلى أن يبلغ به الصدق أن يعرف صاحبه وجليسه ما في باطنه من حركة ظاهرة، لا يمكن لصاحب هذا الفتح أن يصوّر كلاماً في نفسه ويرتبه بفكره ثم ينطق به بعد ذلك، بل زمان نطقه زمان تصوّره لذلك اللفظ الذي يعبر به عمّا في نفسه زمان قيام ذلك المعنى في نفسه وصورته، وليس لغير صاحب هذا الفتح هذا الوصف، ويكون التنزّل على صاحب هذا الفتح من المرتبة التي نزل فيها القرآن خاصة من كونه قرآناً لا من كونه فرقاناً ولا من كونه كلام الله، فإن كلام الله لا يزال ينزل على قلوب أولياء الله تلاوة، فينظر الوليّ ما تلى عليه مثل ما ينظر النبي فيما أنزل عليه فيعلم ما أريد به في تلك التلاوة، كما يعلم النبي ما أنزل عليه فيحكم بحسب ما يقتضيه الأمر هكذا هو الشأن، ولهذا التنزّل في قلب الوليّ حلاوة نذكرها في النوع الثاني من الفتح، فلا تقع التلاوة لصاحب هذا الفتح إلاّ من كون المتلوّ قرآناً لا غير، فيفتح الله له في العبارة فيعرب بقلمه أو بلفظه عمّا في نفسه بحيث أن ٢٠٢ في الأحوال / الباب السادس عشر ومائتان في معرفة الفتوح وأسراره يوضح المقصود عند السامع إذا كان السامع ممّن ألقى السمع، ومن علامة صاحب هذا الفتح عند نفسه استصحاب الخشوع وتوالي الاقشعرار عليه في جسده بحيث أن يحسّ بأجزائه قد تفرقت، فإن لم يجد ذلك في نفسه فيعلم أنه ليس ذلك الرجل المطلوب ولا هو صاحب هذا الفتح، وهذا فتح ما رأيت له في عمري فيمن لقيته من رجال الله أثراً في أحد، وقد يكون في الزمان رجال لهم هذا الفتح ولم ألقهم غير أني منهم بلا شك عندي ولا ريب فللَّه الحمد على ذلك، وسيرد في فصل المنازل في منزل القرآن فرقان ما بين أسمائه، فإنه القرآن والفرقان والنور والهدى وغير ذلك من الأسماء الموضوعة له، ومهما تصوّر المتكلم المعبر عمّا في نفسه ما يتكلم به قبل العبارة ويرتب التعبير عن الأمر في نفسه ويحسنه ويتمعنه بحيث أن يحسن عند كل من يسمع تلك العبارة فليس هو بصاحب فتح، فإنه من شأن الفتوح أن يفجأ ويأتي بغتة من غير شعور، هكذا كل فتوح يكون في هذا الطريق. ثم إنه من حقيقة صاحب هذا الفتح شهود ما يعبر عنه وشهود من يسمع منه وبما يسمع منه، فيعطيه من العبارة ما يليق بذلك السمع الخاص، فإن لم يكن بهذا الوصف فليس هو بصاحب فتح في العبارة، وهذا معنى قولنا إن سببه الإخلاص. النوع الثاني من الفتوح الذي هو فتح الحلاوة في الباطن وهو سبب جذب الحق بأعطافه، فهذه الحلاوة وإن كانت معنوية فإن أثرها عند صاحبها يحسّ به كما يحسّ ببرد الماء البارد، وصورة الإحساس بها كصورة الإحساس بكل محسوس، وطريقها في الحسّ من الدماغ ينزل إلى محل الطعم فيجدها ذوقاً، فيجد عند حصول هذا الذوق استرخاء في الأعضاء والمفاصل وخدراً في الجوارح لقوّة اللذة واستفراغاً لطاقته، ومن أصحاب هذا الفتح من تدوم معه هذه الحلاوة ساعة ويوماً، وأكثر من ذلك ليس لبقائها زمان مخصوص فإنه اختلف علينا بقاؤها، فوقتاً نزلت علينا في قضية فدامت معنا ساعة ثم ارتفعت ثم نزلت في واقعة أخرى فدامت أياماً ليلاً ونهاراً حينئذ ارتفعت، فإذا ارتفعت زال ذلك الخدر من الجوارح، وهذه الحلاوة لا يمكن أن يشبهها لذة من اللذات المحسوسة لأنها غريبة لكونها معنوية في غير مادة محسوسة، فما تشبه حلاوة العسل ولا حلاوة الجماع ولا حلاوة شيء محسوس، كما أنها أيضاً لا تشبه حلاوة حصول العلوم المعشوقة للطالب بل هي أعلى وأجلّ، وأثرها في الحسّ أعظم من أثر الحلاوة المركبة في المواد المحسوسة كحلاوة كل حلو، وتميزها عن لذات المعاني إنما هو بما لها من الأثر في الحسّ فافهم ذلك. ولما سماني الحق عبداً بأسمائه وفتح لي في هذه الحلاوة ما رأيت أشد أثراً منها في الاسم العزيز، فلما ناداني بيا عبد العزيز ومعنى ذلك أن يقام الإنسان عبداً في كل اسم إلهيّ ليحصل الفرقان بين الحقائق لتحصيل العلوم الإلهية وجدت لهذا النداء من الحلاوة ما لم أجد لغيره من الأسماء، ونظرت في سبب ذلك فوجدت أن مقام العزّة يقتضي أن يكون الأمر كذلك، وهذه الحلاوة وإن تميزت عن حلاوة المحسوسات والمعاني فهي متنوعة في نفسها، فحلاوة أمر مّا منها خلاف حلاوة أمر آخر يجد الذائق الفرق بينهما كحلاوة السكر يجد ٢٠٣ في الأحوال / الباب السادس عشر ومائتان في معرفة الفتوح وأسراره الإنسان الفرق بينها وبين حلاوة العسل وإن اشتركا في الحلاوة وكذلك الأمر هنا، ولا تحصل هذه الحلاوة لأحد من أهل الله إلاَّ بالعطف الإلهيّ، فإذا ورد العطف الإلهيّ على العبد رزقه الله وجدان هذه الحلاوة في باطنه فيجذبه إليه تعالى لأن النفس مجبولة على الميل إلى كل ما تستلذه، ومن أشدّ حلاوة من هذا الفتح مرّ عليّ في هذا الزمان لما تلى عليَ ﴿تَ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [سورة القلم: الآية ١] فلم أجد لذة أعظم من لذة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم: الآية ٤] فهذه أعظم بشرى وردت عليّ. ثم إنه تليت عليّ مرتين في زمانين متتابعين فزادني إعجاباً بها تكرار التلاوة عليّ بها، وتكرار التلاوة فينا مثل تكرار نزول الآية أو السورة على الرسول مرتين، كما جاء في نزول سورة والمرسلات وغيرها أنها نزلت مرتين، فإذا عطف الحق على عبده بهذه الحلاوة فجذبه إليه بها ليمنحه علماً لم يكن عنده فإن لم يجد علماً فليس بجذب ولا تلك حلاوة فتح فذلك من علامات فتح الحلاوة، وإنما يفعل الحق ذلك لتكون حركة العبد معلولة لأنه معلول في الأصل وذلك لإقامة حجة الله عليه، فإن العبد يزهو بالقوّة الإلهية التي عنده، فربما يرى أن له تنزيهاً بانجذابه إلى الحق دون غيره من العبيد، ويزعم أن ذلك إيثار منه لجناب الحق، فجعل الله انجذابه عن حلاوة، فإن زها كما قلنا قامت الحجة علينا بأنه ما أخذ به إلى الحق إيثار جناب الحق بل وجدان الحلاوة والالتذاذ فلنفسه سعى ولله المنة وحده لا منة لأحد على الله، وله الحجة البالغة لا حجة لأحد على الله، وكل من قال بغير هذا من أهل الله فإنما قالها شطحاً لا حقيقة لغلبة الحال عليه فهو لسان حاله لا لسانه، فإذا أفاق قال: سبحانك تبت إليك. فإن قلت: فما معنى الجذب هنا مع كونه معه؟ قلنا: ليس أحد مع الحق من حيث ما هو الحق لنفسه وإنما هم مع الحق من حيث ما أقامه الحق فيه، فيكون من الحق الجذب بهذه " الحلاوة من الحال التي أقامه الحق فيها لحال آخر يفيده فيه علماً لم يكن عنده ذوقاً هكذا على الدوام إلى ما لا نهاية له، وسمّاه جذباً لأنّ العبد لا بدّ أن يتعشق بحاله ويألفه فلا ينجذب عنه إلاَّ بما هو أعجب إليه منه، فلهذا فتح له في الحلاوة لتخلصه ممّا وقف معه، فإذا انجذب إلى الحق صحبه حاله الذي كان عليه أيضاً لأنه لا يفارقه إذ المعلوم لا يجهل فبقي حكم الجذب، إنما متعلقه أن لا يتركه يقف مع حاله فيقتصر عليه فيحدث له التشوّق إلى تحصيل أمر آخر ليس عنده مع صحبته لما كان عليه من الحال فاعلم ذلك. وليس كل أهل الله على هذا القدم الذي ذكرناه، وإنما هذا الذي ذكرناه حال الأكابر منهم، فإن جماعة من أهل الله يشغلهم ما رجعوا إليه عمّا كانوا عليه، فإن الله قد رفع بعضهم على بعض وفضل كل صنف بعضه على بعض فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيَعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٥]. واعلم أن أصل وجدان هذه الحلاوة فينا من الجناب الإلهيّ من الحلاوة الإلهيّة التي يتضمنها صريح قوله عليه السلام: ((لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ)) الحديث، فمن هناك نشأت هذه الحلاوة في باطن أهل الله، فإن فهمت فقد رميت بك على الطريق، ولا يعرف هذا إلاَّ ٢٠٤ في الأحوال / الباب السادس عشر ومائتان في معرفة الفتوح وأسراره العارفون بالله المنعوت في الشرع لا المدلول عليه بالعقل، وهكذا جميع ما يأتي من مثل هذا الباب، وليس للضحك الإلهيّ ولا التبشبش مدخل في هذه الحلاوة بل ذلك للفرح فلا تخلط ولا تقس فإن طريق الله لا تدرك بالقياس، فما كل أمر يشبه أمراً له حكم ذلك المشبه ليس الأمر كذلك، وإنما له منه حكم ما وقع الشبه به كالحمصة تشبه اللؤلؤة في الاستدارة وما لكل واحدة منهما حكم الأخرى، كما تختلف العلل أيضاً مع أحدية المعلول إذا كان المعلول محمولاً كالاستدارة التي وقع التمثيل بها وهي أمر محمول في المستدير، كان المستدير ما كان فعلة استدارة الفلك ليست علة استدارة اللؤلؤ، فاختلفت العلل لاختلاف محال المعلول والمعلول الاستدارة، فاحذر من القياس في العلم الإلهيّ، بل إن تحققت الأمور لم يصح وجود القياس أصلاً، وإنما هو من الأمور التي غلط فيها أهل النظر في أن حملوا حكم المقيس عليه على المقيس، فهذا قد بيّنا في هذا النوع من الفتح قدر ما تقع به الكفاية لمن أراد تحصيله ذوقاً من نفسه فإذا ذاقه علم ما يحتمله من البسط. وأما النوع الثالث من الفتوح وهو فتوح المكاشفة الذي هو سبب معرفة الحق اعلم أوّلاً أن الحق أجل وأعلى من أن يعرف في نفسه لكن يعرف في الأشياء، فالمكاشفة سبب معرفة الحق في الأشياء والأشياء على الحق كالستور، فإذا رفعت وقع الكشف لما وراءها فكانت المكاشفة فيرى المكاشف الحق في الأشياء كشفاً، كما يرى النبي ◌َّر من وراءه من خلف ظهره فارتفع في حقّه الستر وانفتح الباب مع ثبوت الظهر والخلف فقال: ((إِنِي أَرَاكُمُ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي)) وقد ذقنا هذا المقام ولله الحمد فلا يعرف الحق في الأشياء إلاَّ مع ظهور الأشياء وارتفاع حكمها، فأعين العامة لا تقع إلاَّ على حكم الأشياء، والذين لهم فتوح المكاشفة لا تقع أعينهم في الأشياء إلاَّ على الحق، فمنهم من يرى الحق في الأشياء، ومنهم من يرى الأشياء والحق فيها وبينهما فرقان، فإن الأوّل ما تقع عينه عند الفتح إلاَّ على الحق فيراه في الأشياء، والثاني تقع عينه على الأشياء فيرى الحق فيها لوجود الفتح، وأصل ظهور هذا الفتح من الجناب الإلهيّ حالة قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَتِهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] فيرفع الابتلاء حجاب الدعوى الذي كان يدعيه الكون، فيكون الكشف وهو التعلّق الخاص من العلم الإلهيّ بما وقع الأمر عليه، فعلم صدق دعوى الكون من كذبه، فمن هذه الصفة الإلهيّة ظهر فتح المكاشفة إذ لا يظهر في الوجود حكم إلاَّ وله أصل في الجناب الإلهيّ إليه استناده، ولا يصحّ أن يكون الأمر إلاّ هكذا، فإنه قد ذكرنا في غير ما موضع أن علم الله بالأشياء من علمه بنفسه فخرج العالم على صورته فلا يشذ عنه حكم أصلاً، فهو سبحانه رب كل شيء ومليكه، فالأشياء مرتبطة به في كل حال، وما هو في كل حال مرتبط بالأشياء، ولهذا غلط من غلط من أصحابنا ومن بعض النظار في أنهم عرفوا الله ثم عرفوا الأشياء فهم عرفوا الله من حيث أنه واجب الوجود لذاته وأنه لا يصحّ أن يكون ثم واجب الوجود لذاته فصحت أحدية واجب الوجود، هذا كله صحيح لا نزاع فيه عند المنصف، ولكن ليس المقصود إلاَّ علم كونه رباً لهذا العالم، هذا لا يعرفه ما لم تتقدم له معرفته بالعالم، هذا ما يعطيه علم الكمل من ٢٠٥ في الأحوال / الباب السابع عشر ومائتان في معرفة الرسم والوسم وأسرارهما رجال الله من أهل الحق ولهذا قال عليه السلام: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) ما قال: من عرف ربه عرف نفسه، لأنه من حيث نفسه واجب الوجود وله الغنى المطلق، فلا التفات للغنى المطلق إلى غير ذاته، إذ لو التفت لم يصحّ ما قرره فلا يعلم أنه بإله للعالم، فإذا أراد أن يعلم أنه إله العالم نظر في العالم فرأى فيه حقيقة الافتقار بإمكانه إلى المرجح، فلم يجد إلاَّ هذا الواجب الوجود لذاته الذي أثبته بدليله قبل أن ينظر في هذه المسألة الأخرى فأضافه إليه فقال: هذا الواجب هو رب هذا العالم، وبغير هذا الطريق في النظر فلا يعرف أنه إله العالم. ثم إن أهل النظر انحجبوا عمّا ثبت في نفوسهم من افتقارهم حين صرفوا النظر إلى معرفة واجب الوجود لذاته، فإن ثبت عندهم بالدليل أظهر لهم إمكانهم وافتقارهم من حيث لا يشعرون أن ذلك الواجب الوجود هو إلههم فقالوا: علمنا بالله متقدم على علمنا بالعالم وصدقوا ما قالوا علمنا بإلهنا أنه إلهنا متقدم على علمنا بنا فلم يشعروا بما وقعوا فيه من الغلط وعلمت بذلك الأنبياء فجعلت العالم دليلاً عليه، وأعظم فتح المكاشفة في مثل هذه المسألة أن يرى الحق فيكون عين رؤيته إياه عين رؤيته العالم للارتباط المحقق فيكشف العالم من رؤيته الله تعالى، ولكن هذه الدقيقة ليست لأهل النظر لأن النظر ليس في قوّته ذلك وإنما هو من خصائص الكشف، هذا أبلغ ما يمكن أن تحقق به هذه المسألة من تقدّم العلم بالله من كونه إلهاً للعالم على العلم بالعالم، فهذا لا يعرف إلاَّ من فتوح المكاشفة، وما رأيت أحداً من المتقدّمين من أهل الله تعالى نبّه في هذا الفتوح الكشفيّ على هذه المسألة على التعيين، فأحمد الله تعالى حيث أجرى على لساني الإبانة عن هذه المسألة فإنه ما كان في نفسي أن أشير إليها فأحرى أن أصرّح بها، وإنما الغيرة غلبت عليّ والحرص على نصح العباد الذين أمرني الحق بنصحهم على التخصيص أدّاني إلى شرح هذا القدر في فتوح المكاشفة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع عشر ومائتان في معرفة الرسم والوسم وأسرارهما [نظم: السريع] والوَسْمُ ما دلَّ عليه الخَبَرُ الرَّسْمُ ما أعطَيْتَه من أَثَز ما فيهما لعاقلٍ مُعْتَبَزْ أن دياراً قد عفى رسمها معرفةٍ وصحَّ منكَ النَّظَرْ والوَسْمُ للتمييز إن كنت ذا سيماهُمُ في وجههم من أَثَر وعنهما أخبَرَنا قَوْلُه أظهره ربُّ القضاء والقَدَز في أزل كان لهم كلُّ ما وكُنْ به في حِزْب مَنْ قد شَكَرْ فسلم الأمرَ إلى عِلْمهِ في حزب من يَجْحَدُ أو من كَفَرْ فإنه أَوْلَى بنا لا تَكُنْ اعلم أن الوسم والرسم عند الطائفة نعتان يجريان في الأبد بما جريا في الأزل، يريدون ٢٠٦ في الأحوال / الباب السابع عشر ومائتان في معرفة الرسم والوسم وأسرارهما بما سبق في علم الله لا أنهما جريا في الأزل ويستبين تحقيق الإشارة إليهما، فالوسم بالواو من السمة وهي العلامة الإلهيّة على العبد أو في العبد تكون دلالة على أنه من أهل الوصول والتحقق. وأما الرسم بالراء فهو أثر الحق على العبد الظاهر عليه عند رجوعه من حال مّا قد ادعاه أو مقام فيصدقه هذا الأثر الظاهر عليه في دعواه، فاعلموا أيّدنا الله وإياكم بروح منه أن الوسم فينا كالأسماء لله دلالات عليه ليعرف بها، فلما كثرت المعاني وتعددت نسبتها جعل للذات المنسوبة إليها هذه المعاني أسماء بإزاء كل معنى اسماً يدل عليه ويعرف به لتحصيل الفوائد من العلماء بذلك المتعلقة بها، فجعل الله لكل حال ومقام علامة تسمى وسماً تدل على ذلك المقام والحال دلالة ترفع الإبهام والإجمال والاشتراك، وتكون تلك الدلالة نعتاً لذلك المعنى الذي له الحكم من هذه الذات، فلا يزال يجري في الأبد أي يظهر دائماً كما لم يزل في الأزل. وهنا نكتة بديعة وذلك أنا قد قدمنا أن العالم على صورة الحق ومن علمه بنفسه تعلق العلم بالعالم فكان العالم مشهوداً للحق أزلاً وإن لم يكن موجوداً، والوسم من جملة العالم على حكمه ومرتبته فهو مشهود له أزلا يجري بحسب ما هو عليه في الأبد، هذا هو تحقيق شأنه وكذلك الرسم، فجميع ما هو العالم عليه في الأبد إنما هو على صورة ما ظهر به في الأزل إذ لا يختلف شهود الحق فيه، وقد كان مشهوداً له في الأزل حيث لم يكن موجوداً عينياً، فقد شاهد هذا الرسم والوسم أزلاً يجريان في العالم كما هما في الأبد عليه فافهم ذلك، وليس الوسم ولا الرسم بجعل جاعل في الأصل بل ظهرا هنا في الأبد بجعل جاعل وهو الله تعالى، ولا بدّ لكل حال ومشهد ومقام من أثر فيمن قام به ذلك لأثر هو الرسم، فالأثر من حيث ظهوره في المؤثر فيه بفتح الثاء يسمى رسماً وهو بعينه من حيث أنه دلالة على صدق صاحب ذلك الحال أو المشهد أو المقام أو ما كان يسمى وسماً، فعين مسمّى الوسم هو عين مسمّى الرسم، ويختلفان من حيث الحكم، فالوسم عين الرسم من وجه وليس هو عينه من وجه إذا اعتبرت الحكم، فالرسم في الجناب الإلهيّ الذي صدر عنه هذا الرسم في الكون هو كون الحق يظهر فيه أثر الإجابة عند سؤال السائلين إذ لا يكون مجيباً إلاَّ عن سؤال، فلما أوجب السؤال الإجابة كانت الإجابة أثراً في المجيب فهذا هو الرسم الإلهيّ ودليلنا عليه ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] ولما كان الأمر في نفسه بهذه المثابة في الجناب الإلهيّ ظهر في العالم الأثر أيضاً إذ لو لم يكن كذلك لظهر في العالم أمر لا مستند له في الجناب الإلهيّ فيناط به الجهل به إذ قد تقرّر أن علمه بالعالم علمه بنفسه، فلهذه الحقيقة الإلهيّة استناد الرسم والوسم، وقد يكون قول الطائفة في الوسم والرسم بما جريا في الأزل حكمهما في الجناب الإلهيّ إذ كان العالم ظاهراً بصورة حق، ولا يحتمل البسط في هذا الباب أكثر من هذا، وأمّا التفصيل فيه فيطول بطول العالم والعالم لا يتناهى الأثر فيه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . : في الأحوال / الباب الثامن عشر ومائتان في معرفة القبض وأسراره على الاختصار والإجمال ٢٠٧ الباب الثامن عشر ومائتان في معرفة القبض وأسراره على الاختصار والإجمال [نظم: السريع] تُعْلَمُ أوقاتاً وقد تُجْهَلُ للقَبْضِ أسبابٌ ولكنّها فحُكْمُه السَّبَبُ الأوّلُ فكلُّ ما تُعْلَمُ أسبابُه فلا تَقُلْ أدنى ولا أفضَلُ وكلُّ ما تُجْهَل أسبابُه يعرفه الأمْثَلُ فالأمْثَلُ فأفضلُ القَبْضِ إليه الذي عليه أهلُ الله قد عَوَّلوا كَقَبْضِهِ الظلَّ إليه وذا اعلم أن الطائفة قالت في القبض إنه عبارة عن حال الخوف في الوقت، فإن الأسف في الماضي والخوف والحذر في المستقبل والقبض للمعنى الحاصل في الوقت، وبعضهم نزع في القبض إلى نتائجه فقال: القبض وارد يرد على القلب يوجب إشارة إلى عتاب أو زجر باستحقاق تأديب. وقال بعضهم: القبض حال ينتجه الخوف وقد يكون الخوف مشعوراً به وقد لا يكون، فاعلموا أيّدكم الله أن القبض في الجناب الإلهيّ الذي عنه صدر القبض في الكون هو ما اتصف به الحق سبحانه من صفات المخلوقين ولا سيما في قوله: ((ووسعني قلب عبدي))، ثم تجليه لكل معتقد فيه في صورة اعتقاده فيه فصار الحق كأنه محصور مقبوض عليه بالاعتقادات، وهي العلامة التي بين الله وبين عامة عباده، ولو لم يكن كذلك لم يكن إلهاً وهو إله العالم بلا شك فلا بدّ من اتصافه بهذه السعة والعالم متباين الاستعداد، ولا بدّ له من الاستناد، فلا يزال يعبد كل جزء من العالم الله من حيث استعداده، فلا بدّ أن يتجلى له الحق بحسب استعداده للقبول ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] فقد قبض بكلتا يديه على ما اعتقده ﴿ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] فلو كان تسبيحهم راجعاً إلى أمر واحد لم يجهل أحد تسبيح غيره. وقد قال الله: إن تسبيح الأشياء لا يفقه، فدل على أن كل شيء يسبح إلهه بما تقرر عنده منه ممّا ليس عند الآخر. ولما كان في قضية العقل أن الله عزّ وجلّ لا يكون محصوراً وفي قضية الوقوع وجود الحصر وصف نفسه في آخر الآية بأنه حليم، فلم يؤاخذ مع القدرة من زعم أن الحق على وصف كذا خاصة وما هو على وصف كذا، ووصف نفسه في آخر هذه الآية بأنه غفور لما ستر به قلوبهم عن العلم به إلاَّ من شاء من عباده فإنه أعطاه العلم به على الإجمال وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] لأنه عين كل شيء بدليل العلامة التي ثبتت عنه، والشيء لا يكون مثلاً لعينه لأنه عين كل شيء في كل ظل وكل فيء، وكل طائفة سوى أهل الله قد نزهته أن يكون كذا ولهذا أخبر عنهم فقال: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ﴾ أي ينزّه ﴿يَدِهِ﴾ أي بالثناء عليه والتنزيه البعد، وما ذكر الله أنه أمرهم بتسبيحه بل أخبر أنهم يسبحون بحمده، فاجعل بالك لقول الله في تلاوتك لما يقوله ربك عن نفسه وما يقوله العالم عنه وفرّق ولا تحتج فيه إلاّ بما قاله عن نفسه لا بما ٢٠٨ في الأحوال / الباب التاسع عشر ومائتان في معرفة البسط وأسراره يحكيه من قول العالم فيه تكن من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. وحقيقة حال القبض الإلهيّ في إخباره تعالى عن نفسه: (( ما تردّدت في شيء أنا فاعله تردّدي في قبض عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بدّ له من لقائي))، فوصف نفسه بالكراهة وكل كاره فحاله القبض، فافهم ما نبهتك عليه تعثر على الحق. وقد حصل في هذا الخبر أمران موجبان للقبض وهما: التردّد والكراهة والغضب المنسوب إليه والغضب حكم قبض بلا شك، ولكن لما كان الجناب الإلهيّ في اعتقاد العامة يضيق المجال فيه الذي وسعه الشارع لم نقدر على إيضاح الأمر على ما هو عليه ذلك الجناب الإلهيّ إذ له الاتساع الذي لا ينبغي إلا له ومن أسمائه الواسع وهو من أعظم الأسماء إحاطة وهو الاسم الذي يتضمن الأسماء الإلهيّة التي تطلبها الأكوان كلها لاتساعه وهي أكثر من أن تحصى كثرة، وأعيانها معلومة عند أهل الله تعالى في قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ فمن كحل عين بصيرته بكحل الكشف علم ما قلناه، وكل أثر وخبر ورد فيه القهر الإلهيّ فإنه من باب القبض الإلهيّ، ومن هناك ظهر القبض فينا، فمن وفى مقام القبض حالاً وذوقاً كان قبضه إلهياً بلا شك. وأما القبض الذي هو عن حال الخوف كما يراه بعضهم فذلك قبض خاص يتعلق بالنفس وسواء خاف صاحبه على نفسه أو على غيره، فإن كان خوفه على غيره صحبه الإشفاق إذ كان آمناً على نفسه، وكخوف الأنبياء على أممهم يوم القيامة فهم وأمثالهم ممّن يحزنهم الفزع الأكبر من أجل أممهم وهم ممّن لا يحزنهم الفزع الأكبر من أجل أنفسهم، والقبض حال خوف أبداً إلاَّ القبض المجهول سببه فإنه أيضاً مجهول الخوف، فإذا ورد القبض المجهول على قلب العارف سكن تحته ولم يتحرك رأساً حتى ينقدح له السبب، فيعمل عند ذلك بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك السبب من الأثر فيه في أي جانب ظهر من حق وخلق وهو من المقامات المستصحبة إلى أول قدم يلقيه في الجنة فيرتفع عنه ولا يتصف به أبداً، كما يرتفع بعض حكم الأسماء الإلهيّة الموجودة هنا وفي الآخرة بانقضاء مدة حكمها فلا تجد قابلاً فترتفع بارتفاع حكمها إذ كانت عين حكمها، ومن هنا تعلم أن أعيان الأسماء الإلهيّة هي أعيان أحكامها، ولذلك تبقى أعيانها ما بقيت أحكامها وتفنى بفناء أحكامها، فلو كانت الأسماء الإلهيّة راجعة إلى ذات المسمّى موجودة قائمة بها لم يصحّ فناؤها ولا فناء أحكامها، ولو كانت أيضاً راجعة إلى ذات المسمّى لكان حكمها كذلك فلم يبق أن تكون إلاَّ لنسب وإضافات لا وجود لها في عينها، فلذلك قلنا إنها عين أحكامها فتزول بزوال الحكم وتثبت بثبوته. الباب التاسع عشر ومائتان في معرفة البسط وأسراره [نظم: البسيط] إلاّ الإلهُ الذي أقامنا فيهِ البَسْطُ حالٌ ولكن ليس يَدْریهِ ٢٠٩ في الأحوال/ الباب التاسع عشر ومائتان في معرفة البسط وأسراره به الوجودُ الذي تبدو مَعَانيهِ وهو الذي عن عيونِ الخَلْقِ يُخْفيهِ جاء الكتابُ به لو كنتَ تَذْرِيهِ في عالم الأمر هذا في تَجَلِیهِ له الشَّحَكُّمُ في الأكوان أجْمَعِها وليس يَخجُبِه عنا سوى قَدَرٍ البَغْيُ حكمّ له إن كنتَ ذا نظرٍ في عالم الخَلْقِ هذا الحكمُ ليس له اعلم وفقك الله أن البسط عند الطائفة عبارة عن حال الرجاء في الوقت، وقال بعضهم: القبض والبسط أخذ وارد الوقت بحكم قهر وغلبة، والبسط عندنا حال حكم صاحبه أن يسع الأشياء ولا يسعه شيء، حقيقة البسط لا تكون إلاَّ لرفيع المنزلة رفيع الدرجات، فينزل بالحال إلى حال من هو في أدنى الدرجات فيساويه وهو في الجناب الإلهيّ في مثل قوله تعالى: ﴿وَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] وأعظم في النزول ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٥] ولأجل هذا البسط قال من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَغَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] وهذا القول تصديق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِى الْأَرْضِ﴾ [سورة الشورى: الآية ٢٧] ومن البسط الإلهيّ قوله تعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ, وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٢٨] ولولا البسط الإلهيّ ما تمكن لأحد من خلق الله أن يتخلق بجميع الأسماء الإلهيّة، وأعظم تعريف في البسط الإلهيّ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [سورة النجم: الآية ٣٢] ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ فلما تمكن مثل هذا البسط في قلوب العباد ربما أثر في قلوبهم بغياً فتعدوا منزلتهم، فلما علم الحق أنه ربما أثر ذلك مرضاً في قلوب بعض العباد جعل دواءه تمام الآية وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فأنزل الداء والدواء وهذا من نشر رحمته لأن الأدنى في مرتبة تقتضي أن لا يكون صاحب بسط، فإن انبسط فليس له إلاّ أن يجول في غير ميدانه فيكون البسط من الأدنى سوء أدب. ولما علم الحق هذا أمر عباده بالتخلق بمكارم الأخلاق وأثنى عليهم بها وجعل ذلك من أعظم أعمال العباد فظهروا بها عن الأمر الإلهيّ فكان بسطهم عبادة وقربة إلى الله، وهذا من نشر رحمته واتساع مغفرته وعموم تفضله، فبسط العباد بسط عن قبض وبسط الحق لا عن قبض بل له البسط ابتداء، ثم بعد ذلك يكون القبض الإلهيّ وهو قوله بَّه: ((إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقْت غَضَبَهُ)) فمن رحمته وبسطه أوجد الخلق، ولا يكون حكم القبض والبسط إلاَّ مع ثبوت الأغيار، ولولا الأغيار لم يتحقق بسط ولا قبض فتحقق ذلك . واعلم أن أعظم بسط العبد أن يكون خلاقاً، فإن تأذب في هذا البسط فهو المذكور الداخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [ سورة المؤمنون: الآية ١٤] فأضاف الحسن إلى الخالقين غير أن الله أحسن الخالقين إذا كان هذا النعت من خصوص وصف الإله لأنه قال تعالى في الردّ على عبدة الأوثان: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧] فنفى الخلق عن الخلق فلو لم يرد عموم نفي الخلق عن الخلق لم تقم به حجة على من عبد فرعون وأمثاله ممّن أمر من المخلوقين أن يعبد من دون الله، ولم يكن هؤلاء ممّن يدخل في عموم الخالقين من قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] فإنهم لم يتصفوا بالإحسان الفتوحات المكية ج٤ - م١٤ ٢١٠ في الأحوال / الباب التاسع عشر ومائتان في معرفة البسط وأسراره في الخلق فإن الإحسان في العباد أن تعبد الله كأنك تراه فتعلم من هو الخالق على الحقيقة، فلما كان هذا النعت من خصوص وصف الإله وقد أضاف الخلق إلى الخلق انفرد هو بالنظر إلى ما أثبت من الخلق للخلق بالأحسن في ذلك فقال: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ والبركة الزيادة فزاد أحسن في قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾ وما أحسن قوله تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُم مَّا تُعْنُونَ ءَتُمْ تَّخْلُقُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٥٨، ٥٩] ولم يقل أأنتم تخلقون منه ولا فيه وإنما قال تخلقونه فأراد عين إيجاده منياً خاصاً، والاسم المصوّر هو الذي يتولى فتح الصورة فيه أي صورة شاء من الجنس أو غيره وهو قوله: ﴿فى أَتِّ صُوَرَةٍ مَّا شَآءَ رَّكْبَكَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٨] فهو الاسم المصوّر، وهنا أسرار من علوم الطبيعة لما جعل الله فيها من الاشتراك في التكوين فهل هي سبب من جملة الأسباب التي تفعل لعينها بذاتها فيكون الحق يفعل بها لا عندها، أو تكون من الأسباب التي يفعل الحق مسببها عندها لا بها ويتفاوت هنا نظر النظار، وأمّا أهل الكشف فيعلمون ذلك ابتداء عند الكشف من غير نظر لعلمهم بمرتبة الطبيعة، وأن منزلتها منزلة جميع الحقائق والحقائق لا تتبدّل، فيجرونها مجراها وينزلونها منزلتها، فبسط العلماء بالله هو عين العلم بالله، فإذا علموا علموا من انبسط ومن له البسط وعلموا من انقبض ومن له القبض فيبقى عندهم كل أمر على أصله وحقيقته لا تبديل عندهم في ذلك ولا تحويل لأنهم على سنة الله ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [سورة فاطر: الآية ٤٣] فأهل سنة الله لهم البسط المحقق لأن البسط نشر والنشر ظهور، ولولا الظهور ما أدركت الأشياء: [الوافر] وبَسْطُ الخَلْقِ تَخْمِينُ وحَذْسُ فَبَسْطُ العارفين على يَقينٍ إذا خشعت الأصوات للرحمن فكيف يكون الحال مع الجبار؟ [الطويل] وهَيْبَةَ إجلالٍ وقَبْضَ تَأَدُّبِ خُشُوعَ حياءٍ لا خُشوعَ مَهَانةٍ قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [سورة طه: الآية ١٠٨] حكم اقتضاه الموطن . واعلم أيها الوليّ الحميم أن الخلق كان في قبض الحق للحق، فلما انبسط ظهر للعالم، قال الله تعالى لآدم ويداه مقبوضتان: يا آدم اختر أيتهما شئت، فقال آدم: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة فبسطها فإذا فيها آدم وذريته، ولو فتح الأخرى لكان فيها سائر العالم، فانظر إلى كون الإنسان في اليمين الحق إذ علم آدم أن بين اليدين فرقاناً ولذلك قال أدباً: وكلتا يدي ربي يمين مباركة، فاختار القوّة نظراً إلى نفسه لما علم أنه على الصورة وأنه خليفة فعلم أن القوّة له فاختار الأقوى بأدب، ولما كان الخلق مطوياً في الحق لم ير نفسه وهو مشهود لله، فلما كان البسط الإلهيّ ظهر العالم لنفسه فرأى نفسه ورأى من كان في قبضته عن شهود نفسه فعلم من أين صدر وكيف صدر وما علم هل له رجوع أم لا؟ فقيل له: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة هود: الآية ٣٤] وعلم أن الرجوع إنما هو ردّ إلى الأصل وقد علم أصل الوجود فعلم إلى أين يرجع، وقد كان في الأصل لا ٠٠ ...... ٢١١ في الأحوال / الباب العشرون ومائتان في معرفة الفناء وأسراره يعلم نفسه، فعلم أنه يرجع إلى منزله لا بعلم نفسه مع ظهور عينه كما لم يشهد نفسه إذ كان في قبضة موجده، فيكون مآل العارفين ورجوعهم مع ثبوت عينهم إلى أن الحق عينهم لا هم، وهذا مقام لا يكون إلاَّ للعارفين فهم مقبوضون في حال بسطهم، ولا يصحّ لعارف قط أن يكون مقبوضاً في غير بسط ولا مبسوطاً في غير قبض وما سوى العارف إذا كان في حال قبض لا يكون له حال بسط، وإذا كان في حال بسط لا يكون له حال قبض، فالعارف لا يعرف إلاَّ بجمعه بين الضدين فإنه حق كله كما قال أبو سعيد الخرّاز وقد قيل له: بم عرفت الله؟ فقال: بجمعه بين الضدين لأنه شاهد جمعهما في نفسه، وقد علم أنه على صورته وسمعه يقول : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَِّرُ وَالْبَاِنٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] وبهذه الآية احتجّ في ذلك، ثم نظر إلى العالم فرآه إنساناً كبيراً في الجرم ورآه قد جمع بين الضدين، فإنه رأى فيه الحركة والسكون والاجتماع والإفتراق، ورأى فيه الأضداد وهو أيضاً على صورة العالم كما هو على صورة الحق، فانظر ما أعجب هذه اللفظة من أبي سعيد، ولهذا المقام كان يشير ذو النون المصري في مسائله من إيراد الكبير على الصغير وإدخال الواسع في الضيق من غير أن يوسع الضيق أو يضيق الواسع، وقد ذكرنا هذه المسألة في معرفة الخيال من باب المعرفة من هذا الكتاب مستوفاة، فبسط العلماء بالله من البسط المنسوب إلى الحق بل هو عين البسط المنسوب إلى الحق لأنهم إليه رجعوا: [المتقارب] فلم يَكُنِ البَسْطُ إلا لهُ فَهُمْ أهلُ مَخوٍ وإِن أَثْبتُوا وهذا القدر كافٍ في تحقيق البسط من العلم الإلهيّ. الباب العشرون ومائتان في معرفة الفناء وأسراره [نظم: مجزوء الكامل] وله الثَّسَلْطُنُ إِن حَكَمْ إن الفَنَاءَ أخو العَدَمْ ء حِجابُ ما ينفي القُلَمْ ثم الفناءُ عن الفَنّا عَيْنْ ولكنْ تُختَكَمْ هي لفْظَةٌ ما تَحتّها فبعَنْ له فينا قَدَمْ هو عن كذا لا غَيْرهِ ما قِيلَ في عَدَمِ العَدَمْ فَشَبِيهُهُ بِل عَيْنُه لُ فَمَنْ يقوم بهَ عُصِمْ ما زال تَطْلُبه الرِّجا يُمْضيه تَخْصينُ الحِكَمْ فيه إذا سُلْطانُـه اعلم أن الفناء عند الطائفة يقال بإزاء أمور، فمنهم من قال: إن الفناء فناء المعاصي. ومن قائل: الفناء فناء رؤية العبد فعله بقيام الله على ذلك. وقال بعضهم: الفناء فناء عن الخلق وهو عندهم على طبقات منها الفناء عن الفناء وأوصله بعضهم إلى سبع طبقات، فاعلموا أيّدنا الله وإياكم بروح القدس أن الفناء لا يكون إلاَّ عن كذا، كما أن البقاء لا يكون إلاَّ بكذا ومع ٢١٢ في الأحوال / الباب العشرون ومائتان في معرفة الفناء وأسراره كذا، فعن للفناء لا بدّ منه، ولا يكون الفناء في هذا الطريق عند الطائفة إلاَّ عن أدنى بأعلى، وأما الفناء عن الأعلى فليس هو اصطلاح القوم وإن كان يصحّ لغة. فأما الطبقة الأولى في الفناء فهي أن تفنى عن المخالفات فلا تخطر لك ببال عصمة وحفظاً إلهياً، ورجال الله هنا على قسمين: القسم الواحد رجال لم يقدر عليهم المعاصي فلا يتصرفون إلاّ في مباح وإن ظهرت منهم المخالفات المسماة بالمعاصي شرعاً في الأمة إلاَّ أن الله وفّق هؤلاء فكانوا ممّن أذنبوا فعلموا أن لهم رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، فقيل لهم على سماع منهم لهذا القول: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وكأهل بدر ففنيت عنهم أحكام المخالفات فما خالفوا، فإنهم ما تصرّفوا إلاّ فيما أبيح لهم، فإن الغيرة الإلهية تمنع أن ينتهك المقرّبون عنده حرمة الخطاب الإلهيّ بالتحجير، وهو غير مؤاخذ لهم لما سبقت لهم به العناية في الأزل، فأباح لهم ما هو محجور على الغير، وسائر من ليس له هذا المقام لا علم له بذلك فيحكم عليه بأنه ارتكب المعاصي وهو ليس بعاص بنص كلام الله المبلغ على لسان رسول الله مَطير، وكأهل البيت حين أذهب عنهم الرجس ولا رجس أرجس من المعاصي وطهرهم تطهيراً وهو خبر والخبر لا يدخله النسخ وخبر الله صدق وقد سبقت به الإرادة الإلهيّة، فكل ما ينسب إلى أهل البيت ممّا يقدح فيما أخبر الله به عنهم من التطهير وذهاب الرجس، فإنما ينسب إليهم من حيث اعتقاد الذي ينسبه لأنه رجس بالنسبة إليه، وذلك الفعل عينه ارتفع حكم الرجس عنه في حق أهل البيت، فالصورة واحدة فيهما والحكم مختلف. والقسم الآخر رجال اطلعوا على سرّ القدر وتحكمه في الخلائق وعاينوا ما قدر عليهم من جريان الأفعال الصادرة منهم من حيث ما هي أفعال لا من حيث ما هي محكوم عليها بكذا أو كذا، وذلك في حضرة النور الخالص الذي منه يقول أهل الكلام: أفعال الله كلها حسنة ولا فاعل إلاَّ الله فلا فعل إلاَّ لله، وتحت هذه الحضرة حضرتان: حضرة السدفة وحضرة الظلمة المحضة، وفي حضرة السدفة ظهر التكليف وتقسمت الكلمة إلى كلمات وتميز الخير من الشر، وحضرة الظلمة هي حضرة الشرّ الذي لا خير معه وهو الشرك والفعل الموجب للخلود في النار وعدم الخروج منها وإن نعم فيها، فلما عاين هؤلاء الرجال من هذا القسم ما عاينوه من حضرة النور بادروا إلى فعل جميع ما علموا أنه يصدر منهم وفنوا عن الأحكام الموجبة للبعد والقرب، ففعلوا الطاعات ووقعوا في المخالفات، كل ذلك من غير نية لقرب ولا انتهاك حرمة، فهذا فناء غريب أطلعني الله عليه بمدينة فاس ولم أر له ذائقاً مع علمي بأن له رجالاً ولكن لم ألقهم ولا رأيت أحداً منهم، غير أني رأيت حضرة النور وحكم الأمر فيها، غير أنه لم يكن لتلك المشاهدة فينا حكم بل أقامني الله في حضرة السدفة وحفظني وعصمني فلي حكم حضرة النور وإقامتي في السدفة وهو عند القوم أتم من الإقامة في حضرة النور، فهذا معنى قول بعضهم في الفناء أنه فناء المعاصي. وأما النوع الثاني من الفناء فهو الفناء عن أفعال العباد بقيام الله على ذلك من قوله : ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِؤُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣] فيرون الفعل لله من خلف حجب ٢١٣ في الأحوال / الباب العشرون ومائتان في معرفة الفناء وأسراره الأكوان التي هي محل ظهور الأفعال فيها وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [سورة النجم: الآية ٣٢] أي ستره واسع، والأكوان كلها ستره وهو الفاعل من خلف هذا الستر وهم لا يشعرون، والمثبتون من المتكلمين أفعال العباد خلقاً لله يشعرون ولكن لا يشهدون لحجاب الكسب الذي أعمى الله به بصيرتهم كما أعمى بصيرة من يرى الأفعال للخلق حين أوقفه الله مع ما يشاهده ببصره، فهذا لا يشعر وهو المعتزلي، وذلك لا يشهد وهو الأشعري، فالكل على بصره غشاوة . وأما النوع الثالث فهو الفناء عن صفات المخلوقين بقوله تعالى في الخبر المروي النبوي عنه: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) وكذا جميع صفاته والسمع والبصر وغير ذلك من أعيان الصفات التي للعبد أو الخلق قل كيف شئت، وعرف الحق أن نفسه هي عين صفاتهم لا صفته، فأنت من حيث صفاتك عين الحق لا صفته، ومن حيث ذاتك عينك الثابتة التي اتخذها الله مظهراً أظهر نفسه فيها لنفسه فإنه ما يراه منك إلاَّ بصرك وهو عين نظرك، فما رآه إلاَّ نفسه وأفناك بهذا عن رؤيته فناء حقيقة شهودية معلومة محققة لا يرجع بعد هذا الفناء حالاً إلى حال يثبت لك أن لك صفة محققة ليست عين الحق، وصاحب هذا الفناء دائماً في الدنيا والآخرة لا یتصف في نفسه ولا عند نفسه بشهود ولا كشف ولا رؤية مع كونه یشهد ویکشف ویری، ويزيد صاحب هذا الفناء على كل مشاهد وراء ومكاشف أنه يرى الحق كما يرى نفسه لأنك رأيته به لا بك، وهذا مشهد عزيز لم أر له بالحال ذائقاً فإنه دقيق، فمن زعم أنه ذاقه ثم رجع بعد ذلك إلى حسّه ونفسه وأثبت لنفسه صفة ليست هي عين الحق التي علمها فليس عنده خبر بما قاله ولا يعرف من شاهد ولا ما شاهد، ثم إن صاحب هذا الفناء مهما فرق بين صفاته في حال الفناء فرأى غير ما سمع، وسمع غير ما سعى، وسعى غير ما شمّ وطعم ، وطعم غير ما علم، وعلم غير ما قدر وميّز وفرّق بين هذه النسب وادّعى أنه صاحب هذا النوع من الفناء فليس هو، وإذا توحدت عنده العين فسمع بما به رأى بما به تكلم بما به علم وسعى وشمّ وطعم وأحسّ ولم يختلف عليه الإدراك باختلاف الحكم فهو صاحب هذا الفناء ذوقاً صحيح الحال. وأما النوع الرابع من الفناء فهو الفناء عن ذاتك، وتحقيق ذلك أن تعلم أن ذاتك مركبة من لطيف وكثيف، وأن لكل ذات منك حقيقة وأحوالاً تخالف بها الأخرى، وأن لطيفتك متنوعة الصور مع الآنات في كل حال، وأن هيكلك ثابت على صورة واحدة وإن اختلفت عليه الأعراض، فإذا فنيت عن ذاتك بمشهودك الذي هو شاهد الحق من الحق وغير الحق ولا تغيب في هذه الحال عن شهود ذاتك فيه فممّا أنت صاحب هذا الفناء، فإن لم تشهد ذاتك في هذا الشهود وشاهدت ما شاهدت فأنت صاحب هذا النوع من الفناء، وإنما قلنا شاهدت ما شاهدت ولم نخصص شهود الحق وحده فإن صاحب هذا الفناء قد يكون مشهوده كوناً من الأكوان وهو حال يعصم ذات الإنسان من التأثّر، أخبرني الأستاذ النحوي عبد العزيز بن زيدان بمدينة فاس وكان ينكر حال الفناء وكان يختلف إلينا وكانت فيه إنابة، فلما كان ذات ٢١٤ في الأحوال / الباب العشرون ومائتان في معرفة الفناء وأسراره يوم دخل عليّ وهو فارح مسرور فقال لي: يا سيدي الفناء الذي تذكره الصوفية صحيح عندي بالذوق قد شاهدته اليوم، قلت له: كيف؟ قال: ألست تعلم أن أمير المؤمنين دخل اليوم من الأندلس إلى هذه المدينة؟ قلت له: بلى، قال: أعلم أني خرجت أتفرج مع أهل فاس فأقبلت العساكر فلما وصل أمير المؤمنين ونظرت إليه فنيت عن نفسي وعن العسكر وعن جميع ما يحسّه الإنسان وما سمعت دوي الكوسات ولا صوت طبل مع كثرة ذلك ولا البوقات ولا ضجيج الناس ولا رأيت ببصري أحداً من العالم جملة واحدة سوى شخص أمير المؤمنين، ثم إنَّه ما أزاحني أحد عن مكاني ووقفت في طريق الخيل وازدحام الناس وما رأيت نفسي ولا علمت أني ناظر إليه بل فنيت عن ذاتي وعن الحاضرين كلهم بشهودي فيه، ولما انحجب عني ورجعت إلى نفسي أخذتني الخيل وازدحام الناس فأزالوني عن موضعي وما تخلصت من الضيق إلاَّ بشدّة، وأدرك سمعي الضجيج وأصوات الكوسات والبوقات فتحققت أن الفناء حق وأنه حال يعصم ذات الفاني من أن يؤثر فيه ما فني عنه، هذا يا أخي فناء في مخلوق فما ظنك بالفناء في الخالق، فإن شاهدت في هذا الفناء تنوّع ذاتك اللطيفة ولم تشاهد معها سواها ففناؤك عنك بك لا بسواك، فأنت فان عن ذاتك ولست فانياً عن ذاتك، فإنك لك بك مشهود من حيث لطيفتك، وإنك لك بك مفقود من حيث هيكلك، فإن شاهدت مركبك في حال هذا الفناء فمشهودك خيال ومثال ما هو عينك ولا غيرك بل حالك في هذا الفناء حال النائم صاحب الرؤيا. وأمّا النوع الخامس من الفناء وهو فناؤك عن كل العالم بشهودك الحق أو ذاتك، فإن تحققت من تشهد منك علمت أنك شاهدت ما شاهدته بعين حق والحق لا يفنى بمشاهدة نفسه ولا العالم، فلا تفنى في هذه الحال عن العالم وإن لم تعلم من يشهد منك كنت صاحب هذا الحال وفنيت عن رؤية العالم بشهود الحق أو بشهود ذاتك، كما فنيت عن ذاتك بشهود الحق أو بشهود كون من الأكوان، فهذا النوع يقرب من الرابع في الصورة وإن كان يعطي من الفائدة ما لا يعطيه النوع الرابع المتقدّم. وأما النوع السادس من الفناء فهو أن تفنى عن كل ما سوى الله بالله، ولا بدّ وتفنى في هذا الفناء عن رؤيتك، فلا تعلم أنك في حال شهود حق إذ لا عين لك مشهودة في هذا الحال، وهنا يطرأ غلط لبعض الناس من أهل هذا الشأن وأبينه لك إن شاء الله حتى يتخلص لك المقام، وإن الله ألهمني لهذا البيان، وذلك أن صاحب هذا الحال إذا فني عن كل ما سوى الله بشهود الله فيما يقول فلا يخلو في شهوده ذلك، إما أن يرى الحق في شؤونه أو لا يراه في شؤونه، فإنه لا يزال في شؤون إذ لا غيبة له عن العالم ولا عن أثر فيه، فإن شاهده في شؤونه فما فني عن كل ما سوى الله، وإن شاهده في غير شؤونه بل في غناه عن العالم فهو صحيح الدعوى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وهذا المشهد كان للصدّيق فإنه قال: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، فأثبت أنه رآه ولا شيء، ثم أقيم في مشهد آخر فرأى صدور الشيء عنه وقد كان رآه ولا شيء، فجعل تلك الرؤية قبل هذا الشهود فقال: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، فقد أبنت لك الأمر على ما هو عليه. ٢١٥ في الأحوال / الباب الأحد والعشرون ومائتان في معرفة البقاء وأسراره وأما النوع السابع من الفناء فهو الفناء عن صفات الحق ونسبها، وذلك لا يكون إلاَّ بشهود ظهور العالم عن الحق لعين هذا الشخص لذات الحق ونفسه لا لأمر زائد يعقل، ولكن لا من كونه علة كما يراه بعض النظار، ولا يرى الكون معلولاً وإنما يراه حقاً ظاهراً في عين مظهر بصورة استعداد ذلك المظهر في نفسه، فلا يرى للحق أثراً في الكون، فما يكون له دليل على ثبوت نسبة ولا صفة ولا نعت، فيفنيه هذا الشهود عن الأسماء والصفات والنعوت، بل إن حققه يرى أنه محل التأثّر حيث أثر فيه استعداد الأعيان الثابتة من أعيان الممكنات، وممّا يحقق هذا كونه تعالى وصف نفسه في كتابه وعلى ألسنة رسله بما وصف به المخلوقات المحدثات. وإما أن تكون هذه الصفات في جنابه حقاً ثم نعتنا بها، وإما أن تكون لنا حقاً ونعت نفسه بها توصلاً لنا، وخبره بها صدق لا كذب وإن كنا نحن فيها الأصل فهو مكتسب، وإن كان هو الأصل فقد كسبنا إياها، وهذه من أغمض نتائج العلم بالله فإنه أضاف إليه نعوت المحدثات كلها بأخبار قديم أزلي، فمنها ما أشار به في أخباره بأنه مكتسب لبعضها مثل قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] ومنها ما ذكره ولم يقيد باكتساب ولا غيره ومن هذا الباب ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٠] واسألوني أعطكم واستغفروني أغفر لكم ﴿فَاذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] وأما قولهم: الفناء عن الفناء فما هو نوع ثامن وإنما هو الفاني إذا لم يعلم في فنائه أنه فان، فذلك الفناء عن الفناء كصاحب الرؤيا الذي لا يعلم أنه في رؤيا، فهو حال تابع في كل نوع يقوم من أنواع الفناء، وحال الفناء لا ينال بتعمّل أي لا يقصد وأدناه درجة حكمه في المتفكر، فإذا استغرق الإنسان الفكر في أمر ما من أمور الدنيا أو في مسألة من العلم فتحدّثه ولا يسمعك وتكون بين يديه ولا يراك وترى في عينه جموداً في تلك الحالة، فإذا عثر على مطلوبه أو طرأ أمر يردّه إلى إحساسه حينئذ يراك ويسمعك، فهذه أدنى درجاته في العالم، وسبب ذلك ضيق المحدث فإنه لا شيء أوسع من حقيقة الإنسان ولا شيء أضيق منها، فأما اتساع القلب فإنه لا يضيق عن شيء ولكن عن شيء واحد، وأما ضيقه فإنه لا يسع خاطرين معاً فإنه أحدي الذات فلا يقبل الكثرة، فهو من حيث هذه الحقيقة في الحكم الإلهيّ في معنى قوله: ﴿اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وفي الرتبة الأخرى في قوله: فأحببت أن أعرف، وهذا القدر كاف في معرفة هذا الباب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والعشرون ومائتان في معرفة البقاء وأسراره [نظم: البسيط] كلِّ النفوسِ بما فيها من الأثّرِ إذا رأيتَ قيامَ الله جَلَّ على وأنتَ باقٍ به إن كنتَ ذا نَظَرٍ ذاك البقاءُ الذي قال الرجالُ به ٢١٦ في الأحوال / الباب الأحد والعشرون ومائتان في معرفة البقاء وأسراره فإنما الغَيْرُ مُشْتَقٌّ من الغِيَرِ فكُنْ به لا تكُنْ بالفكر مُتَّصفاً سوى الوجودِ الذي تَدْعوه بالبَشَرِ وأينَ غَيْرٌ وما في الكون أَجْمَعِهِ عيناً وعلماً فلا تَخْرُجْ عن الصُّوَرِ فإنه اسمْ يَعُمُّ الكونَ أجمَعَه اعلم أن البقاء عند بعض الطائفة بقاء الطاعات كما كان الفناء فناء المعاصي عند صاحب هذا القول، وعند بعضهم البقاء بقاء رؤية العبد قيام الله على كل شيء، وهذا قول من قال في الفناء إنه فناء رؤية العبد فعله بقيام الله تعالى على ذلك، وعند بعضهم البقاء بقاء بالحق وهو قول من قال في الفناء إنه فناء عن الخلق. اعلم أن نسبة البقاء عندنا أشرف في هذا الطريق من نسبة الفناء لأن الفناء عن الأدنى في المنزلة أبداً عند الفاني، والبقاء بالأعلى في المنزلة أبداً عند الباقي، فإن الفناء هو الذي أفناك عن كذا فله القوّة والسلطان فيك، والبقاء نسبتك إلى الحق وإضافتك إليه، أعني البقاء في هذا الطريق عند أهل الله فيما اصطلحوا والفناء نسبتك إلى الكون فإنك تقول: فنيت عن كذا، ونسبتك إلى الحق أعلى فالبقاء في النسبة أولى لأنهما حالان مرتبطان، فلا يبقى في هذا الطريق إلاَّ فان ولا يفنى إلاَّ باق، والموصوف بالفناء لا يكون إلاّ في حال البقاء، والموصوف بالبقاء لا يكون إلاَّ في حال الفناء، ففي نسبة البقاء شهود حق وفي نسبة الفناء شهود خلق لأنك لا تقول: فنيت عن كذا إلاَّ مع تعقلك من فنيت عنه، ونفس تعقلك إياه هو نفس شهودك إياه، إذ لا بدّ من إحضاره في نفسك لتعقل حكم الفناء عنه، وكذلك البقاء لا بدّ من شهود من أنت باق به، ولا يكون البقاء في هذا الطريق إلاّ بالحق، فلا بدّ من شهود الحق فإنه لا بدّ من إحضارك إياه في قلبك وتعقلك إياه، فحينئذ تقول: بقيت بالحق، وهذه النسبة أشرف وأعلى لعلوّ المنسوب إليه، فحال البقاء أعلى من حال الفناء وإن تلازما وكانا للشخص في زمان واحد، فلا خفاء عند ذي نظر سليم في الفرق بين النسبتين في الشرف والمنزلة . شرح هذا المقام يتضمنه شرح باب الفناء: وذلك أن ننظر في كل نوع من أنواع الفناء إلى السبب الذي أفناك عن كذا فهو الذي أنت باق معه هذا جماع هذا الباب، إلاّ أن هنا تحقيقاً لا يكون إلاَّ في الفناء، وذلك أن البقاء نسبة لا تزول ولا تحول، حكمه ثابت حقاً وخلقاً وهو نعت إلهيّ، والفناء نسبة تزول وهو نعت كياني لا مدخل له في حضرة الحق، وكل نعت ينسب إلى الجانبين فهو أتم وأعلى من النعت المخصوص بالجانب الكوني إلاّ العبودة فإن نسبتها إلى الكون أتم وأعلى من نسبة الربوبية والسيادة إليه. فإن قلت: فالفناء راجع إلى العبودة ولازم. قلنا: لا يصحّ أن يكون كالعبودة فإن العبودة نعت ثابت لا يرتفع عن الكون، والفناء قد يفنيه عن عبودته وعن نفسه، فحكمه يخالف حكم العبودة، وكل أمر يخرج الشيء عن أصله ويحجبه عن حقيقته فليس بذلك الشرف عند الطائفة فإنه أعطاك الأمر على خلاف ما هو به فألحقك بالجاهلين، والبقاء حال العبد الثابت الذي لا يزول فإنه من المحال عدم عينه الثابتة، كما أنه من المحال اتصاف عينه بأنه عين الوجود بل الوجود نعته بعد أن لم تكن، وإنما قلنا هذا لأن الحق هو الوجود ولا يلزم أن تكون الصفة عين الموصوف بل هو ٢١٧ في الأحوال / الباب الثاني والعشرون ومائتان في معرفة الجمع وأسراره محال والعبد باقي العين في ثبوته ثابت الوجود في عبودته دائم الحكم في ذلك ﴿إِن كُلُّ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلََّ ءَاتِ الرَّهَنِ عَبْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩٣] ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَذِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَائٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٦] فنحن عنده وهو عندنا، فالحق النفاد والبقاء بمن ألحقته هذه الآية والنفاد فناء والبقاء نعت الوجود من حيث جوهره، والفناء نعت العرض من حیث ذاته، بل نعت سائر المقولات ما عدا الجوهر، وقد أومأنا إلى ما فيه غنية لمن كان له قلب أو ألقى السمع لخطاب الحق وهو شهيد. الباب الثاني والعشرون ومائتان في معرفة الجمع وأسراره [نظم: البسيط] فهو السَّميعُ البصيرُ الواحدُ الأَحَدُ إذا سمعتَ بحقٌ أو نظرتَ به والنفسُ والعقلُ والأرواحُ والجَسَدُ وأنتَ لا فيه والأعيانُ قائمةٌ به فأنتَ هناك السَّيدُ الصَّمَدُ فإن أخذتَ بِجَمْعِ الجَمْعِ تَصْحَبُه حالاً عليك جميعُ الأمر يَنْعَقِدُ وإن علمتَ بهذا واتَّصَفْتَ به اعلم أن الجمع عند بعض الطائفة إشارة من أشار إلى حق بلا خلق، وقال أبو علي الدقاق: الجمع ما سلب عنك، وقالت طائفة منهم: الجمع ما أشهدك الحق من فعله بك حقيقة. وقال قوم: الجمع مشاهدة المعرفة وحجته ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٦] وقال بعضهم: الجمع إثبات الخلق قائماً بالحق، وجمع الجمع الفناء عن مشاهدة كل شيء سوى الحق. وقال بعضهم: الجمع شهود الأغيار بالله وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بما سوى الله عند غلبات الحقيقة. وقال بعضهم: الجمع مشاهدة تصريف الحق الكل، ومن نظم القوم في الجمع والفرق: [المتقارب] ففَرْطُ الثَّواصُلِ مَثْنَى العَدَدْ جمعتُ وفرَّقْتُ عني به فهذا قد ذكرنا بعض ما وصل إلينا من قولهم في الجمع وجمع الجمع، والجمع عندنا أن تجمع ما له عليه ممّا وصفت به نفسك من نعوته وأسمائه، وتجمع ما لك عليك ممّا وصف الحق به نفسه من نعوتك وأسمائك، فتكون أنت أنت، وهو هو، وجمع الجمع أن تجمع ماله عليه وما لك عليه وترجع الكل إليه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] ﴿أَلَّ إِلَى اَللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٣] فما في الكون إلاَّ أسماؤه ونعوته، غير أن الخلق ادعوا بعض تلك الأسماء والنعوت ومشى الحق دعواهم في ذلك فخاطبهم بحسب ما ادعوه، فمنهم من ادعى في الأسماء المخصوصة به تعالي في العرف. ومنهم من ادعى في ذلك وفي النعوت الواردة في الشرع ممّا لا يليق عند علماء الرسوم إلاَّ بالمحدثات. وأما طريقنا فما ادعينا في شيء من ذلك كله بل جمعناها عليه، غير أنا نبهنا أن تلك الأسماء حكم آثار استعداد أعيان الممكنات فيه وهو سرّ خفي لا يعرفه إلاَّ من عرف أن الله هو عين الوجود، ٢١٨ في الأحوال / الباب الثاني والعشرون ومائتان في معرفة الجمع وأسراره وأن أعيان الممكنات على حالها ما تغير عليها وصف في عينها، ويكفي العاقل السليم العقل قولهم الجمع فإنه لفظ مؤذن بالكثرة والتمييز بين الأعيان الكثيرة، فمن حيث التمييز كان الجمع عين التفرقة وليست التفرقة عين الجمع إلاَّ تفرقة أشخاص الأمثال فإنه جمع وتفرقة معاً، وأن الحد والحقيقة بجمع الأمثال كالإنسانية، وأشخاص ذلك النوع يتصفون بالتفرقة، فزيد ليس بعمرو، وإن كان كل واحد منهما إنساناً، وهكذا جميع الأمثال وأشخاص النوع الواحد. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] على وجوه كثيرة قد علم الله ما يؤول إليه قول كل متأول في هذه الآية وأعلاها قولاً أي ليس في الوجود شيء يماثل الحق أو هو مثل للحق، إذ الوجود ليس غير عين الحق فما في الوجود شيء سواه يكون مثلاً له أو خلافاً هذا ما لا يتصور، فإن قلت: فهذه الكثرة المشهودة. قلنا: هي نسب أحكام استعدادات الممكنات في عين الوجود الحق، والنسب ليست أعياناً ولا أشياء، وإنما هي أمور عدمية بالنظر إلى حقائق النسب، فإذا لم يكن في الوجود شيء سواه فليس مثله شيء لأنه ليس ثم، فافهم وتحقق ما أشرنا إليه، فإن أعيان الممكنات ما استفادت إلاَّ الوجود، والوجود ليس غير عين الحق لأنه يستحيل أن يكون أمراً زائداً ليس الحق لما يعطيه الدليل الواضح، فما ظهر في الوجود بالوجود إلاّ الحق، فالوجود الحق وهو واحد، فليس ثم شيء هو له مثل لأنه لا يصحّ أن يكون ثم وجودان مختلفان أو متماثلان، فالجمع على الحقيقة كما قررناه أن تجمع الوجود عليه فيكون هو عين الوجود، وتجمع حكم ما ظهر من العدد والتفرقة على أعيان الممكنات أنها عين استعداداتها، فإذا علمت هذا فقد علمت معنى الجمع وجمع الجمع ووجود الكثرة، وألحقت الأمور بأصولها وميزت بين الحقائق، وأعطيت كل شيء حكمه كما أعطى الحق كل شيء خلقه، فإن لم تفهم الجمع كما ذكرناه فما عندك خبر منه . وأما إشارات الطائفة التي سردناها فإن لهم في ذلك مقاصد أذكرها إن شاء الله مع معرفتهم بما ذهبنا إليه أو معرفة الأكابر منهم. وأما قول من قال منهم إن الجمع حق بلا خلق فهو ما ذهبنا إليه أن الحق هو عين الوجود، غير أنه ما تعرّض لما أعطته استعدادات أعيان الممكنات في وجود الحق حتى اتصف بما اتصفت به. وأما قول الدقاق في الجمع إنه ما سلب عنك فإنه يقتضي مقامه أن يريد سلب ما وقعت فيه الدعوى منك وهو له كالتخلق بالأسماء الحسنى ونسبة الأفعال إليك وهي له، هذا يعطيه حال الدقاق لا الكلام، فإنه لو قال غيره هذه الكلمة ربما قالها على أنه يريد بقوله ما سلب عنك عين الوجود فإنه الذي سلب عنك إذا كان عين الوجود. وأما قول الآخر إن الجمع ما أشهدك الحق من فعله بك حقيقة فإنه يريد أنك محل لجريان أفعاله والأمر في الحقيقة بالعكس، بل هو المنعوت بحكم آثار استعدادات أعيان الممكنات فيه، إلاَّ أن يريد بقوله من فعله بك أي بك ظهر الفعل ولم يتعرض لذكر فيمن ظهر الأثر فقد يمكن أن يريد ذلك وهو ما ذهبنا إليه وما تعطيه الحقائق، فلو علمنا من هو صاحب هذا القول حكمنا عليه بحاله كما حكمنا على الدقاق لمعرفتنا بمقامه وحاله. ٢١٩ في الأحوال / الباب الثالث والعشرون ومائتان في معرفة حال التفرقة وأما قول من قال: الجمع مشاهدة المعرفة، فاعلم أن المعرفة بالله تعطي أن للعبد نسبة إلى العمل صحيحة أثبتها الحق ولذلك كلفه بالأعمال، وللحق تعالى نسبة إلى العمل أثبتها الحق لنفسه وشرع لعبده أن يقول في عمله ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] وقال موسى كليم الله وأعلم الخلق بالله رسل الله فقال لقومه: استعينوا بالله واصبروا، ولا فرق عندنا بين ما يقوله الله أو يقوله رسول الله من نعت الله في الصحة والنسبة إليه، وقال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ثم فصل سبحانه وبين ما يقول العبد ويقول الله فنسب القول إلى العبد نسبة صحيحة والقول عمل وهو طلب العون من الله في عمله ذلك فصحّت المشاركة في العمل، فهذا قد جمعت في العمل بين الله وبين العبد، فهذا معنى الجمع، فقد قررت أن عين العبد مظهر بفتح الهاء، وأن الظاهر هو عين الحق، وأن الحق أيضاً عين صفة العبد، وبالصفة وجد العمل والظاهر هو العامل، فإذاً ليس العمل إلاَّ لله خاصة، قلنا: وعندما قررنا ما ذكرته قررنا أيضاً أن عين العبد لها استعداد خاص مؤثر في الظاهر وهو الذي أدى إلى اختلاف الصور في الظاهر الذي هو عين الحق، فذلك الاستعداد جعل الظاهر أن يقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يخاطب ذلك الظاهر بأثر استعداد هذا العين المصلية حكم الاسم المعين أن يعينه على عمله، فإن عين الممكن إذا كان استعداده يعطي عجزاً وضعفاً ظهر حكمه في الظاهر، فقول الظاهر هو لسان عين الممكن بل قول الممكن بلسان الظاهر كما أخبر الحق أنه قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فأعطت المعرفة أن تجمع العمل على عامله لما وقع في ذلك من الدعاوي بما قد ذهب إليه أصحاب النظر القائلين بإضافة الأفعال إلى العباد مجردة، والقائلين بإضافة الأفعال إلى الله مجردة، والحق بين الطائفتين أي بين القولين، فللعبد إلى العمل نسبة على صورة ما قررناها من أثر استعداد عين الممكن في الظاهر، وللحق نسبة إلى العمل على صورة ما قررناه من قبول الظاهر لتأثير العين فيه، فإن العبد قال على لسان أثره في الظاهر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهذا مذهبنا في الجمع، فإن كان صاحب القول في الجمع أراد أنه مشاهدة المعرفة ويعرف معنى مشاهدة المعرفة فهو على ما قلناه، فنحن إنما تكلمنا على معنى مشاهدة المعرفة لا على مقام قائلها، إذ لهذه اللفظة وجوه نازلة عمّا ذهبنا إليه في شرحها فشرحناها على أتم الوجوه وأكملها، وهو الذي الأمر عليه في نفسه، ومن أجل بعض تلك الوجوه اعترضنا على قائل هذه اللفظة في مختصر هذا الكتاب، وإلى ما قررناه وذهبنا إليه في الجمع ترجع أقوال الجماعة التي ذكرناها وحكيناها في أوّل الباب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث والعشرون ومائتان في معرفة حال التفرقة [نظم: البسيط] كما تحقَّقْتَ قرآناً وفُرْقَانَا إذا جَمَعْتَ فقد أثبتَّ تَفْرقَةً وقد أقمتُ على ما قُلْتُ بُزهانَا والعينُ واحدةٌ والحكمُ مختلفٌ ٢٢٠ في الأحوال / الباب الثالث والعشرون ومائتان في معرفة حال التفرقة فاعدلْ وكُنْ واحداً إن كنتَ إنسانًا فالجَمْعُ والغَزْقُ حالٌ ناقصٌ أبداً إذ قرَّرا لك إسلاماً وإيمانًا والزَمْ طريقةً جبريل وصاحبِه فقرَّرا لك إحساناً وإحسانًا وثمَّ جاء بما قد صَحَّ بعدهما سوى المؤيّدِ جلَّ الحقُّ سُبْحَانًا فتلك أربعةٌ لا خامس لها اعلم أن التفرقة عند بعض القوم إشارة من أشار إلى خلق بلا حق، وعند أبي عليّ الدقاق: الفرق ما ينسب إليك، وعند بعضهم: الفرق ما أشهدك الحق من أفعالك أدباً، وعند بعضهم: الفرق مشاهدة العبودية، وقيل: الفرق إثبات الخلق، وقيل: التفرقة شهود الأغيار لله، وقيل: التفرقة مشاهدة تنوّع الخلق في أحوالهم، ومستند مقام التفرقة من العلم الإلهيّ نعت الحق ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] وهو انقضاء المدة التي سبق في علم الله مقدارها وهو زمان الحياة الدنيا في كل شخص شخص. واعلم أن أصل الأشياء كلها التفرقة وأوّل ما ظهرت في الأسماء الإلهيّة فتفرّقت أحكامها بتفرّق معانيها، حتى لو نظر الإنسان فيها من حيث دلالتها كلها على العين مع الفرقان المعلوم بين معانيها التي يعقل فيها من أنه سميت هذه العين بكذا لكذا، ولا سيما إذا كانت الأسماء تجري مجرى النعوت على طريق المدح والتفرقة أظهر، وبالتفرقة تعرف إلينا سبحانه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وقال: ﴿أَفَمَّنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧] ففرّق بين من يخلق ومن لا يخلق، وحدود الأشياء أظهرته التفرقة بين الأشياء، وبالتفرقة ظهرت المقامات والأحوال وكثرت مراتب الخلق وتميزت بها، فللَّه ثمانون عبداً حققهم بحقائق الإيمان، ولله مائة عبد حققهم بحقائق النسب الإلهيّة والأسماء، ولله ستة آلاف عبد ويزيدون حققهم بحقائق النبوّة المحمدية، ولله ثلاثمائة عبد حققهم بحقائق الأخلاق الإلهيّة، ففرّق عزّ وجلّ بين عباده بالمراتب وعين الجمع هو عين التفرقة إذ هو دليل على الكثرة، وإنما سمّي جمعاً من أجل العين الواحدة التي تجمع هذه التفرقة. فقول من قال في التفرقة إنها إشارة من أشار إلى خلق بلا حق، فمشهوده ما أعطته الحدود، والحدود لم يكن لها ظهور إلاَّ في الخلق، إذ كان الحق لا يعرف لأنه الغني عن العالمين، أي هو المنزه عن أن تدل عليه علامة، فهو المعروف بغير حدّ المجهول بالحدّ والحدود، أظهرت التفرقة بين الخلق، وكل إنسان من أهل الذوق لا يتعدى في أخباره منزلة شهوده وذوقه لأنهم أهل صدق لا يخبرون أبداً إلاَّ عن شهود لا عن خبر. وأما قول الدقاق: الفرق ما نسبت إليك، فهو ما ذكرناه، فإنه ما نسب إليك إلاَّ الحدود إذ الحق لا ينسب إليه حد، وجميع ما ينسب إلى العبد فمآله إلى الفناء والعدم، وما ينسب إلى الحق فمآله إلى البقاء والوجود، فكن ممّن ينسب إلى الحق ولا ينسب إلى الخلق وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكَمْ يَنَفَدُ﴾ فوصف بالنفاد ما نسبه إلينا وما لفظة تدل على كل شيء كذا قاله سيبويه ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٦] فمن كان عند الله منا صحّ له البقاء، ومن كان عند الخلق صحّ له النفاد. ألا ترى من هو عبد لغير الله من المماليك إذا جاء الموت ارتفع