Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الجنين في النكاح والثمر في اللقاح قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِعَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٢]
وهذا معروف بالمشاهدة في تلقيح الثمار، فالهواء ينكح بما يحمله من روائح الذكورية
والعقيم منه ما عدا اللواقح، واللواقح من الرياح ليست مخصوصة بالثمر وإنما هي كل ريح
تعطي الصور، والعقيم كل ريح تذهب بالصور، فالهواء الذي يشعل النار من الرياح اللواقح
والذي يطفىء السرج من الريح العقيم وإن كانت واحدة في العين فما هي واحدة عند من يرى
تجديد العالم في كل نفس ﴿بَّ هُمْ فِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة قى: الآية ١٥] وأصل هذا في
العلم الإلهيّ أن اللواقح ما تعطيه الربوبية من وجود أعيان المربوبين والعقيم سبحات الوجه
المذهبة أعيان الكائنات من خلقه، وممّا وجد من العالم في الهواء البرد والثلج والجليد إذا
غلب عليه برد الماء فتشكل البرد من استدارته وجليده من اليبوسة التي تعطيه برد التراب
والثلج دون الجليد في اليبوسة والمطر من رطوبته وما يزيده الماء من رطوبته فإنه يزيد في
كميتها، ويتكوّن في هذا الهواء في الجبال التي ذكر الله أمرها في قوله: ﴿وَيُثَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن
جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٣] وقد بيّناها فيما قبل من هذا الكتاب تغلب الرطوبة في
الهواء بما يزيده في رطوبته الماء وتعطيه النار من الحرارة ما يزيد في كمية حرارة الهواء،
فيحدث في الجوّ في هذه الجبال تعفين، لأن هذه الأركان مركبة من الأربع الحقائق الطبيعية
كل ركن منها، وهذا سبب قبولها صور الكائنات فيها، ولو لم يكن كذلك ما قبلت
المولدات، فإذا تعفن ما تعفن من ذلك كوّن الله في ذلك التعفين حيوانات هوائية جوية على
صور حيات بيض وحيوانات للاستدارة، أمّا هذه المستديرة فرأيناها، وأما الحيات البيض
فرأينا من رآها، وقد وقفنا على ذكرها في بعض كتب الأنواء، وأن البزاة البلنسية إذا علت في
الجوّ في أوقات ووقعت بشيء منها نزلت بها على مرأى من أصحابها، وممّن رآها والدي وقد
نزل بها البازي من الجوّ في أيام السلطان محمد بن سعد صاحب شرق الأندلس، وهذا
الصنف المستدير الذي عايناه من ذلك التكوين يسمّى بالأندلس بالشلمندار وأكثر ما ينزل في
الكوانين مع المطر وفيه خواص إذا لعق باللسان، لكن خرجت عني معرفة تلك الخواص في
هذا الوقت وهو مجرّب عندنا، وممّا يحدث في هذا الركن ممّا يلي ركن النار منه الصواعق
وهي هواء محترق والبروق وهو هواء مشتعل تحدثه الحركة الشديدة والرعود وهو هبوب
الهواء تصدع أسفل السحاب إذا تراكم وهو تسبيح، إذ كل صوت في العالم تسبيح لله تعالى
حتى الصوت بالكلمة القبيحة هي قبيحة وهي تسبيحة بوجه يعلمه أهل الله في أذواقهم لمن
عقل عن الله، وهذا الملك المسمّى بالرعد هو مخلوق من الهواء كما خلقنا نحن من الماء
وذلك الصوت المسمّى عندنا بالرعد تسبيح ذلك الملك وفي ذلك الوقت يوجده الله فعينه
نفس صوته ويذهب كما يذهب البرق وذوات الأذناب، فهذه حوادث هذا الركن في العالم
العنصريّ، وله حرف الزاي وهو من حروف الصفير فهو مناسب له لأن الصفير هواء بشدة
وضيق وله الشولة وهي حارة فافهم.
الفصل الثلاثون: في الاسم الإلهيّ المحيي وتوجهه على إيجاد ما يظهر في ركن الماء،

١٢٢
في الأحوال،/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وله حرف السين المهملة من الحروف، وله من المنازل المقدرة منزلة النعائم قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَيُذِلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ
مَآءَ لِيُطَهِرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَ لِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [سورة الأنفال:
الآية ١١] فأعاد الضمير من به الأقدام على المطر، والرجز بالسين القذر عند القرّاء وهو هنا
القذر المعنوي لأنه مضاف إلى الشيطان، فلا يدل إلاَّ على ما يلقيه من الشبه والجهالات
والأمور التشكيكية ليقذر بها محل هذا القلب، فيذهب الله ذلك بما في الماء المنزّل من الحياة
العلمية بالبراهين والكشف، فإذا زال ذلك القذر الشبهي بهذا الماء المنزّل من عند الله زال
الوسخ الجهلي وارتفع الغطاء عن القلب، فنظر بعينه في ملكوت السموات والأرض فربط ذاته
بما أعطاه العلم، فعلم ما أريد به في كل نفس ووقت، فعامله بما أعطاه العلم المنزّل الذي
طهره به في ذلك الماء الذي جعل نزوله في الظاهر علامة على فعله في الباطن، فكان من
مواطنه مقابلة الأعداء، فأدّاه ما عاينه وربط قلبه به إن ثبتت قدمه يوم الزحف عند لقاء الأعداء
فما ولّوا مدبرين، وأنزل الله نصره وهو تثبيت الأقدام، فهذا ما أعطاه الله في الماء من القوّة
الإلهية حيث أنزله منزلة الملائكة بل أتم من الملائكة، وإنما قلنا بل أتم فإن الله جعل الماء
سبب تثبيت أقدام المجاهدين المؤمنين فقال: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١١] فأنزله
منزلة المعين على ما يريد، وقال في الملائكة: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ﴾ [سورة
الأنفال: الآية ١٢] لما علم من ضعفهم أعلمهم أن الله معهم من حيث أنيته ليتقوى جأشهم فيما
يلقونه في قلوب المؤمنين المجاهدين أن يثبتوا ويصابروا العدوّ ولا ينهزموا وهذه من لمات
الملائكة فقال لهم: ﴿فَبُِّواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٢] أي اجعلوا في قلوبهم أن يثبتوا
ثم أعانهم فقال: ﴿سَأُلْقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٢] أخبرهم
بذلك ليلقوا في نفوس المجاهدين هذا الكلام فإنه من الوحي، فيجد المجاهد في نفسه ذلك
الإلقاء وهو وحي الملك في لمته فأنظركم بين مرتبة الماء ومرتبة هؤلاء الملائكة والماء، وإن
كان من الملائكة فهو ملك عنصريّ، وأصله في العنصر من نهر الحياة الطبيعية الذي فوق
الأركان، وهو الذي ينغمس فيه جبريل كل يوم غمسة، وينغمس فيه أهل النار إذا خرجوا منها
بالشفاعة، فهذا الماء العنصريّ من ذلك الماء الذي هو نهر الحياة، وهذه الملائكة التي تقوّي
قلوب المجاهدين وتثبتهم وتوحي إليهم قوله: ﴿سَنُلِّقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾
[سورة آل عمران: الآية ١٥١] هم الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور الذي في السماء السابعة
المخلوقين من قطرات ماء نهر الحياة في انتفاض الروح الأمين من انغماسه، ولهذا قرن
الملائكة بالمجاهدين في التثبيت مع الماء المنزّل لنثبت به الأقدام، فقد أبان الله في هذه عن
مرتبة الماء من مراتب الملائكة ليعقلها العالمون من عباد الله ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا أَلْعَلِّمُونَ﴾
[سورة العنكبوت: الآية ٤٣] فجعل الله من الماء كل شيء حيّ.
وهذا الركن هو الذي يعطي الصور في العالم كله وحياته في حركاته، ثم إن هذا الركن
جعله الله مالحاً لما فيه من مصالح العالم، فإنه بما فيه من الملوحة يصفي الجوّ من الوخم

١٢٣
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
والعفونات التي تطرأ فيه من أبخرة الأرض وأنفاس العالم، وذلك أن الأرض بطبعها ما تعطي
التعفين لأنها باردة يابسة، فيحصل فيها من الماء رطوبات عرضية تكثر، فإذا كثرت وسخنتها
أشعة الكواكب مثل الشمس وغيرها بمرور هذه الأشعة على الأثير، ثم بما في جوّ الأرض من
حركات الهواء المنضغط، فإن الحركة سبب موجب لظهور الحرارة، ويظهر ذلك في
الحمامات في الأرض الكبريتية، فإذا تضاعفت كمية الحرارة على هذه الرطوبات صعدت بها
علواً بخاراً، فمن هنالك يطرأ التعفين في الجوّ فيذهب ذلك التعفين ما في البحر من الملوحة
فيصفو الجوّ وذلك من رحمة الله بخلقه فلا يشعر بذلك إلاَّ العلماء من عباد الله .
ثم إن الله جعل للبقاع في الماء حكماً وأصل ذلك الحكم من الماء هذا هو العجب،
فجعل من الأرض سباحاً تعطي ماء مالحاً إذا عظم ذلك منها، وتعطي فعاماً ومراً وزعاقاً، كما
تعطى أيضاً عذباً فراتاً، كل ذلك بجعل الله تعالى، وأصل هذا كله ممّا أعطى الماء الأرض من
الرطوبات، وأعطاها الهواء والحركات من الحرارة، وتختلف أمزجة الأرض، فمن الماء
عذب فرات لمصالح العباد فيما يستعملونه من الشرب وغير ذلك، ومنه ملح أجّاج لمصالح
العباد فيما يذهب به من عفونات الهواء، فما من ركن إلاَّ وقد جعله الله مؤثراً ومؤثراً فيه أصل
ذلك في العلم الإلهيّ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١٨٦] وكل مؤثر فيه من العالم فمن الإجابة الإلهية. وأما اسم الفاعل من ذلك فهو
معلوم عند كل أحد، فما نبهنا إلاَّ على ما يمكن أن يغفل عنه أكثر الناس كما قال في أشياء
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٧].
ثم إن الله عزّ وجلّ ما جعل التكوينات التي هي دواب البحر في البحر الملح إلاَّ في
العذب منه خاصة، فلولا وجود الهواء فيه والماء العذب ما تكون فيه حيوان، ألا ترى البخار
الصاعد من الأنهار والبحار ولا سيما في زمان البرد، ذلك هو النفس يصعد من الأرض ومن
البحر كما يخرج النفس من المتنفس يطلب ركنه الأعظم فيستحيل ماء ويلحق بعنصره منه على
قدر ما سبق في علم الله من ذلك، فهو دولاب دائر منه يخرج وإليه يرجع بعضه أصله في
العلم الإلهيّ أن الله كان ولا شيء وأوجد الأشياء وأظهر فيها الدعاوى بما جعل فيها من
استحالات بعضها إلى بعض، وبما أعطاها من القوى التي تفعل بها، وقال بعد هذا كله:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ فجعل صعود البخار من الماء وهو ماء استحال هواء يسمّى بخاراً
ليقع الفرق بين الهواء الأصلي وبين الهواء المستحيل، ثم يصير غماماً متراكماً، ثم ينزل ماء
كما كان أوّل مرة، فعاد إلى أصله الذي خرج منه ثم يعود الدور، فلهذا شبهناه بالدولاب وقلنا
إنه يرجع، وذلك بتقدير العزيز العليم. انتهى الجزء الرابع والعشرون ومائة.
(الجزء الخامس والعشرون ومائة)
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَيدِ
الفصل الحادي والثلاثون: في الاسم إلهيّ المميت وتوجهه على إيجاد ما يظهر في

١٢٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الأرض، وله حرف الصاد المهملة ومن المنازل البلدة، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾
[سورة فصلت: الآية ٩] وقال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَتَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٠] وهي أوّل مخلوق من
الأركان، ثم الماء، ثم الهواء، ثم النار، ثم السموات، وأخبر تعالى عنها بأمور تقضي أنها
تعقل فوصفها بالقول والإباية وقال لها وقالت له، ونعتها بالطاعة والأخذ بالأحوط ليدل بذلك
على علمها وعقلها، وجعلها محلاً لتكوين المعادن والنبات والحيوان والإنسان وجعلها
حضرة الخلافة والتدبير فهي موضع نظر الحق، وسخّر في حقها جميع الأركان والأفلاك
والأملاك، وأنبت فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيج﴾ [سورة الحج: الآية ٥] من كل ذكر وأنثى، وما
جمع لمخلوق بين يديه سبحانه إلاّ لما خلق منها وهي طينة آدم عليه السلام خمرها بيديه وهو
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وأقامها مقام العبودية فقال: ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اُلْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [سورة الملك: الآية ١٥] وجعل لها مرتبة النفس الكلية التي ظهر عنها العالم، كذلك
ظهر عن هذه الأرض من العالم المولدات إلى مقعر فلك المنازل، وهذا الركن لا يستحيل إلى
شيء ولا يستحيل إليه شيء وإن كان بهذه المثابة بقية الأركان، ولكنه في هذا الركن أظهر
حكماً منه في غيره.
واعلم أن كل معلوم يدخله التقسيم فإنه يدخل في الوجود الذهني لا بدّ من ذلك، وقد
يكون هذا الداخل في الوجود الذهني ممّن يقبل الوجود العينيّ، وقد يكون ممّن لا يقبل
الوجود العينيّ كالمحال، والذي يقبل الوجود العينيّ لا يخلو إما أن يكون قائماً بنفسه وهو
المقول عليه لا في موضوع، وإما أن لا يكون، فأما قسم ما يكون قائماً بنفسه فلا يخلو إما أن
يكون متحيزاً أو غير متحيز. وأما قسم لا في موضوع غير متحيز فلا يخلو إما أن يكون واجب
الوجود لذاته وهو الله تعالى، وإما أن يكون واجباً بغيره وهو الممكن، وهذا الممكن إما أن
يكون متحيزاً أو غير متحيز، والقسمة فيما هو قائم بنفسه من الممكنات، فغير المتحيز
كالنفوس الناطقة المدبرة لجوهر العالم النورانيّ والطبيعي والعنصري، والمتحيز إما أن يكون
مركباً ذا أجزاء، وإما أن لا يكون ذا أجزاء، فإن لم يكن ذا أجزاء فهو الجوهر الفرد، وإن كان
ذا أجزاء فهو الجسم. وأمّا القسم الذي هو في موضوع وهو الذي لا يقوم بنفسه ولا يتحيز إلاَّ
بحكم التبعية فلا يخلو إما أن يكون لازماً للموضوع أو غير لازم في رأي العين، وأما في نفس
الأمر فلا شيء ممّا لا يقوم بنفسه يكون باقياً في نفس الأمر زائداً على زمان وجوده، لكن منه
ما تعقبه الأمثال ومنه ما يعقبه ما ليس بمثل، فأما الذي يعقبه الأمثال فهو الذي يتخيل أنه لازم
كصفرة الذهب وسواد الزنجيّ، وأما الذي لا تعقبه الأمثال فهو المسمّى بالعرض واللازم
يسمّى صفة، وليست المعلومات التي لها وجود عيني سوى ما ذكرناه.
واعلم أن العالم واحد بالجوهر كثير بالصورة، وإذا كان واحداً بالجوهر فإنه لا
يستحيل، وكذلك الصورة أيضاً لا تستحيل لما يؤدّي إليه من قلب الحقائق، فالحرارة لا تكون
برودة، واليبوسة لا تكون رطوبة، والبياض لا يستحيل سواداً، والتثليث لا يصير تربيعاً، لكن
الحار قد يوجد بارداً إلاَّ في زمان كونه حاراً، وكذلك البارد قد يوجد حاراً لا في زمان كونه

١٢٥
في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
بارداً، وكذلك الأبيض قد يكون أسود بمثل ما ذكرنا، والمثلث قد يكون مربعاً فبطلت
الاستحالة، فالأرض والماء والهواء والأفلاك والمولدات صور في الجوهر فصور تخلع عليه
فيسمّى بها من حيث هيئة وهو الكون، وصور تخلع عنه فيزول عنه بزوالها ذلك الاسم وهو
الفساد، فما في الكون استحالة يكون المفهوم منها أن عين الشيء استحال عيناً آخر إنما هو
كما ذكرنا، والعالم في كل زمان فرد يتكوّن ويفسد، ولا بقاء لعين جوهر العالم لولا قبول
التكوين فيه، فالعالم يفتقر على الدوام، أما افتقار الصور فلبروزها من العدم إلى الوجود، وأما
افتقار الجوهر فلحفظ الوجود عليه، إذ من شرط وجوده وجود تكوين ما هو موضوع له لا بدّ
من ذلك، وكذلك حكم الممكن القائم بنفسه الذي لا يتحيز هو موضوع لما يحمله من
الصفات الروحانية والإدراكات التي لا بقاء لعينه إلاَّ بها، وهي تتجدّد عليه تجدّد الأعراض في
الأجسام، وصورة الجسم عرض في الجوهر، وأما الحدود إنما محلها الصور فهي
المحدودة، ولا بدّ أن يوجد في حدّها الجوهر الذي تظهر فيه، وبهذا القدر يسمون الصور
جوهراً لكونهم يأخذون الجوهر في حدّ الصورة.
وبالجملة فالنظر في هذه الأمور عن غير طريق الكشف الإلهيّ لا يوصل إلى حقيقة
الأمر على ما هي عليه لا جرم أنهم لا يزالون مختلفين، ولهذا عدلت الطائفة السعيدة المؤيدة
بروح القدس إلى التجرّد عن أفكارها والتخلص عن قيد قواها واتصلت بالنور الأعظم فعاينت
الأمر على ما هو عليه في نفسه إذ كان الحق عزّ وجلّ بصرها فلم تشاهد إلاَّ حقاً كما قال
الصديق: ((مَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلاَّ رَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ)) فيرى الحق ثم يرى أثره في الكون وهو الوقوف
على كيفية الصدور، فكأنه عاين الممكنات في حال ثبوتها عندما رشّ على ما رشّ منها من
نوره الأعظم، فاتصفت بالوجود بعدما كانت تنعت بالعدم، فمن هذا مقامه، فقد ارتفع عنه
غطاء العمى والحيرة ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ أَلْوْمَ حَدِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية ٢٢] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْفَ السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة قى: الآية ٣٧] فما جعل العلم إلاَّ في
الشهود، فالحاكم يحكم بغلبة ظنّه، والشاهد يشهد بعلم لا بظنّ.
ثم اعلم أن أجسام العالم تنقسم إلى لطيف وكثيف وشفاف وكدر ومظلم ومنور، وإلى
كبير وصغير، وإلى مرئي وغير مرئي، فالوجود كله عطاء: [مجزوء المديد]
كلُّ ما منه عَطَاءُ
ليس عند الله مَنْغ
ـين غَطَاءٌ ووِطَاءُ
فأنا ما بين شيئـ
لم يكن إلاَّ عَطَاءُ
فإذا ما قيل مَنْغ
ون من خَيْرٍ وِعاءُ
وأنا لكل ما في الكــ
فالرجل الذي رأى الحق حقاً فاتبعه وحكم الهوى وقمعه، فإذا جاع جوع اضطرار
وحضر بين يديه أشهى ما يكون من الأطعمة تناول منه بعقله لا بشهوته، ودفع به سلطان
ضرورته، ثم أمسك عن الفضل غنى نفس وشرف همة، فذلك سيد الوقت فاقتد به، وذلك
صورة الحق أنشأها الله صورة جسدية بعيدة المدى لا يبلغ مداها ولا يخفى طريق هداها،

١٢٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وهذا هو طبع الأرض، فهي الذلول التي لا تقبل الاستحالة، فيظهر فيها أحكام الأركان ولا
يظهر لها حكم في شيء تعطي جميع المنافع من ذاتها هي محل كل خير فهي أعزّ الأجسام،
لا تزاحم المتحرّكات بحركتها لأنها لا تفارق حيّزها يظهر فيها كل ركن سلطانه، وهي الصبور
القابلة الثابتة الراسية، سكن ميدها جبالها التي جعلها الله أوتادها لما تحرّكت من خشية الله،
آمنها الله بهذه الأوتاد فسكنت سكون الموقنين، ومنها تعلم أهل اليقين يقينهم، فإنها الأم التي
منها أخرجنا وإليها نعود ومنها نخرج تارة أخرى، لها التسليم والتفويض، هي ألطف الأركان
معنى، وما قبلت الكثافة والظلمة والصلابة إلاَّ لستر ما أودع الله فيها من الكنوز لما جعل الله
فيها من الغيرة فحار السعاة فيها فلم يخرقوها ولا بلغوا جبالها طولاً، أعطاها صفة التقديس
فجعلها طهوراً في أشرف الحالات، وذلك عند الاضطرار لما أقامها مقامه مثل الظمآن يرى
السراب فيحسبه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئاً، يعني ماء، ووجد الله عنده فما وجد الله إلاَّ عند
الضرورة، كذلك طهارة الأرض لا تكون إلاَّ لفاقد الماء على ما كان من الأحوال، فانظر ما
أشرف منزلها، ثم أنزلتها منزلة النقطة من المحيط فهي تقابل بذاتها كل جزء من المحيط،
وينظر إليها كل جزء من المحيط، فكل خط منها يخرج إلى المحيط على السواء والاعتدال
لأنها ما تعطي إلاَّ بحسب صورتها، وكل خط من المحيط إليها يقصد، فلو زالت زال
المحيط، ولو زال المحيط لم يلزم زوالها، فهي الدائمة الباقية في الدنيا والآخرة، أشبهت
نفس الرحمن في التكوين .
واعلم أن الله تعالى قد جعل هذه الأرض بعدما كانت رتقاً كالجسم الواحد كما كانت
السماء ففتق رتقها وجعلها سبعة أطباق كما فعل بالسموات، وجعل لكل أرض استعداد انفعال
لأثر حركة فلك من أفلاك السموات وشعاع كوكبها، فالأرض الأولى وهي التي نحن عليها
للفلك الأوّل من هناك ثم تنزل إلى أن تنتهي إلى الأرض السابعة والسماء الدنيا، ولذلك قال
عليه السلام فيمن غصب شبراً من الأرض (( طوّقه الله به من سبع أرضين)لأنه إذا غصب شيئاً
من الأرض كان ما تحت ذلك المغصوب مغصوباً إلى منتهى الأرض، ولو لم تكن طباقاً
بعضها فوق بعض لبطل معقول هذا الخبر، وكذلك الخبر الوارد في سجود العبد على الأرض
طهر الله بسجدته إلى سبع أرضين وقال تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتْقًا﴾ أي كل
واحدة منهما مرتوقة ثم قال: ﴿فَفَتَقْنَهُمَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] يعني فصل بعضها من بعض
حتى تميزت كل واحدة عن صاحبتها كما قال: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا﴾ [سورة الملك: الآية
٣] ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] الظاهر يريد طباقاً ثم قال: ﴿يَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾
[سورة الطلاق: الآية ١٢] أي بين السموات والأرض، ولو كانت أرضاً واحدة لقال بينهما هذا هو
الظاهر وهو الذي يعطيه الكشف، والأمر النازل بينهنّ هذا الأمر الإلهيّ الذي يكون بين السماء
الدنيا والأرض التي نحن عليها ينزل من السماء ثم يطلب أرضه وهو قوله: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ
سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] فذلك الأمر هو الذي ينزل إلى أرضه بما أوحى الله فيه على
عامر تلك الأرض من الصور والأرواح.

١٢٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وجعل هذه الأرض سبعة أقاليم، واصطفى من عباده المؤمنين سبعة سمّاهم الأبدال
لكل بدل إقليم يمسك الله وجود ذلك الإقليم به، فالإقليم الأوّل: ينزّل الأمر إليه من السماء
الأولى من هناك وتنظر إليه روحانية كوكبه، والبدل الذي يحفظه على قلب الخليل عليه
السلام. والإقليم الثاني: ينزّل الأمر إليه من السماء الثانية وتنظر إليه روحانية كوكبها والبدل
الذي يحفظه على قلب موسى عليه السلام. والإقليم الثالث: ينزّل إليه الأمر الإلهيّ من
السماء الثالثة وتنظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي يحفظه على قلب هارون ويحيى عليهما
السلام بتأييد محمد عليه الصلاة والسلام والإقليم الرابع: ينزّل الأمر إليه من قلب الأفلاك
كلها وتنظر إليه روحانية كوكبها الأعظم والبدل الذي يحفظه على قدم إدريس عليه السلام وهو
القطب الذي لم يمت إلى الآن والأقطاب فينا نوّابه. والإقليم الخامس: ينزّل إليه الأمر من
السماء الخامسة وتنظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي يحفظ الله به ذلك الإقليم على قلب
يوسف عليه السلام ويؤيّده محمد رَّة. والإقليم السادس: ينزّل الأمر إليه من السماء السادسة
وتنظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي يحفظه على قلب عيسى روح الله ويحيى عليهما
السلام. والإقليم السابع: ينزّل الأمر إليه من السماء الدنيا وينظر إليه روحانية كوكبها والبدل
الذي يحفظه على قلب آدم عليه السلام. واجتمعت بهؤلاء الأبدال السبعة بحرم مكة خلف
حطيم الحنابلة وجدتهم يركعون هناك فسلمت عليهم وسلموا علينا وتحدثت معهم، فما رأيت
فيما رأيت أحسن سمتاً منهم ولا أكثر شغلاً منهم بالله، ما رأيت مثلهم إلاَّ سقيط الرفرف ابن
ساقط العرش بقونية وكان فارسیاً.
وصل: واعلم أن الفرق الذي بين مزاج العنصر الواحد وامتزاجه بعضه ببعضه أو
امتزاجه بعنصر آخر كامتزاج الماء بالتراب فيحدث اسم الطين فما هو تراب وما هو ماء،
والامتزاج في العنصر الواحد كالنيل والاسفيداج إذا مزجا بالسحق واختلطت أجزاؤهما
وامتزجت امتزاجاً لا يمكن الفصل بينهما، يحدث بينهما لون آخر ما هو لواحد منهما،
ويحدث لهذا الامتزاج حكم في آخر الأفعال الطبيعية، وكالماء العذب والماء الملح إذا
امتزجا حدث بينهما طعم آخر ما هو ملح ولا عذب، فهذا ما أعطاه الامتزاج في العنصر
الواحد، وكذلك الماء بما هو بارد إذا أعطت النار فيه التسخين بحيث أن لا تبقيه بارداً ولا
تبلغ به درجتها في السخانة فيكون فاتراً لا حاراً ولا بارداً، فهذا امتزاج لا يشبه امتزاج
العنصر بعضه في بعضه ولا امتزاج العنصرين. وأما المزاج فهو ما كان به وجود عين
العنصر وهو المسمّى بالطبع فيقال: طبع الماء أو مزاج الماء أن يكون بارداً رطباً والنار حارة
يابسة والهواء حاراً رطباً والتراب بارداً يابساً، فما ظهرت أعيان هذه الأركان إلاَّ بهذا المزاج
الطبيعيّ، فكل مزاج طبيعيّ، وليس الإمتزاج كذلك فبالامتزاج الذي ذكرناه في عنصر الماء
نعلم قطعاً أن أجزاء الماء الملح مجاورة أجزاء الماء العذب، وأجزاء النيل مجاورة أجزاء
الإسفيداج مجاورة بالعقل لا يدركها الحسّ ولا يفصلها، ولكن في الإمتزاج يحدث للطبيعة
حكم في هذه الصور الظاهرة من الإمتزاج كتركيب الأدوية فكل عقار فيه له نفع على حدّة،

١٢٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ثم إذا مزج الكل كان بهذه المثابة وكان للطبيعة في المجموع حكم ولا بدّ، فإذا جعل الكل
في إناء واحد وصبّ على الجميع ماء واحد أعطى كل عقار في كل جوهر من ذلك الماء
قوّة فيكون في الجوهر الواحد من الماء قوّة كل واحد من العقاقير ما لم تتضاد القوى، فهذا
وإن كان إمتزاجاً فما هو مثل ذلك الإمتزاج ولا بلغ حكمه حكم المزاج، فهذه حالة معقولة
بين المزاج وبين الامتزاج لا يقال فيه مزاج ولا امتزاج، وكذلك الأرض وإن كانت سبعة
طباق فقد يعسر في الحسّ الفصل بينهنّ مع علمنا بأن كل واحدة منهن لا تكون بحيث
الأخرى، كما لا يكون الجوهر بحيث جوهر آخر وعرضه يكون بحيث موضوعه وحامله،
فهكذا يكون كون الأشياء وفسادها وما يلحقها من التغيير. انتهى الجزء الخامس والعشرون
ومائة .
(الجزء السادس والعشرون ومائة)
بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
وصل: وأما ما يلحق الأجسام العنصرية من لواحق الطبيعة في الأجسام فكثير، فمن
ذلك حركة العنصر وسكونه هل هو مخالف لحركة الفلك وسكونه لو فرض سكونه؟ أو هل
سكونه كسكون السماء الذي لا يقول به إلاَّ أهل هذا الشأن منا؟ فأما حركة الفلك وهو من
الأجسام الطبيعية فإنه يتحرك بمحرك ليس هو، وهكذا كل متحرك في العالم وساكن ما هو
متحرك لذاته ولا ساكن لذاته بل بمحرك ومسكن، وذلك المحرك له لا بدّ أن يكون محركاً له
بذاته أو محركاً له بما هو يريد تحريكه، فأما من يرى أن محركه يحركه لذاته فهو القائل بخلق
الحركة في الجسم والحركة تعطي لذاتها فيمن قامت به التحرّك فهي محركة المتحرك لذاتها،
والسكون مثل ذلك وإن كان المحرك بما هو يريد تحريكه فقد يحركه بواسطة وبغير واسطة أي
بواسطة لا تتصف بأنها مريدة لتحريكه، ولو كانت ذا إرادة كالمجبور فيمن كان ذا إرادة أو
تحريك الغصن بتحريك الريح التي تحدثه حركة المروحة من حركة يد الذي يروّحه بها وبغير
واسطة، كإنسان هزّ عصا في يده فاضطربت، أو يكون المتحرك هو المتحرك بالإرادة في ذاته
كتحرك الإنسان في الجهات التحرّك الإرادي، فالفلك عندنا متحرك تحرك الإنسان في
الجهات لأنه يعقل ويكلف ويؤمر كما قال عليه السلام في ناقته أنها مأمورة وقال عليه السلام
في الشمس أنها تستأذن في الطلوع وحينئذ تطلع فيؤذن لها فإذا جاء وقت طلوعها من مغربها
يقال لها: ارجعي من حيث جئت فتصبح طالعة من مغربها فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها،
فالفلك متحرك بالإرادة ليعطي ما في سمائه من الأمر الإلهيّ الذي يحدث أشياء في الأركان
والمولدات، وبتلك الحركات الفلكية يظهر الزمان، فالزمان لا يحكم في مظهره وإنما يحكم
فيما دونه، فلا حكم للزمان في حركات الفلك لأنه المظهر عينه، وللحوادث الظاهرة والطارئة
في الأفلاك والسموات والعالم العلوي أسباب غير الزمان، وحركات الفلك مرتبة متتالية
الأجزاء على طريقة واحدة كتحرّك الرحى، فكل جزء لا يفارق مجاوره، وحركة الأركان

١٢٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ليست كذلك، فإن حركة العنصر متداخلة بعضها في بعض يزول كل جزء عن الجزء الذي كان
يجاوره ويعمر أحيازاً غير أحيازه التي كان فيها، فأسباب حركة العنصر تخالف أسباب حركة
الفلك لأن حركة الفلك ما تعرف سوى ما تعطيه في الأركان من التحريك وشعاعات كواكبها
بما أودع الله فيها من العقل والروح والعلم تعطي في أشخاص كل نوع من المولدات على
التعيين من معدن ونبات وحيوان وجنّ وملك مخلوق من عمل أو نفس بقول من تسبيح وذكر
أو تلاوة، وذلك لعلمها بما أودع الله لديها وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة
فصلت: الآية ١٢] فمن لا كشف له يرى أن ذلك كله الكائن عن سريانها أنها مسخرات في
حركاتها لإيجاد هذه الأمور، كتحريك الصانع للآلات لإيجاد صورة ما يريد إيجادها،
كالصورة في الخشب وغيره، ولا تعرف الآلات شيئاً من ذلك ولا ما صدر عنها، وإن كانت
تلك الصور لا تظهر إلاَّ بهذه الآلات، هكذا يزعم من يذهب إلى غير ما ذهبنا إليه وذهب إليه
أهل الله من أهل الكشف والوجود، ونحن نقول: إن آلة النجار ربما تعلم أكثر ممّا يعلم
الصانع بها فإنها حية ناطقة عالمة بخالقها مسبحة بحمد ربها عالمة بما خلقت له عند أهل
الكشف، فإن المكاشف إذا كشف الله عن بصره وسمعه تناديه أشجار الأرض ونجمها بمنافعها
ومضارها كما قالت الأحجار لداود عليه السلام يقول كل حجر: يا داود خذني فأنا أقتل
جالوت، وقال له الحجر الآخر: خذني فإني أجعل الكسرة في ميمنة عسكره، فقد علم كل
حجر ما خلق له فأخذ داود تلك الأحجار فوقع الأمر كما ذكرت.
ولما لم يبلغ بعض الناس هذه الدرجة ولا طولع بها أنكرها ولم يكن ينبغي له ذلك،
فما من متحرك في العالم إلاَّ وهو عالم بما إليه يتحرك إلاَّ الثقلين فقد يجهلون ما يتحركون
إليه، بل يجهلون إلا من شاء الله من أهل الكشف من مريد وغيره، قال الله للسماء والأرض :
﴿أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآَ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] وإتيان الأرض حركة وانتقال لما
دعيت إليه فجاءت طائعة، فكل جزء في الكون عالم بما يراد منه فهو على بصيرة حتى أجزاء
بدن الإنسان، فما يجهل منه إلا لطيفته المكلفة الموكلة إلى استعمال فكرها أو تنظر بنور
الإيمان حتى يظهر ذلك النور على بصرها فيكشف ما كان خبراً عندها، فإذا كانت حركة
العنصر تخالف حركة الفلك بالتداخل وبما يطرأ عليها من السكون في بعض أجزاء العنصر لا
في كله فنعلم قطعاً أن حكم الحركة في العنصر يخالف حكم حركة الفلك، فحكم حركة
العنصر أي عنصر كان فإن كان بين عنصرين كالهواء والماء أو لا يكون بين عنصرين كالنار
والأرض فحركة الهواء العنصري يظهر فيه من الأثر بحسب ما يباشر منه ما فوقه وما تحته
وكذلك عنصر الماء. وأما حركة النار فلا تؤثر فيه إلاَّ الهواء، وحركة الأرض لا تؤثر فيه إلاَّ
الماء والهواء، وبهذا يفارق هذا العنصر عنصر النار، فإذا أثر النار التسخين فيما عداه من
الأركان فيأخذ أمرين: إما بوساطة شعاع الكوكب الأعظم وهو الشمس فإن شعاعها يمر على
الأثير فيكتسب زيادة كميات في حرارته أو بوساطة النار المحمولة في الفحم أو الحطب،
وهذه الآثار التي تظهر في العنصر من غيره إن لم يكن له إمداد من العنصر الذي ظهر عنه ذلك
الفتوحات المكية ج٤ - م٩

١٣٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الأثر، والأغلب عليه حكم العنصر الذي ظهر فيه الأثر فأفسده، فهذا من أنواع الكون والفساد
الظاهر في أجسام العناصر.
ثم لتعلم أن التحقيق في الحركة والسكون أنهما نسبتان للذوات الطبيعية المتحيزة
المكانية أو القابلة للمكان إن كانت في الإمكان وذلك أن المتحيز لا بدّ له من حيّز يشغله بذاته
في زمان وجوده فيه، فلا يخلو إمّا أن يمر عليه زمان ثان أو أزمنة وهو في ذلك الحيز عينه فذلك
المعبر عنه بالسكون، أو يكون في الزمان الثاني في الحيز الذي يليه، وفي الزمن الثالث في الحيز
الذي يلي الحيز الثاني، فظهوره وإشغاله لهذه الأحياز حيزاً بعد حيز لا يكون إلاَّ بالانتقال من
حيز إلى حيز، ولا يكون ذلك إلاّ بمنقل، فإن سمّى ذلك الانتقال حركة مع عقلنا أنه ما ثم إلاَّ
عين المتحيز والحيز وكونه شغل الحيز الآخر المجاور لحيزه الذي شغله أوّلاً فلا يمنع، ومن
ادّعى أن ثم عيناً موجودة تسمّى حركة قامت بالمتحيز أوجبت له الانتقال من حيز إلى حيز فعليه
بالدليل فما انتقل إلاَّ بمنقل، أما إن كان ذا إرادة فبإرادته أو بمنقل غيره نقله من حيز إلى حيز،
وكذلك الاجتماع والافتراق نسبتان للمتحيزات، فالاجتماع كون متحيزين متجاورين في حيزين
لا يعقل بينهما ثالث، والافتراق أن يعقل بينهما ثالث أو أكثر فاعلم ذلك.
ثم إن الزمان والمكان من لواحق الأجسام الطبيعية أيضاً، غير أن الزمان أمر متوهم لا
وجود له تظهره حركات الأفلاك أو حركات المتحيزات إذا اقترن بها السؤال بمتى، فالحيز
والزمان لا وجود له في العين أيضاً، وإنما الوجود لذوات المتحركات والساكنات. وأما
المكان فهو ما تستقر عليه المتمكنات لا فيه، فإن كانت فيه فتلك الأحياز لا المكان، فالمكان
أيضاً أمر نسي في عين موجودة يستقر عليها المتمكن أو يقطعه بالانتقالات عليه لا فيه، فإن
اتصلت المتحيزات بطريق المجاورة على نسق خاص لا يكون فيه تداخل فذلك الاتصال، فإن
توالت الانتقالات حالاً بعد حال فذلك التتابع والتتالي من غير أن يتخللها فترة، فإن دخل
بعضها على بعض ولم يفصل الداخل بين المتصلين فذلك الالتحام، فما دخل في الوجود منه
وصف بالتناهي، وما لم يدخل قيل فيه أنه لا يتناهى إن فرض متتالياً أبداً، وإن أعطت هذه
الانتقالات استحالة كان الكون والفساد، فانتقال الشيء من العدم إلى الوجود يكون كوناً،
وإزالة ما ظهر عنه من صورة الكون يسمّى فساداً، فإذا انتقل من وجود إلى وجود يسمّى
متحركاً، وأما ما يلحق هذه الأجسام من الألوان والأشكال والخفة والثقل واللطف والكثافة
والكدورة والصفا واللين والصلابة وما أشبه ذلك من لواحقه فإنه يرجع إلى أسباب مختلفة .
فأما الألوان فعلى قسمين: منها ألوان تقوم بنفس المتلون، ومنها ألوان تظهر لناظر
الرائي وما هي في عين المتلوّن لاختلاف الأشكال، وما يعطيه النور في ذلك الجسم فإنه
بالنور يقع الإدراك، وكذلك الأشكال مثل الألوان ترجع إلى أمرين: إلى حامل الشكل وإلى
حسّ المدرك له، وأما ما عداه ممّا ذكرناه من لواحق الأجسام فهي راجعة إلى المدرك لذلك
لا إلى أنفسها ولا إلى الذات الموصوفة التي هي الأجسام الطبيعية هذا عندنا، فإن اللطيفة
كالهواء لا تضبط صورة النور والجسم الكثيف يظهره ورأينا من لا يحجبه الكثائف وصورتها

١٣١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
عنده صورة اللطائف في نفوذ الإدراك، فإذا ما هي كثائف إلاَّ عند من ليس له هذا النفوذ، فمنا
من لا يحجبه الجدران ولا يثقله شيء فصار مآل هذه الأوصاف إلى المدرك، ولو كانت
لذوات الأجسام لوقع التساوي في ذلك كما وقع التساوي في كونها أجساماً، فإذاً ليس حكم
اللواحق يرجع إلى ذوات الأجسام عندنا، وأما عند الطبيعيين فإنهم وإن اختلفوا فما هم على
طريقنا في العلم بهذا.
واعلم أن الشيء الواحد العين إذا ظهرت عنه الآثار المختلفة فإن ذلك من حيث القوابل
لا من حيث عينه، ومن هنا إذا حققت هذه المسألة يبطل قول الحكيم: لا يصدر عن الواحد
إلا واحد، وصورة ذلك في العنصر الذي نحن بصدده أن النار بما هي نار لا يتغير حكمها من
حيث ذاتها وتجد آثارها مختلفة الحكم فتنير أجساماً ولا تنير أجساماً مع أن إنارتها بالاشتعال،
فالهواء لها مساعد وتعقد أشياء وتسيل أشياء وتسود وتبيض وتسخن وتحرق وتنضج وتذيب
الجوامد وهي على حقيقة واحدة، واستعداد القوابل مظهر اختلاف الآثار منها في الحكم.
فالعين واحدة والحكم مختلف. ويدرك العلم ما لا يدرك البصر.
واعلم أن الأشياء بآحادها لها حكم وبامتزاجاتها تحدث لها أحكام لم تكن ولا لواحد
منها، ولا يدري على الحقيقة من هو المؤثر من أحد الممتزجين هل هو لواحد أو هل لكل
واحد فيه قوّة؟ والذي حدث لا يقدر على إنكاره، فإنا نعرف سواد المداد حدث بعد أن لم
يكن من امتزاج الزاج والعفص فهل الزاج صبغ العفص وهو المؤثر؟ والعفص هو المؤثر فيه
اسم مفعول، ولو كان ذلك لبقي الزاج على حاله إذا كان غير ممتزج وينصبغ ماء العفص
والمشهود خلاف ذلك، وكذلك القول في العفص، فلم يبق إلا حقيقة المزج وهي التي
أحدثت السواد ما هو لواحد بعينه حقيقة ما قلناه في الإلهيات ﴿سَنَّفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة
الرحمن: الآية ٣١] ويأتي الله يوم القيامة للفصل والقضاء وبيده الميزان يخفض ويرفع الله ولا
عالم هل يتصف بوقوع هذا الفعل فظهر بالعالم ما لم يظهر ولا عالم فليس الحكم على
السواء، فقال النبي بَّرَ: ((كَانَ اللَّهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ)) ولم يقل وهو الآن على ما عليه كان كيف
يقول ذلك وَل﴿ وهو أعلم الخلق بالله وهو الذي جاء من عند الله بقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَةٍ﴾
[سورة الرحمن: الآية ٢٩] ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ النَّقَلَانِ﴾ وفرغ ربك من كذا وكذا، وينزل ربنا إلى
السماء، وقد كان ولا سماء ولا عالم هل كان يوصف بالنزول إلى من أو من أين ولا أين، ثم
أحدث الأشياء فحدثت النسب فاستوى ونزل وأخذ الميزان فخفض ورفع، بذا وردت الأخبار
التي لا تردها العقول السليمة من الأهواء والإيمان بها واجب والكيف غير معقول فهو الواحد
الواجد الأحد الماجد الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١].
لولا وجود النفس واستعدادات المخارج في المتنفس ما ظهر للحروف عين، ولولا
التأليف ما ظهر للكلمات عين، فالوجود مرتبط بعضه ببعض، فلولا الحرج والضيق ما كان
للنفس الرحماني حكم، فإن التنفيس هو إزالة عين الحرج والضيق فالعدم نفس الحرج
والضيق، فإنه يمكن أن يوجد هذا المعدوم، فإذا علم الممكن إمكانه وهو في حال العدم كان

١٣٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
في كرب الشوق إلى الوجود الذي تعطيه حقيقته ليأخذ بنصيبه من الخير، فنفس الرحمن بنفسه
هذا الحرج فأوجده فکان تنفیسه عنه إزالة حكم العدم فيه، وكل موجود سوى الله فهو ممكن
فله هذه الصفة، فنفس الرحمن هو المعطي صور الممكنات الوجود كما أعطى النفس وجود
الحروف، فالعالم كلمات الله من حيث هذا النفس كما قال: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَّرْيَمَ﴾
[سورة النساء: الآية ١٧١] وهو عين عيسى عليه السلام، وأخبر أن كلمات الله لا تنفد فمخلوقاته لا
تزال توجد ولا يزال خالقاً .
وكذلك لما رأينا في هذه الأجسام العنصرية أموراً مختلفة الصور مختلفة الأشكال
مختلفة المزاج، ومع هذا ما يخرجها ذلك الاختلاف عن حقيقة كونها يجمعها حد واحد
وحقيقة واحدة، كأشخاص الحيوان على اختلاف أنواعه وأشكاله، كالطير لا يخرجه ما ظهر
فيه من اختلاف المقادير والأشكال والألوان عن كونه طيراً، فعلمنا أن هذا الاختلاف ما هو
لكونه إنساناً ولا لكونه طيراً، فإن الإنسانية في كل واحد واحد من أشخاصها مع ظهور
الاختلاف، فلا بدّ لذلك من حقائق أخر معقولة أوجبت لها ذلك الاختلاف، فبحثنا عن ذلك
في العلم الإلهيّ الذي هو مطلوبنا إذا كان الوجود مرتبطاً به فوجدناه تعالى لا يكرر تجلياً
ويظهر في صورة ينكر فيها وفي صورة يعرف فيها وهو الله تعالى في الصورتين الأولى والآخرة
وفي كل صور التجلي، فقامت صور التجلي في الألوهة مقام اختلاف أحوال صور أشخاص
النوع في النوع، فعلمنا أن تغيّر أشخاص النوع من هذه الحقيقة الإلهية، فعلمنا أنا ما علمنا من
الحق إلا ما أشهدنا، وأن الله تجلّى للنوع من حيث ما هو نوع فلم يتغير عن نوعيته كما لم
يزل إلهاً في ألوهته، ثم يظهر لذلك النوع في صور مختلفة اقتضتها ذاته تعالى، فظهر في
أشخاص النوع اختلاف صور على وزنها ومقدارها، فلولا أنه في استعداد هذا النوع المتغير
بالشخص في الأشكال والألوان والمقادير التي لا تخرجه عن نوعيته لما قبل هذا التغيير ولكان
على صورة واحدة، وإذا كان الكثيف مع كثافته مستعداً لقبول الصور المختلفة بصنعة الصانع
فيه كالخشب وما تصور منه بحسب ما يقوم في نفس الصانع من الصور المختلفة فاللطيف
أقبل للاختلاف كالماء والهواء، فما كان ألطف كان أسرع بالذات لقبول الاختلاف، فتبين لك
أن اختلاف صور العالم من أعلاه لطفاً إلى أسفله كثافة لا يخرج كل صورة ظهر فيها عن كونه
نفس الرحمن، قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَتَّكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَّبَاتًا﴾ [سورة نوح: الآية ١٧] فالأرض واحدة،
وأين صورة النجم من صورة الشجر على اختلاف أنواعها؟ من صورة الإنسان؟ من صور
الحيوان؟ وكل ذلك من حقيقة عنصرية ما زالت عنصريتها باختلاف ما ظهر فيها، فاختلاف
العالم بأسره لا يخرجه عن كونه واحد العين في الوجود، فزيد ما هو عمرو وهما إنسان فهما
عين الإنسان لا غيره، فمن هنا تعرف العالم من هو وصورة الأمر فيه إن كنت ذا نظر صحيح
﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَ نْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢١] ما ثم إلاَّ النفس الناطقة وهي العاقلة والمفكرة
والمتخيلة والحافظة والمصورة والمغذية والمنمية والجاذبة والدافعة والهاضمة والماسكة
والسامعة والباصرة والطاعمة والمستنشقة واللامسة والمدركة لهذه الأمور، واختلاف هذه

١٣٣
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
القوى، واختلاف الأسماء عليها، وليست بشيء زائد عليها بل هي عين كل صورة، وهكذا
تجده في صور المعادن والنبات والحيوان والأفلاك والأملاك، فسبحان من أظهر الأشياء وهو
عينها: [الطويل]
وما سمعَتْ أُذني خلافَ كلامهِ
فما نظرَتْ عيني إلى غيرِ وَجْهِهِ
وكل شخَيْصٍ لم يزَلْ في مَنَامِهِ
فكلُّ وجودٍ كان فيه وجودُه
فمن لامَ فليلْحَقْ به في ملامِهِ
فتَعْبِيرُ رؤيا نالها في مَنَامِنَا
وممّا يتعلق بهذا الباب وبباب ركن الماء ما يظهر فيهما من السخانة عن الشعاعات
النورية المنفهقة من ذات الشمس أين أصلها في العلم الإلهي، فإن الأجسام الأرضية والمائية
إذا اتصلت بها أشعة الأنوار الشمسية والكوكبية يرى بعض الأجسام يسخن عند انبساط الشعاع
عليه، وبعض الأجسام على برده لا يقبل التسخين مع اختراق الشعاعات ذلك الجسم كدائرة
الزمهرير، وما علا من الجوّ لا أثر لحر الشعاعات فيه، فاعلم أن للوجه الإلهي سبحات
محرقات لولا الحجب لأحرقت العالم، فلا تخلو هذه الحجب إما أن تكون من العالم ولا
شكّ أن السبحات لو لم تنبسط على الحجب لما كانت حجباً عنها، ولو اقتضت السبحات
الإحراق احترقت الحجب، ثم لا تخلو الحجب أن تكون كثيفة أو لطيفة، فإن كانت لطيفة لم
تحجب كما لم يحجب الهواء اتصال شعاع الشمس بالأجسام الأرضية، وإن كانت كثيفة
كالجدران وأشباهها فلا خفاء أن الجدار يسخن بشعاع الشمس إذا كان متراص الأجزاء غير
مخلخل، ثم إن النور لا تحجبه الظلمة لأنه ينفرها فلا تجتمع به لكن تجاوره من خلف
الحجاب الموجد للظلمة التي تباشر النور، فالظلمة تجاور الشعاع والموجد للظلمة يقبل
انبساط الشعاع عليه، فلا تكون الظلمة حجاباً بهذا الاعتبار وقد ثبت كونها حجاباً، وكون
النور حجاباً على نور الوجه، والنور يتقوّى بالنور لا يحجبه، فافهم حقيقة سبحات الوجه
وأنها دلائل ذاتية إذا ظهرت أحرقت نسباً لا أعياناً، فتبين أنها عين تلك الأعيان أعني الوجه
فزال الجهل الذي كانت ثمرته أن العالم ما هو عين الوجه، فبقي العالم على صورته لم تذهبه
السبحات بل أثبتته وأبانت عن وجه الحق ما هو فكان الحجاب معنوياً فاحترقت النسبة.
الفصل الثاني والثلاثون: في الاسم الإلهيّ العزيز وتوجهه على إيجاد المعادن، وله
حرف الظاء المعجمة، ومن المنازل سعد الذابح.
اعلم أن الذات لما اختصت بسبع نسب تسمّى صفات إليها يرجع جميع الأسماء
والصفات، وقد ذكرنا رجوعها إليها في كتاب إنشاء الجداول كما ذكرها من تقدّم قبلنا، غير
أني زدت على من تقدم بإلحاق الاسم المجيب مع الاسم الشكور لصفة الكلام، فإن
المتقدمين قبلنا ما ألحقوا بالاسم الشكور الاسم المجيب، وكانت السموات سبعاً والسيارة
سبعة والأرضون سبعة والأيام سبعة، جعل الله تكوين المعادن في هذه الأرض عن سباحة هذه
السبعة الدراري بسبعة أفلاكها في الفلك المحيط فأوجد فيها سبعة معادن. ولما كان الاسم
العزيز المتوجه على إيجادها ولم يكن لها مشهود سواه عند وجودها أثر فيها عزّة ومنعاً فلم

١٣٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
يقو سلطان الاستحالة التي تحكم في المولدات والأمهات من العناصر يحكم فيها بسرعة
الإحالة من صورة إلى صورة مثل ما يحكم في باقي المولدات، فإن الاستحالة تسرع إليهم
ويظهر سلطانها فيهم بزيادة ونقص وخلع صورة منهم وعليهم، وهذا يبعد حكمه في المعادن،
فلا تتغير الأحجار مع مرور الأزمان والدهور إلاَّ عن بعد عظيم، وذلك لعزّتها التي اكتسبتها
من الاسم الإلهيّ العزيز الذي توجه على إيجادها من الحضرة الإلهية. ثم إن هذا الاسم طلب
بإيجادها رتبة الكمال لها حتى تتحقق بالعزّة فلا يؤثر فيها دونه اسم إلهيّ نفاسة منه لأجل
انتسابها إليه. وعلم العلماء بأن وجودها مضاف إليه فلم يكن القصد بها إلا صورة واحدة فيها
عين الكمال وهو الذهبية، فطرأت عوارض لها في الطريق من الاسم الضارّ وإخوانه، فأمرض
أعيانهم وعدل بهم عن طريقهم حكمت عليهم بذلك المرتبة التي مروا عليها، ولا يتمكن
لاسم أن يكون له حكم في مرتبة غيره، فإن صاحب المنزل أحق بالمنزل، وهم أرباب الأدب
الإلهي ومعلمو الأدب، فبقي الاسم العزيز في هذه المرتبة يحفظ عين جوهر المعدن،
وصاحب المرتبة من الأسماء يتحكم في صورته لا في عين جوهره.
وللأسماء الإلهية في المولدات والعناصر سدنة من الطبائع ومن العناصر يتصرّفون في
هذه الأمور بحكم صاحب المرتبة الذي هو الاسم الإلهيّ وهم المعدن وحرارته وبرد الشتاء
وحرارة الصيف والحرارة المطلقة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولكل واحد ممّا ذكرناه حكم
يخصّه يظهر في جوهر المولدات والعناصر فيسخف ويكثف ويبرد ويسخن ويرطب وييبس،
ورتبة الكمال من تعتدل فيه هذه الأحكام وتتمانع ولا يقوى واحد منهم على إزالة حكم
صاحبه، فإذا تنزّه الجوهر عن التأثير فخلع صورته عنه ومنع نفسه من ذلك فذلك حكم رتبة
الكمال وليس إلاّ الذهب في المعدن، وأما سائر الصور فقامت بها أمراض وعلل أخرجتهم
عن طريق الكمال، فظهر الزئبق والأسرب والقزدير والحديد والنحاس والفضة، كما ظهر
الياقوت الأصفر والأكهب في جوهر الياقوت، ولما فارقت المعدن الذي هو موطنها في ركن
الأرض بقيت على مرضها ظاهرة بصورة الاعتلال دائماً، فالحاذق النحرير من علماء الصنعة
إذا عرف هذا وأراد أن يلحق ذلك المعدن برتبة الكمال ولا يكون ذلك إلاَّ بإزالة المرض
وليس المرض إلاَّ زيادة أو نقصاً في الجوهر، وليس الطب إلاَّ زيادة تزيل حكم النقص أو
نقصاً يزيل حكم الزيادة، وليس الطبيب إلاَّ أن يزيد في الناقص أو ينقص من الزائد فينظر
الحاذق من أهل النظر في طب المعادن ما الذي صيّره حديداً أو نحاساً أو ما كان، وحال بينه
وبين الذهبية أن يصل إلى منزلتها ويظهر صورتها فيه، فيفوز بدرجة الكمال، ويحوز صفة
العزّة والمنع عن التأثير فيه .
وتساعد هذا الطبيب سباحة الأنوار السبعة في أفلاكها أعني الدراري وهي: القمر
والكاتب والزهرة والشمس والأحمر والمشتري وكيوان بما في قوّتها لما يعطيه بعضها من
اختلاف الزمان، وحكم كل زمان يخالف حكم الذي يليه من وجه ويوافقه من وجه ويخالفه
من جميع الوجوه، ولا يمكن أن يوافقه من جميع الوجوه إذ لو وافقه لكان عينه ولم يكن اثنان

١٣٥
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وهما اثنان بلا شك، فالموافقة من جميع الوجوه لا تكون، ولكرور هذه الأزمان وتوالي
الجديدين أثر في الأركان وأثر في عين الولد في تسوية جوهره وتعديله، فإذا سوّاه وعدّله وهو
أن يصيّره جوهراً قابلاً لأي صورة يريد الحق أن يركبه فيها والصور مختلفة، فاختلفت المعادن
كما اختلف النبات بالصورة، كما اختلف الحيوان بالصورة وهو من حيث الجوهر الطبيعي
واحد العين، ولهذا يعمه من حيث جوهره حد واحد، وما تختلف الحدود فيه إلاَّ من أجل
الصورة، وكذلك في الآباء والأمّهات، بل جوهر العالم كله واحد بالجوهرية، والعين تختلف
بالصور وما يعرض له من الأعراض فهو المجتمع المفترق والواحد الكثير صورة الحضرة
الإلهية في الذات والأسماء، فيرد الحاذق الجوهر المعلول الذي عدلت به علته عن طريق
الكمال إلى طريقه ليتمكن من تدبيره وحفظ بقاء صحته عليه، ويحفظه ممّا بقي له في طريقه
من منازل التغييرات الحائلة بينه وبين رتبة الكمال، وإنما فعل الله هذا بهذ الجوهر في الطريق
وسلّط عليه من يعله ويمرضه حتى يحول بينه وبين بلوغه إلى رتبة الكمال المعدني لمصالح
هذا النوع الإنساني لعلمه بأنه يحتاج إلى آلات وأمور لا بدّ له منها، ولا يكون له هذه الآلات
إلاَّ بقيام هذه الأمراض بهذا الجوهر وعدوله عن الطريق، وحال الله سبحانه بين الأطباء وبين
العلم بإزالة هذه الأمراض من هذا الجوهر إلاَّ الأمناء منهم الذين علم الله منهم أنهم يبقون
الحكمة على ما وضعها الله في العالم، فيبقي الحديد حديداً لما فيه من المنافع التي لا تكون
في الذهب ولا في غيره من المعادن كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٥]
يريد أنه أنزله عن رتبة الكمال لأجل ما فيه من منافع الناس، فلو صحّ من مرضه لطغى وارتفع
ولم توجد تلك المنافع وبقي الإنسان الذي هو العين المقصودة معطل المنافع المتعلقة
بالحديد التي لا تكون إلاَّ فيه، ففيه كما قال الله: ﴿بَأْسٌِّ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [سورة الحديد:
الآية ٢٥] وهكذا سائر المعادن فيها منافع للناس وقد ظهرت واستعملها الإنسان، فانظر ما أشدّ
عناية الله بهذا النوع الإنساني وهو غافل عن الله كافر لنعمه متعرض لنقمه. ولما علم الله أن في
العالم الإنسانيّ من حرمه الله الأمانة ورزقه إذاعة الأسرار الإلهية وسبق في علمه أن يكون لهذا
الذي هو غير أمين رزقه في علم التدبير رزقه الشحّ به على أبناء جنسه بخلاً وحسداً ونفاسة أن
يكون مثله غيره فترك العمل به غير مأجور فيه ولا موافق لله.
ثم إن الله كثر المعادن ولم يجعل لهذا الإنسان أثر، إلاَّ فيما حصل بيده منها وما عسى
أن يملك من ذلك فيظهر في ذلك القدر تدبيره وصنعته ليعلم العقلاء الحكماء أنه غير أمين
فيما أعطاه الله فإنه ما أذن له في ذلك من الله. ثم إن الله جعل للملوك رغبة في ذلك العلم،
فإذا ظهر به من ليس بأمين عندهم سألوه العلم فإن منعهم إياه قتلوه حسداً وغيظاً، وإن
أعطاهم علم ذلك قتلوه خوفاً وغيرة. ولما علم العالم أن ما له مع الملوك إلا مثل هذا لم
يظهر به عندهم ولا عند العامة لئلا يصل إليهم خبره لا أمانة وإنما ذلك خوفاً على نفسه، فلا
يظهر في هذه الصنعة عالم بها جملة واحدة والمتصوّر فيها بصورة العلم يعلم في نفسه أنه ما
عنده شيء وأنه لا بدّ أن يظهر للملك دعواه الكاذبة فيأمن غائلته في الغالب من القتل ويقنع بما

١٣٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
يصل إليه من جهته من الجاه والمال للطمع الذي قام بذلك الملك، فما ظهر عالم بهذه
الصنعة قط ولا يظهر غيرة إلهية مع كونه قد رزقه الله الأمانة في نفسه .
ومن هذا الاسم الإلهيّ وجود الأحجار النفيسة كاليواقيت واللآلىء من زبرجد وزمرد
ومرجان ولؤلؤ وبلخش، وجعل في قوّة الإنسان إيجاد هذا كله أي هو قابل أن يتكوّن عنه مثل
هذا ويسمّى ذلك في الأولياء خرق عادة، والحكايات في ذلك كثيرة ولكن الوصول إلى ذلك
من طريق التربية والتدبير أعظم في المرتبة في الإلهيات ممّن يتكوّن عنه في الحين بهمته
وصدقه، فإن الشرف العالي في العلم بالتكوين لا في التكوين لأن التكوين إنما يقوم مقام
الدلالة على أن الذي تكوّن عنه هذا بالتدبير عالم وصاحب خرق العادة لا علم له بصورة ما
تكوّن عنه بكيفية تكوينها في الزمن القريب والعالم يعلم ذلك.
الفصل الثالث والثلاثون: في الاسم الإلهيّ الرزاق وتوجهه على إيجاد النبات من
المولدات، وله من الحروف الثاء المعجمة بالثلاث، وله من المنازل سعد بلع.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ اَلْمَنِينُ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٨] وقال: ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ
النَّارَ الَّتِى تُورُونَ ءَأَنتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ نَّمْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَنَعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [سورة
الواقعة: الآيات ٧١ - ٧٣] فجعلها للعلماء تذكرة فجاء بالاسم الرزاق بهذه البنية للمبالغة لاختلاف
الأرزاق وهي مع كثرتها واختلافها منه لا من غيره، وأن المرزوقين مختلف قبولهم للأرزاق،
فما يتغذى به حيوان ما قد لا يصلح أن يكون لحيوان آخر لأن المراد بتناول الرزق بقاء
المرزوق، فإذا أكل ما فيه حتفه فما تغذى به وما هو رزق له وإن كان به قوام غيره فلذلك
تسمّى ببنية المبالغة في ذلك، ونعت هذا الرزاق بذي القوّة المتين ولو نعت به الله لقال: ذا
القوّة المتين فنصب، ولا يتمكن نعت الاسم الله من حيث دلالته فإنه جامع للنقيضين، فهو
وإن ظهر في اللفظ فليس المقصود إلاَّ اسماً خاصاً منه تطلبه قرينة الحال بحسب حقيقة
المذكور بعده الذي لأجله جاء الاسم الإلهيّ، فإذا قال طالب الرزق المحتاج إليه: يا الله
ارزقني، والله هو المانع أيضاً فما يطلب بحاله إلاَّ الاسم الرزاق فما قال بالمعنى إلاَّ يا رزاق
ارزقني، ومن أراد الإجابة في الأمور من الله فلا يسأله إلاَّ بالاسم الخاص بذلك الأمر، ولا
يسأل باسم يتضمن ما يريده وغيره ولا يسأل بالاسم من حيث دلالته على ذات المسمّى،
ولكن يسأل من حيث المعنى الذي هو عليه الذي لأجله جاء وتميز به عن غيره من الأسماء
تميز معنى لا تميز لفظ.
واعلم أن الأرزاق منها معنويّ ومنها حسيّ، والمرزوقين منهم معقول ومنهم
محسوس، ورزق كل مرزوق ما كان به بقاؤه ونعيمه إن كان ممّن يتنعم وحياته إن كان ممّن
يوصف بأنه حيّ، وليست الأرزاق لمن جمعها وإنما الأرزاق لمن تغذى بها، يحكى أنه
اجتمع متحرّك وساكن فقال المتحرّك: الرزق لا يحصل إلاَّ بالحركة، وقال الساكن: الرزق
يحصل بالحركة والسكون وبما شاء الله وقد فرغ الله منه، فقال المتحرّك: فأنا أتحرّك وأنت
اسكن حتى أرى من يرزق، فتحرّك المتحرّك فعندما فتح الباب وجد حبة عنب فقال: الحمد

١٣٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
لله غلبت صاحبي فدخل عليه وهو مسرور فقال له: يا ساكن تحرّكت فرزقت ورمى بحبة
العنب إلى الساكن فأخذها الساكن فأكلها وحمد الله وقال: يا متحرّك سكنت فأكلت والرزق
لمن تغذّى به لا لمن جاء به، فتعجب المتحرّك من ذلك ورجع إلى قول الساكن، والمقصود
من هذه الحكاية أن الرزق لمن تغذى به، فأوّل رزق ظهر عن الرزاق ما تغذّت به الأسماء من
ظهور آثارها في العالم وكان فيه بقاؤها ونعيمها وفرحها وسرورها، وأول مرزوق في الوجود
الأسماء فتأثير الأسماء في الأكوان رزقها الذي به غذاؤها وبقاء الأسماء عليها، وهذا معنى
قولهم: إن للربوبية سرّاً لو ظهر لبطلت الربوبية، فإن الإضافة بقاء عينها في المتضايفين، وبقاء
المضافين من كونهما مضافين إنما هو بوجود الإضافة، فالإضافة رزق المتضايفين وبه
غذاؤهما وبقاؤهما متضايفين، فهذا من الرزق المعنويّ الذي يهبه الاسم الرزاق وهو من جملة
المرزوقين، فهو أوّل من تغذّى بما رزق، فأوّل ما رزق نفسه ثم رزق الأسماء المتعلقة بالرزق
الذي يصلح لكل اسم منها وهو أثره في العالم المعقول والمحسوس، ثم نزل في النفس
الإلهيّ بعد الأسماء فوجد الأرواح الملكية فرزقها التسبيح، ثم نزل إلى العقل الأوّل فغذاه
بالعلم الإلهيّ والعلم المتعلق بالعالم الذي دونه، وهكذا لم يزل ينزل من عين ما يطلب ما به
بقاؤه وحياته إلى عين حتى عمّ العالم كله بالرزق فكان رزاقاً، فلما وصل إلى النبات ورأى ما
يحتاج إليه من الرزق المعين فأعطاه ما به غذاؤه فرأى جلّ غذائه في الماء فأعطاه الماء له
ولكل حيّ في العالم وجعله رزقاً له، ثم جعله رزقاً لغيره من الحيوان فهو والحيوان رزق
ومرزوق، فیرزق فیکون مرزوقاً ویرزق به فیکون رزقاً وهكذا جميع الحیوان يتغذى ويتغذى به
فالكل رزق ومرزوق .
وإنما أعطى الماء رزقاً لكل حيّ لأنه بارد رطب والعالم في عينه غلبت عليه الحرارة
واليبوسة، وسبب ذلك أن العالم مقبوض عليه قبضاً لا يتمكن له الانفكاك عنه لأنه قبض إلهيّ
واجب على كل ممكن فلا يكون إلاَّ هكذا، والانقباض في المقبوض يبس بلا شك فغلب
عليه اليبس فهو يطلب بذاته لغلبة اليبس ما يلين به ويرطب فتراه محتاجاً من حيث يبسه إلى
الرطوبة، وأما احتياجه إلى البرودة فإن العالم مخلوق على الصورة، ورأى أن من خلق على
صورته مطلق الوجود يفعل ما يريد، فأراد أن يكون بهذه المثابة ويخرج عن القبض عليه
فيكون مسرح العين غير مقبوض عليه في الكون والإمكان يأبى ذلك، والصورة تعطيه القوّة
لهذا الطلب ولا ينال مطلوبه فيدركه الغبن فيحمي فتغلب الحرارة عليه فيتأذى فيخاف الإنعدام
فيجنح إلى طلب البرودة ليسكن بها ما يجده من ألم الحرارة ويحيي بها نفسه، ويبس القبض
الذي هو عليه يطلب الرطوبة، فنظراً لاسم الرزاق في غذاء يحيا به يكون بارداً ليقابل به
الحرارة وسلطانها ويكون رطباً فيقابل به سلطان اليبس فوجد الماء بارداً رطباً فجعل منه ﴿كُلَّ
شَىءٍ حَيٍّ﴾ في كل صنف صنف بما يليق به قال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا
يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] أي يصدّقون بذلك، وإنما قرن به الإيمان لجواز خلافه عقلاً
الذي هو ضدّ الواقع من أنه لو غلب عليه خلاف ما غلب عليه أهلكه، فلا بدّ أن تكون حياته

١٣٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
في نقيض ما غلب عليه، ألا ترى لو غلب عليه البرد والرطوبة هلك ولم يكن له حياة إلا
الحرارة واليبس فكان يقال في تلك الحال: وجعلنا من النار كل شيء حيّ ولو غلب عليه البرد
واليبس لكانت حياته بالهواء فيقال في تلك الحال: وجعلنا من الهواء كل شيء حيّ، ولو
أفرطت فيه الحرارة والرطوبة لكانت حياته بالتراب وكان يقال لتلك الحالة: وجعلنا من التراب
كل شيء. ثم هذا ما يحتمله التقسيم في هذا لو كان، فلما كان الواقع في العالم غلبة الحرارة
واليبوسة عليه لما ذكرناه من سبب الصورة والقبض ثار عليه سلطان الحرارة واليبس فلم تكن
له حياة إلاَّ ببارد رطب فكان الماء فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ وينظرون
في قولنا من الماء فيعلمون طبع الماء وأثره وفيمن يؤثر وماذا يدفع به فيعلم أن العالم موصوف
بنقيض ما يقتضيه الماء فيحكم عليه به، فيعلم الناظر من طبع الدواء ما يقابل به طبع المرض
الذي نزل بهذا المريض، فنفس الرحمن عنه ما كان يجده هذا المريض فهذا من النفس
الرحمانيّ، فالأرزاق كلها عند المحقق أدوية، لأن العالم كله يخاف التلف على نفسه لأن عينه
ظهر عن عدم وقد تعشق بالوجود، فإذا قام به من يمكن عنده إذا غلب عليه أن يلحقه بالعدم
سارع إلى طلب ما يكون به بقاؤه وإزالة حكم مرضه أو توقّع مرضه فذلك رزقه الذي یحیا به،
ودواؤه الذي فيه شفاؤه أيّ نوع كان في الشخصيات، وكل ما يقبل النمو فهو نبات والذي
ينمو به هو رزقه.
ثم إن الرزق على نوعين في الميزان الموضوع في العالم لإقامة العدل وهو الشرع.
النوع الواحد: يسمّى حراماً. والنوع الآخر: يسمّى حلالاً وهو بقية الله التي جاء نصها في
القرآن قال تعالى: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة هود: الآية ٨٦] فهذه هي التي
بقيت للمؤمنين من قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٩] والإيمان لا
يقع إلاَّ بالشرع، وجاء هذا القول في قصة شعيب صاحب الميزان والمكيال، فهذا علم مستفاد
من الإعلام الإلهيّ والرزاق هو الذي بيده هذا المفتاح، فرزق الله عند بعض العلماء جميع ما
يقع به التغذي من حلال وحرام فإن الله يقول: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [سورة
هود: الآية ٦] وهو ظاهر لا نص، وقال: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىَ أَرْضِ اَللَّهِ﴾ [سورة هود: الآية ٦٤]
﴿وَلَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١٢] وقد نهانا عن التغذي بالحرام، فلو كان
رزق الله في الحرام ما نهانا عنه، فإذن ما هو الحرام رزق الله وإنما هو رزق ورزق الله هو
الحلال وهو بقية الله التي أبقاها لنا بعد وقوع التحجير وتحريم بعض الأرزاق علينا، ولتعلم
من جهة الحقيقة أن الخطاب ليس متعلقه إلاّ فعل المكلف لا عين الشيء الممنوع التصرّف
فيه، فالكل رزق الله والمتناول هو المحجور عليه لا المتناول بفتح الواو، فإن الرزاق لا
يعطيك إلاَّ رزقك وما يعطي الرزاق لا يطعن فيه، فلهذا علّق الذم بفعل المكلف لا بالعين التي
حجر عليه تناولها، فإن المالك لها لم يحجر عليه تناولها والحرام لا يملك، وهذه مسألة طال
الخبط فيها بين علماء الرسوم.
وأما قوله: ﴿فَكُلُواْ مِنَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًا﴾ [سورة النحل: الآية ١١٤] من العامل في

١٣٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الحال فظاهر الشرع يعطي أن العامل رزقكم فإن ((من) هنا في قوله: ﴿مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾
للتبيين لا للتبعيض فإنه لا فائدة للتبعيض فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل لأنه ليس في
الوسع العاديّ أكل الرزق كله، وإذا كانت للتبيين وهي متعلقة بكلوا فبين أن رزق الله هو
الحلال الطيب، فإن أكل ما حرم عليه فما أكل رزق الله فتدبر وانظر ما به حياتك فذلك رزقك
ولا بدّ ولا يصحّ فيه تحجير وسواء كان في ملك الغير أو لم يكن، وهذه إشارة في تلخيص.
المسألة وهي التي يطلبها الاسم الرزاق، فإن المضطرّ لا حجر عليه وما عدا المضطر فما
تناول الرزق لبقاء الحياة عليه وإنما تناوله للنعيم به وليس الرزق إلاَّ ما تبقى به حياته عليه، فقد
نبهت خاطرك إلى فيصل لا يمكن ردّه من أحد من علماء الشريعة، فإن الله يقول: ﴿فَمَنٍ
أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٣] بعد التحجير، وقال: ﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِنَيْهِ﴾
[سورة الأنعام: الآية ١١٩] وذلك هو الرزق الذي نحن بصدده وهو الذي يعطيه الرزاق جعلنا الله
من المرزوقين الذين لا يكونون أرزاقاً، فإن الله أنبتنا من الأرض نباتاً .
وصل: ثم اعلم أن الحركات في النبات على ثلاثة أقسام، وأن الرأس من النبات هو
الذي يطلب الحركات فحيثما توجه من الجهات نسب إليها، فإذا قابل غيرها كان نكساً في
حقّه، ثم اعتبر العلماء الجهات بوجود الإنسان وجعلوا الاستقامة في نشأته وحركته إلى جهة
رأسه فسمّوا حركته مستقيمة، وكل نبات إنّما يتحرك إلى جهة رأسه، فكل حركة تقابل حركة
الإنسان على سمتها تسمّى منكوسة وذلك حركة الأشجار، وإذا كانت الحركة بينهما يقابل
المتحرّك برأسه الأفق كانت حركته أفقية، فالنبات الذي لا حسّ له وله النمو حركته كلها
منكوسة بخلاف شجر الجنة فإن حركة نبات الجنة مستقيمة لظهور حياتها فإنها الدار الحيوان
والنبات الذي له حس على قسمين: منه ماله الحركة المستقيمة كالإنسان، ومنه من له الحركة
الأفقية كالحيوان وبينهما وسائط، فيكون أوّل الإنسان وآخر الحيوان، فلا يقوى قوّة الإنسان
ولا يبقى عليه حكم الحيوان كالقرد والنسناس، كما بين الحيوان والنبات وسط مثل النخلة،
كما بين المعدن والنبات وسط مثل الكماة، فحركة النبات منكوسة ومنها مخلقة وغير مخلقة،
فالمخلقة تسمّى شجراً وهو كل نبات قام على ساق، وغير المخلقة يسمّى نجماً وهو كل نبات
لم يقم على ساق بل له الطلوع والظهور على وجه الأرض خاصة وهو قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ
وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٦] أي ما قام على ساق من النبات وما لم يقم على ساق
فتمام الخلق في النبات القيام على ساق، فلذلك كان النجم غير مخلق كما جاء في خلق
الإنسان، ومن خلق من نطفة في قوله تعالى: ﴿ثُرَّ مِن مُضْغَتِرٍ تُخَلَّفَتِ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [سورة
الحج: الآية ٥] ويدخل الكل في حكم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فأعطى غير
المخلقة خلقها كما أعطى المخلقة خلقها، كما أنه من كمال الوجود وجود النقص فيه.
ولما حكم العلماء على حركة النبات على ما قرّرناه من الانتكاس ما وفوا النظر حقّه بل
حركته عندنا مستقيمة فإنه ما تحرّك إلاَّ للنمو، وما تحرّك حيوان ولا إنسان هذه الحركة التي
لنموه إلاَّ من كونه نباتاً، ولا يقال في النبات إنه مختلف الحركات من حيث هو نبات، وإنما

١٤٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
تختلف الحركات إذا كانت لغير النموّ مثل الحركات في الجهات، فإن الحركات في الجهات
من المتحرك إنما ذلك نسبة إرادة التحرّك لذلك الجسم من المحرك، وقد يكون المحرك عين
المتحرك مثل حركة الاختيار، وقد تكون الحركة في المتحرك عن متحرك آخر ولذلك الآخر
آخر حتى ينتهي إلى المحرك أو المتحرك بالقصد لما ظهر من هذه الحركات. وأما الحركة
للزيادة في الأجسام فمن كون الجسم نباتاً في حيوان كان أو في غيره فهي حركة واحدة وهي
حركة عن أصل البزرة التي عنها ظهر الجسم بحركة النماء فيتسع في الجهات كلها بحسب ما
يعطيه الإمداد في تلك الجهة، فقد تكون حركته إلى جهة اليمين تعطي نموّاً أقل من حركته إلى
الفوق وكذلك ما بقي، وقد أخبر النبيّ وَّ: ((أَنَّ النَّشْأَةَ تَقُومُ عَلَى عُجْبِ الذَّنَبِ)) فإذا أظهرت
الرجل والساق والفخذ والمقعدة فعن حركة منكوسة، وما ظهر من عجب الذنب إلى وجود
الرأس فعن حركة مستقيمة، وما ظهر في الاتساع عن جهة اليمين والشمال والخلف والأمام
فعن حركة أفقية وكل ذلك عندنا حركة مستقيمة، وإنما الحركة المنكوسة عندنا كل حركة في
متحرك يكون بخلاف ما يقتضيه طبعه، وذلك لا يكون إلاَّ في الحركة القهرية لا في الحركة
الطبيعية، فإذا تحرك كل جسم نحو أعظمه فتلك حركته الطبيعية المستقيمة كحركة اللهب نحو
الأثير وجسم الحجر نحو الأرض، فإذا تحرك الجسم الناري نحو الأرض والسفل وتحرّك
الحجر نحو العلو كانت الحركة منكوسة وهي الحركة القسرية، فإذا انتهى النموّ في الجسم
بحيث أن لا يقبله الجسم من الوجه الذي لا يقبله ثم تحرك ذلك الجسم في ذلك الوجه فما
حركته حركة إنبات ونموّ كالجسم الذي قد تناهى في الطول إلى غايته فيه على التعيين فما له
حركة نموّ في تلك الجهة، فإذا تحرك إلى جهة الطول تحرك بكله لا للطول بل للانتقال من
مكانه إلى مكان الطول سفلاً أو علواً، وانظر فيما حررناه في حركة النبات في أنها ليست
بحركة منكوسة فإذا البذرة تمدّ فروعاً إلى جهة الفوق وتمدّ فروعاً إلى جهة التحت، وغذاؤها
ليس أخذ النبات له من الفروع التي في التحت المسمّاة أصولاً، وإنما أخذ النبات الغذاء من
البذرة التي ظهرت عنها هذه الفروع ولهذا يحصل اليبس في بعض فروع التحت كما يحصل
في الفروع الظاهرة الحاملة الورق والثمر مع وجود النموّ والحياة في باقي العروق والفروع كما
ينقسم الدم من الكبد في العروق إلى سائر الأعضاء علواً وسفلاً، فالذي ينبغي أن يقال في
الحركات المعنوية والحسية أنها ثلاث حركات: حركة من الوسط وهي التي تعطي ما ظهر عن
الأصل الذي منه تنشأ الأجسام الطبيعية، وحركة إلى الوسط وهي الإمداد الإلهي، وحركة في
الوسط وهي ما به بقاء عين الأصل، وما من نبات إلاَّ وهو دواء وداء، أي فيه منفعة ومضرة
بحسب قبول الأمزجة البدنية وما هي عليه من الاستعداد، فيكون المضر لبعض الأمزجة عين
ما هو نافع لمزاج غيرها، فلو كان لعينه لم يختلف حكمه وإنما كان للقابل والقابل نبات كما
هو نبات، فما أثر بضرره ولا نفعه إلاَّ في نفسه من كونه نباتاً وإن كثرت أشخاصه وتميزت
بالشخصية، وإنما نبهنا بهذا على أعيان أشخاص العالم وما أثر بعضه في بعضه والعين واحدة
بالحدّ الذاتي كثير بالصور العرضية، وقد أعلمتك في غير موضع من هو عين العالم الظاهر