Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء سبب وإن كان من المتوكلين، فما كل متوكل يظهر منه الاكتفاء بالله في ظاهره، وهذا الاسم يمدّ أيضاً أصحاب المنازل والمنازلات، ولهم أبواب في هذا الكتاب نحواً من مائتي باب ترد فيما بعد إن شاء الله . وأمّا الاسم الباري فمنه يكون الإمداد للأذكياء المهندسين أصحاب الاستنباطات والمخترعين الصنائع والواضعين الأشكال الغريبة، عن هذا الاسم يأخذون وهو الممد للمصوّرين في حسن الصورة في الميزان، وأعجب ما رأيت من ذلك في قونية من بلاد يونان في مصور كان عندنا اختبرناه وأفدناه في صنعته من صحة التخيل ما لم يكن عنده فصوّر يوماً حجلة وأخفى فيها عيباً لا يشعر به وجاء بها إلينا ليختبرنا في ميزان التصوير وكان قد صورها في طبق كبير على مقدار صورة الحجلة في الجرم، وكان عندنا بازي فعندما أبصرها أطلقه من كان في يده عليها فركضها برجله لما تخيل أنها حجلة في صورتها وألوان ريشها فتعجب الحاضرون من حسن صنعته فقال لي: ما تقول في هذه الصورة؟ فقلت له: هي على غاية التمام إلاَّ أن فيها عيباً خفياً وكان قد ذكره للحاضرين فيما بينه وبينهم، فقال لي: وما هو هذه أوزانها صحيحة، قلت له: في رجليها من الطول عن موازنة الصورة قدر عرض شعيرة، فقام وقبل رأسي وقال: بالقصد فعلت ذلك لأجربك، فصدقه الحاضرون وقالوا إنه ذكر ذلك لهم قبل أن يوقفني عليها، فتعجبت من وقوع البازي عليها وطلبه إياها، ويمد أيضاً هذا الاسم أرباب الجود في وقت المسغبة خاصة لا المنفقين على الإطلاق من غير تقييد، وهذا الاسم لا ينظر من الرجال إلاَّ لمن أقيم في مقام الحرية ما بينه وبين من أقيم في العبودية إمداد. وأما الاسم البصير فإنه يمد أهل الحرية والعبودة وأمداد أهل الحرية أكثر ونظره إليهم أعظم، وهذا الاسم والاسم الباري يمدان أهل الفصاحة والعبارات ولهما أعجاز القرآن وحسن نظم الكلام الرائق هذا لهذين الاسمين، ويمدّ هذا الاسم البصير أصحاب المنازل والمنازلات في بصائرهم، وهم الذين تعملوا في اكتسابها الذين أكلوا من تحت أرجلهم ما أنزلوها بطرق العناية من غير عمل لأن أهل هذا المقام على نوعين: فطائفة نزلت هذه المنازل عن تعمّل واكتسبتها، وطائفة نزلتها بالإنزال الإلهي عناية من غير تعمّل ولا تقدم عمل بل باختصاص إلهيّ، ويمدّ أيضاً هذا الاسم أهل التفرقة وهم الذين يميزون ما تعطيه أعيان المظاهر في الظاهر باستعداداتها وهو مقام عجيب لا يعرفه أكثر أهل التفرقة، وأكثر علم أهل نتفرقة العلم بمعاني الأسماء الإلهية من حيث معانيها لا من وجه دلالتها على الذات، فهذا حصر ما تعطيه هذه الأسماء وحصر من تعطيه. ومنتهى العالم في هذا الباب الذي شاهدناه كشفاً ألفاً من العالمين لا زائد على ذلك، والذي شاهدناه ذوقاً وجاريناهم قدماً بقدم وسابقناهم وسبقناهم في حضرتين: حضرة النكاح وحضرة الشكوك ستة عشر عالماً من ثماني حضرات وباقي العالم كشفاً وتعريفاً لا ذوقاً، فدخلنا في كل ما ذكرناه في هذه الإمدادات الإلهية ذوقاً مع عامة أهل الله، وزدنا عليهم باسم إلهيّ وهو الآخر أخذنا منه الرياسة وروح الله ـذي يناله المقربون من قوله تعالى: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِيِنِّ فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ وَحَنَّتُ نَّعِيمٍ﴾ [سورة الفتوحات المكية ج٤ - م٦ ٨٢ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء الواقعة: الآية ٨٨ -٨٩] ونلت هذه المقامات في دخولي هذه الطريقة سنة ثمانين وخمسمائة في مدة يسيرة في حضرة النكاح مع أهل الصفاء، وفي حضرة الشكوك مع أهل القهر والغلبة من أجل الاختلال في الشروط وهي المواثيق التي أخذت على العالم بالله، فمنا من غدر ومنا من وفى، فكنا ممّن وفى بحمد الله، وهذه علوم غريبة وأذواق عزيزة لقينا من أربابها رجالاً بالمغرب ورجالاً بالإسكندرية ورجلين أو ثلاثة بدمشق ورجلاً بسيواس كان قد نقصه من هذا المقام شيء قليل فعرضه علينا فأتممناه له حتى تحقق به في زمان يسير، وكان غريباً لم يكن من أهل البلاد كان من أهل أخلاط، ولكل طائفة ممّن ذكرنا ممّن هم تحت إحاطة هذه الأسماء الإلهية التميز في ثلاث حضرات: حضرة عليا، وحضرة وسطى، وحضرة سفلى، وحضرة مشتركة، فلا تخلو هذه العقول المدبرة أن تكون في إحدى هذه الحضرات في زمان مرور الخواطر عليها أو الأسماء المتقابلة أو المتقاربة، فالمتقابلة كالضار والنافع أو المعزّ والمذلّ أو المحيي وللميت. ومثل المقاربة: كالعليم والخبير أو القدير والقاهر أو الكبير والعظيم، وما جرى هذا المجرى في عالم الخلق والأمر، وها أنا إن شاء الله أذكر ما يحدث من حكم ذلك كله في العالم. تفصيل: أما تفصيل ما ذكرناه فهو أن نقول بعد أن تعلم أن كل من ذكرنا من هؤلاء الطبقات فإنما هم أهل الأنفاس خاصة من أهل الله لا غيرهم أن المدبر من عالم الأنفاس إذا أراد تنفيذ أمر ما برزخي يطلب تنفيذه حكمين والأمر واحد، فإن الاسم الجامع والنافع والبصير والقائلين بالجود على مسغبة ينظرون إلى الحكم الأسهل فيحكمون به على ذلك الأمر، والعلماء بالله يجعلون التوحيد بين الحكمين ويحكم بالأسهل من الحكمين، وأما الباري والسريع والواقي والغفور فإنهم يسلكون طريقِ التحقيق في ذلك فيعطي كل حكم حقه لا يراعي جانباً دون جانب، ولا يحكمون بذلك إلاَّ المكملون من رجال الله، فإن كان أحد الحكمين برزخياً والآخر سفلياً فالاسم الجامع والنافع والبصير يحكمون بما فيه رفع الحرج، غير أن الاسم البصير وأهل الجود يجعلان التوحيد بين الحكمين حتى يرفعان الاشتراك، وبقية الأسماء السبعة وجميع الطبقات الخارجين عن طبقات هؤلاء الأسماء الثلاثة يسلكون مسلك الاعتدال فيوفون الحقوق على ما تعطي المراتب، مثال الأول البرزخي : أن ترى الحق في صورة يدركها الحسّ فالمحققون يعطون الألوهية حقّها ويعطون الحضرة التي ظهر الحق فيها بهذه الصورة حقها. والطائفة الأخرى تحكم على الحق بالصورة وتقول: لولا أنه على حقيقة تقبلها ما صحّ أن يظهر بها إذا لم تكن غيره في وقت التجلي. وأما الذين جعلوا التوحيد بين الحكمين فقالوا الحق على ما هو عليه في نفسه، وهذه الصورة ظهرت بالحق لا أن الحق ظهر بها، وجعلوا التوحيد فاصلاً بين الحق والصورة، وهكذا في الحالة الثانية ومثال ذلك في الحالة الثانية هو تجلّي من يقول في رؤيته جميع الأكوان: ما رأيت إلاَّ الله من حيث أن البرزخ لا يتعين فيه الصور إلاّ من عالم الطبيعة وهو المحسوس والحكم كما قررناه، فإن كان الأمر بين حكم برزخي وصورة عليا كرؤية الحق في صورة ملك فالجامع والبصير والنافع يرفعون الحرج فيما ٨٣ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء وقع فيه التشبيه ويوفون حق أحد الحكمين وهو الحكم الذي يلي جانب العزّة، وأصحاب الجود الإلهي يعتبرون التوحيد فيبرزونها مع رفع الحرج، فالتوحد مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ورفع الحرج تمام الآية وهو: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١]. مرتبة أخرى: إذا ظهر أمران إلهيان في صورتين مختلفتين والأمران برزخيان فالحكم الإلهي في ذلك وهو أن ترى صورة الحق في البرزخ وصورة الملك في البرزخ على صورة أنسيين كصورة موسى وهارون مثلاً، أو ترى الحق في صورة شخصين معاً في رؤيا واحدة في عالم البرزخ مثل أن ترى الحق في صورة شاب وشيخ في حال واحدة ولا شك أنها الحق ليس غيره، فحكم العلم من العلماء بالله وأهل الجود الإلهي في هذه الواقعة أن هذا إمداد إلهيّ لهذه الصورة التي ظهر فيها الحق وأهل الجود أيضاً والفضلاء أصحاب الزيادات من العلم الإلهي مع الاسم البصير من الأسماء الإلهية يزيلون الحق بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ ويتأولون الصورة بما يليق بها، وما بقي من الأسماء الإلهية والطبقات من أهل الله أرباب المقامات والتحقيق يتركون الحق حقاً بما يليق به، والصورة صورة بما يليق بها وهو الأولى عندي. مرتبة أخرى: نبي من الأنبياء كعيسى روح الله وكلمته يظهر حقاً من كونه كلمة الله وظهر ملكاً من كونه روح الله، فالحكم في هذه الواقعة عند العلماء بالله وأهل الجود من أهل الله يلحقون الملك بذلك النبي وينزهون الحق عن تلك الصورة. وأما الراسخون في العلم وهم أهل الزيادات ويوافقهم أيضاً أهل الجود الإلهي يقولون: الجناب الإلهي أقبل للصور من العالم فيلحقون بصورة ذلك النبي ويبقون صورة الملك على ما هي عليه لا يتأولونها ولا سيما في عيسى فإنه تمثل لأمه بشراً سوياً حين أعطاها عيسى، وأما الاسم الإلهي البصير فإنه يسقط صورة الحق من ذلك تنزيهاً ويبقى ما بقي على حاله. مرتبة أخرى: ملك من الملائكة ظهر في صورة محسوسة وظهر في مقام حق وقال: أنا الحق كما سمع موسى الخطاب من الشجرة ﴿ إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا﴾ [سورة طه: الآية ١٤] فحكم العلماء العارفون وأهل الجود الإلهي يقولون في الصورة المحسوسة أنها ملك، وفي مقام الحق أنه حق، وأما أهل الزيادات من العلماء بالله وأهل الجود الإلهي يوافقونهم على حكمهم أيضاً، يحكمون على الحق بالملكية والاسم البصير الإلهي يسقط بحكمه الحق من أجل ما دخله من التشبيه ويبقى ما بقي على ما هو عليه، وجميع أهل الله يقولون: لما كان الحق يقبل الصور لم يبعد على الصور أن تدعي فيه وتقول: أنا الحق فالذي يعتمد عليه في هذه المسألة أن يعطي الحق من جهة الشرع حقه لا من جهة العقل، ويعطي الحسّ حقه ويعطي الملك حقه، ومع هذا فلا بدّ عند غير المحققين أن يصحبوا التوحيد بين الحكمين مخافة الاشتراك والمحقق لا يبالي فإنه قد عرف ما ثم. مرتبة أخرى: إذا كانت إحدى الصورتين علوية والأخرى برزخية فالأسماء الثلاثة : الجامع والبصير والنافع يرفعون الحرج في الصورة البرزخية وغيرها ولا يعطون كل ذي حق ٨٤ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء حقه من الصورتين. واعلم أن جميع ما ذكرناه هو حكم العقل في الأمور، فتارة يعطي التشديد فيها، وتارة يعطي اليسر فيها، وتارة يعطي كل ذي حق حقه، فيكون في كل حكم بحسب ما يتجلى له الحق فيه، سواء كان ذلك في الإلهيات أو في الطبيعيات أو فيما تركب منهما في الجمع والفرق والفناء والبقاء والصحو والسكر والغيبة والحضور والمحو والإثبات. إفصاح بما هو الأمر عليه: اعلم أن الأمر حق وخلق، وأنه وجود محض لم يزل ولا يزال، وإمكان محض لم يزل ولا يزال، وعدم محض لم يزل ولا يزال، فالوجود المحض لا يقبل العدم أزلاً وأبداً، والعدم المحض لا يقبل الوجود أزلاً وأبداً، والإمكان المحض يقبل الوجود لسبب ويقبل العدم لسبب أزلاً وأبداً، فالوجود المحض هو الله ليس غيره، والعدم المحض هو المحال وجوده ليس غيره، والإمكان المحض هو العالم ليس غيره ومرتبته بين الوجود المحض والعدم المحض، فيما ينظر منه إلى العدم يقبل العدم، وبما ينظر منه إلى الوجود يقبل الوجود، فمنه ظلمة وهي الطبيعة، ومنه نور وهو النفس الرحمانيّ الذي يعطي الوجود لهذا الممكن، فالعالم حامل ومحمول، فبما هو حامل هو صورة وجسم وفاعل، وبما هو محمول هو روح ومعنى ومنفعل، فما من صورة محسوسة أو خيالية أو معنوية إلاّ ولها تسوية من جانب الحق وتعديل كما يليق بها وبمقامها وحالها وذلك قبل التركيب أعني اجتماعها مع المحمول الذي تحمله، فإذا سوّاها الرب بما شاءه من قول أو يد أو يدين أو أيد وما ثم سوى هذه الأربعة لأنّ الوجود على التربيع قام وعدله وهو التهيؤ والاستعداد للتركيب والحمل تسلمه الرحمن فوجه عليه نفسه وهو روح الحق في قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] وهو عين هذا النفس قبلته تلك الصورة. واختلف قبول الصور بحسب الاستعداد، فإن كانت الصورة عنصرية واشتعلت فتيلتها بذلك النفس سميت حيواناً عند ذلك الاشتعال، وإن لم يظهر لها اشتعال وظهر لها في العين حركة وهي عنصرية سميت نباتاً، وإن لم يظهر لها اشتعال ولا حركة أعني في الحسّ وهي عنصرية سميت معدناً وجماداً، فإن كانت الصورة منفعلة عن حركة فلكية سميت ركناً وهي على أربع مراتب، ثم انفعلت عن هذه الأركان صورة مسوّاة معدلة سميت سماء وهي على سبع طبقات، فوجه الرحمن عزّ وجلّ نفسه على هذه الصور فحييت حياة لا يدركها الحسّ ولا ينكرها الإيمان ولا النفس، ولذلك لم يقبل الاشتعال، فكل موضع كان في هذه السموات قبل الاشتعال سمّي نجماً فظهرت النجوم وتحرّكت أفلاكها بها فكانت كالحيوان فيما اشتعل منها وكالنبات فيما تحرك منها، وإن كانت الصورة عن حركة معنوية وقوّة عملية وتوجّه نفسي سميت جسماً كلاً وعرشاً وكرسياً وفلكاً فلك برج وفلك منازل، وتوجّه الرحمن بنفسه على هذه الصور فما قبل منها الاشتعال سمّي نجوماً وهي له كالحدق في وجه الإنسان، وما لم يقبل الاشتعال سمّي فلكاً، فإن كانت الصورة عقلية انبعثت انبعاثاً ذاتياً عن عقل مجرّد تطلب باستعدادها ما تحمله توجّه الرحمن عليها عند تسويتها التي سواها ربها بنفسه، فما اشتعل منها سمّي نور علم، وما تحرك منها ولم يشتعل سمّي عملاً، والذات الحاملة لهاتين القوتين نفساً، ٨٥ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء فإن كانت الصورة الإلهية فلا تخلو إمّا أن تكون جامعة فهي صورة الإنسان، أو غير جامعة فهي صورة العقل، فإذا سوّى الرب الصورة العقلية بأمره وصور الصورة الإنسانية بيديه توجّه عليهما الرحمن بنفسه فنفخ فيهما روحاً من أمره، فأما صورة العقل فحملت في تلك النفخة بجميع علوم الكون إلى يوم القيامة وجعلها أصلاً لوجود العالم وأعطاه الأولية في الوجود الإمكاني. وأما صورة الإنسان الأوّل المخلوق باليدين فحمل في تلك النفخة علم الأسماء الإلهية ولم يحملها صورة العقل فخرج على صورة الحق. وفيه انتهى حكم النفس إذ لا أكمل من صورة الحق ودار العالم وظهر الوجود الإمكاني بين نور وظلمة وطبيعة وروح وغيب وشهادة وستر وكشف، فما ولي من جميع ما ذكرناه الوجود المحض كان نوراً وروحاً، وما ولي من جميع ما ذكرناه العدم المحض كان ظلمة وجسماً وبالمجموع يكون صورة. فإن نظرت العالم من نفس الرحمن قلت: ليس إلاَّ الله. وإن نظرت في العالم من حيث ما هو مسوّى ومعدل قلت: المخلوقات ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ من كونك خلقاً ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ من كونك حقاً ﴿﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] لأنه الحق، فبالنفس كان العالم كله متنفساً والنفس أظهره وهو للحق باطن وللخلق ظاهر، فباطن الحق ظاهر الخلق، وباطن الخلق ظاهر الحق، وبالمجموع تحقق الكون، وبترك المجموع قيل حق وخلق، فالحق للوجود المحض والخلق للإمكان المحض، فما ينعدم من العالم ويذهب من صورته فمما يلي جانب العدم، وما يبقى منه ولا يصحّ فيه عدم فممّا يلي جانب الوجود ولا يزال الأمران حاكمين على العالم دائماً، فالخلق جديد في كل نفس دنيا وآخرة، فنفس الرحمن لا يزال متوجهاً، والطبيعة لا تزال تتكون صوراً لهذا النفس حتى لا يتعطل الأمر الإلهي إذ لا يصحّ التعطيل، فصور تحدث وصور تظهر بحسب الاستعدادات لقبول النفس، وهذا أبين ما يمكن في إبداع العالم ؛ والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. الفصل الثاني عشر: من هذا الباب في الاسم الإلهي الباعث وتوجهه على إيجاد اللوح المحفوظ وهو النفس الكلية وهو الروح المنفوخ منه في الصور المسوّاة بعد كمال تعديلها فيهبها الله بذلك النفخ أية صورة شاء من قوله: ﴿فِيّ أَيِّ صُورَةٍ مَا شَآءَ رََّّبَكَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٨] وتوجهه على إيجاد الهاء من الحروف وهاء الكنايات وتوجهه على إيجاد البطين من المنازل المقدرة . اعلم أن هذه النفس هي اللوح المحفوظ وهو أول موجود انبعاثي، وأوّل موجود وجد عند سبب وهو العقل الأوّل وهو موجود عن الأمر الإلهيّ والسبب، فله وجه إلى الله خاص عن ذلك الوجه قبل الوجود، وهو وكل موجود في العالم له ذلك الوجه، سواء كان لوجوده سبب مخلوق أو لم يكن. واعلم أن الأسباب منها خلقية ومنها معنوية نسبية، فالأسباب الخلقية كوجود مخلوق ما على تقدّم وجود مخلوق قبله له إلى وجوده نسبة ما بأي وجه كان، إمّا بنسبة فعلية أو بنسبة بخاصية لا بدّ من ذلك وحينئذ يكون سبباً وإلاَّ فليس بسبب، وقد يكون ذلك الأثر في غير مخلوق كقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] فالسؤال ٨٦ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء سبب في وجود الإجابة كان المجيب ما كان، ومن هذه الحقيقة نزل قوله تعالى: ﴿مَا يَأْنِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] أي أحدثت بعض هذه الأمور السؤالات. وأما السبب المعنويّ فهو من جهة المسبب بفتح الباء اسم مفعول، ومن المسبب اسم فاعل، فمن جهة المسبب اسم المفعول استعداده لقبول الأثر فيه، إذ لو لم يكن فيه استعداد لما وقع فيه الأثر فذلك الاستعداد أمنع من المحال فما يكون، ومع هذا فله استعداد في قبول الفرض فيه، فلهذا نفرض المحال في بعض المسائل وإن كان لا يقبل لوجود لنستخرج من ذلك الفرض علماً لم يكن عندنا، فلولا استعداده لقبول الفرض ما تمكن للعقل أن يفرضه، فالممكن أقبل لعين الوجود، والسبب الذي من جهة المسبب اسم فاعل، فما ذكر الله تعالى : ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا﴾ فأثبت عينه، وقوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فأثبت الإرادة والتعلّق بالمراد، فلا بدّ من هذا شأنه أن يكون عالماً حياله اقتدار على ما يريد تكوينه، فهذه كلها استعدادات نسبية معنوية، إلاَّ العين الذي هو المسبب فإنه سبب وجودي لا يكون علة لكن هو شرط ولا بدّ، ولما خلق الله هذا العقل الأوّل قلما طلب بحقيقته موضع أثر لكتابته فيه لكونه قلماً فانبعث من هذا الطلب اللوح المحفوظ وهو النفس فلهذا كانت أوّل موجود انبعاثيّ لما انبعثت من الطلب القائم بالقلم، ولم يكن في القوّة العقلية الاستقلال بوجود هذا اللوح، فتأيّد بالاسم الباعث وبالوجه الخاص الذي انبعثت عنه هذي النفس، فألقى العقل إليها جميع ما عنده إلى يوم القيامة مسطراً منظوماً وهو موجود ثالث بين اللوح والقلم مرتبته وبعد اللوح وجوده، وجعل الله في القلم الإلقاء لما خلق فيه، وجعل في اللوح القبول لما يلقي إليه، فكان ما ألقى إليه وما ضمّه اللوح من الكلمات المخلوقة في ذات القلم واللوح بعد فراغه من الكتابة مائتي ألف آية وتسعاً وستين ألف آية ومائتي آية، وهو ما يكون في الخلق إلى يوم القيامة من جهة ما تلقيه النفس في العالم عند الأسباب، وأما ما يكون من الوجوه الخاصة الإلهية في الموجودات فذلك يحدث وقت وجوده لا علم لغير الله به ولا وجود له إلاَّ في علم الله. وهذا جميع ما حصله العقل من النفس الرحمانيّ من حيث ما كلمه به ربه تعالى كما كلم موسى ربه باثنتي عشرة ألف كلمة في كل كلمة يقول له: يا موسى، وصورة التلقي الإلهيّ للعقل تجلّ رحمانيّ عن محبة من المتجلي والمتجلى له. ومن هذا المقام جعل الله بين الزوجين المودّة والرحمة ليسكن إليها، وجعل الزوجة مخلوقة من عين الزوج ونفسه كما قال: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَشْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيْتٍ﴾ [سورة الروم: الآية ٢١] أي علامة ودليلاً ﴿لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ فيعلمون أنه الحق. وفائدة هذا التفكر أن الإنسان إذا تزوج بالمرأة ووجد السكون إليها وجعل الله بينهما المودّة والرحمة علم أن الله يريد التحامهما فإذا ارتفع السكون من أحدهما إلى صاحبه أو منهما وزالت المودّة وهي ثبوت هذا السكون وبهذا سمّي الحب ودّاً لثبوته، وتسمّى بالودود لثبوت حبه من أحب من عباده وزالت الرحمة من بينهما أو من أحدهما بصاحبه فأعرض عنه، فيعلم أن الله قد أراد طلاقهما فيبادر لذلك فيفوز عند الله بهذا ٨٧ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء المقام، فإن لجّ وعاند يحرم القرب الإلهيّ فإن الحضرة الإلهية لا تقبل اللجاج والمعاندة، وقد ثبت في الشرع ما ثبت وما يعرف ما قلناه إلاَّ أهل التفكر من عباد الله، فإن الله ما جعله آية إلاَّ لهم، فجعل سبحانه سبب حصول هذه العلوم في ذات العقل التجلي ومنة تلقي ذلك، وكان سبب التجلي الحب فإنه أصل سبب وجود العالم والسماع سبب كونه، وقد بيّنا هذا في باب السماع والمحبة . وأما صورة تلقي النفس ما عندها من العلوم فهو على وجهين هي وكل موجود عن سبب ويختلف باختلاف تنوّع الأسباب، الوجه الواحد: إذا كان التلقي لكل موجود عند سبب من وجهه الخاص به فلا يكون إلا عن تجلّ إلهيّ سواء علمه المتجلى له أو لم يعلمه، فإن علمه كان من العلماء بالله وإن لم يعلمه كان من أهل العناية وهو لا يشعر أنه معتنى به، فإن أكثر الناس لا يعلمون حديث هذا الوجه الخاص ولا يعرفونه فإنه علم خاص لا يعطيه الله إلاَّ لمن اختصه واصطنعه لنفسه من عباده. وأما الوجه الآخر من التلقي فهو ما يستفيده من السبب ولا تحصى طرقه، فإن الأسباب مختلفة، فأين سببية العقل فيما يظهر على النفس من توجهه وتلقيها من سببية السماء فيما يظهر على الأرض من النبات من توجهها عليها بما تلقيه من الغيث فيها وتلقيها لذلك، ولكل حركة فلكية ونظر كوكب في العالم العلويّ وإمداد الطبيعة، كل ذلك أسباب لوجود زهرة تظهر على وجه الأرض، أين هذا من توجه سببية العقل؟ فلهذا قلنا ما تنحصر أسبابه مع كونها منحصرة في نفس الأمر فمن النفس إلى آخر ركن في العالم، وبعض المولدات ما بين النفس وآخر ركن من الأفلاك والكواكب والحركات في وجود عين تلك الزهرة والورقة أثر وحكم عن أمر إلهيّ قد يعلمه السبب الحادث وقد لا يعلمه وهي أسباب ذاتية كلها، ومنها عرضية كإلقاء المدرس الدرس على الجماعة فهذا من الأسباب العرضية، وهو كل ما كان للسبب فيه إرادة، وما عدا ذلك فهو ذاتيّ، فالعلاقة التي بين الأسباب والمسببات لا تنقطع فإنها الحافظة لكون هذا سبباً وهذا مسبباً عنه. ولما أوجد الله هذه النفس الكلية من نفس الرحمن بعد العقل كوجود الهاء بعد الهمزة "وى الهمزة بعد الهاء في النفس الإنساني المخلوق على الصورة فهو في النفس الرحماني نفس كلية، وفي النفس الإنساني هاء وضمير وكناية، فهي تعود من حيث ما هي ضمير على من "وجدها فإنها عين الدلالة عليه فافهم، فإن الدلالة لا تكون إلاَّ في الثاني فإنه يطلب الأوّل ونيس الأوّل يطلب الثاني بحكم الدلالة، ولهذا قال رسول الله وَالَ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ ريّة) وهو الثاني فإنه موضع الدلالة، وقال في الأوّل: ﴿اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: به ٩٧] فنزّهه عن الدلالة، ولهذا لا يصحّ أن يكون علة وإليه الدلالة بقوله وَلّ: «كَانَ اللَّهُ وَلاَ سَيْءَ مَعَهُ)) فهو غني عن الدلالة، وفي هذه الرتبة أوجد الله البطين من المنازل التي تنزلها بجواري والكواكب البطيئة الحركة، وأعطى الله هذه النفس قوّتين: قوّة علمية وقوّة عملية، بقوة العلمية تظهر أعيان الصور، وبالقوّة العملية تعلم المقادير والأوزان، ومن الوجه ـخاص يكون القضاء والقدر لهذا، ولا يعرف ذلك إلاَّ بعد وقوعه إلاَّ من عرفه الله بذلك، ٨٨ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء فحكم القضاء والقدر لا يعرف إلاَّ ممّا ذكرناه بخلاف المقادير والأوزان فإن ذلك في علم النفس، ونسبة هذه النفس إلى كل صورة في العالم نسبة واحدة من غير تفاضل، إلاَّ أن الصور تقبل من ذلك بحسب استعداداتها التي هي عليها في ذاتها فيظهر التفاضل، وأما هناك فلا تفاضل إلاَّ بينها وبين العقل. ولما بينت لك حصر الآيات في الكلام الإلهيّ الظاهرة في النفس الرحمانيّ كالآيات في القرآن العزيز وفي الكتب المنزلة والصحف المرسلة فإن لها سوراً تجمع تلك الآيات وتفصل بعضها من بعض كما جاءت سور القرآن وهي منازله المعلومة الجامعة للآيات، كما الآيات جامعات للكلمات، كما الكلمات جامعة للحروف، كما هي الحروف ظروف المعاني، فسور هذه الآيات عشر سور من غير زيادة ولا نقصان، فمنها سورة الأصل وهي السورة التي تتضمن كل آية تدل على عين قائمة بنفسها في العالم الحاملة غيرها، السورة الثانية: سورة المحمول وهي تتضمن كل آية تدل على عين لا تقوم بنفسها بل تفتقر إلى محل وعين يظهر وجودها بذلك المحل، وقد تكون تلك العين لازمة، وقد تكون عرضية على قدر ما تعطيه حقيقتها. والسورة الثالثة: سورة الدهر. والرابعة: سورة الاستواء وله أصلان: الأصل الأوّل ظرفية العماء، والأصل الثاني ظرفية العرش، فالأول ظرفية المعاني، والثاني ظرفية السور. والسورة الخامسة: سورة الأحوال. والسورة السادسة: سورة المقدار. والسورة السابعة : سورة النسب. والسورة الثامنة: سورة التوصيل والأحكام والعبارات والإشارات والإيماء وما يقع به الإفهام بين المخاطبين وهو نطق العالم وقول كل قائل وهي الأسماء الإلهية التي علم الله آدم، فمنها ما كانت الملائكة تعلمه وما اختصّ آدم إلاّ بالكل، وما عرض من المسميات إلاَّ ما كانت الملائكة تجهله. والسورة التاسعة: سورة الآثار الوجودية. والسورة العاشرة: سورة الكائنات وهي الانفعالات الإلهية والكونية، فهذه عشر تتضمن هذه الآيات، فمن علمها كشفاً علم الحق والخلق، ومن علمها دلالة لم يكمل في علمها كمال أصحاب الكشف، ولا تقل هذا رمز بل هذا كله تصريح وإيضاح يعرفه كل عاقل إذا حقق النظر فيه أن الآيات كلها محصورة في هذه السور قديماً وحديثاً، والنفس الكلية هي التي ظهرت عنها معرفة هذه السور لأنها كانت محل إلقاء القلم الإلهيّ إليها، فهي أول منكوح لناكح كوني، وكل ما دونها فهو من عالم التولد العقل أبوه والنفس أمه فافهم ولا تلحق بمن قال الله فيهم: ﴿بَّ هُمْ فِى لَبِّسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥] وهم الذين أعرضوا عن كل ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنْ زَّيِّهِم مُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢]، وقد قلنا في مرتبتنا في هذا: [مجزوء الرمل] كلَّ يوم في مَزيدٍ أنا في خَلْقِ جديدِ بين وَجْدٍ ووجودِ وأنا من حيثُ حُبِّي قائلِ هل من مَزيدٍ شاكراً شُكْرَ مُحبُّ في وجودي وشُهُودي فأنا واحـدُ وقـتــي في مَنّازل السُّعودِ يا رفيعَ الدَّرجاتِ ٨٩ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء في مَعَارج الصُّعودِ ارفَعِ اللهمَّ عني في هُبوطي وصُعودي كلَّ سَتْرٍ في طريقي في اسمكَ الله الودودِ واجْعَلِ اللَّهُمَّ حَظّي الفصل الثالث عشر: في الاسم الإلهيّ الباطن وتوجهه على خلق الطبيعة وما تعطيه من أنفاس العالم وحصرها في أربع حقائق وافتراقها واجتماعها وتوجهها على إيجاد العين المهملة من الحروف وإيجاد الثريا من المنازل المقدّرة. اعلم أن الطبيعة في المرتبة الثالثة عندنا من وجود العقل الأوّل وهي معقولة الوجود غير موجودة العين، فمعنى قولنا مخلوقة أي مقدرة لأنّ الخلق التقدير وما يلزم من تقدير الشيء وجوده، قال الشاعر: [الكامل] ضُ الناس يَخْلُقُ ثم لا يَفْري وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَغْـ وهو من الثلاثيّ لأنه قصد المدح وليس من الرباعيّ، فإن الرباعيّ لا يقال إلاَّ في معرض الذمّ والهجاء، فما كل من قدر أمراً أوجده، ومن هذه الحقيقة الإلهية ظهر في الوجود لنظريّ عند العلماء فرض المحال في العلوم فهو يقدر ما لا يصح وجوده وقد يقدر ما يصحّ وجوده ولا يوجد، وكذلك قال هذا العربيّ وبعض الناس يعد بالخير ولا يفعله، وأنت أيها تملك ما ترى مصلحة إلاَّ وتفعلها، فالخالق له معنيان: المقدر والموجد، فمن خلق فقد قدر "و أوجد فقدر سبحانه مرتبة الطبيعة أنه لو كان لها وجود لكان دون النفس، فهي وإن لم تكن موجودة العين فهي مشهودة للحق، ولهذا ميّزها وعين مرتبتها، وهي للكائنات الطبيعية كالأسماء الإلهية تعلم وتعقل وتظهر آثارها ولا تجهل ولا عين لها جملة واحدة من خارج، كذلك الطبيعة تعطي ما في قوّتها من الصور الحسيّة المضافة إليها الوجودية ولا وجود لها من خرج، فما أعجب مرتبتها وما أعلى أثرها، فهي ذات معقولة مجموع أربع حقائق يسمّى أثر هذه الأربع في الأجسام المخلوقة الطبيعية: حرارة ويبوسة وبرودة ورطوبة، وهذه آثار الطبيعة في الأجسام لا عينها، كالحياة والعلم والإرادة والقول في النسب الإلهية، وما في الوجود عينيّ سوى ذات واحدة، فالحياة تنظر إلى الحرارة، والعلم ينظر إلى البرودة، والإرادة تنظر ــ اليبوسة، والقول ينظر إلى الرطوبة، ولهذا وصفه باللين فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيْنَا﴾ [سورة عه الآية ٤٤] فهو يقبل اللين والخشونة والإرادة يبوسة فإنه يقول: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ﴾ [سورة آل سمر ن: الآية ١٥٩] وقال: ((وجدت برد أنامله فعلمت))، فلهذا جعلنا العلم للبرودة في الطبيعة : كذلك الحياة للحرارة، فإن الحي الطبيعي لا بدّ من وجود الحرارة فيه. وأما الذي تعطيه من خس العالم فهو ما تقع به الحياة في الأجسام الطبيعية من نموّ وحسّ لا غير ذلك، وكل نفس غير هذا فما هو من الطبيعة بل علته أمر آخر وهي الحياة العقلية حياة العلم وهي عين النور هي والنفس الرحماني. ثم لتعلم أن مسمّى النفس من هذه الحقيقة الوجودية لا يكون إلاّ إذا كانت للرحمن .ـ بماثله من الأسماء الإلهية، وقد تكون حقيقة لأسماء أخر تقتضي النقيض، فلا تكون ٩٠ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء عند ذلك نفساً من التنفيس في حق ذلك الكائن منه، فهو وإن كان حقيقة فكونه نفساً باعتبار خاص يقع به التنفيس أما في حق من ينفس الله عنه من الكائنات ما يجده من الضيق والحرج. وأما في حق من هو صفته من حيث نفوذ إرادته. وأما إذا لم ينظر من هذه الجهة فهو عبارة عن حياة من وصف به من حيث حقيقته لا غير. ألا ترى النفس الحيواني يرفع وجوده فيه اسم الموت به سمّي نفساً، فإن الموت صفة مكروهة من حيث الألفة المعهودة إذ كان الموت مفرقاً فيكون مكروهاً عنده، فإذا نظر من يلقاه في ذلك الموت وهو الله فیکون تحفة عند ذلك، ويكون اسم النفس به أحق في هذا الشهود. ولما كان لها وجود أعيان الصور لهذا كان لها من الحروف العين المهملة لأنّ الصورة الطبيعية لا روح لها من حيث الطبيعة، وأنها روح للصور الطبيعية من الروح الإلهي، وكان لها وجود الثريا وهي سبع كواكب لأنّ الطبيعة في المرتبة الثالثة وهي أربع حقائق كما تقدم فكان من المجموع سبعة وظهرت عنها الثريا وهي سبعة أنجم، كما كان للعقل ثلاث نسب ووجوه فوجدت عنه الكثرة التي ذكرها بعض أهل النظر في سبب صدور الكثرة عن العقل الأوّل مع كونه واحداً، فكان الشرطين ثلاثة أنجم، والنفس مثل العقل في ذلك فكان البطين ثلاثة أنجم، ومن كون النفس ثانية كان البطين في المرتبة الثانية من الشرطين، وعن هذه السبعة التي ظهرت في الطبيعة ظهرت المسبعات في العالم، وهي أيضاً السبعة الأيام أيام الجمعة، اعتبر ذلك محمد بن سيرين رحمه الله جاءته امرأة فقالت له: أرأيت البارحة القمر في الثريا؟ فقال: أنا قمر هذا الزمان في هذه البلدة والثريا سبعة أنجم وبعد سبعة أقبر، فإن الثريا من الثرى وهو اسم للأرض، فمات إلى سبعة أيام، فانظر ما أعجب هذا، وبينا أنا أقيد هذه المسألة من الكلام في الطبيعة إذ غفوت فرأيت أمي وعليها ثياب بيض حسنة فحسرت عنها ذيلها إلى أن بدا لي فرجها فنظرت إليه ثم قلت: لا يحل لي أن أنظر إلى فرج أمي فسترته وهي تضحك، فوجدت نفسي قد كشفت في هذه المسألة وجهاً ينبغي أن يستر فسترته بألفاظ حسنة بعد كشفه قبل أن أرى هذه الواقعة، فكانت أمي الطبيعة، والفرج ذلك الوجه الذي ينبغي ستره، والكشف إظهاره في هذا الفصل، والتغطية بذلك الثوب الأبيض الحسن ستره بألفاظ وعبارات حسنة. ثم إني أيضاً كما أنا في كلامي على الطبيعة في هذا الفصل أخذتني سنة فرأيت كأني على فرس عظيم وقد جئت إلى ضحضاح من الماء أرضه حجارة صغار فأردت عبوره فرأيت أمامي رجلاً على فرس شهباء يعبر وإذا فيه مثل الساقية عميقة مردومة بتلك الحجارة لا يشعر بها حتى يغرق فيها وإذا بذلك الفارس قد غرق فيها فرسه وقد نشب إلى أن وصل الماء إلى كفل فرسه ثم خلص إلى الجانب الآخر فنظرت من أين أعبر فوجدت مبنياً عليه مجازاً ذا أدراج من الجهتين للرجالة لا يمكن للفرس أن يصعد عليه فيصعد فيه بأدراج متقاربة جدّاً وأعلاه عرض شبر وينزل من الجانب الآخر بأدراج فركضت جنب فرسي والناس يتعجبون ويقولون: ما يقدر فرس على عبوره وأنا لا أكلمهم، ففهم الفرس عني ما أريده منه فصعد برفق فلما وصل إلى أعلاه وأراد الانحدار توقف وخفت عليه وعلى نفسي من الوقوع فنزلت من عليه وعبرت وأخذت بعنانه وما زال من يدي فعبر الفرس وتخلصنا إلى الجانب الآخر ٩١ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء والناس يتعجبون، فسمعت بعض الناس يقولون: لو كان الإيمان بالثريا لنالته رجال من فارس، فقلت: ولو كان العلم بالثريا لنالته العرب والإيمان تقليد فكم بين عالم وبين من يقلد عالماً فقالوا: صدق، فالعربيّ له العلم والإيمان، والعجم مشهود لهم بالإيمان خاصة في دين الله، ورددت إلى نفسي فوجدتني في مسألة في الطبيعة تطابق هذه الرؤيا، فتعجبت من هاتين الواقعتين في هذا الفصل، ونظرت في كواكب المنازل من كوكب واحد كالصرفة إلى اثنين كالذراع، إلى ثلاثة كالبطين، إلى أربعة كالجبهة، إلى خمسة كالعوا، إلى ستة كالدبران، إلى سبعة كالثريا، إلى تسعة كالنعائم، ولم أر للثمانية وجوداً في نجوم المنازل، فعلمت أنه لما لم تكن للثمانية صورة في نجوم المنازل لهذا كان المولود إذا ولد في الشهر الثامن يموت ولا يعيش، أو يكون معلولاً لا ينتفع بنفسه، فإنه شهر يغلب على الجنين فيه برد ويبس وهو طبع الموت وله من الجواري كيوان وهو بارد يابس، فلذلك لم أر للثمانية وجوداً في المنازل، ثم علمت أن السيارة لا نزول لها ولا سكون بل هي قاطعة أبداً، وقد يكون مرورها على عين كواكب المنزلة، وقد يكون فوقها وتحتها على الخلاف الذي في حدّ المنزلة ما هو فسميت منزلة مجازاً، فإن الذي يحل فيها لا استقرار له وأنه سابح كما كان قبل وصوله إليها في سباحته، فراعى المسمّى ما يراه البصر من ذلك، فإنه لا يدرك الحركة ببصره إلاّ بعد المفارقة، فبذلك القدر يسميها منزلة لأنه حظ البصر فغلبه. واعلم أن الطبيعة هذا حكمها في الصور لا يمكن أن تثبت على حالة واحدة فلا سكون عندها، ولهذا الاعتدال في الأجسام الطبيعية العنصرية لا يوجد فهو معقول لا موجود، ولو كانت الطبيعة تقبل الميزان على السواء لما صحّ عنها وجود شيء ولا ظهرت عنها صورة، ثم نشأة الصور الطبيعية دون العنصرية إذا ظهرت أيضاً لا تظهر، والطبيعة معتدلة أبداً، بل لا بدّ من ظهور بعض حقائقها على بعض لأجل الإيجاد، ولولا ذلك ما تحرّك فلك ولا سبح ملك ولا وصفت الجنة بأكل وشرب وظهور في صور مختلفة، ولا تغيّرت الأنفاس في العالم جملة واحدة، وأصل ذلك في العلم الإلهيّ كونه تعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] واليوم الزمن الفرد، والشأن ما يحدث الله فيه، فمن أين يصحّ أن تكون الطبيعة معتدلة الحكم في الأشياء وليس لها مستند في الإلهيات؟ فهذا قد أبنت لك وجود الطبيعة. انتهى الجزء الثاني والعشرون ومائة . (الجزء الثالث والعشرون ومائة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرّحمَدِ الفصل الرابع عشر: في الاسم الإلهيّ الآخر وتوجهه على خلق الجوهر الهبائي الذي ظهرت فيه صور الأجسام وما يشبه هذا الجوهر في عالم المركبات وتوجهه على إيجاد حرف الحاء المهملة من الحروف وإيجاد الدبران من المنازل. اعلم أن هذا الجوهر مثل الطبيعة لا عين له في الوجود، وإنما تظهره الصورة، فهو معقول غير موجود الوجود العينيّ، وهو في المرتبة الرابعة من مراتب الوجود، كما هو الحاء ٩٢ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء المهملة في المرتبة الرابعة من مخارج الحروف في النفس الإنسانيّ، غير أن الحرف له صورة لفظية في القول محسوسة للسمع، وليس لهذا الجوهر الهبائي مثل هذا الوجود، وهذا الاسم الذي اختصّ به منقول عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وأمّا نحنٍ فنسميه العنقاء فإنه يسمع بذكره ويعقل ولا وجود له في العين، ولا يعرف على الحقيقة إلاَّ بالأمثلة المضروبة، كما أن كون الحق ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ لم يعرف بحقيقته، وإنما عرفنا الحق به بضرب المثل فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوَةٍ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] الآية، فذكر الأمور التي تنبغي للمصباح المشبه به ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ وهو الذي أنارت به العقول العلوية وهو قوله: ﴿السَّمَوَتِ﴾ والصور الطبيعية وهو قوله: ﴿وَالْأَرْضِّ﴾ كذلك هذا المعقول الهبائي لا يعرف إلاَّ بالمثل المضروب، وهو كل أمر يقبل بذاته الصور المختلفة التي تليق به وهو في كل صورة بحقيقته وتسميه الحكماء الهيولى وهي مسألة مختلف فيها عندهم، ولسنا ممّن يحكى أقوالهم في أمر ولا أقوال غيرهم، وإنما نورد في كتابنا وجميع كتبنا ما يعطيه الكشف ويمليه الحق هذا طريقة القوم، كما سُئِل الجنيد عن التوحيد فأجاب بكلام لم يفهم عنه، فقيل له: أعد الجواب فإنا ما فهمنا، فقال جواباً آخر، فقيل له: وهذا أغمض علينا من الأوّل فأمله علينا حتى ننظر فيه ونعلمه، فقال: إن كنت أجريه فأنا أمليه، أشار إلى أنه لا تعمّل له فيه، وإنما هو بحسب ما يلقي إليه ممّا يقتضيه وقته، ويختلف الإلقاء باختلاف الأوقات، ومن علم الاتساع الإلهيّ علم أنه لا يتكرّر شيء في الوجود، وإنما وجود الأمثال في الصور يتخيل أنها أعيان ما مضى وهي أمثالها لا أعيانها، ومثل الشيء ما هو عينه. واعلم أن هذا المعقول الرابع من وجود العقل فيه تظهر العين التي تقبل حكم الطبيعة وهو الجسم الكل الذي يقبل اللطيف والكثيف والكدر والشفاف، وهو الذي يأتي ذكره في الفصل الثاني بعد هذا، وهذا المعقول إنما قيدنا مرتبته بأنها الرابعة من حيث نظرنا إلى قبوله صورة الجسم خاصة، وإنما بالنظر إلى حقيقته فليست هذه مرتبته ولا ذلك الاسم اسمه، وإنما اسمه الذي يليق به الحقيقة الكلية التي هي روح كل حق، ومتى خلى عنها حق فليس حقاً ولهذا قال عليه السلام: ((لِكُلِّ حَقٌّ حَقِيقَةٌ)) فجاء باللفظ الذي يقتضي الإحاطة إذا تعرى عن القرائن المقيدة وهو لفظة كل كمفهوم العلم والحياة والإرادة، فهي معقولة واحدة في الحقيقة، فإذا نسب إليها أمر خاص لنسبة خاصة حدث لها اسم، ثم إنه إذا نسب ذلك الأمر الخاص إلى ذات معلومة الوجود وإن لم يعلم حقيقتها فنسب إليها ذلك الأمر الخاص بحسب ما تقتضيه تلك الذات المعينة، فإن اتصفت تلك الذات بالقدم اتصف هذا الأمر بالقدم، وإن اتصفت بالحدوث اتصف هذا الأمر بالحدوث، والأمر في نفسه لا يتصف بالوجود إذ لا عين له، ولا بالعدم لأنه معقول، ولا بالحدوث لأنّ القديم لا يقبل الاتصاف به، والقدیم لا يصحّ أن يكون محلاً للحوادث ولا يوصف بالقدم، لأن الحادث يقبل الاتصاف به، والحادث لا يوصف بالقديم، ولا يصحّ أن يكون القديم حالاً في المحدث فهو لا قديم ولا حادث، فإذا اتصف به الحادث سمّي حادثاً، وإذا اتصف به القديم سمّي قديماً وهو قديم في القديم ٩٣ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء حقيقة، وحادث في المحدث حقيقة، لأنه بذاته يقابل كل متصف به كالعلم يتصف به الحق والخلق، فيقال في علم الحق أنه قديم فإن الموصوف به قديم، فعلمه بالمعلومات قديم لا أوّل له، ويقال في علم الخلق أنه محدث فإن الموصوف به لم يكن ثم كان فصفته مثله، إذ ما ظهر حكمها فيه إلاّ بعد وجود عينه فهو حادث مثله، والعلم في نفسه لا يتغير عن حقيقته بالنسبة إلى نفسه وهو في كل ذات بحقيقته وعينه وما له عين وجودية سوى عين الموصوف فهو على أصله معقول لا موجود، ومثاله في الحسّ البياض في كل أبيض والسواد في كل أسود هذا في الألوان، وكذلك في الأشكال التربيع في كل مربع، والاستدارة في كل مستدير، والتثمين في كل مثمن، والشكل بذاته في كل متشكل، وهو على حقيقته من المعقولية، والذي وقع عليه الحسّ إنما هو المتشكل لا الشكل والشكل معقول، إذ لو كان المتشكل عين الشكل لم يظهر في متشكل مثله، ومعلوم أن هذا المتشكل ليس هو المتشكل الآخر، فهذا مثل مضروب للحقائق الكلية التي اتصف الحق والخلق بها، فهي للحق أسماء وهي للخلق أكوان، فكذلك هذا المعقول الرابع لصور الطبيعة يقبل الصور بجوهره وهو على أصله في المعقولية والمدرك الصورة لا غيرها، ولا تقوم الصورة إلاّ في هذا المعقول، فما من موجود إلاَّ وهو معقول بالنظر إلى ما ظهرت فيه صورته موجود بالنظر إلى صورته، ألا ترى الحق تعالى ما تسمّى باسم ولا وصف نفسه بصفة ثبوتية إلاَّ والخلق يتصف بها وينسب إلى كل موصوف بحسب ما تعطيه حقيقة الموصوف وإنما تقدمت في الحق لتقدم الحق بالوجود، وتأخرت في الخلق لتأخر الخلق في الوجود، فيقال في الحق إنه ذات يوصف بأنه حيّ عالم قادر مريد متكلم سميع بصير، ويقال في الإنسان المخلوق إنه حيّ عالم قادر متكلم سميع بصير بلا خلاف من أحد، والعلم في الحقيقة والكلام وجميع الصفات على حقيقة واحدة في العقل، ثم لا ينكر الخلاف بينهم في الحكم فإن أثر القدرة يخالف أثر غيرها من الصفات، وهكذا كل صفة والعين واحدة، ثم حقيقة الصفة الواحدة واحدة من حيث ذاتها، ثم يختلف حدّها بالنسبة إلى اختصاص الحق بها وإلى اتصاف الخلق بها، وهذه الحقيقة لا تزال معقولة أبداً لا يقدر العقل على إنكارها ولا يزال حكمها موجوداً ظاهراً في كل موجود: [السريع] فيه ولا صورةً في ذاتهَا فكلُّ موجودٍ لها صورةٌ فحكْمُها ليس سوى ذاتِها وذلك الحكمُ من آياتهَا فنَفْيُها في عَيْن إِثْبَاتَهَا تجتمع الأضدادُ في وصفها فالمعنى القابل لصورة الجسم هو المذكور المطلوب في هذا الفصل وهو المهيأ له، والجسم القابل للشكل هو هباء لأنه الذي يقبل الإشكال لذاته فيظهر فيه كل شكل وليس في نشكل منه شيء وما هو عين الشكل، والأركان هباء للمولدات وهذا هو الهباء الطبيعيّ، والحديد وأمثاله هباء لكل ما تصوّر منه من سكين وسيف وسنان وقدّوم ومفتاح وكلها صور "شكال، ومثل هذا يسمّى الهباء الصناعيّ، فهذه أربعة عند العقلاء والأصل هو الكل وهو تذي وضعنا له هذا الفصل، وزدنا نحن حقيقة الحقائق وهي التي ذكرناها في هذا الفصل التي .. م ٩٤ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء تعمّ الخلق والحق، وما ذكرها أحد من أرباب النظر إلاَّ أهل الله، غير أن المعتزلة تنبهت على قريب من ذلك فقالت: إنّ الله قائل بالقائلية وعالم بالعالمية وقادر بالقادرية لما هربت من إثبات صفة زائدة على ذات الحق تنزيهاً للحق فنزعت هذا المنزع فقاربت الأمر، وهذا كله أعني ما يختص بهذا الفصل من حكم الاسم الآخر الظاهر التي هي كلمة النفس الرحمانيّ وهو الذي توجه على الدبران من المنازل وكواكبه ستة وهو أوّل عدد كامل فهو أصل كل عدد كامل، فكل مسدّس في العالم فله نصيب من هذه الكمالية، وعليه أقامت النحل بيتها حتى لا يدخله خلاء، ومن أهل الله من يراه أفضل الأشكال فإنه قارب الاستدارة مع ظهور الزوايا وجعله أفضل، لأن الشكل المسدّس كبيوت النحل لا يقبل الخلل مع الكثرة فيظهر الخلوّ، والمستدير ليس كذلك وإن أشبهه غيره في عدم قبول الخلل كالمربع فإنه يبعد عن المستدير والاستدارة أوّل الأشكال التي قبل الجسم وجعل بعضها في جوف بعض لأن الخلاء مستدير، ولو لم يكن كذلك ما استدار الجسم لأنه ما ملأ إلاَّ الخلاء، فلا يقبل استدارة أخرى من خارج فإنه ما ثم خلاء غير ما عمره الجسم، فلو عمر بعض الخلاء لم يقبل سوى الشكل المسدّس، وإنما وصف بالكمال لأنه يظهر عن نصفه وثلثه وسدسه فيقوم من عين أجزائه. الفصل الخامس عشر: من النفس الرحماني في الاسم الإلهيّ الظاهر وتوجهه على إيجاد الجسم الكل، ومن الحروف على حرف الغين المعجمة، ومن المنازل على رأس الجوزاء وهي الهقعة وتسمّى الميسان . اعلم أن الله تعالى لما جعل في النفس القوّة العملية أظهر الله بها صورة الجسم الكل في جوهر الهباء فعمّر به الخلاء والخلاء امتداد متوهم في غير جسم، ولما رأينا هذا الجسم الكل لم يقبل من الأشكال إلاَّ الاستدارة علمنا أن الخلاء مستدير، إذ كان هذا الجسم عمر الخلاء، فالخارج عن الجسم لا يتصف بخلاء ولا ملأ، ثم إن الله فتح في هذا الجسم صور العالم وجعل هذا الجسم لما أوجده مستديراً لما عمر به جميع الخلاء كانت حركته في خلائه فما هي حركة انتقال عنه، وإنما حركته فيه بكله كحركة الرحى تنظر في حركتها بجميعها فتجدها لم تنتقل عن موضعها وتنظر إلى حركة كل جزء منها فتجده منتقلاً عن حيّزه إلى حيّز آخر بحركة الكل، وهكذا كل حركة مستديرة فهي متحركة ساكنة لأنها ما أخلت حيّزها بالانتقال من حيث جملتها ولا سكنت فتتصف بالسكون وهذا لا يكون إلاَّ في المستدير، وأما غير المستدير فلا يسمّى لشكله فلكاً أي مستديراً، وهذا هو أوّل الصور الطبيعية، فأظهرت الطبيعة فيه حكمها، فقبل الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة بحكم التجاوز في النقيضين خاصة فتحرك بغلبة الحرارة عليه، فإن الاعتدال لا يظهر عنه شيء أصلاً، ولهذا وصف الحق نفسه بالرضا، والغضب، والرحمة، والانتقام، والحلم، والقهر، فالاعتدال لا يصحّ معه وجود ولا تكوين، ألا ترى أنه لولا التوجّه الإلهي على إيجاد كون ما ما وجد؟ ولولا ما قال له: ﴿كُنْ﴾ ما تكوّن، فلما كانت كمية الحرارة أكثر من غيرها في الجسم أعطته الحركة، وما ثم خلاء إلاَّ ما عمره هذا الجسم ولا بدّ له من الحركة فتحرك في مكانه وهي حركة الوسط لأنه ليس خارجه خلاء فيتحرك إليه، ٩٥ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء والحركة تطلبها الحرارة وهي حركة في الجميع من انتقال، وأظهر الله صور العالم كله في هذا نجسم على استعدادات مختلفة في كل صورة وإن جمعها جسم واحد وحاكم واحد فقبلت نصور الأرواح من النفس الرحماني كما قبلت الحروف المعاني عند خروجها لتدل على المعنى الذي خرجت له، وظهر حكم الزمان بالحركة فظهرت الصور بالترتيب فقبلت التقدّم والتأخّر نزماني، وظهر حكم الأسماء الإلهية بوجود هذه الصور وما تحمله. وقد ذكرنا في عقلة المستوفز ترتيب وجود العالم كيف كان، ولله كما ذكرنا فيه وجه خاص وفي كل ما وجد فيه، وعن ذلك الوجه الخاص وجد ولا يعرف السبب قط ذلك الوجه نخاص الذي لمسببه المنفعل عنه ولا عقل ولا نفس إلاَّ الله خاصة وهو رقيقة الجود، فتحرك بالوجود الإلهي لا بفعل النفس وهي حركة النفس الرحماني لإيجاد الكلمات، فسوّى العرش ووحد فيه الكلمة الرحمانية، ثم أوجد صورة الكرسي وانقسمت فيه الكلمة وتدلت إليه نقدمان، ولهذا التدلي انقسمت الكلمة فله الخلق والأمر، وكان انقسامها إلى حكم وخبر، ثم دار الفلك الأطلس بتوجه خاص لحكمة أخفاها عمن شاء وأظهرها وقسمه على إثني عشر مقداراً فعمت المقادير وجعلها بروجاً لأرواح ملكية على طبائع مختلفة سمّي كل برج باسم ذلك الملك الذي جعل ذلك المقدار برجاله يسكنه كالأبراج الدائرة بسور البلد وكمراتب نولاة في الملك، وهي البروج المعلومة عند أهل التعاليم، ولكل برج ثلاث وجوه: فإن نعقل الأوّل له ثلاث وجوه وإن كان واحداً، وما من حقيقة تكون في الأول إلاَّ ولا بدّ أن يتضمنها الثاني ويزيد بحكم لا يكون للأوّل إذا كان المتقدم غير الله، وأما الله فهو مع كل شيء فلا يتقدمه شيء ولا يتأخر عنه شيء، وليس هذا الحكم لغير الله، ولهذا له إلى كل موجود وجه خاص لأنه سبب كل موجود، وكل موجود واحد (١) لا يصحّ أن يكون اثنين وهو واحد(٢) فما صدر عنه إلاَّ واحد(٣) فإنه في أحدية كل واحد (٤) وإن وجدت الكثرة ١) (قوله: وكل موجود واحد، إلى قوله: وهو مما أخطأت فيه) اشتملت هذه الجملة من كلام الشيخ على مسألتين: الأولى وحدة كل موجود، والثانية أحدية الوجود. (قوله: وكل موجود واحد) يعني باعتبار الوجه الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره من سائر الموجودات. (٢) (قوله: لا يصح أن يكون اثنين وهو واحد) يعني أنه لما كان لكل موجود وجه خاص كان لا يصحّ أن يكون هذا الموجود اثنين وهو واحد لما فيه من اجتماع النقيضين، إذ الفرض أنه واحد من حيث حقيقته اثنان من حيث صورته، لأن حقيقة كل موجود هو وجهه الخاص به، وإن قلنا زيد مثل عمرو وهذه الحبة من البر مثل هذه فما هي مثلية حقيقية، إذ زيد غير عمرو، وهذه الحبة غير الآخرى ضرورة فما تميز به زيد عن عمرو والحبة عن الأخرى هو أثر وجهها الخاص وهو حقيقتها. *) (قوله: فما صدر عنه إلاَّ واحد) يعني من حيث إنّ الوجه الخاص لا يتكرر في صورتين أبداً. : (قوله: فإنه في أحدية كل موجود) يعني أنه لما ثبت أنه ما صدر عنه إلاَّ واحد من حيث الوجه الخاص، والوجه معنى لا يقوم بنفسه ولا ينفصل عن المتوجه به تعالى فلا بدّ أن تكون الذات المقومة لكل وجه خاص سارية في أحدية كل موجود. ٩٦ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء فبالنظر (١) إلى أحدية الزمان الذي هو الظرف فإن وجود الحق في هذه الكثرة في أحدية كل واحد فما ظهر منه إلاَّ واحد، فهذا معنى لا يصدر عن الواحد إلاَّ واحد، ولو صدر عنه جميع العالم لم يصدر عنه إلاَّ واحد، فهو مع كل واحد من حيث أحديته، وهذا لا يدركه إلاَّ أهل الله. وتقوله الحكماء(٢) على غير هذا الوجه وهو ممّا أخطأت فيه، وجعل الله لكل وال ساكن في هذا البرج أحكاماً معلومة عن دورات محصورة ليس هذا الفصل موضع حصرها ولا تعيينها. ثم فتح الله صورة الفلك المكوكب وبعده الأرض والماء والهواء والنار عن حركة فلك البروج وشعاعات كواكب الفلك المكوكب، ثم علا الدخان من نار الأركان لما كانت ناراً مركبة فأظهر في ذلك الدخان صور السموات أفلاكاً مستديرة وجعل في كل فلك كوكباً، كما سيأتي ذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى، وعن هذا الاسم الإلهي أوجد في النفس الإنساني الغين المعجمة ومنزلة الهقعة . الفصل السادس عشر: في الاسم الإلهيّ الحكيم وتوجهه على إيجاد الشكل، وحرف الخاء المعجمة ومنزله النحية من المنازل وتسمّى الهنعة الشكل القيد، وبه سمّي ما تقيد به الدابة في رجلها شكالاً، والمتشكل هو المقيد بالشكل الذي ظهر به، يقول الله ﴿كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٤] أي ما يعمل إلاَّ ما يشاكله، وإلى هذا يرجع معناه. يقول: ذلك الذي ظهر منه يدل على أنه في نفسه عليه والعالم كله عمل الله فعمله على شاكلته، فما في العالم شيء لا يكون في الله والعالم محصور في عشر لكمال صورته، إذ كان موجوداً على صورة موجده، فجوهر العالم لذات الموجد وعرض العالم لصفاته وزمانه لأزله ومكانه لاستوائه وكمّه لأسمائه وكيفه لرضاه وغضبه ووضعه لكلامه وإضافته لربوبيته، وأن يفعل (١) (قوله: وإن وجدت الكثرة فبالنظر إلخ) يعني أنه لا يقدح في قولنا: كل موجود واحد، وفي قولنا: ما صدر عنه إلاَّ واحد وجود الكثرة، فإن سبب وجودها في المدارك البشرية والعقول النظرية، إنما هو النظر إلى أحدية الزمان وأنه امتداد واحد لا كثرة فيه ولا جزء بالفعل، وقد ظهرت فيه الأشياء مترتبة متكثرة بالتقدم والتأخر، يقال: هذا قبل هذا وهذا بعد دورات هذا، وهذا مع هذا، مع كون الزمان جامعاً، فإن الوهم يخيل أن الزمان شيء والموجودات الزمانية مظروفة فيه وهو ظرف لها، فمن شهود الزمان مع أحديته وظرفيته للموجودات المترتبة جاءت الكثرة، وأما من أخرج من سجن الزمان وفكت القيود عن نظره فإنه يرى وجوداً واحداً متجلياً بلا بداية إلى غير نهاية بلا قيد زماني أو مكاني، وموجوداته حاضرة لديه، وهو عين الموجودات الاعتبارية الخيالية العارضة له بحسب المدارك لا غير، فتوحدت الكثرة بهذه الوحدة الحقيقية، وصحّ قولنا ما ظهر عن الواحد إلاَّ واحد. ومثال ذلك الشخص الواحد فإنه لا يتكثر ولا يتعدد بأعضائه وحواسمه الظاهرة والباطنة المتعددة فهو واحد مع هذه الأشياء. (٢) (قوله: وتقوله الحكماء إلخ) يعني لأن الحكماء تقول في معنى ما صدر عن الواحد إلاَّ واحد أنه تعالى أول ما خلق العقل الأول، ووجود العقل الأول الذي هو موجود به وجود حادث، وأن العقل الأول هو الفاعل في كل ما سواه من الموجودات يخلق لها وجودات حادثة إلى غير ذلك من أقوالهم في العقل، وأهل الله تعالى يقولون: أول ما صدر عن الحق تعالى الوجود المفاض والعقل الأول وغيره من المخلوقات سواء في هذا الوجود المفاض، أهـ تقرير سيدي عبد القادر ونقلت من خطه . ٩٧ في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء لإيجاده، وأن ينفعل لإجابته من سأله، فعمل العالم على شاكلته ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٤] وإنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فالعالم على صراط مستقيم. اعوجاج القوس استقامته فلا تعجب، ألا ترى الخلاء حكم على الجسم بالاستدارة فأظهره فلكاً مستديراً؟ فتلك شاكلته، فحكمت عليه شاكلة الموطن، جبريل ظهر في صورة دحية فجهل فقيل فيه إنسان وهو ملك وعلم من علمه ملكاً والصورة إنسان فلم يؤثر علم الملكية منه في صورة إنسانيته ولم يؤثر الجهل بها فيها فالأشكال مقيدة أبداً، هذا ما أعطاه الاسم الحكيم مرتب الأمور مراتبها ومنزل الأشياء مقاديرها، وظهر من النفس الإنسانيّ في المخارج حرف الخاء المعجمة، ومن المنازل النحية، وما من شيء ظهر في تفاصيل العالم إلاَّ وفي الحضرة الإلهية صورة تشاكل ما ظهر أي يتقيد بها ولولا هي ما ظهر، ألا ترى الفلك الأطلس كيف ظهر من الحيرة في الحق لأنّ المقادير فيه لا تتعين للتماثل في الأجزاء كالأسماء والصفات للحق لا تتعدد، فالحيرة ما ظهرت إلاَّ في الفلك الأطلس حيث قيل: إن فيه بروجاً ولا تتعين فوضع على شكل الحيرة، ووضع الفلك المكوكب بالمنازل على شكل الدلالات على ما وقعت فيه الحيرة، فاستدل بالمنازل على ما في الأطلس من البروج فهو على شكل الدلالة، وجعل تنوّع الأحكام بنزول السيارة في المنازل، والبروج بمنزلة الصور الإلهية التي يظهر فيها الحق فيما للأطلس فيها من الحكم تجهل، ويقال: ليس لله صورة بالدلالة العقلية، وبما للمنازل فيها من الدلالات تعلم، ويقال هذا هو الحق فانظر حكم الأشكال ما فعل، ومنه لأشكال في المسائل فإنه يعطي الحيرة في المعلوم، وشكل الشيء شبهه، والشكل يألف شكله، والضد يجهل ضده. والدنيا للامتزاج، والآخرة للتخليص، فهي على شكل القبضتين . الفصل السابع عشر: في الاسم المحيط وتوجهه على إيجاد العرش، والعرش الممجدة والمعظمة والمكرمة، وحرف القاف، ومن المنازل الذراع. اعلم أن العرش أحاط بالعالم الاستدارته بما أحاط به من العالم، وكل ما أحاط به فيه الاستدارة ظاهرة حتى في المولدات، وانظر في تشبيه النبيّ ◌َّ في الكرسيّ أنه في جوف العرش كحلقة في فلاة من الأرض، فشبهه بشكل مستدير وهو الحلقة والأرض، وكذلك شبه السموات في الكرسي كحلقة، والأركان الكرية في جوف الفلك الأدنى كذلك، ثم ما تولد عنها لا يكون أبداً في صورته إلاّ مستديراً أو مائلاً إلى الاستدارة معدناً كان أو نباتاً أو حيواناً، وذلك لأنّ الحركة دورية، فلا تعطي إلاَّ ما يشاكلها، فالعرش أعظم الأجسام من حيث الإحاطة فهو العرش العظيم جرماً وقدراً، وبحركته أعطى ما في قوّته لمن هو تحت إحاطته وقبضته فهو العرش الكريم لذلك، وينزاهته أن يحيط به غيره من الأجسام كان له الشرف فهو العرش المجيد. ثم إنه ما استوى عليه الاسم الرحمن إلاَّ من أجل النفس الرحماني، وذلك أن المحاط ـ في ضيق من علمه بأنه محاط به من حيث صورته، فأعطاه النفس الرحماني روحاً من أمره، مكان مجموع كل موجود في العالم صورته وروحه المدبر له، وجعل روحه لا داخلاً في الفتوحات المکیة ج٤ - م٧ ٩٨ في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء الصورة ولا خارجاً عنها لأنه غير متحيز فانتفى المشروط والشرط، فإن النفس الذي صدرت عنه الأرواح لا داخل في العالم ولا خارج عنه، فإذا نظر الموجود في كونه محاطاً به ضاق صدره من حيث صورته، وإذا نظر في نفسه من حيث روحانيته نفس الله عنه ذلك الضيق بروحه لما علم أنه لا توصف ذاته بأنه محاط به إحاطة العرش بالصور فزال عنه، وأورثه ذلك الإبتهاج والسرور والفرح بذاته من حيث روحه، فلهذا كان الاستواء بالاسم الرحمن، وإحاطة هذا العرش من الإحاطة الإلهية بالعلم في قوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] فهو من ورائهم محيط، وليس وراء الله مرمى لرام ووراء العالم الله فهو المنتهى وما له انتهاء ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦] فالكلمة في العرش من النفس الرحماني واحدة وهو الأمر الإلهي لإيجاد الكائنات، فالنفس سار إلى منتهى الخلاء، فبه حيي كل شيء، فإن العرش على الماء فقبل الحياة بذاته فخلق الله تعالى منه كل شيء حي أفلا يؤمنون بما يرونه من حياة الأرض بالمطر وحياة الأشجار بالسقي حتى الهواء إن لم يكن فيه مائية وإلاّ أحرق . واعلم أن هذا العرش قد جعل الله له قوائم نورانية لا أدري كم هي لكني أشهدتها ونورها يشبه نور البرق، ومع هذا فرأيت له ظلاً فيه من الراحة ما لا يقدر قدرها، وذلك الظل ظل مقعر هذا العرش يحجب نور المستوى الذي هو الرحمن، ورأيت الكنز الذي تحت العرش الذي خرجت منه لفظة لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم فإذا الكنز آدم صلوات الله عليه، ورأيت تحته كنوزاً كثيرة أعرفها، ورأيت طيوراً حسنة تطير في زواياه، فرأيت فيها طائراً من أحسن الطيور فسلم عليّ فألقى لي فيه أن آخذه صحبتي إلى بلاد الشرق وكنت بمدينة مراكش حين كشف لي عن هذا كله فقلت: ومن هو؟ قيل لي: إن محمداً الحصار بمدينة فاس سأل الله الرحلة إلى بلاد الشرق فخذه معك فقلت: السمع والطاعة فقلت له وهو عين ذلك الطائر: تكون صحبتي إن شاء الله، فلما جئت إلى مدينة فاس سألت عنه فجاءني فقلت له: هل سألت الله في حاجة؟ فقال: نعم سألته أن يحملني إلى بلاد الشرق فقيل لي: إن فلاناً يحملك وأنا أنتظرك من ذلك الزمان، فأخذته صحبتي سنة سبع وتسعين وخمسمائة وأوصلته إلى الديار المصرية ومات بها رحمه الله. فإن قلت: والملائكة الحافون من حول العرش ما بقي لهم خلاء يتصرّفون فيه والعرش قد عمر الخلاء. قلنا: لا فرق بين كونهم حافين من حول العرش وبين الاستواء على العرش فإنه من لا يقبل التحيّز لا يقبل الاتصال والانفصال. ثم إن الملائكة الحافين من حول العرش فما هو هذا الجسم الذي عمر الخلاء وإنما هو ذلك العرش الذي يأتي الله به للفصل والقضاء يوم القيامة، وهذا العرش الذي استوى عليه هو عرش الاسم الرحمن أما سمعته يقول: ﴿وَتَرَى الْمَلَتَبِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمَّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧٥] عند الفراغ من القضاء فذلك يوم القيامة تحمله الثمانية الأملاك وذلك بأرض الحشر، ونسبة العرش إلى تلك الأرض نسبة الجنة إلى عرض الحائط في قبلة رسول الله وَله وهو في صلاة الكسوف، ٩٩ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء وهذا من مسائل ذي النون المصريّ في إيراد الواسع على الضيق من غير أن يوسع الضيق أو يضيق الواسع، ومن عرف المواطن هان عليه سماع مثل هذا. الفصل الثامن عشر: في الاسم إلهي الشكور وتوجهه على إيجاد الكرسيّ والقدمين، ومن الحروف حرف الكاف، ومن المنازل النثرة. قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِتُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] قال بعض أهل المعاني: يريد العلم ونقلوه لغة إلاَّ أنه في هذه الآية ليس إلاَّ جسم محسوس هو في العرش كحلقة ملقاة في فلاة إلاّ أنه كالعرش لا حركة فيه، ومن هذا الكرسيّ تنقسم الكلمة الإلهية إلى حكم وخبر وهو للقدمين الواردين في الخبر كالعرش الاستواء الرحمن، وله ملائكة قائمون به لا يعرفون إلاَّ الرب تعالى، فإن ظرفية العماء للرب والعرش للرحمن والكرسيّ لضمير الكناية عن الله تعالى، وهذه الثلاثة الأسماء هي أمّهات اسماء، وإذا تتبعت القرآن العزيز وجدت هذه الأسماء الثلاثة: الله والرب والرحمن دائرة فيه، وله ما بين سماء وسماء كرسي سوى هذا الكرسي الأعظم، وسمّي منسوباً أي لا يعقل إلاَّ هكذا بخلاف غيره من الموجودات، ومن هنا كان للرب الذي لا يعقل إلا مضافاً وغيره الذي هو الاسم الله الرحمن قد ورد غير مضاف إلاَّ الرب، فلا يرد حيث ورد إلاَّ مضافاً فإنه يطلب المربوب بذاته ﴿رَبِّنَاً﴾ [سورة الصافات: الآية ٣١] ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ﴾ [سورة الصافات: الآية ٥] ﴿رَّبُّ الْشْرِقِ﴾ [سورة المزمل: الآية ٩] فأثرت هذه الحقيقة في المرتبة المكانية الذي هو الكرسي فورد منسوباً والنسبة إضافة، وجاء في الدرجة الثالثة وهي أوّل الإفراد. ولما كان الرب الثابت فكذلك الكرسيّ حكم عليه الاسم الإلهيّ بالثبوت، فالثبوت أيضاً الموصوف به العرش يؤذن بأن الاسم الرحمن ثابت الحكم في كل ما يحوي عليه وهو قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] فمآل الكل إلى الرحمة وإن تخلل الأمر آلام وعذاب وعلل وأمراض مع حكم الاسم الرحمن فإنما هي أعراض عرضت في الأكوان دنيا وآخرة من أجل أن الرحمن له الأسماء الحسنى، ومن الأسماء: الضار والمذل والمميت فلهذا ظهر في العالم ما لا تقتضيه الرحمة ولكن لعوارض، وفي طيّ تلك العوارض رحمة ولو لم يكن إلاّ تضاعف النعيم والراحة عقيب زوال حكمه ولهذا قيل: أحلى من الأمن عند الخائف الوجل، فما تعرف لذات النعم إلاَّ بأضدادها، فوضعت لاقتناء العلوم التي فيها شرف الإنسان، فكانت كالطريق الموصلة أو الدليل الموصل إلى مدلوله ذوقاً، وحصول العلم بالأذواق أتم منه بطريق الخبر، ألا ترى الحق وصف نفسه على ألسنة رسله بالغضب والرضا، ومن هاتين الحقيقتين ظهر في العالم اكتساب العلوم من الأذواق الظاهرة كالطعوم وأشباهها، والباطنة كالآلام من الهموم والغموم مع سلامة الأعضاء الظاهرة من كل سبب يؤدي إلى ألم، فانظر ما أعجب هذا فثبت العرش لثبوت الرحمة السارية نتي ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ فلها الإحاطة وهي عين النفس الرحماني، فبه ينفس الله كل كرب في خلقه، فإن الضيق الذي يطرأ أو يجده العالم كونه أصلهم في القبضة، وكل مقبوض عليه محصور، وكل محصور محجور عليه، والإنسان لما وجد على الصورة لم يحتمل التحجير، ١٠٠ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء فنفس الله عنه بهذا النفس الرحماني ما يجده من ذلك، كما كان تنفسه من حكم الحب الذي وصف به نفسه في قوله: ((أحببت أن أعرف))، فأظهره في النفس الرحماني، فكان ذلك التنفس الإلهي عين وجود العالم فعرفه العالم كما أراد، فعين العالم عين الرحمة لا غيرها، فاشحذ فؤادك فما يكون العالم رحمة للحق ويكون الحق يسرمد عليه الألم الله أكرم وأجل من ذلك، فانظر ما أعجب ما أعطاه مقام الكرسي من انقسام الكلمة الإلهية فظهر الحق والخلق، ولم يكن يتميز لولا الكرسي الذي هو موضع القدمين الواردتين في الخبر، وعن هذا الاسم وجد في النفس الإنساني حرف الكاف، وفي فلك المنازل منزلة النثرة لما وجد فلكها. الفصل التاسع عشر: في الاسم الغني وتوجهه على إيجاد الفلك الأطلس وهو فلك البروج واستعانته بالاسم الدهر وإيجاد حرف الجيم من الحروف والطرف من المنازل. اعلم أن هذا الاسم جعل هذا الفلك أطلس لا كوكب فيه متماثل الأجزاء مستدير الشكل، لا تعرف لحركته بداية ولا نهاية، وما له طرف بوجوده حدثت الأيام السبعة والشهور والسنون، ولكن ما تعينت هذه الأزمنة فيه إلاَّ بعدما خلق الله في جوفه من العلامات التي ميزت هذه الأزمنة، وما عين منها هذا الفلك سوى يوم واحد وهي دورة واحدة عينها مكان القدم من الكرسي فتعينت من أعلى فذلك القدر يسمى يوماً، وما عرف هذا اليوم إلاَّ الله تعالى لتماثل أجزاء هذا الفلك وأوّل ابتداء حركته، وكان ابتداء حركته وأوّل درجة من برج الجوزاء يقابل هذا القدم وهو من البروج الهوائية، فأوّل يوم في العالم ظهر كان بأوّل درجة من الجوزاء، ويسمّى ذلك اليوم الأحد، فلما انتهى ذلك الجزء المعين عند الله من هذا الفلك إلى مقارنة ذلك القدم من الكرسي انقضت دورة واحدة هي المجموع، قابلت أجزاء هذا الفلك كلها من الكرسي موضع القدم منه فعمّت تلك الحركة كل درجة ودقيقة وثانية وما فوق ذلك في هذا الفلك، فظهرت الأحياز وثبت وجود الجوهر الفرد المتحيز الذي لا يقبل القسمة من حركة هذا الفلك، ثم ابتدأ عند هذه النهاية بانتقال آخر في الوسط أيضاً إلى أن بلغ الغاية مثل الحركة الأولى بجميع ما فيه من الأجزاء الأفراد التي تألف منها لأنه ذو كميات، وتسمّى هذه الحركة الثانية يوم الاثنين إلى أن كمل سبع حركات دورية كل حركة عينتها صفة إلهية والصفات سبع لا تزيد على ذلك، فلم يتمكن أن يزيد الدهر على سبعة أيام يوماً فإنه ما ثم ما يوجبه، فعاد الحكم إلى الصفة الأولى فأدارته ومشى عليه اسم الأحد، وكان الأولى بالنظر إلى الدورات أن تكون ثامنة، لكن لما كان وجودها عن الصفة الأولى عينها لم يتغير عليها اسمها، وهكذا الدورة التي تليها إلى سبع دورات، ثم يبتدىء الحكم كما كان أول مرة عن تلك الصفة ويتبعها ذلك الاسم أبد الآبدين دنيا وآخرة بحكم العزيز العليم، فيوم الأحد عن صفة السمع فلهذا ما في العالم إلاّ من يسمع الأمر الإلهي في حال عدمه بقوله: ﴿ كُنْ﴾ ویوم الاثنين وجدت حركته عن صفة الحياة وبه كانت الحياة في العالم فما في العالم جزء إلاَّ وهو حيّ ويوم الثلاثاء وجدت حركته عن صفة البصر فما في العالم جزء إلا وهو يشاهد خالقه من حيث عينه لا من حيث عين خالقه. ويوم الأربعاء وجدت حركته عن صفة الإرادة فما في