Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
في الأحوال / الباب الثاني والتسعون ومائة في معرفة الحال
حال على قدم أبي يزيد البسطامي بل أمكن في شغله له إدلال في أدب فقال لي يوماً: لي
خمسون سنة ما خطر لي في نفسي خاطر سوء يكرهه الشرع فهذه عصمة إلهية، فيكون كلام
ذلك السيد من هذا القبيل والأحوال مواهب لا مكاسب.
اعلم أن الحال نعت إلهيّ من حيث أفعاله وتوجهاته على كائناته، وإن كان واحد
العين لا يعقل فيه زائد عليه قال تعالى عن نفسه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية
٢٩] وأصغر الأيام الزمن الفرد الذي لا يقبل القسمة فهو فيه في شؤون على عدد ما في
الوجود من أجزاء العالم الذي لا ينقسم كل جزء منه بهذا الشرط فهو في شأن مع كل جزء
من العالم بأن يخلق فيه ما يبقيه سوى ما يحدثه ممّا هو قائم بنفسه في كل زمان فرد، وتلك
الشؤون أحوال المخلوقين وهم المحال لوجودها فيهم فإنه فيهم يخلق تلك الشؤون دائماً
فلا يصحّ بقاء الحال زمانين لأنه لو بقي زمانين لم يكن الحق في حق من بقي عليه الحال
خلاقاً ولا فقيراً إليه وكان يتصف بالغنى عن الله وهذا محال، وما يؤدّي إلى المحال محال،
وهذا مثل قول القائلين بأن العرض لا يبقى زمانين وهو الصحيح، والأحوال أعراض تعرض
للكائنات من الله يخلقها فيهم عبر عنها بالشأن الذي هو فيه دنيا وآخرة، هذا أصل الأحوال
الذي يرجع إليه في الإلهيات، فإذا خلق الله الحال لم يكن له محل إلاَّ الذي يخلقه فيه
فيحل فيه زمان وجوده، فلهذا اعتبره من اعتبره من الحلول وهو النزول في المحل وقد
وجد، ثم أنه ليس من حقيقته أن يبقى زمانين، فلا بدّ أن ينعدم في الزمان الثاني من زمان
وجوده لنفسه لا ينعدم بفاعل يفعل فيه العدم، لأنّ العدم لا ينفعل لأنه ليس شيئاً وجودياً
ولا بانعدام شرط ولا بضدّ لما في ذلك كله من المحال، فلا بدّ أن ينعدم لنفسه أي العدم
له في الزمان الثاني من زمان وجوده حكم لازم، والمحل لا بقاء له دونه أو مثله أو ضده،
فيفتقر في كل زمان إلى ربه في بقائه فيوجد له الأمثال أو الأضداد، فإذا أوجد الأمثال
یتخيل أن ذلك الأول هو على أصله باق وليس كذلك.
وإذا كان الحق ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وكل شأن عن توجّه إلهيّ
والحق قد عرفنا بنفسه أنه يتحول في الصور، فلكل شأن يخلقه بصورة إلهية، فلهذا ظهر
العالم على صورة الحق، ومن هنا نقول: إن الحق علم نفسه فعلم العالم، فمثل هذا اعتبر من
اعتبر الحال من التحول والاستحالة فقال بعدم الدوام فلا يزال العالم مذ خلقه الله إلى غير
نهاية في الآخرة، والوجود في أحوال تتوالى عليه الله خالقها دائماً بتوجهات إرادية تصحبها
كلمة الحضرة المعبر عنها بكن، فلا تزال الإرادة متعلقة وهو المتوجه، ولا تزال ﴿ كُنْ ﴾ ولا
يزال التكوين، هكذا هو الأمر فى نفسه حقاً وخلقاً.
وقد يطلقون الحال ويريدون به ظهور العبد بصفة الحق في التكوين ووجود الآثار عن
همته وهو التشبه بالله المعبر عنه بالتخلق بالأسماء وهو الذي يريده أهل زماننا اليوم بالحال
ونحن نقول به ولكن لا نقول بأثره لكن نقول: إنه يكون العبد متمكناً منه بحيث لو شاء ظهوره
لظهر به، لكن الأدب يمنعه لكونه يريد أن يتحقق بعبوديته ويستتر بعبادته فلا ينكر عليه أمر

٢٢
في الأحوال / الباب الثالث والتسعون ومائة في معرفة المقام
بحيث إذا رؤي في غاية الضعف ذكر الله عند رؤيته فذلك عندنا ولي الله فيكون في الكون
مرحمة وهو قول النبيّ وَّ في أولياء الله: ((إنَّهُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ)) مِنْ صَبْرِهِم عَلَى
البَلاَءِ ومحنة الله لهم الظاهرة فلا يرفعون رؤوسهم لغير الله في أحوالهم، فإذا رىء منهم مثل
هذه الصفة ذكر الله بكونه اختصهم لنفسه ومن لا علم له بما قلناه، يقول الوليّ صاحب الحال
الذي إذا رؤي ذكر الله هو الذي يكون له التكوين والفعل بالهمة والتحكم في العالم والقهر
والسلطان وهذه كلها أوصاف الحق، فهؤلاء هم الذين إذا رؤوا ذكر الله وهذا قول من لا علم
له بالأمور، وأن مقصود الشارع إنما هو ما ذكرناه، وأما هذا القول الآخر فقد ينال التحكم في
العالم بالهمة من لا وزن له عند الله ولا قيمة وليس بوليّ، وإنما سُئِل النبيّ وأجاب بهذا عن
أولياء الله فقيل له: من أولياء الله؟ فقال: ((الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ)) لما طحنتهم البلايا
وشملتهم الرزايا فلا يتزلزلون ولا يلجؤون لغير الله رضى بما أجراه الله فيهم وأراده بهم، فإذا
رأتهم العامة على مثل هذا الصبر والرضى وعدم الشكوى للمخلوقين ذكرت العامة الله
وعلمت أن الله بهم عناية. وأصحاب الآثار قد يكونون أولياء وقد تكون تلك الآثار التكوينية
عن موازين معلومة عندنا وعند من يعرف همم النفوس وقوّتها وانفعال أجرام العالم لها، ومن
خالط العزابية ورأى ما هم عليه من عدم التوفيق مع كونهم يقتلون بالهمة ويعزلون ويتحكمون
لقوّة هممهم، وأيضاً لما في العالم من خواص الأسماء التي تكون عنها الآثار التكوينيات عند
من يكون عنده علم ذلك مع كون ذلك الشخص مشركاً بالله فما هو من خصائص أولياء الله
تعالى التأثير في الكون فما بقي إلاّ ما ذكرناه.
الباب الثالث والتسعون ومائة
في معرفة المقام
[نظم: البسيط]
له التعمُّلُ في التحصيل والطَّلَبُ
إن المقام من الأعمال يُكْتسَبُ
به يكونُ كمالُ العارفينَ وَمَا
يَرُدُّهم عنه لا سِتْرٌ ولا حُجُبُ
الحكمُ فيه له والفَصْلُ والثَّدَبُ
له الدوامُ وما في الغَيْب من عَجَبٍ
وما يُجَلْيه إلاَّ الكدُّ والنَّصَبُ
أقدامُه وَعَلَاَه الجَهْدُ والشَّعَبُ
هو النهايةُ والأحوالُ تابعةٌ
إن الرسولَ مِنَ آجلِ الشُّكرِ قَد وَرِمَتْ
اعلم أن المقامات مكاسب وهي استيفاء الحقوق المرسومة شرعاً على التمام، فإذا قام
العبد في الأوقات بما تعين عليه من المعاملات وصنوف المجاهدات والرياضات التي أمره
الشارع أن يقوم بها وعين نعوتها وأزمانها وما ينبغي لها وشروطها التمامية والكمالية الموجبة
صحتها، فحينئذ يكون صاحب مقام حيث أنشأ صورته كما أمر كما قيل له: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾.
[سورة البقرة: الآية ٤٣] فأقاموا نشأتها صورة كاملة فخرجت طائراً ملكاً روحاً مقدساً فلم يكن له
استقرار دون الحق، ثم ينتقل هذا العبد إلى مقام آخر لينشىء أيضاً صورته، وبهذا يكون العبد

٢٣
في الأحوال / الباب الرابع والتسعون ومائة في معرفة المكان
خلاقاً، هذا معنى المقام، ولم يختلف أحد من أهل الله أنه ثابت غير زائل كما اختلفوا في
الحال، وليس الأمر عندنا على إطلاق ما قالوه بل يحتاج إلى تفصيل في ذلك، وذلك
لاختلاف حقائق المقامات فإنها ما هي على حقيقة واحدة، فمن المقامات ما هو مشروط
بشرط، فإذا زال الشرط زال كالورع لا يكون إلاَّ في المحظور أو المتشابه، فإذا لم يوجد
أحدهما أو كلاهما فلا ورع، وكذلك الخوف والرجاء والتجريد الذي هو قطع الأسباب وهو
ظاهر التوكل عند العامة. ومن المقامات ما هو ثابت إلى الموت ويزول كالتوبة ومراعاة
التكليفات المشرّعة، ومن المقامات ما يصحب العبد في الآخرة إلى أوّل دخول الجنة،
كبعض المقامات المشروطة من الخوف والرجاء، ومن المقامات ما يدخل معه الجنة كمقام
الإنس والبسط والظهور بصفات الجمال، فالمقام هو ما يكون للعبد فيه إقامة وثبات وهو عنده
لا يبرح، فإن كان مشروطاً وجاء شرطه أظهره ذلك الوقت لوجود شرطه فهو عنده معد فلذلك
قيل فيه إنه ثابت لا أنه يستعمل في كل وقت فافهم.
الباب الرابع والتسعون ومائة
في معرفة المكان
[نظم: الكامل]
لليَشربيِّ بسورة الأحزابِ
نَفْيُّ المُقَام هو المكانُ وإنه
ما نالَهُ أحدٌ بغير حجابٍ
من كان فيه يكونُ مجهولاً لذا
دُعيَ الرجالُ بسيْدِ الأخْبَابِ
ربُّ المكان هو الذي يُدْعَى إذا
وهو المُقَدَّمُ من أُولي الألْبّابِ
وله الوسيلةُ لا تكون لغَيْرهِ
وهو المُصَرِّفُ حاجبُ الحُجَّابِ
وهو الإمامُ وماله من تابع
قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ١٣] وقال تعالى في إدريس:
﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٥٧] والمكان نعت إلهيّ في العموم والخصوص أما في
العموم فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [سورة ظُه: الآية ٥] وأما في الخصوص فقوله:
((وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدي المؤمن)). وأما عموم العموم فأن يكون بحيث أنت وهو قوله: ﴿وَهُوَ
مَعَكُنْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فذكر الأينية، والمكان في الذوات كالمكانة في
المراتب والمكان عند القوم منزلة في البساط هي لأهل الكمال الذين جازوا المقامات
والأحوال والجلال والجمال فلا صفة لهم ولا نعت ولا مقام كأبي يزيد. اعلم أن عبور
المقامات والأحوال هو من خصائص المحمديين ولا يكون إلاّ لأهل الأدب جلساء الحق على
بساط الهيبة مع الأنس الدائم لأصحابه الاعتدال والثبات والسكون، غير أن لهم سرعة
الحركات في الباطن في كل نفس ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ وَهِىَ تَهُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ [سورة النمل:
الآية ٨٨] إن تجلّى لهم الحق في صورة محدودة أطرقوا فرأوه في إطراقهم مقلباً أحوالهم على
غير الصورة التي تجلّى لهم فيها فأورثهم الإطراق فهم بين تقييد وإطلاق لا مقام يحكم عليهم

٢٤
في الأحوال/ الباب الخامس والتسعون ومائة في معرفة الشطح
فإنه ما ثم فهم أصحاب مكان في بساط النشأة وهم أصحاب مكانة في عدم القرار، فهم من
حيث مكانتهم متنوّعون، ومن حيث مكانهم ثابتون، فهم بالذات في مكانهم، وهم بالأسماء
الإلهية في مكانتهم، فمن الأسماء لهم المقام المحمود والمكانة الزلفى في اليوم المشهود
والزور والوفود، ومن الذات لهم المكان المحدود والمعنى المقصود والثبات على الشهود
وحالة الوجود ورؤيته في كل موجود في سكون وخمود يشهدونه في العماء بالعين التي
يشهدونه بها في الاستواء بالعين التي يشهدونه بها في السماء الدنيا بالعين التي يشهدونه بها في
الأرض بالعين التي يشهدونه بها في المعية بالعين التي يشهدونه بها في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ وهذا كله من نعوت المكان.
وأما شهودهم من حيث المكانة فتختلف عيونهم باختلاف النسب، فالعين التي يشهدونه
بها في كذا ليست العين التي يشهدونه بها في أمر آخر، والمشهود في عين واحدة والشاهد من
عين واحدة والنظرة تختلف باختلاف المنظور إليه، فمنا من يرى اختلاف النظر لاختلاف
المنظور، ومنا من يرى اختلاف المنظور لاختلاف النظر وكل له شرب معلوم، فالمكان
يطلب فرغ ربك، والمكانة تطلب: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْذٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] و: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيََّ الثَّقَلَاَنِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] فجاء بلفظ الثقلين إعلاماً من خاطب ومن يريد ونحن
مركبون من ثقيل وخفيف، فالخفيف للمكانة والثقيل للمكان ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
فثبتت الرحمة فلم تزل وأثرت في النزول إلى السماء الدنيا، فما نزل ليسلط عذاباً وإنما نزل
ليقبل تائباً ويجيب داعياً ويغفر لمستغفر ويعطي سائلاً، فذكر هذا كله ولم يذكر شيئاً من القهر
لأنه نزل من عرش الرحمن، فالمكان رحمة حيث كان لأنّ فيه استقرار الأجسام من تعب
الانتقال، ألا تراهم في حال العذاب كيف وصفهم بالانتقال بتبديل الجلود والتبديل انتقال إلى
أن يفرغ الميقات والأمر الحقيقيّ للمكانة، فإنه لا يصحّ الثبوت على أمر واحد في الوجود،
فالمكان ثبوت في المكانة كما نقول في التمكين إنه تمكين في التلوين لا أن التلوين يضاد
التمكين كما يراه من لا علم له بالحقائق، وللتمكين باب يرد بعد هذا إن شاء الله .
الباب الخامس والتسعون ومائة
في معرفة الشطح
[نظم: الكامل]
لبقيَّةٍ فيها مِنَ آثارِ الهَوَى
الشّطْحُ دَعْوَی في النفوس بطبعها
من غيرِ أمرٍ عند أرباب النُّهَى
هذا إذا شَطَحَتْ بقولٍ صادقٍ
اعلم أيّدك الله أن الشطح كلمة دعوى بحق تفصح عن مرتبته التي أعطاه الله من المكانة
عنده أفصح بها عن غير أمر إلهيّ لكن على طريق الفخر بالراء، فإذا أمر بها فإنه يفصح بها
تعريفاً عن أمر إلهيّ لا يقصد بذلك الفخر، قال عليه السلام: ((أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْر))
يقول: ما قصدت الافتخار عليكم بهذا التعريف لكن أنبأتكم به لمصالح لكم في ذلك

٢٥
في الأحوال / الباب الخامس والتسعون ومائة في معرفة الشطح
ولتعرفوا منة الله عليكم برتبة نبيكم عند الله، والشطح زلة المحققين إذا لم يؤمر به فيقولها كما
قالها عليه السلام ولهذا بيّن فقال: ((وَلاَ فَخْرَ)) فإني أعلم أني عبد الله كما أنتم عبيد الله، والعبد
لا يفتخر على العبد إذا كان السيد واحداً، وكذا نطق عيسى فبدأ بالعبودية وهو بمنزلة قوله
عليه السلام: ((وَلاَ فَخْرَ)) فقال لقومه في براءة أمه ولما علم من نور النبوّة التي في استعداده أنه
لا بدّ أن يقال فيه إنه ابن الله فقال: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [سورة مريم: الآية ٣٠] فبدأ في أوّل تعريفه
وشهادته في الحال الذي لا ينطق مثله في العادة فما أنا ابن لأحد، فأمي طاهرة بتول ولست
بابن لله، كما أنه لا يقبل الصاحبة لا يقبل الولد، ولكني عبد الله مثلكم ﴿ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَى
نَبِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٣٠] فنطق بنبوّته في وقتها عنده وفي غير وقتها عند الحاضرين، لأنه لا بدّ
له في وقت رسالته أن يعلم بنبوّته كما جرت عادة الله في الأنبياء قبله، فهم مأمورون بكل ما
يظهر عليهم ومنهم من الدعاوى الصادقة التي تدل على المكانة الزلفى والتميز عن الأمثال
والأشكال بالمرتبة المثلى عند الله ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ أي محلاً وعلامة على زيادات الخير
عندكم ﴿أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [سورة مريم: الآية ٣١] يعني في كل حال من الأحوال ما تختص البركة
بسببي فيكم في حال دون حال، وذكرها كلها بلفظ الماضي وهو يريد الحال والاستقبال، فما
كان منه في الحال فنطقه شهادة ببراءة أمه وتنبيهاً وتعليماً لمن يريد أن يقول فيه إنه ابن الله فنزّه
الله وهو نظير براءة أمه ممّا نسبوا إليها، فهو في جناب الحق تنزيه، وفي جناب الأم تبرئة،
ويدل لفظ الماضي فيه ﴿أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ أن يكون له التعريف بذلك من الله كما كان
لمحمد رَ﴿ لما قال: ((كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطِّينِ)) فعلم مرتبته عند الله وآدم ما وجدت
صورته البدنية، وأعلم عيسى بلفظ الماضي أن الله آتاه الكتاب وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام
في عالم التكليف والتشريع وهو قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ [سورة مريم: الآية ٣١] يريد حياة التكليف
في ظاهر الأمر عند السامعين ويريد عندنا هذا، وأمراً آخر وهو قوله تعالى في عيسى أنه كلمة
الله والكلمة جمع حروف، وسيأتي علم ذلك في باب النفس بفتح الفاء فأخبر أنه آتاه الكتاب
يريد الإنجيل ويريد مقام وجوده من حيث ما هو كلمة والكتاب ضم حروف رقمية لإظهار
كلمة أو ضم معنى إلى صورة حرف يدل عليه فلا بدّ من تركيب، فلهذا ذكر أنّ الله أعطاه
الكتاب مثل قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] ويريد بالوصية بالصلاة والزكاة
العبادة، كما تدل على العمل هي على العبادة أدل لأنها لا تفتقر في كونها عبادة إلى بيان، وإذا
أريد بها العمل احتيج إلى تعیین ذلك العمل وبيان صورته حتى يقيم نشأته هذا المكلف به،
فإذا كانت العبادة دل على أنه لا يزال حياً أينما كان وإن فارق هذا الهيكل بالموت فالحياة
تصحبه لأنها صفة نفسية له، ولا سيما وقد جعله روح الله ثم ذكر أنه برّ بوالدته أي محسن
إليها، فأول إحسانه أنه برّأها ممّا نسب إليها في حالة لا يشكون في أنه صادق في ذلك
التعريف، ثم تمّم فقال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا﴾ [سورة مريم: الآية ٣٢] فإنّ الجبروت وهو العظمة
يناقض العبودة وهو قوله إنه ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾ ويريد بقوله: ﴿جَّارًا﴾ أي لا أجبر الأمة التي أرسل
إليها بالكتاب والصلاة والزكاة إنما أنا مبلغ عن الله لا غير ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِعُصَيْطِرٍ﴾ [سورة الغاشية:

٢٦
في الأحوال / الباب الخامس والتسعون ومائة في معرفة الشطح
الآية ٢٢] فأكون جباراً فأجبر وأبلغ عن الله كما قال: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ [سورة
المائدة: الآية ٦٧] ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ﴾ [سورة النور: الآية ٥٤] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكْرٌ لَّسْتَ
عَلَيْهِم بِعُصَيْطِرٍ﴾ [سورة الغاشية: الآية ٢١، ٢٢] فقوله: ﴿مُذَكِّرٌ﴾ والمذكر لا يكون إلاَّ لمن كان
على حالة منسية، ولو لم يكن كذلك لكان معلماً لا مذكراً، فدل أنه لا يذكرهم إلاَّ بحال
إقرارهم بربوبيته تعالى عليهم حين قبض الذرية من ظهر آدم في الميثاق الأوّل ثم قال:
﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ﴾ بما نطقت فيكم به من أني عبد الله فسلمت من انتساب وجودي إلى
سفاح أو نكاح ﴿وَوْمَ أَمُوتُ﴾ [سورة مريم: الآية ٣٣] فأسلم من وقوع القتل الذي ينسب إلى من
يزعم أنه قتلني وهو قول بني إسرائيل: ﴿إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١٥٧]
فأكذبهم الله فقال: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١٥٧] فقال لهم: إنّ
السلام عليه يوم يموت سالماً من القتل، إذ لو قتل قتل شهادة والشهيد حيّ غير ميت ولا يقال فيه
أنه ميت كما ورد النهي عن ذلك عندنا، وكذلك لم يزل الأمر فأخبر أنه يموت ولا يقتل، فذكر
السلام عليه يوم يموت، ثم ذكر أن السلام عليه يوم يبعث حياً يعني في القيامة، وهو موطن
سلامة الأبرياء من كل سوء مثل الأنبياء وغيرهم من أهل العناية فهو صاحب سلامة في هذه
المواطن كلها، وما ثم موطن ثالث ما هي إلاَّ حياة دنيا وحياة أخرى بينهما موت، فهذه كلها لو
لم تكن عن أمر إلهي لكانت من قائلها شطحات، فإنها كلمات تدل على الرتبة عند الله على
طريق الفخر بذلك على الأمثال والأشكال، وحاشا أهل الله أن يتميزوا عن الأمثال أو يفتخروا.
ولهذا كان الشطح رعونة نفس فإنه لا يصدر من محقق أصلاً، فإن المحقق ما له مشهود
سوى ربه، وعلى ربه ما يفتخر وما يدعي بل هو ملازم عبوديته مهيأ لما يرد عليه من أوامره
فيسارع إليها وينظر جميع من في الكون بهذه المثابة، فإذا شطح فقد انحجب عمّا خلق له
وجهل نفسه وربه، ولو انفعل عنه جميع ما يدعيه من القوّة فيحيي ويميت ويولي ويعزل وما
هو عند الله بمكان بل حكمه في ذلك حكم الدواء المسهل أو القابض يفعل بخاصية الحال لا
بالمكانة عند الله، كما يفعل الساحر بخاصية الصنعة في عيون الناظرين فيخطف أبصارهم عن
رؤية الحق فيما أتوا به، وكل من شطح فعن غفلة شطح، وما رأينا ولا سمعنا عن وليّ ظهر
منه شطح لرعونة نفس وهو وليّ عند الله إلاّ ولا بدّ أن يفتقر ويذل ويعود إلى أصله ويزول عنه
ذلك الزهوّ الذي كان يصول به فذلك لسان حال الشطح، هذا إذا كان بحق هو مذموم فكيف
لو صدر من كاذب؟ فإن قيل: وكيف صورة الكاذب في الشطح مع وجود الفعل والأثر منه؟
قلنا: نعم ما سألت عنه، أما صورة الكاذب في ذلك فإن أهل الله ما يؤثرون إلاَّ بالحال
الصادق إذا كانوا أهل الله، وذلك المسمّى شطحاً عندهم حيث لم يقترن به أمر إلهيّ أمر به
كما تحقق ذلك عن الأنبياء عليهم السلام، فمن الناس من يكون عالماً بخواص الأسماء فيظهر
بها الآثار العجيبة والانفعالات الصحيحة ولا يقول إن ذلك عن أسماء عنده وإنما يظهر ذلك
عند الحاضرين أنه من قوّة الحال والمكانة عند الله والولاية الصادقة وهو كاذب في هذا كله،
وهذا لا يسمّى شطحاً ولا صاحبه شاطحاً بل هو كذب محض ممقوت، فالشطح كلمة صادقة

٢٧
في الأحوال / الباب السادس والتسعون ومائة في معرفة الطوالع
صادرة من رعونة نفس عليها بقية طبع تشهد لصاحبها يبعده من الله في تلك الحال، وهذا
القدر كاف في حال معرفة الشطح.
الباب السادس والتسعون ومائة
في معرفة الطوالع
[نظم: الكامل]
فطَوَالِعُ الثَّوْحيدِ ما لا تُبْصَرُ
لا تَنْظُرَنَّ إلى طَوَالعِ نوره
فِه المُحَنَّكُ ذو الحِجَى يَتَحِيَّرُ
لو أبصرتها كان شَرُّكَ ثَابتاً
بمِجَنَّه يَلْقَى فلا يَتَأثّرُ
إن المُجرِّبَ للأمور هو الذي
فبه يراه وعَيْئُه لا تُبْصِرُ
ومِجَنُّهُ نَصْرُ الإله فعَيْنُه
فهي الوجودُ وما سواها مَظْهَرُ
الطَّمْسُ رفْعُ الحُكْم ليس ذَهَابُه
الطوالع عند الطائفة المصطلح عليها أنوار التوحيد تطلع على قلوب العارفين فتطمس
سائر الأنوار، وهذه أنوار الأدلة النظرية لا أنوار الأدلة الكشفية النبوية، فالطوالع تطمس أنوار
الكشف، وذلك أن التوحيد المطلوب من الله الذي طلبه من عباده وأوجب النظر فيه إنما هو
توحيد المرتبة وهو كونه إلهاً خاصة فلا إله غيره، وعلى هذا يقوم الدليل الواضح، وعند
بعض العقول فضول من أجل القوى التي هي آلاته، فتعطيه في بعض الأمزجة أمزجة تراكيبها
فضولاً يؤديه ذلك الفضول إلى النظر في ذات الله، وقد حجر الشرع التفكّر في ذات الله، فزلّ
هذا العقل في النظر في ذلك وتعدّى وظلم نفسه، فأقام الأدلة على زعمه وهي أنوار الطوالع،
على أن ذات الإله لا ينبغي أن تكون كذا ولا أن تكون على كذا، ونفت عنه جميع ما ينسب
إلى المحدثات حتى يتميز عندها فجعلته محصوراً غير مطلق بما دلت عليه أنوار أدلته، ثم
عدلت بعد ذلك إلى الكلام في ذوات صفاته، فاختلف في ذلك أشعة أنوارهم أعني طرق
أدلتهم على ما ذكر في علم النظر، ثم عدلوا إلى النظر في أفعاله فاختلفوا في ذلك بحسب
اختلاف أشعة أنوارهم ممّا قد ذكر وسطر، وليس هذا الكتاب بمحل لما تعطيه أدلة الأفكار
فإنه موضوع لما يعطيه الكشف الإلهي فلهذا لم نسردها على ما قررها أهلها في كتبهم، ثم
عدلوا إلى النظر في السمعيات وهو علمنا الذي نعول عليه في الحكم الظاهر، ونأخذ بالكشف
الإلهي عند التعمّل بالتقوى، فيتولى الله تعليمنا بالتجلي فنشهد ما لا تدركه العقول بأفكارها
ممّا ورد به السمع وأحاله العقل وتأوّله عقل المؤمن وسلّمه المؤمن الصرف، فجاءت أنوار :
الكشف بأن هذه الذات التي حجر التفكّر فيها فرأيناها على النقيض ممّا دلت عليه العقول
بأفكارها، فيشاهد صاحب الكشف يمين الحق ويده ويديه والعين والأعين المنسوبة إليه
والقدم والوجه .
ثم من النعوت الفرح والتعجب والضحك والتحوّل من صورة إلى صورة هذا كله
شاهدوه، فالله الذي يعبده المؤمنون وأهل الشهود من أهل الله ما هو الذي يعبده أهل التفكّر

٢٨
في الأحوال / الباب السابع والتسعون ومائة في معرفة الذهاب
في ذات الله، فحرموا العلم لكونهم عصوا الله ورسوله في أن فكروا في ذات الله وتعدوا مرتبة
الكلام والنظر في كونه إلهاً واحداً إلى ما لا حاجة لهم به، وقد فعل ذلك من ينتمي إلى الله
كأبي حامد وغيره وهي مزلة قدم، وإن كان جعل ذلك ستراً له فإنه قد نبّه في مواضع على
خلاف ما أثبته وبالجملة أساء الأدب، فمن حكم على نفسه فكره ونظره وأدخل عقله تحت
سلطان نظره في ذلك وتخيّل أنه على نور من ربه في نظره فطمس بأنوار أدلته أعين أنوار ما
جاء به أهل الشهود والكشف، فما جاء من ذلك عن رسول ونبي في كتاب أو سنّة وكان
صاحب هذه الأنوار النظرية مؤمناً صادقاً في إيمانه تأوّل ذلك في حق الرسول حتى لا يرجع
عن النظر بنور فكره لأن اعتماده عليه وهو الذي أنشأ في نفسه رباً يعبده كما ينبغي لنظره فعبد
عقله، ثم أنه نقل الأمر في التأويل لقصوره من التشبيه بالأجسام لحدوثها إلى التشبيه بالمعاني
المحدثة أيضاً فما انتقل من محدث إلاَّ إلى محدث، فكان فضيحة الدهر عند المؤمنين والذين
شاهدوا الأمر على ما هو عليه، وأصل ذلك كله أنه نتيجة عن معصية الله إذ قد نهاه
رسول الله ◌َ﴿ الذي لا ينطق عن الهوى عن التفكّر في ذات الله فلم يفعل، جعلنا الله وإياكم
من أهل الشهود والوجود، فيا ليت هذا المؤمن إذا لم يكن من أهل الشهود أن يسلم الأمر إلى
الله على علم الله فيه ولا يتعدى، وأما إذا جاء بمثل هذه العلوم غير الرسول عند هذا الناظر
كفره وزندقه وجهله وبهذا بعينه آمن به لما جاءه به الرسول فأي حجاب أعظم من هذا
الحجاب؟ فيقول له: الأمر على كذا، فيقول: هذا كفر، فإذا قلت له: كذا ورد في الصحيح
عن النبي عليه السلام ما هو قولي سكت وقال بعد أن جاء عن النبي ◌َّ فله تأويل ننظر فيه
فلا يقبله ذلك القبول لولا رائحة هذا النظر الذي يرجوه في تأويله فما أبعده عن الحق المبين،
وقد يريد أصحابنا بالطوالع طوالع أنوار الشهود فتطمس أنوار الأدلة النظرية فما كان ينفيه عقلاً
مجرداً عاد يثبته كشفاً ولم يبق لذلك النور الفكري في عقله عيناً ولا أثراً ولا جعل له عليه
سلطاناً، فهذا معنى الطوالع.
الباب السابع والتسعون ومائة
في معرفة الذهاب
[نظم: الوافر]
إذا هي شاهَدَتْ مَنْ لا تَراهُ
قلوبُ العاشقين لها ذَهَابُ
نّراهُ وما تَراهُ إذا تَرَاهُ
وذا من أَعْجَبِ الأشياءِ فينا
فلا تَعجَبْ فما الرَّامي سواهُ
دليلي إذ يقولُ رمَّيْتَ عبدي
لأمرٍ في حُنَيْنٍ قد دَهاهُ
كذا قَدْ جاء في القرآن نصاً
حال الذهاب عند الطائفة غيبة القلب عن حسّ كل محسوس بمشاهدة المحبوب،
وذلك يا ولي أن القلب والباطن لا يتمكن للعارف فكيف للمحب أن يمر عليه نفس ولا حال
لا یکون المحبوب فيه مشهوداً له بعین قلبه ووجوده، وما بقي حجاب إلاَّ في الحس بإدراكه

٢٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
المحسوسات حيث يراها ليست عين محبوبه فيحجبه فيطلب اللقاء لأجل هذا الحجاب، فإذا
ذهب المحسوس عن حسّه في ظاهر الصورة كما يذهب في حق النائم انصرف الحسّ إلى
الخيال، فرأى مثال محبوبه في خياله وقرب من قلبه فرآه من غير مثال، لأنّ الخيال ما بينه
وبين المعنى واسطة ولا درجة، كما أنه ليس بينه وبين المحسوس واسطة ولا درجة فهو
واسطة العقد إليه ينزل المعنى وإليه يرتفع المحسوس فهو يلقى الطرفين بذاته، فإذا انتقل
العارف أو المحب من المحسوس إلى الخيال قرب من معنى المحبوب فشاهده في الخيال
ممثلاً ذا صورة وشاهده وهو في الخيال لما عدل بنظره إلى حضرة المعاني المجاورة لحضرة
الخيال عاين المعنى مجرداً عن المثال والصورة، ثم نظر إلى المثال وإلى المحسوس فعلم أنه
لو تصوّر هذا المعنى في المحسوس لكان جميع صور المحسوسات صورته، فغاب هذا
المشاهد عن شهود كل محسوس أنه غير صورة محبوبه بل كل محسوس صورة محبوبه ولا
بدّ، فذهب عنه صورة المحسوس أنها غير صورة محبوبه فصار يشاهده في كل شيء فهذا هو
الذهاب، ومنه المذهب الذي هو الطريق سمّي مذهباً للذهاب فيه فهذا المحب ذاهب في
صور المحسوسات كلها أنها صورة عين محبوبه، فلا يزال في اتصال دائم في عالم الحسّ
وفي حضرة الخيال وفي حضرة المعاني، فله الذهاب في هذه الحضرات كلها وصارت مذهباً
له حتى نفسه في جملة الصور ولهذا يقول: [الرمل]
أنا مَنْ أَهْوَى ومن أهوى أَنَا
ومثل هذا قلنا في قصيدة: [مخلع البسيط]
أنا فَتَايَ أنا فَتَاتِي
أنا مُحِبِّي أنا حبيبي
وقد قلنا في هذا الباب أيضاً من قصيدة: [مخلع البسيط]
فعَيْنُ فَصْلي هو اتْصَالي
فإنني ما عَشِقْتُ غيري
الباب الثامن والتسعون ومائة
في معرفة النفس بفتح الفاء
[نظم: المديد]
وهو وَخِيُّ الحقِّ في جَرَسِهْ
نَفَسُ الأكْوَان من نَفَسِهْ
أثرٌّ في الكون من نَفَسهْ
وكلامُ الحقِّ شاهِدُه
في اشْتِعال النَّار في قَبَسِهْ
إنَّ موسى قَبْلُ أبْصَرَهُ
نَاظِرٌ فيه وفي حَرَسِهْ
مَعْدِنُ الرَّاحات فيه فَمَنْ
كان رسول الله ◌َ و قبل أن يعرف بعصمته من الناس وهو قوله: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧] إذا نزل منزلاً يقول: من يحرسنا الليلة مع كونه يعلم أنّ الله ﴿عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سورة هود: الآية ٥٧] وقال عليه السلام لما اشتدّ عليه كرب ما يلاقي من
الأضداد: ((إِنَّ نَفَسَ الرَّحْمُنِ يِأتينِي مِنْ قبلِ اليَمَنِ)) فكانت الأنصار. اعلم أن الموجودات هي

في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
كلمات الله التي لا تنفد، قال تعالى في وجود عيسى عليه السلام أنه ﴿وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَلهَا إِلَى
مَرْيَمٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧١] وهو عيسى عليه السلام، فلهذا قلنا: إن الموجودات كلمات الله
من حيث الدلالة السمعية، إذ كان لا يصدقنا كل أحد فيما ندعي فيه الكشف أو التعريف
الإلهي، والكلمات المعلومة في العرف إنما تتشكل عن نظم الحروف من النفس الخارج من
المتنفس المتقطع في المخارج، فيظهر في ذلك التقاطع أعيان الحروف على نسب مخصوصة
فتكون الكلمات.
وبعد أن نبهتك على هذا لتجعل بالك لما نورده في هذا الباب فاعلم أن الله سبحانه ما
استوى على عرشه إلاَّ بالاسم الرحمن إعلاماً بذلك أنه ما أراد بالإيجاد إلاَّ رحمة بالموجودين
ولم يذكر غيره من الأسماء، وذكر الاستواء على أعظم المخلوقات إحاطة من عالم الأجسام
فإن الآلام ليس محلها إلاَّ التركيب، وأمّا البسائط فلا تقبل في ذاتها قيام معنى بها بل هي عين
المعنى يدل على شمول الرحمة للعالم، وإن طرأت عوارض البلايا فإنها رحمة كما ذكرنا في
شرب الدواء الكريه ليس المقصود منه عذاب من شربه ولا إيلامه، وإنما المقصود من
استعماله ما يؤول إليه من استعمله من الراحة والعافية.
ثم اعلم بعد هذا أن الحق تسمّى بالظاهر والباطن، فالظاهر للصور التي يتحوّل فيها،
والباطن للمعنى الذي يقبل ذلك التحوّل والظهور في تلك الصور، فهو ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ من
كونه الباطن ﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٩] من كونه الظاهر، وقد أعلمتك أن العالم نسخة
إلهية على صورة حق ولذلك قلنا: علم الله بالأشياء علمه بنفسه فلذلك حكمنا عليه بالصورة،
وبذا وردت الأسماء الإلهية، وورد في الصحيح أن الله خلق آدم على صورته وهو الإنسان
الكامل المختصر الظاهر بحقائق الكون كله حديثه وقديمه، وجعل سبحانه النفس يخرج من
القلب للأمر الذي قد علم وقررناه، فيجد المخارج إذا قصد المتنفس الكلام، وإن لم يقصد
الكلام كان النفس بالحرف الهاوي خاصة وما هو عندنا من الحروف، وهو يهوي على ثلاث
مراتب هوياً ذاتياً يعبر عنه بالألف، وهو المسمّى عند القراء الحرف الهاوي، فإذا مرّ بالأرواح
العلوية في هويه حدث له منها واو العلة وهو امتداد الهواء من المتنفس عن ضم الحرف وهو
إشباع حركة الضم، وإذا مرّ بالأجسام الطبيعية السفلية في هويه حدث له من ذلك ياء العلة
وهو امتداد الهواء من المتنفس عن خفض الحرف وهو إشباع حركة الخفض لأنّ الخفض من
العالم الأسفل وما لهذا النفس في هويه أكثر من هذه الثلاث المراتب فاعلم ذلك، فحدثت
رسالة الملك بالواو المضموم ما قبلها، وحدثت رسالة البشر بالياء المكسور ما قبلها، وكان
الألف على الأصل عن الله وهو سبب الأسباب كلها .
ولما ذكر الله عن نفسه أنه الظاهر وأنه الباطن وأن له كلاماً وكلمات، ذكر أن له نفساً من
الاسم الرحمن الذي به استوى على العرش ﴿فَسْتَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٥٩] وهو
العارف من عباد الله من نبيّ وغيره ممّن شاء الله من عباده لأنه قال: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٦٩] فنكر الأمر ولم يعرفه فهو نكرة في معرفة يعلمها هو لا غيره، لأنّ الأمور

٣١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
معينة عنده مفصلة ليس في حقّه إجمال ولا يصحّ ولا مبهم مع علمه بالمجمل في حق من
يكون في حقه الأمر مجملاً ومبهماً وغير ذلك، فلما علمنا أن له نفساً وأنه الباطن وأن له كلاماً
وأن الموجودات كلماته علمنا أن الله ما أعلمنا بذلك إلاَّ لنقف على حقائق الأمور بأنا على
الصورة، فنقبل جميع ما تنسبه الألوهة إليها على ألسنة رسلها وكتبها المنزلة، وجعل النطق في
الإنسان على أتم الوجود، فجعل له ثمانية وعشرين مقطعاً للنفس يظهر في كل مقطع حرفاً
معيناً ما هو عين الآخر ميّزه المقطع مع كونه ليس غير النفس، فالعين واحدة من حيث أنها
نفس وكثيرة من حيث المقاطع، وجعلها ثمانية وعشرين لأن العالم على ثمانية وعشرين من
المنازل التي تجول السيارة فيها وفي بروجها وهي أمكنتها من الفلك المستدير كأمكنة
المخارج للنفس لإيجاد العالم وما يصلح له، ولكل عالم أعطت هذه المقاطع التي أظهرت
أعيان الحروف، ثم قسم هذه المقاطع إلى ثلاثة أقسام: قسم أقصى عن الطرف الأقصى الآخر
فالأقصى الواحد يسمى حروف الحلق وهو على طبقات، والأقصى الثاني حروف الشفتين وما
بينهما حروف الوسط، فإنّ الحضرة الإلهية على ثلاث مراتب: باطن وظاهر ووسط، وهو ما
يتميز به الظاهر عن الباطن وينفصل عنه وهو البرزخ فله وجه إلى الباطن ووجه إلى الظاهر بل
هو الوجه عينه فإنه لا ينقسم وهو الإنسان الكامل أقامه الحق برزخاً بين الحق والعالم فيظهر
بالأسماء الإلهية فيكون حقاً، ويظهر بحقيقة الإمكان فيكون خلقاً، وجعله على ثلاث مراتب:
عقل وحسّ وهما طرفان وخيال وهو البرزخ الوسط بين المعنى والحسّ.
فلما عرّفنا الله أنه باطن وظاهر وله نفس وكلمة وكلمات نظرنا ما ظهر من ذلك ولم
ينسب إلى ذاته النفس وما يحدث عنه فقلنا عين النفس هو العماء، فإن نفس المتنفس
المقصود بالعبارة عنه ما يتنزل منزلة الريح وإنما يتنزل منزلة البخار، فالنفس هذا حقيقته حيث
كان فكان عنه العماء كما يحدث العماء عن بخار رطوبات الأركان فيصعد ويعلو فيظهر منه
العماء أوّلاً ثم بعد ذلك يكثف والهواء يحمله والريح تسوقه فما هو عين الهواء وإنما هو عين
البخار، ولذلك جاء في صفة العماء الذي كان فيه ربنا قبل خلق الخلق أنه عماء ما فوقه هواء
وما تحته هواء، فذكر أن له الفوق وهو كون الحق فيه والتحت وهو كون العالم فيه فلم يكن
ثم غير نفس الحق ففيه يكون الهواء، وجرت الرياح ما بين زعزع ورخاء وهي الحروف
الشديدة والرخوة، وظهر عن هذا النفس أصوات الرعود كالحروف المجهورة وهبوب النسيم
وهي الحروف المهموسة، وظهرت الطباق في الأفلاك كالحروف المطبقة من تنفس الإنسان
بالقول إذا قصده وهو في الإلهيات إذا أردناه أن نقول له ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فالحروف المطبقة في النفس الإلهي وجود سبع سموات
طباقاً، وكل موجود في العالم على جهة الإنطباق وأبرز في هذا النفس الإلهيّ افتتاح الوجود
بالكون إذ كان ولا شيء معه وجعلها في المتنفس حقيقة الحروف المنفتحة، ثم لما أوجد
العالم وفتح صورته في العماء وهو النفس الذي هو الحق المخلوق به مراتب العالم وأعيانه
وأبان منازله جعل منه عالم الأجسام كالحروف المنسفلة لأنها من جانب الطبيعة وهو حدّ

٣٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الكون المظلم، وجعل منه عالم الأرواح وهو الحروف المستعلية في المتنفس بالنفس ألا وكل
ذلك كلمات العالم، فتسمى في الإنسان حروفاً من حيث آحادها، وكلمات من حيث تركيبها،
كذلك أعيان الموجودات حروف من حيث آحادها، وكلمات من حيث امتزاجاتها، وجعل في
النفس الإلهيّ علة الإيجاد من جانب الرحمة بالخلق ليخرجهم من شرّ العدم إلى خير الوجود
فكان بالحرف الهاوي. ثم أبان لهم أيضاً بوجود ما يؤدّي إلى السعادة ببعثة الرسول الملكي
والبشري إرسال رحمة فكانت حروف اللين في المتنفس الإنساني. ثم أوجد في هذا النفس
الصوت عند خروجه من الباطن إلى الظاهر بطريق الوحي الذي شبهه رسول الله وَل* سلسلة
على صفوان، فكان في تنفس الإنسان حروف الصفير، ثم أنفش ذلك النفس الإلهيّ على
أعيان العالم الثابتة ولا وجود لها فكان مثل ذلك في الكلام الإنساني حروف التفشي.
ثم إن النفس الإلهيّ استطالت عليه الأكوان بالدعوى والتحكم حيث عدّدت وكثرت ما
هو إحدى العين وهو في نفس المتنفس الإنساني الحرف المستطيل وهو الضاد وحده لأنه طال
حتى أدرك مخرج اللام، ثم إن هذا النفس الإلهيّ في إيجاد الشرائع قد جعل طريقاً مستقيماً
وخارجاً عن هذه الاستقامة المعينة ويسمّى ذلك تحريفاً وهو قوله: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا
عَقَلُوهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٥] مع كونه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] يقول:
وإن تعدد فالنفس يجمعه فسمّي ذلك التحريف في نفس المتنفس الإنساني الحرف المنحرف،
فخالط أكثر الحروف وهو اللام وليس لغيره هذه المرتبة وهو كبعض الأحكام الذي تجتمع فيه
الشرائع. ثم إنه ظهر في النفس الإلهيّ في الصور الأمثال فلم يقع التمييز فتخيل فيه التكرار
والحقيقة تعطي أنه لا تكرار، فظهر في عالم الحروف البشرية الحرف المكرّر وهو الراء، فإذا
كان النفس يحمل الروائح فيعرف أن خروجه على المشام وهو المسمّى في الحروف في النطق
الإنساني حروف الغنة لأنها من الخيشوم وتمّت مراتب الحروف بكمالها، والحمد لله. انتهى
الجزء التاسع عشر ومائة .
(الجزء العشرون ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحْمَةِ
وقد رأينا من رجال الروائح جماعة وكان عبد القادر الجيلي منهم يعرف الشخص بالشم.
أخبرني صاحبي أبو البدر عنه أن ابن قائد الأواني جاء إليه وكان ابن قائد يرى لنفسه
حظاً في الطريق، فأخذ عبد القادر يشمه نحو ثلاث مرات ثم قال له: لا أعرفك فكان ذلك
تربية في حقه فعلت همة ابن قائد إلى أن التحق بالأفراد. والنفس أبداً أكثر ما يظهر حكمه في
المحبين العشاق وهو مقامهم ومرتبتهم ويضيفون ذلك إلى نفس الرياح لا إلى نفس الأرواح
كما قال بعضهم : [السريع]
من أين هذا النَّفَسُ الطَّيِّبُ
ناشَدْتُكَ الله تَسِيمَ الصَّبَا
مكانَ ألقَتْ عقْدَهَا زَيْنَبُ
هَلْ أودَعَتْ بُزداك عند الضُّحَى

٣٣
في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وذَيْلَها من فوقها تَسْحَبُ
أو ناسَمَتْ رِيَّاكِ رَوْضَ الحِمَى
فَهَاتِ أتْحِفْني بأخبارها
فَعَهْدُك اليومَ بها أقرَبُ
هذه الأبيات على لطافتها ورقتها من أكثف ما قيل في عشق الأرواح، لأن نسيم الأرواح
ألطف من نسيم الرياح، لأنها بعيدة المناسبة عن عالم الطبيعة، والرياح ليست كذلك،
فالأرواح إذا تنسمت لا تسوق إلاَّ طيباً فإنها تهب من الحضرة الذاتية من الغيب الأقدس، فلا
تأتي إلاّ بكل طيب وطيبة، والرياح ليست كذلك لأنها من عالم الطبيعة، فإن مرت على خبيث
جاءت بخبيث، وإن مرت بطيب جاءت بطيب، ونسيم الأرواح إذا مرّ بخبيث ردّه طيباً، وإذا
مرّ بطيب زاده طيباً، فلو كان هذا القائل عاشقاً حقيقةً لا يتكلم بدعوى زور لم يجعل الطيب
من زينب وإن كانت طيبة، فلو ذكر أن طيبها زاد به طيب المكان طيباً، وجعل محبوبته تنم
بأسرارها الرياح فليست بمنيعة الحمى، وعالم الطبيعة يخترقها وهو الريح، وأخذ يهجو الريح
حيث تعجب من أين له هذا النفس الطيب، فلو ساق الطيب بطريق المفاضلة بأن يقول: من
أين هذا النفس الأطيب فإنه لم يكن الريح بأمر زائد على نفس محبوبته إذا حققت لأنها عين
الطيب حيث ظهر طيب، وسألني بعض أصحابي أن أشرح له هذه الأبيات ولو قالها عارف من
المحبين الإلهيين فأجبته إلى ذلك، فأنا أشرحها إن شاء الله. ثم أعود إلى الكلام على تحقيق
النفس في هذا الباب فنقول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل :
قوله يخاطب نسيم الصبا: ((ناشدتك الله)): اعلم أن الصبا هي ريح القبول والصبا الميل
والميل قبول، وسميت الصبا قبولاً لأن العرب لما أرادت أن تعرف الرياح حتى تجعل لها
أسماء تذكرها بها لتعرف فاستقبلت مطلع الشمس، فكل ريح هبت عليها من جهة مطلع
الشمس استقبلته إذ كان وجهها إلى تلك الجهة فسمتها قبولاً، وما أتى إليها من الريح عن دبر
في حال استقبالها ذلك سمته دبوراً وهي الريح الغربية، وما أتاها منها في هبوبها عن الجانب
الأيمن سمته جنوباً، وعن جانب الشمال سمته شمالاً، وكل ريح بين جهتين من هذه الجهات
تهب سمتها نكباء من النكوب وهو العدول أي عدلت عن هذه الأربع الجهات، والنسيم أوّل
هبوب الريح والشيء المستلذ إذا فاجأك ابتداء فهو ألذ من استصحابه مثل قوله: أحلى من
الأمن عند الخائف الوجل. ولهذا نعيم الجنان جديد في كل نفس، فلذلك ما ناشد إلاَّ النسيم
لالتذاذه به وجعله نسيم الصبا لأنها ريح شرقية قبول، فأعطته الريح من أخبارها بما جاءت به
من طيبها ما يعطيه قبولها لو أقبلت ورؤيتها لو طلعت عليه كما تطلع الشمس لأن الصبا ريح
شرقية والشروق طلوع الشمس والإشراق ضوء الشمس. وقوله: ناشدتك أي طالبتك مقسماً
بالله والناشد الطالب فهو كالمستفهم، وهذا يدلك على قلة معرفته بمحبوبه حيث جعل له
أمثالاً لقوله: من أين هذا النفس الطيب، فإنه ثم من له أنفاس طيبة، فلو استفرغ في شغله
بمحبوبه ولم ير مشهوداً له سواه ما استفهم، إذ كل من استفهم فقد أحضر ذلك في ذهنه،
فهذا شاعر أحضر الاشتراك في ذهنه فشهد على نفسه بنقصان المعرفة إن كان عارفاً ونقصان
المحبة إن كان محباً عاشقاً، فإن أراد من المحبوب كثرة وجوهه وتجليه في أعيان متعدّدة
الفتوحات المكية ج٤ - م٣

٣٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
كالأسماء الإلهية لله مع كونه ذاتاً واحدة ومع هذا فله تسعة وتسعون اسماً فما فوق ذلك فیرید
في أي اسم كان لما هبت هذه الريح وهي نسمة قبول إلهيّ لطيفة الهبوب أورثت في القلب
لطفاً ورقة بهبوبها فاستفهم الريح لما جاءت به من الطيب المستلذ فقال: [السريع]
مكانَ ألقَتْ عَقْدَها زِينَبُ
هل أودَعَتْ بُرْدَاك عند الضُّحَى
اعلم أن هذا البيت من أدل دليل على أنه ليس بمحب، وأن هذا القول هو إلى هجاء
المحبوب أقرب منه إلى الثناء والمدح، وذلك أنه لما جاءته الريح بهذا النفس الطيب أضاف
ذلك الطيب إلى ما حصل للمكان الذي ألقت عقدها زينب فيه فهو ثناء على العقد، فإنه يريد
أن عقدها كان عنبرية ذا طيب فطاب المكان بذلك العقد، وما ذكر أن العقد إنما اكتسب
الطيب من روائح زينب أو عرفها أو أنفاسها، فلو سلك في كلامه أن طيب المكان ممّا تنفست
فيه زينب، فلو قال مثل ما قلنا: [السريع]
طيبَ مَكَانٍ طَيَّبَتْ زِينَبُ
هل أودَعَتْ بُزْدَاك عند الضُّحَى
فَطِيبُها من طِيبِهِ أعْجَبُ
أنفاسُه من طِيب أنفاسها
ولنا هذا المعنى في غير هذا الرويّ : [البسيط]
والنورُ في الشَّمس إلاَّ من مُحَيَّاهَا
ما الطِّيبُ في المِسْك إلاَّ طيبُ رَيَّاهَا
وذاتُها لجِنَان الخُلْدِ مَأْوَاهَا
الخُلْدُ مَأْوى الحسانِ الحورِ تَسْكُنُه
وأمّا قوله بعد هذا: [السريع]
وذَيْلَها من فوقه تَسْحَبُ
أو ناسَمَتْ رِيَّاكَ روضَ الحِمَى
فهذا مثل الأوّل جعل الطيب للروض من ذيل زينب لما سحبته على ذلك المكان طاب
من طيب ذيلها، وطيب ذيلها من طيب طيبت ثيابها به مثل العقد سواء، فما ذكر ما يدل على
أن طيب هذه الأماكن من طيب أنفاسها، وإذا كان هذا فلا يطيب إلاَّ من ليس بطيب أو ليس له
ذلك الطيب ولذا قلنا: لو قال النفس الأطيب لا الطيب لكان أشعر وأثبت في المدح، ثم قوله
للنسيم : [السريع]
فِعَهْدُك اليومَ بها أقرَبُ
فهاتِ أتْحِفْني بأخبارها
كلام غير محقق فإن نسيم الريح ما له عهد قريب إلاَّ بالمكان وروض الحمى لا بزينب،
والطيب للمكان من العقد وللروض من الذيل، فلم ينقل هذا النسيم شيئاً من طيبها المختص
بذاتها ولو كانت مشهودة للنسيم حين هب على المكان والروض بقوله: وذيلها، فذكر ما
يدخله الاحتمال في الحال فإنه يحتمل أن يكون الحال في قوله: وذيلها، أي في حال مرورها
أكسبت هذا الروض الطيب من ذيلها، ويحتمل أن يكون شهود الريح لها في حال مرورها
على روض الحمى وهذا بعيد والأوّل أقرب، فإنه لو مرّ بها مشاهداً لها في حال انسحاب
ذيلها على الروض لنقل طيب ذيلها الأطيب الروض من ذيلها، فدل أنه ما شاهدها نسيم
الريح، وإذا لم يشاهدها فليس عهده بها قريباً، وإنما عهده قريب بالمكان الذي مرّت عليه.
ثم فيه من النقص بقوله ((أقرب)) وصفها بالأمر العام في كل طيب إذ المكان الذي يبقى فيه

٣٥
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الطيب إنما يكون قريب العهد بالطيب في جلوسه فيه أو مروره عليه وهذا ليس بمخصوص
بها، بل قال إن طيبها في المكان لا يزول بعد أن اكتسبه منها وأنه بها بعيد عهد ومع هذا
فالطيب باق لقوّة سلطانه لكان أشعر، والنسيم ما نقل إليه إلاَّ طيب المكان والروض فكان
ينبغي أن يصدق، فكان يقول: فعهدك اليوم به أقرب يعني بالمكان أو بكل واحد منهما يعني
الروض والمكان، أو يقول بهم أقرب فكذب بقوله بها أقرب، ثم إنه لا يلزم طيب المكان ولا
طيب الروض من إلقاء العقد ولا من طيب الذيل، قد يكون طيب الروض من الزهر وطيب
المكان من أمر آخر مع وجود العقد فيه وانسحاب الذيل على الروض فهو قاصر بكل وجه،
فهذا شعر لطيف اللفظ مليح وهو بالمعنى ليس بشيء، لأنّ جمال الشعر والكلام أن يجمع
بين اللفظ الرائق والمعنى الفائق فيحار الناظر والسامع فلا يدري اللفظ أحسن أو المعنى أو
هما على السواء، فإنه إذا نظر إلى كل واحد منهما أذهله الآخر من حسنه، وإذا نظر فيهما معاً
حيراه، فما يستحسن مثل هذا الشعر إلاَّ ذو قلب كثيف، فإن اللفظ لطيف والمعنى كثيف،
وإذا كان المعنى قبيحاً عند الصحيح النظر لم يحجبه حسن اللفظ عن قبح المعنى، فإن مثاله
عندي مثال من يحب صورة في غاية الحسن منقوشة في جدار مزينة بأنواع الأصبغة تامة الخلق
لا روح لها، فإن المعنى للفظ كالروح للصورة هو جمالها على الحقيقة، انظر في إعجاز
القرآن تجده كما ذكرنا حسن النظم مع توفير المعنى وحسن مساقه وجمع المعاني بعضها إلى
بعض في اللفظ الحسن النظم الوجيز مع وجود تكرار القصة الموجب للملل، ولا تجد هذا
في القرآن فتجد مع تكرار القصة الواحدة مثل قصص الأمم كآدم وموسى ونوح وغيرهم ممّا
تكرّر بزيادة لفظ أو نقصه ما تجد إخلالاً في المعنى جملة واحدة، وسبب ذلك أنه قول حق ما
فيه تزوير .
ولما أتينا على تنبيه ما في قول هذا الشاعر مع كونه لم يخرج عن حقيقة هذا الباب في
ذلك فإنه باب النفس بفتح الفاء والشعر من الكلام فهو من باب الأنفاس، فثم أنفاس يخرج
معها تحقيق المعاني على ما هي عليه في تركيب بعضها مع بعض، وثم أنفاس بالعكس.
فلنرجع إلى النفس الرحماني الذي ظهر عنه حروف الكائنات وكلمات العالم على مراتب
مخارج الحروف من نفس المتنفس الإنساني الذي هو أكمل النشآت كلها في العالم وهي
ثمانية وعشرون حرفاً لكل حرف اسم عينه المقطع مقطع نفسه، فأوّلها الهاء وآخرها الواو،
ومنها حروف مفردة المخرج كالحرف المستطيل والمنحرف والمكرّر، ومنها مشتركة في
المخرج كحروف الصفير، وإن كان بين المشترك تفاوت فهو قريب بعضها من بعض يجد
اللافظ الصحيح اللفظ في حال التلفظ بها الفرق بين الحرفين المشتركين كالطاء والتاء والدال،
فهذه الثلاثة وإن كانت من مخرج واحد فهو على التقارب لا على التحقيق، ولهذا اختلفت
الألقاب عليه لاختلاف أحوالها في المخارج، فيكون للحرف الواحد ألقاب متعددة الدرجات
له في النفس عند التكوين منه في مقطع الحرف يمتاز به عن الذي يقاربه في المخرج الذي
أوجب له أن يقال فيه أنه مشترك كحرف الصاد غير المعجمة مثلاً فإنه من الحروف

٣٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
المهموسة، ويشارك الكاف في الهمس وهو من حروف الصفير، فهو يشارك الزاي في الصفير
وهو من الحروف المطبقة، فهو يشارك الطاء في الإطباق وهو من الحروف الرخوة، فهو
يشارك العين في الرخاوة وهو من الحروف المستعلية، فهو يشارك القاف في الاستعلاء فهذا
حرف واحد اختلف عليه ألقاب كثيرة لظهوره في مراتب متعددة قابل بذاته كل مرتبة صالح لها
فاختلفت الاعتبارات فاختلفت الأسماء، كذلك نقول في العقل الأوّل عقلاً لمعنى يخالف
المعنى الذي لأجله نسميه قلما يخالف المعنى الذي لأجله نسميه روحاً يخالف المعنى الذي
لأجله نسميه قلباً: [البسيط]
لذا تَنَوَّعَتِ الأرواحُ والصُّوَرُ
والعينُ واحدةٌ والحُكْمُ مخْتَلفٌ
كذلك الحق أصل الوجود الواحد الأحد الذي لا يقبل العدد، فهو وإن كان واحد العين
فهو المسمّى بالحي القيوم العزيز المتكبر الجبار إلى تسعة وتسعين اسماً لعين واحدة وأحكام
مختلفة، فما المفهوم من الاسم الحيّ هو المفهوم من الاسم المريد ولا القادر ولا المقتدر
كما قلنا في حرف الصاد وكذلك سائر الحروف، فخرجت الحروف من نفس المتنفس
الإنساني الذي هو أكمل النشآت وبه ظهرت وبنفسه جميع الحروف، فكان على الصورة
الإلهية بالنفس الرحماني، وظهور حروف الكائنات وعالم الكلمات سواء، وكلها النفس
الإنساني ثمانية وعشرين حرفاً محققة لما صدر من النفس الرحماني أعيان الكلمات الإلهية
ثمانیاً وعشرين كلمة لکل کلمة وجوه فصدر عن نفس الرحمن وهو العماء الذي کان فيه ربنا
قبل أن يخلق الخلق، فكان العماء كالنفس الإنساني وظهور العالم في امتداده في الخلاء
بحسب مراتب الكائنات كالنفس الإنساني من القلب وامتداده إلى الفم، وظهور الحروف في
الطريق والكلمات كظهور العالم من العماء الذي هو نفس الحق الرحماني في المراتب المقدّرة
في الامتداد المتوهم لا في جسم وهو الخلاء الذي ملأه العالم، فكما كان أوّل حرف ظهر من
أعيان العالم من هذا النفس لما طلب الخروج إلى الغاية وهو نهاية الخلاء كما كان غاية امتداد
النفس إلى الشفتين فظهرت الهاء أوّلاً والواو آخراً وليس وراء ذلك حرف يعقل، فكانت
أجناس العالم منحصرة وأشخاصه لا تتناهى وجوداً فإنها تحدث ما دام السبب موجوداً
والسبب لا ينقضي، فإيجاد أشخاص النوع لا ينقضي.
فأما حصر العالم على عدد الحروف من أجل النفس في ثمانية وعشرين لا تزيد ولا
تنقص، فأوّل ذلك العقل وهو القلم وهو قول النبيّ بَّ: ((إِنَّهُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ العَقْل)) وفي
خبر آخر: ((أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَم)) الحديث، فكان أوّل خلق خلقه الله من النفس الذي هو
العماء القابل لفتح صور العالم فيه العقل وهو القلم، ثم النفس وهو اللوح، ثم الطبيعة، ثم
الهباء، ثم الجسم، ثم الشكل، ثم العرش، ثم الكرسي، ثم الأطلس، ثم فلك الكواكب
الثابتة، ثم السماء الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم
السابعة، ثم كرة النار، ثم كرة الهواء، ثم كرة الماء، ثم التراب، ثم المعدن، ثم النبات، ثم
الحيوان، ثم الملك، ثم الجنّ، ثم البشر، ثم المرتبة، والمرتبة هي الغاية في كل موجود،

٣٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
كما أن الواو غاية حروف النفس، وقصدت ذكر أسماء العالم لا ترتيب وجوده كما قصد في :
أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ، حصر الحروف لا ترتيب وجودها في
المخارج، ولكل موجود ممّا ذكرنا مرتبة وأحكام ونسب معلومة عند العلماء بالله، وكل واحد
له مقام معلوم يتميز به لا يكون للآخر، كما أن له أموراً يشترك فيها مع غيره خلقاً وحكماً.
فأما في الخلق فكأشخاص النوع الواحد، وأنواع الجنس الواحد مثل الأفلاك تشترك في
الاستدارة الفلكية وفي الجسمية من حيث التركيب، وما ذكرنا إلاَّ ما يختص بعالم الدنيا، كما
أنه ما ذكرنا من الحروف إلاَّ ما يختص بالنفس الإنساني اليوم إذ لا نتكلم إلاَّ في وجود، فإنا
لا نحيط بالله علماً، فتكلمنا على قدر ما أعطانا من العلم به، وليس في الإمكان أبدع ممّا خلق
لأنه الصادق وقد قال: إنه خلق العالم على صورته وأكمل منه فلا يكون فأكمل من هذا العالم
فلا يكون. وقد وقعت لنا واقعة في هذا الباب من الحق قد تقدم ذكرها.
ثم لتعلم أن أقرب شبه بالنفس بل هو عين النفس حروف العلة وهو الألف والواو
المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها، وليست هذه الثلاثة الحروف من الحروف الصحاح
المحققة في الحرفية هي أجل من ذلك وإطلاق الحرف عليها بطريق المجاز، وما يدل عليها
إلاَّ الحرف إذا انفتح وأشبع الفتحة، أو ضم فأشبع الضمة، أو كسر فأشبع الكسرة، فذلك
الدليل على إبراز هذه الحروف، كما كان العالم من أجل حدوثه الذي هو بمنزلة إشباع
الحركات في الحروف دليلاً على وجود الحق سواء فافهم ما ذكرناه. وثم إن الحروف لها
خواص هي عليها أعطتها لها المخارج فهي في النفس مجموعة إذ هو يجمعها وفي أعيان
الحروف والكلمات مفترقة، فإذا جرى النفس من أول الحروف إلى غايتها فإنه يفعل كل حرف
يتأخر وجوده لتأخر مخرجه عند انقطاع النفس ما يفعله كل حرف في مخرج تقدمه فهو يحوي
على قوّة كل حرف تقدمه، لأن النفس مرّ في خروجه على تلك المخارج إلى أن انقطع عند
هذا المخرج فنقل معه مرتبة كل حرف، فظهرت في قوّة الحرف المتأخر، وآخر الحروف
الواو، ففي الواو قوّة جميع الحروف، كما أن الهاء أقل في العمل من جميع الحروف فإن لها
البدو، فكلمة هو جمعت جميع قوى الحروف في عالم الكلمات، فلهذا كانت الهوية أعظم
الأشياء فعلاً، وكذلك الإنسان آخر غاية النفس، والكلمات الإلهية في الأجناس، ففي الإنسان
قوّة كل موجود في العالم فله جميع المراتب ولهذا اختصّ وحده بالصورة، فجمع بين
الحقائق الإلهية وهي الأسماء وبين حقائق العالم فإنه آخر موجود، فما انتهى لوجوده النفس
الرحماني حتى جاء معه بقوّة مراتب العالم كله، فيظهر بالإنسان ما لا يظهر بجزء جزء من
العالم ولا بكل اسم اسم من الحقائق الإلهية، فإن الاسم الواحد ما يعطي ما يعطي الآخر ممّا
يتميز به، فكان الإنسان أكمل الموجودات والواو أكمل الحروف، وكذا هي في العمل عند من
يعرف العمل بالحروف، فكل ما سوى الإنسان خلق إلاَّ الإنسان فإنه خلق وحق، فالإنسان
الكامل هو على الحقيقة الحق المخلوق به أي المخلوق بسببه العالم، وذلك لأنّ الغاية هي
المطلوبة بالخلق المتقدم عليها، فما خلق ما تقدم عليها إلاَّ لأجلها وظهور عينها ولولا ما ظهر

٣٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ما تقدمها، فالغاية هو الأمر المخلوق بسببه ما تقدم من أسباب ظهوره وهو الإنسان الكامل،
وإنما قلنا الكامل لأنّ اسم الإنسان قد يطلق على المشبه به في الصورة كما تقول في زيد إنه
إنسان، وفي عمرو إنه إنسان، وإن كان زيد قد ظهرت فيه الحقائق الإلهية وما ظهرت في
عمرو، فعمرو على الحقيقة حيوان في شكل إنسان كما أشبهت الكرة الفلك في الاستدارة
وأين كمال الفلك من الكرة؟ فهذا أعني بالكامل، فحاز الإنسان جميع المراتب برتبته، كما
حازت الواو جميع قوى الحروف، فدل أن الواو كانت المطلوبة بالكلام لتوجد، فوجد بسببها
جميع ما وجد في الطريق باستعداد المخارج من الحروف حتى انتهى إلى الواو.
ثم لتعلم أن نفس المتنفس لم يكن غير باطن المتنفس فصار النفس ظاهراً وهو أعيان
الحروف والكلمات، فلم يكن الظاهر بأمر زائد على الباطن فهو عينه، واستعداد المخارج
لتعيين الحروف في النفس استعداد أعيان العالم الثابتة في نفس الرحمان، فظهر عين الحكم
الاستعدادي الذي في العالم الظاهر في النفس فلهذا قال تعالى لنبيه وَله: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ
رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] وقال للنفس المطمئنة: ﴿أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ﴾
[سورة الفجر: الآية ٢٨] كما قال: ﴿طَوَّعًا أَوْ كَرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] أي إن لم ترجعي راضية
من ذاتك وإلاّ أجبرت على الرجوع إلى ربك، فتعلم أنك ما أنت أنت، وإذا رجعت راضية
فهي النفس العالمة المرضية عند الله فدخلت في عباده فلم تنسب ولا انتمت إلى غيره ممّن
اتخذ إلهه هواه ودخلت في جنته أي في كنفه وستره، فاستترت هذه النفس به فكان هو الظاهر
وهي غيب فيه فهي باطنة، إذ كانت هي عين النفس والنفس باطن، فقامت للرحمن بهذا
النعت من الدخول في الستر المضاف إليه بقوله: ﴿وَأَدْخُلِ جَنَِّى﴾ [سورة الفجر: الآية ٣٠] مقام
الروح للجسم الصوري فإنه ستر عليه، فالجسم المشهود والحكم للروح، فالظاهر الحق
والحكم للروح وهو استعداد العالم الذي أظهر الاختلاف في الحق الظاهر، فهذا معنى قوله:
﴿وَأَدْخُلِ جَنَِّى﴾ وأضافه إلى نفسه: [الكامل]
ثَنَّى الوجودَ به وليس بثَانِ
فالربُ والمَزْبُوبُ مرْتَبطانِ
إلاَّ الذي قالوه في العُمَرانِ
ما إن رأيتُ ولا سمِعْتُ بمثله
والقمران. يريدون أبا بكر وعمر ﴿والشمس والقمر﴾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة
الصافات: الآية ٩٦] فأثبت بالضمير ونفى بالفعل الذي هو خلق كما انتفى أبو بكر، فلم يظهر له
اسم في العمران وأثبته ضمير التثنية وهو قولهم: العمران، فسبحان من أخفى عنه حكمته فيه
فظهر في الوجود العليم الذي لا يعلم كالرامي الذي ما رمى، فالحروف ليست غير النفس ولا
هي عين النفس، والكلمة ليست غير الحروف وما هي عين الحروف: [الكامل]
وله التَّحكُمُ ليس للآحادِ
والجَمْعُ حالٌ لا وجودَ لعَيْنه
وصل: واعلم أن الله لما قال: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنِّ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ
اْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] فجعل الأسماء الحسنى لله كما هي للرحمن، غير أن هنا دقيقة
وهي أن الاسم له معنى وله صورة، فيدعى الله بمعنى الاسم، ويدعى الرحمن بصورته لأنّ

٣٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الرحمن هو المنعوت بالنفس، وبالنفس ظهرت الكلمات الإلهية في مراتب الخلاء الذي ظهر
فيه العالم فلا ندعوه إلاَّ بصورة الاسم، وله صورتان صورة عندنا من أنفاسنا وتركيب حروفنا
وهي التي ندعوه بها وهي أسماء الأسماء الإلهية وهي كالخلع عليها، ونحن بصورة هذه
الأسماء التي من أنفاسنا مترجمون عن الأسماء الإلهية، والأسماء الإلهية لها صور من نفس
الرحمن من كونه قائلاً ومنعوتاً بالكلام، وخلف تلك الصور المعاني التي هي لتلك الصور
كالأرواح، فصور الأسماء الإلهية التي يذكر الحق بها نفسه بكلامه وجودها من نفس الرحمن
﴿فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ وأرواح تلك الصور هي التي للاسم الله خارجة عن حكم النفس لا
تنعت بالكيفية، وهي لصور الأسماء النفسية الرحمانية كالمعاني للحروف.
ولما علمنا هذا وأمرنا أن ندعوه بأسمائه الحسنى وخيّرنا بين الله والرحمن فإن شئنا
دعوناه بصورة الأسماء النفسية الرحمانية وهي الهمم الكونية التي في أرواحنا، وإن شئنا
دعوناه بالأسماء التي من أنفاسنا بحكم الترجمة وهي الأساء التي يتلفظ بها في عالم الشهادة،
فإذا تلفظنا بها أحضرنا في نفوسنا أما الله فننظر المعنى، وأما الرحمن فننظر صورة الاسم
الإلهي النفسي الرحماني كيفما شئنا فعلنا، فإن دلالة الصورتين منا ومن الرحمن على المعنى
واحد سواء علمنا ذلك أو لم نعلمه .
ولما كان ذكر أسمائه عين الثناء عليه ذكرنا في هذا الباب ما هو فينا مثل كلمة ﴿كُنَ﴾
منه وذلك البسملة، يقول أهل الله: إن بسم الله منَّا في إيجاد الأفعال بمنزلة ﴿كُنَ﴾ منه، ولما
كان القرآن ذكراً وجامعاً لأسمائه صوراً ومعاني جعلنا التلاوة في هذا الباب من جملة الأذكار،
فلا نذكر من الأذكار إلاَّ ما يختص بالقرآن، فنذكره بكلامه من حيث علمه بذلك لا من حيث
علمنا، فيكون هو الذي يذكر نفسه لا نحن، ولما كان دعاؤنا بأسمائه القرآنية وكنا ذاكرين
تالين وجب علينا التعوّذ وهو من الذكر فيعيذنا، وسقنا من الأذكار الحمد لله وسبحان الله والله
أكبر ولا إله إلاَّ الله ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، فلنذكر فهرست ما أنا ذاكره في هذا الباب من
فصول ما يتكلم عليه ممّا يختص بالنفس الإلهيّ، ومراتب الذاكرين من العالم في الذكر، لأن
الذاكرين هم أعلى الطوائف لأنه جليسهم، ولهذا ختم الله بذكرهم صفات المقرّبين من أهل
اللّه ذكرانهم وإناثهم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ وَالْقَيَِّتِ
وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِينَ وَالصَِّرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُصَدِّقِينَ وَالْمُنَصَدِّقَتِ وَالصَّنَّيِّمِينَ
وَالصَِّمَتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَاتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]
وما ذكر بعد الذاكرات شيئاً، والذكر من نعوت كونه متكلماً وهو نفس الرحمن الذي ظهرت
فيه حقائق حروف الكائنات وكلمات الحضرة.
ذكر فهرست الفصول وهي خمسون فصلاً
الفصل الأول: في ذكر الله نفسه بنفس الرحمن وبه أوجد العالم من كونه أحب ذلك.
الفصل الثاني: في كلام الله وكلماته .

٤٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الفصل الثالث: في ذكر التعوّذ.
الفصل الرابع: في الذكر بالبسملة.
الفصل الخامس: في كلمة الحضرة وهي كلمة ﴿ كُنْ ﴾
الفصل السادس: في الذكر بالحمد.
الفصل السابع: في الذكر بالتسبيح.
الفصل الثامن: في الذكر بالتكبير .
الفصل التاسع: في الذكر بالتهليل.
الفصل العاشر: في الذكر بالحوقلة.
الفصل الحادي عشر: في الاسم البديع وتوجّهه على إيجاد العقل والعقول وهو القلم
الأعلى، ومن الحروف على الهمزة وتفاصيل الهمزة، ومن المنازل على الشرطين والإمداد
الإلهيّ النفسي ومراتبه الذاتية والزائدة.
الفصل الثاني عشر: في الاسم الباعث وتوجهه على إيجاد اللوح المحفوظ وهو النفس
الكلية وهو الروح المنفوخ منه في الصور المسوّاة بعد كمال تعديلها، فيهبها الله بذلك النفخ
أيّ صورة شاء وتوجهه على إيجاد الهاء من الحروف وهاء الكنايات وتوجهه على إيجاد البطين
من المنازل .
الفصل الثالث عشر: في الاسم الباطن وتوجهه على خلق الطبيعة وما يعطيه من أنفاس
العالم وحصرها في أربع حقائق وافتراقها واجتماعها وتوجهه على إيجاد العين المهملة وإيجاد
الثريا من المنازل .
الفصل الرابع عشر: في الاسم الآخر وتوجهه على خلق الجوهر الهبائي الذي ظهر فيه
صور الأجسام وما يشبه هذا الجوهر في عالم التركيب، وإيجاد الحاء المهملة من الحروف،
وإيجاد الدبران من المنازل المقدرة.
الفصل الخامس عشر: في الاسم الظاهر وتوجهه على إيجاد الجسم الكل، وإيجاد
الغين المعجمة من الحروف، وإيجاد الميسان وهي الهقعة من المنازل.
الفصل السادس عشر: في الاسم الحكيم وتوجهه على إيجاد الشكل وحرف الخاء
المعجمة والتحية من المنازل .
الفصل السابع عشر: في الاسم المحيط وتوجهه على إيجاد العرش والعروش المعظمة
والمكرّمة والممجدة، وحرف القاف من الحروف والذراع من المنازل.
الفصل الثامن عشر: في الاسم الشكور وتوجهه على إيجاد الكرسي والقدمين وحرف
الكاف والنثرة .
الفصل التاسع عشر: في الاسم الغنيّ وتوجهه على إيجاد الفلك الأطلس فلك البروج