Indexed OCR Text
Pages 1-20
الْقُوِحَاتُ المَكْتَّة للشيخ الإمام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدّين محمّد بن علي بن محمّد بن أحمد بن عبداللّه المحامي المعروف بابن عرف" افتوفىّ سنة ٦٣٨ هـ ضَبطُهُ وَمَّهُ وَ وَضَعَ فَهَارَه أحمد شمن الدين المجلّ الرائع مَوَات وأرَلِم بِضُون دار الكتب العلمية الفُتُوهَابُ المَكِيَةَ تأليف الشيخ الإمَام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدين محَمد بن عليّ بن محمَّد بن أحمد بن عَبْدُ اللّه الحاتي المعروف بَأَبْن عَرَبي المتوفى سنة ٦٣٨هـ ضَبَطَهٍ وَ مّه وَوَضَعَ فَارسَه أحمدمر الدّين الجُزء الرّابع منشورات محمد عَلى بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تفضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطبا". Copyright C All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut . Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطّبعَة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف. شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان تلفون وفاكس: ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٢٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., Ist Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon ISBN 2-7451-2275-4 90000> 9 782745 122759 http://www.al-ilmiyah.com.lb/ e-mail : sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com DET KONGELIGE BIBLIOTEK الفُبُوحَاتُ المَكِيَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَِّْ الرَّحِيَةِ الباب السابع والثمانون ومائة في معرفة مقام المعجزة وكيف يكون هذا المعجز كرامة لمن كان له معجزاً لاختلاف الحال [نظم: البسيط] ظُهُوره مرّةً أخرى إلى الأبدِ ما كان معجزةً فلا سبيلَ إلى حقَّقْتَ قولي فلا تَعْدِلْ عن الرَّشَدِ لا في وليٍّ ولا في غيره فإذا صِدْقُ المُقَدَّم في الأدنى وفي البَعَدِ ولو تَحَدَّى به خَلْقٌ لِأَكْذَبَهُ يَظْهَرْ لها أثرٌ مِن بَعْدُ في أَحَدٍ لذلك اختَلَفَتْ في الأنبياء فلم اختلف الناس فيما كان معجزة لنبيّ هل يكون كرامة لوليّ أم لا؟ فالجمهور أجاز ذلك إلاَّ الأستاذ أبا إسحاق الإسفرايني فإنه منع من ذلك وهو الصحيح عندنا، إلاَّ أنا نشترط أمراً لم يذكره الأستاذ وهو أن نقول: إلاّ إن قام الوليّ بذلك الأمر المعجز على تصديق النبيّ لا على جهة الكرامة به فهو واقع عندنا بل قد شهدناه، فيظهر على الوليّ ما كان معجزة لنبيّ على ما قلناه، ولو تنبّه لذلك الأستاذ لقال به ولم ينكره فإنه ما خرج عن بابه، فإن الذي وقع فيه الخلاف أنه هل يكون كرامة لوليّ؟ وهذا ليس بكرامة لوليّ إلا أن الذين أجازوا ذلك قالوا بشرط أن لا يظهر عليه بالطريق التي ظهرت على يد الرسول الذي بها سميت معجزة، وجوّزوا أن الوليّ لو تحدّى بذلك على ولايته لجاز أن يخرق الله له تلك العادة، والكاذب لو تحدّى بها على كذبه وهو صادق في أنه كاذب فجائز أن يخرق الله له تلك العادة على صدقه أنه كاذب، فإن الفارق عندهم حاصل وهو وجه يقال، والصحيح ما ذهب إليه الأستاذ وهو الذي يعطيه الدليل النظري إلاَّ أن يقول الرسول في وقت تحدّيه بالمنع في الوقت خاصة أو في مدة حياته خاصة، فإنه جائز أن يقع ذلك الفعل كرامة لغيره بعد انقضاء زمانه الذي اشترطه، وأما إن أطلقه فلا سبيل إلى ما قاله الأستاذ، وهذا التفصيل الذي ذكرناه يقتضيه الدليل النظري للطائفتين، على أنا ما رأينا أحداً تنبه إلى هذا في علمنا ولا ذكره والله أعلم. والإعجاز على ضربين: الضرب الواحد أن يأتي بأمر لا يكون مقدور البشر ولا يقدر عليه إلاَّ الله وذلك عزيز أعني الوصول إلى العلم به كإحياء الموتى لا يقدر عليه إلاَّ الله، ولكن الوصول إليه على طريق العلم أنه حيّ في نفس الأمر عزيز فإنا رأينا عصا موسى عليه السلام حية وعصيّ السحرة حيات ولم تفرق العامّة بين الحياتين، فلهذا قلنا: إن الوصول إلى علم ٥ ٦ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا ذلك عزيز؛ والضرب الآخر وهو الذي يمكن أن يكون أقرب وهو الصرف فيدعي في ذلك أن الذي هو مقدور لكم في العادة إذا أتيت أنا به على صدق دعواي، فإن الذي أرسلني يصرفكم عنه فلا تقدرون على معارضته، فكل من في قدرته ذلك يجد في نفسه العجز في ذلك الوقت فلا يقدر على إتيان ما كان قبل هذه الدعوى يقدر عليه وهذا أرفع للبس من الأوّل، فهذا معنى الأمر المعجز ومع هذا فقد وقع وعرف أنه معجزة وحصل العلم به عند الناظر بصدق هذا الرسول وما رزق الإيمان به وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً، فتعلم أن الإيمان لا تعطيه إقامة الدليل بل هو نور إلهي يلقيه الله في قلب من شاء من عباده، وقد يكون عقيب الدليل وقد لا يكون هناك دليل أصلاً كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاً﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء السابع عشر ومائة . (الجزء الثامن عشر ومائة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرّحمةِ الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا وهي المبشرات [نظم: البسيط] يُصَاحِبِ الضدَّ لم تَصْدُقْ له رؤیًا بالصّذْق رؤيا الرجالِ الصادقين ومَنْ وضدّه ضدَّه بالعَذْوة الدُّنيَا الصِّدْقُ بالعَذْوة القُضْوَى مَنَازِلُه هي الثُّبوَّةُ إلاَّ أنها قَصُرَتْ إني رأيتُ سيوفاً للهوى انْتُضِيَتْ عن نَسْخِ شَرْعٍ وهذي رتبةٌ عُلْيَا وفي يمينيّ سَيفٌ للهوَى دُنْيَا بذلك السيفِ في الأُخْرى وفي الدنْيَا فما تركتُ لها عَيْناً ولا أثراً اعلم أيّدك الله أن للإنسان حالتين: حالة تسمّى النوم، وحالة تسمّى اليقظة، وفي كلتا الحالتين قد جعل الله له إدراكاً يدرك به الأشياء تسمّى تلك الإدراكات في اليقظة حساً، وتسمّى في النوم حسّاً مشتركاً، فكل شيء تبصره في اليقظة يسمّى رؤية، وكل ما تبصره في النوم يسمّى رؤيا مقصوراً، وجميع ما يدركه الإنسان في النوم هو ممّا ضبطه الخيال في حال اليقظة من الحواس وهو على نوعين: إما ما أدرك صورته في الحسّ، وإما ما أدرك أجزاء صورته التي أدركها في النوم بالحسّ لا بدّ من ذلك، فإن نقصه شيء من إدراك الحواس في أصل خلقته فلم يدرك في اليقظة ذلك الأمر الذي فقد المعنى الحسيّ الذي يدركه به في أصل خلقته فلا يدركه في النوم أبداً، فالأصل الحسّ والإدراك به في اليقظة والخيال تبع في ذلك، وقد يتقوّى الأمر على بعض الناس فيدركون في اليقظة ما كانوا يدركونه في النوم وذلك نادر وهو لأهل هذا الطريق من نبيّ ووليّ هكذا عرفناه. ٧ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا فإذا علمت هذا فاعلم أيضاً أن النبوّة خطاب الله تعالى أو كلام الله تعالى كيفما شئت قلت لمن شاء من عباده في هاتين الحالتين من يقظة ومنام، وهذا الخطاب الإلهيّ المسمّى نبوّة على ثلاثة أنواع: نوع يسمّى وحياً، ونوع يسمعه كلامه ﴿مِن وَرَآٍ حِمَابٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] ونوع بوساطة رسول فيوحي ذلك الرسول من ملك أو بشر بإذن الله ما يشاء لمن أرسله إليه وهو كلام الله، إذ كان هذا الرسول إنما يترجم عن الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] فالوحي منه ما يلقيه إلى قلوب عباده من غير واسطة فأسمعهم في قلوبهم حديثاً لا يكيف سماعه ولا يأخذه حدّ ولا يصوّره خيال، ومع هذا يعقله ولا يدري كيف جاء ولا من أين جاء ولا ما سببه، وقد یکلمه من وراء حجاب صورة ما یکلمه به، وقد يكون الحجاب بشريته، وقد یکون الحجاب كما كلّم موسى من الشجرة من جانب الطور الأيمن له لأنه لو كلّمه من الأيسر الذي هو جهة قلبه ربما التبس عليه بكلام نفسه، فجاءه الكلام من الجانب الذي لم تجر العادة أن تكلمه نفسه منه وقد يكلمه بوساطة رسول من ملك كقوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ الزُُّحُ الْأَمِينُّ عَلَى قَلِكَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٩٣] يعني بالقرآن الذي هو كلام الله، وقد يكون بوساطة بشر وهو قوله: ﴿فَأَجِرُهُ حََّ يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] فأضاف الكلام إلى الله، وما سمعته الصحابة ولا هذا الأعرابي إلاَّ من لسان رسول الله وَّر، وليست النبوّة بأمر زائد على الإخبار الإلهيّ بهذه الأقسام والقرآن خبر الله وهو النبوّة كلها لأنه الجامع لجميع ما أراد الله أن يخبر به عباده، وصحّ في الحديث: ((أَنَّهُ مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ فَقَدْ أُدْرِجَتِ النُُّوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ» . فإذا تقرّر ما ذكرناه فاعلم أن مبدأ الوحي الرؤيا الصادقة وهي لا تكون إلاَّ في حال النوم، قالت عائشة في الحديث الصحيح: ((أَوَّلُ مَا بُدِىءَ بهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنَ الوَحِي الرُّؤْيَا الصَّادِقَة)) فكان لا يرى رؤيا إلاَّ جاءت مثل فلق الصبح، وسبب ذلك صدقه بَّ فإنه ثبت عنه أنه قال: «أَضدقُكُمْ رُؤیا اضدقُكُمْ حدیثاً» فکان لا یحدث أحداً ێک بحدیث عن تزویر یزوّره في نفسه بل يتحدث بما يدركه بإحدى قواه الحسيّة أو بكلها ما كان يحدّث بالغرض ولا يقول ما لم يكن ولا ينطق في اليقظة عن شيء يصوّره في خياله ممّا لم ير لتلك الصورة بجملتها عيناً في الحسّ، فهذا سبب صدق رؤياه، وإنما بدىء الوحي بالرؤيا دون الحسّ لأن المعاني المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحس، لأن الحسّ طرف أدنى والمعنى طرف أعلى وألطف، والخيال بينهما والوحي معنى، فإذا أراد المعنى أن ينزل إلى الحسّ فلا بدّ أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله إلى الحسّ، والخيال من حقيقته أن يصوّر كل ما حصل عنده في صورة المحسوس لا بدّ من ذلك، فإن كان ورود ذلك الوحي الإلهيّ في حال النوم سمّي رؤيا، وإن كان في حال اليقظة سمّي تخيّلاً أي خيّل إليه فلهذا بدىء الوحي بالخيال، ثم بعد ذلك انتقل الخيال إلى الملك من خارج، فكان يتمثل له الملك رجلاً أو شخصاً من الأشخاص المدركة بالحسّ، فقد ينفرد هذا الشخص المراد بذلك الوحي بإدراك هذا الملك، وقد يدركه الحاضرون معه، فيلقي على سمعه حديث ربّه وهو الوحي، وتارة ينزل على ٨ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا قلبه ويلو فتأخذه البرحاء وهو المعبر عنه بالحال فإن الطبع لا يناسبه فلذلك يشتدّ عليه وينحرف له مزاج الشخص إلى أن يؤدي ما أوحى به إليه ثم يسرّي عنه فيخبر بما قيل له، وهذا كله موجود في رجال الله من الأولياء، والذي اختصّ به النبيّ من هذا دون الوليّ الوحي بالتشريع، فلا يشرع إلاَّ النبيّ ولا يشرع إلاَّ رسول خاصة، فيحلل ويحرّم ويبيح ويأتي بجميع ضروب الوحي. والأولياء ليس لهم من هذا الأمر إلاَّ الإخبار بصحة ما جاء به هذا الرسول وتعيينه حتى يكون هذا التابع على بصيرة فيما تعبده به ربه على لسان هذا الرسول، إذ كان هذا الوليّ لم يدرك زمانه حتى يسمع منه كما سمع أصحابه، فصار هذا الوليّ بهذا النوع من الخطاب بمنزلة الصاحب الذي سمع من لفظ رسول الله وَّو ما شرع، ولذلك جاء في القرآن: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أُثَبَعَنِى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] وهم هؤلاء الذين ذكرناهم، فرب حديث صحيح من طريق رواية الثقات عندنا ليس بصحيح في نفس الأمر، فنأخذه على طريق غلبة الظنّ لا على العلم، وهذه الطائفة التي ذكرناها تأخذه من هذا الطريق، فنكون من عدم صحة ذلك الخبر الصحيح عندنا على بصيرة أنه ليس بصحيح في نفس الأمر وبالعكس وهو أن يكون الحديث ضعيفاً من أجل ضعف الطريق من وضاع فيه أو مدلس، وهو في نفس الأمر صحيح، فتدرك هذه الطائفة صحته فتكون فيه على بصيرة، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَدْعُوّا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّى﴾ وهم هؤلاء، فهم ورثة الأنبياء لاشتراكهم في الخبر وانفراد الأنبياء بالتشريع، قال تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فجاء بمن وهي نكرة ﴿لِتُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ [سورة غافر: الآية ١٥] فجاء بما ليس بشرع ولا حكم بل بإنذار، فقد يكون الوليّ بشيراً ونذيراً ولكن لا يكون مشرّعاً، فإن الرسالة والنبوّة بالتشريع قد انقطعت فلا رسول بعده ولا نبيّ أي لا مشرع ولا شريعة فاعلم ذلك. فلنرجع إلى ما بوّبنا عليه. ثبت عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((إِنَّ الرَّسَالَةَ وَالنُّبُوةَ قَدِ انْقَطَعَتْ فَلاَ رَسُولَ بَعْدِي وَلاَ نَبِيَّ))، قال: فشق ذلك على الناس فقال: لكن المبشرات، فقالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ فقال: رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوّة. هذا حديث حسن صحيح من حديث أنس بن مالك حدثنا به إمام المقام بالحرم المكي الشريف تجاه الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود سنة أربع وستمائة شيخنا مكين الدين أبو شجاع زاهر بن رستم الأصفهاني البزار وغيره عن أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكرخي الهروي قال: أخبرني أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي وأبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي وأبو بكر أحمد بن أبي حاتم الغورجي التاجر قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الجبار الجراحي قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي قال: أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد، حدثنا المختار بن فلفل، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَ﴿ وذكر هذا الحديث. قال: وفي الباب عن أبي هريرة وحذيفة وابن عباس وأم كرز فأخبر وَ# أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوّة، فقد بقي للناس من النبوّة هذا وغيره، ومع هذا لا يطلق اسم النبوّة ولا النبي إلاَّ على ٩ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا المشرع خاصة، فحجر هذا الاسم لخصوص وصف معين في النبوّة، وما حجر النبوّة التي ليس فيها هذا الوصف الخاص وإن كان حجر الاسم فنتأدّب ونقف حيث وقف بَ له بعد علمنا بما قال وما أطلق وما حجر فنكون على بيّنة من أمرنا، وإذا علمت هذا فلنقل أن الرؤيا ثلاث: منها بشرى وهي ما نحن بصدده في هذا الباب، ورؤيا ممّا يحدث المرء به نفسه في اليقظة فيرتقم في خياله فإذا نام أدرك ذلك بالحسّ المشترك لأنه تصوّره في يقظته فبقي مرتسماً في خياله فإذا نام وانصرفت الحواس إلى خزانة الخيال أبصرت ذلك، وسيأتي علم ذلك كله وصورته. والرؤيا الثالثة من الشيطان . وروينا في هذا حديثاً صحيحاً من حديث أبي عيسى الترمذي قال: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ﴿: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَذْ رُؤْيَا المُؤْمِن تَكْذِبِ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَضْدَقُهُمْ حَدِيثاً، وَرُؤْيَا المُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّة، وَالرؤْيَا ثَلاثُ: فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى،َ وَرُؤْيَا مِنْ تَخْزِينِ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بِهِ نَفْسَهُ، وَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ وَلِيَتْقُلْ وَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ)) الحديث وقال فيه: حديث صحيح. وفي حديث أبي قتادة عن رسول الله وَّ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثَ مَرَاتٍ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لاَ تَضُّرَهُ» وهو حديث حسن صحيح. وفي الحديث الصحيح عن النبي وَّرَ: (إِنَّ رُؤْيَا المُسْلِمِ عَلَى رِجْلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ)) فاعلم أن الله ملكاً موكلاً بالرؤيا يُسمّى الروح وهو دون السماء الدنيا وبيده صور الأجساد التي يدرك النائم فيها نفسه وغيره، وصور ما يحدث من تلك الصور من الأكوان، فإذا نام الإنسان أو كان صاحب غيبة أو فناء أو قوّة إدراك لا يحجبه المحسوسات في يقظته عن إدراك ما بيد هذا الملك من الصور فيدرك هذا الشخص بقوّته في يقظته ما يدركه النائم في نومه، وذلك أن اللطيفة الإنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتصل بها الذي محله مقدم الدماغ، فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الإذن الإلهي ما يشاء الحق أن يريه هذا النائم أو الغائب أو الفاني أو القوي من المعاني متجسدة في الصور التي بيد هذا الملك، فمنها ما يتعلق بالله وما يوصف به من الأسماء فيدرك الحق في صورة، أو القرآن أو العلم أو الرسول الذي هو على شرعه، فهنا يحدث للرائي ثلاث مراتب أو إحداهن: المرتبة الواحدة أن تكون الصورة المدركة راجعة للمرئي بالنظر إلى منزلة ما من منازله وصفاته التي ترجع إليه، فتلك رؤيا الأمر على ما هو عليه بما رجع إليه، والمرتبة الثانية أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى حال الرائي في نفسه، والمرتبة الثالثة أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى الحق المشروع والناموس الموضوع أي ناموس كان في تلك البقعة التي ترى تلك الصورة فيها في ولاة أمر ذلك الإقليم القائمين بناموسه، وما ثم مرتبة رابعة سوى ما ذكرناه. فالأولى وهي رجوع الصورة إلى عين المرئي فهي حسنة كاملة ولا بدّ لا تتصف بشيء ١٠ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا من القبح والنقص، والمرتبتان الباقيتان قد تظهر الصورة فيهما بحسب الأحوال من الحسن والقبح والنقص والكمال، فلينظر إن كان من تلك الصورة خطاب فبحسب ما يكون الخطاب يكون حاله وبقدر ما يفهم منه في رؤياه، ولا يعول على التعبير في ذلك بعد الرجوع إلى عالم الحسّ إلاَّ إن كان عالماً بالتعبير أو يسأل عالماً بذلك، ولينظر أيضاً حركته أعني حركة الرائي مع تلك الصورة من الأدب والاحترام أو غير ذلك، فإن حاله بحسب ما يصدر منه في معاملته لتلك الصورة فإنها صورة حق بكل وجه، وقد يشاهد الروح الذي بيده هذه الحضرة وقد لا يشاهده، وما عدا هذه الصورة فليست إلاَّ من الشيطان إن كان فيه تحزين أو ممّا يحدث المرء به نفسه في حال يقظته، فلا يعول على ما يرى من ذلك، ومع هذا وكونها لا يعول عليها إذا عبرت كان لها حكم ولا بدّ يحدث لها ذلك من قوّة التعبير لا من نفسها، وهو أن الذي يعبرها لا يعبرها حتى يصورها في خياله من المتكلم، فقد انتقلت تلك الصورة عن المحل الذي كانت فيه حديث نفس أو تحزين شيطان إلى خيال العابر لها وما هي له حديث نفس، فيحكم على صورة محققة ارتسمت في ذاته فيظهر لها حكم أحدثه حصول تلك الصورة في نفس العابر كما جاء في قصة يوسف مع الرجلين وكانا قد كذبا فيما صوراه، فكان ممّا حدثا به أنفسهما فتخيلاه من غير رؤيا وهو أبعد في الأمر إذ لو كان رؤيا لكان أدخل في باب التعبير، فلما قصاه على يوسف حصل في خيال يوسف عليه السلام صورة من ذلك لم يكن يوسف حدث بذلك نفسه فصارت حقاً في حق يوسف، وكأنه هو الرائي الذي رأى تلك الرؤيا لذلك الرجل وقاما له مقام الملك الذي بيده صور الرؤيا، فلما عبر لهما رؤياهما قالا له: أردنا اختبارك وما رأينا شيئاً، فقال يوسف: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسَنَفْتِيَانِ﴾ [سورة يوسف: الآية ٤١] فخرج الأمر في الحسّ كما عبر. ثم إن الله تعالى إذا رأى أحد رؤيا فإن صاحبها له فيما رآه حظ من الخير والشر بحسب ما تقتضي رؤياه أو يكون الحظ في ناموس الوقت في ذلك الموضع، وأما في الصورة المرئية فلا، فيصور الله ذلك الحظ طائراً وهو ملك في صورة طائر كما يخلق من الأعمال صوراً ملكية روحانية جسدية برزخية، وإنما جعلها في صورة طائر لأنه يقال: طار له سهمه بكذا والطائر الحظ قال الله عزّ وجلّ: ﴿قَالُواْ طَبِرَّكُمْ مَعَكُمْ﴾ [سورة يس: الآية ١٩] أي حظكم ونصيبكم معكم من الخير والشرّ، وبجعل الرؤيا معلقة من رجل هذا الطائر وهي عين الطائر، ولما كان الطائر إذا اقتنص شيئاً من الصيد من الأرض إنما يأخذه برجله لأنه لا يد له وجناحه لا يتمكن له الأخذ به فلذلك علّق الرؤيا برجله فهي المعلقة وهي عين الطائر، فإذا عبرت سقطت لما قبلت له وعندما تسقط ينعدم الطائر لأنه عين الرؤيا فينعدم بسقوطها ويتصوّر في عالم الحسّ بحسب الحال التي تخرج عليه تلك الرؤيا فترجع صورة الرؤيا عين الحال لا غير فتلك الحال إما عرض أو جوهر أو نسبة من ولاية أو غيرها هي عين صورة تلك الرؤيا وذلك الطائر، ومنه خلقت هذه الحالة ولا بدّ سواء كانت جسماً أو عرضاً أو نسبة أعني تلك الصورة كما خلق آدم من تراب ونحن من ماء مهين، حتى إذا دلّت الرؤيا على وجود ولد فذلك الولد مخلوق من ١١ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا عين تلك الرؤيا ماء في صلب أبيه، وإن كان الماء قد نزل في الرحم تصورت فيه تلك الرؤيا ولداً فهو ولد رؤيا، وإن لم تتقدم له رؤيا فهو على أصل نشأته كما هو سائر الأولاد. فأعلم ذلك فإنه سرّ عجيب وكشف صحيح، وكل ولد يكون عن رؤيا ترى له تمييزاً على غيره، ويكون أقرب إلى الأرواح من غيره إن جعلت بالك هكذا تبصره، وكل مخلوق من حالة أو عرض أو نسبة من ولاية أو غيرها يكون عن رؤيا يكون له ميّز على من ليس عن رؤيا، وانظر ذلك في رؤيا آمنة أم رسول الله * يبد لك صحة ما ذكرناه، فكان ◌َ* عين رؤيا أمّه ظهرت في ماء أبيه بتلك الصورة التي رأته أمه، ولذلك كثرت المرائي فيه ◌َّ فتميز عن غيره، ولا يعرف ما قلناه إلاَّ أهل العلم بصورة الكشف وهو من أسرار الله في خلقه . وإن أردت تأنيساً لما ذكرناه فانظر في علم الطبيعة إذا توحمت المرأة وهي حامل على شيء خرج الولد يشبه ذلك الشيء، وإذا نظرت عند الجماع أو تخيّل الرجل صورة عند الوقاع وإنزال الماء يكون الولد على خلق صورة ما تخيّل، ولذلك كانت الحكماء تأمر بتصوير صور الفضلاء من أكابر الحكماء في الأماكن بحيث تنظر إلى تلك الصورة المرأة عند الجماع والرجل فتنطبع في الخيال فتؤثر في الطبيعة فتخرج تلك القوّة التي كانت عليها تلك الصورة في الولد الذي يكون من ذلك الماء وهو سرّ عجيب في علم الطبيعة. وانظر في تكوين عيسى عليه السلام عن مشاهدة مريم جبريل في صورة بشر كيف جمع بين كونه روحاً يحيي الموتى وبين كونه بشراً إذا كان الروح به تحيا الأجسام الطبيعية، وأقوى من ذلك ما فعله السامريّ من قبضه أثر جبريل لما علم أن الروح تصحبه الحياة حيث حلّ فرمى ما قبضه في العجل فخار العجل بذلك الأثر المقبوض من وطء الروح، ولو رماه في شكل فرس لصهل أو في شكل إنسان نطق، فإن الاستعداد لما ظهر بالحياة إنما كان للقابل، ومن هنا تعرف صورة الظاهر في المظاهر، وأن المظاهر تعطى باستعدادها في الظاهر فيها ما يظهر به من الصور الحاملة والمحمولة، ولهذا أظهر الله هذه الحكمة لتقف من ذلك على ما هو الأمر عليه، ثم إن تسمية النبي ◌َّ لها بشرى ومبشرة لتأثيرها في بشرة الإنسان، فإن الصورة البشرية تتغير بما يرد عليها في باطنها ممّا تتخيله من صورة تبصرها أو كلمة تسمعها إما بحزن أو فرح، فيظهر لذلك أثر في البشرة لا بدّ من ذلك فإنه حكم طبيعي أودعه الله في الطبيعة فلا يكون إلاّ هكذا. تكملة: للرؤيا مكان ومحل وحال، فحالها النوم وهو الغيبة عن المحسوسات الظاهرة الموجبة للراحة لأجل التعب الذي كانت عليه هذه النشأة في حال اليقظة من الحركة وإن كان في هواها قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا﴾ [سورة النبأ: الآية ٩] يقول: وجعلنا النوم لكم راحة تستريح به النفوس وهو على قسمين: قسم انتقال وفيه بعض راحة أو نيل غرض أو زيادة تعب، والقسم الآخر قسم راحة خاصة وهو النوم الخالص الصحيح الذي ذكر الله أنه جعله راحة لما تعبت فيه هذه الآلات والجوارح والأعضاء البدنية في حال اليقظة، وجعل زمانه الليل وإن وقع بالنهار، كما جعل النهار للمعاش وإن وقع بالليل ولكن الحكم للغالب. فأما قسم الانتقال فهو النوم الذي يكون معه الرؤيا فتنقل هذه الآلات من ظاهر الحسّ إلى باطنه ١٢ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا ليرى ما تقرر في خزانة الخيال الذي رفعت إليه الحواس ما أخذته من المحسوسات وما صورته القوّة المصورة التي هي من بعض خدم هذه الخزانة لترى هذه النفس الناطقة التي ملكها الله هذه المدينة ما استقرّ في خزانتها كما جرت العادة في الملوك إذا دخلوا خزائنهم في أوقات خلواتهم ليطلعوا على ما فيها وعلى قدر ما كمل لهذه النشأة من الآلات التي هي الجوارح والخدام الذين هم القوى الحسيّة يكون الاختزان، فثم خزانة كاملة لكمال الحياة، وثم خزانة ناقصة كالأكمة فإنه لا ينتقل إلى خزانة خياله صور الألوان، والخرس لا ينتقل إلى خزانة الخيال صور الأصوات ولا الحروف اللفظية، هذا كله إذا عدمها في أصل نشأته. وأما إذا طرأت عليه هذه الآفات فلا فإنه إذا انتقل بالنوم إلى باطن النشأة ودخل الخزانة وجد صور الألوان التي اختزنها فيها قبل طرق الآفة، وكذلك كل ما أعطته قوّة من قوى الحسّ الذين هم جباة هذه المملكة، ولله تجلّ في هذه الخزانة في صورة طبيعية بصفات طبيعية مثل قوله مقلقة : ((رَأَيْتُ رَبِّي فِي صُورَةٍ شَابٌ)) وهو ما يراه النائم في نومه من المعاني في صور المحسوسات لأن الخيال هذه حقيقته أن يجسد ما ليس من شأنه أن يكون جسداً وذلك لأن حضرته تعطي ذلك، وما ثم في طبقات العالم من يعطي الأمر على ما هو علبه سوى هذه الحصرة الخيالية فإنها تجمع بين النقيضين، وفيها تظهر الحقائق على ما هي عليه، لأن الحق في الأمور أن تقول في كل أمر تراه أو تدركه بأي قوّة كان الإدراك أن ذلك الذي أدركته هو لا هو كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فلا تشك في حال الرؤيا في الصورة التي تراها أنها عين ما قيل لك أنه هو، وما تشك في التعبير إذا استيقظت أنه ليس هو، ولا تشك في النظر الصحيح أن الأمر هو لا هو، قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الضدّين، فكل عين متصفة بالوجود فهي لا هي، فالعالم كله هو لا هو، والحق الظاهر بالصورة هو لا هو، فهو المحدود الذي لا يحدّ، والمرئيّ الذي لا يرى، وما ظهر هذا الأمر إلاَّ في هذه الحضرة الخيالية في حال النوم أو الغيبوبة عن ظاهر المحسوسات بأيّ نوع كان وهي في النوم أتمّ وجوداً وأعمه لأنه للعارفين والعامة، وحال الغيبة والفناء والمحو وشبه ذلك ما عدا النوم لا يكون للعامة في الإلهيات، فما أوجد الله شيئاً من الكون على صورة الأمر على ما هو عليه في نفسه إلاَّ هذه الحضرة فلها الحكم العامّ في الطرفين كما للممكن قبول النقيضين فيكون له ذلك ذوقاً، فإن الذي يستحيل عليه العدم وإن كان له العلم بالعدم لا يكون علمه ذاتياً وهو الذي يسمّى ذوقاً بخلاف الممكن فإنّ العدم له ذوق، والذي يستحيل عليه الوجود والعلم به لا ذوق له في الوجود رأساً والممكن له في الوجود ذوق، فأوجد الله هذه الحضرة الخيالية ليظهر فيها الأمر الذي هو الأصل على ما هو عليه. فاعلم أن الظاهر في المظاهر مظاهر الأعيان هو الوجود الحق وأنه ما هو لما ظهر به من الأشكال والنعوت التي أعيان الممكنات عليها، وجعل هذه الحضرة كالجسر بين الشطين للعبور عليه من هذا الشط إلى هذا الشط، فجعل النوم معبراً وجعل المشي عليه عبوراً قال تعالى: ﴿إِن كُمْ لِلُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٤٣] وجعل إدراك ذلك في حالة تسمّى ١٣ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا راحة وهي النوم من حقيقة قوله: ﴿وَلَقَّدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة ق: الآية ٣٨] فأضاف العمل إليه وذكر في الخلق أنه بيديه وبأيد وبيده وبقوله، ثم أعلمنا أنه وإن اتصف بالعمل أنه لم يؤثر فيه تعب فقال: ﴿وَمَا مَسَنَا مِن لَّغُوبٍ﴾ [سورة ق: الآية ٣٨] وقال: ﴿وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٣٣] فمن هذه الحقيقة ظهرت الأعمال العظيمة المحرجة المتعبة في النوم الذي هو راحة البدن أي الطبيعة مستريحة في هذه الحال من الحركات الحسية الظاهرة، فهذا هو العمل العظيم في راحة من حيث لا يشعر أنه في راحة، ولا سيما إذا رأى في النوم أموراً هائلة مفزعة، فإذا استيقظ وجد الراحة فعلم أنه كان في راحة من حيث لا يشعر، ومنهم من يعلم في النوم أنه في النوم، والناس فيه على طبقات، وإنما سمينا هذه الحالة بانتقال لأنّ المعاني تنتقل من تجريدها عن المواد إلى لباس المواد، كظهور الحق في صور الأجسام والعلم في صورة اللبن وما أشبه ذلك. والانتقال الثاني انتقال الحواس من الظاهر المحسوس إلى هذه الحضرة بالظاهر المحسوس، ولكن له في هذه الحضرة ثبوته الذي له في حضرة اليقظة فإنه سريع التبدّل في هذه الحضرة، كما يتبدّل في اليقظة في صور مختلفة في باطنه لا في ظاهره، فباطنه في اليقظة هي هذه الحضرة ﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٧] لها فإنّ الليل لا يعطي للناظر في نظرة سوى نفسه فهو يدرك ولا يدرك به فإنه غيب وظلمة، والغيب والظلمة يدركان ولا يدرك بهما، والضوء يدرك ويدرك به وهو حال اليقظة، فلهذا تعبر الرؤيا ولا يعبر ما أدركه الحسّ، فإذا ارتقى الإنسان في درج المعرفة علم أنه نائم في حال اليقظة المعهودة وأن الأمر الذي هو فيه رؤيا إيماناً وكشفاً، ولهذا ذكر الله أموراً واقعة في ظاهر الحسّ وقال: ﴿فَأَعْتَبِرُوا ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [سورة آل عمران الآية ١٣] أي جوزوا واعبروا ممّا ظهر لكم من ذلك إلى علم ما بطن به وما جاء له، قال عليه السلام: ((النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ)) ولهذا قلنا إيماناً. وقد ذكرنا هذا المقام مستوفى في باب المعرفة من هذا الكتاب وقد تقدم وهو الباب السابع والسبعون ومائة، فالوجود كله نوم ويقظته نوم، فالوجود كله راحة والراحة رحمة فوسعت كل شيء فإليها المآل تقول الملائكة لله: وسعت كل شيء رحمة وعلماً، وهنا سرّ ان بحثت عليه انتهيت إليه وهو رحمته بالأسماء الحسنى في ظهور آثارها، فمنتھی علمه منتھی رحمته . ثم أرجع وأقول: وإن حصل في الطريق تعب فهو تعب في راحة كالأجير يحمل التعب أو يستلذه لما يكون في نفسه من راحة الأجرة التي لأجل حصولها عمل فيحجبه عن التعب وجود راحة الأجرة فإذا قبضها دخل في راحة النوم بالليل فركدت جوارحه عن الحركة فوجد الراحة فانتقل من راحة الأجرة إلى راحة النوم، فعلى التحقيق أن صور العالم للحق من الاسم الباطن صور الرؤيا للنائم والتعبير فيها كون تلك الصور أحواله فليس غيره، كما أن صور الرؤيا أحوال الرائي لا غيره فما رأى إلاَّ نفسه فهذا هو قوله أنه ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الروم: الآية ٨] وهو عينه وهو قوله في حق العارفين: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ ١٤ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون ومائة في معرفة مقام الرؤيا اُلْحَقُّ الْمُينٌ﴾ [سورة النور: الآية ٢٥] أي الظاهر فهو الواحد الكثير، فمن اعتبر الرؤيا يرى أمراً هائلاً ويتبين له ما لا يدركه من غير هذا الوجه ولهذا كان رسول الله وقّ إذا أصبح في أصحابه سألهم: هل رأى أحد منكم رؤيا، لأنها نبوّة فكان يحب أن يشهدها في أمته، والناس اليوم في غاية الجهل بهذه المرتبة التي كان رسول الله ولا يعتني بها ويسأل كل يوم عنها، والجهلاء في هذا الزمان إذا سمعوا بأمرٍ وقع في النوم لم يرفعوا به رأساً وقالوا: بالمنامات يريد أن يحكم، هذا خيال وما هي إلاَّ رؤيا، فيستهونوا بالرائي إذا اعتمد عليها، وهذا كله لجهله بمقامها وجهله بأنه في يقظته وتصرّفه في رؤيا وفي منامه في رؤيا، فهو كمن يرى أنه استيقظ في نومه وهو في منامه وهو قوله عليه السلام: ((النَّاسُ نِيَامٌ)) فما أعجب الأخبار النبوية لقد أبانت عن الحقائق على ما هي عليه وعظمت ما استهونه العقل القاصر فإنه ما صدر إلاَّ من عظيم وهو الحق، فهذا معنى قولنا في التقسيم: إنه قسم الانتقال . وأما القسم الآخر من النوم فهو قسم الراحة وهو النوم الذي لا يرى فيه رؤيا فهو لمجرّد الراحة البدنية لا غير فهذا هو حال الرؤيا، وبقي معرفة المكان والمحل، فأما المحل فهو هذه النشأة العنصرية لا يكون للرؤيا محل غيرها فليس للملك رؤيا وإنما ذلك للنشأة العنصرية الحيوانية خاصة، ومحلها في العلم الإلهيّ الاستحالات في صور التجلي، فكل ما نحن فيه رؤيا الحق في راحة ارتفاع الإعياء والتعب لا غير. وأما المكان فهو ما تحت مقعر فلك القمر خاصة، وفي الآخرة ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة، وذلك لأنّ النوم قد يكون في جهنم في أوقات ولا سيما في المؤمنين من أهل الكبائر وما فوق فلك الكواكب فلا نوم وأعني به هذا النوم الكائن المعروف في العرف. وأما الذي ذهبنا إليه أوّلاً في معرفة حال النوم فذلك أمر آخر قد بيّناه وصورة مكانه هكذا فانظر إلى ما صوّرناه في الهامش وهو هذا. (١) هذا صورة مكان الرؤيا وهو يشبه بالقرن وهو الصور: أعلاه واسع وأسفله ضيق مقلوب النشء فإن الذي يلي الرأس منه هو الأعلى وهو الأوسع، والذي هو الأضيق منه هو الأسفل وهو الذي بعد عن الأصل فذلك القرن مكان الرؤيا، فإذا خرج عن هذا الصور خرج عن مكان الرؤيا المعلومة في العرف، فلا يرى بعد هذا رؤيا لأنه لا تقوم به صفة نوم فهو في راحة الأبد، وهذا القدر كاف فيما نرومه من التعريف بمقام الرؤيا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والذي سكتنا عنه بعظيم لأنّ الفكر يعجز عن تصوّره من أكثر الناس ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٦] كما أن ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة هود: الآية ١٧] وإلى العلم يرجع الفقه والعقل في قوله: ﴿لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٩] ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٢]. انتهى الجزء الثامن عشر ومائة . (١) لم نجد بالهامش الصورة التي أشار إليها. (الجزء التاسع عشر ومائة) بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحَمَةِ أبواب الأحوال الباب التاسع والثمانون ومائة في السالك والسلوك [نظم: الكامل] فإذا اسْتَقَمْتَ فأنتَ فيه السَّالِكُ إن السُّلوكَ هو الطريقُ الأقْوَمُ فحُسَامُه عَضْبُ المَضَارب بَاتِكُ اشتُقَّ من سلْكِ اللآلي لَفْظُهُ من خَلْفِهِنَّ أرائكٌ ودَرَانكُ لا تَمنَعَنْكَ عن السلوك مَضَايقٌ طُرُقَ المُحَالِ بِمُثْبِتِيها فَاتِكُ لا تسْلُكَنَّ لغايةٍ ونهايةٍ اعلم وفّقك الله أن السلوك انتقال من منزل عبادة إلى منزل عبادة بالمعنى، وانتقال بالصورة من عمل مشروع على طريق القربة إلى الله إلى عمل مشروع بطريق القربة إلى الله بفعل وترك، فمن فعل إلى فعل، أو من ترك إلى ترك، أو من فعل إلى ترك، أو من ترك إلى فعل، وما ثم خامس للصورة وانتقال بالعلم من مقام إلى مقام، ومن اسم إلى اسم، ومن تجلّ إلى تجلّ، ومن نفس إلى نفس، والمنتقل هو السالك وهو صاحب مجاهدات بدنية ورياضات نفسية قد أخذ نفسه بتهذيب الأخلاق، وحكم على طبيعته بالقدر الذي يحتاج إليه من الغذاء الذي يكون به قوام مزاجها واعتدالها ولا يلتفت إلى جوع العادة والراحة المعتادة فإن الله ما كلف نفساً إلاَّ وسعها، فإذا بذلت الوسع في طاعة الله لم يقم عليها حجة، غير أن السالكين في سلوكهم على أربعة أقسام: منهم سالك يسلك بربه، وسالك يسلك بنفسه، وسالك يسلك بالمجموع، وسالك لا سألك، فيتنوّع السلوك بحسب قصد السالك ورتبته في العلم بالله . فأما السالك الذي يسلك بربه فهو الذي يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه فإن عينه ثابتة، ولهذا أعاد الضمير عليه لوجوده في قوله: ((كنت سمعه)) فهذه الهاء هي عينك الذي الحق سمعها وبصرها وما سلكت إلاَّ بهذه القوى، وهذه القوى قد أخبر الحق أنه لما أحبك كان سمعك وبصرك فهو قواك فبه سلكت في طاعته التي أمرك بأن تعمل نفسك فيها وتحلّي ذاتك بها. وهي زينة الله وهو سبحانه الجميل والزينة جمال فهو جمال هذا السالك فزينته ربه فبه يسمع وبه يبصر وبه يسلك ولا مانع من ذلك، ولهذا قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّبِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣٢] لما أحبهم حين تقربوا إليه بنوافل الخيرات زيّنهم به فكان ١٥ ١٦ في الأحوال / الباب التاسع والثمانون ومائة في السالك والسلوك قواهم التي سلكوا بها ما كلفهم من الأعمال وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] وهي كلمة تطلبها المجازاة فاستعانوا بالله على عبادته بأن كان قواهم كما أنه بوجود أعيانهم، وإن كان وجودهم قد استفادوه منه لم يتمكن خلق الأعمال التي هي محاب الله إلاَّ في وجود أعيانهم، فحصل لديهم ضرب من الإعانة على إيجاد الأعمال التي لا تقوم بنفسها، فلما عملوا بها وما زالوا يطلبون الاستعانة منه على ذلك جزاء وفاقاً أعانهم بنفسه بأن قال لهم: بي تسمعون وتبصرون وتبطشون، وغير ذلك من القوى التي هم عليها ليست غير الحق بإخبار الحق، والناس في عماية لا يعرفون من هذه صورته، فكثيراً ما يسيئون الأدب على من هذه صفته، فتكون إساءة ذلك الأدب مع الله، فالاحتياط تعظيم عباد الله، فإنه ما من شخص إلاَّ ويمكن أن يكون هو ذلك العبد، فإن الأمر غيب ما هو بمحسوس حتى يتميز إلاَّ عند أهله، فوجب مراعاة كل مؤمن على كل مكلف، فإنه إذا فعل ذلك أحرز الأمر واستبرأ لنفسه ولا يقال له: لم فعلت كذا؟ فإنه قصد جميل، فإن وافق محله وإلاَّ فقد وفى الأمر حقّه لقصده احترام الجناب الإلهيّ لما دخل في المسألة من الإمكان لكل شخص شخص، وهذا لا يكون إلاّ للأدباء من أهل الله. والقسم الآخر: السالك بنفسه وهو المتقرب إلى ربّه ابتداء بالفرائض ونوافل الخيرات الموجبين لمحبة الحق من أتى بهما لتحصيل المحبتين فهو يجهد فيما كلفه الحق ويبذل استطاعته وقوّته فيما أمره به ربه ونهاه من عبادة ربه في قوله: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَوُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢] وإن كانوا قد سمعوا هذا الخبر الإلهي واعتقدوه إيماناً به ولكن ما حصل لهم هذا ذوقاً فيكون الحق قواهم، فهم سالكون بنفوسهم في جميع مراتب السلوك من حال وعمل ومقام واسم وتجلّ، وما يصحّ فيه الانتقال من أمر إلى أمر، وهذا هو سلوك الأدباء من أهل الله، وذلك أن الله كلّف عباده فعلموا أن ثم حقيقة تقتضي أن تكون المخاطبة بالتكليف وما ثم إلاَّ هم فيعلمون أنهم المرادون، وإن لم يتعين عندهم بأيّ حقيقة توجه عليهم الخطاب فيسلكون بنفوسهم في العموم مع علمهم بأن الأمر لا بدّ فيه من نسبة خاصة أو عين موجودة تستحق التكليف، فيبذلون المجهود ويوفون بالعقود وإن جهلوا المقصود إلى أن يفتح الله لهم كما فتح لمن سلك بربه . وأما السالك بالمجموع فهو السالك بعد أن ذاق كون الحق سمعه وبصره وعلم سلوكه أوّلاً بنفسه على الجملة من غير شهود نفسه على التعيين، فلما علم أن الحق سمعه وعلم أن السامع بالسمع ما هو عين السمع ورأى ثبوت هذا الضمير وعاين على من عاد فعلم أن نفسه وعينه هي السميعة بالله والناظرة بالله والمتحركة بالله والساكنة بالله، وأنها المخاطبة بالسلوك والانتقال فسلك بالمجموع. وأما القسم الرابع وهو سالك لا سالك فهو أنه رأى نفسه لم تستقل بالسلوك ما لم يكن الحق صفة لها، ولا تستقل الصفة بالسلوك ما لم تكن نفس المكلف موجودة ويكون كالمحل ١٧ في الأحوال/ الباب التسعون ومائة في معرفة المسافر لها فيبدو له أنه سالك بالمجموع، فإذا تبين له أن بالمجموع ظهر السلوك بأن له أن المظهر لا وجود له عيناً وأن الظاهر تقيد بحكم استعداد المظهر ورأى الحق يقول: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] وكذلك لو قال: وما رمى لصحّ كما صحّ في الطرف الأوّل. فمن وقف على هذا العلم من نفسه علم أنه سألك لا سالك. ثم اعلم أن السالكين الذين ذكرناهم على مراتب، فمنهم السالك منه إليه، ومنهم السالك منه إليه فيه، ومنهم السالك منه إليه فيه به، ومنهم السالك منه لا فيه ولا إليه، ومنهم السالك إليه لا منه ولا فيه، ومنهم السالك لا منه ولا إليه ولا فيه وهو موصوف بالسلوك وبأنه سالك، ومنهم السالك من غير سفر، ومنهم السالك المسافر وهو في الباب الذي يلي هذا الباب، فكل مسافر سالك وما كل سالك مسافر كما سنذكره إن شاء الله بعد هذا الباب في باب المسافر. وأنواع السلوك كثيرة وما ذكرنا منها إلاَّ القليل، فأمّا السالك منه إليه فهو المنتقل من تجلّ إلى تجلّ. وأما السالك إليه منه فيه فهو السالك من اسم إلهيّ إلى اسم إلهيّ في اسم إلهيّ. وأما السالك منه إليه فيه به فهو السالك من اسم إلهيّ من اسم إلى اسم في اسم. وأما السالك منه لا فيه ولا إليه فهو الذي خرج من عند الله في الكون إلى الكون. وأما السالك إليه لا منه ولا فيه فهو الفار إليه في الكون من الكون كفرار موسى عليه السلام. وأما السالك لا منه ولا فيه ولا إليه فهو المنتقل في الأعمال الصالحة من الدنيا إلى الآخرة وهم الزهاد غير العارفين، وكلما ذكرناه قد يكون على التقسيم الذي تقدّم في حرف الباء من أنه سلك بربه أو بنفسه إلى نهاية التقسيم فيه. وللسلوك مراتب وأسرار يطول النظر فيها ويخرجنا عن المقصود في هذا الكتاب من الاقتصاد والاقتصار على الضروري من العلم الذي يحتاج إليه أهل طريق الله أن يبينه لهم من فتح عليه به من أمثالنا، وهذا الكتاب مع طوله واتساعه وكثرة فصوله وأبوابه ما استوفينا فيه خاطراً واحداً من خواطرنا في الطريق فكيف الطريق؟ ولا أخللنا بشيء من الأصول التي يعوّل عليها في الطريق فحصرناها مختصرة العبارة بين إيماء وإيضاح. الباب التسعون ومائة في معرفة المسافر وهو الذي أسفر له سلوكه عن أمور مقصودة له وغير مقصودة وهو مسافر بالفكر والعمل والاعتقاد [نظم: الطويل] وذاك لَعَمْر الله أمرٌ يُنَافِرُ إلى أينَ أو مِنْ أينَ أنتَ مُسَافِرُ فلاتَكُ ممَّنْ للإِله يُسَافِرُ قضيَّةَ معقولِ الذَّليل وشَرْعِهِ هو العينُ إلَّ أنه العَبْدُ حَائِرُ ولا تُخْلهِ من كلِّ كَوْنٍ فإنه جهولاً فكَمْ عَقْلٍ عليه يُثَابِرُ ففيه فَسَافِرْ لا إليه ولا تكُنْ اعلم أيّدك الله أن المسافر في طريق الله رجلان: مسافر بفكره في المعقولات والاعتبارات، ومسافر بالأعمال وهم أصحاب اليعملات. فمن أسفر له طريقه عن شيء فهو الفتوحات المکیة ج٤ - م٢ ١٨ في الأحوال / الباب التسعون ومائة في معرفة المسافر مسافر ويجب عليه قصر الصلاة على الله وهو مخيّر في الصوم، ومن لم يسفر له طريقه عن شيء فهو سالك متصرّف في طرق مدينته وشوارعها غير مسافر فليصم وليتم صلاته. فلنذكر حالة المسافر في الطريق والله المؤيّد والموفق إن شاء الله . المسافر من سافر بفكره في طلب الآيات والدلالات على وجود صانعه فلم يجد في سفره دليلاً على ذلك سوى إمكانه، ومعنى إمكانه هو أن ينسب إليه وإلى جميع العالم الوجود فيقبله أو العدم فيقبله، فإذا تساوى في حقّه الأمران لم تكن نسبة الوجود إليه من حيث ذاته بأولى من نسبة العدم، فافتقر إلى وجود المرجح الذي رجح له أحد الوصفين على الآخر، فلما وصل إلى هذا المنزل وقطع هذه المنهلة وأسفرت له عن وجود مرجحه أحدث سفراً آخر في علم ما ينبغي لهذا الصانع الذي أوجده فأسفر له الدليل على انفراده بصفات التنزيه تنزيه ما هو عليه هذا الممكن من الافتقار، وأن هذا المرجح واجب الوجود لنفسه لا يجوز عليه ما جاز على هذا الممكن، ثم انتقل مسافراً إلى منزلة أخرى فأسفر له عن أن هذا الواجب الوجود لنفسه يستحيل عليه العدم لثبوت قدمه، وأنه من ثبت قدمه استحال عدمه لأنه لو كان عدمه لنفسه لما كان واجب الوجود لنفسه، ولو انعدم بمعدم فلا بدّ أن يكون ذلك المعدم له وجوداً أو عدماً محال أن يكون عدماً فبقي أن يكون وجوداً، وإذا كان وجوداً فلا بدّ أن يكون المعدم شرطاً أو ضداً، وأنّ كل واحد من هذين إمّا أن يكون واجب الوجود أيضاً لنفسه فمن المحال وجود هذا الذي دلّ الدليل على وجوب وجوده لنفسه، ثم يساق الدليل على مساق الأدلة في المعقولات، ثم يسافر في منزلة أخرى إلى أن ينفي عنه كل ما يدل على حدوثه، فيحيل أن يكون هذا المرجح جوهراً متحيزاً أو جسماً أو عرضاً أو في جهة، ثم يسافر في علم توحيده بوجود العالم وبقائه وصلاحه، إذ لو كان معه إله آخر لم يوجد العالم على تقدير الاتفاق والاختلاف كما يعطيه النظر، ثم ينتقل مسافراً أيضاً إلى منزلة تعطيه العلم بما يجب لهذا المرجح من العلم بما أوجده وخلقه، والإرادة لذلك ونفوذها وعدم قصورها وعموم تعلّق قدرته بإيجاد هذا الممكن وحياة هذا المرجح لأنها الشرط في ثبوت هذه النعوت له وإثبات صفات الكمال من الكلام والسمع والبصر بأنه لو لم يكن على ذلك لكان مؤوفاً لأنّ القابل الأحد الضدين إذا عرى عن أحدهما لم يعر عن الآخر، فإذا عرف هذا سافر إلى منزلة أخرى يعلم منها وتسفر له عن إمكان بعثة الرسل ثم يسافر فيعلم أنه قد بعث رسلاً وأقام لهم الدلالة على صدقهم فيما ادعوه من أنه بعثهم، ولما تقرّر هذا وكان هو ممن بعث إليه هذا الرسول فآمن به وصدقه واتبعه فيما رسم له حتى أحبه الله فكشف له عن قلبه وطالع عجائب الملكوت وانتقش في جوهر نفسه جميع ما في العالم وفرّ إلى الله مسافراً من كل ما يبعده منه ويحجبه عنه إلى أن رآه في كل شيء، فلما رآه في كل شيء أراد أن يلقي عصا التسيار ويزيل عنه اسم المسافر فعرّفه ربه أن الأمر لا نهاية له لا دنيا لا آخرة، وأنك لا تزال مسافراً كما أنت على ذلك لا يستقرّ بك قرار كما لم تزل تسافر من وجود إلى وجود في أطوار العالم إلى حضرة ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] ثم لم تزل تنتقل من منزلة إلى منزلة إلى أن نزلت في ١٩ في الأحوال / الباب الحادي والتسعون ومائة في معرفة السفر والطريق هذا الجسم الغريب العنصريّ فسافرت به كل يوم وليلة تقطع منازل من عمرك إلى منزلة تسمّى الموت، ثم لا تزال مسافراً تقطع منازل البرازخ إلى أن تنتهي إلى منزلة تسمّى البعث فتركب مركباً شريفاً يحملك إلى دار سعادتك، فلا تزال فيها تتردد مسافراً بينها وبين كثيب المسك الأبيض إلى ما لا نهاية له. هذا سفرك بهيكلك وأمّا في المعارف فمثل ذلك وكذلك لا تزال مسافراً بالأعمال البدنية والأنفاس من عمل إلى عمل ما دام التكليف، فإذا انتهت مدة التكليف فلا تزال مسافراً سفراً ذاتياً تعبده لذاته لا بأمره ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [ سورة الإسراء: الآية ١] فسافر به ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ وقد ذكرنا هذا السفر في جزء لنا سميناه الإسفار عن نتائج الأسفار، وقال تعالى في المسافرين: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٥] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِبِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ﴾ [سورة الروم: الآية ٩] ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [سورة النور: الآية ٦٤] فهذا معنى المسافر. الباب الحادي والتسعون ومائة في معرفة السفر والطريق وهو توجه القلب إلى الله بالذكر عن مراسم الشرع بالعزائم لا بالرخص ما دام مسافراً [نظم: البسيط] على مراسم دينِ الله عُنْوَانُ تَوَجُّهُ القلب بالأذكار مرتحلاً عزماً وفيهَ دلالاتٌ وبُزْهانٌ على الثَّحَقُّقِ إن القلب في سَفَرٍ مَعْدومةُ العينِ والأَخوالُ سُلْطَانُ وكلُّ مُتَّصفٍ بِالسَّيْرِ راحَتُه أدنى أتاكَ به وَخيّ وفُزْقَانُ الربُّ ينزلُ من عَرْشٍ إلى فَلَكِ وفي تَنَزُّلِهِ للكون تِبْيَانُ إليكَ وحدكَ دونَ الخَلْقِ كُلْهِم تدعوه منّي فلا يَحْجُبْكَ إنسانٌ في مظْهَر قَيَّدَتْهُ فيه أَزْكَانُ على محبَّته فينا وصورتُهُ وأنتَ حقٍّ وذاك الحقُّ أَنَزَلَه اعلم أيّدك الله أن السفر حال المسافر والطريق هو ما يمشي فيه ويقطعه بالمعاملات والمقامات والأحوال والمعارف، لأنّ في المعارف والأحوال الأسفار عن أخلاق المسافرين ومراتب العالم ومنازل الأسماء والحقائق، ولهذا استحقت هذا اللقب، وقد مشى الكلام في السالك والسلوك بما قد وقفت عليه، والإنسان لما كان مجموع العالم ونسخة الحضرة الإلهية التي هي ذات وصفات وأفعال احتاج إلى مطرق يطرق له السلوك عليها والسفر فيها ليرى العجائب ويقتني العلوم والأسرار فإنه سفر تجارة فكان المطرق الشارع والطريق المطرقة الشريعة، فمن سافر في هذه الطريق وصل إلى الحقيقة، فثم سفر بحق وسفر بخلق، فالسفر بالحق على نوعين: سفر ذات وسفر صفة، والإنسان الكامل يسافر هذه الأسفار كلها، فيسافر بربه عن كشف إلهيّ ومعية محققة يكون فيها مع الحق كما هو الحق معنا أينما كنا، وقد عين سبحانه لنفسه أماكن كما يليق بجلال ووصف نفسه بتردّده فيها، فإذا كان العبد معه سافر بسفره فيسفر له أنه هو كما أسفر له أنه ليس هو، فالسفر الرباني من العماء إلى العرش فيظهر ٢٠ في الأحوال/ الباب الثاني والتسعون ومائة في معرفة الحال في العرش بالاسم الرحمن، ثم ينزل معه بالاسم الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا، ثم ينزل بالاسم الإله إلى الأرض، ثم يصحبه بالهوية مع كل واحد من الكون، ثم يسافر معه بالصحبة في سفر الكون، ثم يتخلف معه بالخلافة في الأهل، ثم يسافر صحبة القرآن في سفره من كونه صفة الله إلى السماء الدنيا، ثم يصحبه في سفره ثلاثاً وعشرين سنة، ثم يصحب الأسماء الإلهية في سفرها في الكون، ثم يصحبه الكون في سفره من العدم إلى الوجود، ثم يصحب الأنبياء في سفرهم، فيصحب آدم في سفره من الجنة إلى الأرض، ثم يصحبه في سفره في سبعمائة عمرة وثلاثمائة حجة، ثم يصحب إدريس في سفره إلى المكان العلي، ثم يصحب نوحاً في سفره في سفينة نجاته إلى الجودي، ثم يصحب إبراهيم عليه السلام في جميع أسفاره، وكذلك كل نبي وملك كأسفار جبريل إلى كل نبي ورسول، وكسفر ميكائيل والملائكة بالعروج والنزول وسفر السياحين منهم، وسفر الكواكب في سيرها، وسفر الأفلاك في حركاتها، وسفر العناصر في استحالاتها، وسفر التجلي في صوره إلى أن يقف على حقائق هذا كله ذوقاً من نفسه لا يرتاب ولا يشك ويجرد من ذاته في كل سفر ما يناسب صاحب ذلك السفر من حق وخلق، فهذا هو سفر العارفين وطرق العلماء بالله الراسخين . الباب الثاني والتسعون ومائة في معرفة الحال [نظم: البسيط] عنايةٌ منه لا كَسْبٌ ولا طَلَبُ الحال ما يَهَبُ الرحمنُ من مِنَحِ تَغَيُّرُ الوصف برهانٌ عليه فكنّ على ثَبَاتٍ فإنّ الحالَ تَنْقَلِبُ فإن قوماً إلى ما قُلْتَه ذَهَبُوا ولا تقولنَّ إن الحالَ دائمةٌ في الحالِ کان له في حاله عَجَبُ مئينَ أيامُها ما أُسْدِلَتْ حُجُبُ على المئين كذا جاءت به الكتبُ أبو عُقَالٍ إمامٌ سيدٌ سَنَدْ دامَتْ عليه إلى وقتِ البُدور منَ الـ وزاد مِيْقَات موسى في إقامته الحال عند الطائفة ما يرد على القلب من غير تعمّل ولا اجتلاب فتتغير صفات صاحبه له واختلف في دوامه، فمنهم من قال بدوامه، ومنهم من منع دوامه وأنه لا بقاء له سوى زمان وجوده كالعرض عند المتكلمين ثم يعقبه الأمثال فيتخيل أنه دائم وليس كذلك وهو الصحيح لكنه يتوالى من غير أن يتخلل الأمثال ما يخرجه عنه، فمنهم من أخذه من الحلول فقال بدوامه وجعله نعتاً دائماً غير زائل فإذا زال لم يكن حالاً وهذا قول من يقول بدوامه، قال بعضهم: ما أقامني الله منذ أربعين سنة في أمر فكرهته، قال الإمام: أشار إلى دوام الرضى وهو من جملة الأحوال. هذا الذي قاله الإمام يحتمل ولكنه في طريق الله بعيد، وإنما الذي ينبغي أن يقال في قول هذا السيد إنه أقام أربعين سنة ما أقامه الله في ظاهره ولا في باطنه في حال مذموم شرعاً بل لم تزل أوقاته عليه محفوظة بالطاعات وما يرضي الله، ولقد لقيت شخصاً صدوقاً صاحب