Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ بها فكيف حال المحب؟ المحب الله تعالى عن الموازنة محبوب الحق عند الحق لأن المحب لا يفارق محبوبه وما عند الله باق فالمحبوب باق وما یبقی ما یوازنه ما يفنى. منصة ومجلى: نعت المحب بكونه يقول عن نفسه إنه عين محبوبه لاستهلاكه فيه فلا يراه غير إله. قال قائلهم في ذلك: أنا من أهوى ومن أهوى أنا. وهذه حالة أبي يزيد. المحب الله أحب بعض عباده فكان سمعه وبصره ولسانه وجميع قواه. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه مصطلم مجهود لا يقول لمحبوبه لم فعلت كذا؟ لم قلت كذا؟ قال أنس بن مالك رضي الله عنه: خدمت رسول الله وَّر عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لِمَ لَمْ تفعله؟ لأنه كان يرى تصريف محبوبه فيه وتصريف المحبوب في المحب لا يعلل بل يسلم لا بل يستلذ لأن المحب مصطلم بنار تحرق كلّ شيء تجده في قلبه ما سوى محبوبه غيره، فهو يبذل المجهود ولا يرى أنه وفى، ولا يخطر له أنه تحرّك فيما يرضى محبوبه، المحب الله في هذا الموطن لا تتحرك ذرة إلاَّ بإذنه فكيف يقول لِمَ وما فعل إلاَّ هو، يقول المحب لمحبوبه: أنا يدك اللازم له لكل محبوب تجلّ لا يكون لغيره فما يجتمع عنده اثنان ولا يصحّ، فهذا الاصطلام ونعته بالمجهود ما نسب إليه من التردّد. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه مهتوك الستر سرّه علانية فضيحة الدهر لا يعلم الكتمان، قال المحب الصادق: [الكامل] حتى يُشَكِّكَ فيه فهو كَذُوبُ من كان يَزْعُمُ أَنْ سَيَكْتُمُ حُبَّه من أن يرى للسَّتْر فيه نصيبُ الحبُّ أغْلَبُ للفؤاد بقَهْره لم يَبْدُ إلاَّ والفَتَى مَغْلُوبُ وإذا بدا سرُّ اللَّبيب فإنه لم تَتَّهِمْه أعينٌ وقُلوبُ إني لأخسُدُ ذا هوَى مُتَحَفّظاً الحب غلاب لا يبقي ستراً إلاَّ هتكه ولا سراً إلاَّ أعلنه، زفراته متصاعدة، وعبراته متتابعة، تشهد عليه جوارحه بما تحمله من الأسقام والسهر وتنم به أحواله، إن تكلم تكلم بما لا يعقل، ما له صبر ولا جلد، همومه مترادفة، وغمومه متضاعفة. المحب الله إذا أحب الله العبد أوحى إلى الملك أن ينادي به في السموات إن الله أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض فتقبله البواطن، وإن أنكرته الظواهر من بعض الناس فلأغراض قامت بهم فإنهم في هذا الشأن مثل سجودهم الله كل من في العالم ساجد لله وكثير من الناس ما قال كلهم، وهكذا حب هذا العبد في قلوبهم وإن وضع له القبول في الأرض فتحبه بقاع الأرض كلها وجميع ما فيها وكثير من الناس على أصلهم في السجود لله سواء. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه لا يعلم أنه محب كثير الشوق لا يدري لمن، عظيم الوجد لا يدري فيمن، لا يتميز له محبوبه، القرب المفرط حجاب فيجد آثار الحب وقد لبسته صورة محبوبه ممّا يحكم في خياله فيطلبه من خارج فلا يجد ما عانق من صورته في نفسه ٥٤٢ في المعاملات/ الباب التاسع والسبعون ومائة في معرفة مقام الخلة لكثافة الظاهر عن لطف الباطن، المحب مع المعنى الذي يأخذه من المحبوب ويرفعه في نفسه، وذلك المعنى المرفوع عند المحب منه هو الذي يقلقه ويزعجه فهو فيه ولا يدري أنه هو فيه فلا يطلبه إلاَّ به اللطيف يغيب عن الحواس يقول ولا يعقل ما يقول ولا بقوله: قلبي عند محبوبي : [المديد] ضاعَ قلبي أين أَطْلُبُهُ ما أرى جسمي له وَطَنَا ولا بقوله محبوبي في قلبي لا أدري في أي الحالتين هو أصدق يجمع بين الضدين هو عندي ما هو عندي. المحب الله تجلى الله لآدم ويداه مقبوضتان فقال: يا آدم اختر أيتهما شئت، قال: إخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة فبسطها فإذا فيها آدم وذريته الحديث. فآدم في القبضة وآدم خارج القبضة، هكذا صورة المحبوب مع المحب هو فيه ما هو فيه، فنعوته كثيرة لا تحصى وليس لها حد فيبلغ بالبحث والاستقصاء، غير أن مشارب الحب متنوعة باختلاف المحبوب، فإن عقلت عني فقد رميت بك على الطريق فإياك والتشبيه فالحب والوجد والشوق والكمد حقيقة واحدة لها نسب مختلفة لاختلاف المتعلق، فهي نعوت تحكم سلطانها فيمن قامت به لا يرجع منها إلى المحبوب نعت ولا له فيها حكم إلا أن يكون محباً فافهم، وهذا القدر كاف على الإيجاز في نعت المحبين في الجانبين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء السادس عشر ومائة . (الجزء السابع عشر ومائة) بِسْمِ أَلَهِ الرََّنِ الرَّحَمِ الباب التاسع والسبعون ومائة في معرفة مقام الخلة [نظم: السريع] بخَلَّة الحقّ فأكرمْ بِه بِخَلَّة الكون يُسَدُّ الخَلَلْ وما له في الخَلْق من مُشْبِهِ من نَعْت حقّ ورَسُولَيْ هُدّى فأنتَ من عَالَمِه قُمْ بِهْ إن عجزَتْ عنه نفوسُ الوَرَى الخلة نعت إلهي يقول قائلهم: [الخفيف] وبذا سُمِّي الخليلُ خليلاً وتخلَّلْتَ مَسْلَكَ الروح مني يعضده حال الحلاج وزليخا انكتب بدم زليخا يوسف حيث وقع، وبدم الحلاج الله الله حيث وقع فأنشد: [السريع] إلاَّ وفيه لكم ذِكْرُ ما قُدَّ لي عضوّ ولا مفْصَلُ إذا تخللت المعرفة بالله أجزاء العارف من حيث ما هو مركب فلا يبقى فيه جوهر فرد إلاّ وقد حلّت فيه معرفة ربه فهو عارف به بكل جزء فيه، ولولا ذلك ما انتظمت أجزاؤه ولا ظهر ٥٤٣ في المعاملات/ الباب التاسع والسبعون ومائة في معرفة مقام الخلة تركيبه ولا نظرت روحانيته طبيعته، فبه تعالى انتظمت الأمور معنى وحساً وخيالاً، وكذلك أشكال خيال الإنسان لا تتناهى وما ينتظم منها شكل إلاّ بالله، ويكون حكمها في تلك الحضرة في المعرفة بالله حكم ما ذكرناه في الصورة الحسية والروحانية هكذا في كل موجود، فإذا أحسّ الإنسان بما ذكرناه وتحقق به وجوداً وشهوداً كان خليلاً من حصل في هذا المقام كان حاله في العالم نعت الحق فيه يرزق مع كفر النعم ويملي ليزداد ذلك الشخص إثماً فيظهر عظم المغفرة وسلطان العفو والتجاوز. حكاية: نزل ضيف من غير ملة إبراهيم عليه السلام بإبراهيم عليه السلام فقال له إبراهيم عليه السلام: وحد الله حتى أكرمك وأضيفك، فقال: يا إبراهيم من أجل لقمة أترك ديني ودين آبائي فانصرف عنه، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم صدقك. لي سبعون سنة أرزقه وهو يشرك بي فتريد أنت منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة، فلحقه إبراهيم عليه السلام وسأله الرجوع إليه ليقريه واعتذر إليه فقال له المشرك: يا إبراهيم ما بدا لك؟ فقال: إن ربي عتبني فيك وقال لي: أنا أرزقه منذ سبعين سنة على كفره بي وأنت تريد منه أن يترك دينه ودین آبائه لأجل لقمة، فقال المشرك: أو قد وقع هذا؟ مثل هذا ينبغي أن يعبد! فأسلم ورجع مع إبراهيم عليه السلام إلى منزله، ثم عمّت كرامته خلق الله من كل وارد ورد عليه فقيل له في ذلك فقال: تعلمت الكرم من ربي رأيته لا يضيع أعداءه فلا أضيعهم، فأوحى الله إليه: أنت خليلي حقاً، قال رسول الله وَّ: ((المَرْءُ عَلَىْ دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)) قال الشاعر : [الطويل] وكلُّ خليلِ بالمُقَارن مُقْتَدٍ عن المرءِ لا تَسْألْ وَسَلْ عن قرينه ولا تَصْحَبِ الأَزْدَی فتَرْدَی مَعَ الرَّدي إذا كنتَ في قوم فصاحِبْ خِيَارَهُمْ قيل لبعضهم: مَن أحب الناس إليك؟ قال: أخي إذا كان خليلي، علامة الخليل أن يسد خلة صاحبه بما أمكنه فإذا لم يستطع قاسمه في همه كما قيل: [الوافر] ويَرْمي بالعَدَاوة مَنْ رَمَاني خليلي من يُقَاسِمُني هُمُومي وقال الآخر : [مخلع البسيط] ما أنا إلاَّ لمَنْ بَغَاني أرى خليلي كما يَرَاني قال الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَدَّةِ﴾ [سورة الممتحنة: الآية ١] وقد قلنا بأن الخليل على دين خليله وهؤلاء الموصوفون بأنهم أعداء الله مع كون الله يحسن إليهم فذلك لجهلهم به وحجب الأسباب دونه في أعينهم فلا يعلمون إلاَّ ما شاهدوه، فمن أراد تحصيل هذا المقام وأن يكون خليلاً للرحمن يجمع بين الآية في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَدَّةِ﴾ مع جهل الأعداء به أن الإحسان منه تعالى وهو محسن إليهم مع عداوتهم ولم يجعل في قلوبهم الشعور بذلك فينبغي للإنسان الطالب مقام الخلة أن يحسن عامة لجميع خلق الله كافرهم ومؤمنهم طائعهم وعاصيهم، وأن يقوم في العالم مع قوته مقام الحق فيهم من شمول الرحمة وعموم لطائفه من حيث لا يشعرهم أن ذلك ٥٤٤ في المعاملات / الباب التاسع والسبعون ومائة في معرفة مقام الخلة الإحسان منه، ويوصل الإحسان إليهم من حيث لا يعلمون، فمن عامل الخلق بهذه الطريقة وهي طريقة سهلة فإني دخلتها وذقتها فما رأيت أسهل منها ولا ألطف وما فوق لذتها لذة، فإذا كان العبد بهذه المثابة صحّت له الخلة، وإذا لم يستطع بالظاهر لعدم الموجود أمدهم بالباطن فدعا الله لهم في نفسه بينه وبين ربه، هكذا تكون حالة الخليل فهو رحمة كله، ولولا الرحمة الإلهية ما كان الله يقول: ﴿وَإِن جَنَعُواْ لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَمَا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦١] وما كان الله يقول حتى يعطوا الجزية أليس هذا كله إبقاء عليهم، ولولا ما سبقت الكلمة وكان وقوع خلاف المعلوم محالاً ما تألمت ذرة في العالم، فلا بدّ من نفوذ الكلمة ثم يكون المآل للرحمة التي وسعت كل شيء، فهو في الدنيا يرزق مع الكفر ويعافي ويرحم فكيف مع الإيمان والاعتراف في الدار الآخرة على الكشف كما كان في قبض الذرية فعقابهم وعذابهم تطهير وتنظيف كأمراض المؤمنين وما ابتلوا به في الدنيا من مقاساة البلايا وحلول الرزايا مع إيمانهم، ثم دخول بعض أهل الكبائر النار مع إيمانهم وتوحيدهم إلى أن يخرجوا بالشفاعة، ثم إخراج الحق من النار من لم يعمل خيراً قط حتى الساكنين في جهنم لهم فيها حال يستعذبونها وبهذا سمّي العذاب عذاباً، فالخليل على عادة خليله وهو قوله وَّر: ((المَرْءُ عَلَىْ دِينِ خَلِيلِهِ)) أي على عادة خليله، قال امرؤ القيس: [الطويل] وجارتِها أمّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلٍ كدينكَ من أمِّ الحُوَيْرِثِ قبلها يقول: كعادتك فمن كانت عادته في خلق الله ما عوّدهم الله من لطائف مننه وأسبغ عليهم من جزيل نعمه وأعطف بعضهم على بعض، فلم يظهر في العالم غضب لا تشوبه رحمة ولا عداوة لا تتخللها مودة، فذلك يستحق اسم الخلة لقيامه بحقها واستيفائه شروطها لو لم يكن من عظيم الرجاء في شمول الرحمة إلاَّ قوله: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] فإذا استقرّت الرحمة في العرش الحاوي على جميع أجسام العالم فكل ما يناقضها أو يريد رفعها من الأسماء والصفات فعوارض لا أصل لها في البقاء لأن الحكم للمستولي وهو الرحمن فإليه يرجع الأمر كله، فابحث على صفات إبراهيم عليه السلام وقم بها عسى الله أن يرزقك بركته فإنه بالخلة قام بها ما هي أوجبت له الخلة، فلهذا دللناك على التخلق بأخلاق الله، وقد قال وَل﴿: ((بُعِثْتُ لأَتَمِّمَ مَكَّارِمَ الأَخْلاقِ)) ومعنى هذا أنه لما قسمت الأخلاق إلى مكارم وإلى سفساف وظهرت مكارم الأخلاق كلها في الشرائع على الأنبياء والرسل وتبين سفسافها من مكارمها عند الجميع وما في العالم على ما يقوم عليه الدليل ويعطيه الكشف والمعرفة إلاَّ أخلاق الله فكلها مكارم فما ثم سفساف أخلاق، فبعث رسول الله وَ# بالكلمة الجامعة إلى الناس كافة وأوتي جوامع الكلم، وكل نبيّ تقدمه على شرع خاص، فأخبر وَ الل أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق لأنها أخلاق الله، فالحق ما قيل فيه أنه سفساف أخلاق بمكارم الأخلاق فصار الكل مكارم أخلاق، فما ترك وَّ في العالم سفساف أخلاق جملة واحدة لمن عرف مقصد الشرع فأبان لنا مصارف لهذا المسمّى سفساف أخلاق من حرص وحسد وشره وبخل وفزع وكل صفة مذمومة، فأعطانا لها مصارف إذا أجريناها على تلك المصارف عادت مكارم أخلاق وزال عنها اسم الذم وكانت محمودة فتمم الله به مكارم الأخلاق، فلا ضد له كما في المعاملات / الباب الثمانون ومائة في معرفة مقام الشوق والاشتياق وهو من نعوت المحبين العشاق ٥٤٥ أنه لا ضد للحق، وكل ما في الكون أخلاقه فكلها مكارم ولكن لا تعرف، وما أمر الله باجتناب ما يجتنب منها إلاَّ لاعتقادهم فيها أنها سفساف أخلاق، وأوحى إلى نبيه أن يبين مصارفها ليتنبهوا، فمنا من علم ومنا من جهل، فهذا معنى قوله: إنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق وبه كان خاتماً . الباب الثمانون ومائة في معرفة مقام الشوق والاشتياق وهو من نعوت المحبين العشاق [نظم: الكامل] شَوْقٌ بتحصيل الوصال يَزُولُ إن الشَّخَيُّلَ للفراق يُديمُه من قالَ هَوِّنْ صَعْبَه قُلنا له هو مِنْ صفاتِ العِشْقِ لا من غيره مما حُكْمُ هذا النَّعْت إلاَّ هَهُنا يقول بعض العشاق: [الوافر] فأبكي إن نَأَوْا شوقاً إليهم والاشْتِيَاقُ مع الوِصَال يكونُ عند اللِّقَاء فَرَبُّه مَغْبُونُ ما كلُّ صعبٍ في الوجود يَهُونُ والعِشْقُ داءٌ في القُلوب دَفينُ وهناك يذهب عَيْنُهُ ويَبِينُ وأبكي إن دَنَوْا خَوْفَ الفِراقِ الشوق يسكن باللقاء فإنه هبوب القلب إلى غائب، فإذا ورد سكن، والاشتياق حركة يجدها المحب عند اجتماعه بمحبوبه فرحاً به لا يقدر يبلغ غاية وجده فيه، فلو بلغ سكن لأنه لا يشبع منه فإن الحسّ لا يفي بما يقوم في النفس من تعلّقها بالمحبوب، فهو كشارب ماء البحر كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً، قال عليه السلام: ((مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم وَطَالِبُ دُنْيَا)) من حيث ما هو محب في تحصيل كل واحد منهما وما للعلم غاية ينتهي إليها فلهذا لا يشبع، وكذلك الدنيا فإنها مشتهى النفوس والشهوة تطلبها وقد تجلى ذلك المشتهى في صورة قريبة تسمّی دنيا فتعلقت الشهوة بها، ثم تنتقل إلى الآخرة في الجنة فتتبعها الشهوة فلا تشبع أبداً لأنها صورة لا يتناهى أمدها، ولولا الشهوة ما طابت الجنة فالشوق ما سكن والاشتياق ما بقي ولنا في هذا الباب : [الرمل] دون أن يَلْقَى الذي يعْشَقُهُ ليس يصفو عَيْشُ من ذاق الهَوَى ذلك المعنى الذي يُقْلِقُهُ فإذا أبْصرَهِ يَسْكُنُه عندَ مَنْ يعرف ما أَطْلَقَهُ وهو معنّى حُكْمُه مختلِفٌ ولما كان الحب لا يتعلق إلاَّ بمعدوم كما قدمناه في باب المحبة، كذلك الشوق لا يصحّ أن يتعلق بحاضر وإنما متعلقه غائب غير مشهود له في الحال، ولذا كان الشوق من أوصاف المحبة، ولهذا يطرد وينعكس فيقال: كل محب مشتاق وكل مشتاق محب، ومن ليس بمشتاق فليس بمحب، ومن ليس بمحب فليس بمشتاق، وقد ورد خبر لا علم لي بصحته: إن الله تعالى ذكر المشتاقين إليه وقال عن نفسه أنه أشد شوقاً إليهم كما يليق بجلاله، فشوقه إليهم أن ينيلهم الفتوحات المكية ج٣ - م٣٥ ٥٤٦ في المعاملات/ الباب الأحد والثمانون ومائة في معرفة مقام احترام الشيوخ الراحة بلقاء من اشتاقوا إليه، والوقت المقدر الذي لا يتبدل لم يصل، فلا بدّ من تأخّر وجود ما وقع الشوق الإلهي إليه هذا إن صحّ الخبر، ولا علم لي به لا من الكشف ولا من رواية صحيحة إلاّ أنه مذكور مشهور، وقد اتصفت الجنة بالاشتياق إلى علي وسلمان وعمار وبلال، وتكلم الناس في ذلك من حيث اشتقاق أسماء هؤلاء من العلو والسلامة والعمران والاستبلال ولكن ما هو محقق فإن الشوق أمر ذوقي، ولو خطر لي هذا الخبر حين رأيت الجنة لسألتها عن شوقها لهؤلاء دون غيرهم فإنها أعرف بالسبب الذي أذاها إلى الشوق لهؤلاء الأربعة، وكذلك النبي وَلّ قد رأيته مراراً وسألته عن أشياء وما خطر لي أن أسأله عن شوق الجنة لهؤلاء بل شغلني ما كان أهم علي منه والشوق علم ذوق يعرفه كل مشتاق من نفسه. الباب الأحد والثمانون ومائة في معرفة مقام احترام الشيوخ [نظم: البسيط] فقُمْ بها أدباً لله بالله ما حُزْمَةُ الشيخ إلاَّ حُزْمَةُ الله على الدلالة تأييداً على الله هم الأدلاءُ والقُزْبَى تؤيّدهُمْ فما حديثُهم إلاَّ عن الله الوارثون هُمُ الرُّسْلِ أجْمَعِهم لا يَسْأَّلون من الله سوى الله عن الشّريعة فاتْركُهم مَعَ الله فإنهم طُلَقَاءُ الله في الله عنه ولو جاءَ بالأنْبَا عن الله كالأنبياء تَراهُمْ في مَحَارِبِهِمْ فإن بدا منِهُمُ حالَ تَوَلُّهِهِمْ لا تشَبِغْهُمْ ولا تَسْلكُ لهم أثراً لا نقتدي بالذي زالَتْ شريعَتُه ولما رأينا في هذا الزمان جهل المريدين بمراتب شيوخهم قلنا في ذلك: [مجزوء الكامل] أهلِ المَشَاهد والرُّسُوعُ جهلاً وكان لها الشُّمُوخ جُهلَتْ مقاديرُ الشيوخْ واسْتُنْزِلَتْ ألفاظُهُمْ الشيوخ نوّاب الحق في العالم كالرسل عليهم السلام في زمانهم، بل هم الورثة الذين ورثوا علم الشرائع عن الأنبياء عليهم السلام غير أنهم لا يشرعون، فلهم رضي الله عنهم حفظ الشريعة في العموم ما لهم التشريع، ولهم حفظ القلوب ومراعاة الآداب في الخصوص، هم من العلماء بالله بمنزلة الطبيب من العالم بعلم الطبيعة، فالطبيب لا يعرف الطبيعة إلاَّ بما هي مدبرة للبدن الإنساني خاصة والعالم بعلم الطبيعة يعرفها مطلقاً وإن لم يكن طبيباً، وقد يجمع الشيخ بين الأمرين، ولكن حظ الشيخوخة من العلم بالله أن يعرف من الناس موارد حركاتهم ومصادرها، والعلم بالخواطر مذمومها ومحمودها، وموضع اللبس الداخل فيها من ظهور الخاطر المذموم في صورة المحمود، ويعرف الأنفاس والنظرة ويعرف ما لهما وما يحويان عليه من الخير الذي يرضي الله ومن الشر الذي يسخط الله، ويعرف العلل والأدوية، ويعرف الأزمنة والسنّ والأمكنة والأغذية وما يصلح المزاج وما يفسده، والفرق بين الكشف الحقيقي ٥٤٧ في المعاملات/ الباب الأحد والثمانون ومائة في معرفة مقام احترام الشيوخ والكشف الخيالي، ويعلم التجلّي الإلهي، ويعلم التربية وانتقال المريد من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة، ويعلم متى يترك التحكم في طبيعة المريد ويتحكم في عقله، ومتى يصدّق المريد خواطره، ويعلم ما للنفس من الأحكام وما للشيطان من الأحكام وما تحت قدرة الشيطان، ويعلم الحجب التي تعصم الإنسان من إلقاء الشياطين في قلبه، ويعلم ما تكنه نفس المريد ممّا لا يشعر به المريد، ويفرق للمريد إذا فتح عليه في باطنه بين الفتح الروحاني وبين الفتح الإلهي، ويعلم بالشم أهل الطريق الذين يصلحون له من الذين لا يصلحون، ويعلم التحلية التي يحلي بها نفوس المريدين الذين هم عرائس الحق وهم له كالماشطة للعروس تزينها، فهم أدباء الله عالمون بآداب الحضرة وما تستحقه من الحرمة . والجامع لمقام الشيخوخة أن الشيخ عبارة عمّن جمع جميع ما يحتاج إليه المريد السالك في حال تربيته وسلوكه وكشفه إلى أن ينتهي إلى الأهلية للشيخوخة، وجميع ما يحتاج إليه المريد إذا مرض خاطره وقلبه بشبهة وقعت له لا يعرف صحتها من سقمها، كما وقع لسهل في سجود القلب، وكما وقع لشيخنا حين قيل له: أنت عيسى ابن مريم فيداويه الشيخ بما ينبغي، وكذلك إذا ابتلي من يخرج ليسمع من الحق من خارج لا من نفسه بمحرم يؤمر بفعله أو ينهى عن واجب، فيكون الشيخ عارفاً بتخليصه من ذلك حتى لا يجري عليه لسان ذنب مع صحة المقام الذي هو فيه فهم أطباء دين الله، فمهما نقصهم شيء ممّا يحتاجون إليه في التربية فلا يحل له أن يقعد على منصة الشيخوخة، فإنه يفسد أكثر ممّا يصلح ويفتن كالمتطبب، يعل الصحيح ويقتل المريض، فإذا انتهى إلى هذا الحد فهو شيخ في طريق الله يجب على كل مريد حرمته والقيام بخدمته والوقوف عند مراسمه لا يكتم عنه شيئاً ممّا يعلم أن الله يعلمه منه يخدمه ما دامت له حرمة عنده، فإن سقطت حرمته من قلبه فلا يقعد عنده ساعة واحدة فإنه لا ينتفع به ويتضرر، فإن الصحبة إنما تقع المنفعة فيها بالحرمة، فمتى ما رجعت الحرمة له في قلبه حينئذ يخدمه وينتفع به فإن الشيوخ على حالين: شيوخ عارفون بالكتاب والسنّة قائلون بها في ظواهرهم متحققون بها في سرائرهم، يراعون حدود الله ويوفون بعهد الله، قائمون بمراسم الشريعة لا يتأوّلون في الورع، آخذون بالاحتياط مجانبون لأهل التخليط، مشفقون على الأمة، لا يمقتون أحداً من العصاة، يحبون ما أحب الله ويبغضون ما أبغض الله ببغض الله، لا تأخذهم في الله لومة لائم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر المجمع عليه، يسارعون في الخيرات ويعفون عن الناس، يوقرون الكبير ويرحمون الصغير، ويميطون الأذى عن طريق الله وطريق الناس، يدعون في الخير بالأوجب فالأوجب، يؤدّون الحقوق إلى أهلها، يبرّون إخوانهم بل الناس أجمعهم، لا يقتصرون بالجود على معارفهم جودهم مطلق الكبير لهم أب والمثل لهم أخ وكفؤ والصغير لهم ابن، وجميع الخلق لهم عائلة، يتفقدون حوائجهم، إن أطاعوا رأوا الحق موفقهم في طاعتهم إياه، وإن عصوا سارعوا بالتوبة والحياء من الله ولاموا نفوسهم على ما صدر منهم، ولا يهربون في معاصيهم إلى القضاء والقدر فإنه سوء أدب مع الله، هينون لينون ذوو مقة ﴿رُجَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَهُمْ زُكَّعَا سُجَّدًا﴾ [سورة الفتح: الآية ٢٩] في نظرهم رحمة لعباد الله كأنهم يبكون، الهم عليهم أغلب من ٥٤٨ في المعاملات/ الباب الثاني والثمانون ومائة في معرفة مقام السماع الفرح لما يعطيه موطن التكليف، فمثل هؤلاء هم الذين يقتدى بهم ويجب احترامهم، وهم الذين إذا رُؤوا ذكر الله . وطائفة أخرى من الشيوخ أصحاب أحوال عندهم تبديد ليس لهم في الظاهر ذلك التحفّظ تسلم لهم أحوالهم ولا يصحبون ولو ظهر عليهم من خرق العوائد ما عسى أن يظهر لا يعوّل عليه مع وجود سوء أدب مع الشرع فإنه لا طريق لنا إلى الله إلاَّ ما شرعه، فمن قال بأن ثم طريقاً إلى الله خلاف ما شرع فقوله زور، فلا يقتدى بشيخ لا أدب له وإن كان صادقاً في حاله ولكن يحترم، واعلم أن حرمة الحق في حرمة الشيخ وعقوقه في عقوقه، هم حجاب الحق الحافظون أحوال القلوب على المريدين، فمن صحب شيخاً ممّن يقتدى به ولم يحترمه فعقوبته فقدان وجود الحق في قلبه، والغفلة عن الله وسوء الأدب عليه يدخل عليه في كلامه ويزاحمه في رتبته، فإن وجود الحق إنما يكون للأدباء والباب دون غير الأدباء مغلق، ولا حرمان أعظم على المريد من عدم احترام الشيوخ، قال بعض أهل الله في مجالس أهل الله : من قعد معهم في مجالسهم وخالفهم في شيء ممّا يتحققون به في أحوالهم نزع الله نور الإيمان من قلبه، فالجلوس معهم خطر، وجليسهم على خطر، واختلف أصحابنا في حق المريد مع شيخ آخر خلاف شيخه هل حاله معه من جانب الحق مثل شيخه أم لا؟ فكلهم قالوا بوجوب حرمته عليه، ولا بدّ هذا موضع إجماعهم، وما عدا هذا فمنهم من قال: حاله معه على السواء من حاله مع شيخه، ومنهم من فصل وقال: لا تكون الصورة واحدة إلاَّ بعد أن يعلم المريد أن ذلك الشيخ الآخر ممّن يقتدى به في الطريق، وأما إذا لم يعرف ذلك فلا، ولهذا وجه وللآخر وجه النبيّ وَ﴿ يقول للمرأة: إنما الصبر عند الصدمة الأولى وكانت قد جهلت أنه رسول الله مَ ر، والمريد لا يقصد إلاَّ الحق، فإذا ظهر مقصوده حيث ظهر قال به وأخذه، فإن الرجال إنما يعرفون بالحق لا يعرف الحق بهم، والأصل أنه كما لم يكن وجود العالم بين إلهين ولا المكلف بين رسولين مختلفي الشرائع ولا امرأة بين زوجين، كذلك لا يكون المريد بين شيخين إذا كان مريد تربية، فإن كانت صحبة بلا تربية فلا يبالي بصحبة الشيوخ كلهم لأنه ليس تحت حكمهم، وهذه الصحبة تسمّى صحبة البركة غير أنه لا يجيء منه رجل في طريق الله فالحرمة أصل في الفلاح. الباب الثاني والثمانون ومائة في معرفة مقام السماع [نظم: الكامل] خُذْهَا إليكَ نصيحةً من مُشْفِقٍ واحذَزْ من الثَّقْييد فيه فإنه إن السَّمَاعَ من الكتاب هو الذي إن الثَّغَنِّي بالقُرَانِ سَمَاعُنا ليس السَّمَاعُ سوى السماعِ المُطْلقِ قولٌ يفند عند كلٌّ مُحَقّقٍ يدريه كلُّ معلم ومُطَرِّقٍ والحقُّ ينطق عند كلّ منطقٍ ٥٤٩ في المعاملات / الباب الثاني والثمانون ومائة في معرفة مقام السماع من قَوْلِهِ فَسَمَاعُه بِتَحَقُّقِ والله يَسْمعُ ما يقول عبيدُه أصلُ الوجود سمَاعُنا من قَوْلِ كُنْ انظُرْ إلى تَقْديمه في آيةٍ فبه نكون ونحن عَيْنُ المَنْطقِ تَعْثُزْ على العلم الشّريفِ المُزْهِقِ بِتَعَلْقٍ وتَحَقُّقٍ وتَخَلُقٍ فالسَّمْعُ أشْرَفُ ما تَحَقَّقَ عارفٌ قال تعالى: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة النور: الآية ٢١] وقال: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحج: الآية ٦١] فقدمه على العلم، والبصر أوّل شيء علمناه من الحق وتعلق به منا القول منه والسماع منا فكان عنه الوجود، وكذلك نقول في هذا الطريق: كل سماع لا يكون عنه وجد وعن ذلك الوجد وجود فليس بسماع، فهذه رتبة السماع التي يرجع إليها أهل الله ويسمعون، فقوله تعالى للشيء قبل كونه: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] هو الذي يراه أهل السماع في قول القائل وتهيؤ السامع المقول له ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَّدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ للتكوين بمنزلة الوجد في السماع، ثم وجوده في عينه عن قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كما قال تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بمنزلة الوجود الذي يجده أهل السماع في قلوبهم من العلم بالله الذي أعطاهم السماع في حال الوجد، فمن لم يسمع سماع وجود فما سمع، ولهذا جعل القوم الوجود بعد الوجد، ولما لم يصحّ الوجود أعني وجود العالم إلاّ بالقول من الله والسماع من العالم لم يظهر وجود طرق السعادة، وعلم الفرق بينها وبين طرق الشقاء إلاّ بالقول الإلهي والسماع الكوني، فجاءت الرسل بالقول جميعهم من قرآن وتوراة وإنجيل وزبور وصحف فما ثم إلاّ قول وسماع غير هذين لم يكن، فلولا القول ما علم مراد المريد ما يريده منا، ولولا السمع ما وصلنا إلى تحصيل ما قيل لنا، فبالقول نتصرف، وعن القول نتصرف مع السماع، فهما مرتبطان لا يصحّ استقلال واحد منهما دون الآخر وهما نسبتان، فبالقول والسماع نعلم ما في نفس الحق إذ لا علم لنا إلاَّ بإعلامه وإعلامه بقوله، ولا يشترط في القول الآلة ولا في السماع، بل قد يكون بآلة وبغير آلة، وأعني بآلة القول اللسان وآلة السماع الأذن، فإذا علمت مرتبة السماع في الوجود وتميزه عن غيره من النسب فاعلم أن السماع عند أهل الله مطلق ومقيد، فالمطلق هو الذي عليه أهل الله ولكن يحتاجون فيه إلى علم عظيم بالموازين حتى يفرقوا بين قول الامتثال وبين قول الابتلاء وليس يدرك ذلك كل أحد، ومن أرسله من غير ميزان ضلّ وأضلّ، والمقيد هو السماع المقيد بالنغمات المستحسنات التي يتحرك لها الطبع بحسب قبوله، وهو الذي يريدونه غالباً بالسماع لا السماع المطلق، فالسماع على هذا الحد ينقسم على ثلاثة أقسام: سماع إلهيّ، وسماع روحاني، وسماع طبيعي. فالسماع الإلهيّ بالأسرار وهو السماع من كل شيء، وفي كل شيء، وبكل شيء، والوجود عندهم كله كلمات الله وكلماته لا تنفد، ولهم في مقابلة هذه الكلمات أسماع لا تنفد تحدث لهم هذه الأسماع في سرائرهم بحدوث الكلمات وهو قوله: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] فمنهم من أعرض بعد السماع، ومنهم من وقف عندما سمع، وهذا مقام لا يعلمه كل أحد وما في الوجود إلاَّ هو ولكن يجهل ولا يعلم وهو يتعلق بأسماء ٥٥٠ في المعاملات / الباب الثاني والثمانون ومائة في معرفة مقام السماع الله تعالى على كثرتها، فلكل اسم لسان، ولكل لسان قول، ولكل قول منا سمع والعين واحد من القائل والسامع، فإن كان نداء أجبنا وامتثلنا وكان من قوله أن قال لنا: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٠] فكما قال، وسمعنا أمرنا عندما جعل فينا قوّة القول أن نقول فيسمع هو تعالى فمنا من يقول به كما قال: إن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فكلام صاحب هذا المقام كله نيابة، ومنا من يقول بنفسه في زعمه وما هو كذلك في نفس الأمر، فإن الله عند لسان كل قائل، فكما أنه ليس في الوجود إلاّ الله كذلك ما ثم قائل ولا سامع إلاَّ الله، وكما قسمنا قولنا بين من يقول بالله ويقوله بنفسه، كذلك سماعنا منا من يسمع بربه وهو قوله: ((كنت سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به)»، ومنا من يسمع بنفسه في زعمه والأمر على خلافه فهذا هو السماع الإلهيّ وهو سار في جميع المسموعات. وأما السماع الروحاني فمتعلقه صريف الأقلام الإلهية في لوح الوجود المحفوظ من التغيير والتبديل، فالوجود كله رق منشور والعالم فيه كتاب مسطور، فالأقلام تنطق وآذان العقول تسمع والكلمات ترتقم فتشهد وعين شهودها عين الفهم فيها بغير زيادة، ولا ينال هذا السماع إلاّ العقول التي ظهرت لمستوى، ولما كان السماع أصله على التربيع وكان أصله عن ذات ونسبة وتوجّه وقول فظهر الوجود بالسماع الإلهيّ، كذلك السماع الروحاني عن ذات ويد وقلم وصريف قلم، فيكون الوجود للنفس الناطقة في سماع صريف هذه الأقلام في ألواح القلوب بالتقليب والتصريف، وكذلك السماع الطبيعي مبناه على أربعة أمور محققة، فإن الطبيعة مربعة معقولة من فاعلين ومنفعلين، فأظهرت الأركان الأربعة أيضاً، فظهرت النشأة الطبيعية على أربعة أخلاط وأربع قوى قامت عليها هذه النشأة، وكل خلط منها يطلب بذاته من يحركه لبقائه وبقاء حكّه فإن السكون عدم، فأوجد في نفوس العلماء حين سمعوا صريف الأقلام ما ينبغي أن يحرك به هذه النشأة الطبيعية فأقاموا لها أربع نغمات لكل خلط من هذه الأخلاط نغمة في آلة مخصوصة وهي المسماة في الموسيقي وهو علم الألحان والأوزان بالبم والزير والمثنى والمثلث كل واحد من هذه يحرك خلطاً من هذه الأخلاط ما بين حركة فرح وحركة بكاء وأنواع الحركات، وهذا لها بما هي نشأة طبيعية لا بما هي روحانية، فإن الحركة في النشأة الطبيعية والسماع الطبيعي لا يكون معه علم أصلاً، وإنما صاحبه يجد طرباً في نفسه أو حزناً عند سماع هذه النغمات من هذه الآلات ومن أصوات القوالين ولا يجد معها علماً أصلاً، فإنه ليس هذا حظ السماع الطبيعي مع الحال الصحيح، والوجد الصحيح الذي يطلبه الطبع وهو سماع الناس اليوم، والسماع الروحاني يكون معه علم ومعرفة في غير مواد جملة واحدة، والسماع الإلهيّ يكون معه علم ومعرفة في مواد وفي غير مواد عام التعلّق يجده في السماع الطبيعي والروحاني لكن بالسمع الإلهي الذي يخصّ الطبع والعقل خاصة، ومنهم من يعلم ذلك، ومنهم من لا يعلمه مع كونه يجده ولا يقدر على إنكار ما يجد، فسماع الحق مطلق كما أن وجوده مطلق وتمييزه عسير . وللنغمات في الكلام الإلهي والقول أصل تستند إليه وهو أقوى الأصول، ولهذا لها القوة ٥٥١ في المعاملات/ الباب الثالث والثمانون ومائة في معرفة مقام ترك السماع والتأثير في الطباع، فلا يستطيع أحد أن يدفع عن نفسه عند ورود النغمة وتعلق السمع بها إذا صادفت محلها ذلك الطرب أو الأثر الذي يجده السامع في نفسه فسلطانها قوي وذلك لقوة أصلها الذي تستند إليه، فإن الأسماء الإلهية وإن كانت لعين واحدة فمعلوم عند أهل الله ما بينها من التفاوت، ولما كان التفاوت معقولاً فيها وعلم ذلك بآثارها علمنا أن الحقائق الإلهية التي استندت إليها هذه النغمات أقوى من الذي استند إليه الكلام، فإنا نسمع قارئاً يقرأ أو منشداً ينشد شعراً فلا نجد في نفوسنا حركة لذلك بل ربما نتبرم من ذلك في أوقات لأنه جاء على غير الوزن الطبيعي، فإذا سمعنا تلك الآية أو الشعر من صاحب نغمة وفي حقها في الميزان أصابنا وجد وحركنا ووجدنا ما لم نكن نجد، فلهذا فرقنا بين ما استندت إليه النغمات الطبيعية وبين ما استند إليه القول هذا ميزان المحسوس، وأما ميزان العقل فينظر حكمة الترتيب الإلهيّ في العالم، فإن كان من أهل السماع الإلهي فينظر ترتيب الأسماء الإلهية فيكون سماعه من هناك، وإن كان من أهل السماع الروحاني فينظر ترتيب آثارها في العالم الأعلى والأسفل فيجد في كل مسموع فإن المسموعات كلها نغم عنده، فمنهم من تكون له حركة محسوسة، ومنهم من لا تكون له، وأما الحركة الروحانية فلا بدّ منها، ولله طائفة خرجت عن الحركات الروحانية إلى الحركات الإلهية وهو قول الجنيد: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب ولكن في الحال التي تحسبها جامدة فتنسب الحركة إلى هذا الشخص نسبتها إلى الجناب الأقدس في فرحه بتوبة عبده وتبشبشه لمن أتى بيته، فهذه أحوال إلهية يجب الإيمان بها، ولا يعقل لها كيفية إلاَّ من خصّه الله بها وكانت حركته في سماعه إلهية وهي من العلوم التي تنال ولا تنقال، وليس الخير بالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة يشبه هذا الفرح ولا التبشبش لأن هذا الفرح عن سبب كوني ظهر وجوده سمع الحق عليه والنزول إلى السماء الدنيا عن أمر يتوقع لا عن أمر واقع، فالأول يلحق بباب السماع والثاني لا يلحق به فاعلم ذلك، وقد ربطنا السماع بما يجب له وحققناه ولم نترك منه فصلاً ولا قسماً إلاَّ ذكرناه بأوجز عبارة ليوقف عنده وحكاياته كثيرة لا يحتاج إلى إيرادها، فإن كتابنا هذا مبناه على تحقيق أصول الأمور لا على الحكايات فإن الكتب بها مشحونة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثالث والثمانون ومائة في معرفة مقام ترك السماع [نظم: البسيط] أللَّهُ أللَّهُ لا عقْلٌ يصوِّرُهُ فالشَّرْعُ يُطْلقه وقتاً ويَخْصُرُه تَرْكُ السَّماعِ مَقَامٌ ليس يُذْركه إن قال كُنْ فلِمَنْ والعينُ واحدةٌ فما لكُنْ عند هذا القول من أَثَرٍ والوَهْمُ يعبده في صورة البَشَرِ والكونُ يُثْبِتُه في سائر الصُّورِ إلاَّ القويُّ من الأقوام في الخَبَرِ ولم يكن غَيْرُه في العين والأثَرِ بل عَيْنُ كُنْ لم تكن إن كنتَ ذا نَظَرٍ ٥٥٢ في المعاملات/ الباب الرابع والثمانون ومائة في معرفة مقام الكرامات متيَّم بمعاني الآي والصُوَرِ ولم يَقُلْ بسَمَاعِ القَوْلِ غيرُ فتّى جاء الكلامُ فكُنْ منه على حَذَرٍ لولا الكلامُ لما كان السَّمَاعُ وقَدْ السماع المطلق لا يمكن تركه، والذي يتركه الأكابر إنما هو السماع المقيد المتعارف وهو الغناء، قيل لسيدنا أبي السعود بن الشبلي البغدادي: ما تقول في السماع؟ فقال: هو على المبتدىء حرام والمنتهي لا يحتاج إليه، فقيل له: فلمن؟ فقال: لقوم متوسطين أصحاب قلوب. وجاءت امرأة إلى رسول الله وَّه فقالت: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفُ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ وَإِلاَّ فَلاَ) فهو وإن كان مباحاً فالتنزيه عنه عند الأكابر أولى. وكان أبو يزيد البسطامي يكرهه ولا يقول به. وقيل لابن جريج فيه فقال: ليتني أخرج منه رأساً برأس لا علي ولا لي. وأمّا مذهبنا فيه فإن الرجل المتمكن من نفسه لا يستدعيه وإذا حضر لا يخرج بسببه وهو عندنا مباح على الإطلاق لأنه لم يثبت في تحريمه شيء عن رسول الله وَ لّ، فإن كان الرجل تمن لا يجد قلبه مع ربه إلاَّ فيه فواجب عليه تركه أصلاً فإنه مكر إلهيّ خفي، ثم إن كان يجد قلبه فيه وفي غيره وعلى كل حال ولكنه يجده في النغمات أكثر فحرام عليه حضوره، ولا أعني بالنغمات المسموعة في الشعر فقط وإنما أعني بوجود النغمة في الشعر وفي غيره حتى في القرآن إذا وجد قلبه فيه لحسن صوت القارىء ولا يجد قلبه فيه عندما يسمعه من قارىء غير طيب الصوت فلا يعوّل على ذلك الوجد ولا على ما يجد فيه من الرقة في الجناب الإلهيّ فإنه معلول وتلك رقة الطبيعة، فإن كان عارفاً بالتفصيل ويفرق بين سماعه الإلهيّ والروحاني والطبيعي ما يلتبس عليه ولا يخلط ولا يقول في سماع الطبيعة أنه سماعه بالله فمثل هذا لا يحجر عليه وتركه أولى، ولا سيما إن كان تمن يقتدى به من المشايخ فيستتر به المدعي الكاذب أو الجاهل بحاله وإن لم يقصد الكذب. الباب الرابع والثمانون ومائة في معرفة مقام الكرامات [نظم: البسيط] دليلَ حقٌّ على نَيْلِ المَقَاماتِ رُسْلُ المُهَيْمِن من فَوْقِ السَّمُواتِ به الجماعةُ لم تَفْرَحْ بِآيَاتِ في حقٌ قوم ذوي جَهْلٍ وآفاتِ وذا إذا كان مَنْ أقْوَى الجَهَالاتِ في حال قَوْلٍ وأفعالٍ ونِيَّاتِ واحذَرْ من المَكْرِ فِي طَيِّ الكَرَامَاتِ بعضُ الرجالِ يَرَى كَوْنَ الکراماتِ وأنها عَيْنُ بُشْرَى قد أتَتْكَ بها وعندنا فيه تَفْصيلٌ إذا علمَتْ كيف السرورُ والاستدراجُ يَصْحَبُها وليس يدرون حقاً أنهم جهلوا وما الكرامةُ إلاَّ عِصْمَةٌ وُجِدَتْ تلك الكرامةُ لا تبغي بها بَدَلاً اعلم أيّدك الله أن الكرامة من الحق من اسمه البرّ ولا تكون إلاَّ للأبرار من عباده جزاء وفاقاً، فإن المناسبة تطلبها وإن لم يقم طلب ممّن ظهرت عليه وهي على قسمين: حسيّة ٥٥٣ في المعاملات/ الباب الرابع والثمانون ومائة في معرفة مقام الكرامات ومعنوية، فالعامة ما تعرف الكرامة إلاَّ الحسيّة مثل الكلام على الخاطر والأخبار بالمغيبات الماضية والكائنة والآتية والأخذ من الكون والمشي على الماء واختراق الهواء وطيّ الأرض والاحتجاب عن الأبصار وإجابة الدعاء في الحال، فالعامّة لا تعرف الكرامات إلاَّ مثل هذا. وأما الكرامة المعنوية فلا يعرفها إلاَّ الخواص من عباد الله والعامة لا تعرف ذلك، وهي أن تحفظ عليه آداب الشريعة، وأن يوفق لإتيان مكارم الأخلاق واجتناب سفسافها، والمحافظة على آداء الواجبات مطلقاً في أوقاتها، والمسارعة إلى الخيرات، وإزالة الغل والحقد من صدره للناس والحسد وسوء الظنّ، وطهارة القلب من كل صفة مذمومة، وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس، ومراعاة حقوق الله في نفسه وفي الأشياء، وتفقد آثار ربه في قلبه، ومراعاة أنفاسه في خروجها ودخولها فيتلقاها بالأدب إذا وردت عليه، ويخرجها وعليها خلعة الحضور، فهذه كلها عندنا كرامات الأولياء المعنوية التي لا يدخلها مكر ولا استدراج، بل هي دليل على الوفاء بالعهود وصحة القصد والرضى بالقضاء في عدم المطلوب ووجود المكروه، ولا يشاركك في هذه الكرامات إلاَّ الملائكة المقرّبون وأهل الله المصطفون الأخيار. وأما الكرامات التي ذكرنا أن العامة تعرفها فكلها يمكن أن يدخلها المكر الخفيّ، ثم إنا إذا فرضناها كرامة فلا بدّ أن تكون نتيجة عن استقامة أو تنتج استقامة لا بدّ من ذلك وإلاّ فليست بكرامة، وإذا كانت الكرامة نتيجة استقامة فقد يمكن أن يجعلها الله حظ عملك وجزاء فعلك، فإذا قدمت عليه يمكن أن يحاسبك بها، وما ذكرناه من الكرامات المعنوية فلا يدخلها شيء ممّا ذكرناه، فإن العلم يصحبها وقوّة العلم وشرفه تعطيك أن المكر لا يدخلها، فإن الحدود الشرعية لا تنصب حبالة للمكر الإلهيّ، فإنها عين الطريق الواضحة إلى نيل السعادة والعلم يعصمك من العجب بعملك، فإن العلم من شرفه أنه يستعملك وإذا استعملك جرّدك منه وأضاف ذلك إلى الله وأعلمك أن بتوفيقه وهدايته ظهر منك ما ظهر من طاعته والحفظ لحدوده، فإذا ظهر عليه شيء من كرامات العامة ضجّ إلى الله منها وسأل الله ستره بالعوائد وأن لا يتميز عن العامة بأمر يشار إليه فيه ما عدا العلم لأن العلم هو المطلوب وبه تقع المنفعة ولو لم يعمل به فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فالعلماء هم الآمنون من التلبيس، فالكرامة من الله تعالى بعباده إنما تكون للوافدين عليه من الأكوان ومن نفوسهم الكونهم لم يروا وجه الحق فيهما، فأسنى ما أكرمهم به من الكرامات العلم خاصة لأن الدنيا موطنه، وأما غير ذلك من خرق العادات فليست الدنيا بموطن لها، ولا يصحّ كون ذلك كرامة إلاَّ بتعريف إلهيّ لا بمجرّد خرق العادة، وإذا لم تصحّ إلاَّ بتعريف إلهيّ فذلك هو العلم، فالكرامة الإلهية إنما هي ما يهبهم من العلم به عزّ وجلّ. سُئِل أبو يزيد عن طيّ الأرض فقال: ليس بشيء فإن إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة وما هو عند الله بمكان. وسُئِل عن اختراق الهواء فقال: إن الطير يخترق الهواء والمؤمن عند الله أفضل من الطير فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر؟ وهكذا علل جميع ما ذكرناه ثم قال: إلهي إن قوماً طلبوك لما ذكروه فشغلتهم به وأهلتهم له، ٥٥٤ في المعاملات/ الباب الخامس والثمانون ومائة في معرفة مقام ترك الكرامات اللهم مهما أهلتني لشيء فأهلني لشيء من أشيائك، يقول من أسرارك، فما طلب إلاَّ العلم لأنه أسنى تحفة وأعظم كرامة، ولو قامت عليك به الحجة فإنه يجعلك تعترف ولا تحاجج فإنك تعلم ما لك وما عليك وما له، وما أمر الله تعالى نبيه و لو أن يطلب منه الزيادة من شيء إلاَّ من العلم لأن الخير كله فيه وهو الكرامة العظمى، والبطالة مع العلم أحسن من الجهل مع العمل، وأسباب حصول العلم كثيرة، ولا أعني بالعلم إلاَّ العلم بالله والدار الآخرة وما تستحقه الدار الدنيا وما خلقت له ولأيّ شيء وضعت حتى يكون الإنسان من أمره على بصيرة حيث كان، فلا يجهل من نفسه ولا من حركاته شيئاً، والعلم صفة إحاطية إلهية فهي أفضل ما في فضل الله كما قال: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] رحمة منا، فاعلم أن العلم من معدن الرحمة فقد أعلمتك ما هي الكرامة وأنها التعريف الإلهيّ بأن هذا الذي أتحفك به كرامة منه لا ينقص لك حظاً من آخرتك، ولا هو جزاء لشيء من عملك إلاَّ لمجرّد قدومك، وأن قدومك عليه لم يكن إلاَّ لجهلك به حيث لم تره في أوّل قدم كما اتفق لأبي يزيد لما خرج في طلب الحق من بسطام في أوّل أمره فلقيه بعض الرجال فقال له: ما تطلب يا أبا يزيد؟ قال: الله، قال له: الذي تطلبه تركته ببسطام، فتنبّه أبو يزيد كيف يطلبه وهو تعالى يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فلا علم ولا إيمان، فإذا حرمك الله تحصيل علم مشاهدته فلا أقل من الإيمان به، فلهذا قلنا ما قدم عليه إلاَّ من جهله، فلما لم يكن لهذه الطائفة همّ إلاّ به وبطلبه كانوا وافدين عليه فأتحفهم بما أتحفهم به وعرّفهم أن ذلك جائزة الوفود خاصة، ومهما لم يعلموا ذلك منه بإعلامه إياهم وإلاَّ فيخاف من المكر الإلهيّ في ذلك أو نقص حظ أخروي يتمنون في الآخرة أنهم لم يعطوا شيئاً من ذلك في الدنيا. الباب الخامس والثمانون ومائة في معرفة مقام ترك الكرامات [نظم : الكامل] فأَصِحْ لقولي فهو أَقْوَمُ قِيلاً تَرْكُ الكَرَامة لا يكون دليلاً خَظَّ المكرَّم ثم سَاءَ سبيلاً إن الكرامةَ قد يكون وجودُها لا تشَّخِذْ غَيْرَ الإله بديلاً فاخرِصْ على العِلْم الذي كُلُفْتَهُ عند الرجالٍ فلا تَكُنْ مَخْذُولاً ستْرُ الكرامة واجبٌ مُتَحَقٌّقٌ وبها تَنَزَّلَ وَخِيُهُ تَنْزِيلاً وظُهُورُها في المُرْسَلين فَريضةٌ كما أن الآيات والكرامات واجب على الرسول إظهارها من أجل دعواه، كذلك يجب على الوليّ التابع سترها، هذا مذهب الجماعة لأنه غير مدّع ولا ينبغي له الدعوى فإنه ليس بمشرّع وميزان الشرع موضوع في العالم قد قام به علماء الرسوم أهل الفتاوى في دين الله، فهم أرباب التجريح والتعديل، وهذا الوليّ مهما خرج عن ميزان الشرع الموضوع مع وجود عقل التكليف عنده سلم له حاله للاحتمال الذي في نفس الرحمن في حقّه، وهو أيضاً موجود ٥٥٥ في المعاملات / الباب الخامس والثمانون ومائة في معرفة مقام ترك الكرامات في الميزان المشروع، فإن ظهر بأمر يوجب حدّاً في ظاهر الشرع ثابت عند الحاكم أقيمت عليه الحدود ولا بدّ ولا يعصمه ذلك الاحتمال الذي في نفس الأمر من أن يكون من العبيد الذين أبيح لهم فعل ما حرم على غيرهم شرعاً فأسقط الله عنهم المؤاخذة ولكن في الدار الآخرة فإنه قال في أهل بدر ما قد ثبت من إباحة الأفعال لهم، وكذلك في الخبر الوارد: ((افْعَلْ مَا شِئْتَ فَقَد غَفَرْتُ لَكَ)) ولم يقل أسقطت عنك الحد في الدنيا، فالذي يقيم عليه الحدّ مأجور وهو في نفسه غير مأثوم وكالحلاج ومن جرى مجراه، ثم إن ترك الكرامة قد يكون ابتداء من الله وهو أنه عزّ وجلّ لا يمكن هذا الوليّ في نفسه من شيء من ذلك جملة واحدة مع كونه عنده من أكابر عباده وأعني خرق العوائد الظاهرة لا العلم بالله، وقد يكون هذا الوليّ أعطاه الله تعالى في نفسه التمكّن من ذلك فيترك ذلك كله لله فلا يظهر عليه منه شيء أصلاً، وقد رأينا تمن هو على هذا القدم جماعة كما قال سيدنا أبو السعود بن الشبل عاقل زمانه وقد سأله بعض من لا يكتمه من حاله شيئاً: هل أعطاك الله التصرّف وهو أصل الكرامات؟ فقال: نعم منذ خمس عشرة سنة وتركناه تظرفاً فالحق بتصرف لنا، يريد رضي الله عنه أنه امتثل أمر الله في اتخاذه عزّ وجلّ وكيلاً فقال له السائل: ما ثم؟ فقال: الصلوات الخمس وانتظار الموت الرجل مثل ساعي الطير فم مشغول وقدم تسعى، وكان يقول: ما أعجبني فيما قيل إلاَّ قوله: [الطويل] وأَثْبَتَ في مُسْتَثْقع الموت رجْلَهُ وقال لها من دونَ أَخْمَصِكِ الحَشْرُ هكذا هو الرجل وإلاَّ فلا يدّعي أنه رجل، وفي حين تقييدي هذا الوجه من هذه النسخة خاطبني الحق في سري: من اتخذني وكيلاً فقد ولآني ومن ولآني فله مطالبتي وعليَّ إقامة الحساب فيما ولآني فيه، فانعكس الأمر وتبدّلت المراتب، هذا صنع الله مع عباده الذين ارتضاهم واصطفاهم، وما فوق هذا الامتنان امتنان ترتقي الهمة إلى طلبه، فالعبد المحقق لا تخرجه هذه الرتبة عن علمه بقدره، فما يتخذ الله وكيلاً إلاَّ من كان الحق قواه وجوارحه إذ يستحيل تبدّل الحقائق، فالعبد عبد والرب رب، والحق حق والخلق خلق. فإذا ظهر خرق عادة على مثل هذا فما هي كرامة عندنا لأن الكرامة تعود على من ظهرت عليه، وإنما يتفق لمن هذا مقامه مثل ما اتفق لنا في مجلس حضرنا فيه سنة ست وثمانين وخمسمائة وقد حضر عندنا شخص فيلسوف ينكر النبوّة على الحدّ الذي يثبتها المسلمون وينكر ما جاءت به الأنبياء من خرق العوائد وأن الحقائق لا تتبدّل، وكان زمان البرد والشتاء وبين أيدينا منقل عظيم يشتعل ناراً فقال المنكر المكذب: إن العامة تقول: إن إبراهيم عليه السلام ألقي في النار فلم تحرقه والنار محرقة بطبعها الجسوم القابلة للإحراق وإنما كانت النار المذكورة في القرآن في قصة إبراهيم الخليل عبارة عن غضب نمرود عليه وحنقه فهي نار الغضب وكونه ألقي فيها لأن الغضب كان عليه وكونها لم تحرقه أي لم يؤثر فيه غضب الجبار لما ظهر به عليه من الحجة بما أقامه من الأدلة فيما ذكر من أفول الأنوار وأنها لو كانت آلهة ما أفلت فركب له من ذلك دليلاً، فلما فرغ من قوله قال له بعض الحاضرين ممّن كان له هذا المقام والتمكن: فإن أريتك أنا صدق ما قاله الله تعالى في النار أنها لم تحرق إبراهيم وأن الله ٥٥٦ في المعاملات/ الباب السادس والثمانون ومائة في معرفة مقام خرق العادات جعلها عليه كما قال برداً وسلاماً وأنا أقوم لك في هذا المقام مقام إبراهيم عليه السلام في الذب عنه لا أن ذلك كرامة في حقي، فقال المنكر: هذا لا يكون، فقال له: أليست هذه هي النار المحرقة؟ قال: نعم، قال: تراها في نفسك ثم ألقى النار التي في المنقل في حجر المنكر وبقيت على ثيابه مدة يقلبها المنكر بيده، فلما رآها ما تحرقه تعجب ثم ردّها إلى المنقل، ثم قال له: قرب يدك أيضاً منها فقرب يده فأحرقته فقال له: هكذا كان الأمر وهي مأمورة تحرق بالأمر وتترك الإحراق كذلك والله تعالى الفاعل لما يشاء، فأسلم ذلك المنكر واعترف، فمثل هذا يظهر على تارك الكرامات فإنه يقيمها في زمانه نيابة عن الرسول وَلا في المعجزة والآية على صدقه فجاء بها لإقامة الدليل على صدق الشارع والدين لا على نفسه أنه وليّ لله بخرق هذه العادة، فهذا معنى ترك الكرامات ولها رجال وهم الملامية خاصة، وأما الصوفية فيظهرون بها وهي عند الأكابر من رعونات النفوس إلاَّ على حدّ ما ذكرناه. الباب السادس والثمانون ومائة في معرفة مقام خرق العادات [نظم: البسيط] أتى بها النَّظرُ الفكريُّ مَخصُورة خَزْقُ العوائد أقسامٌ مقَسَّمَةٌ كالمعجزات على الإرسال مَقْصُورَه منها معيَّنَةٌ بالحق قائمةٌ وليس للعلم في تَعْيينه صُورَهُ وما سواها من الأقسام مُخْتَمَلٌ فقِفْ عليه تَجدْهَا فيه مَسْطُورَهُ وكلُّها في كتاب الله بَيْئَةٌ وكلُّها في كتاب الله مَذْكُورَةْ بُشْرَى وسحرٌ ومَكْرٌ أو عَلَمَتُه فهذه خمسةٌ أقسامُها انحَصَرتْ للناظرين وفي الأكوان مَشْهُورَهْ اعلم أن مقام خرق العادات على وجوه كثيرة منها ما يكون عن قوى نفسية فإن أجرام العالم تنفعل للهمم النفسية هكذا جعل الله تعالى الأمر فيها، وقد تكون عن حيل طبيعية معلومة كالفلقطيرات وغيرها وبابها معلوم عند العلماء، وقد تكون عن نظم حروف بطوالع وذلك لأهل الرصد، وقد تكون بأسماء يتلفظ بها ذاكرها فيظهر عنها ذلك الفعل المسمّى خرق عادة في ناظر عين الرائي لا في نفس الأمر، وقد تكون في نفس الأمر على قدر قوّة ذلك الاسم، وهذه كلها تحت قدرة المخلوق بجعل الله، وثم خرق عوائد مختصة بالجناب الإلهي ليس للعبد فيها تعمل ولا قوّة ولكن يظهرها الله عليه أو تظهر عنه بأمر الله وإعلامه وهي على مراتب: منها ما تسمى معجزة ولها شروط ونعت خاص معلوم، ومنها ما تسمّى آية لا معجزة، ومنها ما تكون كرامة، ومنها ما تكون مؤيّدة، ومنها ما تكون منبهة وباعثة، ومنها ما يكون جزاء، ومنها ما يكون مكراً واستدراجاً، وكلها لها علامات عند أهل الله مع كون هؤلاء لا علم لهم بشيء من ذلك بخلاف الصنف الأوّل فإنهم على علم بما يصدر منهم، وما من شيء ممّا ذكرناه في الصنف الثاني المضاف عمله إلى الله تعالى إلا والاحتمال يدخله هل هو ٥٥٧ في المعاملات/ الباب السادس والثمانون ومائة في معرفة مقام خرق العادات عن عناية أو لا عن عناية إلاَّ المعجزة والآية فإنها عن عناية ولا بدّ أنها الصدق المخبر والمؤيدة كذلك، وما عدا هذين فيتطرق إليه الاحتمال كما ذكرنا . ثم نرجع إلى ما تقضي به طريقنا أن خرق العادة في الأولياء لا يكون إلاَّ لمن خرق العادة في نفسه بإخراجها عن حكم ما تعطيه حقيقتها وهو تصرفها في المباح، أو ما يلقي إليها الشيطان بالتزيين من إتيان المحظور أو ترك الواجب، فمن خرق في نفسه هذه العادة خرق الله له عادة في الكون بأمر يسمّى كلاماً على الخاطر أو مشياً في الهواء أو ما كان، وقد ذكرنا فصول هذه الكرامات وبيّنا مراتبها وما ينتجها في كتاب مواقع النجوم ما سبقنا إليه في علمنا أعني إلى ترتيبه لا إلى علم ما فيه، وهو كتاب صحيح الطريق عظيم الفائدة صغير الجرم بنيناه على المناسبة، فإن المناسبة أصل وجود العالم وخرق العوائد من العالم. وقد جعل الله آياته في العالم معتادة وغير معتادة، فالمعتادة لا يعتبرها إلاَّ أهل الفهم عن الله خاصة، وما سواهم فلا علم لهم بإرادة الله فيها، وقد ملأ الله القرآن من الآيات المعتادة من اختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وإخراج النبات وجري الجواري في البحر، واختلاف الألسنة والألوان والمنام بالليل والنهار لابتغاء الفضل، وكل ما ذكر في القرآن أنه آية لقوم يعقلون، ويسمعون، ويفقهون، ويؤمنون، ويعلمون، ويوقنون، ويتفكرون، ومع هذا كله فلا يرفع بذلك أحد من الناس رأساً إلاَّ أهل الله وهم أهل القرآن خاصة الله، وأما الآيات الغير المعتادة وهي خرق العوائد فهي التي تؤثر في نفوس العامة مثل الزلازل والرجفات والكسوف ونطق حيوان ومشي على ماء واختراق هواء وإعلام بكوائن في المستقبل تقع على حدّ ما أعلم، والكلام على الخواطر والأكل من الكون وإشباع القليل من الطعام الكثير من الناس هذا تعتبره العامة خاصة، ومتى لم يكن خرق العادة عن استقامة أو منبهاً وباعثاً على الرجوع إلى الله ويرجع وليس له فيه تعمل فهو مكر واستدراج من حيث لا يعلم وهذا هو الكيد المتين تحف الله مع المخالفات، وفيه سرّ عجيب للعارفين لولا ما في إذاعته من الضرر في العموم لذكرناه، وما كل ما يدرى يقال، وليس خرق العوائد إلاَّ أوّل مرّة، فإذا عاد ثانية صار عادة، وأما في الحقيقة فالأمر جديد أبداً وما ثم ما يعود فما ثم خرق عادة، وإنما هو أمر يظهر زيّ مثله لا عينه فلم يعد فما هو عادة فلو عاد لكان عادة وانحجب الناس عن هذه الحقيقة، وقد نبهتك على ما هو الأمر عليه إن كنت تعقل ما أقول، فالألوهة أوسع من أن تعيد، ولكن الأمثال حجب على أعين العمى الذين ﴿يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِّنَ الْخَيَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ اَلْآَخِرَةِ﴾ وهو وجود عين المثل الثاني ﴿هُمْ غَفِلُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٧] فهم ﴿ِ لَبِسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥] فالممكنات غير متناهية، والقدرة نافذة، والحق خلاق، فأين التكرار إذ لا يعقل إلاَّ بالإعادة فالإعادة خرق العادة. انتهى الجزء الثالث من الفتوحات المكية، ويليه الجزء الرابع أوله: الباب السابع والثمانون ومائة في معرفة مقام المعجزة فهرس محتويات الجزء الثالث من الفتوحات المكية ٥٥٩