Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة تتصف به الصور الطبيعية من الوجد والشوق والاشتياق، وحب اللقاء بالمحبوب ورؤيته والاتصال به، وقد وردت أخبار كثيرة صحاح في ذلك يجب الإيمان بها مثل قوله: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ)) مع كونه ما زال من عينه ولا يصح أن يزول عن عينه فإنه ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٧] و ﴿رَّقِيبًا﴾ ومع هذا فجاء باللقاء في حقّه وفي حق عبده، ووصف نفسه بالشوق إلى عباده، وأنه أشد فرحاً ومحبة في توبة عبده من الذي ضلّت راحلته عليها طعامه وشرابه في أرض دوبة ثم يجدها بعدما يئس من الحياة وأيقن بالموت فكيف يكون فرحه بها؟ فالله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الشخص براحلته مع غناه سبحانه وقدرته ونفوذ إرادته في عباده، ولكن انظر في سرّ قوله: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فتعلم أنه ما تعدّى بالأمور استحقاقها وأن مرتبة العلم ما فوقها مرتبة وقد قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ اُلْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سورة قَ: ٢٩] لأنه خلاف المعلوم فوقوعه محال، فالأمر وإن كان ممكناً بالنظر إليه فليس بممكن بالنظر إلى علم الله فيه بوقوع أحد الإمكانين وأحدية المشيئة فيه، وما تعلقت المشيئة الإلهية بكونه فلا بدّ من كونه، وما لا بدّ من وقوعه لا يتصف بالإمكان بالنظر إلى هذه الحقيقة، ولهذا عدل من عدل من الناظرين في هذا الشأن من إطلاق اسم الممكن عليه إلى اسم الواجب الوجود بالغير وهو أولى في التحقيق لأحدية المشيئة ولهذا قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٣٧] حيث ما قاله، ولو حرف امتناع لامتناع فقد سبقت المشيئة بما سبقت كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٧١] فكان اسم وجوب الوجود بالغير أكمل في نسبة الأمر من اسم الممكن، إذ ما ثم إلا أمر واحد كلمح بالبصر فزال الاحتمال فزال الإمكان، فما ثم إلاَّ وجوب مطلق أو وجوب مقيد. ثم نرجع ونقول: اعلم أن الحب الطبيعيّ من ذاته إذا قام بالمحب أن لا يحب المحبوب إلاَّ لما له فيه من النعيم به واللذة فيحبه لنفسه لا لعين المحبوب، وقد تبين لك فيما تقدم أن هذه الحقيقة سارية في الحب الإلهيّ والروحانيّ، فأما بدء الحب الطبيعيّ فما هو للإنعام والإحسان، فإن الطبع لا يعرف ذلك جملة واحدة، وإنما يحب الأشياء لذاته خاصة فيريد الاتصال بها والدنو منها وهو سار في كل حيوان وهو في الإنسان بما هو حيوان، فيحبه الحيوان في نفس الأمر لقوام وجوده به لا لأمر آخر، ولكن لا يعرف معنى قوام وجوده، وإنما يجد داعية من نفسه للاتصال بموجود معين ذلك الاتصال هو محبوبه بالأصالة، وذلك لا يكون إلاَّ في موجود معين، فيحب ذلك الوجود بحكم التبعية لا بالأصالة، فاتصاله اتصال محسوس وقرب محسوس وهو قولنا: وجثماناً يجثمان، فهذا هو غاية الحب الطبيعيّ، فإن كان نكاحاً عين محبوبه في موجود ما، فغايته حصول ذلك المحبوب في الوجود فيطلب ويشتاق للمحل الذي يظهر فيه عين محبوبه ولا يظهر إلاَّ بينهما لا في واحد منهما لأنها نسبة بين اثنين، وكذلك إن كان عناقاً أو تقبيلاً أو مؤانسة أو ما كان، ولا فرق بين أن تقول طبيعة الشيء أو حقيقته كل ذلك سائغ في العبارة عنه وهو في الإنسان أتم من غيره لأنه جامع حقائق العالم والصورة الإلهية فله نسبة إلى الجناب الأقدس فإنه عنه ظهر، وعن قوله: ﴿كُنْ﴾ ٥٠٢ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة تكوّن، وله نسبة إلى الأرواح بروحه وإلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته، فهو يحب كل ما تطلبه العناصر والطبيعة بذاته، وليس إلاَّ عالم الأجسام والأجساد والأرواح، ومنها أجسام عنصرية وكل جسم عنصريّ فهو طبيعيّ، ومنها أجسام طبيعية غير عنصرية، فما كل جسم طبيعيّ عنصريّ، فالعناصر من الأجسام الطبيعية لا يقال فيها عنصرية، وكذلك الأفلاك والأملاك، ولهذا عرفنا أن الملأ الأعلى يختصمون فيدخلون في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود: الآية ١١٨] وهم يخالفون هؤلاء المرحومين مخالفيهم ولذلك خلقهم أي من أجل الخلاف خلقهم لأنّ الأسماء الإلهية متفاضلة، فمن هناك صدر الخلاف أين الضار من النافع والمعزّ من المذل والقابض من الباسط؟ وأين الحرارة من البرودة؟ وأين الرطوبة من اليبوسة؟ وأين النور من الظلمة؟ وأين العدم من الوجود؟ وأين النار من الماء؟ وأين الصفراء من البلغم؟ وأين الحركة من السكون؟ وأين العبودية من الربوبية؟ أليست هذه متقابلات فلا يزالون مختلفين، وأين التحليل من التحريم في العين الواحدة للشخصين؟ فيحرم على هذا ما يحلّ لهذا، فيتوارد حكمان مختلفان على عين واحدة، فانظر حكم الطبيعة المتضادة من أين صدرت وما كان سبب وجودها متقابلة من العلم الإلهيّ لتعلموا أنه ليس بيد أحد من المخلوقين ممّا سوى الله من الأمر شيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى أن الآخرة ذات دارين: رؤية وحجاب، فالحمد لله الذي أبان لنا عن الأمور ومصادرها ومواردها وجعلنا من العارفين بها، فالله يجعلنا ممّن أسعده بما علمه، فقد تبين لك أن المحبوب هو الاتصال بموجود ما من كثيرين أو قليلين، ومع كونه مؤانسة ومجالسة وتقبيلاً وعناقاً وغير ذلك بحسب ما تقتضيه حقيقة الموجود فيه عين المحبوب، وبحسب حقيقة المحب، فالمحبوب واحد العين متنوّع وهو حب الاتصال خاصة، إما بحديث أو ضم أو تقبيل، هذا تنوّعه في واحد أو كثيرين، فلا يصحّ أن يحب المحب اثنين أصلاً لأنّ القلب لا يسعهما. فإن قلت: هذا يمكن أن يصحّ في حب المخلوق، وأما في حب الخالق فلا فإنه قال: يحبهم فأحب كثيرين قلنا: الحب معقول المعنى وإن كان لا يحد فهو مدرك بالذوق غير مجهول ولكن عزيز التصوّر وهو مجهول النسبة إلى الله تعالى، فإنّ الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فقولك: وأما في حب الحق فلا، هذا تحكم منك فإنه لا يقول هذا إلاَّ من يعرف ذات الحق وهي لا تعرف فلا تعرف النسبة وتعرف المحبة، فإنه ما خاطب عباده إلاَّ بلسانهم وبما يعرفونه في لغتهم من كل ما ينسبه إلى نفسه ووصف أنه عليه ولكن كيفية ذلك مجهولة . وصل: وأما القسم الثاني وهو الحب العنصري فهو وإن كان طبيعياً فبين القسمين فارق، وذلك أن الطبيعيّ لا يتقيد بصورة طبيعية دون صورة طبيعية وهو مع كل صورة كما هو مع الأخرى في الحب مثل الكهرباء مع ما يتعلق بها ومسكه بالخاصية، وأما العنصري فهو الذي يتقيد بصورة طبيعية وحدها كقيس ليلى، وقيس لبنى، وكثير عزة، وجميل بثنية، ولا يكون هذا إلاَّ لعموم المناسبة بينهما كمغناطيس الحديد ويشبهه في الحب الروحانيّ، ﴿وَمَا مِنََّ ٥٠٣ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٦٤]، ويشبهه من الحب الإلهيّ التقييد بعقيدة واحدة دون غيرها، كما يشبه الروحانيّ الطبيعيّ في الطهارة، ويشبه الإلهيّ الطبيعيّ في الذي يراه في جميع العقائد عيناً واحدة. وصل: واعلم أن الحب كما قلناه وإن كان له أربعة ألقاب، فلكل لقب حال فيه ما هو عين الآخر فلنبين ذلك كله، فمن ذلك الهوى ويقال على نوعين وهما في الحب: النوع الواحد سقوطه في القلب وهو ظهور من الغيب إلى الشهادة في القلب يقال: هوى النجم إذا سقط يقول تعالى: ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾ [سورة النجم: الآية ١] فهو من أسماء الحب في ذلك الحال، والفعل منه هَوِيَ يَهْوَى بكسر عين الفعل في الماضي وفتحها في المستقبل، والاسم منه هوى وهو الهوى، وهذا الاسم هو الفعل الماضي من الهويّ الذي هو السقوط، يقال: هوى بفتح عين الفعل في الماضي يهوي بكسرها في المستقبل والاسم منه هويّ، وسبب حصول المعنى الذي هو الهوى في القلب أحد ثلاثة أشياء أو بعضها أو كلها، إما نظرة أو سماع أو إحسان وأعظمها النظر وهو أثبتها فإنه لا يتغير باللقاء، والسماع ليس كذلك فإنه يتغير باللقاء فإنه يبعد أن يطابق ما صوّره الخيال بالسماع صورة المذكور، وأما حب الإحسان فمعلول تزيله الغفلة مع دوام الإحسان لكون عين المحسن غير مشهودة. وأما الهوى الثاني: فلا يكون إلاَّ مع وجود حكم الشريعة وهو قوله لداود: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى﴾ [سورة ص: الآية ٢٦] يعني لا تتبع محابك بل اتبع محابي وهو الحكم بما رسمته لك، ثم قال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي يحيرك ويتلفك ويعمي عليك السبيل الذي شرعته لك وطلبت منك المشي عليه وهو الحكم به، فالهوى هنا محاب الإنسان، فأمره الحق بترك محابه إذا وافق غير الطريق المشروعة له. فإن قلت: فقد نهاه عمّا لا يصحّ أن ينتهي عنه فإن الحب الذي هو الهوى سلطانه قوي ولا وجود لعين العقل معه. قلنا: ما كلفه إزالة الهوى فإنه لا يزول، إلاَّ أن الهوى كما قلنا يختلف متعلقه ويكون في موجودين كثيرين، وقد بيّنا أن الهوى الذي هو الحب حقيقته حب الاتصال في موجود ما أو كثيرين، فطلب منه تعالى أن يعلّقه بالحق الذي شرع له وهو سبيل الله كما يعلقه بسبل كثيرة ما هي سبيل الله، فهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى﴾ فما كلَّفه ما لا يطيق، فإن تكليف ما لا يطاق محال على العالم الحكيم أن يشرعه، فإن احتججت بتكليف الإيمان من سبق في علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل وأمثاله قلنا: الجواب من وجهين: الوجه الواحد أني لست أعني بتكليف ما لا يطاق إلاَّ ما جرت العادة به أنه لا يطيقه المكلف مثل أن يقول له: اصعد إلى السماء بغير سبب واجمع بين الضدّين فقم في الوقت الذي لا يقوم، وإنما كلفه ما جرت العادة به أن يطيقه وهو اعتقاد الإيمان أو التلفظ به، وكلاهما يجد كل إنسان في نفسه التمكن من مثل هذا كسباً أو خلقاً كيفما شئت فقل، ولهذا تقوم الحجة به لله على العبد يوم القيامة وقد قال قل: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] فلو كلّفه ما ليس في وسعه عادة لم يصحّ قوله: ﴿فَلَِّ الْخُقَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ بل كان يقول: ولله أن يفعل ما يريد، كما قال: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ ومعنى ذلك أنه لا يقال للحق: لم كلفتنا ٥٠٤ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة ونهيتنا وأمرتنا مع علمك بما قدّرته علينا من مخالفتك؟ هذا موضع ﴿لَا يُسْشَلُ عَنَّا يَفْعَلُ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٣] فإنه يقول لهم: هل أمرتكم بما تطيقونه أو بما لا تطيقونه عندكم؟ فلا بدّ أن يقولوا بما جرت العادة به أن نطيقه فقد كلفهم ما يطيقونه فثبت أن ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَِّغَةُ﴾ فإنهم جاهلون بعلم الله فيهم زمان التكليف. والجواب الثاني قد تقدم من أنه لا بدّ من الإيمان به وقد وقع في قبض الله الذرية. ويظهر حكمه في الآخرة فلا يبقى إلاَّ مؤمن وهو في الدار الدنيا معترف بوجوده، وإن أشرك فما يشرك إلاَّ بموجود، ولهذا ما طلب منه إلاَّ توحيد الأمر له خاصة وهو محبوب الحق وهو معدوم منهم، وهو يحب توحيده أن يظهر في هؤلاء الموجودين، فهو وإن أحب واحداً فأحبه من كثيرين، فمن اتصف به أحبه الله لكون محبوبه وهو التوحيد ظهر فيه، ومن أبغضه فلكون محبوبه لم يظهر فيه وهو التوحيد، فمآل الكل إلى الإيمان، وقد قرّرنا ذلك في سبق الرحمة غضب الله فقد تبين لك معنى الهوى. وأما الحب فهو أن يتخلص هذا الهوى في تعلّقه بسبيل الله دون سائر السبل، فإذا تخلص له وصفا من كدورات الشركاء من السبل سمّي حباً لصفائه وخلوصه، ومنه سمي الحب الذي يجعل فيه الماء حباً لكون الماء يصفو فيه ويروق وينزل كدره إلى قعره، وكذلك الحب في المخلوقين إذا تعلق بجناب الحق سبحانه وتخلص له من علاقته بالأنداد الذين جعلها المشركون شركاء لله في الألوهة سمّي ذلك حباً بل قال فيه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٥] وسبب ذلك أنه إذا كشف الغطاء ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُوا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٦] ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَتَّبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُوأ مِنّا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٧] فزال حبّهم إياهم في ذلك الموطن وبقي المؤمنون على حبهم لله، فكانوا أشدّ حباً لله بما زادوا على أولئك في وقتٍ رجوعهم عن حبهم آلهتهم حين لم تغن عنهم من الله شيئاً فلا يبقى مع المشركين يوم القيامة إلاَّ حبهم الله خاصة فإنهم في الدنيا أحبوه وأحبوا شركاءهم على أنهم آلهة، ولولا ذلك التوهم والغلط ما أحبوهم فكان محبوبهم الألوهة، وتخيّلوها في كثيرين فأحبّوه وأحبّوا الشركاء، فإذا كان في القيامة كما ذكرنا لم يبق عندهم سوى حبّهم الله تعالى فكانوا في الآخرة أشدّ حباً لله منهم له في الدنيا لكون حبّهم كان منقسماً فاجتمع عليه في الآخرة لما لم يعاين محبوبه وهو الألوهة إلاَّ فيه خاصة، فلذلك كان سبق الرحمة وقوّة الطرفين وضعف الواسطة بما فيها من الشركة، وقد بيّنا ذلك كله فيما تقدم، فهذا الفرق بين الحب والهوى. وأما العشق فهو إفراط المحبة أو المحبة المفرطة وهو قوله في: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهُ﴾ وهو مع صفاته لو أخذ الذي هو مسمّى الحب وظهوره في حبة القلب الذي أيضاً به سمّي حباً، فإذا عمّ الإنسان بجملته وأعماه عن كل شيء سوى محبوبه وسرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه وقواه وروحه وجرت فيه مجرى الدم في عروقه ولحمه وغمرت جميع مفاصله فاتصلت بوجوده وعانقت جميع أجزائه جسماً وروحاً ولم يبق فيه متسعٍ لغيره وصار نطقه به وسماعه منه ونظره في كل شيء إليه ورآه في كل صورة وما يرى شيئاً إلاَّ ويقول: هو ٥٠۵ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة هذا، حينئذ يسمّى ذلك الحب عشقاً، كما حكي عن زليخا أنها افتصدت فوقع الدم في الأرض فانكتب به: يوسف يوسف، في مواضع كثيرة حيث سقط الدم لجريان ذكر اسمه مجرى الدم في عروقها كلها، وهكذا حكي عن الحلاج لما قطعت أطرافه انكتب بدمه في الأرض الله الله حيث وقع ولذلك قال رحمه الله: [السريع] ما قُدَّلي عضوٌ ولا مفْصَلٌ إِلَّ وفيه لكم ذِكْرُ فهذا من هذا الباب، وهؤلاء هم العشاق الذين استهلكوا في الحب هذا الاستهلاك وهو الذي يسمّى بالغرام، وسيأتي ذكره في نعت المحبين إن شاء الله. وأما الودّ فهو ثبات الحب أو العشق أو الهوى أية حالة كانت من أحوال هذه الصفة فإذا ثبت صاحبها الموصوف بها عليها ولم يغيره شيء عنها ولا أزاله عن حكمها وثبت سلطانها في المنشط والمكره وما يسوء ويسر في حال الهجر والطرد من الموجود الذي يحب أن يظهر فيه محبوبه ولم يبرح تحت سلطانه لكونه مظهر محبوبه سمّي لذلك ودّاً وهو قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَمُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٩٦] أي ثباتاً في المحبة عند الله وفي قلوب عباده، هذا معنى الودّ. وللحب أحوال كثيرة جداً في المحبين سأذكرها إن شاء الله مثل: الشوق والغرام والهيام والكلف والبكاء والحزن والكبد والذبول والانكسار، وأمثال ذلك ممّا يتصف به المحبون ويذكرونه في أشعارهم مفصلة إن شاء الله. وقد يقع في الحب أغاليط كثيرة أوّلها ما ذكرناه وهو أنهم يتخيلون أن المحبوب أمر وجودي وهو أمر عدميّ يتعلق الحب به أن يراه موجوداً في عين موجودة، فإذا رآه انتقل حبّه إلى دوام تلك الحال التي أحبّ وجودها من تلك العين الموجودة، فلا يزال المحبوب معدوماً وما يشعر بذلك أكثر المحبين إلاَّ أن يكونوا عارفين بالحقائق ومتعلقاتها وقد بيّنا ذلك، وأكثر كلامنا في هذا الباب إنما هو في المحبة المفرطة، فإنها تذهب بالعقول أو تورث النحول والفكر الدائم والهم اللازم والقلق والأرق والشوق والاشتياق والسهاد وتغيير الحال وكسوف البال والوله والبله، وسوء الظن بالمحبوب أعني الموجود الذي تحب ظهور محبوبك فيه الذي تزعم العامة فيه أنه المحبوب لها ونحن فيه على نوعين: طائفة منا نظرت إلى المثال الذي في خيالها من ذلك الموجود الذي يظهر محبوبه فيه ويعاين وجود محبوبه وهو الاتصال به في خياله فيشاهده متصلاً به اتصال لطف ألطف منه في عينه في الوجود الخارج، وهو الذي اشتغل به قيس المجنون عن ليلى حين جاءته من خارج فقال لها: إليك عني لئلا تحجبه كثافة المحسوس منها عن لطف هذه المشاهدة الخيالية فإنها في خياله ألطف منها في عينها وأجمل وهذا ألطف المحبة، وصاحب هذا النعت لا يزال منعماً لا يشكو الفراق، ولنا في هذا النعت اليد الطولى بين المحبين، فإن مثل هذا في المحبين عزيز الوجود لغلبة الكثافة عليهم، وسبب ذلك عندنا أنه من استفرغ في حب المعاني المجردة عن المواد فغايته إذا كثفها أن ينزلها إلى الخيال ولا ينزل بها أكثر، فمن كان أكثف حاله الخيال فما ظنك بلطافته في المعاني، وهذا الذي حاله هذا هو الذي يمكن أن يحب الله، فإن غايته في حبه إياه إذا لم يجرده عن التشبيه ٥٠٦ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة أن ينزله إلى الخيال وهو قوله عليه السلام: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فإذا أحببنا ونحن بهذه الصفة موجوداً نحب ظهور محبوبنا فيه من المحسوسات عالم الكثائف نلطفه بأن نرفعه إلى الخيال لنكسوه حسناً فوق حسنه ونجعله في حضرة لا يمكنه الهجر معها ولا الانتقال عنها فلا يزال في اتصال دائم، ولنا في ذلك: [الخفيف] غيرُ شكْوَى البِعَادِ والإغْتِرابِ ما لمَجْنُونٍ عامر من هواه في خَيَالي فلم أَزَلْ في اقْتِرَابٍ وأنا ضِدُّه فإنَّ حبيبي فلماذا أقول ما بي وما بي فحبيبي مِنِّي وفِيَّ وعندي أما قولنا يذهب الحب بالعقول فإنهم قالوا: ولا خير في حب يدبر بالعقل. وقال أبو العباس المقراني الكساد: الحب أملك للنفوس من العقول. وإنما قالوا ذلك لأن العقل يقيد صاحبه، والحب من أوصافه الضلال والحيرة والحيرة تنافي العقل، فإن العقل يجمعك والحيرة تفرقك. قال إخوة يوسف ليعقوب: ﴿إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ [سورة يوسف: الآية ٩٥] يريدون حيرته في حب يوسف، والحيرة تفرق ولا تجمع، ولهذا وصفت المحبة بالبث وهو تفرق هموم المحب في وجوه كثيرة، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١] وكذلك قوله: ﴿هَبَآءُ مُثْبَثًا﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦] والمحب في حكم محبوبه فلا تدبير له في نفسه وإنما هو يحكم ما يعطيه ويأمره به سلطان الحب المستولي على قلبه، ومن ضلالته في حبه أنه يتخيل في كل شخص أن محبوبه حسن عنده وأنه يرى منه مثل ما يراه هذا المحب، وهذا من الحيرة وعلى هذا جرى المثل: حسن في كل عين من تود. يعني عندك أيها المحب تتخيل أن كل من يرى محبوبك يحسن عنده كما يحسن عندك، ومن ضلالة المحب أنه يتحير في الوجوه التي يرى أنه يحصل محبوبه منها فيقول: أفعل كذا لنصل بهذا الفعل إلى محبوبي أو كذا وكذا، فلا يزال يحار في أي الوجوه يشرع لأنه يتخيل أن وجود اللذة بمحبوبه في الحسّ أعظم منها في الخيال، وذلك لغلبة الكثافة على هذا المحب، ويغفل عن لذة التخيل في حال النوم فإنه أشد من التذاذه بالخيال لأنه أشد اتصالاً به من الخيال، والاتصال بالخيال أشد من الاتصال بالخارج وهو المحسوس، فلذته بمعنى أشدّ اتصالاً من الخيال، فيحار المحب في تحصيل الوجوه التي بها يصل إلى الاتصال من خارج، ويسأل عن ذلك من يعرف أن عنده خبراً من هذا الشأن عسى يجد عنده حيلة في ذلك ولا سيما وقد سمع في ذلك في قول القائل: لو صحّ منك الهوى أرشدت للحيل. يعني فيما تصنع حتى تتصل بالمحبوب. وصل: فأوّل ما أذكره من نعوت المحبين ما حدثنا به يونس بن يحيى بن أبي الحسن الهاشميّ العباسي القصار بمكة تجاه الركن اليمانيّ من الكعبة المعظمة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: أخبرنا ابن عبد الباقي أخبرنا أحمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أبو بكر الدينوري المفسّر سنة ثمان وثمانين ومائتين حدثنا محمد بن أحمد الشمساطيّ قال: سمعت ذا النون يقول: إنّ لله عباداً ملأ قلوبهم من صفاء محض محبته وفسح أرواحهم بالشوق إلى رؤيته، فسبحان من شوّق إليه أنفسهم وأدنى منه ٥٠٧ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة فهمهم وصفت له صدورهم، فسبحان موفقهم ومؤنس وحشتهم وطبيب أسقامهم، إلهي لك تواضعت أبدانهم، وإلى الزيادة منك انبسطت أيديهم، فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك ما طيبت به عيشهم، وأدمت به نعيمهم ففتحت لهم أبواب سماواتك، وأبحت لقلوبهم الجولان في ملكوتك، بل ما نسيت محبة المحبين، وعليك معوّل شوق المشتاقين، وإليك حنت قلوب العارفين، وبك أنست قلوب الصادقين، وعليك عكفت رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين، قد يئست الراحة من فتورهم، وقلّ طمع الغفلة فيهم، فهم لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم، ولا يفترون عن التعب والسهر، يناجونه بألسنتهم، ويتضرعون إليه بمسكنتهم، يسألونه العفو عن زلاتهم، والصفح عما وقع من الخطاء في أعمالهم، فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان، وخدموه خدمة الأبرار، ومن نعوتهم رضي الله عنهم النحول، وهو نعت يتعلق بكثائفهم وبلطائفهم. فأما تعلّقه بلطائفهم فإنّ أرواح المحبين وإن لطفت عن إدراك الحواس ولطفت عن تصوير الخيال، فإنّ الحب يلطفها لطافة السراب لمعنى أذكره، وذلك أن السراب ﴿يَحْسَبُهُ اُلَّمْنَانُ مَآءً﴾ [سورة النور: الآية ٣٩] وذلك لظمئه لولا ذلك ما حسبه ماء لأنّ الماء موضع حاجته فيلجأ إليه لكونه مطلوبه ومحبوبه لما فيه من سرّ الحياة، فإذا جاءه لم يجده شيئاً، وإذا لم يجده شيئاً وجد الله عنده عوضاً من الماء، فكان قصده حسّاً للماء والله يقصد به إليه من حيث لا يشعر، فكما أنه تعالى يمكر بالعبد من حيث لا يشعر، كذلك يعتني بالعبد في الالتجاء إليه والرجوع إليه والاعتماد عليه بقطع الأسباب عنه عندما يبديها له من حيث لا يشعر، فوجود الله عنده عند فقد الماء المتخيل له في السراب هو رجوعه إلى الله لما تقطعت به الأسباب، وتغلقت دون مطلوبه الأبواب، رجع إلى من بيده ملكوت كل شيء، وهو كان المطلوب به من الله هذا فعله مع أحباه يردّهم إليه اضطراراً واختياراً، كذلك أرواحهم يحسبونها قائمة بحقوق الله التي فرضها عليها وأنها المتصرّفة عن أمر الله محبة لله وشوقاً إلى مرضاته ليراها حيث أمرها، فإذا كشف لها الغطاء واحتدٌ بصرها وجدت نفسها كالسراب في شكل الماء، فلم تر قائماً بحقوق الله إلا خالق الأفعال وهو الله تعالى، فوجدت الله عين ما تخيلت أنه عينها فذهبت عينها عنه وبقي المشهود الحق بعين الحق، كما فني ماء السراب عن السراب والسراب مشهود في نفسه وليس بماء، كذلك الروح موجود في نفسه وليس بفاعل، فعلم عند ذلك أن المحب عين المحبوب وأنه ما أحبّ سواه ولا يكون إلاَّ كذلك، وألطف من هذا النحول في الأرواح فلا يكون. وأما النوع المتعلق من النحول بكثائفهم فهو ما يتعلق به الحسّ من تغيّر ألوانهم وذهاب لحوم أبدانهم لاستيلاء جولان أفكارهم في أداء ما كلفهم المحبوب أداءه ممّا افترضه عليهم، فبذلوا المجهود ليتصفوا بالوفاء بالعهود، إذ كانوا عاهدوا الله على ذلك وعقدوا عليه في أيمانهم به وبرسوله وسمعوه يقول آمراً: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ [سورة المائدة: الآية ١] وقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٠] ولا تنقضوا الميثاق ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [سورة النحل: الآية ٩١] فهذا سبب نحول أجسامهم. ٥٠٨ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة ومن نعوت المحبين الذبول وهو نعت صحيح في أرواحهم وأجسامهم، أمّا في أجسامهم فسببه ترك ملاذ الأطعمة الشهية التي لها الدسم والرطوبة وهي مستلذة للنفوس وتورث في الأجسام نضرة النعيم، فلما رأوا رضي الله عنهم أن الحبيب كلفهم القيام بين يديه ومناجاته ليلاً عند تجليه ونوم النائمين ورأوا أنّ الرطوبات الحاصلة في أجسامهم تصعد منها أبخرة إلى الدماغ تخدر الحواس وتغمرها فيغلبهم النوم عمّا في نفوسهم من القيام بين يدي محبوبهم لمناجاته في خلواتهم حين ينامون، ثم إن تلك الأبخرة تورث قوّة في أبدانهم تؤدّي تلك القوّة الجوارح إلى التصرف في الفضول الذي حجر عليهم التصرّف فيه محبوبهم، فتركوا الطعام والشراب إلا قدر ما تمس الحاجة إليه من ذلك فقلت الرطوبة في أجسامهم فزالت عنه نضرة النعيم وذبلت شفاههم واسترخت أبدانهم وراح نومهم وتقوى سهرهم فنالوا مقصودهم من القيام بين يديه ووجدوا المعونة على ذلك بما تركوه فذلك هو ذبول الأجسام. وأما ذبول أرواحهم فإنّ لهم نعيماً بالمعارف والعلوم لأن لهم نسبة إلى أرواح الملأ الأعلى ليأنسوا بالجنس رغبة في المعاونة لما سمعوا الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَى﴾ فتخيلوا أنهم المخاطبون بذلك وليس الأمر كذلك، فإن الذين خوطبوا بذلك هم الذين يليق بهم أن يتعاونوا على الإثم والعدوان ولذلك أردف بالنهي فقال: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَثَّقُواْ اَللَّهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٢] وهذا ليس من صفات الملأ الأعلى، فلما عرفوا غلطهم في ذلك عدلوا عن هذه الآية إلى قوله: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِلَّهِ وَأَصْبِرُواْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢٨] أي احبسوا نفوسكم مع الله، فلما فارقوا الجنس بهذه الآية ذبلت أرواحهم وقد كانت في نضرة النعيم بمجالسة الجنس لأنها تعلقت بمن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فلم تعرف بينها وبينه مناسبة مثلية فتتعلق بها فقالت لها المعرفة بالله: هو ما خاطبك سبحانه إلاَّ بلسانك ولحنك ولغتك وما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان الذين أنت منهم، فارجع إلى مفهوم ما خاطبك به فإنه لم يخرجه عن حقيقة مدلوله ولا تنال بجهلك النسبة إليه من ذلك، فإن تلك الصفة التي خاطبك بها تطلبه بذاتها لأنه وصف نفسه بها ولا تكون صفاته إلاّ بمناسبة خاصة منّا إليه، فإذا تعلقت أنت بتلك الصفة ولزمتها بالضرورة تحصلك عنده فتعلم عند ذلك صورة نسبتها إليه علم ذوق وتجلّ إلهيّ فيزيد ذبولك حتى تصير كالنقطة المتوهمة كما قال بعضهم: [مجزوء الكامل] كالنُّقْطَة المُتَوَهَّمَةْ أصبَحْتُ فيك من الضَّنَا وهي التي لا وجود لها إلاَّ في الوهم، فهذا نعتهم في الذبول. وقد روينا في خبر مؤيد بكشف أن إسرافيل عليه السلام وهو من أرفع الأرواح العلوية يتضاءل في نفسه كل يوم لاستيلاء عظمة الله على قلبه سبعين مرة حتى يصير كالوضع كما يحشر المتكبرون في نفوسهم على عباد الله يوم القيامة كأمثال الذر ذلة وصغاراً، وذلك لما ظهروا به في الدنيا من التعاظم والتكبّر، فهذا نعت ذبولهم في أرواحهم وأجسامهم. ومن نعوت المحبين أيضاً الغرام وهو الاستهلاك في المحبوب بملازمة الكمد، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٥] أي مهلكاً لملازمة شهود المحبوب، ٥٠٩ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة فإن الغريم هو الذي لزمه الدين وبه سمّي غريماً ومقلوبه أيضاً الرغام وهو اللصوق بالتراب فإن الرغام التراب يقال: رغم أنفه إذ كان الأنف محل العزّة قوبل بالرغام في الدعاء فألصقوه بالتراب فيكون الغرام حكمه في المغرم من المقلوب فهو موصوف بالذلّة لأن التراب أذلّ الأذلاء ولهذا وصفت الأرض بأنها ذلول على طريق المبالغة لكون الأذلاء يطؤونها، ولما لازم الحب قلوب المحبين والشوق قلوب المشتاقين والأرق نفوس الأرقين وكل صفة للحب موصوفها منه سمّي صاحب هذه الملازمات كلها مغرماً وسمّيت صفته غراماً، فهو اسم يعمّ جميع ما يلزم المحب من صفة الحب، فليس للمحب صفة أعظم إحاطة من الغرام. ومن نعوت المحبين الشوق وهو حركة روحانية إلى لقاء المحبوب، وحركة طبيعية جسمانية حسيّة إلى لقاء المحبوب إذا كان من شكله ذلك المحبوب، فإذا لقيه أي محبوب كان فإنه يجد سكوناً في حركة فيتحير لماذا ترجع تلك الحركة مع وجود اللقاء ويراها تتزيد ويدركه معها خوف في حال الوصلة فيجد الخوف متعلقه توقع الفرقة ويجد الحركة الاستباقية تطلب استدامة حالة الوصلة وذلك يهيج باللقاء كما قيل في الشوق: [الوافر] وأبْرَحُ ما يكون الشَّوْقُ يوماً إذا دَنَتِ الديارُ من الديارِ وقال الآخر فيما ذكرناه من الخوف في حال الوصلة: [الوافر] وأبكي إن دَنَّوْا خَوْفَ الفِراقِ وأبكي إن نَأوا شوقاً إليهم هذا جزاء من أحبّ غير عينه وجعل وجود عين محبوبه فيما هو خارج عنه، فلو أحب الله لم تكن هذه حالته، فمحب الله لا يخاف فرقة، وكيف يفارق الشيء لازمه وهو في قبضته لا يبرح وبحيث يراه محبوبه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧]. أين الفراق وما في الكون إلاَّ هو؟ يقول الله تعالى: ((مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً)) الحديث، فهكذا ينبغي أن تعرف يا أخي قدر من أحبك لله أو لنفسه إذا كان الحق مع غناه عن العالم إذا أحبه عبده سارع إليه بالوصلة وقرّبه وأدنى مجلسه وجعله من خواص جلسائه، فأنت أولى بهذه الصفة، إذا أحبك شخص فقد أعطاك السيادة عليه وجعل نفسه محلاً لتحكمك فيه، فينبغي لك إن كنت عاقلاً أن تعرف قدر الحب وقدر من أحبك، ولتسارع إلى وصلته تخلقاً بأخلاق الله مع محبته، فإنه من بدأك بالمحبة فتلك يد له عليك لا تكافئها أبداً، وذلك لأن كل ما يفعله من الحب بعد ابتدائه معه فإنما هو نتيجة عن ذلك الحب الذي أحبك ابتداء . ومن نعوت المحبين الهيام وهم المهيمون الذين يهيمون على وجوههم من غير قصد جهة مخصوصة، والمحبون لله أولى بهذه الصفة، فإن الذي يحب المخلوق إذا هام على وجهه فهو لقلقه ويأسه من مواصلة محبوبه، ومحب الله متيقن بالوصلة، وقد علم أنه سبحانه لا يتقيد ولا يختص بمكان يقصد فيه لأن حقيقة الحق تأبى ذلك ولذلك قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فمحبه مهيم في كل واد وفي كل حال لأن محبوبه الحق فلا يقصده في وجه معين بل يتجلى له في ٥١٠ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة أي قصد قصده على أي حالة كان، فهم أحق بصفة الهيمان من محبي المخلوقين، فهو تعالى المشهود عند المحبين من كل عين، والمذكور بكل لسان، والمسموع من كل متكلم، هكذا عرفه العارفون، وبهذه الحقيقة تجلّى للمحبين. ومن نعوت المحبين الزفرات وهي نار نور محرقة يضيق القلب عن حملها فتخرج منضغطة لتراكمها ممّا يجده المحب من الكمد فيسمع لخروجها صوت تنفس شديد الحرارة، كما يسمع لصوت النار صوت يسمّى ذلك الصوت زفرة، ولا يكون ذلك إلاَّ في الجسم الطبيعيّ خاصة، وقد يكون في الصورة المتجسدة، ولهذا تتصف الصورة المتجسدة عن المعنى المجرد إذا ظهر فيها، وقيل: هذه صورته بالغضب والرضى كالأجسام الطبيعية، كما قال ◌َ﴿ عن نفسه: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ وَأَرْضَى كَمَا يَرْضَى البَشَرُ)) وإذا كان الجناب الإلهي الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ قد وصف نفسه بالرضى والغضب في هاتين الصفتين وفي أمثالهما تما وصف الحق بها نفسه ومن تلك الحقيقة ظهرت في العالم، ولهذا قلنا إن الله سبحانه علمه بنفسه علمه بالعالم لا يكون إلاَّ هكذا، فكل حقيقة ظهرت في العالم وصفة فلها أصل إلهيّ ترجع إليه لولا ذلك الأصل الإلهيّ يحفظ عليها وجودها ما وجدت ولا بقيت، ولا يعلم ذلك إلاّ الآحاد من أهل الله فإنه علم خصوص، قال تعالى: ﴿ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٣] ثم ورد في الخبر ما هو أشد من هذا لمن عقل عن الله وهو ما ورد في الحديث الصحيح من قول الأنبياء في القيامة: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)) فهذا أشدّ من ذلك حيث اتصف غضبه بالحدوث والزوال، وفي ذلك المقام يقول محمد وَل# فيمن بدل من أصحابه بعده: ((سحقاً سحقاً) لاقتضاء الحال والموطن، فإن صاحب السياسة يجري في أحكامه بحسب الأحوال والمواطن. ومن نعوت المحبين الكمد وهو أشدّ حزن القلب لا يجري معه دمع إلاَّ أن صاحبه يكون كثير التأوّه والتنهّد، وهو حزن يجده في نفسه لا على فايت ولا تقصير، وهذا هو الحزن المجهول الذي هو من نعوت المحبين ليس له سبب إلاَّ الحب خاصة، وليس له دواء إلاَّ وصال المحبوب، فيفنيه شغله به عن الإحساس بالكمد، وإن لم تقع الوصلة بالمحبوب اتصال ذوات فيكون المحبوب ممّن يأمره فيشغله القيام بأوامره وفرحه بذلك عن الكمد، فأكثر ما يكون الكمد إذا لم يقع بينه وبين المحبوب ما يشغله عن نفسه، وليس للمحب صفة تزول مع الاشتغال غير الكمد، ونعوت المحبة كثيرة جدّاً مثل الأسف، الوله، البهت، الدهش، الحيرة، الغيرة، والخرس، السقام، القلق، الخمود، البكاء، التبريح، والوجد، والسهاد، وما ذكره المحبون في أشعارهم من ذلك، وكلامنا في هذا الباب ما يختصّ بحب الله لعباده وحب العباد لله لا غير ذلك، فالله سبحانه قد ذكر أقواماً بأنه يحبهم لصفة قامت بهم أحبهم لأجلها كما سلب محبته عن قوم لصفات قامت بهم، ذكر ذلك في كتابه وعن لسان رسول الله ◌َية. انتهى الجزء الرابع عشر ومائة بانتهاء السفر الخامس عشر. ٥١١ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة [السفر السادس عشر] (الجزء الخامس عشر ومائة) بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرّحمَدِ فمن ذلك الاتباع لرسوله وَ ل﴿ فيما شرع قال تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] فاعلم أن الله محبتين أو تعلقين: محبته لعباده الذي هو خصوص إرادة التعلّق الأول حبّه إياهم ابتداء بذلك الحب وفقهم للاتباع اتباع رسله سلام الله على جميعهم، ثم أنتج لهم ذلك الاتباع تعلقين من المحبة لأن الاتباع وقع من طريقين من جهة أداء الفرائض والتعلّق الآخر من جهة ملازمة النوافل، قال ◌َل# فيما يرويه عن ربه عزّ وجلّ أنه قال الحديث وفيه: ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيٍ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيهِ وَلاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنوَافِلِ حَتَى أُحِبُّهُ فَإِذَا أَخْبَيْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَبَصَراً وَيَداً وَمُؤَيِّداً)) وإذا كان الحق سمع العبد وقواه في النوافل فكيف بالحب الذي يكون من الحق له بأداء الفرائض؟ وهو أن يكون الحق يريد بإرادة هذا العبد المجتبى، ويجعل له التحكّم في العالم بما شاء بمشيئته تعالى الأولية التعلّق التي بها وفقه فاندرج هذا التعلّق في الأوّل وهو قوله: ﴿وَمَا تَشَدَءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان: الآية ٣٠] وكل صفة ذكرها الحق أنه يحب من أجلها من قامت به فما حصلت له تلك الصفة إلاَّ بالاتباع، فإن رسول الله وَ ل# سنّها وذلك عن الله فإنه ما ينطق عن الهوى وأنه يفعل به وبنا، فنفى أن يكون الفعل له ولنا كما يراه بعضهم وهو قوله : ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّعُ إِلَّ مَا يُوحَىَ إِلَىَ وَمَآ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٩] فهو قوله: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٩] ومعنى الاتباع أن نفعل ما يقول لنا فإن قال: اتبعوني في فعلي اتبعناه، وإن لم يقل فالذي يلزمنا الاتباع فيما يقول فينتج لنا الاتباع فيما أمرنا به ونهانا عنه، والوقوف عند حدوده أن نتبعه في أفعاله في خلقه وهي المسمّاة كرامة وآية أي علامة على صدق الاتباع، والرسل أيضاً تابعون فإنه يقول عليه السلام: ﴿إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ﴾ فيكون ما يظهر عليه من الاتباع في فعل الله نتيجة اتباعه لأوامر الله آية، ويكون لنا ذلك كرامة وهو الفعل بالهمة والتوجّه من غير مباشرة، فيظهر على يد هذا العبد من خرق العوائد تما لا ينبغي أن يكون إلاَّ على ذلك الوجه من غير سبب إلاَّ مجرّد الإرادة إلاَّ لله تعالى، فإن ذلك الفعل إذا ظهر عن سبب موضوع ظاهر لم يكن من هذا الباب كطيران الطائر بسبب ظاهر وإن كان لا يمسكه إلاَّ الله، أي الله الذي وضع له أسباب الإمساك في الهواء، والإنسان إذا اخترق الهواء ومشى فيه بمجرد الإرادة لا بسبب ظاهر معتاد أشبه فعل الحق في تكوين الأشياء بالإرادة، فهذا الفارق بينه وبين وقوع ذلك بالأسباب، وأصله التحقق بالاتباع، والمتبع في التشريع إنما هو الله، والمتبع في الفعل بالإرادة إنما هو الله، والكل بعناية الله ومشيئته ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦]. ومن ذلك حبّه سبحانه التوّابين، فالتوّاب صفته، ومن أسمائه تعالى يقول عزّ وجلّ : ٥١٢ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٨] فما أحبّ إلاَّ اسمه وصفته، وأحبّ العبد لاتصافه بها، ولكن إذا اتصف بها على حدّ ما أضافها الحق إليه، وذلك أن الحق يرجع على عبده في كل حال يكون العبد عليه ممّا يبعده من الله وهو المسمّى ذنباً ومعصية ومخالفة، فإذا أقيم العبد في حق من أساء إليه من أمثاله وأشكاله فرجع عليه بالإحسان إليه والتجاوز عن إساءته فذلك هو التواب ما هو الذي رجع إلى الله، فإنه لا يصحّ أن يرجع إلى الله إلاَّ من جهل أن الله معه على كل حال، وما خاطب الحق بقوله: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨١] إلاَّ من غفل عن كون الله معه على كل حال كما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهٍ مِنْ حَبّلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] فإن رجعت إليه من حيث حساب أو سؤال فذلك رجوع في الحقيقة من حال أنت عليه حال ما أنت عليها . ولما كانت الأحوال كلها بيد الله أضيف الرجوع إلى الله على هذا الوجه، فالراجع إلى الله إنما يرجع من المخالفة إلى الموافقة ومن المعصية إلى الطاعة، فهذا معنى حب التوّابين، فإذا كنت من التوّابين على من أساء في حقك كان الله تواباً عليك فيما أسأت من حقه فرجع عليك بالإحسان، فهكذا فلتعرف حقائق الأمور وتفهم معاني خطاب الله عباده وتميز بين المراتب فتكون من العلماء بالله وبما قاله، وجاء ذكره لهذه المحبة في التوّابين عقب ذكر الأذى الذي جعله في المحيض، وكذلك قال عليه السلام: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ مُفْتَنَّ تَوَّابٍ)) أي مختبر يريد أن يختبره الله بمن يسيء إليه من عباد الله فيرجع عليهم بالإحسان إليهم في مقابلة إساءتهم وهو التواب، لا أن الله يختبر عباده بالمعاصي، حاشا الله أن يضاف إليه مثل هذا وإن كانت الأفعال كلها لله من حيث كونها أفعالاً وما هي معاصي إلاَّ من حيث حكم الله فيها بذلك، فجميع أفعال الله حسنة من حيث ما هي أفعال فافهم ذلك. ومن ذلك حبّه للمتطهرين قال تعالى: ﴿ وَيُحِبُّ الْمُطَهْرِنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] فالتطهير صفة تقديس وتنزيه وهي صفته تعالى، وتطهير العبد هو أن يميط عن نفسه كل أذى لا يليق به أن يرى فيه وإن كان محموداً بالنسبة إلى غير وهو مذموم شرعاً بالنسبة إليه، فإذا طهر نفسه من ذلك أحبه الله تعالى كالكبرياء والجبروت والتفخر والخيلاء والعجب، فمنها صفات لا تدخل القلب جملة واحدة للطابع الإلهيّ الذي على القلوب وهو قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر: الآية ٣٥] فيظهر في ظاهره الكبرياء والجبروت على من استحق من قومه، إما في زعمه وتحيله، وإما في نفس الأمر وهو في قلبه معصوم من ذلك الكبرياء والجبروت لأنه يعلم عجزه وذلّته وفقره لجميع الموجودات، وأن قرصة البرغوث تؤلمه والمرحاض يطلبه لدفع ألم البول والخراءة عنه، ويفتقر إلى كسيرة خبز يدفع بها عن نفسه ألم الجوع، فمن صفته هذه كل يوم وليلة كيف يصحّ أن يكون في قلبه كبرياء وجبروت؟ وهذا هو الطبع الإلهيّ على قلبه فلا يدخله شيء من ذلك. وأمّا ظهور ذلك على ظاهره فمسلم، ولكن جعل الله لها مواطن يظهر فيها بهذه الأوصاف ولا يكون مذموماً، وجعل لها مواطن يذمّه فيها، فمن طهر ذاته عن أن ترى عليه ٥١٣ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة هذه النعوت في غير مواطنها فهو متطهر ويحبه الله، كما نفى محبته عن كل مختال فخور، فإنه لا يظهر بهذه الصفة إلاَّ من هو جاهل والجهل مذموم، ولهذا نهى الله نبيه وَيقر أن يكون جاهلاً. وقال لنوح عليه السلام: ﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [سورة هود: الآية ٤٦] فإنه لا يخلو أن يفتخر على مثله أو على ربه وخالقه، فإن افتخر على مثله فقد افتخر على نفسه، والشيء لا يفتخر على نفسه، ففخره واختياله جهل، ومحال أن يفتخر على خالقه لأنه لا بدّ أن يكون عارفاً بخالقه أو غير عارف بأن له خالقاً، فإن عرف وافتخر عليه فهو جاهل بما ينبغي أن يكون لخالقه من نعوت الكمال، وإن لم يعرف كان جاهلاً فما أبغضه الله ولم يحبه إلاّ لجهله، إذ لم يكن هذا في غير موطنه إلاَّ لجهله، والجهل موت والعلم حياة وهو قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٢] يعني بالعلم ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ﴾ وذلك نور الإيمان والكشف الذي أوحى الله به إليه أو امتن به عليه، فالمتطهر من مثل هذه النعوت محبوب لله فافهم. ومن ذلك حبّه المطهرين قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٨] وهم الذين طهروا غيرهم كما طهروا نفوسهم، فتعدّت طهارتهم إلى غيرهم فقاموا فيها مقام الحق نيابة عنه، فإنه المطهر على الحقيقة والحافظ والعاصم والواقي والغافر، فمن منع ذاته وذات غيره أن يقوم بها ما هو مذموم في حقّها عند الله فقد عصمها وحفظها ووقاها وسترها عن قيام أمثال هذه بها، فهو مطهر لها بما علمها من علم ما ينبغي لينفر عنه بنور العلم وحياته ظلمة الجهالة وموتها، فيكون في ميزانه يوم القيامة ومن الأنوار التي تسعى بين يديه وهو محبوب عند الله مخصوص بعناية ولاية إلهية واستخلاف، والولاة الخلفاء من المقربين ممّن استخلفهم عليهم لأنهم موضع مقصور من استخلفهم دون غيرهم، وكل إنسان وال على جوارحه فما فوق ذلك، وقد أعلمه الله بما هي الطهارة التي يطهر بها رعاياه . ومن ذلك حبّه للصابرين وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَِّرِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٤٦] وهم الذين ابتلاهم الله فحبسوا نفوسهم عن الشكوى إلى غير الله الذي أنزل بهم هذا البلاء ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ﴾ عن حمله لأنهم حملوه بالله وإن شقّ عليهم لا بدّ من ذلك وإن لم يشق عليهم فليس ببلاء ﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٤٦] لغير الله في إزالته ولجؤوا إلى الله في إزالته كما قال العبد الصالح: ﴿مَسَّتِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨٣] فرفع الشكوى إليه لا إلى غيره، فأثنى الله عليه بأنه وجده صابراً ﴿نِعْمَ اَلْعَبْدِّ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ [سورة ص: الآية ٣٠] مع هذه الشكوى، فدل أن الصابر يشكو إلى الله لا إلى غيره بل يجب عليه ذلك لما في الصبر إن لم يشك إلى الله من مقاومة القهر الإلهيّ وهو سوء أدب مع الله، والأنبياء عليهم السلام أهل أدب وهم على علم من الله فإنك تعلم أن صبرك ما كان إلاّ بالله ما كان من ذاتك ولا من حولك وقوّتك فإن الله يقول: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٧] فبأي شيء تفتخر وهو ليس لك؟ فما ابتلى الله عباده إلاَّ ليلجؤوا في رفع ذلك إليه ولا يلجؤوا في رفعه إلى غيره، فإذا فعلوا ذلك كانوا من الصابرين وهو الفتوحات المكبة ج٣ - م٣٣ ٥١٤ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة محبوب الله. ومن أسمائه تعالى النعتية الصبور فما أحب إلاَّ من رأى خلعته عليه، ثم إن هنا سراً وأقامك فيه مقامه، فإن الصبر لا يكون إلاَّ على أذى، وقد عرفنا أن في خلقه من يؤذي الله ورسوله ونعتهم لنا لنعرفهم فندفع ذلك الأذى عنه تعالى بمقاتلتهم أو بتعليمهم إن كانوا جاهلين طالبين العلم وقد سمّى نفسه صبوراً، وقد رفع إلينا ما أوذي به وعرفنا بهم لنذب عنه وندفع الأذى مع الاتصاف بالصبور لنعلم أنا إذا شكونا إليه ما نزل من البلاء وسألناه في رفعه عنا وسؤالنا إياه لا يزول عنا اسم الصبر فلا تزول عنا محبته كما لم يزل عنه اسم الصبور بتعريفه إيانا من أذاه حتى ندفع عنه، فإنه ورد في الصحيح: ((لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذِى مِنَ اللَّهِ)) فاجعل بالك لما نبهناك عليه . ومن ذلك حب الشاكرين، فوصف الحق نفسه في كتابه إنه يحب الشاكرين﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٤٤] والشكر نعمته فإنه شاكر عليم، فما أحب من العبد إلاّ ما هو صفة له ونعت، والشكر لا يكون إلاّ على النعم لا على البلاء كما يزعم بعضهم ممّن لا علم له بالحقائق لأنه تعالى أبطن نعمته في نقمته ونقمته في نعمته، فالتبس على من لا علم له بالحقائق أي بحقائق الأمور فتخيل أنه يشكر على البلاء وليس بصحيح، كشارب الدواء المكروه وهو من جملة البلاء ولكن هو بلاء على من يهلك به وهو المرض الذي لأجله استعمله، فالألم هو عدوّ هذا الدواء، إياه يطلب، ولكن لما قام البلاء بهذا المحل الواجد للألم ورد عليه المنازع الذي يريد إزالته من الوجود وهو الدواء فوجد المحل لذلك كراهة، وعلم أنه في طيّ ذلك المكروه نعمة لأنه المزيل للألم، فشكر الله تعالى على ما فيه من النعمة وصبر على ما يكره من استعماله لعلمه بأنه طالب ذلك الألم حتى يزيله، فما سعى إلاَّ في راحة هذا المحل فتفطن لهذا، فلهذا كان شاكراً، فلما شكره على ما في هذا المكروه من النعمة الباطنة زاده نعمة أخرى وهي العافية وإزالة المرض وتصبره الدواء الكره عليه ولذلك قال: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٧] فزاده العافية، وكذلك أيضاً لما أوذي الحق وسعينا في إزالة ذلك المؤذي بأن آذيناه أو سسناه حتى رجع عن الأمر الذي كان يؤذي الحق به، فإن كنا قد آذينا هذا المؤذي بقتال وأمثاله كان ذلك للحق بمنزلة شرب الدواء الذي يكرهه المريض في الحال ويراه نعمة لما فيه من إزالة ذلك الأمر المؤذي، وإنما قلنا ذلك لأن الكل من فعله وقضائه وقدره، وقد أوحى الله لنبيه داود أن يبني له بيتاً يعني بيت المقدس فكلما بناه تهدم فقال له ربه فيما أوحى إليه أنه لا يقوم على يديك فإنك سفكت الدماء، فقال له: يا رب ما كان ذلك إلاَّ في سبيلك، فقال: صدقت ما كان إلاَّ في سبيلي ومع هذا أليسوا عبيدي؟ فلا يقوم هذا البيت إلاَّ على يد مطهرة من سفك الدماء، فقال: يا رب اجعله مني، فأوحى الله إليه أنه يقوم على يد ولدك سليمان فبناه سليمان عليه السلام، فهذا عين ما نبهتك عليه إن تفطنت، ومن هنا تعرف الأمر على ما هو عليه، وأن مبني الأمر الإلهي أبداً على هو لا هو، فإن لم تعرفه كذا فما عرفته ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فهذا عين ما قلناه من أنه هو لا هو، وهنا حارت عقول من لم يشاهد الحقائق على ما هي ٥١٥ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة عليه، فلما أزال العبد هذا الأذى عن جناب الحق وإن كان فيه ما في استعمال الدواء شكره الله على ذلك، والشكر يطلب المزيد، فطلب من عباده سبحانه بشكره أن يزيدوه فزادوه في العمل وهو قوله عليه السلام: ((أَفَلاَ أَكونُ عَبْداً شَكُوراً)) فزاد في العبادة لشكر الله له شكراً، فزاد الحق في الهداية والتوفيق في موطن الأعمال حتى إلى الآخرة حيث لا عمل ولا ألم على السعداء . وأمّا التنبيه على استعمال الدواء الكره في إماطة الأذى عن الله فقد أبان عنه الحق في قوله في قبضه نسمة عبده المؤمن فوصف نفسه تعالى بأنه يكره مساءة عبده لكون العبد يكره الموت ولا بدّ له منه مع أنه وصفه نفسه بأنه كاره لذلك، فهذا عين كراهة ما يجده المريض في شرب الدواء، لأن مرتبة العلم تعطي ذلك فإنه وقوع خلاف المعلوم محال، فلا بدّ من وجوب وجود العالم لما تعطيه الحقائق الإلهية وأين الإمكان من الوجوب! فاشحذ فؤادك واعلم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٨] فأردف وصفه نفسه بالشكر وصفه بالعلم، فزد في عملك تكن قد جازيت ربك على شكره إياك على ما عملت له، وذلك العمل هو الصوم فإنه له ودفع الأذى عنه وهو قوله: ((هل واليت فيّ ولياً أو عاديت فيّ عدوّا)). وهو قوله: (وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتجالسين فيّ))، والمتباذلين فيّ، والله يجعلنا تمن أنعم عليه فرأى نعمة الله عليه في كل حال فشكر. ومن ذلك حب المحسنين وهو قوله: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٤] والإحسان صفته وهو المحسن المجمل فصفته أحب وهي الظاهرة في نفسه، والإحسان الذي به يسمّى العبد محسناً هو أن يعبد الله كأنه يراه أي يعبده على المشاهدة، وإحسان الله هو مقام رؤيته عباده في حركاتهم وتصرّفاتهم وهو قوله: ﴿أَنَُّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فشهوده لكل شيء هو إحسانه فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك، فكل حال ينتقل فيه العبد فهو من إحسان الله إذ هو الذي نقله تعالى ولهذا سمّي الإنعام إحساناً فإنه لا ينعم عليك بالقصد إلاَّ من يعلمك، ومن كان علمه عين رؤيته فهو محسن على الدوام فإنه يراك على الدوام لأنه يعلمك دائماً، وليس الإحسان في الشرع إلاَّ هذا وقد قال له: فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أي فإن لم تحسن فهو المحسن، وهذا تعليم النبيّ وَّة لجبريل بحضور الصحابة من باب قولهم: إياك أعني فاسمعي يا جارة، فالمخاطب غير مقصود بذلك العلم فإنه عالم به، والمقصود به من حضر من السامعين، وبهذا فسّره رسول الله الله فقال في هذا الحديث: هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، ومن ذلك حب المقاتلين في سبيل الله بوصف خاص قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَئِنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [سورة الصف: الآية ٤] يريد لا يدخله خلل فإن الخلل في الصفوف طرق الشياطين والطريق واحدة وهي سبيل الله، وإذا قطع هذا الخط الظاهر من النقط ولم يتراص لم يظهر وجود للخط والمقصود وجود الحظ، وهذا معنى الرص لوجود سبيل الله، فمن لم يكن له تعمّل في ظهور سبيل الله فليس من أهل الله، وكذلك صفوف المصلين لا ٥١٦ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة تكون في سبيل الله حتى تتصل وتتراص الناس فيها، وحينئذ يظهر سبيل الله في عينه، فمن لم يفعل وأدخل الخلل كان ممّن سعى في قطع سبيل الله وإزالته من الوجود، فأراد الله من عباده في مثل هذا أن يجعلهم من الخالقين ولذلك قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] ولا يكون السبيل إلاَّ هكذا، كالخط الموجود من النقط المتجاورة التي ليس بين كل نقطتين حيز فارغ لا نقطة فيه وحينئذ تظهر صورة الحظ، كذلك الصف لا يظهر فيه سبيل الله حتى يتراص الناس فيه فهو يطلب الكثرة وهو في جناب الله تراص أسمائه تبارك وتعالى، فيظهر عن تراصها سبيل الخلق فيكون الحيّ وإلى جانبه العليم ولا يكون بينهما فراغ لاسم آخر، ويكون إلى جانبه المريد، ويكون إلى جانبه القائل، ويكون إلى جانبه القادر، ويكون إلى جانبه الحكم، وإلى جانبه المقيت، وإلى جانبه المقسط، وإلى جانبه المدبر، وإلى جانبه المفصل، وإلى جانبه الرازق، وإلى جانبه المحيي، فهكذا يكون صف الأسماء الإلهية لإيجاد سبيل الخلق الذي يكون بهذا التراص وجوده، فإذا ظهرت هذه السبيل وليست بزائدة على تراص هذه الأسماء فاتصف الخلق بهذه الأسماء لأنها بتراصهاوهو حالها عن طريق الخلق، فلا تزال ظاهرة في الخلق لا تعقل إلاَّ هكذا، فالعالم حيّ عالم مريد قائل قادر حكم مقيت مقسط مدبر مفصل هكذا إلى بقية الأسماء الإلهية، وهو المعبر عنه في الطريق بالتخلق بالأسماء فتظهر في العبد كما تظهر في إيجاد الطريق المستقيم بتراصها، فإن دخلها في الكون خلل زال سبيل الله وظهرت سبل الشياطين التي تتخلل خلل الصفوف كما ورد في الخبر، فَاجْعَلْ بَالَكَ لِمَا نَبَّهْتُكَ عَلَيْهِ . فإذا قام العبد بأسماء الحق مقام الأسماء في إيجاد الخلق وقاتل بهذه الصفة الأعداء الذين هم بمنزلة الشياطين التي تتخلل خلل الصف فبالضرورة ينصرون لأنه لم يبق هناك خلل يدخل منه العدوّ فأحب الله من هذه صفتهم، وكذا الإنسان وحده هو صف في كل ما هو فيه متحرك، فتكون حركاته كلها لله لا يتخللها شيء لغير الله فلا يقاومه أحد، فإن الأعداء أبصارهم إليه محدقة ينظرون في حركاته وأفعاله عسی یجدون خللاً يدخلون عليه منه، فيقطعون بينه وبين الله بقطع سبيل الله وكل فعل خط فإنه مجموع أسماء إلهية وصفات محمودة والأفعال كثيرة فيكثف الأمر ويعظم وتظهر صور المركبات في العالم، إذ كل خطين فما زاد سطح، وكل سطحين جسم، وكل جسم فمركب من ثمانية وهو صورة كمال ظهرت عن ذات وسبع صفات فغاية التركيب الجسم وليس وراءه مرتبة، وقد قام على ثمانية بلا خلاف بين الجميع، وما زاد على هذا فهو أجسم أي أكثر سطوحاً، وإذا كان أكثر سطوحاً كان أكثر خطوطاً، وإذا كان أكثر خطوطاً كان أكثر نقطاً، فلم يزد على ما تركب منه الجسم الذي هو أوّل الأجسام مادة غير ما قبله الأوّل أو كان به الجسم الأوّل، فمن تراص في صفّه كان خلاقاً، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] فأثبت لهم هذا الوصف وجعل نفسه أحسن لأوليته في ذلك إذ لولاه ما ظهرت أعيان هؤلاء الخالقين، فأثبت ما أثبت الله ولا تزله فتحرم فائدة العلم بموافقة الحق فتكون من المخالفين فتكون من ٥١٧ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة الجاهلين، فمن كان بهذه الصفة كان محبوباً لله تعالى، ومن كان محبوباً لم يدر أحد ما يعطيه محبه إذ لنفسه يعطي، وقد تعرّضت هنا مسألة يجب بيانها وهي أن الله أحب أولياءه والمحب لا يؤلم محبوبه وليس أحد بأشدّ ألماً في الدنيا ولا بلاء من أولياء الله رسلهم وأنبيائهم وأتباعهم المحفوظين المعانين على اتباعهم، فمن أي حقيقة استحقوا هذا البلاء مع كونهم محبوبين؟ فلنقل إن الله قال: ﴿يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] والبلاء أن لا يكون أبداً إلاّ مع الدعوى، فمن لم يدع أمراً مّا لا يبتلى بإقامة الدليل على صدق دعواه، فلولا الدعوى ما وقع البلاء، غير أن الرسول ما يطالب بالدليل فإنه ما ادّعى ولهذا يقال: ليس على النافي إقامة دليل، وليس الأمر كذلك بل عليه الدليل إذا ادّعى النفي، فإن ادّعى النفي في أمر مّا فذلك ثبوت عين الدعوى، فيطالب النافي من حيث دعواه على إقامة الدليل لأنه مثبت. ولما أحبّ الله من أحبّ من عباده رزقهم محبته من حيث لا يعلمون، فوجدوا في نفوسهم حبّاً لله فادعوا أنهم من محبي الله فابتلاهم الله من كونهم محبين وأنعم عليهم من كونهم محبوبين، فإنعامه دليل على محبته فيهم ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] وابتلاؤه إياهم لما ادعوه من حبهم إياه، فلهذا ابتلى الله أحبابه من المخلوقين. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ومن ذلك حب الجمال هو نعت إلهيّ، ثبت في الصحيح أن رسول الله وَ ل قال: ((إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)) فنبهنا بقوله جميل أن نحبه فانقسمنا في ذلك على قسمين: فمنا من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة فأحبه في كل شيء لأن كل شيء محكم وهو صنعة حكيم، ومنا من لم تبلغ مرتبته هذا وما عنده علم بالجمال إلاَّ هذا الجمال المقيد الموقوف على الغرض وهو في الشرع موضع قوله: ((اعبدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» فجاء بكاف الصفة فتخيل هذا الذي لم يصل إلى فهمه أكثر من هذا الجمال المقيد فقيده به كما قيده بالقبلة فأحبه لجماله، ولا حرج عليه في ذلك فإنه أتى بأمر مشروع له على قدر وسعه ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وبقي علينا حبّه تعالى للجمال. فاعلم أن العالم خلقه الله في غاية الإحكام والإتقان كما قال الإمام أبو حامد الغزالي من أنه لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم، فأخبر أنه تعالى ((خلق آدم على صورته»والإنسان مجموع العالم، ولم یکن علمه بالعالم تعالى إلاَّ علمه بنفسه إذ لم يكن في الوجود إلاَّ هو فلا بدّ أن يكون على صورته، فلما أظهره في عينه كان مجلاه فما رأى فيه إلاَّ جماله فأحب الجمال، فالعالم جمال الله فهو الجميل المحب للجمال، فمن أحب العالم بهذا النظر فقد أحبّه بحب الله، وما أحبّ إلا جمال الله، فإن جمال الصنعة لا يضاف إليها وإنما يضاف إلى صانعه، فجمال العالم جمال الله وصورة جماله دقيق أعني جمال الأشياء، وذلك أن الصورتين في العالم وهما مثلا شخصان تمن يحبهما الطبع وهما جاريتان أو غلامان قد اشتركا في حقيقة الإنسانية فهما مثلان، وكمال الصورة التي هي أصول من كمال الأعضاء والجوارح وسلامة المجموع والآحاد من العاهات والآفات ويتصف أحدهما بالجمال فيحبه كل من رآه، ويتصف الآخر بالقبح فيكرهه كل من رآه، فما هو الجمال الذي انطلق عليه اسم الجمال حتى أحبه كل من رآه؟ فقد وكلناك في علم ذلك إلى نفسك ونظرك، فهذا إذا وقع حب الشخص من ٥١٨ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة مجرّد الرؤية خاصة لا بعد الصحبة والمعاشرة، فدبّر وانظر تعثر إن شاء الله على عين الأمر في وصف الحق نفسه بأنه جميل وبحبه للجمال مع خلقه المكروه والمضار وما لا يلائم الطباع ولا يوافق الأغراض، فهذا قد ذكرنا طرفاً من الصفات التي يحب الله من اتصف بها وهي كثيرة جداً، فقد نبهناك بما ذكرناه على مأخذها وكيف يتصرّف الإنسان فيها، فلنذكر طرفاً من نعوت الحب الذي ينبغي أن يكون المحب عليها إن شاء الله وبها يسمّى محباً فهي كالحدود للحب. فمن ذلك أنه موصوف بأنه مقتول تالف سائر إليه بأسمائه طيار دائم السهر كامن الغم راغب في الخروج من الدنيا إلى لقاء محبوبه، متبرّم بصحبة ما يحول بينه وبين لقاء محبوبه، كثير التأوّه يستريح إلى كلام محبوبه وذكره بتلاوة ذكره، موافق لمحاب محبوبه، خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة، يستقل الكثير من نفسه في حق ربه، يستكثر القليل من حبيبه، يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته، خارج عن نفسه بالكلية لا يطلب الدية في قتله، يصبر على الضراء التي ينفر منها الطبع لما كلفه محبوبه من تدبيره، هائم القلب مؤثر محبوبه على كل مصحوب ملتذ في دهش جاوز الحدود بعد حفظها غيور على محبوبه منه يحكم حبه فيه على قدر عقله، جرحه جبار، لا يقبل حبه الزيادة بإحسان المحبوب ولا النقص بجفائه، ناس حظه وحظ محبربه غير مطلوب بالآداب، مخلوع النعوت، مجهول الأسماء كأنه سال وليس بسال، لا يفرق بين الوصل والهجر هيمان متيم في إدلال، ذو تشويش خارج عن الوزن، يقول عن نفسه إنه عين محبوبه، مصطلم مجهود، لا يقول لمحبوبه: لم فعلت كذا أو قلت كذا مهتوك الستر سرّه علانية فضيحة الدهر لا يعلم الكتمان لا يعلم أنه محب كثير الشوق ولا يدري إلى من، عظيم الوجد ولا يدري فيمن، لا يتميز له محبوبه، مسرور محزون موصوف بالضدين، مقامه الخرس حاله يترجم عنه لا يحب العوض، سكران لا يصحو مراقب متحر لمراضيه مؤثر في المحبوب الرحمة به والشفقة لما يعطيه شاهد حاله ذو أشجان كلما فرغ نصب لا يعرف التعب، روحه عطية وبدنه مطية لا يعلم شيئاً سوى ما في نفس محبوبه قرير العين لا يتكلم إلاَّ بكلامه، هم المسمّون بحملة القرآن لما كان المحبون جامعين جميع الصفات كانوا عين القرآن كما قالت عائشة وقد سُئِلت عن خلق رسول الله وَ لّ فقالت: ((كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ)) لم تجب بغير هذا. وسُئِل ذو النون عن حملة القرآن من هم؟ فقال: هم الذين أمطرت عليهم سحاب الأشجان، وأنصبوا الركب والأبدان، وتسربلوا الخوف والأحزان، وشربوا بكأس اليقين، وراضوا أنفسهم رياضة الموقنين، فكان قرّة أعينهم فيما قلّ وزجا وبلغ وكفا وستر ووارى، كحلوا أبصارهم بالسهر، وغضوها عن النظر، وألزموها العبر، وأشعروها الفكر، فقاموا ليلهم أرقاً، واستهلت آماقهم نسقاً، صحبوا القرآن بأبدان ناحلة، وشفاه ذابلة، ودموع زائلة، وزفرات قاتلة، فحال بينهم وبين نعيم المتنعمين، وغاية آمال الراغبين، فاضت عبراتهم من وعيده، وشابت ذوائبهم من تحذيره، فكان زفير النار تحت أقدامهم، وكان وعيده نصب قلوبهم . ومن ألطف ما روينا في حال المحب عن شخص من المحبين دخل على بعض الشيوخ ٥١٩ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة فتكلم الشيخ له على المحبة فما زال ذلك الشخص ينحل ويذوب ويسيل عرقاً حتى تحلل جسمه كله وصار على الحصير بين يدي الشيخ بركة ماء ذاب كله، فدخل عليه صاحبه فلم ير عند الشيخ أحداً فقال له: أين فلان؟ فقال الشيخ: هوذا، وأشار إلى الماء ووصف حاله، فهذا تحليل غريب واستحالة عجيبة حيث لم يزل ينحف عن كثافته حتى عاد ماء، فكان أولاً حياً بماء فعاد الآن يحيي كل شيء لأن الله قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] فالمحب على هذا من يحيا به كل شيء. وأخبرني والدي رحمه الله أو عمّي لا أدري أيهما أخبرني أنه رأى صائداً قد صاد قمرية حمامة أيكة فجاء ساق حر وهو ذكرها فلما نظر إليها وقد ذبحها الصائد طار في الجوّ محلقاً إلى أن علا ونحن ننظر إليه حتى كاد يخفى عن أبصارنا ثم إنه ضم جناحيه وتكفن بهما وجعل رأسه ممّا يلي الأرض ونزل نزولاً له دويّ إلى أن وقع عليها فمات من حينه ونحن ننظر إليه، هذا فعل طائر، فيأيها المحب أين دعواك في محبة مولاك؟ وحدّثنا محمد بن محمد عن هبة الرحمن عن أبي القسم بن هوازن قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت سمنوناً وهو جالس يتكلم في المسجد في المحبة وجاء طير صغير قريباً منه ثم قرب فلم يزل يدنو حتى جلس على يده ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سال منه الدم ومات. هذا فعل الحب في الطائر قد أفهمه الله قول هذا الشيخ فغلب عليه الحال وحكم عليه سلطان الحب موعظة للحاضرين وحجة على المدعين، لقد أعطانا الله منها الحظ الوافر إلاَّ أنه قوّانا عليه، والله إني لأجد من الحب ما لو وضع في ظني على السماء لانفطرت، وعلى النجوم لانكدرت، وعلى الجبال لسيّرت، هذا ذوقي لها، لكن قواني الحق فيها قوّة من ورثته وهو رأس المحبين أني رأيت فيها في نفسي من العجائب ما لا يبلغه وصف واصف، والحب على قدر التجلّي والتجّي على قدر المعرفة، وكل من ذاب فيها وظهرت عليه أحكامها فتلك المحبة الطبيعية، ومحبة العارفين لا أثر لها في الشاهد فإن المعرفة تمحو آثارها لسرّ تعطيه لا يعرفه إلاّ العارفون، فالمحب العارف حيّ لا يموت روح مجرد لا خبر للطبيعة بما يحمله من المحبة، حبّه إلهيّ وشوقه ربانيّ مؤيد باسمه القدّوس عن تأثير الكلام المحسوس، برهان ذلك هذا الذي ذاب حتى صار ماء، لو لم يكن ذا حب ما كان هذا حاله فقد كان محباً ولم يذب حتى سمع كلام الشيخ فثار كامن حبه فكان منه ما كان، فالحب لا حكم له في المحب حتى يثيره كلام متكلم حب طبيعيّ لأن الطبيعة هي التي تقبل الاستحالة والإثارة إذ قد كان موصوفاً بالحب قبل كلام الشيخ ولم يذب هذا الذوبان الذي صيّره ماء بعدما كان عظماً ولحماً وعصباً، فلو كان إلهيّ الحب ما أثرت فيه كلمات الحروف ولا هزّت روحانيته هذه الظروف، فاستحى من دعواه في الحب وقام في قلبه نار الحياء فما زال يحلله إلى أن صار كما حكى، فلا يلحق التغيير في الأعيان وانتقل في أطوار الأكوان إلاَّ صاحب الحب الطبيعيّ، وهذا هو الفرقان بين الحب الروحانيّ الإلهيّ وبين الحب الطبيعيّ. ٥٢٠ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة والحب الروحانيّ وسط بين الحب الإلهيّ والطبيعيّ فيما هو إلهيّ يبقى عينه، وبما هو طبيعيّ يتغير الحال عليه ولا يفنيه، فالفناء أبداً من جهة الحب الطبيعيّ، وبقاء العين من جانب الحب الإلهيّ جبريل لما كان حبّه روحانياً وهو روح وله وجه إلى الطبيعة من حيث جسميته، لأن الأجسام الطبيعية الخارجة عن العناصر لا تستحيل بخلاف الأجسام العنصرية فإنها تستحيل لأنها عن أصول مستحيلة، والطبيعة لا تستحيل في نفسها لأن الحقائق لا تنقلب أعيانها، فغشي على جبريل ولم يذب عين جوهر جسمه كما ذاب صاحب الحكاية فغشي عليه من حيث ما فيه من حب الطبيعة وبقي العين منه من حيث حبّه الإلهيّ، فالمحب الإلهيّ روح بلا جسم، والمحب الطبيعيّ جسم بلا روح، والمحب الروحانيّ ذو جسم وروح، فليس للمحب الطبيعيّ العنصري روح يحفظه من الاستحالة، فلهذا يؤثر الكلام في المحبة في المحب الطبيعيّ، ولا يؤثر في المحب بالحب الإلهيّ، ويؤثر بعض تأثير في المحب بالحب الروحانيّ حدّثنا محمد بن إسماعيل اليمني بمكة قال: حدثنا عبد الرحمن بن علي قال: أنبأنا أبو بكر بن حبيب العامري قال: أنبأنا علي بن أبي صادق قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي قال: أخبرنا بكران بن أحمد قال: سمعت يوسف بن الحسين قال: كنت قاعداً بين يدي ذي النون وحوله ناس وهو یتکلم علیھم والناس یبکون وشاب يضحك فقال له ذو النون: ما لك أيها الشاب؟ الناس يبكون وأنت تضحك! فأنشأ يقول: [الخفيف] كلُّهم يعبدونَ من خَوْفِ نارٍ ليس لي في الجنان والنار رأيٌ فقيل له: فإن طردك فماذا تفعل؟ فقال: [الخفيف] وَيَرَوْنَ النجاةَ حظاً جَزِيلاً أنا لا أبْتَغي بحبِّي بَديلاً رُمْتُ في النار منزلاً ومَقِيلا فإذا لم أَجِدْ من الحبِّ وصلاً بُكْرةً في ضَريعها وأصيلا أنا عَبْدٌ أجبتُ مولى جليلا فجزاني منه العذابَ الوبيلا ثم أَزْعَجْتُ أهلَها ببكائي معْشَرَ المشركين نوحوا عليّ إن لم أكُنْ في الذي اذَّعيْتُ صدوقاً وخدمت أنا بنفسي امرأة من المحبات العارفات بإشبيلية يقال لها فاطمة بنت ابن المثنى القرطبي خدمتها سنين وهي تزيد في وقت خدمتي إياها على خمس وتسعين سنة، وكنت أستحي أن أنظر إلى وجهها وهي في هذا السن من حمرة خديها وحسن نعمتها وجمالها تحسبها بنت أربع عشرة سنة من نعمتها ولطافتها، وكان لها حال مع الله، وكانت تؤثرني على كل من يخدمها من أمثالي وتقول: ما رأيت مثل فلان إذا دخل عليّ دخل بكله لا يترك منه خارجاً عني شيئاً، وإذا خرج من عندي خرج بكله لا يترك عندي منه شيئاً. وسمعتها تقول: عجبت لمن يقول: إنه يحب الله ولا يفرح به وهو مشهوده عينه إليه ناظرة في كل عين لا يغيب عنه طرفة عين، فهؤلاء البكاؤون كيف يدعون محبته ويبكون أما يستحيون إذا كان قربه مضاعفاً من قرب المقربين إليه والمحب أعظم الناس قربة إليه فهو مشهوده فعلى من يبكي إن هذه الأعجوبة. ثم تقول لي: يا ولدي ما تقول فيما أقول؟ فأقول لها: يا أمي القول قولك،