Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
في المعاملات/ الباب الرابع والسبعون ومائة في معرفة مقام السفر وأسراره
الاعتبار، والقربة إلى الله لما في الأنس بالخلق من الوحشة. فاعلم أن أهل الله ما طلبوا
السياحة في الأرض ولزوم الفقر وسواحل البحار إلاَّ لما غلب عليهم من الأنس بالجنس الذين
هم أشكاله من الأناسي، وهو وإن كان ذلك الأنس في الظاهر فهو استيحاش في الباطن منٍ
حيث لا يشعر طالب السياحة، ولا يعلم طالب السياحة أنه ما دعاه إلى ذلك إلاّ الوحشة إلاّ
بعد وقوفه على ما تنتج له السياحة، وذلك أن الله خلق الإنسان الذي هو آدم وكل خليفة على
صورته نفى عنه المماثلة فقال: إنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وسرت هذه
الحقيقة في الإنسان، فإذا جنح إلى الله وتاب استشرفت نفسه على هذه المرتبة أعني نفي
المثلية، فلما رأى أمثاله من الناس غار أن يكون له مثل كما غار الحق أن يكون ثم من ينسب
إليه الألوهية غيره، فاستوحش من المخلوقين وطلب الانفراد بذاته من أمثاله حتى لا يبقى له
أنس إلاَّ بذاته وحده ولا يرى له مثلاً، ففرّ بنفسه إلى الأماكن القاصية عن رؤية أمثاله، فلازم
الجبال وبطون الأودية وهذه الحالة هي السياحة، فأسفرت له هذه السياحة عن مطلوبه فأنس
بذاته فذلك تشبهه بمقام قوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ﴾ [سورة غافر: الآية ١٦] لأنه لم يبق مدّع كان
يدعي الألوهية موجوداً كذلك هذا ما بقي له في الفقر الذي هو فيه من يتسمّى بإنسان الذي هو
مثله غير الوحش، فالوحش وغير الجنس له بمنزلة العالم من الله فلهذا طلب السفر أي المعنى
الذي يظهر ما ذكرناه، ولهذا المعنى أشار الشبلي حين بات عند بعض إخوانه فسامره الشبلي
فقال له صاحبه: يا شبلي قم نتعبد، فقال له الشبلي: العبادة لا تكون بالشركة، وكذلك
الربوبية لا تكون بالشركة، فبقوة الصورة التي خلق الإنسان عليها طلب الفرار من الناس دون
غيرهم من المخلوقين، ولهذا ما ادّعى أحد من الخلق الألوهية إلاَّ هذا الجنس الإنسانيّ، فلم
يرد السائح أن يرى مثله لهذا الذي ذكرناه، هذا مقام هذا السفر.
وأما السفر في المعقولات بالفكر وفي مراتب المعارف والعلوم فله باب آخر في هذا
الكتاب يرد بعد هذا إن شاء الله في باب من أبواب الأحوال، فهذه سياحة الخصوص من أهل
الله، وأما سياحة العموم منهم فسبب سياحتهم قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ
فَإِيَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٥٦] فنظروا ما هي أرض الله؟ فقالوا: كل أرض موات لا
يكون عليها ملك لغير الله فتلك أرضه الخاصة به المضافة إليه البريئة من الشركة فيها البعيدة
من المعمور، فإن الأرض الميتة القريبة من العمران يمكن أن يصل إليها بعض الناس فيحييها
فيملكها بأحيائها والبعيدة من العمران سالمة من هذا التخيل فقالوا: ما أمرنا الله بالعبادة فيها
إلاَّ ولها خصوص وصف، وليس فيها من خصوص الأوصاف إلاّ كونها ليس فيها نفس لغير
الله ففيها نفس الرحمن، فإذا عبد الإنسان ربه في مثل هذه الأرض وجد أنساً من تلك الوحشة
التي كانت له في العمران، ووجد لذة وطيباً في قلبه وانفراده، وذلك كله من أثر نفس الرحمن
الذي نفس الله به عنه ما كان يجده من الغمّ والضيق والحرج في الأرض المشتركة، فهذا الذي
أدى العامة من أهل الله إلى السياحة، ثم إنهم رأوا في هذه الأرض من الآيات والعجائب
والاعتبارات ما دعاهم إلى النظر فيما ينبغي لمالك هذه الأرض، فأنار الله قلوبهم بأنوار العلوم،

٤٤٢
في المعاملات/ الباب الخامس والسبعون ومائة في مقام ترك السفر
وفتح لهم في النظر في الآيات وهي العلامات الدالة على عظمة من انقطعوا إليه وهو الله تعالى
ورثاً نبوٍياً من قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [سورة الإسراء: الآية ١] ثم قال: ﴿لِرِيَهُ
مِنْ ءَايَئِنَا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١] فعرج به إلى السموات إلى أن بلغ به الإسراء إلى حيث قدره الله
له من المنازل العالية، فأراه من الآيات ما زاده علماً بالله إلى علمه لذا قرن به ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾
لما خوطب به ﴿اَلْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١] لما شاهده من الآيات فالسايحون من عباد الله
يشاهدون من آيات الله ومن خرق العوائد ما يزيدهم قوّة في إيمانهم ونفسهم ومعرفتهم بالله
وأنسابه ورحمة بخلقه وشفقة عليهم، فإذا رأوا قمة جبل شامخ تذكروا علوّا لهم حيث لم يطلبوا
من الله إلاَّ الأنفس، وهو الانفراد به في خلوة من أشكالهم حذراً من الشغل بسواهم، وإذا
كانوا في بطن واد أو قاع من القيعان ذكرهم ذلك بعبوديتهم وتواضعهم تحت جبروت سلطان
خالقهم، فذلّوا في أنفسهم وعرفوا مقدارهم، وعلموا أن ما ينالونه من الرفعة إنما ذلك بعناية
الله لا باستحقاق .
ثم إذا كانوا على ساحل بحر تذكروا بالبحر سعة علم الله وسعة عظمته ورحمته، ثم
يرون مع هذه العظمة ما تحدث فيه الرياح من تلاطم الأمواج وتداخل بعضها في بعض،
فيذكرهم ذلك في جناب الحق تعارض الأسماء الإلهية وتداخل بعضها في بعض في تعلقاتها
مثل الاسم المنتقم والسريع الحساب والشديد العقاب عند معصية العاصي، ويجيء أيضاً في
مقابلة هذه الأسماء الاسم الغفار والعفوّ والمحسان، فتتقابل الأسماء على هذا العبد العاصي،
وكذلك التردّد الإلهيّ يعتبرونه في تموّج هذا البحر فيفتح لهم في بواطنهم في علوم إلهية لا
ينالونها إلاَّ في مشاهدة ذلك البحر في سياحتهم، فيكثر منهم التكبير والتعظيم لجناب الله، ثم
ما يحصل لهم من خرق العوائد في استئناس الوحوش بهم وإقبالهم عليهم، وفيهم من تكلمه
الوحوش بلسانه، وفيهم من يعلم منطقها وترى ما هم عليه من عبادة الله ما يزيدهم ذلك
حرصاً واجتهاداً في طاعة ربهم. والحكايات في كتب القوم في ذلك كثيرة جدّاً، ولولا أن
كتابنا هذا مبناه على المعارف والأسرار لسقنا من الحكايات ما شاهدناه بنفوسنا في سياحتنا
واجتماعنا بهذه الطائفة وما رأينا فيهم من العجائب، وهذا القدر كاف في الغرض المقصود من
هذا الباب، حتى يرد الكلام إن شاء الله في السفر ومراتبه فيما بعد عند ذكر المسافر والسالك
والطريق. والله يهدي من يشاء إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
الباب الخامس والسبعون ومائة
في مقام ترك السفر
[نظم: البسيط]
إذا أتتك بها الآياتُ والسُّوَرُ
احذَر بأن تَجْعَلِ الأعيانَ واحدةٌ
وما لنا عندكم عَيْن ولا أَثَرُ
من قوله أنت عبدي والإلهُ أنا
قال الله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا

٤٤٣
في المعاملات/ الباب الخامس والسبعون ومائة في مقام ترك السفر
لُغُوبٌ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٥] قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فقطع
المسافات زيادة تعب بل تعب خاصة فإنه ما يحركني إلاَّ طلبه، فلولا أني جعلته مطلوبي
ومقصدي بهذه السياحة والسفر ما طلبته، وقد أخبرني أنه معي في حال انتقالاتي، كما هو
معي في حال الإقامة وله في كل شيء وجهة فلماذا أجول؟ فالحركة لتحصيله دليل على عدم
الوجدان في السكون، فأطلب وجهه في موضع إقامتي، فإذا عرفته فيه كنت منزلاً من منازل
القمر مقصوداً لا قاصداً ولا نازلاً، تطلبني الأسماء ولا أطلبها، وتقصدني الأنوار ولا
أقصدها، وقفت مع من لا يجوز عليه التحرّك والانتقال، فصاحب السفر مع قوله: ينزل ربنا
كل ليلة إلى السماء الدنيا وصاحب الإقامة مع قوله: ﴿ الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية
٥] والسكون أولى من الحركة، فإن العبد مأمور بالسكون تحت مجاري الأقدار، وما يأتي به
الله إليه في الليل والنهار، وقال في ذم من بادر الأقدار: ((بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ
الجَنَّةَ)) والمبادرة حركة، ما قال الله لنا آمراً: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَّكِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٩] إلاَّ لنسكن
ويكون هو سبحانه الذي يتصرف في أمر عبده حتى يوفيه ما قدر له من كل ما يصيبه، حتى أنه
لو كان تما يصيبه السفر والانتقال لنقله الحق بهذه الصفة التي هو عليها من السكون في محفة
عناية إلهية لا يعرف الحركة المتعبة مستريحاً مظللاً عليه مخدوماً، هذا سفر تارك السفر إذا كان
مقدراً له السفر، وقد ذقنا الأمرين، ورأينا السكون أرجح من الحركة وأقوى في المعرفة مع
انتقال الأحوال عليه في كل نفس، وذاك الانتقال عليه لا بدّ منه له، فهو طريق مطرقة يسلك
فيها ولا يسلك، فإذا انتقل هو بذاته فلا يزيد شيئاً على تلك الانتقالات عليه إلاَّ التعب خاصة،
فكان المسافر يستعجل عذاباً ومشقة، فإن الأمور الجارية على العبد مثل الرزق، والأجل إن لم
تأت إليه أتى إليها لا بدّ من ذلك: [الوافر]
ولا مَغْنَى لشكوى الشَّوْق يوماً
إلى من لا يزول من العَيَانِ
السكون مع المشاهدة والحركة مع الفقد إلاَّ الحركة المأمور بها، لأنك لا تخلو أن
تتحرك في طلبه فأنت فاقداً، وفي غير طلبه فأنت خاسر، فالسكون بكل حال أولى من
الحركة التي في مقام ذلك السكون، وأنت في مقام أن تتحرك بالله، فالسكون بالله مع الله
أولى لراحة الوقت، فإنه والله إن كنت فاقداً له في السكون فأنت في الحركة المحسوسة
أفقد بما لا يتقارب ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٥] ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا
بِاللهِ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٧] لو لم يكن من شرف السكون إلاّ ورود الأسماء الإلهية عليك
ونزول الحق إليك لأنك إن تحركت إليه حددته، وإن سكنت معه عبدته، الحركة إليه عين
الجهل به، والسكون معه عين العلم به، ما أسرى برسول الله وَ* ليراه، وإنما أسرى به
ليريه من آياته من قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [سورة غافر: الآية
٥٧] فمن رجح ترك السفر فقد أصاب في النظر وقصد عين الخبر إذا كان جليس الذاكر فإلى
أين يرحل، فهذا قد أبنت لك عن السفر وتركه، فكن بحسب ما يقع لك، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل.

٤٤٤ في المعاملات / الباب السادس والسبعون ومائة في معرفة أحوال القوم رضي الله عنهم عند الموت
الباب السادس والسبعون ومائة
في معرفة أحوال القوم رضي الله عنهم عند الموت
[نظم: البسيط]
تنوَّعَتْ وهي أَمْثَالٌ وأشْكَالُ
للقوم عند حُلول الموتِ أحوالٌ
ومنهم من يرى الأملاكَ والحالُ
تُعْطي الحقائقُ والتَّفْصيلُ إجمالُ
إليه تُتْحِفُه والرُّسْلُ أعمالُ
وهو الذي عنده الشَّشْبيهُ إضْلالُ
فمنهم من يرى الأسماءَ تَطْلُبُه
في ذاك مختلفٌ عند الوجود لما
ومنهم من يرى الأزْسَالَ مُقْبلةً
ومنهم من يرى الشّنزيه يطلبه
وكلُّهم سعدوا والعينُ واحدةٌ
وعندهم في جنان الخُلْد أشغَالُ
فهو الصحيحُ الذي ما فيه إِشْكَالُ
هذا هو الحقُّ لا تبغي به بَدَلاً
قال رسول الله وَلَهُ: ((يَمُوتُ المَرْءُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ وَيُخْشَرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ مَاتَ)).
وقال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية ٢٢] يعني عند الموت أي يعاين
ما هو أمره عليه الذي ينفرد به أهل الله العابدون ربهم إذا أتاهم اليقين، يقول لنبيه وعليه :
﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٩] يعني الموت لأنه أمر متيقن لا اختلاف في
وقوعه في كل حيوان، وإنما وقع الخلاف في ماهيته، قال شاعرهم:
إلاَّ على شَجَبٍ والخُلْفُ في الشَّجَبِ
فخَالَفَ الناسُ حتى لا اتْفَاقَ لهم
يعني ما هو والشجب الموت، فإذا حضرتهم الوفاة رضي الله عنهم فلا بدّ لهم من
مشاهد اثنتي عشرة صورة يشهدونها كلها أو بعضها لا بدّ من ذلك وهنّ: صورة عمله،
وصورة علمه، وصورة اعتقاده، وصورة مقامه، وصورة حاله، وصورة رسوله، وصورة
الملك، وصورة اسم من أسماء الأفعال، وصورة اسم من أسماء الصفات، وصورة اسم من
أسماء النعوت، وصورة اسم من أسماء التنزيه، وصورة اسم من أسماء الذات، وكان الأولى
أن تكون هذه الصور كلها بالسين لا بالصاد، فإنها منازل معان إلاَّ أنه لما تجسدت المعاني
وظهرت بالأشكال والمقادير لذلك تصورت في صور، إذ كان الشهود بالبصر وحكمت
الحضرة بذلك الخيالية البرزخية، فالموت والنوم سواء فيما تنتقل إليه المعاني، فمنهم من
يتجلى له عند الموت عمله العمل فيتجلى له عمله في الزينة والحسن على قدر ما أنشأه العامل
عليه من الجمال، فإن أتم العمل كما شرع له ولم ينقص منه شيئاً يشينه انتقاصه كان في أتم
نشأة حسنة ظهرت من تمام أركان ذلك العمل الظاهرة والباطنة من الحضور وشهود الرب في
قلبه وفي قبلته إذا صلَّى، وكل عمل مشروعٍ فهو صلاة، ولهذا قال ◌َّ عن الله تعالى أنه يقول
يوم القيامة: ((انْظُرُوا فِي صَلاةٍ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَةً، وَإِنْ كَان
انْتَقْصَ مِنْهَا شَيْئاً قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوّعِ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوَّعْ قَالَ: أَكْمِلُوا لِعَبْدِي
فَرِيضَته مِنْ تَطَوُّعِهِ)) ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم، فإن كان العمل غير ذات العامل كمانع الزكاة

في المعاملات/ الباب السادس والسبعون ومائة في معرفة أحوال القوم رضي الله عنهم عند الموت ٤٤٥
وكغاصب أمر ما حرم عليه اغتصابه كسى ذلك المال صورة عمل هذا العبد من حسن أو قبح،
فإن كان قبيحاً طوق به كما قال في مانع الزكاة: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةُ﴾ [سورة آل
عمران: الآية ١٨٠] وقال فيه عليه السلام يمثل له ماله شجاعاً أقرع الحديث وفيه يقول له: ((أَنَا
كَنْزُكَ فَيُطَوَّقُ)) والكنز من عمل العبد في المال، وهكذا لعباد الله الصالحين فيما يجودون به من
الخیر بما يرجع إلى نفوسهم وإلى التصرّف في غیر ذواتهم فیری علامات ذلك كله، وهذا داخل
تحت قوله تعالى: ﴿سَيُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] وهذا الموطن
من بعض مواطن ما يرى فيه عمله فيشاهد العبد الصالح عند الاحتضار عمله الصالح الذي هو
لروحه مثل البراق لمن أسرى به عليه فيرفع تلك الروح الطيبة إلى درجاتها حيث كانت من
عليين، فإن عباد الله على طبقات في أعمالهم في الحسن والأحسن والجميل والأجمل العلم.
ومنهم رضي الله عنهم من تجلى له عند الموت علمه بالجناب الإلهي وهم رجلان :
رجل أخذ علمه بالله عن نظر واستدلال، ورجل أخذ علمه عن كشف وصورة الكشف أتم
وأجمل في التجلّي، لأن الكشف واقتناء هذا العلم ينتجه تقوى وعمل صالح وهو قوله:
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] فيظهر له علمه عند الموت صورة حسنة أو
نوراً يلتبس به فيفرح به، فإن صحبته دعوى في اقتنائه ذلك العلم نفسية فهو في الصورة
الجميلة دون من لم تصحبه دعوى في اقتناء ذلك العلم بل يراه منحة إلهية وفضلاً ومنة لا يرى
لنفسه تعمّلاً بل يكون ممّن فني عن عمله في عمله فكان معمولاً به، كالآلة للصانع يعمل بها
وينسب العمل إليه لا إليها، فيقع الثناء على الصانع العامل بها لا عليها، فهكذا يكون بعض
عباد الله في اقتناء علومهم الإلهية، فتكون صورة العلم في غاية من الحسن والجمال الاعتقاد.
ومنهم المعتقد الذي لا علم عنده إلاَّ أن عقده موافق للعلم بالأمر على ما هو عليه،
فكان يعتقد في الله ما يعتقده العالم، لكن عن تقليد لمعلمه من العلماء بالله، ولكن لا بدّ أن
يتخيل ما يعتقده، فإنه ليس في قوّته أن يجرده عن الخيال وهو عند الاحتضار، وللاحتضار
حال استشراف على حضرة الخيال الصحيح الذي لا يدخله ريب ما هو الخيال الذي هو قوّة
في الإنسان في مقدم دماغه، بل هو خيال من خارج كجبريل في صورة دحية، وهو حضرة
مستقلة وجودية صحيحة ذات صور جسدية تلبسها المعاني والأرواح فتكون درجته بحسب ما
اعتقده من ذلك المقام، فإن كان هذا العبد صاحب مقام قد لحق بدرجة الأرواح النورية فإنها
التي ذكر الله عنها أنها قالت: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٦٤] فيظهر له
مقامه في صورة فينزل فيها منزلة الوالي في ولايته فيكون بحسب مقامه، وهذه كلها بشارات
الحياة الدنيا الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُثْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة يونس: الآية ٦٣، ٦٤].
الحال: فإن كان صاحب حال في وقت احتضاره يرد عليه من الله حال يقبض فيه فهو
له، كالخلعة لا كالولاية، فيتلبس بها ويتجمل بحسب ما يكون ذلك الحال دلّ على منزلته،
والحال قد تكون ابتداء وقد تكون عن عمل متقدم وبينهما فرقان، وإن كان الحال موهوباً على

٤٤٦ في المعاملات / الباب السادس والسبعون ومائة في معرفة أحوال القوم رضي الله عنهم عند الموت
كل وجه، ولكن الناس على قسمين: منهم من تتقدم له خدمة فيقال: إنه مستحق لما خلع
عليه. ومنهم من لم يتقدم له ذلك فتكون المنة والعناية به أظهر لأنه لا يعرف له سبب مع أن
الأحوال كلها مواهب والمقامات استحقاق الرسل.
ومنهم من يتجلى له عند الاحتضار رسوله الذي ورثه إذ كان العلماء ورثة الأنبياء، فيرى
عيسى عند احتضاره أو موسى أو إبراهيم أو محمداً أو أي نبيّ كان على جميعهم السلام،
فمنهم من ينطق باسم ذلك النبيّ الذي ورثه عندما يأتيه فرحاً به لأن الرسل كلهم سعداء،
فيقول عند الاحتضار عيسى أو يسميه المسيح كما سمّاه الله وهو الأغلب فيسمع الحاضرون
بهذا الولي يتلفظ بمثل هذه الكلمة فيسيؤون الظن به وينسبونه إلى أنه تنصر عند الموت وأنه
سلب عنه الإسلام، أو يسمّى موسى أو بعض أنبياء بني إسرائيل فيقولون: إنه تهود وهو من
أكبر السعداء عند الله، فإن هذا المشهد لا تعرفه العامة بل يعرفه أهل الله من أرباب الكشوف،
وإن كان ذلك الأمر الذي هو فيه اكتسبه من دين محمد وَلَر، ولكن ما ورث منه هذا الشخص
إلاَّ أمراً مشتركاً كان لنبي قبله وهو قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ٩٠] فلما كانت الصورة مشتركة جلى الحق له صاحب تلك الصورة في النبي الذي
كانت له تلك الصفة التي شاركه فيها محمد وَ لَوَ مثل قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ [سور ظُه،
الآية ١٤] وذلك ليتميز هذا للشخص بظهور من ورثه من الأنبياء عمّن ورث غيره، فلو تجلى في
صورة محمدية التبس عليه الشخص الذي ورث محمداً وَ ل﴿ فيما اختصّ به دون غيره من
الرسل الملك.
ومنهم من يتجلى له عند الاحتضار صورة الملك الذي شاركه في المقام فإنهم
الصافون، ومنهم المسبحون، ومنهم التالون، إلى ما هم عليه من المقامات، فينزل إليه الملك
صاحب ذلك المقام مؤنساً وجليساً تستنزله عليه تلك المناسبة، فربما يسميه عند الموت ويرى
من المحتضر تهمماً به وبشاشة وفرحاً وسروراً، وما وصفنا في هذا الاحتضار إلاَّ أحوال
الأولياء الخارجين عن حكم التلبيس ما ذكرنا من أحوال العامة من المؤمنين فإن ذلك مذاق
آخر، وللأولياء هذا الذي نذكره خاصة، فلذلك ما نتعرض لما يطرأ من المحتضر من العامة
ممّا يكره رؤيته ويتمعر وجهه ليس ذلك مطلوبنا، ولا يرفع بذلك رأساً أهل الله، وإن تعرض
لهم فإنهم عارفون بما يرونه.
أسماء الأفعال: ومنهم من يتجلى له عند الموت هجيره من الأسماء الإلهية، فإن كان
من أسماء الأفعال كالخالق بمعنى الموجد والباري والمصوّر والرزاق والمحيي وكل اسم
يطلب فعلاً فهو بحسب ما كان عليه في معاملته معه ظهر له بما يناسب ذلك العمل فيراه في
أحسن صورة فيقول له: من أنت يرحمك الله؟ فيقول: هجيرك، وسيأتي ذكر الهجيرات من
هذا الكتاب في باب أحوال الأقطاب من آخره إن شاء الله .
أسماء الصفات: فإن كان هجيره كل اسم يستدعي صفة كمال كالحي والعالم والقادر
والسميع والبصير والمريد فإن هذه الأسماء كلها أسماء المراقبة والحيا، فهم أيضاً بحسب ما

٤٤٧
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
كانوا في حال حياتهم عند هذه الأذكار من طهارة النفوس عن الأعراض التي تتخلل هذه النشأة
الإنسانية التي لا يمكن الانفكاك عنها، وليس لها دواء إلاَّ الحضور الدائم في مشاهدة الوجه
الإلهي الذي له في كل كون عرضي وغير عرضي.
أسماء النعوت: فإن كان هجيره أسماء النعوت وهي أسماء النسب كالأوّل والآخر وما
جرى هذا المجرى فهو فيها بحسب ما يقوم به من علم الإضافات في ذكره ربه بمثل هذه
الأسماء فيعرفه أن لها عيناً وجودياً كمثبتي الصفات أو لا عين لها .
أسماء التنزيه: ومنهم من يتجلى له عند الاحتضار أسماء التنزيه كالغني، فإن كان مثل
هذا الاسم هجيره في مدة عمره فهو فيه بحسب شهوده هل يذكره بكونه غنياً عن كذا ويذكره
غنياً حميداً من غير أن يخطر له عن كذا وكذا فيما يماثله من أسماء التنزيه سواء.
أسماء الذات: ومنهم من كان هجيره الاسم الله أو هو، والهو أرفع الأذكار عندهم كأبي
حامد. ومنهم من يرى أنت أتم وهو الذي ارتضاه الكتاني مثل قوله: يا حيّ يا قيوم يا لا إله
إلاَّ أنت. ومنهم من يرى أنا أتم وهو رأي أبي يزيد فإذا احتضر من هذا ذكره فهو بحسب
اعتقاده في ذلك من نسبة تلك الكناية من توهم تحديد وتجريد عن تحديد. ومنهم من يرى أن
التجريد والتنزيه تحديد ومن المحال أن يعقل أمر من غير تحديد أصلاً فإنه لا يخلو إمّا أن
يعقل داخلاً أو خارجاً أو لا داخل ولا خارج، أو هو عين الأمر لا غيره وكل هذا تحديد، فإن
كل مرتبة قد تميزت عن غيرها بذاتها ولا معنى للحد إلاَّ هذا، وهذا القدر كاف. انتهى الجزء
العاشر ومائة .
(الجزء الحادي عشر ومائة)
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الباب السابع والسبعون ومائة
في معرفة مقام المعرفة
[نظم: السريع]
رأى الذي في نّفْسه مِنْ صِفَهْ
من ارتَقَى فِي دَرَجِ المَعْرِفَهُ
للغَرْق بين العِلْم والمَعْرفِهْ
لأنها دلَّتْ عَلى واحدٍ
أرسله الحقُّ وما كَلَّفَةْ
لها وجودٌ في وجودِ الذي
فهو إمامُ الوقت في حالِهِ
ويشتهي الواقفُ أن يعرِفَهْ
في الرُّتْبَة العالية المُشْرفَهْ
تجري على الحِكْمة أحكامُه
اعلم أن المعرفة نعت إلهيّ لا عين لها في الأسماء الإلهية من لفظها، وهي أحدية
المكانة لا تطلب إلاّ الواحد، والمعرفة عند القوم محجة، فكل علم لا يحصل إلاَّ عن عمل
وتقوى وسلوك فهو معرفة لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشبه، بخلاف العلم الحاصل عن

٤٤٨
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
النظر الفكري لا يسلم أبداً من دخول الشبه عليه والحيرة فيه والقدح في الأمر الموصل إليه.
واعلم أنه لا يصحّ العلم لأحد إلاَّ لمن عرف الأشياء بذاته، وكل من عرف شيئاً بأمر زائد على
ذاته فهو مقلد لذلك الزائد فيما أعطاه، وما في الوجود من علم الأشياء بذاته إلاَّ واحد، وكل
ما سوى ذلك الواحد فعلمه بالأشياء وغير الأشياء تقليد، وإذا ثبت أنه يصحّ فيما سوى الله
العلم بشيء إلاَّ عن تقليد فلنقلد الله ولا سيما في العلم به، وإنما قلنا لا يصحّ العلم بأمر ما
فيما سوى الله إلاَّ بالتقليد، فإن الإنسان لا يعلم شيئاً إلاَّ بقوّة ما من قواه التي أعطاه الله وهي
الحواس والعقل، فالإنسان لا بدّ أن يقلد حسّه فيما يعطيه وقد يغلط وقد يوافق الأمر على ما
هو عليه في نفسه، أو يقلد عقله فيما يعطيه من ضرورة أو نظر، والعقل يقلد الفكر ومنه
صحيح وفاسد فيكون علمه بالأمور بالاتفاق فما ثم إلاَّ تقليد.
وإذا كان الأمر على ما قلناه فينبغي للعاقل إذا أراد أن يعرف الله فليقلده فيما أخبر به عن
نفسه في كتبه وعلى ألسنة رسله، وإذا أراد أن يعرف الأشياء فلا يعرفها بما تعطيه قواه، وليسع
بكثرة الطاعات حتى يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه، فيعرف الأمور كلها بالله ويعرف
الله بالله إذ ولا بدّ من التقليد، وإذا عرفت الله بالله والأمور كلها بالله لم يدخل عليك في ذلك
جهل ولا شبهة ولا شك ولا ريب، فقد نبهتك على أمر ما طرق سمعك، فإن العقلاء من أهل
النظر يتخيلون أنهم علماء بما أعطاهم النظر والحسّ والعقل وهم في مقام التقليد لهم، وما
من قوّة إلاَّ ولها غلط قد علموه، ومع هذا غالطوا أنفسهم وفرّقوا بين ما يغلط فيه الحسّ
والعقل والفكر وبين ما لا يغلط فيه، وما يدريهم لعل الذي جعلوه غلطاً يكون صحيحاً، ولا
مزيل لهذا الداء العضال إلاَّ من يكون علمه بكل معلوم بالله لا بغيره، وهو سبحانه عالم بذاته
لا بأمر زائد، فلا بدّ أن تكون أنت عالماً بما يعلمه به سبحانه لأنك قلدت من يعلم ولا يجهل
ولا يقلد في علمه، وكل من يقلد سوى الله فإنه قلد من يدخله الغلط وتكون إصابته بالاتفاق.
فإن قيل لنا: ومن أين علمت هذا وربما دخل لك الغلط وما تشعر به في هذه
التقسيمات وأنت فيها مقلد لمن يغلط وهو العقل والفكر؟ قلنا: صدقت ولكن لما لم نر إلاَّ
التقليد ترجح عندنا أن نقلد هذا المسمّى برسول والمسمّى بأنه كلام الله، وعلمنا عليه تقليداً
حتى كان الحق سمعنا وبصرنا، فعلمنا الأشياء بالله وعرفنا هذه التقاسيم بالله، فكان إصابتنا في
تقليد هذا بالاتفاق لأنا قلنا مهما أصاب العقل أو شيء من القوى أمراً ما على ما هو عليه في
نفسه إنما يكون بالاتفاق، فما قلنا إنه يخطىء في كل حال، وإنما قلنا لا نعلم خطأه من
إصابته، فلما كان الحق جميع قواه وعلم الأمور بالله عند ذلك علم الإصابة في القوى من
الغلط وهذا الذي ذهبنا إليه ما يقدر أحد على إنكاره فإنه يجده من نفسه، فإذا تقرّر هذا
فاشتغل بامتثال ما أمرك الله به من العمل بطاعته ومراقبة قلبك فيما يخطر فيه والحياء من الله
والوقوف عند حدوده والانفراد به وإيثار جنابه حتى يكون الحق جميع قواك فتكون على بصيرة
من أمرك وقد نصحتك، إذ قد رأينا الحق أخبر عن نفسه بأمور تردها الأدلة العقلية والأفكار
الصحيحة مع إقامة أدلتها على تصديق المخبر ولزوم الإيمان بها، فقلد ربك إذ ولا بدّ من

٤٤٩
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
التقليد، ولا تقلد عقلك في تأويله، فإن عقلك قد أجمع معك على التقليد بصحة هذا القول
إنه عن الله، فما لك منازع منك يقدح فيما عندك، فلا تقلد عقلك في التأويل، واصرف علمه
إلى الله قائله، ثم اعمل حتى تنزل في العلم به كهو، فحينئذ تكون عارفاً، وتلك المعرفة
المطلوبة والعلم الصحيح ﴿لَّ يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢].
وبعد أن تقرّر هذا فلنرجع إلى الطريقة المعهودة في هذا الباب التي بأيدي الناس من
أهله، فإن هذه الطريقة التي نبهناك عليها طريقة غريبة فنقول: إن المحاسبي ذكر أن المعرفة
هي العلم بأربعة أشياء: الله والنفس والدنيا والشيطان. والذي قال رسول الله وَلّ إن المعرفة
بالله ما لها طريق إلاَّ المعرفة بالنفس فقال: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وقال: ((أَعْرَفُكُمْ بِنَفْسِهِ
أَعْرَفُكُمْ بِرَبِّهِ)» فجعلك دليلاً، أي جعل معرفتك بك دليلاً على معرفتك به، فإمّا بطريقة ما
وصفك بما وصف به نفسه من ذات وصفات وجعله إياك خليفة نائباً عنه في أرضه. وإمّا بما
أنت عليه من الافتقار إليه في وجودك. وأما الأمران معاً لا بدّ من ذلك، ورأينا الله يقول في
العلم بالله المعبر عنه بالمعرفة: ﴿سَفِرِيهِمْ ءَايَِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
[سورة فصلت: الآية ٥٣] فأحالنا الحق على الآفاق وهو ما خرج عنا وعلى أنفسنا وهو ما نحن عليه
وبه، فإذا وقفنا على الأمرين معاً حينئذ عرفناه وتبين لنا أنه الحق فدلالة الله أتم، وذلك أنا إذا
نظرنا في نفوسنا ابتداء لم نعلم هل يعطي النظر فيما خرج عنا من العالم وهو قوله في الآفاق
علماً بالله ما لا تعطيه نفوسنا أو كل شيء في نفوسنا، فإذا نظرنا في نفوسنا حصل لنا من العلم
به ما يحصل للناظر في الآفاق، فأما الشارع فعلم أن النفس جامعة لحقائق العالم فجمعك عليك
حرصاً منه كما قال فيه: ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨] حتى تقرب الدلالة فتفوز
معجلاً بالعلم بالله فتسعد به .
وأما الحق فذكر الآفاق حذراً عليك ممّا ذكرناه أن تتخيل أنه قد بقي في الآفاق ما يعطي
من العلم بالله ما لا تعطيه نفسك فأحالك على الآفاق، فإذا عرفت عين الدلالة منه على الله
نظرت في نفسك فوجدت ذلك بعينه الذي أعطاك النظر في الآفاق أعطاك النظر في نفسك من
العلم بالله، فلم تبق لك شبهة تدخل عليك لأنه ما ثم إلاَّ الله وأنت وما خرج عنك وهو
العالم، ثم علمك كيف تنظر في العالم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الِظِلّ﴾ [سورة الفرقان:
الآية ٤٥] ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [سورة الغاشية: الآية ١٧] لآية ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٥] وكل آية طلب منك فيها النظر في الآيات كما قال:
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٤] ويتفكرون، ويسمعون، ويفقهون،
وللعالمين وللمؤمنين، ولأولي النهى، ولأولي الألباب.
لما علم أنه سبحانه خلق الخلق أطواراً فعدّد الطرق الموصلة إلى العلم به، إذ كل طور
لا يتعدّى منزلته بما ركب الله فيه، فالرسول عليه السلام ما أحالك إلاَّ على نفسك لما علم أنه
سيكون الحق قواك فتعلمه به لا بغيره فإنه العزيز والعزيز هو المنيع الحمى، ومن ظفر به غيره
فليس بمنيع الحمى فليس بعزيز، فلهذا كان الحق قواك، فإذا علمته وظفرت به يكون ما علمه
الفتوحات المکیة ج٣ - م٢٩

٤٥٠
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
ولا ظفر به إلاَّهو فلا يزول عنه نعت العزّة وهكذا هو الأمر، فقد سدّ باب العلم به إلاَّ منه ولا
بدّ، ولهذا ينزّهه العقل ويرفع المناسبة من جميع الوجوه ويجيء الحق فيصدقه في ذلك
بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] يقول لنا صدق العقل فإنه ﴿أَعْطَى﴾ ما في
قوته لا يعلم غير ذلك فإني أعطيت ﴿كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ والعقل من جملة الأشياء فقد أعطيناه
خلقه وتمّم الآية فقال: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] أي بين، فبين سبحانه أمراً لم يعطه
العقل ولا قوّة من القويّ، فذكر لنفسه أحكاماً هو عليها لا يقبلها العقل إلاَّ إيماناً أو بتأويل
يردّها تحت إحاطته لا بدّ من ذلك.
فطريقة السلامة لمن لم يكن على بصيرة من الله أن لا يتأوّل ويسلم ذلك إلى الله على
علمه فيه هذه طريقة النجاة، فالحق سبحانه يصدق كل قوّة فيما تعطيه فإنها وفت بجميع ما
أعطاها الله وبقي للحق من جانب الحق ذوق آخر يعلمه أهل الله وهم أهل القرآن أهل الله
وخاصته فيعتقدون فيه كل معتقد، إذ لا يخلو منه تعالى وجه في كل شيء هو حق ذلك
الوجه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان إلهاً، ولكان العالم يستقل بنفسه دونه وهذا محال،
فخلوّ وجه الحق عن شيء من العالم محال، وهذه المعرفة عزيزة المنال فإنها تؤدي إلى رفع
الخطأ المطلق في العالم، ولا يرتفع الخطأ الإضافي وهو المنسوب إلى مقابله فهو خطأ
بالتقابل وليس بخطأ مع عدم التقابل، فالكامل من أهل الله من نظر في كل أمر على حدة حتى
يرى خلقه الذي أعطاه الله ووفاه إياه، ثم يرى ما بين الله لعباده ممّا خرج عن خلق كل شيء
فينزل موضع البيان من قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ موضعه وينزل كل خلق على ما أعطاه خالقه، فمثل
هذا لا يخطىء ولا يخطىء بإطلاق في الأصول والفروع، فكل مجتهد مصيب إن عقلت في
الأصول والفروع وقد قيل بذلك.
وبعد أن تقرّر ما ذكرناه فلنقل إن المعرفة في طريقنا عندنا لما نظرنا في ذلك فوجدناها
منحصرة في العلم بسبعة أشياء، وهو الطريق التي سلكت عليه الخاصة من عباد الله: الواحد :
علم الحقائق وهو العلم بالأسماء الإلهية. الثاني: العلم بتجلي الحق في الأشياء. الثالث:
العلم بخطاب الحق عباده المكلفين بألسنة الشرائع. الرابع: علم الكمال والنقص في الوجود.
الخامس: علم الإنسان نفسه من جهة حقائقه. السادس: علم الخيال وعالمه المتصل
والمنفصل. السابع: علم الأدوية والعلل. فمن عرف هذه السبع المسائل فقد حصل المسمّى
معرفة، ويندرج في هذا ما قاله المحاسبيّ وغيره في المعرفة.
العلم الأوّل: وهو العلم بالحقائق، وهو العلم بالأسماء الإلهية وهي على أربعة أقسام:
قسم يدل على الذات وهو الاسم العلم الذي لا يفهم منه سوى ذات المسمّى لا يدل على
مدح ولا ذم، وهذا قسم لم نجده في الأسماء الواردة علينا في كتابه ولا على لسان الشارع إلا
الاسم الله وهو اسم مختلف فيه. وقسم ثان وهو يدل على الصفات وهو على قسمين: قسم
يدل على أعيان صفات معقولة يمكن وجودها، وقسم يدل على صفات إضافية لا وجود لها
في الأعيان. وقسم ثالث وهو يدل على صفات أفعال وهو على قسمين: صريح ومضمن .

٤٥١
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
وقسم رابع مشترك يدل بوجه على صفة فعل مثلاً، وبوجه على صفة تنزيه. أما علم الأسماء
الإلهية وهو العلم الأوّل من المعرفة فهو العلم بما تدل عليه ممّا جاءت له وهو في هذه
الأقسام التي قسمناها حتى نبينها في هذا الباب إن شاء الله، والعلم أيضاً بخواصها والكلام فيه
محجور على أهل الله العارفين بذلك لما في ذلك من كشف أسرار وهتك أستار، وتأبى الغيرة
الإلهية إظهار ذلك، بل أهل الله مع معرفتهم بذلك لا يستعملونها مع الله، والدليل على ذلك
أن رسول الله ◌َّ أعلم الناس بها وبإجابة الله تعالى من دعاه بها لما هي عليه من الخاصية في
علم الله بها، وقد دعاه رسول الله وَ له في أمّته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعه ذلك ولم يجبه
وإن كان قد عوضه فمن باب آخر وهو أن كل دعاء لا يرد جملة واحدة وإن عوقب صاحبه،
ولكن يرد ما دعا به خاصة إذا دعا فيما لا يقتضيه خاصية ذلك الاسم، وأجاب دعاء بلعام بن
باعورا في موسى عليه السلام وقومه لما دعاه بالاسم الخاص بذلك وهو قوله: ﴿ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا
فَأَفْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٥] فلم يكن له من الاسم إلاَّ حروفه فنطق بها ولهذا
قال: ﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فكانت في ظاهره كالثوب على لابسه وكما تنسلخ الحية من جلدها،
ولو كان في باطنه لمنعه الحياء والمقام من الدعاء على نبيّ من الأنبياء وأجيب لخاص الاسم
وعوقب وجعل مثله كمثل الكلب ونسي حروف ذلك الاسم.
فلو أن رسول الله وَل يدعو بالاسم الخاص ويستعمله لأجابه الله في عين ما سأل مع
علمنا بأنه علم علم الأوّلين والآخرين وأنه أعلم الناس، فعلمنا أن دعاءه لم يكن بخاص
الاسم وتأدّب وسبب ذلك الأدب الإلهي، فإنه لا يعلم ما في نفس الله كما قال عيسى عليه
السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٦] فلعل ذلك الذي
يدعوه فيه ما له فيه خيرة فعدلوا عليهم السلام إلى الدعاء فيما يريدون من الله بغير الاسم
الخاص بذلك المراد، فإن كان الله في علمه فيه رضى وللداعي فيه خيرة أجاب في عين ما
سئل فيه، وإن لم يكن عوض الداعي درجات أو تكفيراً في سيئات، ومعلوم عند الخاص
والعام أن ثم إسماً عاماً يسمى الاسم الأعظم وهو في آية الكرسي وأوّل سورة آل عمران،
ومع علم النبيّ عليه السلام به ما دعا به في ما ذكرناه، ولو دعا به أجابه الله في عين ما سأل
فيه، وعلم الله في الأشياء لا يبطل، فلهذا أدّب الله أهله فهذا من علم الأسماء الإلهية.
ومن الأسماء ما هي حروف مركبة، ومنها ما هي كلمات مركبة مثل الرحمن الرحيم هو
اسم مركب كبعلبك، والذي هو حروف مركبة كالرحمن وحده. واعلم أن الحروف كالطبائع
وكالعقاقير بل كالأشياء كلها، لها خواص بانفرادها، ولها خواص بتركيبها، وليس خواصها
بالتركيب لأعيانها ولكن الخاصية لأحدية الجمعية، فافهم ذلك حتى لا يكون الفاعل في
العالم إلاَّ الواحد لأنه دليل على توحيد الإله، فكما أنه واحد لا شريك له في فعله الأشياء
كذلك سرت الحقيقة في الأفعال المنسوبة إلى الأكوان أنها لا تصدر منها إذا كانت مركبة إلاّ
لأحدية ذلك التركيب، وكل جزء منها على انفراده له خاصية تناقض خاصية المجموع، فإذا
اجتمع اثنان فصاعداً أعطى أثراً لا يكون لكل جزء من ذلك المجموع على انفراده كسواد
Mindon't ..

٤٥٢
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
المداد حدث السواد عن المجموع لأحدية الجمع، وكل جزء على انفراد لا يعطي ذلك
السواد، وهكذا تركيب الكلمات كتركيب الحروف.
ومن هنا تعلم أن الحرف الواحد له عمل ولكن بالقصد كما عمل ش في لغة العرب عند
السامع أن يشي ثوبه وهو حرف واحد، وق أن يقي نفسه من كذا، وع أن يعي ما سمعه مع
كونه حرفاً واحداً. وأما ﴿كُنْ﴾ فهو من فعل الكلمة الواحدة لا من فعل الحروف وخاصيته في
الإيجاد، وله شروط مع هذا يتأذّب أهل الله مع الله، فجعلوا بدله في الفعل بسم الله، وقد
استعمله رسول الله وَّ في غزوة تبوك وما سمع منه قبل ذلك ولا بعده، وإنما أراد إعلام
الناس من علماء الصحابة بمثل هذه الأسرار بذلك، فالذي نذكر في هذا الباب العلم بما
ذكرناه من أقسام الأسماء الإلهية أسماء الذات التي هي كالأعلام، فلا أعرف بيد العالم في
كتاب ولا سنّة منها شيئاً إلاَّ الاسم الله في مذهب من لا يرى أنه مشتق من شيء، ثم إنه مع
الاشتقاق الموجود فيه هل هو مقصود للمسمّى أو ليس بمقصود للمسمّى كما يسمّى شخصاً
بيزيد على طريق العلمية وإن كان هو فعلاً من الزيادة ولكن ما سميناه به لكونه يزيد وينمو في
جسمه وفي علمه، وإنما سميناه به لنعرفه ونصيح به إذا أردناه، فمن الأسماء ما يكون بالوضع
على هذا الحدّ، فإذا قيلت على هذا فهي أعلام كلها، وإذا قيلت على طريق المدح إن كانت
من أسماء المدح فهي أسماء صفات على الحقيقة، ومن شأن الصفة أنها لا يعقل لها وجود إلاَّ
في موصوف بها لأنها لا تقوم بنفسها، سواء كان لها وجود عيني أو إضافي لا وجود له في
عينه، فهي تدل على الموصوف بها بطريق المدح أو الذمّ وبطريق الثناء، وبهذا وردت الأسماء
الحسنى الإلهية في القرآن، ونعت بها كلها ذاته سبحانه وتعالى من طريق المعنى، وكلمة الله
من طريق الوضع اللفظي، فالظاهر أن الاسم الله للذات كالعلم ما أريد به الاشتقاق وإن كانت
فيه رائحة الاشتقاق كما يراه بعض علماء هذا الشأن من أصحاب العربية .
وأما أسماء الضمائر فإنها تدل على الذات بلا شك وما هي مشتقة مثل: هو، وذا،
وأنا، وأنت، ونحن، والياء من إني، والكاف من إنك، فلفظة هو اسم ضمير الغائب،
وليست الضمائر مخصوصة بالحق بل هي لكل مضمر، فهو لفظ يدل على ذات غائبة مع تقدم
كلام يدل عليه عند السامع، وإن لم يكن كذلك فلا فائدة فيه، ولذلك لا يجوز الإضمار قبل
الذكر إلاَّ في ضرورة الشعر لما يتقيد به الشاعر من الأوزان وأنشدوا في ذلك: جزى ربه عني
عدي بن حاتم. فأضمر قبل الذكر فإنه أراد أن يقول : جزى عني عدي بن حاتم ربه فلم يتزن
فقدّم الضمير من أجل الوزن ومن الضمائر لفظة ذا وهي من أسماء الإشارة مثل قوله: ﴿ذَلِكُمُ
اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٢] وكذلك لفظة ياء المتكلم مثل قوله: ﴿فَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
لِذِكْرِىّ﴾ [سورة طه: الآية ١٤] وكذلك لفظة أنت وتاء المخاطب مثل قوله: ﴿كُنُتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ
عَلَيَّهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٧] ولفظة نحن ولفظ إنا مشدّدة ولفظة نا مثل قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩] وكذلك حرف كاف الخطاب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة
غافر: الآية ٨] فهذه كلها أسماء ضمائر وإشارات وكنايات تعمّ كل مضمر ومخاطب ومشار إليه

٤٥٣
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
ومكنى عنه وأمثال هذه، ومع هذا فليست أعلاماً ولكنها أقوى في الدلالة من الأعلام، لأنّ
الأعلام قد تفتقر إلى النعوت وهذه لا افتقار لها، وما منها كلمة إلاَّ ولها في الذكر بها نتيجة .
وما أحد من أهل الله أهل الأذواق رأيناه نبّه على ذلك في طريق الله للسالكين بالأذكار
إلاَّ على لفظ هو خاصة وجعلوها من ذكر خصوص الخصوص لأنها أعرف من الاسم الله
عندهم في أصل الوضع، لأنها لا تدل إلاَّ على العين خاصة المضمرة من غير اشتقاق، وإنما
غلبها أهل الله على سائر المضمرات والكنايات لكونها ضمير غيب مطلق عن تعلّق العلم
بحقيقته، وقالوا: إن لفظة هو ترجع إلى هويته التي لا يعلمها إلاَّ هو، فاعتمدوا على ذلك ولا
سيما الطائفة التي زعمت أنه لا يعلم نفسه تعالى الله عن ذلك وما علمت الطائفة أن غير لفظة
هو في الذكر أكمل في المرتبة مثل الياء من أني، والنون من نزلنا، ولفظة نحن، فهؤلاء أعلى
مرتبة في الذكر من هو في حق السالك لا في حق العارف، فلا أرفع من ذكر هو عند العارفين
في حقهم، وكما هي عندهم أعلى في الرتبة من لفظة هو كذلك هي أعلى من أسماء الخطاب
مثل كاف المخاطب وتائه وأنت، فإنه لا يقول أني وأنا ونحن إلاَّ هو عن نفسه، فمن قالها به
فهو القائل: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] فنتيجته أعظم لأن الذكر يعظم بقدر
عظم علم الذاكر ولا أعلم من الله، وباقي أسماء الضمائر مثل هو وذا وكاف الخطاب هي من
خواص عين المشار إليه، فهي أشرف من الهو، ومع هذا فما أحد من أهل الله سنّ الذكر بها
كما فعلوا بلفظة هو، فلا أدري هل منعهم من ذلك عدم الذوق لهذا المعنى وهو الأقرب
فإنهم ما جعلوها ذكراً، فإن قالوا: فإنها تطلب التحديد. قلنا: فذلك سائغ في جميع
المضمرات، ونحن نقول بالذكر بذلك كله مع الحضور على طريق خاص.
وقد ورد في الشرع ما يقوي ما ذهبنا إليه من ذلك قوله وَّر: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ
سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدَهُ)) وقوله عن الله: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسانَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ)) والحق بلا شك
هو القائل بالنون وأنا وأنا ونحن وأني فلنذكره بها نيابة عنه، أو نذكره به لأنه الذاكر بها على لساني،
فهو أتم في الحضور بالذكر وأقرب فتحاً للوقوف على ما تدل عليه. ولهذه الأسماء أيضاً أعني
المضمرات خواص في الفعل لم أر أحداً يعرف منها من أهل الله إلاّ لفظة هو، فإذا قلت هو كان
هو، وإن لم يكن هو عند قولك هو ولكن يكون هو عند قولك هو، وكذلك ما بقي من أسماء
الإضمار، فاعلم ذلك فإنه من أسرار المعرفة بالله ولا يشعر به ولا نبّه أحد عليه من أهل الله غيرة
وبخلاً أو خوفاً لما يتعلق به من الحظر لما يظهر فيه من تكوين الله عند لفظة هو من العبد، إذ كان الله
يقولها على لسان عبده آية ذلك من كتاب الله: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنٍِّ﴾ [سورة المائدة: الآية
١١٠] فإن تكوين الله بلفظ هو من العبد هو ظهوره في مظهر خاص في ذلك الوقت، إذ لا يظهر
غيره ولا قال هو إلاَّ هو فهو أظهر نفسه، فهو الظاهر المظهر والباطن المبطن والعزيز المعزّ والغنيّ
المغني، فقد نبهتك على سر هذا الذكر بهذا الاسم، وعلى هذا تأخذ جميع أسماء الضمائر
والإشارات والكنايات، ولكن الطهارة والحضور والأدب والعلم بهذه الأمور لا بدّ منه حتى
تعرف من تذكر، وكيف تذكر، وممن يذكر، وبمن تذكر، والله خير الذاكرين له ولك.

٤٥٤
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
القسم الثاني: من علم الأسماء الإلهية. وهذا القسم ينقسم قسمين: العلم بأسماء
صفات المعاني مثل الحيّ وهو اسم يطلب ذاتاً موصوفة بالحياة والعلم يسمّى الموصوف به
عالماً، والقادر للموصوف بالقدرة، والمريد للموصوف بالإرادة، والسميع والبصير والشكور
للموصوف بالسمع والبصر والكلام، وهذه كلها معان قائمة بالموصوف أو نسب على خلاف
ينطلق عليه منها أسماء، ولها أحكام في الموصوف بها، وتلك الأسماء وإن كانت تدل على
ذات موصوفة بصفة تسمّى علماً وقدرة ولكن لها مراتب كمن قام به العلم يسمّى عالماً وعليماً
وعلأَّماً وخبيراً ومحصياً ومحيطاً، هذه كلها أسماء لمن وصف بالعلم، ولكن مدلول كونه
عالماً خلاف مدلول كونه عليماً وخبيراً، يفهم من ذلك ما لا يفهم من العالم، فإن عليماً
للمبالغة فيفهم منه ما لا يفهم من العالم، فإن من يعلم أمراً ما من المعلومات يسمّى عالماً،
ولا يسمّى عليماً ولا علاماً إلاّ إذا تعلّق علمه بمعلومات كثيرة وخبير التعلّق العلم بعد
الإبتلاء، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] وكذا المحصي يتعلق بحصر
المعلومات من وجه يصح فهو تعلق خاص يطلبه العلم، وكذلك المحيط له تعلق خاص وهو
العلم بحقائق المعلومات الذاتية والرسمية واللفظية، وما يتناهى منها أنه متناه، وما لا يتناهى
منها أنه غير متناه، فقد أحاط به علماً أنه لا يتناهى، فإن هنا زلت طائفة كبيرة من أهل العلم،
وهكذا تأخذ جميع الصفات كالقادر والمقتدر والقاهر كل ذلك تطلبه القدرة وبين هذه الأسماء
فرقان وإن كانت الصفة الواحدة تطلبها فإن القاهر في مقابلة المنازع، والقهار في مقابلة
المنازعين، والقادر في مقابلة القابل للأثر فيه مع كونه معدوماً في عينه ففيه ضرب من الامتناع
وهي مسألة مشكلة، لأنّ تقدم العدم للممكن قبل وجوده لا يكون مراداً ولا هو صفة نفسية
للممكن فهذا هو الإشكال فينبغي أن يعلم.
والمقتدر لا يكون إلاَّ في حال تعلّق القدرة بالمقدور لأنه تعمل في تعلّق القدرة
بالمقدور لإيجاد عينه كالمكتسب والكاسب، فقد بان لك الفرقان بين الأسماء وإن كانت
تطلب صفة واحدة ولكن بوجوه مختلفة، إذ لا يصحّ الترادف في العالم لأن الترادف تكرار
وليس في الوجود تكرار جملة واحدة للاتساع الإلهيّ فاعلم ذلك.
وما وجدنا في الشرع للكلام اسماً إلهياً إلاَّ الشكور والمجيب، فالكلام ما وجدنا اسماً من
لفظ اسمه في الشرع، وكذلك الإرادة ليس لها اسم في علمي من لفظ اسمهما غير أن من
أسمائها من جهة معناها أسماء الأفعال فإنه قال: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] ولها تعلّق
صعب التصوّر وهو إرادته أن يقول وليس قوله من الأفعال ولا هو نسبة عدمية ولا صفة عدمية،
وكذلك يتصوّر في القدرة أيضاً، وذلك أن يقال الحق قادر أن يكلم عباده بما شاء، فهنا علم
ينبغي أن يعرف، وذلك أن الله أدخل تعلّق إرادته تحت حكم الزمان فجاء بإذا وهي من صيغ
الزمان فقال: ﴿إِذَّا أَرَدْنَهُ أَنْ نَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] والزمان قد يكون مراداً ولا يصحّ فيه
إذاً لأنه لم يكن بعد فيكون له حكم، فعلم هذا من علوم غامض الأسماء الإلهية .
ثم اعلم أن الذي يعتمد عليه أهل الله تعالى في أسمائه سبحانه هي ما سمّي به نفسه في

٤٥٥
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
كتبه أو على ألسنة رسله. وأما إذا أخذناها من الاشتقاق أو على جهة المدح فإنها لا تحصى
كثرة والله يقول: ﴿وَلِلَِّ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٠] وورد في الصحيح: ((إِنَّ لِلَّهِ
تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ وَاحِداً مَنْ أَخْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)) وما قدرنا على تعيينها من وجه
صحيح، فإن الأحاديث الواردة فيها كلها مضطربة لا يصحّ منها شيء، وكل اسم إلهيّ يحصل
لنا من طريق الكشف أو لمن حصل فلا نورده في كتاب وإن كنا ندعو به في نفوسنا لما يؤدّي إليه
ذلك من الفساد في المدعين الذين يفترون على الله الكذب وفي زماننا منهم كثير. ولما فحصنا
عن الحفاظ لم نر أحداً اعتنى بها مثل الحافظ أبي محمد علي بن سعيد بن حزم الفارسي، وغاية ما
وصلت إليه قدرته ما أذكره من الأسماء الحسنى هذا مبلغ إحصائه فيها من الطرق الصحاح على
ما حدثناه علي بن عبد الله بن عبد الرحمن الفرياني عن أبي محمد عبد الحق بن عبد الله الأزدي
الإشبيلي، وحدثناه عبد الحق إجازة وغير واحد ما بين سماع وقراءة وإجازة عن أبي الحسن
شريح بن محمد بن شريح الرعينيّ عن أبي محمد علي بن حزم الفارسي قال: إنما تؤخذ - يعني
الأسماء - من نص القرآن وتما صحّ عن النبيّ ◌َّ، وقد بلغ إحصاؤنا ما نذكره وهي:
الله، الرحمن، الرحيم، العليم، الحكيم، الكريم، العظيم، الحليم، القيوم، الأكرم،
السلام، التّاب، الرب، الوهاب، الأقرب، سميع، مجيب، واسع، العزيز، الشاكر، القاهر،
الآخر، الظاهر، الكبير، الخبير، القدير، البصير، الغفور، الشكور، الغفار، القهار، الجبار،
المتكبر، المصوّر، البر، المقتدر، الباري، العليّ، الغنيّ، الوليّ، القويّ، الحيّ، الحميد،
المجيد، الودود، الصمد، الأحد، الواحد، الأوّل، الأعلى، المتعال، الخالق، الخلاّق،
الرزاق، الحق، اللطيف، الرؤوف، العفوّ، الفتاح، المتين، المبين، المؤمن، المهيمن،
الباطن، القدوس، الملك، المليك، الأكبر، الأعزّ، السيد، السبوح، الوتر، المحسان،
الجميل، الرفيق، المسعر، القابض، الباسط، الشافي، المعطي، المقدم، المؤخر، الدهر.
فهذا الذي روينا عن أشياخنا عن أشياخهم عنه في إحصائه، وعندنا من القرآن أسماء
أخر جاءت مضافة وهي عندنا من الأسماء وليست عنده من الأسماء وكذلك في الأخبار، ومن
أراد أن يقف على أسماء الله تعالى على الحقيقة فلينظر في قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُ
اَلْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] وعلى الحقيقة فما في الوجود إلاّ أسماؤه، ولكن حجبت
عيون البصائر عن العلم بها أعيان الأكوان فإنه سبحانه الواقي لا غيره فهو المحتجب بكل واق
وشبه هذا فهو ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١] وجاعل الملائكة رسلاً، وجاعل
الليل سكناً، وجاعل في الأرض خليفة، ونور السموات والأرض، وقيام السموات والأرض،
وهو الصبور، وقابل التوب، والسريع الحساب، وشديد العقاب، ورفيع الدرجات، وذو
العرش، وذو المعارج، وقد رميت بك على الطريق، فهذا قسم الصفات الدالة على المعاني
والنسب والإضافات كالأوّل والآخر والظاهر والباطن.
القسم الثالث: وهو أسماء الأفعال وهي صريح كالمصوّر ومضمن مثل قوله:
﴿وَمَڪَرَ اللّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] وأسماء الأفعال كلها أسماء الإرادة.

٤٥٦
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
القسم الرابع: أسماء الاشتراك كاسمه المؤمن والرب، فالمؤمن المصدّق، والمؤمن
معطي الأمان، والرب المالك، والرب المصلح، والرب السيد، والرب المربي، والرب
الثابت، فإذا حصل بيدك اسم من الأسماء الإلهية فانظر في أية مرتبة هو من هذه المراتب فادع
به من حيث مرتبته لا تخرجه عنها جملة واحدة، ولا تغفل عن دلالته على الذات التي لها هذه
النعوت كلها تكن أحديّ العين في عين الكثرة فتكون الواحد الكثير، فإن المراتب والحقائق
تطلب الأسماء لمن هي صفاته، حتى إذا دعى بها زهت وعلمت أنّ لله بها عناية حيث أطلق
عليه من أحكامها أسماء، وحيث جعل ذاته محلاً لأحكامها، فالحلم معنى معقول يطلق منه
اسم على من ظهر فيه حكمه وهو الحليم مع المقدرة والمتجاوز والصفوح والعفوّ، وكذلك
مرتبة الكرم معنى معقول يطلق منه اسماً على من ظهر منه حكمه كالكريم والمعطي والجواد
والوهاب والمنعم، وهكذا تأخذ جميع الأسماء على حد ما أشرت إليك ولا تتعد بها مراتبها،
مع علمك أنه ليس في أسماء الله ترادف وأنها كلها متباينة، فهذا قد أبنت لك عن العلم الأوّل
من المعرفة الذي لأهل الله مجملاً مع نبذ من التفصيل فتفهم ذلك.
النوع الثاني من علوم المعرفة وهو علم التجلي: اعلم أن التجلي الإلهيّ دائم لا حجاب
عليه، ولكن لا يعرف أنه هو، وذلك أن الله لما خلق العالم أسمعه كلامه في حال عدمه وهو
قوله: ﴿كُنْ﴾ وكان مشهوداً له سبحانه، ولم يكن الحق مشهوداً له، وكان على أعين
الممكنات حجاب العدم لم يكن غيره فلا تدرك الموجود وهي معدومة كالنور ينفر الظلمة،
فإنه لا بقاء للظلمة مع وجود النور كذلك العدم والوجود، فلما أمرها بالتكوين لإمكانها
واستعداد قبولها سارعت لترى ما ثم لأن في قوّتها الرؤية كما في قوّتها السمع من حيث
الثبوت لا من حيث الوجود، فعندما وجد الممكن انصبغ بالنور فزال العدم وفتح عينيه فرأى
الوجود الخير المحض فلم يعلم ما هو، ولا علم أنه الذي أمره بالتكوين، فأفاده التجلي علمَ
بما رآه لا علماً بأنه هو الذي أعطاه الوجود، فلما انصبغ بالنور التفت على اليسار فرأى العدم
فتحققه فإذا هو ينبعث منه كالظل المنبعث من الشخص إذا قابله النور فقال: ما هذا؟ فقال له
النور من الجانب الأيمن: هذا هو أنت فلو كنت أنت النور لما ظهر للظل عين فأنا النور وأن
مذهبه، ونورك الذي أنت عليه إنما هو من حيث ما يواجهني من ذاتك، ذلك لتعلم أنك لست
أنا، فأنا النور بلا ظل وأنت النور الممتزج لإمكانك، فإن نسبت إليّ قبلتك وإن نسبت إلى
العدم قبلك، فأنت بين الوجود والعدم، وأنت بين الخير والشر، فإن أعرضت عن ظلّك فقد
أعرضت عن إمكانك، وإذا أعرضت عن إمكانك جهلتني ولم تعرفني، فإنه لا دليل لك على
أني إلهك وربك وموجدك إلاَّ إمكانك وهو شهودك ظلك، وإن أعرضت عن نورك بالكلية
ولم تزل مشاهداً ظلّك لم تعلم أنه ظل إمكانك وتخيلت أنه ظلّ المحال، والمحال والواجب
متقابلان من جميع الوجوه، فإن دعوتك لم تجبني ولم تسمعني، فإنه يصمك ذلك المشهود
عن دعائي، فلا تنظر إليّ نظراً يفنيك عن ظلك فتدعي أنك أنا فتقع في الجهل، ولا تنظر إلى
ظلّك نظراً يفنيك عني فإنه يورثك الصمم فتجهل ما خلقتك له فكن تارة وتارة، وما خلق الله

٤٥٧
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
لك عينين إلاَّ لتشهدني بالواحدة وتشهد ظلّك بالعين الأخرى، وقد قلت لك في معرض
الامتنان: ﴿أَلَمْ تَجْعَل لَّهُ عَيِّنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَيْنٍ وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البلد: الآية ٨ - ١٠] أي بيّنا له
الطريقين: طريق النور والظل ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٣] فإن العدم المحال
ظلمة، وعدم الممكن ظل لا ظلمة، ولهذا في الظل راحة الوجود.
واعلم أن التجلي الأوّل الذي حصل للممكن عندما اتصف بالوجود وانصبغ بالنور هو
التجلي للأرواح النورية التي ليست لها هذه الهياكل المظلمة، ولكن لها ظل إمكانها الذي لا
يبرح فيها، وهي وإن كانت نوراً بما انصبغت به فظلها فيها لا ظهور له عليها وحكمه فيها لا
يزول، وهذه المرتبة كان يريد أن يكون بها رسول الله و # إذ كان يقول في دعائه: ((اللهمَّ
اجعلني نوراً) ثم بعد هذا التجلي الإبداعي الذي هيّم بعض الأرواح النورية تجلّ تجلياً لبعض
هذه الأرواح المبدعة، فعلم منه في هذا التجلي جميع المراتب التي تظهر عنه في عالم الأنوار
والظلم واللطائف والكثائف والبسائط والمركبات والجواهر والأعراض والأزمنة والأمكنة
والإضافات والكيفيات والكميات والأوضاع والفاعلات والمنفعلات إلى يوم القيامة. وأنواع
العالم ومبلغها مائتا ألف مرتبة وسبع آلاف مرتبة وستمائة مرتبة، وقام هذا العدد من ضرب
ثلثمائة وستين في مثلها، ثم أضيف إليها ثمانية وسبعون ألفاً فكان المجموع ما ذكرناه، وهو
علم العقل الأوّل وعمر العالم من حين ولي النظر فهي هذا المفعول الإبداعي وما قبل ذلك
فمجهول لا يعلمه إلا الله تعالى.
فلما علم العقل من هذا التجلي هذه المراتب وهي علومه كان من جملة ذلك انبعاث
النفس الكلية عنه وهي أوّل مفعول انبعاثي وهي ممتزجة بين ما انفعل عنها وبين ما انفعلت
عنه، فالذي انفعلت عنه نور، والذي انفعل عنها ظلمة وهي الطبيعة، فظهر ظل النفس في
ظاهرها ممّا يلي جانب الطبيعة، لكن لم يمتدّ عنها ظلّها كما يمتدّ عن الأجسام الكثيفة،
وانتقش فيها جميع ما للعقل من العلوم التي ذكرناها. ولها وجه خاص إلى الله لا علم للعقل
به فإنه سرّ الله الذي بينه وبين كل مخلوق لا تعرف نسبته ولا يدخل تحت عبارة ولا يقدر
مخلوق على إنكار وجوده فهو المعلوم المجهول، وهذا هو التجلي في الأشياء المبقي
أعيانها. وأما التجلي للأشياء فهو تجلّ يفني أحوالاً ويعطي أحوالاً في المتجلى له، ومن هذا
التجلي توجد الأعراض والأحوال في كل ما سوى الله، ثم له تجلّ في مجموع الأسماء فيعطي
في هذا التجلي في العالم المقادير والأوزان والأمكنة والأزمان والشرائع وما يليق بعالم
الأجسام وعالم الأرواح والحروف اللفظية والرقمية وعالم الخيال. ثم له تجلّ آخر في أسماء
الإضافة خاصة كالخالق وما أشبهه من الأسماء، فيظهر في العالم التوالد والتناسل والانفعالات
والاستحالات والأنساب، وهذه كلها حجب على أعيان الذوات الحاملات لهذه الحجب عن
إدراك ذلك التجلي الذي لهذه الحجب الموجد أعيانها في أعيان الذوات، وبهذا القدر تنسب
الأفعال للأسباب ولولاها لكان الكشف فلا يجهل ولكن كما قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سورة
ق: الآية ٢٩].

٤٥٨
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
ووقوع خلاف المعلوم محال، فبالتجلي تغيّر الحال على الأعيان الثابتة من الثبوت إلى
الوجود، وبه ظهر الانتقال من حال إلى حال في الموجودات، وهو خشوع تحت سلطان
التجلي، فله النقيضان يمحو ويثبت ويوجد ويعدم، وقد بيّن الله لنا ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا
تَجَلَّى رَبّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَمُ دَكًا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٣] فنقله من حال الشموخ إِلى حال
الخشوع والاندكاك. وقال ◌َّر في الحديث الذي صحّحه الكشف: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ
خَشَعَ لَهُ)) فالله متجلّ على الدوام، لأن التغيرات مشهودة على الدوام في الظواهر والبواطن
والغيب والشهادة والمحسوس والمعقول فشأنه التجلي، وشأن الموجودات التغيير بالانتقال من
حال إلى حال، فمنا من يعرفه ومنا من لا يعرفه، فمن عرفه بعده في كل حال، ومن لم يعرفه
أنكره في كل حال. ثبت في الصحيح أن النبيّ وَّ قال: ((الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)) فأثنى عليه
على كل حال لأنه المعطي بتجليه كل حال، وأوضح من هذا في التبليغ ما يكون مع إقامة
الحدود وإنكار ما ينبغي أن ينكر، فإن المنكر بالتغيير أنكر ﴿يَسْتَلُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمٍ
هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] أحوال إلهية في أعيان كيانية بأسماء نسبية عينتها تغييرات
كونية، فتجلى إحدى العين في أعيان مختلفة الكون فرأت صورها فيه فشهد العالم بعضه بعضاً
في تلك العين، فمنه المناسب وهو الموافق، ومنه غير المناسب وهو المخالف، فظهرت الموافقة
والخلاف في أعيان العالم دنيا وآخرة، لأنه لا تزال أعيان العالم تبصر بعضها بعضاً في تلك العين
المنجلية، فتنعكس أنوارها عليها بما تكتسبه من تلك العين، فيحدث في العالم ما يحدث دنيا
وآخرة عن أثر حقيقة تلك العين لما تعلقت بها أبصار العالم، كالمرآة تقابل الشمس فينعكس
ضوءها على القطن المقابل لانعكاس النور فيحدث فيه الحرق، هذا عين ما يظهر في العالم من
تأثير بعضه في بعض من شهود تلك العين، فالمؤثر روحاني والذي تأثّر طبيعيّ، وما من شيء
تكون له صورة طبيعية في العالم إلاَّ ولها روح قدسي، وتلك العين لا تنحجب أبداً، فالعالم في
حال شهود أبداً، والتغيير كائن أبداً، لكن الملائم وغير الملائم وهو المعبر عنه بالنفع والضرر،
فهذا علم التجلي من أحد أقسام المعرفة إن لم يحصل للإنسان مع بقية إخوانه فليس بعارف ولا
حصل له مقام المعرفة .
النوع الثالث من المعرفة: وهو العلم بخطاب الحق عباده بألسنة الشرائع. اعلم وفّقك
الله أن ما عدا الثقلين من كل ما سوى الله على معرفة بالله ووحي من الله وعلم بمن تجلّى له
مفطور على ذلك سعيد كله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى
اُلْأَرْضِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] فعمَّ، ثم فصل ليبين للناس ما نزل إليهم فقال: ﴿ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوَآتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] وهو قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمْ﴾ [سورة ص: الآية ٢٤] يقول: وما هم قليل يعني أنهم كثير فهو
قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِّ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] ثم قال: ﴿وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [سورة
الحج: الآية ١٨] وسبب ذلك أن وكله من حيث نفسه الناطقة الموجودة بين الطبيعة والنور بما
جعل الله فيها من الفكر ليكتسب به المعرفة بالله تعالى اختياراً من الله وأعطاها العقل كما أعطى

٤٥٩
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
سائر الموجودات، وأعطاه صفة القبول وعشقه بالقوّة المفكّرة لاستنباط العلوم من ذاته لتظهر
فيه قوّة إلهية، فإنه يحب الرياسة والظهور والشفوف على أبناء جنسه لاشتراكهم في ذلك، ثم
لما أعطاهم القوّة المفكرة نصب لهم علامات ودلائل تدل على الحدوث لقيامها بأعيانهم،
ونصب لهم دلائل وعلامات تدل على القدم الذي هو عبارة عن نفي الأوّلية عن وجوده.
وتلك الدلائل بأعيانها هي التي نصبها للدلالة على الحدوث، فسلبها عن الذات القديمة
المسماة الله هو الدليل ليس غير ذلك، فللأدلة وجهان وهي عين واحدة يدل ثبوتها على
حدوث العالم وسلبها على موجد العالم، فلما نظر بهذا النظر وقال: عرفت الله بما نصبه من
الأدلة على معرفتنا بنا وبه وهي الآيات المنصوبة في الآفاق وفي أنفسنا حتى يتبين لنا أنه الحق
وقد تبين، وهو الذي عبرنا عنه بالتجلي، فإن التجلي إنما هو موضوع للرؤية وذلك قوله:
﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] فذكر الرؤية والآيات للتجلي، فيتبين لهم أنه الحق
يعني ذلك التجلي الذي رأوه علامة أنه علامة على نفسه، فيتبين لهم أنه الحق المطلوب ولهذا
تمّم فقال في الآية عينها: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] يعني أن يكون دليلاً على
نفسه، وأوضح الدلالات دلالة لشيء على نفسه بظهوره، فلما حصلت لعقولهم هذه المعرفة
بالتنزيه عمّا نسبوه إلى ذوات العالم وهو دليل واحد العين متردّد في الدلالة بين سلب لمعرفة
الله وبين إثبات لمعرفة العالم أقام الحق لهذا الجنس الإنساني شخصاً ذكر أنه جاء إليهم من
عند الله برسالة يخبرهم بها فنظروا بالقوّة المفكرة فرأوا أن الأمر جائز ممكن فلم يقدموا على
تكذيبه ولا رأوا علامة تدل على صدقه، فوقفوا وسألوه: هل جئت إلينا بعلامة من عنده حتى
نعلم أنك صادق في رسالتك؟ فإنه لا فرق بيننا وبينك، وما رأينا لك أمراً تميزت به عنا وباب
الدعوى مفتوح، ومن الدعوى ما يصدق ومنها ما لا يصدق، فجاء بالمعجزة فنظروا فيها نظر
إنصاف وهي بين أمرين: الواحد أن تكون مقدورة لهم فيدعي الصرف عنها مطلقاً فلا تظهر إلاّ
على يدي من هو رسول إلى يوم القيامة هذا إذا كانت معجزة لا آية فقط، فإن المعجزات
نصبت للخصم الألد الفاقد نور الإيمان. والأمر الآخر أن تكون المعجزة خارجة عن مقدور
البشر بالحسّ والهمة معاً، فإذا أتى بأحد هذين الأمرين وتحققه الناظر دليلاً آمن برسالته
وصدقه في مقالته وأخباره عن ربه إذا كانت الدلالة على المجموع بحسب ما وقعت به
الدعوى، ولا يمكن في ذوق طريقنا تصديقه مع الدلالة إلاَّ بتجلّ إلهيّ لقلبه من اسمه النور،
فإذا انصبغ باطنه بذلك النور صدقه فذلك نور الإيمان، وغيره لم يحصل عنده من ذلك النور
شيء مع علمه بأنه صادق من حيث الدلالة لا من حيث النور المقذوف في القلب فجحد مع
علمه وهو قوله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَمْ﴾ [سورة النمل: الآية ١٤] ودونهم
في هذه الرتبة من قيل فيه: ﴿وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [سورة الجاثية: الآية ٢٣] فذلك نور العلم به لا نور
الإيمان، فلما صدقه من صدقه وأظهر صدقه واعتمد على عقله حيث قاده إلى الحق ولم
يحصل له ضوء من نور الإيمان يستضيء به وما علم أنه بذلك النور صدقه لا بنور علمه الذي
هو عند من جحده مع علمه بصدق دعواه، فلما اعتمد على عقله هذا المصدق وجاء آخر من

٤٦٠
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
المصدقين به أيضاً كشف الله له عن نور إيمانه ونور علمه فكان نوراً على نور.
وجاء ثالث ما عنده من نور العلم النظري شيء ولا يعرف موضع الدلالة من تلك الآية
المعجزة وقذف الله في قلبه نور الإيمان فآمن وصدق وليس معه نور علم نظري ولكن فطرة
سليمة وعقل قابل وهيكل منور بعيد من استعمال الفكر فسارع في القبول، فقعد هؤلاء الثلاثة
الأصناف بين يدي هذا الرسول الذي صدقوه، فأخذ الرسول يصف لهم مرسله الحق تعالى
ليعرفهم به المعرفة التي ليست عندهم ممّا كانوا قد أحالوا مثل ذلك على الحق تعالى وسلبه
عنه أهل الأدلة النظرية، وأثبتوا تلك الصفات للمحدثات دلالة على حدوثها، فلما سمعوا ما
تنكره الأدلة العقلية النظرية وتردّه افترقوا عند ذلك على فرق، فمنهم من ارتدّ على عقبه وشكّ
في دليله الذي دلّه على صدقه وأقام له في ذلك الدليل شبهات قادحة فيه صرفته عن الإيمان
والعلم به فارتدّ على عقبه. ومنهم من قال: إن في جمعنا هذا من ليس عنده سوى نور الإيمان
ولا يدري ما العلم ولا ما طريقه وهذا الرسول لا نشك في صدقه وفي حكمته ومن الحكمة
مراعاة الأضعف، فخاطب هذا الرسول بهذه الصفات التي نسبها إلى ربه أنه عليها هذا
الضعيف الذي لا نظر له في الأدلة وليس عنده سوى نور الإيمان رحمة به لأنه لا ينبت له
الإيمان إلاَّ بمثل هذا الوصف، وللحق أن يصف نفسه بما شاء على قدر عقل القابل، وإن كان
في نفسه على خلاف ذلك، واتكل هذا المخبر بهذا الوصف، والمراعي حق هذا الأضعف
على ما يعرفه من علمنا به وتحققه من صدقنا فيه ووقوفنا مع دليلنا فلا يقدح شيء من هذا فيما
عندنا، إذ قد عرفنا مقصود هذا الرسول بالأمر، فثبتوا على إيمانهم مع كونهم أحالوا ما وصف
الرسول به ربه في أنفسهم وأقرّوه حكمة واستجلاباً للأضعف.
وفرقة أخرى من الحاضرين قالوا: هذا الوصف يخالف الأدلة ونحن على يقين من
صدق هذا المخبر وغايتنا في معرفتنا بالله سلب ما نسبناه لحدوثها، فهذا أعلم بالله منا في هذه
النسبة فنؤمن بها تصديقاً له ونكل علم ذلك إليه وإلى الله، فإن الإيمان بهذا اللفظ ما يضرنا،
ونسبة هذا الوصف إليه تعالى مجهولة عندنا لأن ذاته مجهولة من طريق الصفات الثبوتية
والسلب فما يعول عليه والجهل بالله هو الأصل، فالجهل بنسبة ما وصف الحق نفسه به في
كتابه أعظم، فلنسلم ولنؤمن على علمه بما قاله عن نفسه.
وفرقة أخرى من الحاضرين قالوا: لا نشك في دلالتنا على صدق هذا المخبر وقد آتانا
في نعت الله الذي أرسله إلينا بأمور إن وقفنا عند ظاهرها وحملناها عليه تعالى كما نحملها
على نفوسنا أدى إلى حدوثه وزال كونه إلهاً وقد ثبت فننظر هل لها مصرف في اللسان الذي
جاء به، فإن الرسول ما أرسل إلاَّ بلسان قومه، فنظروا أبواباً ممّا يؤول إليها ذلك الوصف ممّا
يقتضي التنزيه وينفي التشبيه، فحملوا تلك الألفاظ على ذلك التأويل. فإذا قيل لهم في ذلك:
أي شيء دعاكم إلى ذلك؟ قالوا: أمران القدح فى الأدلة فإنا بالأدلة العقلية أثبتنا صدق دعواه
ولا نقبل ما يقدح في الدلالة العقلية فإن ذلك قدح في الدلالة على صدقه. والأمر الآخر قد
قال لنا هذا الصادق إن الله الذي أرسله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ووافق