Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
الثلاثة، فسأل التابع عن تلك الأنهار والجداول فقيل له: هذا مثل مضروب أقيم لك، هذا
النهر الأعظم هو القرآن، وهذه الثلاثة الأنهار الكتب الثلاثة: التوراة والزبور والإنجيل، وهذه
الجداول الصحف المنزلة على الأنبياء، فمن شرب من أي نهر كان أو أي جدول فهو لمن
شرب منه وارث وكل حق فإنه كلام الله، والعلماء ورثة الأنبياء بما شربوا من هذه الأنهار
والجداول، فاشرع في نهر القرآن تفز بكل سبيل للسعادة فإنه نهر محمد ◌َله الذي صحت له
النبوّة وآدم بين الماء والطين، وأوتي جوامع الكلم وبعث عامّة ونسخت به فروع الأحكام ولم
ينسخ له حكم بغيره، ونظر إلى حسن النور الذي غشي تلك السدرة فرأى قد غشاها منه ذاك
الذي غشي، فلا يستطيع أحد أن ينعتها للغشاء النوري الذي لا تنفذه الأبصار بل لا تدركه
الأبصار.
ثم قيل له: هذه شجرة الطهور فيها مرضاة الحق، ومن هنا شرع السدر في غسل الميت
للقاء الله الماء والسدر ليناله طهور هذه السدرة، وإليها تنتهي أعمال بني آدم السعادية، وفيها
مخازنها إلى يوم الدين، وهنا أوّل أقدام السعداء. والسماء السابعة التي وقف عندها صاحبك
منتهى الدخان ولا بدّ لها ولمن هو تحتها من الاستحالة إلى صور كانت عليها أو على أمثالها
قبل أن تكون سماء.
ثم قيل لهذا التابع: ارق فرقي في فلك المنازل فتلقاه من هنالك من الملائكة والأرواح
الكوكبية ما يزيد على ألف وعشرات من الحضرات تسكنها هذه الأرواح، فعاين منازل
السائرين إلى الله تعالى بالأعمال المشروعة. وقد ذكر من ذلك الهرويّ في جزء له سمّاه منازل
السائرين يحتوي على مائة مقام كل مقام يحتوي على عشرة مقامات وهي المنازل، وأما نحن
فذكرنا من هذه المنازل في كتاب لنا سميناه مناهج الارتقاء يحتوي على ثلاثمائة مقام كل مقام
يحتوي على عشرة منازل ففيه ثلاثة آلاف منزل، فلم يزل يقطعها منزلة منزلة بسبع حقائق هو
عليها كما يقطع فيها السبع الدراري ولكن في زمان أقرب حتى وقف على حقائقها بأجمعها،
وقد كان أوصاه إدريس بذلك، فلما عاين كل منزل منها رآها وجميع ما فيها من الكواكب
تقطع في فلك آخر فوقها فطلب الإرتقاء فيه ليرى ما أودع الله في هذه الأمور من الآيات
والعجائب الدالة على قدرته وعلمه، فعندما حصل على سطحه حصل في الجنة الدهماء فرأى
ما فيها ممّا وصف الله في كتابه من صفة الجنات وعاين درجاتها وغرفها، وما أعد الله لأهلها
فيها ورأى جنته المخصوصة به، واطلع على جنات الميراث، وجنات الاختصاص، وجنات
الأعمال، وذاق من كل نعيم منها بحسب ما يعطيه ذوق موطن القوّة الجنانية، فلما بلغ من
ذلك أمنيته رقي به إلى المستوى الأزهى والستر الأبهى، فرأى صور آدم وبنيه السعداء من
خلف تلك الستور فعلم معناها، وما أودع الله من الحكمة فيها وما عليها من الخلع التي كساها
بني آدم، فسلمت عليه تلك الصور فرأى صورته فيهنّ فعانقها وعانقته واندفعت معه إلى
المكانة الزلفى فدخل فلك البروج الذي قال الله فيه فأقسم به: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [سورة
البروج: الآية ١] فعلم أن التكوينات التي تكون في الجنان من حركة هذا الفلك، وله الحركة

٤٢٢
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
اليومية في العالم الزماني، كما أن حركة الليل والنهار في الفلك الذي فيه جرم الشمس،
والتكوينات التي تكون في جهنم من حركة فلك الكواكب وهو سقف جهنم أعني مقعره
وسطحه أرض الجنة والذي يسقط من الكواكب وينتثر ضوءها فتبقى مظلمة وفعلها المودع فيها
باق، وهذا كله سبب التبديل الذي يقع في جهنم ﴿كَمَا تَضِمَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾
[سورة النساء: الآية ٥٦] كل ذلك بإذن الله مرتب الأشياء مراتبها. كما أن الشمس إذا حلّت بالحمل
جاء زمن الربيع فظهرت زينة الأرض وأورقت الأشجار وازْينت ﴿ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْج
بَهِيجٍ﴾ [سورة الحج: الآية ٥] وإذا حلّت بالجدي أظهرت النقيض.
والقوابل تقبل بحسب ما هي عليه من المزاج، فمهما اختلف مزاجها كان قبولها لما
يحدث الله عند هذه الحركات الفلكية بحسب ما هي عليه، وكذلك في الجنان في كل حين
من خلق جديد ونعيم جديد حتى لا يقع ملل، فإن كل شيء طبيعيّ، وإذا توالى عليه أمر ما
من غير تبدّل لا بدّ أن يصحب الإنسان فيه ملل فإنّ الملل نعت ذاتي له، فإن لم يغذه الله
بالتجديد في كل وقت ليدوم له النعيم بذلك وإلاَّ كان يدركهم الملل، فأهل الجنان يدركون
في كل نظرة ينظرونها إلى ملكهم أمراً وصورة لم يكونوا رأوها قبل ذلك فينعمون بحدوثها،
وكذلك في كل أكلة وشربة يجدون طعماً جديداً لذيذاً لم يكونوا يجدونه في الأكلة الأولى
فينعمون بذلك وتعظم شهوتهم، والسبب في سرعة هذا التبدّل وبقائه أن الأصل على ذلك
فيعطى في الكون بحسب ما تعطيه حقيقة مرتبته ليكون خلافاً على الدوام، ويكون الكون فقيراً
على الدوام، فالوجود كله متحرّك على الدوام دنيا وآخرة لأن التكوين لا يكون عن سكون،
فمن الله توجهات دائمة وكلمات لا تنفذ وهو قوله ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٦]
فعند الله التوجّه وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ وكلمة الحضرة وهي قوله لكل شيء يريده
﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] بالمعنى الذي يليق بجلاله، وكن حرف وجودي فلا يكون عنه إلاَّ
الوجود ما يكون عنه عدم، لأن العدم لا يكون لأن الكون وجود.
وهذه التوجهات والكلمات في خزائن الجود لكل شيء يقبل الوجود، قال تعالى:
﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢١] وهو ما ذكرناه. وقوله: ﴿وَمَا نُقَزِّلُ: إِلَّا
بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢١] من اسمه الحكيم، فالحكمة سلطانة هذا الإنزال الإلهيّ
وهو إخراج هذه الأشياء من هذه الخزائن إلى وجود أعيانها وهو قولنا في أوّل خطبة هذا
الكتاب: الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه وعدم العدم وجود، فهو نسبة كون
الأشياء في هذه الخزائن محفوظة موجودة لله ثابتة لأعيانها غير موجودة لأنفسها، فبالنظر إلى
أعيانها هي موجودة عن عدم، وبالنظر إلى كونها عند الله في هذه الخزائن هي موجودة عن
عدم العدم وهو وجود، فإن شئت رجحت جانب كونها في الخزائن فنقول: أوجد الأشياء من
وجودها في الخزائن إلى وجودها في أعيانها للنعيم بها أو غير ذلك، وإن شئت قلت: أوجد
الأشياء عن عدم بعد أن تقف على معنى ما ذكرت لك فقل ما شئت، فهو الموجد لها على كل
حال في الموطن الذي ظهرت فيه لأعيانها .

٤٢٣
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
وأما قوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٦] فهو صحيح في العلم لأن الخطاب هنا
لعين الجوهر، والذي عنده أعني عند الجوهر من كل موجود إنما هو ما يوجده الله في محله
من الصفات والأعراض والأكوان وهي في الزمان الثاني أو في الحال الثاني كيفٍ شئت قل من
زمان وجودها أو حال وجودها تنعدم من عندنا وهو قوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدٌ﴾ وهو يجدّد
للجوهر الأمثال أو الأضداد دائماً من هذه الخزائن، وهذا معنى قول المتكلمين: إن العرض
لا يبقى زمانين، وهو قول صحيح خبر لا شبهة فيه لأنه الأمر المحقق الذي عليه نعت
الممكنات، وبتجدّد ذلك على الجوهر يبقى عينه دائماً ما شاء الله وقد شاء أنه لا يفنى فلا بدّ
من بقائه، فيعلم التابع من هذه الحضرة التكوينات الجنائية وجميع ما ذكرناه.
وأما صاحب النظر رفيق التابع فما عنده خبر بشيء من هذا كله لأنه تنبيه نبويّ لا نظر
فكري، وصاحب النظر مقيد تحت سلطان فكره وليس للفكر مجال إلاَّ في ميدانه الخاص به
وهو معلوم بين الميادين، فإنه لكل قوّة في الإنسان ميدان يجول فيه لا يتعدّاه، ومهما تعدّت
ميدانها وقعت في الغلط والخطأ ووصفت بالتحريف عن طريقها المستقيم. وقد يشهد الكشف
البصري بما تعثر فيه الحجج العقلية، وسبب ذلك خروجها عن طورها، فالعقول الموصوفة
بالضلال إنما أضلتها أفكارها، وإنما ضلت أفكارها لتصرّفها في غير موطنها، وإنما تصرف ما
تصرّف منها في غير موطنه وجال في غير ميدانه ليظهر فضل بعض الناس على بعضهم. وإنما
ظهر الفضل في العالم ليعلم أن الحق له عناية ببعض عباده، وله خذلان في بعض عباده،
وليعلم أن الممكن لم يخرج عن إمكانه، وأن المرجح له نظر خصوصي لمن شاء من هذه
القوى بما يشاء ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [سورة الروم: الآية ٥٤].
ثم يخرج بالتابع مع حامله إلى الكرسي فيرى فيه انقسام الكلمة التي وصفت قبل
وصولها إلى هذا المقام بالوحدة، ويرى القدمين اللتين تدلتا إليه، فينكب من ساعته إلى
تقبيلهما القدم الواحدة تعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم وهي قدم الصدق، والقدم
الأخرى تعطي ثبوت أهل جهنم في جهنم على أي حالة أراد وهي قدم الجبروت، ولهذا قال
في أهل الجنان: ((عطاء غير مجذوذ)) فما وصفه بالانقطاع. وقال في أهل جهنم الذين شقوا
ليحكم هذا القدم الجبروتي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] ما قال إن الحال التي
هم فيها لا تنقطع كما قال في السعداء، والذي منع من ذلك قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلّ
شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] وقوله: ((إن رحمتي سبقت غضبي في هذه النشأة))، فإن الوجود
رحمة في حق كل موجود، وإن تعذب بعضهم ببعض فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع،
وتخليدهم في حال الانتقام موقوف على إرادة، فقد يعود الانتقام منهم عذاباً عليهم لا غير
ويزول الانتقام، ولهذا فسّره في مواضع بالألم المؤلم وقال: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية
٧٣] ﴿هُوَ اُلْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٥٠] وفي مواضع لم يقيد العذاب بالأليم وأطلقه
فقال: ﴿فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٢] يعني وإن زال الألم، وقال في عذاب
جهنم ولم ينعته بأنه أليم وقال: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ من كونه عذاباً ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾ أي في العذاب

٤٢٤
في المعاملات/ الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
﴿مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٧٥] أي مبعدون من السعادة العرضية في هذا الموطن، لأن
الإبلاس لفظة مختصة بأهل جهنم في بعدهم، فلهذا جاء بذكر الإبلاس ليوقع هذا الاصطلاح
اللغوي في موضعه عند أهله ليعلموه، فإنه لموطن جهنم لغة ليست لأهل الجنان، والإبلاس
منها، فيعرف التابع من هذا المقام ما لكل دار.
ثم إنه يفارق هذا الموضع ويزج به في النور الأعظم فيغلبه الوجد، وهذا النور هو
حضرة الأحوال الظاهر حكمها في الأشخاص الإنسانية، وأكثر ما يظهر عليهم في سماع
الألحان فإنها إذا نزلت عليهم تمر على الأفلاك، ولحركات الأفلاك نغمات طيبة مستلذة تستلذ
بها الأسماع كنغمات الدولاب، فتكسو الأحوال وتنزل بها على النفوس الحيوانية في مجالس
السماع، فإن كانت النفس في أي شيء كانت من تعلق بجارية أو غلام أو يكون من أهل الله
فيكون تعلّقه حب جمال الإلهيّ متخيل اكتسبوه من ألفاظ نبوية مثل قوله في الصحيح: ((إِنَّ
اللَّهَ جَمِيلٌ يُحبُّ الجَمَالَ)) وقوله في التجريد: ((اعْبُد اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فيأخذه الوجد على ما
تخيله، ومنهم من يغمره الحال لا من حضرة التخيّل بل يجد أمراً لا يُكَيَّفُ ولا يدخل تحت
الحصر والمقدار.
ومنهم من تهب عليه من هذه الأحوال التي تعطي الوجد روايح على نفوس غير عاشقة
إلاَّ بنسبة جزئية لا كلية، فتعطيه من الحكم لذلك معنى يسمى التواجد، ثم يخرج من ذلك
النور إلى موضع الرحمة العامة التي وسعت كل شيء وهو المعبر عنه بالعرش، فيجد هنالك
من الحقائق الملكية إسرافيل وجبريل وميكائيل ورضوان ومالك، ومن الحقائق الملكية
البشرية آدم وإبراهيم ومحمداً سلام الله عليهم، فيجد عند آدم وإسرافيل علم الصور الظاهرة
في العالم المسمّاة أجساماً وأجساداً وهياكل، سواء كانت نورية أو غير نورية، ويجد عند
جبريل ومحمد عليهما السلام علم الأرواح المنفوخة في هذه الصور التي عند آدم وإسرافيل،
فيقف على معاني ذلك كله ويرى نسبة هذه الأرواح إلى هذه الصور وتدبيرها إياها، ومن أين
وقع فيها التفاضل مع انبعاثها من أصل واحد، وكذلك الصور، علم من هذه الحضرة ذلك كله
ويعلم من هذه الحضرة علم الأكاسير التي تقلب صور الأجساد بما فيه من الروح، وينظر إلى
ميكائيل وإبراهيم عليهما السلام فيجد عندهما علم الأرزاق وما يكون به التغذي للصور
والأرواح، وبماذا يكون بقاؤها، ويقف على كون الإكسير غذاء مخصوصاً لذلك الجسد الذي
يردّه ذهباً أو فضة بعدما كان حديداً أو نحاساً وهو صحة ذلك الجسم، وإزالة مرضه الذي كان
قد دخل عليه في معدنه فصيّره حديداً أو غير ذلك، وكل هذا من هذه الحضرة يعلمه .
ثم ينظر إلى رضوان ومالك فيجد عندهما علم السعادة والشقاء والجنة ودرجاتها وجهنم
ودركاتها وهو علم المراتب في الوعد والوعيد، ويعلم حقيقة ما تعطى كل واحدة منهما، وإذا
علم هذا كله علم العرش وحملته وما تحت إحاطته وهو منتهى الأجسام، وليس وراءه جسم
مركّب ذو شكل ومقدار، فإذا علم هذا كله عرج به معراجاً آخر معنوياً في غير صورة متخيلة
إلى مرتبة المقادير، فيعلم منها كميات الأشياء الجسمية وأوزانها في الأجسام المقدرة من

٤٢٥
في المعاملات/ الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
المحيط إلى التراب وما فيهنّ وما بينهنّ من أصناف العالم الذين هم عمار هذه الأمكنة. ثم
ينتقل إلى علم الجوهر المظلم الكل الذي لا جزء له ولا صورة فيه وهو غيب كل ما وراءه من
العالم، ومنه ظهرت هذه الأنوار والضياءات في عالم الأجسام وهي الأنوار المركبة سلخت
من هذا الجوهر فبقي مظلماً كما سلخ النهار من الليل فبانت الظلمة، وهذا هو أصل الظلمة
في العالم وأصل العالم في الأحكام الناموسية .
ثم ينتقل من هذا المقام إلى حضرة الطبيعة البسيطة فيعلم حكمها في الأجسام مطلقاً من
اختلاف تركيباتها وأحوالها، ومن أين وقع الغلط لبعض الطبيعيين فيما غلطوا فيه من العلم
بأحكامها، وذلك لجهلهم بالعلم بذاتها، فصاحب هذا الكشف يعلم ذلك كله. ثم ينتقل من
النظر في ذلك إلى شهود اللوح المحفوظ وهو الموجود الانبعاثي عن القلم وقد رقّم الله فيه ما
شاءه من الكوائن في العالم، فيعلم هذا التالي لما في هذا اللوح علم القوتين وهما: علم
العلم وعلم العمل، ويعلم الانفعالات الانبعاثية، ومن كون هذا الروح لوحاً يعلم ما سطره فيه
من سماه لوحاً بالقلم الإلهي ممّا أملاه الحق عليه، وكتابته فيه نقش صور المعلومات التي
يجربها الله في العالم في الدنيا إلى يوم القيامة خاصة، وهي علوم محصورة مسطرة صوراً
كصور الحروف المرقومة في الألواح، والكتب المسمّاة كلمات، وعدد أمهاتها ما يكون من
ضرب درجات الفلك في مثلها سواء من غير زيادة ولا نقصان. ومن هنا جعل الله في الفلك
الذي تقطع فيه الكواكب بسباحتها ثلاثمائة درجة وستين درجة، وفيها انحصرت السنة في
الدار الدنيا بسباحة الشمس والقمر، قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية
٥] وتتكرر بالسنين من أوّل وجودها وما هو تكرار على الحقيقة إلى أن ينتهي إلى قدر ما خرج
من ضرب الثلاثمائة والستين في مثلها من السنين يكون عمر عالم الدنيا، ثم يملي أمراً آخر
وعلوماً تختص بالقيامة وبالموازين أيضاً إلى أجل مسمّى يتميز في الدارين وهو انتهاء مدة
الانتقام على أهل دار الشقاء خاصة، ثم يستأنف فيه كتابة العذاب في هذه الدار مع الخلود
الدائم في الدارين لأهلها، غير أنه لا بدّ مهما كانت الكتابة أن تجري إلى أجل مسمى
لاستحالة دخول ما لا يتناهى في الوجود.
ثم ينتقل هذا التابع من هذا المقام إلى مشاهدة القلم الأعلى فيحصل له من هذا المشهد
علم الولاية، ومن هنالك هو ابتداء مرتبة الخلافة والنيابة، ومن هناك دونت الدواوين وظهر
سلطان الاسم المدبّر والمفصل وهو قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْأَيَتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢]
وهذا هو علم القلم، ويشاهد تحريك اليمنى إياه التحريك المعنويّ اللطيف ومن أين يستمدّ
وأنه من ذاته له علم الإجمال والتفصيل، والتفصيل يظهر بالتسطير وهو عين ذواته، فلا افتقار
له إلى معلم يستمد منه سوى خالقه عزّ وجلّ وكتابته نقش ولهذا تثبت فلا تقبل المحو، وبهذا
سمّي اللوح بالمحفوظ يعني عن المحو، فلو كانت كتابته مثل الكتابة بالمداد قبلت المحو كما
يقبله لوح المحو في عالم الكون بالقلم المختص به الذي هو بين أصبعي الرحمن، فيفرّق من
هذا المشهد بين الأقلام والألواح وأنواع الكتبة ويعلم علم الأحكام والأحكام، ومن هنا يعلم

٤٢٦
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
أنه لم يبق في الإمكان ما ينبغي أن يكون دليلاً على الله إلاَّ وقد ظهر من كونه دليلاً وإن كثرت
الأدلة فيجمعها كمالية الدلالة خاصة .
ثم ينظر عن يمين هذا المشهد فينظر إلى عالم الهيمان وهو العالم المخلوق من العماء،
ثم ينتقل إلى العماء وهو مستوى الاسم الرب كما كان العرش مستوى الرحمن، والعماء هو
أوّل الأينيات ومنه ظهرت الظروف المكانيات والمراتب فيمن لم يقبل المكان وقبل المكانة
ومنه ظهرت المحال القابلة للمعاني الجسمانية حسراً وخيالاً وهو موجود شريف الحق معناه
وهو الحق المخلوق به كل موجود سوى الله وهو المعنى الذي ثبتت فيه واستقرت أعيان
الممكنات، ويقبل حقيقة الأين وظرفية المكان ورتبة المكانة واسم المحل ومن عالم الأرض
إلى هذا العماء ليس فيها من أسماء الله سوى أسماء الأفعال خاصة ليس لغيرها أثر في كون
ممّا بينهما من العالم المعقول والمحسوس، غير أن صاحب التابع الذي هو صاحب النظر لما
تركه صاحبه بالسماء السابعة ورحل عنه امتدت منه رقيقة على غير معراج التابع ظهرت للتابع
في الفلك المكوكب وفقدها في الجنة، ثم ظهرت له في فلك البروج ثم فقدها أيضاً في
الكرسي وفي العرش، ثم ظهر له في مرتبة المقادير وفي الجوهر المظلم، ثم فقده في الطبيعة
ثم ظهر له في النفس من جهة كونها نفساً لا من جهة كونها لوحاً، ثم ظهر له في العقل
الإبداعي من كونه عقلاً لا من كونه قلماً، ثم فارقه بعد ذلك فلم ير له عيناً، ومن هذا العماء
يبتدي بالترقي والمعراج في أسماء التنزيه إلى أن يصل إلى الحضرة التي يشهد فيها أن التنزيه
يحدّه ويشير إليه ويقيده ويستشرف على العالم بأسره المعنويّ والروحانيّ والجسميّ
والجسمانيّ، فلا يجد في مشهده ذلك ما ينبغي أن ينزّه عنه من ظهر فيه ويرى ارتباطه به
ارتباط المرتبة بصاحبها، فلا يتمكن له التنزيه الذي كان يتخيله، ولا يتمكن له التشبيه فإنه
ليس ثم بمن: [الطويل]
فما ثَمَّ إِلاَّ الله لا شيءَ غيره
وما ثَمَّ إلاَّ وحدةُ الوَحَدَاتِ
ثم فارق أسماء الأفعال وتسلمته أسماء التنزيه فرأى صاحبه صاحب النظر يوافقه إلى أن
وصل إلى الحضرة التي لا تقبل التنزيه ولا التشبيه فيتنزه عن الحدّ بنفي التنزيه وعن المقدار
بنفي التشبيه، فيفقد رفيقه صاحب النظر هنالك، ثم ينقلب يطلب ما منه خرج فسلك به الحق
تعالى طريقاً غير طريقه الأولى وهو طريق لا يتمكن أن ينقال ولا يعرفه إلاَّ من شاهده ذوقاً،
ورجع صاحبه على معراجه ذلك إذ لم يكن تابعاً إلى أن وصل إلى جسده فاجتمع مع رفيقه
فبادر من حينه صاحب النظر إلى الرسول إن كان حاضراً أو لوارثه فيبايعه بيعة الإيمان
والرضوان على بينة من ربه وآية من نفسه، وتلاه شاهد منه وهو التابع فآمن بالله من حيث ما
شرع له الإيمان به لا من حيث دليله فوجد عنده وفي قلبه نوراً لم يكن يجده قبل ذلك، فرأى
في اللمحة الواحدة وهو في مكانه بذلك النور جميع ما رآه مع التابع في معراجه الأول ولم
يقف بل ترقى مرقى التابع حتى بلغ العماء والغاية القصوى، ورأى الشيء في الأشياء، ورأى
وجوب وجود ما أحال وجوده فكرة وعقلاً وهو في مكانه ذلك لم يبرح، وأعطى إكسير

٤٢٧
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
التكوين ورأى حشر الأجساد من طور إلى طور باختلاف حكم ولاختلاف دور، فتغيرت
الأشكال وتقلبت الأحوال ورأى ما قلناه في مثل ذلك: [مجزوء الرجز]
حقيقةٌ تَصَوَّرَتْ
إذا السماءُ انفطَرَتْ
جبالَ صَخْرِ سُيِّرَتْ
تطلبُ بانْكِدَارها
لجنّةٍ قد أَزْلِفَتْ
سَعَّرها مُوقِدُها
قالت وحوش حُشِـرَتْ
قلتُ لها ما تبتغي
إذا النجومُ انْكَـدَرَتْ
فمن لها بهالها
جحيمَ نارِ سُعْـرَتْ
تَنْظُرُ في تسييرها
من قبرها قد بُغْثِرَتْ
يدخلها طائفةٌ
قد قدَّمتْ وأخَّرَتْ
وإن ترى نفسيَ ما
ولما أسلم صاحب النظر وآمن ورأى من مقامه جميع ما رآه التابع في معراجه مشاهدة
عين سأل أن يرى مقام المجرمين وهم المستحقون تلك الدار التي دخلوها بحكم الاستحقاق،
وعلموا أن العلم أشرف حلة وأن الجهل أقبح حلية، وأنّ جهنم ليست بدار لشيء من الخير،
كما أن الجنة ليست بدار لشيء من الشر، ورأى الإيمان قد قام بقلب من لا علم له بما ينبغي
لجلال الله، ورأى العلم بجلال الله وما ينبغي له قد قام بمن ليس عنده شيء من الإيمان،
وهذا العالم بعدم الإيمان قد استحق دار الشقاء وأنّ الجاهل المؤمن قد استحق بالإيمان دار
السعادة والدرجات في مقابلة الدركات، فسلب هذا العالم المستحق دار الشقاء علمه حتى
كأنه ما علمه أو لم يعلم شيئاً فيتعذب بجهله أشدّ منه من عذابه بحسّه وهو أشدّه عليه، فخلع
علمه على هذا الجاهل المؤمن الذي دخل الجنة بإيمانه فنال المؤمن بذلك العلم الذي خلع
عن هذا الذي استحق الإقامة بدار الشقاء درجة ما يطلبه ذلك العلم فيتنعم به نفساً وجسماً،
وفي الكثيب عند الرؤية ويعطي ذلك الكافر جهل هذا المؤمن الجاهل فينال بذلك الجهل درك
ذلك من النار، وتلك أشدّ حسرة تمر عليه فإنه يتذكر ما كان عليه من العلم ولا يعلم ذلك الآن
ويعلم أنه سلبه، ويكشف الله عن بصره حتى يرى مرتبة العلم الذي كان عليه في الجنان،
ويرى حلة علمه على غيره ممّن لم يتعب في تحصيله ويطلب شيئاً منه في نفسه فلا يقدر
عليه، وينظر هذا المؤمن ويطلع على سواء الجحيم فيرى شرّ جهله على ذلك العالم الذي
ليس بمؤمن فيزيد نعيماً وفرحاً فما أعظمها من حسرة. واتفق لي في هذه المسألة عجباً وذلك
أن بعض علماء الفلاسفة سمع مني هذه المقالة فربما أحالها في نفسه أو استخف عقلي في
ذلك فأطلعه الله بكشف لم يشك فيه في نفسه بحيث أن تحقق الأمر على ما قلناه فدخل عليّ
باكياً على نفسه وتفريطه وكانت لي معه صحبة فذكر لي الأمر وأناب واستدرك الفائت وآمن
وقال لي: ما رأيت أشدّ منها حسرة، وتحقق قوله تعالى: ﴿إِنّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾
[سورة هود: الآية ٤٦] وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٥] فهذا قد جمع بين
خطاب لطف ولين وعنف وشدّة لأن الواحد شيخ فخاطبه باللطف والآخر شاب فخاطبه

٤٢٨
في المعاملات/ الباب الثامن والستون ومائة في معرفة مقام الأدب وأسراره
بالشدّة، نفعنا الله بالعلم وجعلنا من أهله، ولا يجعلنا ممّن يسعى بخيره في حق غيره ويشقى
آمين بعزّته. انتهى الجزء التاسع ومائة .
(الجزء العاشر ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الباب الثامن والستون ومائة في معرفة مقام الأدب وأسراره
[نظم: الكامل]
مجموعُ خَيْرٍ والمسابُ مُجَمَّعُ
إن الأديبَ هو الحكيمُ لأنه
كنهاً ففيك لكل نَعْتٍ مَوْضِعُ
فإذا رأيتَ نُعوتَه في خَلْقهِ
والحقُّ يعطي ما يشاء ويَمْنَعُ
لا ترعوي عنها فأنتَ مِنَ أهلها
فلذاك تبصرها تضرُّ وتَنْفَعُ
أدباءُ أهل الله خَيْرٌ كلُّهم
حسناً وتَكْرِه نَفْسُه ما يَصْنَعُ
مثل الإساءة يَرَى العَليلُ صَنِيعَهُمْ
اعلم أيّدك الله أن الله يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فالأديب إِمَّعَة
لما عنده من السعة، فهو مع كل مقام بحسب ذلك المقام، ومع كل حال بحسب ذلك الحال،
ومع كل خلق ومع كل غرض، فالأديب هو الجامع لمكارم الأخلاق والعليم بسفسافها لا
يتصف بها، بل هو جامع لمراتب العلوم محمودها ومذمومها، لأنه ما من شيء إلاَّ والعلم به
أولى من الجهل به عند كل عاقل، فالأدب جماع الخير وهو ينقسم إلى أربعة أقسام في
اصطلاح أهل الله .
القسم الأوّل: أدب الشريعة وهو الأدب الإلهيّ الذي يتولى الله تعليمه بالوحي والإلهام
به أدّب نبيه و #، وبه أدّبنا نبيه وَ﴾ فهم المؤذبون المؤدّبون. قال رسول الله وَله: ((إن الله
أذبني فأحسن أدبي)).
والقسم الثاني : أدب الخدمة وهو ما اصطلحت عليه الملوك في خدمة خدمها وملك أهل
الله هو الله فقد شرع لنا کیفیة الأدب في خدمته وهو معاملتنا إياه فیما یختص به دون معاملة خلقه،
فهو خصوص في أدب الشريعة لأن حكم الشريعة يتعلق بما هو حق لله وبما هو حق للخلق.
والقسم الثالث: أدب الحق وهو الأدب مع الحق في اتباعه عند من يظهر عنده ويحكم
به فترجع إليه وتقبله ولا تردّه ولا تحملك الأنفة إن كنت ذا كبر في السن أو المرتبة وظهر
الحق عند من هو أصغر منك سناً أو قدراً، أو ظهر الحق عند معتوه تأدبت معه وأخذته عنه
واعترفت بفضله عليك فيه، هذا هو الاتصاف، وما رأيت من تحقق بهذا خلقاً في عمري إلاَّ
سيد واحد يقال له أبو عبد الله بن جبير لقيته بمدينة سبتة وقصر كتامة وهو جزء من آداب
الشريعة فإن أدب الشريعة هو الأم لباقي الأقسام.
والقسم الرابع: أدب الحقيقة وهو ترك الأدب بفنائك وردّك ذلك كله إلى الله. وسيأتي
في الباب الذي يلي هذا الباب وهو في المقامات كالوهب في أصناف العطاء، وهو أن يعطي

٤٢٩
في المعاملات / الباب الثامن والستون ومائة في معرفة مقام الأدب وأسراره
لينعم لا لسبب آخر، وكذا المأدبة الاجتماع على طعام ما له سبب إلاَّ الدعوة إليه خاصة من
غير تقييد من صفة وليمة أو ختان أو ضيافة أو عقيقة وغير ذلك، وكذا جامع الخير لا لسبب
بل لكون جامع ذلك له نفس فاضلة خيرة بالذات فذلك هو الأديب.
وللأدب حال ومقام وهذا باب معرفة مقامه، فمقامه هو ما يثبت له دائماً وليس ذلك إلاَّ
الأدب مع الحق فإنه له الدوام في الدنيا والآخرة، وما فاز به إلاَّ أهل الفتوة من الملامية لا غير
سلكوا فيه كل مسلك واستخرجوا كنوزه وحصلوا فوائده كما قال الله تعالى أنه: ﴿مَّا خَلَقَ اللَّهُ
السَّوَتِ﴾ وهو كل عالم علوي ﴿وَالْأَرْضَ﴾ وهو كل عالم سفلي، السماء من عالم الصلاح،
والأرض من عالم الفساد، ومنه اشتقت اسم الأرضة لما تفسده في الثياب والورق والخشب،
ويسمّى أيضاً السوس والعث ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الروم: الآية ٨] من العالم، فهذا الحق
المخلوق به هذا العالم هو الذي نتأدب معه فإنه سبب وجود أعيان العالم، وبه يحكم الله يوم
القيامة بين عباده وفي عباده، وبه أنزل الشرائع فقال لرسوله داود: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ
فِى الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى﴾ [سورة ص: الآية ٢٦]. وإن كان مخلوقاً بالحق فإنه
ممّا بين السماء والأرض أو هو عين الأرض، فمقام الأدب العمل بالحق والوقوف عند الحق،
وإياك أن تتوهم من هذا القول أن الصدق هو الحق من حيث إنك تقول: قال حقاً إذا صدق
في قوله وقال صدقاً، بل الحق حاكم على الصدق وعلى الكذب بالحسن والقبح، فالحق في
موطن يحمد الصدق وفي موطن يذمّه وينهى عنه ويثني على الكذب الذي هو ضده ويحرض
عليه ويوجب العمل به، وفي موطن آخر يذم الكذب وينهى عنه ويحمد الصدق ويأمر به،
وهذا مقام الأدب الذي ينفع صاحبه في كل موطن فالزمه وتتبع مواضعه ودلائله في الشرائع
وفي أفعال الرسول المتأسَّى بها لا غير لا ما اختصّ به فإنه ليس بأدب مع الحق.
وأما مقام أدب الخدمة فهو أن يعطي ذات المخدوم كان ما كان ما تستحقه من حيث عينها
خاصة. وهو أن تقف مع ما تطلبه بذاتها فتبادر إليه من قبل أن تأمرك به أو تسائلك فيه حتى لا يظهر
عليها ذلّة المسألة، ولو كان أكبر منك وسألك في أمر فهو من حيث سؤاله إياك في ذلك الأمر أن تفعله
إظهار حاجة إليك ولو عادت عليك منفعته، ولكن مقام السؤال يقتضي ذلك، فمقام أدب الخدمة
الحضور دائماً مع كل ذات مشهودة لك تنظر فيما تستحقه بما يعطيه الزمان أو المكان أو الحال، فتقوم
لها بذلك من غير سؤال ولا تنبه من أحد سوى حضورك، فهذا مقام أدب الخدمة .
وأما مقام أدب الشريعة فهو أن تقوم بأمرها خاصة لا بما تعطيك ذاتها إلاَّ إن أمرتك بذلك،
فيكون قيامك بما تعطيك ذاتها من حيث أمرها لا غير، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْاللّهُ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ
مِنكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] وكل خدمة عن أمر فمن أدب الشريعة لا من أدب الخدمة .
وأما مقام أدب الحقيقة فإنا نذكره إن شاء الله. ومن أدب الشريعة أخذك لأحكامها
المشروعة والوقوف عند رسومها وحدودها واتصافك بها لمجرّد الخدمة والاشتغال لا لتحلية
النفس بالعلم بها دون العمل، ومن آداب الخدمة أن لا يشغلك ولا يبعثك عليها ما تنتجه لك من

٤٣٠
في المعاملات/ الباب التاسع والستون ومائة في معرفة مقام ترك الأدب وأسراره
المخدوم من القبول وملاحظات التأمیل، فإن شغلك ذلك فما خدمت سوی غرضك ونفسك.
ومن آداب الحق أن لا يتعدى علمك في الأشياء علمه فيها وهو الموافقة وإن أعطاك علمك خلاف
ذلك، ولا سيما فيما أضافه الحق إلى الخلق من الأعمال فأضفها أنت إلى من أضافها الله اترك
علمك لعلمه فإنه العليم وأنت العالم وهو الصادق فيما يخبر، فما أضاف أمراً إلى من أضافه إلاَّ
وينبغي لذلك المضاف إليه تلك الإضافة، فلا ترجح علمك على علمه من حيث قيام الدليل لك
على أنه لا فاعل إلاَّ الله فليس هذا من الأدب فصاحب الموافقة له كل تجلّ وشهود فاعلم ذلك.
الباب التاسع والستون ومائة
في معرفة مقام ترك الأدب وأسراره
[نظم: الكامل]
وإذا فعلْتَ فلا يُقال أديبُ
أَضِفِ الأمورَ إلى الإله جميعَها
وشفاءَها لله وهو مُصِيْبُ
نَسَبَ الخليلُ إليه علَّةَ نفسه
خَرَقَ السفينةَ والجدارَ عجيبُ
وكذاك أستاذُ المكلّم عندما
تُبْصِرْه يخطىء تارةً ويُصيبُ
فالعبدُ إن نظرَ الأمور بنفسه
فيها فتَحْضُرُ تارةً وتَغيبُ
فانظر بربك في الأمور فإنه
قال تعالى آمراً: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء:
الآية ٧٨] في معرض الذمّ لهم، أي هو الذي حسن الحسن وقبح القبيح. وقال تعالى مخبراً:
﴿كُلَّا نُمِدُ هَتَؤُلَاءِ وَهَتَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءٍ رَيِّكْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٠] وذكر المذموم والمحمود. وقال
تعالى: ﴿فَأَهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] ذلك الأوّل في الباطن فإنه في الإرادة،
وهذا في الظاهر إذ لا يعتبر إلاَّ بعد الوقوع، فالتارك للأدب أديب من حيث لا يعلم فإنه مع
الكشف وبحكمه لا مع الذي هم المحجوبون فيه فهو يعاين علم الله في جريان المقادير قبل
وقوعها فيبادر إليها فينطلق عليه بلسان الموطن أنه غير أديب مع الحق فإنه مخالف بل هذا هو
غاية الأدب مع الحق ولكن أكثر الناس لا يشعرون.
ومنهم من يقام في الإدلال كعبد القادر الجيلي ببغداد سيد وقته. ومنهم من يكون وقته
في ذلك كنت سمعه وبصره، والأدب يستدعي الغير، وثم مقام يفني الأغيار فيزول الأدب
لأنه ما ثم مع من، وأما بلسان عامة الطريق وخواص أكثرهم فإن مقام ترك الأدب مع الحقيقة
هو الواقع المشروع في العموم والخصوص وهو مقام جليل لا يقف معه إلاَّ الذكران من أهل
الله وفحول أصحاب المقامات لا أصحاب الأحوال، والقرآن كله نزل في هذا المقام إلاَّ آيات
مفردات قد ذكرناها في أوّل الباب، وما يحار في هذا المقام إلاَّ رجلان: مكاشف به ومشاهد
له، فالحقيقة تطلبه والحق الموضوع يطلبه، والأدب مع أحدهما ترك الأدب مع الآخر،
وحصلت أنت في مقام الترجيح وليس لك ذلك، فمن الرجال من يترك أدب الحق الموضوع
من اعتقاده وباطنه ويترك أدب الحقيقة من ظاهره، ويكون أديباً مع الحق في ظاهره غير أديب

٤٣١
في المعاملات/ الباب السبعون ومائة في معرفة مقام الصحبة وأسراره
مع الحقيقة في ظاهره، ويكون أديباً مع الحقيقة في باطنه غير أديب مع الحق في باطنه لما رأوا
أن النجاة في ذلك والسعادة، وأن عكس الأمر شقاء فهو يطرد ولا ينعكس.
وثم طائفة تقول: إنّ الأدب مع الحق الذي هو الشرع أدب مع الحقيقة، فمن تركه هنا
تركه هنا، ولا يعرفون من وجه، وذلك لأن الحق المشروع بين الأمر الذي لأجله حكم بالمنع
فقال: ((ومن غيرته حرم الفواحش)) لا أنه جعلها فواحش بالتحريم، وهذا المذهب أدخل في
باب الحكمة، ومذهب المخالف أدخل في أحدية العين، ولهذا المقام رجال ولمخالفه رجال،
وبالجملة فهو موضع حيرة لا يخلص لهؤلاء من جميع الوجوه ولا لهؤلاء من جميع الوجوه، فإن
الإخبارات الإلهية أكثرها تعارض الأدلة العقلية في هذا الباب، وأية حيرة أعظم من هذه
الحيرة، وهذا هو المتشابه الذي ينبغي أن يقول فيه من لم يطلعه الله على العلم به ﴿ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ مِّنْ
عِندٍ رَيْنَاً وَمَا يَذَكَّرُ إِلََّ أُولُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧] وهم الآخذون بلب العقل لا بقشره،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السبعون ومائة
في معرفة مقام الصحبة وأسراره
[نظم: مجزوء الخفيف]
صحبةُ الله في السَّبَبْ
صُحْبَةُ الله بالأدب
بالذي فيه من نَسَبْ
صُحْبَةُ الكون كُلِّهِ
أجْلِ آن شئتَ في الطَّلَبْ
فإذا ما علمتَ ذا
صُحْبَةَ الحقُّ في تَعَبْ
لم يزَلْ كلُّ من يَرى
ـهَ على صحة النَّسَبْ
ذلَّ مَنْ يَضْحَبُ الإلـ
اعلم أن الصحبة نعت إلهيّ للخبر الوارد: ((أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ)). يقول النبيّ وَل
في سفره لله والخليفة في الأهل، كما جعل الله الرسول خليفة في العالم جعله العالم إذا فارقوا
أهلهم خليفة في أهلهم وهو قوله: ﴿فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٩] وأوحى إلى من أوحى
إليهم: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢] يقول له: فالصحبة تطلب أعيان
الأغيار ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَّ أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَّ
أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] والمعية صحبة عامّة، والخلة صحبة خاصة،
وسيرد بابها إن شاء الله، غير أن في الصحبة أمراً يتعذر من وجه في الجناب الإلهيّ وهو المناسبة
والمشاكلة، إما من كل وجه، وإما من أكثر الوجوه ولا مناسبة كما يرد في باب مقام ترك
الصحبة فلا صحبة وقد وردت الصحبة فلا بدّ لها من وجه يستدعيها فإنه إخبار إلهيّ ﴿لَّا يَأْنِيهِ
اُلْتَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢] فلا تثبت الصحبة
إلاَّ إذا لم تأخذ في حدّها الكفاءة، فإذا أزلت الكفاءة في الصحبة ثبتت الصحبة في الجناب
الإلهيّ، فهو تعالى يصحبنا في كل حال نكون عليه، ونحن لا نصحبه إلاَّ في الوقوف عند

٤٣٢
في المعاملات/ الباب السبعون ومائة في معرفة مقام الصحبة وأسراره
حدوده، فما نصحب على الحقيقة إلاَّ أحكامه لا هو، فهو معنا ما نحن معه لأنه يعرفنا ونحن لا
نعرفه، لذا أتى يصحبنا ولم يجىء نصحبه، فإنه يحفظنا له لا لنا من هذه الحقيقة نطلبه لنا لا له،
فإن طالبناه طالبناه ﴿فَإِلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] فشرع تعالى لنا ما شرع فقال:
﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَنَفْسِهِ،﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٦] وهو قولنا نطلبه لنا لا له. وقال: ﴿اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اُلْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] تحقيقاً لطلبنا إياه لنا لا له، وحقيقة طلبه إيانا له لا لنا قوله
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فأوجدنا له لا لنا، فطلبناه
لنا لا له بما خلقنا له ﴿ وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٩].
فأمر الصحبة عظيم وشأنها كبير وما يرعاها إلاَّ الأكابر، وأحسن ما بلغني في رعي حقّها
والقيام به ما حكي عن الحجاج رحمه الله أنه أمر بضرب عنق شخص فقال له: أمر أحبّ أن
أذكره للأمير قبل أن يقتلني، فقال له الحجاج: قل، قال: أيها الأمير لا أحب أن أقوله لك إلاَّ
حتى تتركني مكتوفاً بحالي أمشي معك في إيوانك هذا من أوله إلى آخره وما على الأمير في ذلك
من بأس ولا يحول ذلك بينه وبين ما يريده مني ويقضي لي بهذا حاجة، فقال لحاجبه: اصعد به
إليّ، وقام الحجاج يسايره في الإيوان ويصغي إليه ليرى ماذا يقول له، فلما بلغ معه إلى آخر
الإيوان وعاد إلى مكانه قال: أيها الأمير إن الكريم يراعي حق صحبة ساعة وقد صحبني الأمير
وصحبته في هذه المشية والأمير أولى من رعى حق الصحبة، فقال الحجاج: خلوا سبيله فوالله
لقد صدق ولقد نبّه عاقلاً فلو قتلته لكنت ألأم الناس، ثم أمر أن يجزل له في الأعطية وخيّره في
صحبته والإقامة عنده، فما أدري بعد ذلك هل أقام عنده أم لا؟ فهذا من حسن ما يسمع في حق
الصحبة من الوفاء به والرعاية، هذا من الحجاج، فلا بدّ لعبيد الله أن يخلصوا مع الله نفساً واحداً
يصحّ به إطلاق الصحبة مع الله، فلا بدّ أن يرعى الله حق ذلك النفس.
وأما صحبة أهل الله بعضهم مع بعض أو صحبتهم للخلق أو صحبة الخلق إياه فهم
يطالبون أنفسهم بحق ما يجب للصاحب على الصاحب، فإن كان عين الحق له حقاً عنده لزمه
الوفاء به امتثالاً لأمر سيده ووقوفاً عند حدّه، وإن كان لم يأته في ذلك أمر وأبيح له وجعل له
الاختيار في ذلك فليرجح مع صاحبه مكارم الخلق بترك غرضه وعمله لغرض صاحبه ما لم
يسخط الله في واجب معين فصحبة الله أولى، وكذلك في صحبة غير الأشكال وغير الجنس،
مثل صحبته لما يملكه من الدواب والأشجار وما يصحبه من ذلك وإن لم يملكه، فإن رأى
شجرة ذابلة لاحتياجها إلى الماء وإن لم يكن مالكها حاضراً وقدر على سقيها في صحبة تلك
الساعة حيث استظل بها أو استند إليها طلباً لراحة من تعب أو وقف عندها ساعة لشغل طرأ له
فهذه كلها صحبة وهو قادر على الماء فتعين عليه رعي حق الصحبة أن يسقيها لذلك لا لأجل
صاحبها ولا طمعاً فيما تثمر، سواء أثمرت أو لم تثمر، أو كانت مملوكة أو مباحة، وكذلك
الحيوانات المؤذية وغير المؤذية فإنه في كل ذي كبد رطبة أجر، وقد وردت في ذلك أخبار
نبوية: من سقي البغيِّ الكلب فشكر الله فعلها فغفر لها. وكوالي بخارى وكان ظالماً فوهبه الله
لكلب أحسن في صحبته ثلاثة أيام فنودي كنت كلباً فوهبناك لكلب.

٤٣٣
في المعاملات / الباب الحادي والسبعون ومائة في معرفة مقام ترك الصحبة
الباب الحادي والسبعون ومائة
في معرفة مقام ترك الصحبة
[نظم: السريع]
يراه من قيده الجاهِلُ
من تَرَكَ الصُخْبَةَ فهو الذي
يُحيلها العالمُ العاقلُ
وصُخبةُ الحقُّ على كُنْهِهِ
وما له أَيْنٌ ولا حامِلُ
فهو مع العالم في أَيْنِهِ
إنّي مع الأكوان يا غافِلُ
فانظر إلى الحكمة في قوله
يراه أو بالوَضْف يا عاقِلُ
هل هو بالذات على حُكْمٍ مَنْ
اعلم أيّدك الله لما كانت الصحبة تطلب المناسب وهو يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ
[سورة الشورى: الآية ١١] ودليل العقل يقضي به فله السيادة والعالم عبيد. فخدمة لا صحبة، وإنما
امتنعت الصحبة من الطرف الواحد وصحّت من الطرف الآخر لما نذكره، فالحق ليس
بصاحب لأحد من المخلوقين إلاَّ بالصحبة التي أرادها الشارع في قوله: ((أنت الصاحب في
السفر)) بذلك المعنى كما اتخذناه وكيلاً فيما هو ملكه ولأنه الفعّال لما يريد كما قال ما يكون فعالاً
لما تريد أنت إلاَّ أن توافق إرادتك إرادته ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان: الآية ٣٠] إن
تشاؤوا فمن حيث إنه أراد فعل لا من حيث إنك أردت، والصاحب من يترك إرادته لإرادة
صاحبه، وهذا في جناب الحق محال، فلا يصحب الرب إلاَّ ربوبيته لكن يصحبه العالم لصحة
هذا الشرط منه، فمن صحبه من العالم ترك إرادته وغرضه ومحابه ومراضيه لإرادة سيده، وإن
كره ذلك العبد فإن دعواه في الصحبة تجعله أن يوافق ويحمل ذلك، وكذلك النبيّ لا يصحب
إلاَّ نبوّته، فإنه لا يتمكن للنبيّ أن يكون مع صاحبه بحيث ما يريد صاحبه منه، وإنما هو مع ما
يوحى إليه به لا يفعل إلاّ بحسبه فيصحب ولا يصحب ولهذا ليست الصحبة فعل فاعلين،
وكذلك الملك لا يصحب سوى ملكه فيصحب أيضاً ولا يصحب، فإن الناس مع الرسول في
صحبتهم بحكم ما يشرع لهم ما هم بحكم إرادتهم برهانه ﴿فَلَ وَرَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء:
الآية ٦٥] فلذلك صحبوه وما صحبهم، والورثة أهل الإلقاء الإلهيّ يُصحبون ولا يصحبون،
فإنهم مع ما يلقي الله إليهم، كتقرير حكم المجتهد يحرم عليه العدول عنه، فلا يصحب مؤمن
مؤمناً أبداً لأنه لا يمكن له الوفاء معه على الإطلاق بحق الصحبة، فإن المؤمن تحت حكم
شرعه، قال رسول الله وَّ: ((لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ قَطَعْتُ يَدَهَا)) فالمحكوم عليه لا
يمكن أن يكون صاحباً لأحد، كالعبد لا يتمكن له أن يصحب غير سيّده لأنه ما هو بحكم
نفسه فيمشي على أغراض صاحبه بل هو بحكم سيده، فالصحبة لا تصحّ إلاَّ من الطرف الواحد
وهو الأدنى وقد نبهناك، فاعلم وقف عند حدّك حتى تعلم أنك صاحب أو مصحوب، فاعمل
بحسب ذلك، والكامل من لا يزال صاحباً أبداً.
الفتوحات المکیة ج٣ - م٢٨

٤٣٤
في المعاملات/ الباب الثاني والسبعون ومائة في معرفة مقام التوحيد
الباب الثاني والسبعون ومائة
في معرفة مقام التوحيد
[نظم: المديد]
ما لها روح ولا جَسَدُ
دُمْيَةٌ في القلب قد نُصِبَتْ
كُتبثْ فيه عقيدتُها
أَحَدّ ما مثلُه أَحَدٌ
مَصْدَرُ الأكوان حَضْرَتُه
الذي قام الوجودُ به
وأنا العبدُ الفقيرُ به
فاعجبوا من حكمةٍ وُجِدَثْ
حكمةٌ تحوي على حِكَم
أَبَدْ يَغْنو إلى أزلّ
كلُّ من يجري إلى أمدٍ
هكذا التوحيدُ فاعتبروا
بمدادِ كلّه جَسَدُ
بجمال النَّغْت مُتْفَرِدُ
وهو لا شَفْعْ ولا عَدَدُ
أمرنا عليه يَنْعَقِدُ
وهو المِحْسَانُ والصَّمَدُ
نَعَّمَ الرحمنُ ما وَجَدُوا
نالها الحُسَّادُ إذْ حَسَدُوا
أزلٌ يمدُّه الأبدُ
سيْرَى وماله أَمَدُ
واحد في واحدٍ أَحَدُ
اعلم أن التوحيد التعمّل في حصول العلم في نفس الإنسان أو الطالب بأن الله الذي
أوجده واحد لا شريك له في ألوهيته، والوحدة صفة الحق والاسم منه الأحد والواحد، وأما
الوحدانية فقيام الوحدة بالواحد من حيث أنها لا تعقل إلاَّ بقيامها بالواحد وإن كانت نسبة وهي
نسبة تنزيه، فهذا معنى التوحيد كالتجريد والتفريد، وهو التعمّل في حصول الانفراد الذي إذا
نسب إلى الموصوف به سمّي الموصوف به فرداً أو منفرداً أو متفرداً إذا سمّي به، فالتوحيد
نسبة فعل من الموحّد يحصل في نفس العالم به أن الله واحد، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَإِهَةُ
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] وقد وجد الصلاح وهو بقاء العالم ووجوده، فدل على
أن الموجد له لو لم يكن واحداً ما صحّ وجود العالم، هذا دليل الحق فيه على أحديته وطابق
الدليل العقلي في ذلك، ولو كان غير هذا من الأدلة أدلّ منه عليه لعدل إليه وجاء به وما عرّفنا
بهذا ولا بالطريق إليه في الدلالة عليه، وقد تكلف قوم الدلالة عليه بطريق آخر وقدحوا في
هذه الدلالة فجمعوا بين الجهل فيما نصبه الحق دليلاً على أحديته وبين سوء الأدب، فأما
جهلهم فكونهم ما عرفوا موضع الدلالة على توحيده في هذه الآية حتى قدحوا فيه. وأما سوء
الأدب فمعارضتهم بما دخلوا فيها بالأمور القادحة فجعلوا نظرهم في توحيده أتم في الدلالة
ممّا دلّ به الحق على أحديته، وما ذهب إلى هذا إلاّ المتأخرون من المتكلمين الناظرين في
هذا الشأن، وأما المتقدمون كأبي حامد وإمام الحرمين وأبي إسحاق الإسفرايني والشيخ أبي
الحسن فما عرّجوا عن هذه الدلالة وسعوا في تقريرها وأبانوا عن استقامتها أدباً مع الله تعالى
وعلماً بموضع الدلالة منها.

٤٣٥
في المعاملات/ الباب الثاني والسبعون ومائة في معرفة مقام التوحيد
واعلم أن الكلام في توحيد الله من كونه إلهاً فرع عن إثبات وجوده وهذا باب التوحيد
فلا حاجة لنا في إثبات الوجود فإنه ثابت عند الذي نازعنا في توحيده. وأما إثبات وجوده
فمدرك بضرورة العقل لوجود ترجيح الممكن بأحد الحكمين، ولنا في توحيده طريقان:
الطريق الواحدة أن يقال للمشرك: قد اجتمعنا في العلم بأن ثم مخصصاً وقد ثبت عينه وأقل ما
يكون واحداً فمن زاد على الواحد فليدل عليه فعليك بالدليل على ثبوت الزائد الذي جعلته
شريكاً فليكن الخصم هو الذي يتكلف إثبات ذلك. والطريقة الأخرى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ
فِهِمَآ ءَالِمَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] هذه مقدمة، والمقدمة الأخرى السماء
والأرض وأعني بهما كل ما سوى الله ما فسدتا، وهذه هي المقدمة الأخرى، والجامع بين
المقدمتين وهو الرابط الفساد، فأنتجنا أحدية المخصص وهي المطلوب.
وإنما قلنا ذلك لأنه لو كان ثم إله زائد على الواحد لم يخل هذا الزائد إما أن يتفقا في
الإرادة أو يختلفا، ولو اتفقا فليس بمحال أن يفرض الخلاف لننظر من تنفذ إرادته منهما، فإن
اختلفا حقيقة أو فرضاً في الإرادة فلا يخلو إما أن ينفذ في الممكن حكم إرادتهما معاً وهو
محال لأن الممكن لا يقبل الضدّين، وإما أن لا ينفذا، وإما أن ينفذ حكم إرادة أحدهما دون
الآخر، فإن لم ينفذ حكم إرادتهما فليس واحد منهما بإله وقد وقع الترجيح، فلا بدّ أن يكون
أحدهما نافذ الإرادة، وقصر الآخر عن تنفيذ إرادته فحصل العجز، والإله ليس بعاجز، فالإله
من نفذت إرادته وهو الله الواحد لا شريك له، وهكذا استدلّ الخليل عليه السلام في الأقوال
فأعطاه النظر أن الأفول يناقض حفظ العالم، فالإله لا يتصف بالأفول أو الأفول حادث لطروه
على الآفل بعد أن لم يكن آفلاً، والإله لا يكون محلاً للحوادث لبراهين أخر قريبة المأخذ،
وهذه الأنوار قد قبلت الأفول فليس واحد منها بإله وهذه بعينها طريقة قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ
فِهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ وكل دليل لا يرجع إلى هذا المعنى فلا يكون دليلاً.
ثم قال الله تعالى في قصة إبراهيم هذه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الأنعام:
الآية ٨٣] ولم يكن له غير هذا، فقوله حجتنا أي مثل حجتنا التي نصبناها دليلاً على توحيدنا
وهي قولنا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ وهذه الأدلة وأمثالها إنما المطلوب بها توحيد
الله أي ما ثم إله آخر زائد على هذا الواحد. وأما أحدية الذات في نفسها فلا تعرف لها ماهية
حتى يحكم عليها لأنها لا تشبه شيئاً من العالم ولا يشبهها شيء، فلا يتعرض العاقل إلى
الكلام في ذاته إلاّ بخبر من عنده، ومع إتيان الخبر فإنا نجهل نسبة ذلك الحكم إليه لجهلنا به
بل نؤمن به على ما قاله وعلى ما يعلمه، فإن الدليل ما يقوم إلاَّ على نفي التشبيه شرعاً وعقلاً،
فهذه طريقة قريبة عليها أكثر علماء النظر.
وأما الموحد بنور الإيمان الزائد على نور العقل وهو الذي يعطي السعادة وهو نور لا
يحصل عن دليل أصلاً وإنما يكون عن عناية إلهية بمن وجد عنده ومتعلقه صدق المخبر فيما
أخبر به عن نفسه خاصة ليس متعلق الإيمان أكثر من هذا، فإن كشف متعلق الخبر فبنور آخر
ليس نور الإيمان لكن لا يفارقه نور الإيمان، وذلك النور هو الذي يكشف له عن أحدیة نفسه،

٤٣٦
في المعاملات/ الباب الثاني والسبعون ومائة في معرفة مقام التوحيد
وأحدية كل موجود التي بها يتميز عن غيره، سواء كانت ثم صفة يقع فيها الاشتراك أو لا يكون،
لا بدّ من أحدية تخصه يقع بها الامتياز له عن غيره، فلما كشف للعبد هذا النور أحدية
الموجودات علم قطعاً بهذا النور أن الله تعالى له أحدية تخصّه، فإما أن تكون عينه فيكون إحدى
الذات إحدى المرتبة وهي عينها، وإما أن يكون أحدية المرتبة فيوافق الكشف الدليل النظري
ويعلم قطعاً أن الذات على أحدية تخصّها هي عينها وهذا معنى قول أبي العتاهية: [المتقارب]
وفي كلّ شيء له آيةٌ
تَدُلّ على أنه واحِدُ
وتلك الآية أحدية كل معلوم سواء كان كثيراً أو غير كثير، فإن للكثرة أحدية الكثرة لا
تكون لغيرها البتة، والأحدية صفة تنزيه على الحقيقة، فلا تكون بجعل جاعل كما يراه بعض
أصحابنا، فمن قال إنه وحّد الواحد ويريد به ما يريد بالوحدة فليس بصحيح، وإن أراد بقوله
وحد الواحد ويعني به القائل الثاني فهذا يصحّ، وإنما الواحد من حيث عينه هو واحد لنفسه،
فأهل طريق الله رأوا أن التوحيد إذا ثبت أنه عين الشرك فإن الواحد لنفسه لا يكون واحداً
بإثباتك إياه واحداً فما أنت أثبته بل هو ثابت لنفسه، وأنت علمت أنه واحد لا أنك أثبت أنه
واحد، فلهذا قال من أصحابنا قوله، إذ كل من وحده جاحد لأن الواحد لا يوحد لأنه لا يقبل
ذلك لأنه لو قبل ذلك لكان اثنين: وحدته في نفسه، ووحدة الموحد التي أثبتها له، فيكون
واحداً بنفسه وواحداً بإثبات الوحدة له من غيره، فيكون ذا وحدتين فينتفي كونه واحداً، وكل
أمر لا يصحّ إثباته إلا بنفيه فلا يكون له ثبوت أصلاً، فالتوحيد على الحقيقة مناله سكوت
خاصة ظاهراً وباطناً، فمهما تكلم أوجد، وإذا أوجد أشرك، والسكون صفة عدمية فيبقى توحيد
الوجود له وما دخل الشرك في توحيده إلاَّ بإيجاد الخلق لأن الخلق استدعى بحقائقه نسباً مختلفة
تطلب الكثرة في الحكم وإن كانت العين واحدة، فما طرأت الآفة في التوحيد إلاَّ من الإيجاد،
فالتوحيد جنى على نفسه لم تجن عليه الموجودات، وهذا هو علم التوحيد الوهبي الذي لا
يدرك بالنظر الفكري، وكل توحيد يعطيه النظر الفكري هو كسبي عند الطائفة .
واعلم أن الشرع ما تعرّض لأحدية الذات في نفسها بشيء وإنما نص على توحيد
الألوهية وأحديتها بأنه لا إله إلاَّ هو، وإنما ذلك من فضول العقل لأن العقل عنده فضول كثير
أداه إليه حكم الفكر عليه وجميع القوى التي في الإنسان، فلا شيء أكثر تقليداً من العقل وهو
يتخيل أنه صاحب دليل إلهيّ وإنما هو صاحب دليل فكري، فإن دليل الفكر يمشي به حيث
يريد، والعقل كالأعمى بل هو أعمى عن طريق الحق، فأهل الله لم يقلدوا أفكارهم فإن
المخلوق لا يقلد المخلوق فجنحوا إلى تقليد الله فعرفوا الله بالله، فهو بحسب ما قال عن نفسه
ما هو بحسب ما حكم فضول العقل عليه. وكيف ينبغي للعاقل أن يقلد القوة المفكرة وهو
يقسم النظر الفكري إلى صحيح وإلى فاسد، ولا بدّ له أن يحتاج إلى فارق بين صحيحه
وفاسده، ومحال أن يفرّق بين صحيح نظر الفكر وفاسده بالنظر الفكري، فلا بدّ أن يحتاج إلى
الله في ذلك، فالذي نلجأ إليه في تمييز النظر الفكري صحيحه من فاسده حتى نحكم به نلجأ
إليه ابتداء في أن يعطينا العلم بذلك المطلوب من غير استعمال فكر، وعليه عولت الطائفة

٤٣٧
في المعاملات / الباب الثاني والسبعون ومائة في معرفة مقام التوحيد
وعملت به وهو علم الأنبياء والرسل وأولي العلم من أهل الله ولم تتعد بأفكارها محالها،
وعلمت أن غايتها في الإدراك الصحيح في زعمها أن تبني أدلتها على الأمور الحسية
والبديهية، وقد حكمت بغلط الحس ابتداء في أشياء وبالقدح في البديهيات، ثم رجعت
تأخذها مصادرة لتعذر الدلالة عليها، فالرجوع إلى الله أولى في الأمور كلها كما قال ﴿وَإِلَيْهِ
يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] وهذا من جملة الأمر، فلا علم إلاَّ العلم المأخوذ عن
الله، فهو العالم سبحانه وحده، والمعلم الذي لا يدخل على المتعلم منه فيما يأخذه عنه شبهة
ونحن المقلدون له، والذي عنده حق فنحن في تقليدنا إياه فيما أعلمنا به أولى باسم العلماء
من أصحاب النظر الفكري الذين قلّدوه فيما أعطاهم لا جرم أنهم لا يزالون مختلفين في العلم
بالله، والأنبياء مع كثرتهم وتباعد ما بينهم من الأعصار لا خلاف عندهم في العلم بالله لأنهم
أخذوه عن الله، وكذلك أهل الله وخاصته، فالمتأخر يصدق المتقدم ويشدّ بعضهم بعضاً، ولو
لم يكن ثم إلاَّ هذا لكفى ووجب الأخذ عنهم.
وهذا الباب أعني باب التوحيد يعطي المناسبة من وجه، وقد قال بذلك جماعة من أهل
الله كأبي حامد وغيره من شيوخنا ولا يعطي المناسبة من وجه، وقد قال به جماعة من أصحابنا
كأبي العباس بن العريف الصنهاجي ونفوا المناسبة جملة، والذي أذهب إليه وأقول به على ما
أصلناه أوّلاً أن لا نقلد في علمنا بالله وبغير الله إلاّ الله، فنحن بحسب ما يلقي إلينا في حق
نفسه، فإن خاطبنا بالمناسبة قلنا بها حيث خاطبنا لا نتعدى ذلك الموضع ونقتصر عليه، وإن
خاطبنا برفع المناسبة رفعناها في ذلك الموطن الذي رفعها فيه لا نتعداه فيكون الحكم له لا
لنا، فلا نزال نصيب أبداً ولا نخطىء، وهو المعبر عنه بالعصمة في حق الأنبياء عليهم السلام
والحفظ في حق الأولياء، ومتى ما لم يخبر عن الله فالإصابة إذا حصلت منه للحق اتفاقية
بالنظر إليه مقصودة بالنظر إلى الحق، هذا هو الذي نعتمد عليه، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] على زيادة الكاف رفع للمناسبة الشيئية وتمام الآية ﴿وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات للمناسبة، والآية واحدة، والكلمات مختلفة، فلا نعدل عن هذه
المحجة فهي أقوى حجة، وهي ما ذهبنا إليه من تقليد الحق فإنه طريق العلم والنجاة في الدنيا
والآخرة، وهي طريق النبيين والمرسلين والقائلين بالفيض من الإلهيين، فإذا جاءك من الله
علم فلا تدخله في ميزان الفكر، ولا تجعل لعقلك سبيلاً إلى ذلك فتهلك من ساعتك، فإن
العلم الإلهي لا يدخل في الميزان لأنه الواضع له، فكيف يدخل واضعه تحت حكمه؟ النائب
لا يحكم على من استخلفه وإنما يحكم على من استخلف عليه، والعلم يناقض العقل فإن
العقل قيد والعلم ما حصل عن علامة، وأدل العلامات على الشيء نفس الشيء، وكل علامة
سواها فالإصابة فيها بالنظر إلينا اتفاقي، وهذا القدر في هذا الباب على حكم طريقنا كاف في
الغرض المقصود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وصل: في الوتر وهو نوع من أنواع التوحيد. اعلم أن الوتر في لسان العرب هو طلب
الثأر، فأحدية الحق إنما اتصفت بالوتر لطلبها الثأر من الأحدية التي للواحد الذي أظهر الاثنين

٤٣٨
في المعاملات/ الباب الثاني والسبعون ومائة في معرفة مقام التوحيد
بوجوده فما زاد إلى ما لا يتناهى من الأعداد، فلما أزال بهذا الظهور حكم الأحدية فصارت
أحدية الحق تطلب ثأر الأحدية المزالة التي أذهب عينها هذا الواحد الذي بوجوده ظهرت
الكثرة وتطلب الوحدانية فتسمى بالوتر لهذا الطلب، فوكل هذا الواحد من ينوب عنه في الذبُ
عنه فأقام العارف وكيلاً بلسان حق فقال: أيها الحاكم الطالب ثأر الأحدية ما ذهبت الأحدية
بل هذا الذي تطلبه ما أعطى الاثنينية ولا الثلاثة ولا الأربعة فصاعداً فإنه لا يعطي ما لا يقتضيه
حقيقته، وإنما الذي أعطانا الاثنين أحدية الاثنين وأحدية الثلاثة والأربعة بالغاً ما بلغ العدد،
وذلك لتستدل أعيان الأعداد بأحديتها تلك على أحديتك، فما سعت إلاَّ في حقك ومن
أجلك، إذ تعلم أن الأعداد ما ظهرت في الكون إلاَّ من حكم الأسماء الإلهية فإنها كثرة ومع
كثرتها فالأحدية لها متحققة، فأراد هذا الواحد أن لا يجهل أعيان الأعداد أحدية الأسماء حتى
لا تتوهم الكثرة في جناب الله، فأعطى في كل عدد أحدية ذلك العدد غيرة من وجود الكثرة
المذهبة لعين الأحدية والوحدة، فقبل عذره وعلم أنه متخلق في ذلك بأخلاق أحدية الحق في
إقامة أحدية الأسماء الكثيرة ومشى عليه اسم الوتر للغيرة، فالله وتر يحب الوتر، وسيأتي في
الباب الذي بعد هذا العلم بالكثرة والاشتراك إن شاء الله.
وصل: في الفرد. وأما الفرد فهو من حكم هذا الباب ويسمّى به لانفراده بما يتميز به
عن خلقه، فما هو فرد من حيث ما هو واحد، فإنه واحد لنفسه وفرد لتميزه عن أحدية كل
شيء، ولا يصحّ الفرد لغيره سبحانه، فإنه كل ما سوى الله فيه اشتراك بعضه مع بعض ويتميز
بأحديته ولا ينفرد، فإن صفة الاشتراك تمنع من ذلك، فلا يصحّ اسم الفرد على الحقيقة إلاَّ لله
الحق خاصة فإنه الفرد من جميع الوجوه، إذ لم تكن له صفة اشتراك كما لسواه من
الموجودات، ولذلك تطلب الحدود الموجودات والله لا یطلبه حد ولا یقابله مثل ولا ضد
تعالى الله. وأسماؤه كلها لها الفردية فإنها له نسب لا أعيان، فيأخذ الحد ذلك الاسم إذا دلّ
على الحادث ولا يأخذه الحد إذا سميت به الله تعالى فتحد اللفظ ولا تحد مدلوله إلاّ إذا كان
مدلوله حادثاً لا غير، ولا يلزم من الاشتراك في اللفظ الاشتراك في المعنى لأن اللفظ لك لا
له وأنت مشترك فيك، فلهذا قيل: اللفظ الاشتراك، ألا ترى الألفاظ المشتركة كالمشتري ليس
الاشتراك إلاَّ في إطلاق الاسم ولهذا يقع التفصيل إذا طولب بالحد صاحبه فيقال: أي مشتر
تريد المشتري الذي هو كوكب في السماء أو المشتري الذي هو عاقد البيع فإذا حدّه تميز كل
عين عن صاحبتها فليس في اللفظ من ماهية المدلول شيء فبهذا تقول في الحق سميع وبصير،
وله يد ويدان أو أيد وأعين ورجل، وجميع ما أطلقه على نفسه ممّا لا يتمكن للعقل أن يطلقه
عليه لأنه لم يعلم ذلك الإطلاق إلاَّ على المحدثات.
ولولا الشرع والأخبار النبوية الإلهية ما جاءت بها ما أطلقناها عقلاً عليه، ومع هذا
فننفي التشبيه ولا يتناول أمراً بعينه لجهلنا بذاته، وإنما نفينا التشبيه بقوله: ﴿لَيْسَ كُمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] لا بما أعطاه الدليل العقلي حتى لا يحكم عليه إلاَّ كلامه
تعالى، وبهذا نحب أن نلقاه إذا لقيناه وكشف عن بصائرنا وأبصارنا غطاء العمى إن كان يمكن

٤٣٩
في المعاملات/ الباب الثالث والسبعون ومائة في معرفة مقام الشرك وهو التثنية
كشفه مطلقاً أو يكشف منه ما يمكن كشفه، إما على التساوي في حق الجميع، وإما على
التفاضل في حق العباد، فينفرد كل شخص برؤية لا تكون لغيره، ولا يصحّ الكشف في علم
التوحيد إلاّ عند من يقول بالمناسبة ولا عند من يقول بنفي المناسبة، لأن التوحيد ليس بأمر
وجودي وإنما هو نسبة، والنسب لا تدرك كشفاً وإنما تعلم من طريق الدليل، فإن الكشف
رؤية ولا تتعلق الرؤية من المرئي إلاَّ بكيفيات يكون المرئي عليها، وهل في ذلك الجناب
الإلهي كيفية أم لا؟ فالدليل ينفي الكيفية، فإن كان يريد أنه لا كيفية له في ذاته فلا يكشف،
وإن كان يريد أنه لا تعقل كيفيته فيمكن أن يكشف من حيث ما له كيفية لا نعقل لكن يحصل
العلم بها عند الكشف، فإن كل كيفية حصلها العقل من نظره في الأشياء فإنها تستحيل عليه
عنده مع ثبوت الإيمان بأسمائها لا بمعقوليتها من نزول واستواء ومعية وتقليب وتردّد وضحك
وتعجّب ورضى وغضب، فإن جسد الله هذه المعاني في حضرة التمثيل كالعلم في صورة
اللبن فذلك له وحينئذ تنال كشفاً وإلا فلا تنال أبداً، ولا يعلم من أين أخذتها النبوة هل تلقتها
خبراً أو كشفاً؟ فإن كان خبراً فقد وقع التساوي، وإن كان عن كشف فهو بحسب ما ذكرناه،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والسبعون ومائة
في معرفة مقام الشرك وهو التثنية
[نظم: السريع]
عليه أهل الكشف قد عَوَّلُوا
الشِّرْكُ في الأسماء لا يُجْهَلُ
هو الإِلهُ الحَكَمُ الأوّلُ
قالوا وما الرحمنُ قلنا لهم
دلَّ على الذَّاتِ يُسْأَلُ
لا فرقَ بين الله في كَوْنِهِ
يَلْفُظُهُ اللافظُ أو يَعْقِلُ
به من الأسماءِ في كلّ ما
عند الذي يَعلم أو يَجْهَلُ
والشّرْكُ محمودٌ على بابه
فيه إمامٌ حُكْمُه فَيْصَلُ
هو الوجودُ المَخضُ لا يَمْتري
أثْبَتَه في عَقْده المُبْطِلُ
وإنما المذمومُ منه الذي
قال الله تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء:
الآية ١١٠] فاعلم أن الله تعالى من حيث ذاته فهو الواحد الأحد. وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٠] إذا دعوته عرفت من يجيبك، وما يجيبك هل يجيبك من
حيث ذاته أو من حيث نسبة يطلبها ذلك الاسم ما هي عين الذات ولا يجيبك تعالى مع ارتفاع
وجود تلك النسبة، فإذا عرفت هذا عرفت أموراً كثيرة في عين واحدة لا تعقل الذات عند
الدعاء بهذه الأسماء دون هذه النسب، ولا تعقل النسب دون هذه الذات، فإذا قلت: يا
عليم، علمت أن معقوله خلاف معقول يا قدير، وكذلك يا مريد ويا سميع ويا بصير ويا
شكور ويا حيّ ويا قيوم ويا غنيّ إلى ما شئت من الأسماء الحسنى، فهذه النسب وإن كثرت

٤٤٠
في المعاملات/ الباب الرابع والسبعون ومائة في معرفة مقام السفر وأسراره
فالمسمّى واحد والمنسوب إليه هذه النسب واحد، فإذاً لا تعقل الكثرة في هذا الواحد إلاَّ
هكذا، فكل اسم قد شارك الاسم الآخر وغيره من الأسماء الإلهية في دلالته على الذات مع
معقولية حقيقة كل اسم أنها مغايرة لمعقولية غيره من الأسماء وتميز كل واحد منها عن صاحبه
واشتراكهم في ذات المسمّى وليست هذه الأسماء لغير من تسمّى بها، فالأسماء الإلهية
مترادفة من وجه متباينة من وجه مشتبهة من وجه، فالمترادفة: كالعالم والعلام والعليم
وكالعظيم والجبار والكبير. والمشتبهة: كالعليم والخبير والمحصي. والمتباينة: كالقدير
والحيّ والسميع والمريد والشكور.
وأما الضرب الآخر من الشركة في إيجاد العالم فهو باستعداد الممكن لقبول تأثير القدرة
فيه إذ المحال لا يقبل ذلك، فما استقلت القدرة بالإيجاد دون استعداد الممكن، ولا استقل
استعداد الممكن دون القدرة الإلهية بالإيجاد، وهذا سار في كل ممكن، ثم اشتراك آخر
خصوص في بعض الممكنات وهو إذا أراد إيجاد العرض فلا بدّ من الإقتدار الإلهي والإرادة
الإلهية لتخصيص ذلك العرض المعين، ولا بدّ من العلم به حتى يقصده بالتخصيص، ولا بدّ
من استعداد ذلك المراد لقبول الإيجاد، ولا بدّ من وجود المحل لصحة إيجاد ذلك العرض،
إذا كان من حقيقته أنه لا يقوم بنفسه، فلا بدّ له من محل يقوم به، ولا بدّ لذلك المحل أن
يكون على استعداد يقبل وجود ذلك العرض فيه، وهذا كله ضرب من الشركة في الفعل،
فهذا معنى الشركة والكثرة المطلوبة في الإلهيات في هذا الباب، ولا يحتمل هذا الباب أكثر
ممّا أومأنا إليه من هذه الأصول. وتلخيص هذا الباب أن كل أمر يطلب القسمة فلا يصحّ فيه
توحيد، وأعمّه المعلوم فنقول: المعلومات تنقسم بوجه إلى ثلاثة أقسام: إلى واجب وجائز
ومستحيل، ثم ما من شيء نذكره بعد هذا من موجود ومعدوم وغير ذلك إلاَّ ويقبل القسمة،
فأين التوحيد في كل مذكور أو معلوم فلم يبق إلاَّ توحيد الكثرة في معلوم معين يسمّى الله،
وهو الذي ينبغي أن يكون على كذا وكذا وتذكر ما لا تصحّ الألوهية إلاَّ به، وحينئذ يصحّ أن
يكون الله ولا يشاركه في هذه الصفات بمجموعها واحد آخر فذلك يعني بقوله واحد بأحدية
هذا المجموع مع أحدية العين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والسبعون ومائة
في معرفة مقام السفر وأسراره
[نظم: البسيط]
هذا هو العُزفُ في الإعراض بالخَبَرِ
إن السُّفورَ دليلُ الخَوْف والحَذَرِ
فكنْ فدَيْتُك من هذا على حَذَرٍ
فإن رأيتَ فتاةَ الحَيِّ قد سَفَرَتْ
أصولها ما لها عينٌ من الصُّوَرِ
لذا نقول بأن المُمْكناتِ على
وقد يكون لها التكوينُ في السُّوَرِ
ولا تَقُلْ بحلول إنَّها عَدَمٌ
قال تعالى في وصف أهل الله: السائحون. والسياحة الجولان في الأرض على طريق