Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
في المعاملات/ الباب الثامن عشر ومائة في مقام التوكل
نفس الأمر، فما زاد شيئاً مما هو الأمر عليه في الوجود ومدحه الله بذلك وما أثر في الملك
شيئاً وهذا غاية الكرم الثناء بالأثر على غير المؤثر بل الكل منه وإليه فهذا حظ الناظر الأول،
والناظر الثاني هو أن يقول: ما خلق الله الأشياء من أجل الأشياء وإنما خلقها ليسبحه كل
جنس من الممكنات بما يليق به من صلاة وتسبيح لتسري عظمته في جميع الأكوان وأجناس
الممكنات وأنواعها وأشخاصها فقال: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسْبِحَمْ﴾ [سورة النور: الآية ٤١] وقال:
﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] فالكل له تعالى ملك.
وإذا كان الأمر على هذا ولم يخلق على الصورة الإلهية سوانا ووصف نفسه بالغيب عن
الأشياء وأسدل الحجب بينها وبين أن ندركه فهو يدركها ولا تدركه لأنها لا تعرفه فأقام
الإنسان خليفة وهو الوكيل فقال: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٧] فحدّ
لنا في الوكالة أموراً لا نتعدّاها فما هي وكالة مطلقة مثل ما وكلناه نحن، فحدّ حدوداً لنا إن
تعديناها تعدينا حدود الله ﴿وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١] وعلى
النظر الأول جاء القرآن كله فإنه ما قال إلاَّ ﴿تَوَكَّلُوا﴾ [سورة يونس: الآية ٨٤] وقال: ﴿اٌلْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة يوسف: الآية ٦٧] فرجح النظر الأول، وهو أن نتخذ وكيلاً في المصلحة لنا لا في الأشياء
فيجمع بين النظرين، وهي حالة ثالثة شهدناها وما رأيناها لا حدّ من طريقتنا فقلنا: إنه خلق
الأشياء له لا لنا ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠].
ومن خلقنا افتقارنا إلى ما يكون صلاحنا حيث كنا من دنيا وآخرة، ولا نعلم طريقنا
إلى المصلحة لأنه ما خلق الأشياء من أجلنا فوكلناه ليسخر لنا من هذه الأشياء ما يرى فيه
المصلحة لنا امتناناً منه وامتثالاً لأمره، فنكون في توكلنا عليه عبيداً مأمورين ممتثلين أمره
نرجو بذلك خيره، فوقع التوكل في المصالح لا في عين الأشياء، وهذا برزخ دقيق لا يشعر
به كل أحد للطافته وهو جمع بين الاثنين وتثبيت للحكمين، وإن كان قد تكلم أهل هذا
المقام فيه وما من أحد منهم إلاّ نزع لأحد الطرفين من غير جمع بينهما، فالرجال المنعوتون
بهذا المقام منهم من يكون بين يدي الله فيه كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء ولا
يعترض عليه في شيء، ومنهم من حالته فيه حال العبد مع سيده في مال سيده، ومنهم من
حاله فيه حال الولد مع والده في مال ولده، ومنهم من حاله فيه حال الوكيل مع موكله
يجعل كان أو بغير جعل، والذي عليه المحققون وبه نقول: إن التوكل لا يصحّ في الإنسان
على الإطلاق على الكمال، لأن الافتقار الطبيعي بحكم ذاته فيه والإنسان مركب من أمر
طبيعي وملكوتي .
ولما علم الحق أنه على هذا الحد وقد أمر بالتوكل وما أمر به إلاَّ وهو ممكن الاتصاف
به وقد وصف نفسه بالغيرة على الألوهية فأقام نفسه مقام كل شيء في خلقه إذ هو المفتقر إليه
بكل وجه وفي كل حال فقال: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ﴾ وما خصّ مؤمناً ولا غيره ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ
وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فما افتقرتم إليه من الأشياء هو لنا وبأيدينا وما هو
لنا فما يطلب إلاَّ منا فإلينا الافتقار لا إليه إذ هو غير مستقل إلاّ بنا. وليكن للتوكل أحوال يصح

٣٠٢
في المعاملات/ الباب التاسع عشر ومائة في ترك التوكل
الاتصاف بها يسمى توكلاً. وبلغني عن واحد من أهل طريق الله أنه قال بما أشرنا إليه في هذه
المسألة: متنا وما شممنا لهذا التوكل رائحة لأنه يطلب سريانه في الكل للافتقار الطبيعيّ الذي
فيه، والتوكل مقام لا يتبعض إلاَّ بالمجاز، ونحن أهل حقائق فلو صحّ في وجه كما يزعم هذا
المدعي لصحّ في جميع الوجوه وله الدعوى وصاحبه مسؤول وله الكشف، ودرجاته عند
العارفين أربعمائة وسبع وثمانون، ودرجات الملاميين فيه أربعمائة وست وخمسون، وله
نسب إلى العالم كله من ملك وملكوت وجبروت.
الباب التاسع عشر ومائة
في ترك التوكل
[نظم: البسيط]
والحقُّ ليس به نَفْعٌ ولا ضَرَرُ
أنت الخليفةُ فيما أنت مالِكُهُ
غيرُ الوكيلِ فلا روحٌ ولا بَشَرُ
تَرْكُ التوكُّلِ حالٌ ليس يعلمه
عينِ الموكّلِ لا عينٌ ولا أَثَرُ
كيف التوكُلُ والأعيانُ لیس سوى
التوكل مشروع فينال الحدّ المشروع منه، والتوكل الحقيقي غير واقع من الكون في حال
وجوده، فما هو إلا للمعدوم في حال عدمه، وما ثم مقام يتصف به المعدوم، ولا يصحّ في
الموجود من جهة الحقيقة إلاّ التوكل، فلا يزال المعدوم موصوفاً بالتوكل حتى يوجد فإذا
وجد خرج عنه التوكل فذلك المعبر عنه بترك التوكل. ثم أقول: لا يصحّ ترك التوكل
المعروف عند العامة من أهل الله إلاَّ لرجلين: الواحد علم أنه لا يصحّ فترك الشروع فيه لأنه
عنده لا يمكن تحصيله لما رأى نفسه إذا أخذه ألم الجوع وعنده ما يدفعه به تناوله ليزيل ألم
الجوع، فلا فرق بينه وبين من يسترقي ويتطبب ويلجأ إلى محل الأمن من الأمور المخوفة مع
الصحو وتوفر العقل والعلم التام، فالتوكل من حيث ما هو مقام هو حاصل، ومن حيث حاله
ليس بحاصل، فالتوكل يصحّ لا يصحّ.
وأمّا الرجل الآخر قال: إن الله أعلم بمصالح الخلق وقد ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة
ظه: الآية ٥٠] ففيم التوكل مع هذا الفراغ فترك التوكل، فإنه ما بقي له ما يعتمد على الله فيه لأنه
قال: فرغ ربك، ومع هذا فهو واقف مع الأمر والنهي عامل بما أمر به أو نهى عنه من
الأعمال، قائم بالحكم المشروع عليه. فمن أسرار التوكل ترك التوكل، فإن ترك التوكل يبقي
الأغيار، والتوكل ينفي الأغيار، وعند أكثر القوم أن الأعلى ما ينفي لا ما يبقي، وعندنا وعند
شيخنا أبي السعود بن الشبلي وأبي عبد الله الهواري بتنس من بلاد المغرب، وأبي عبد الله
الغزال بالمرية ببلاد الأندلس وأبي عمران موسى بن عمران الميرتلي بإشبيلية وغيرهم أن
الأعلى ما يفني ما ينبغي ويبقي ما ينبغي في الحال التي تنبغي والوقت الذي ينبغي، وبه كان
يقول عبد القادر الجيلي ببغداد فإن الله تعالى أفنى وأبقى، يقول تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنَفَذْ﴾ فلا
تعتمد عليه ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٦] فتعتمد على الله في بقائه فأفنى وأبقى.

٣٠٣
في المعاملات/ الباب التاسع عشر ومائة في ترك التوكل
والإفناء حال أبي مدين في وقت إمامته، ولا أدري هل انتقل عنه بعد ذلك أم لا،
لأنه انتقل عن الإمامة قبل أن يموت بساعة أو ساعتين - الشك مني لبعد الوقت -
وصاحب ترك التوكل ما له دعوى وهو غير مسؤول لأنه أمر عدمي، فجرى مجرى
الأصل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [سورة
الإنسان: الآية ١] يريد عدمه في عينه لأنه كان مذكوراً لله تعالى، والدهر اسم من أسماء الله،
ولهذا الاشتراك اللفظي نهي عن سبّ الدهر وقال: ((إِنَّ اللَّهَ هُوَ الذَّهرُ)) وما ثم عين تسبّ
لعينها وإنما تسبّ لما يصدر منها، وما يصدر كون إلاّ من الله، والدهر الزماني نسبة.
وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ يعني الإنسان في ذلك الحين، أي موجوداً في عينه مع
وجود الأعيان، ولكن ما تعرفه حتى تذكره ولا هي ذات فكر حتى تجمعه في ذهنا تقديراً
فتذكره، فإن الفكر من القوى التي اختصّ بها الإنسان لا توجد في غيره، ثم إن هذه الآية
من أصعب ما نزل في القرآن في حق نقصان الإنسان وفيما يظهر من عدم الإعتناء الإلهي
به، وعندنا ما أخّر الله نشأته ووجود عينه إلاَّ اعتناء الله به، لأنه لو أوجده الله أوّل الأشياء
كان يمرّ عليه وقت لا يكون فيه خليفة، فإنه ما ثم من قد هيّأه لمرتبة الخلافة والنيابة عنه،
فلا بدّ أن يتأخّر وجود عينه عن وجود الأعيان حتى لا يزول عنه اسم الخلافة دنيا ولا
آخرة، فما وجد إلاَّ مليكاً سيداً، كما أنه مع غيره لله عبد مملوك ففضل العالم كله بالخلافة
فلم تكن لغير الإنسان، وهذه المرتبة أوجبت له أن يخلق على الصورة، ومن قال إن هذه
الآية تدل على عدم الاعتناء الإلهي بالإنسان لأن الله متكلم أزلاً عالم بما يكون أزلاً، ونفى
أن يكون الإنسان شيئاً مذكوراً مع أنه شيء ولا بدّ لقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ
نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فما يؤمر إلاَّ من يسمع بسمع ثبوتي أو وجودي،
ونفى أن يكون الإنسان مذكوراً فى حين من الدهر، والدهر هنا الزمان والحين جزء منه لم
يكن فيه الإنسان مذكوراً مع وجوده صورة إنسان، وجهل من شاهد صورته مراداً لله فيه،
وما علم له اسم رتبة يذكر به، ولا ماله عند الله من العناية به التي ظهر أثرها عليه حين
أقامه خليفة في أرضه وما غرّبه عن موطنه، وهو التراب الذي خلق منه ومواطن ذلّته لشهود
عبوديته فإن الأرض ذلول فما حجبته الخلافة عن عبودته، وإن كانت أعلى المراتب فهو فيها
بالذات والملائكة المقرّبون فيها بالعرض، يقول تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ لكونه يحيي الموتى
ويخلق ويبرىء ﴿أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ ثم عطف فقال: ﴿وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْغَرَبُونَ﴾ [سورة النساء: الآية
١٧٢] وهم العالون عن العالم العنصري المولد، فهم أعلى نشأة، والإنسان أجمع نشأة فإن فيه الملك
وغيره فله فضيلة الجمع، ولهذه جعله معلم الملائكة وأسجدهم له، فمساق الآية يوزن بتقرير
النعم عليه، وإنما وقعت الصعوبة في هذا الذكر كونه نكرة، والنكرة تعمّ في مساق النفي،
فالتنكير يوزن بتعميم نفي الذكر عنه من كل ذاكر، وهو دليل على أن الله ما ذكره لمن أوجد قبله من
الأعيان، وإن كان مذكوراً له في نفسه ثم ذكره لملائكته بمرتبته التي خلق لها لا باسمه العلم الذي
هو آدم فاعلم .

٣٠٤
في المعاملات/ الباب العشرون ومائة في معرفة مقام الشكر وأسراره
الباب العشرون ومائة
في معرفة مقام الشكر وأسراره
[نظم: البسيط]
هذا من الروح والثاني من الجَسَدِ
الشُّكْرُ شكران شُكْرُ الغَوْز والرَّفَدِ
والشكرُ للفوز مثلُ السَّلْبِ للأحَدِ
فالشكرُ للرِّقْدِ يعطيني زيادتَه
والشكرُ للرِّفْد لا يجري إلى أَمَدٍ
والشكر للفوز محصورٌ بغايته
اعلم أن درجات الشكر في الأسرار الإلهية ألف درجة ومائتان وإحدى وخمسون درجة
عند العارفين من أهل الله، وعند الملامية منهم ألف ومائتان وعشرون، ودرجاته في الأنوار
عند العارفين خمسمائة وإحدى وخمسون درجة، وعند الملامية من أهل الأنوار خمسمائة
وعشرون درجة. اعلم أيّدك الله أن الشكر هو الثناء على الله بما يكون منه خاصة لصفة هو
عليها من حيث ما هو مشكور، ومن أسمائه الشكور وشاكر وقد قال: ﴿لَيِن شَكَرْتُمْ
◌َأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٧] فهي صفة تقتضي الزيادة من المشكور للشاكر وهي واجبة
بالاتفاق عقلاً عند طائفة وشرعاً عند طائفة، فإن شكر المنعم يجب عقلاً وشرعاً، وما تسمى
الله تعالى بشاكر لنا إلاَّ لنزيده من العمل الذي أعطاه أن يشكرنا عليه لنزيده منه كما يزيدنا نعمة
إذا شكرناه على نعمه وآلائه، ولا يصحّ الشكر إلاَّ على النعم فتفطن لنسبة الشكر إليه تعالى
ببنية المبالغة في حق من أعطاه من العمل ما تعين على جميع أعضائه وقواه الظاهرة والباطنة
في كل حال بما يليق به، وفي كل زمان بما يليق به، فيشكره الحق على كل ذلك بالاسم
الشكور وهذا من خصوص أهل الله .
وأما العامة فدون هذه الرتبة في أعمال الحال والزمان وجميع الكل، فإذا أتوا بالعمل
على هذا الحد من النقص تلقاهم الاسم الشاكر لا الشكور، فهم على كل حال مشكورون
ولكن قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَكُورُ﴾ [سورة سبأ: الآية ١٣] فهم خاصة الله الذين يرون
جميع ما يكون من الله في حقهم وفي حق عباده نعمة إلهية سواء سرهم ذلك أم ساءهم فهم
يشكرون على كل حال، وهذا الصنف قليل بالوجود وبتعريف الله إيانا بقلتهم.
وأما الشاكرون من العباد فهم الذين يشكرون الله على المسمى نعمة في العرف خاصة،
والشكر نعت إلهي وهو لفظي وعلمي وعملي، فاللفظي الثناء على الله بما يكون منه على حد
ما تقدم. والعملي قوله تعالى: ﴿وَحِفَانِ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ زَّاسِيَتٍ أَعْمَلُوْاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ
عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ: الآية ١٣] فهذا هو الشكر العملي. وقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
[سورة الضحى: الآية ١١] فهو موجّه له وجه إلى اللفظ وهو الذكر بما أنعم الله به عليه، فإذا ذكر ما
أنعم الله به عليه من النعم المعلومة في العرف من المال والعلم فقد عرض نفسه لنقصد في ذلك
فيجود به على القاصد فيدخلك في الشكر العملي لأن من النعم ما يكون مستوراً لا يعرف
صاحبها أنه صاحب نعمة فلا يقصد، فإذا حدث بما أعطاه الله وأنعم عليه به قصد به ذلك،

٣٠٥
في المعاملات/ الباب الأحد والعشرون ومائة في مقام ترك الشكر
فلهذا أمر بالحديث بالنعم، والتحدّث بالنعم شكر والإعطاء منها شكر على شكر، فجمع بين
الذكر والعمل فيقول: الحمد لله المنعم المفضل. وأما الشكر العلمي وهو حق الشكر فهو أن
يرى النعمة من الله فإذا رأيتها من الله فقد شكرته حق الشكر. خرّج ابن ماجه في سننه عن
رسول الله وَّ: ((إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ الشّكْرِ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبٌ
وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: يَا مُوَسَى إِذَا رَأَيْتَ النِعْمَةَ مِنِّي فَقَدْ شَكَرْتَنِيَ حَقَّ الشُّكْرِ)) هذا حال
من رأى النعمة .
ومن نعمته على عبده أن يوفقه لبذل ما عنده من نعم الله على المحتاجين من عباده،
فيعطيهم بيد حق لا بيده، فهم ناظرون في هذه النعمة، وهي رؤيتهم ذلك التصريف من عند
الله في مرضاة الله، فيدخلون في حزب من شكره حق الشكر، وهذا هو أعلى الشكر في
الشاكرين، وهو هين على العارفين المتجردين عن أوصافهم برد الأمور إلى الله، وليس لهذا
المقام نسبة إلاّ لعالم البرازخ وهو الجبروت ليعم الطرفين، فإن البرازخ أتم المقامات علماً
بالأمور وهو مقام الأسماء الإلهية فإنها برزخ بيننا وبين المسمّى، فلها نظر إليه من كونها اسماً
له، ولها نظر إلينا من حيث ما تعطي فينا من الآثار المنسوبة للمسمّى فتعرف المسمّى وتعرفنا.
واختلف أصحابنا في الزيادة التي يعطيها الشكر هل هي من جنس ما وقع الشكر عليه أو
لا يكون إلاَّ من نعم أخر أو منهما، فالمحققون يجعلونها من الجنس المشكور من أجله، وما
لم يكن من جنسه فما هو من الزيادة التي أوجبها الشكر، بل تكون تلك النعم من باب المنة
ابتداء لا من باب الجزاء. ومنهم من قال: أي نعمة وقعت بعد الشكر فهي جزاء وهي الزيادة،
وما لم يقع عقيب شكر من النعم فهو من عين المنة، وإنما قالوا ذلك لعدم معرفتهم بالمناسبة
بين الأشياء التي اختارها الحكيم سبحانه، وقصد القوم القائلون بهذا تنزيه الحق عن التقييد،
بل يعطي ممّا شاء من غير تقييد، فالمحققون أكبر علماً منهم وهؤلاء في الظاهر أنزه، وفي
المعنى: الكل سواء في تنزيه الحق، والله الموفق. انتهى الجزء التاسع والتسعون.
(الجزء الموفي مائة)
بِسْمِ الَهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الباب الأحد والعشرون ومائة
في مقام ترك الشكر
[نظم: الطويل]
وكان الإلهُ الحقُّ سمْعَك والبَصَرْ
إذا كان حالُ الشُّكْر يُعطِي زيادة
كلامي تجدهُ عبرةً لمن اعتَبَزْ
فلا يقْبَلُ الحقُّ الزيادةَ فانتقدْ
بما قلته فالشَّرْكُ للشكر قد شَكَرْ
فقد زال حكمُ الشكر من كل عالمٍ
اعلم أنه ما من عمل إلاَّ وهو أمر وجودي، وما من أمر وجودي إلاَّ وهو دلالة على
الفتوحات المکیة ج٣ - م٢٠

٣٠٦
في المعاملات/ الباب الأحد والعشرون ومائة في مقام ترك الشكر
وجود الله وتوحيده، سواء كان ذلك الأمر مذموماً عرفاً وشرعاً، أو محموداً عرفاً وشرعاً،
وإذا كان دلالة فهو نور والنور محمود لذاته، فما ثم ما يجري عليه لسان ذم على الإطلاق،
كما أنه ما ثم معصية من مؤمن خالصة غير مشوبة بطاعة وهي الإيمان بكونها معصية فتحقق
هذا ثم حقيقة أخرى أنه ما ثم تكليف من عمل أو ترك إلاَّ والأولوية تصحبه لا بدّ من ذلك
فيقال: تركه أولى من العمل، أو العمل به أولى من تركه، وما دخلته الأولوية فما هو خالص
لأمر معين، هذا معلوم دلالة عقل وكشف، والله قد جعل الشكر عبادة والعبادات لا تترك،
وجعل الصدق عبادة، وما أطلق عليه الحمد في كل موطن، فإنّ الغيبة صدق وهو صدق
مذموم، والنميمة بالسوء صدق وهو مذموم، ومواطن كثيرة للصدق يكون الصدق مذموماً فيها
مع الإطلاق، إذ الصدق صفة محمودة، فإذا أخذه التفصيل ميزته المواطن عرفاً وشرعاً، كما
أن الكذب بمطلقه صفة مذمومة، فإذا أخذه التقييد والتفصيل ميزته المواطن عرفاً وشرعاً، فإذا
شكر الإنسان ربه ورأى الشكر والنعمة منه فقد أتى صفة محمودة وهو عبادة، فمن أذاها من
حيث ما هي عبادة خاصة ولم يخطر له الشكر من أجل المزيد من جهة هذه العبادة كما أنه
أيضاً طلب المزيد من العلم عبادة مأمور بها فهنالك يكون طلب الزيادة عبادة، وأمّا في غير
ذلك الموطن فما هو عبادة مشروعة .
فإذا أدّى الإنسان شكر رب النعمة بفصولها من غير طلب الزيادة فكأنه ترك ما يعطيه
الشكر، وما يقتضيه طبع النفوس بذاتها من طلب زيادات النعم، ولا يمنع هنا كون الحق سمعه
وبصره أن يكون تاركاً لطلب الزيادة إذا كان الحق لا ينقصه شيء، فإن الله قد اتصف بكونه شاكراً
وشكوراً، وطلب الزيادة من أعمالنا من كونه شكوراً، فتعين علينا بل وجب أن نعطي الشكر
الإلهي حقّه وهو الزيادة منا فيما شكر منا، والزيادة عبادات سواء كان ذلك تركاً أو عملاً، فترك
الشكر برؤية العمل من الإنسان ترك صحيح لحق الشكر الذي يجب له وهذا مقام العموم،
فيصحّ ترك الشكر من العامة من أهل الله. وأما من قال: شكر النعمة أنه حجاب على المنعم فما
عنده معرفة بالحقائق، فإنّ ذلك لا يصحّ في كل من شكر نعمة فبالضرورة شكر المنعم بها، غير
أن بعض الناس لا يرى المنعم إلاَّ السبب، وبعض الناس يرى المنعم الله سبحانه، والكمل من
الناس يرون الله والسبب فيشكر الله حقيقة، ويشكر السبب عن أمر الله عباده من حيث أمرهم
بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤] وقال: لا يشكر الله من لم يشكر
الناس، فهذا مقام ترك الشكر، أي ترك توحيد شكر المنعم الأصلي لأنه شرّك في شكره بين
المنعم بالأصالة وبين السبب عن أمر الله فإنه مقام صعب غامض أعني ترك الشكر لكون الله
اتصف بالشكر وطلب الزيادة ممّا شكرنا من أجله فالتخلص من ذلك عسير، وأمّا إذا كان مجلاه
ووقته أن يكون الحق هو الشاكر والمشكور وسلب الأفعال عن المخلوقين فقد ترك الشكر في
حال كونه شاكراً فيرى الحق إمّا شاكراً مطلقاً والعبد لا شكر له البتة، وإمّا أن يرى الحق تعالى
شاكراً به أي بعبده بما هو العبد عليه من الشكر، فهذا تارك للشكر من وجه موصوف بالشكر من
وجه، وهذا سار في جميع ما يصدر من العبد من الأفعال مشهد عزيز من عين المنة.

٣٠٧
في المعاملات/ الباب الثاني والعشرون ومائة في معرفة مقام اليقين وأسراره
هذه المسألة كانت عندي من أصعب المسائل، وما فتح لي فيها بما هو الأمر عليه على
القطع الذي لا أشك علماً سوى ليلة تقييدي لهذا الباب في هذه المجلدة وهي ليلة السبت
السادس من رجب الفرد سنة ثلاث وثلاثين وستمائة فإنه لم يكن تتخلص لي إضافة خلق
الأعمال لأحد الجانبين، ويعسر عندي الفصل بين الكسب الذي يقول به قوم وبين الخلق
الذي يقول به قوم، فأوقفني الحق بكشف بصري على خلقه المخلوق الأوّل الذي لم يتقدّمه
مخلوق إذ لم يكن إلاَّ الله وقال لي: هل هنا أمر يورث التلبيس والحيرة؟ قلت: لا، قال لي:
هكذا جميع ما تراه من المحدثات ما لأحد فيه أثر ولا شيء من الخلق فأنا الذي أخلق الأشياء
عند الأسباب لا بالأسباب فتتكوّن عن أمري، خلقت النفخ في عيسى، وخلقت التكوين في
الطائر، قلت له: فنفسك إذا خاطبت في قولك افعل ولا تفعل، قال لي: إذا طالعتك بأمر
فالزم الأدب فإن الحضرة لا تحتمل المحاققة قلت به وهذا عين ما كنا فيه ومن يحاقق ومن
يتأذّب وأنت خالق الأدب والمحاققة، فإن خلقت المحاققة فلا بدّ من حكمها، وإن خلقت
الأدب فلا بدّ من حكمه، قال: هو ذلك فاستمع إذا قرىء القرآن وأنصت، قلت: ذلك لك
أخلق السمع حتى أسمع وأخلق الإنصات حتى أنصت وما يخاطبك الآن سوى ما خلقت،
فقال لي ما أخلق إلاَّ ما علمت وما علمت إلاَّ ما هو المعلوم عليه ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ١٤٩] وقد أعلمتك هذا فيما سلف فالزمه مشاهدة فليس سواه ترح خاطرك ولا تأمن
حتى ينقطع التكليف ولا ينقطع حتى تجوز على الصراط، فحينئذ تكون العبادة من الناس ذاتية
ليست عن أمر ولا نهي يقتضيه وجوب أو ندب أو حظر أو كراهة، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .
الباب الثاني والعشرون ومائة
في معرفة مقام اليقين وأسراره
[نظم: البسيط]
في كل حالٍ بوَعْد الواحد الصَّمَدِ
إن اليقينَ مَقَرُّ العلم في الخَلَدِ
اعكُفْ عليه ولا تنظُرْ إلى أَحَدٍ
إن اليقينَ الذي الثَّحقيقُ حصَّلَهُ
هو اليقينُ الذي يَقْوَى به خَلَدي
فإن تَزَلْزَل عَن حُكُمِ الثباتِ فما
واليقين هو قوله لنبيه وَله: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٩]
وحكمه سكون النفس بالمتيقن أو حركتها إلى المتيقن، وهو ما يكون الإنسان فيه على بصيرة
أي شيء كان، فإذا كان حكم المبتغي في النفس حكم الحاصل فذلك اليقين سواء حصل
المتيقن أو لم يحصل في الوقت، كقوله: ﴿أَقَ أَمْرُ اللّهِ﴾ [سورة النحل: الآية ١] وإن كان لم يأت
بعد ولكن تقطع النفس المؤمنة بإتيانه، فلا فرق عندها بين حصوله وبين عدم حصوله وهو
قول من قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، مع أن المتيقن ما حصل في الوجود العيني
فقال الله لنبيه ولكل عبد يكون بمثابته: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ فإذا أتاك اليقين علمت

٣٠٨
في المعاملات/ الباب الثاني والعشرون ومائة في معرفة مقام اليقين وأسراره
من العابد والمعبود ومن العامل والمعمول به، وعلمت ما أثر الظاهر في المظاهر، وما أعطت
المظاهر في الظاهر.
واعلم أن لليقين علماً وعيناً وحقاً ولكل حق حقيقة، وسيرد ذلك في باب له مفرد بعد
هذا من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وإنما جعل له علماً وعيناً وحقاً لأنه قد يكون يقيناً ما
ليس بعلم ولا عين ولا حق، ويقطع به من حصل عنده وهو صاحب يقين لا صاحب علم
يقين، واختلف أصحابنا في اليقين هل يصحّ أن يكون يقين أتم من يقين أم لا؟ فإنه روي عن
النبي وَّر أنه قال في عيسى عليه السلام: ((لو ازداد يقيناً لمشى في الهواء)» أشار به إلى ليلة
الإسراء وأن باليقين صحّ له المشي في الهواء، وهذا التفسير ليس بشيء فإنه أسرى به ربه ليريه
من آياته وبعث إليه بالبراق فكان محمولاً في إسرائه. ومثل هذا الحديث لا يصحّ عن
رسول الله ◌َيول أنه أشار بذلك إلى نفسه، ومعلوم أنه ليس أحد من البشر يماثله في اليقين،
لكنه ما مشى في الهواء بيقينه، وإنا جاءه جبريل عليه السلام بدابة دون البغل وفوق الحمار
تسمّى البراق فكان والبراق هو الذي مشى في الهواء، ثم أنه وَلّ لما انتهى البراق به إلى الحدّ
الذي أذن له نزل عنه وقعد في الرفرف وعلا به إلى حيث أراد الله وغفل الناس عن هذا كله،
فما أسرى به ◌ّر لقوّة يقينه بل يقينه في قلبه على ما هو به من التعلّق بالمتيقن العام كان ما كان
لكنه ما فيه سعادته، لأنه وصف به في معرض المدح، ولنا في اليقين جزء شريف وضعناه في
مسجد اليقين مسجد إبراهيم الخليل في زيارتنا لوطاً عليه السلام، فقد يتيقن الجاهل أنه جاهل
والظان أنه ظان والشاك أنه شاك فيما هو فيه شاك، وكل واحد صاحب يقين قاطع بحاله الذي
هو عليه علماً كان أو غير علم.
فإن قلت: فأين شرفه؟ قلنا: شرفه بشرف المتيقن كالعلم سواء ولهذا جاء بالألف
واللام في قوله: ﴿حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٩] يريد متيقناً خاصاً ما هو يقين يقع
المدح به بل هو يقين معين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ يَقِينًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٥٧] يريد ما هو
مقتول في نفس الأمر لا عندهم بل شبه لهم، فهذا يقين مستقل ليس له محل يقوم به فإنهم
متيقنون أنهم قتلوه والله ليس بمحل لليقين فلم يبق محل لليقين سوى القتل، وهذا من باب
قيام المعنى بالمعنى، فإن اليقين معنى والقتل معنى، فالقتل قد تيقن في نفسه أنه ما قام بعيسى
عليه السلام، فالقتل موصوف في هذه الآية باليقين، وأصدق المعاني ما قام بالمعاني، وهذه
المسألة عندنا من محارات العقول ممّا لا يقضى فيها بشيء، وعند بعضنا يلحقه بالمحال،
وعند بعضهم ممكنة واقعة، وبالجملة فاليقين عزيز الوجود في الأمور الطبيعية المعتادة، فإن
العادة تسرق الطبع ولا سيما في الأمور التي بها قوام البدن الطبيعي، فإذا فقد ما به يصل إلى
ما به قوامه فإنه يتألم والألم لا يقدح في اليقين فإنه ما يضادّه، ولكن قل إن يتألم ذو ألم إلاّ
ولا بدّ أن يضطرب ويتحرّك في نفسه، ولا سيما ألم الجوع والعطش والبرد والحرّ،
والاضطراب يضاذ اليقين، فإن اليقين سكون النفس إلى من بيده هذه الأمور المزيلة لهذه
الآلام، فيريد من قامت به الآلام سرعة زوالها طبعاً، وإذا كان هذا فنسلك في اليقين طريقة

٣٠٩
في المعاملات/ الباب الثالث والعشرون ومائة في معرفة مقام ترك اليقين وأسراره
غير ما يتخيلها أهل الطريق، وهو أن الاضطراب لا يقدح في اليقين إذا كان هبوب اليقين في
إزالة تلك الآلام إلى جناب الحق لا إلى الأسباب المزيلة في العادة، فإن شاء الحق أزالها
بتلك الأسباب أزالها بأن يوجد عنده تلك الأسباب، وإن شاء أزالها بغير ذلك فصار متعلق
اليقين الجناب الإلهي لا غير، وهذا قد يكون كثيراً في رجال الله، ودرجات اليقين عند
العارفين مائتا درجة ودرجة واحدة، وعند الملامية مائة وسبعون درجة وهو ملكوتي جبروتي
له إلى الملكوت نسبة واحدة، وعند العارفين نسبتان لأنه عند العارفين مركب من ست
حقائق، ونشأته عند الملامية من أربع حقائق، وله السكون الميت والحي، فبالسكون الحيّ
يضطرب صاحبه، وبالسكون الميت يتعلق بالله، فما يضطرب فيه من غير تعيين مزيل بل بما
أراد الله أن يزيله .
الباب الثالث والعشرون ومائة
في معرفة مقام ترك اليقين وأسراره
[نظم : الوافر]
يُزيلُ يقينُه حُكْمَ الإرادة
إذا وقفَ العبيدُ مع المريدِ
يقيِّدَه فيقْدَحَ في العبادَهُ
ويُعطي الحقَّ رُثْبَتَه لئلا
بلا جَبْرٍ ولا حُكمِ لعادَة
فيفعل ما يشاء كما يشاء
ولا ريبٍ على نَفْيّ الإعادَهُ
وقد دلَّ الدليلُ بغير شكّ
على ما كان في حُكم الشَّهادَة
لأن الجَوْهَرَ المعلومَ باقٍ
فيخلع منه وقتاً أو عليه
بمِثْلِ أو بضدّ للإفادة
اعلم وفقك الله أني أردت بنفي الإعادة الذي نقول إنه لا يتكرر شيء في الوجود
للاتساع الإلهي، وإنما هي أعيان أمثال لا يدركها الحسّ، إذ لا يدرك التفرقة بينها، أريد بين
ما انعدم منها وما تجدد، وهو قول المتكلمين أن العرض لا يبقى زمانين لما كان اليقين فيه
رائحة من مقاومة القهر الإلهي مثل الصبر ترك أهل الله الاتصاف به وتعلمه وطلبه من الله، فإذا
أتى من عند الله من غير تعمّل من العبد قبله العبد أدباً مع الله ولم يرده على الله إذا أراد الله أن
يصير هذا العبد محلاً لوجود هذا اليقين، ويكون حكمه في هذا المحل التعلّق بالله في دفع
الضرر عن هذا العبد، فيكون ذلك سؤال اليقين، وتعلّقه بجناب الحق لا بتعلّق العبد ولا
بسؤاله، وذلك لما كان العبد سبباً في ظهور عين اليقين لعدم قيام اليقين بنفسه كان للمحل عند
هذا اليقين يد أراد مكافأتها، فيسأل اليقين موجده تعالى رفع الضرر عن هذا المحل إذ اليقين
لا يوجد إلاَّ لرفع الضرر، وأما في حال المنفعة فلا حكم له إلاّ في استدامتها لا فيها فإنها
حاصلة. فإن توهم العبد إزالتها فإن اليقين بطلب من الله استمرار وجودها في محله، فبهذا
القدر يكون ترك اليقين أي العبد لا يعترض على اليقين في سؤاله ربه ما شاء فهو تاركه يفعل ما
يريد، فلا يتصف العبد هنا بشيء، ومع هذا التحقيق فالمسألة غامضة بعيدة التصوّر، فالعبد

٣١٠
في المعاملات/ الباب الرابع والعشرون ومائة في معرفة مقام الصبر وتفاصيله وأسراره
في أصله مضطرب متزلزل الملك فلا يقين له من حيث حقيقته فإنه محل لتجدد الإعراض
عليه، واليقين سكون وهو عرض فلا ثبوت له زمانين والله تعالى كل يوم في شأن، وأصغر
الأيام الزمن الفرد، فقد أبنت لك أن أهل الله في نفوسهم بمعزل عما يطلبه اليقين وأن اليقين
هو السائل، ولهذا قال له: ﴿حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٩] فيكون اليقين هو الذي
يسأل ويتعب وأنت مستريح فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
فإن الوقوف مع إرادة الله لا يتمكن معها سكون أصلاً لأنه خروج عن حقيقة النفس،
والشيء لا يخرج عن حقيقته إذ خروج الشيء عن حقيقته محال، فلا طمأنينية مع المريد إلاَّ
عن بشرى فإنه يسكن عند ذلك لصدق القول وتكون البشرى معينة موقتة وحينئذ يكون له
السكون إليها وهو اليقين. وقد ورد أن الملائكة يخافون من مكر الله ولا يقين مع الخوف فإن
سكن العبد إلى قوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدٌ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] لا يزول عنه فذلك السكون قد
يسمّى يقيناً، ولكن يورث في المحل خلاف ما يطلب من حكم اليقين الذي اصطلح عليه أهل
الله. وأما نحن فاليقين عندنا موجود في كل أحد من خلق الله، وإنما يقع الخلاف بماذا يتعلق
اليقين، فاليقين صفة شمول وليست من خصوص طريق الله التي فيها السعادة إلاَّ بحكم متيقن
ما، فهذا تحقيقه والله الموفق لا رب غيره.
الباب الرابع والعشرون ومائة
في معرفة مقام الصبر وتفاصيله وأسراره
[نظم: الطويل]
بِعَنْ وعَلى أو في وبالباء واللامِ
تنوَّعَ شربُ الصبر في کل مَشْرَبٍ
وجوداً وتقديراً بأنواع آلامٍ
وليس يكونُ الصبرُ إلاَّ على أذّى
بمُحكَم آياتِ الكتابِ لأعلامِ
وعيَّنَ للحق الصبور أذّى أتى
بقولِ إمام صادقِ الحكمِ عَلاَمٍ
فلا صَبْرَ في النَّعْماء إن كنتَ عالماً
اعلم وفقك الله أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَّرَسُولَهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٧]
فأخبر أنه يؤذى فتسمّى سبحانه بالصبور على أذى خلقه، وكما سأل عباده رفع الأذى مع
استحقاقه اسم الصبور، كذلك لا يرفع اسم الصبر عن العبد إذا حلّ به بلاء فسأل الله تعالى في
رفع ذلك البلاء كما فعل أيوب عليه السلام فقال: ﴿ مَسَّنِىَ﴾ أنت ﴿الُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمْ
الزَّحِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨٣] وأثنى الله عليه فقال مع هذا السؤال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِأَ﴾ [سورة
ص: الآية ٤٤] فليس الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى الله في رفع البلاء أو دفعه، وإنما
الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى غير الله والركون إلى ذلك الغير، وقد أبنت لك أنّ الله
طلب من عباده رفع الأذى الذي آذوه به مع قدرته على أن لا يخلق فيهم ما خلق من الأذى،
فتفطن لسر هذا الصبر فإنه من أحسن الأسرار، وقد ورد أنه لا أحد أصبر على أذى من الله .
وهو من المقامات التي تنقطع وتزول إذا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة وتميز الفريقان

٣١١
في المعاملات / الباب الرابع والعشرون ومائة في معرفة مقام الصبر وتفاصيله وأسراره
تميز الانقطاع أن لا يلحق أحد بغير الدار التي هو فيها، والصبر الإلهي يزول حكمه بزوال
الدنيا، وهذه بشرى بإزالة اسم المنتقم والشديد العقاب، إذ قد رأينا إزالة الصبور ورحمته
سبقت غضبه .
فحكمة زوال الدنيا رفع الأذى عن الله إذ لا يكون إلاَّ فيها، فأبشروا عباد الله بشمول
الرحمة واتساعها وانسحابها على كل مخلوق سوى الله ولو بعد حين، فإنه بإزالة الدنيا زال
الأذى عن كل من أوذي، وبزوال الأذى زال الصبر، ومن أسباب العقاب الأذى، والأذى قد
زال، فلا بدّ من الرحمة وارتفاع الغضب، فلا بدّ من الرحمة أن تعم الجميع بفضل الله إن شاء
الله، هذا ظنّنا في الله، فإن الله وهو الصادق يقول: (( أنا عند ظنّ عبدي بي فليظن بي خيراً))،
فأخبر وأمر ولم يقيد في حق الظان ولا في غيره، ولهذا سمّي عذاباً ما يقع به الآلام بشرى من
الله لعباده، إن الذي تتألمون به لا بدّ إذا شملتكم الرحمة أن تستعذبوه وأنتم في النار كما
يستعذب المقرور حرارة النار، والمحرور برودة الزمهرير، ولهذا جمعت جهنم النار والزمهرير
لاختلاف المزاج، فما يقع به الألم لمزاج مخصوص يقع به النعيم في مزاج آخر يضادّه، فلا
تتعطل الحكمة ويبقي الله على أهل جهنم ، الزمهرير على المحرورين والنار على المقرورين
فينعمون في جهنم فهم على مزاج لو دخلوا به الجنة تعذبوا بها لاعتدالها .
ثم اعلم أن الصبر يتنوع بتنوع الأدوات، فالصبر في الله إذا أوذي فيه، والصبر مع الله
رؤية المعذب في العذاب، والصبر على الله حال فقده لربه بوجود نفسه غير مقترنة بوجود
ربه، والصبر بالله أن يكون الحق عين صبره كما هو سمعه وبصره، والصبر من الله حال رفع
الحول والقوّة منك فلا تقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله فيزول بالاستعانة، والصبر عن الله وهو
أعظمها مقاماً وهو الصبر الذي يزول بالموت ولا يوجد في الآخرة فإن صاحب هذا الصبر
ينسب الصبر إليه نسبة الاسم الصبور إلى الله ولهذا يرتفع بزوال الدنيا، وفي العبد بزواله عن
الدنيا، ومن زلت عنه فقد زال عنك فهؤلاء أخذوا الصبر عن الله، كما تقول: أخذت هذا
العلم عن فلان فأنت فيه كهو كذلك قول سليمان عليه السلام: ﴿أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [سورة ص:
الآية ٣٢] لأنه سمّاه خيراً والخير منسوب إلى الله فقال: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِىِ﴾ [سورة ص: الآية ٣٢] إياه
بالخيرية أحببته، فطفق يمسح بيده على أعرافها وسوقها فرحاً وإعجاباً بخير ربه، فإنه أحب
حب الخير، وحب الخير إما أن يريد حب الله إياه أو حب الخير من حيث وصف الخير
بالحب، والخير لا يحب إلاّ الأخيار فإنهم محل وجود عينه، فكذلك سليمان عليه السلام
قال: ﴿أَحَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي أنا في حبي كالخير في حبّه، ولهذا لما توارت بالحجاب أعني
الصافنات الجياد أشتاق إليها لأنه فقد المحل الذي أوجب له هذه الصفة الملذوذة فإنها كانت
مجلى له فقال: ﴿رُدُّوهَا عَلَى﴾ [سورة ص: الآية ٣٣].
وأما المفسرون الذي جعلوا التواري للشمس فليس للشمس هنا ذكر ولا للصلاة التي
يزعمون، ثم إنهم يأخذون في ذلك حكايات اليهود في تفسير القرآن، وقد أمرنا
رسول الله غير أن لا نصدّق أهل الكتاب ولا نكذبهم، فمن فسّر القرآن برواية اليهود فقد ردّ

٣١٢
في المعاملات/ الباب الخامس والعشرون ومائة في معرفة مقام ترك الصبر وأسراره
أمر رسول الله وَّله، ومن ردّ أمر رسول الله وَل فقد ردّ أمر الله فإنه أمر أن نطيع الرسول وأن
نأخذ ما أتانا به، وأن ننتهي عما نهانا عنه، إذ لا يوصلنا إلى أخبار هؤلاء الأنبياء الإسرائيليين
إلاَّ نبيّ فنصدقه، أو أهل كتاب فنقف عند أخبارهم إذا لم يكن في كتابنا ولا قول رسولنا وَلّل
ولا في أدلة العقول ما يرده ولا يثبته ولا نقضي فيه بشيء، وأما مساق الآية فلا يدل على ما
قالوه بوجه ظاهر البتة .
وأما استرواحهم فيما فسروه بقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ﴾ [سورة ص: الآية ٣٤] فليس تلك
الفتنة وهو الاختبار إذا كان متعلقه الخيل ولا بدّ فيكون اختباره إذا رآها هل يحبها عن ذكري
لها أو هل يحبها لعينها، فأخبر ◌َّ أنه أحبها عن ذكر ربه إياها لا نفسها مع حسنها وجمالها
وحاجته إليها، وهي جزء من الملك الذي طلب أن لا ينبغي لأحد من بعده، فأجابه الحق إلى
ما سأل في المجموع ورفع الحرج عنه وقال له: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ سورة
ص: الآية ٣٩] ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا﴾ يعني في الآخرة ﴿لَرْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [سورة ص: الآية ٤٠] أي ما
ينقصه هذا الملك من ملك الآخرة شيء كما يفعله مع غيره، حيث أنقصه من نعيم الآخرة
على قدر ما تنعم به في الدنيا، قال الله تعالى في حق قوم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِيَتِكُمْ فِى حَاتِكُمُ الدُّنْيَا
وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٢٠] فالصبر عن الله بهذا التفسير أعظم أنواع الصبر. وأما
الصبر عن الله على ما يتخيله العامة من الصبر عن كذا لمفارقته إياه فليس ذلك من شأن أهل
الله، والشبلي لما غشي عليه من قول الشاب: إن الصبر عن الله أعظم الصبر غشي عليه لعظم
المقام الذي لا يناله إلاَّ الكمَّل من الرجال فلما لاح للشبلي من كلام الشاب كان وارده أقوى
من محل الشبلي فلذلك أثر فيه الغشي، وهكذا كل وارد يكون أقوى من قوّة المحل، فإنه
يفعل فيه الغشي والصعق، وليس لأهل الله قدم في الصبر عن الله على تفسير العامة، وللصبر
درجات عند العارفين من أهل الأنوار ثلاثمائة وثلاث وعشرون درجة، وعند أهل الأسرار
منهم مائتان وثلاث وتسعون درجة، وعند الملامية من أهل الأنوار مائتان واثنتان وتسعون،
وعند أهل الأسرار منه مائتان واثنتان وستون درجة.
الباب الخامس والعشرون ومائة
في معرفة مقام ترك الصبر وأسراره
[نظم: الطويل]
يقاوم قَهْرَ الحقِّ في كل إقدامِ
وفي الصبر من سُوءِ الصَّنيعةِ أنه
من الضَّعْفِ في بحر على سيفه طامِ
فلا صَبْرَ عند العارفين فإنهم
اعلم علّمك الله أن في الصبر المعروف عند العامة مقاومة القهر الإلهي وسوء أدب مع
الله، وما ابتلى الله عباده إلاّ ليتضرعوا إليه ويسألوه في رفع ما ابتلاهم به من البلاء عنهم، لأنه
دواء لما تعطيهم في نفوسهم من المرض الصورة التي خلقوا عليها فيدعيها من لم تكمل فيه
الصورة فإنه من كمالها الخلافة وهم المكملون من الرجال، ومن لم تحصل له درجة الخلافة

٣١٣
في المعاملات/ الباب السادس والعشرون ومائة في معرفة مقام المراقبة
فما هو على الصورة فإنه بالمجموع يكون بالصورة، قال بعضهم وقد بكى حين أخذه الجوع:
إنما جوعني لأبكي فهو يبكي له وعليه، فإن أكابر الرجال لا يحبسون نفوسهم عن الشكوى
إلى الله، فإذا مدح الله الصابرين فهم الذين حبسوا نفوسهم عن الشكوى لغير الله، وهذا
مذهب الأكابر، ألا ترى سمنون لما أساء الأدب مع الله وأراد أن يقاوم القدرة الإلهية لما وجد
في نفسه من حكم الرضى والصبر قال: [مخلع البسيط]
فكيف ما شئتَ فاختبرني
وليس لي في سواك حَظّ
فابتلاه الله بعسر البول والنفس مجبولة على طلب حظها من العافية، ولما سأل هذا كان
في حكم حال العافية، فلما سلبها بهذا البلاء طلبتها النفس بما جبلت عليه، وقد ذكرنا ذلك
في صفات النفس وأن الله عين لها مصارف لما علمه من أنها لا تنعدم، إذ لو انعدمت
لانعدمت النفس، فهو وصف ذاتيّ لها. ألا ترى إلى عالم العلماء وحاكم الحكماء كيف كان
سؤاله العافية وأمر بها فقال: ((إذا سَأَلْتُمُ الله فاسْأَلُوهُ العَافيةَ))، فإن كنتم أهل بلاء فقد سألتم
العافية، وإن كنتم أهل عافية فقد سألتم دوامها، وهي مشتقة من عفى الأثر إذا ذهب، فالعافية
ذهاب أثر البلاء ممّن قام به، فمن الأدب مع الله وقوف العبد مع عجزه وفقره وفاقته، فإن
الغناء بالله لا يصحّ عن الله ولا عن المخلوقين من حيث العموم، لكنه يصحّ من حيث تعيين
مخلوق ما يمكن أن يستغنى عنه بغيره فإن الله ما وضع الأسباب سدى، فمنها أسباب ذاتية لا
يمكن رفعها هنا، ومنها أسباب عرضية يمكن رفعها، فمن المحال رفع التأليف والتركيب عن
الجسم مع بقاء حكم الجسمية فيه، فهذا سبب لا يمكن زواله إلاّ بعدم عين الجسم من
الوجود، وإذا كانت الأسباب الأصلية لا ترتفع فلنقر الأسباب العرضية أدباً مع الله ولا نركن
إليها ونبقي الخاطر معلقاً بالله، ولا يصحّ أن يتعلق بالله لله فإنه محال، وإنما يتعلق بالله
للأسباب فهذا حد المعرفة بها، فقد بان لك معنى ترك الصبر.
الباب السادس والعشرون ومائة
في معرفة مقام المراقبة
[نظم: الخفيف]
فهو سبحانَه عليكَ رقيبُ
كُنْ رقيباً عليه في كل شَأْنٍ
ولذا لي في كل حالٍ نَصيبُ
في حضور وغَيْبةٍ لشؤونٍ
لا أُبالي وإنَّ ذا لَعجيبُ
فإذا ما أتى أَوانُ فراغ
المراقبة نعت إلهي لنا فيه شرب، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِبًا﴾ [سورة
الأحزاب: الآية ٥٢] وهو قوله: ﴿وَلَا يَتُدُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] يعني السموات وهو
العالم الأعلى، والأرض وهو العالم الأسفل، وما ثم إلاَّ أعلى وأسفل، وهو على قسمين:
عالم قائم بنفسه، وعالم غير قائم بنفسه، فالقائم بنفسه جواهر وأجسام، وغير القائم بنفسه
أكوان وألوان وهي الصفات والأعراض، فعالم الأجسام والجواهر لا بقاء لهما إلاَّ بإيجاد

٣١٤
في المعاملات / الباب السادس والعشرون ومائة في معرفة مقام المراقبة
الأعراض فيهما، فمتى لم يوجد فيهما العرض الذي به يكون بقاؤها وجودها تنعدم، ولا
شك أن الأعراض تنعدم في الزمان الثاني من زمان وجودها، فلا يزال الحق مراقباً لعالم
الأجسام والجواهر العلوية والسفلية كلما انعدم منها عرض به وجوده خلق في ذلك الزمان
عرضاً مثله أو ضده يحفظه به من العدم في كل زمان، فهو خلاق على الدوام، والعالم
مفتقر إليه تعالى على الدوام افتقاراً ذاتياً من عالم الأعراض والجواهر، فهذه مراقبة الحق
خلقه لحفظ الوجود عليه، وهذه هي الشؤون التي عبر عنها في كتابه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْذِ﴾
[سورة الرحمن: الآية ٢٩].
ومراقبة أخرى للحق في عباده وهي نظره إليهم فيما كلفهم من أوامره ونواهيه ورسم
لهم من حدوده وهذه مراقبة كبرياء ووعيد، فمنهم من وكّل بهم من يحصي عليهم جميع ما
يفعلونه مثل قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية ١٨] ومثل قوله: ﴿كِرَامًا
كَئِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الانفطار: الآيتان ١١، ١٢] وقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ١٨١] ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة يس: الآية ١٢] ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة البقرة: الآية ٧٤] فهذه مراقبة الحق. وأما مراقبة العبد فهي على ثلاثة أقسام: الواحد منها لا
يصحّ والإثنان يصحّ وجودهما من العبد. أما المراقبة التي لا تصحّ فهي مراقبة العبد ربه ولا
يعلم ذاته ولا نسبته إلى العالم، فلا يتصور وجود هذه المراقبة لأنها موقوفة على العلم بذات
المراقب بفتح القاف، وثم طائفة أخرى قالت بصحة تلك المراقبة، فإن الشرع قد حدّد كما
ينبغي لجلاله فهو معنا أينما كنا وهو على العرش استوى، وهو في الأرض يعلم سرّنا
وجهرنا، وهو في السماء كذلك، وينزل إليها وهو الظاهر في عين كل مظهر من الممكنات
فقد علمنا هذا القدر منه فنراقبه على هذا الحد، فمراقبتنا للأشياء هي عين مراقبتنا إياه لأنه
الظاهر من كل شيء، فمن الناس من قال: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله يعني المراقبة،
وآخر بعده، وآخر معه أو آخر فيه، فمثل هؤلاء يصححون هذه المراقبة.
والمراقبة الثانية مراقبة الحياء من قوله: ﴿أَلَّ يَلَمْ بِأَنَّ الََّ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] فهو
يراقب رؤيته وهي تراقبه، فهو يرقب مراقبة الحق إياه فهذه مراقبة المراقبة وهي مشروعة .
والمراقبة الثالثة هي أن يراقب قلبه ونفسه الظاهرة والباطنة ليرى آثار ربه فيها فيعمل
بحسب ما يراه من آثار ربه، وكذلك في الموجودات الخارجة عنه يرقبها ليرى آثار ربه فيها
منها وهو قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ آَلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] ولهذه المراقبة
تعلق بالحق إذ لا فاعل إلاّ الحق، والمراقبة دوام المراعاة بحيث أن لا يتخللها وقت لا يكون
العبد فيه مراقباً، فاعلم ذلك وتحققه تعلم شؤون ربك في نفسك، وما يدركه من الموجودات
بصرك، وما يصل إليه فكرك وعقلك، وما يشهدك في مشاهدتك، وما تطلع عليه من الغيوب
في كونك أو حيث كان ومن هنا تعرف خواطرك، وللمراقبة جاءت الموازين الشرعية وهي
خمسة موازين: الفرض والندب والإباحة والحظر والكراهة.
وللمراقبة درجات عند أرباب الأنس والوصال من العارفين ومبلغها سبع مائة درجة

٣١٥
في المعاملات/ الباب السادس والعشرون ومائة في معرفة مقام المراقبة
وأربع وسبعون درجة. وعند أرباب الأدب من العارفين: ثلاث مائة درجة وتسع وسبعون
درجة. وعند الملامية من أهل الأنس: سبعمائة وثلاث وأربعون درجة. وعند الأدباء منهم:
ثمان وأربعون وثلاثمائة درجة، ولها نسب إلى العوالم منها إلى عالم الملك نسبتان، وإلى
عالم الملكوت نسبة واحدة عند الأدباء من الطائفتين، وثلاث نسب عند أهل الأنس إلى عالم
الجبروت. واعلموا أن الله تعالى أطلعني في ليلة تقييدي هذا الباب على أمر لم يكن عندي في
واقعة وقعت لي برزخية قيل لي فيها: ألم تسمع أن الدنيا أمّ رقوب؟ قلت: نعم، قيل لي:
فاجعل لها فصلاً في هذا الباب، فاستخرت الله على ذلك.
وصل: قال رسول الله وَّهِ: ((إِنَّ لِلدُّنْيا أَبْنَاء)) وَإِذَا كَانَ لَهَا أَبْنَاءٌ فَهِيَ أُمَّ لِهُؤُلاَءِ الأَبْنَاءِ،
ومن عادة الأمّ أن ترقب أبناءها لأنها المربية لهم ولها عليهم حنو الأمومة والحذر عليهم أن تؤثر
فيهم ضرتها وهي الآخرة فيميلون إليها فتحفظهم من مشاهدة خير الآخرة فتشتد مراقبتها
لأحوالهم، ثم لتعلموا أن الدنيا هي الدار الأولى القريبة إلينا نشأنا فيها وما رأينا سواها فهي
المشهودة وهي الحفيظة علينا والرحيمة بنا، فيها عملنا الأعمال المقربة إلى الله، وفيها ظهرت
شرائع الله، وهي الدار الجامعة لجميع الأسماء الإلهية، فظهرت فيها آلاء الجنان وآلام النار،
ففيها العافية والمرض، وفيها السرور والحزن، وفيها السر والعلن، وما في الآخرة أمر إلاَّ وفيها
منه مثل وهي الأمينة الطائعة لله، أودعها الله أمانات لعباده لتؤديها إليهم، وهذا هو الذي جعلها
ترقب أحوال أبنائها ما يفعلون بتلك الأمانات التي أدّتها إليهم، هل يعاملونها بما تستحق كل
أمانة لما وضعت له؟ فمنها أمانة توافق غرض نفوس الأبناء فترقبهم هل يشكرون الله على ما
أولاهم من ذلك على يديها. ومنها أمانات لا توافق أغراضهم فترقب أحوالهم هل يقبلونها
بالرضى والتسليم لكونها هدية من الله؟ فيقولون في الأولى: الحمد لله المنعم المفضل، ويقولون
فيما لا يوافق الغرض: الحمد لله على كل حال، فيكونون من الحامدين في السراء والضراء،
فتعطيهم الدنيا هذه الأمانات نقية طاهرة من الشوب، فبعض أمزجة الأبناء الذين هم كالبقعة
للماء والأوعية لما يجعل فيها فيؤثر مزاج تلك البقعة في الماء، فإن الماء كله طيب عذب في أصله
وهو المطر، فإذا حصل في بقع الأرض وهي مختلفة البقاع في المزاج ظهر العذب في المزاج
الحسن فأبقاه على أصله كما ورد طاهراً لطيفاً، وزاده من مزاجه طيباً وحلاوة زائدة على ما كان
عليه وهو الماء النمير، وبقعة أخرى جعلته ملحاً أجاجاً، وبقعة أخرى جعلته قعاماً مراً فأثر في
الحال النقي هذه الأوعية، والشرع إنما تعلق بأفعال الأبناء لا بالأم بل قال: ﴿وَيِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَاً﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] وبما قال: ﴿فَلَ تَّقُل لَُّمَا أُفٍّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا
كَرِيمًا وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبٍ أَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبََّنِىِ صَغِيرًا﴾ [سورة الإسراء:
الآيتان ٢٣، ٢٤] فما أوصى الله تعالى بهذه الأمور إلاَّ لعلمه بأنه في الأبناء من يصدر منهم مثل
هذه الأفعال، فأمرهم أن يراقبوا هذه الأحكام في أفعالهم حتى يأتوا منها ما أمرهم الله، والدنيا
شفيقة عليهم حدبة كثيرة الحنو، خائفة أن تأخذهم الضرة الآخرة منها، فإن الدار في هذا
الوقت للدنيا والحكم لها ولا ينبغي أن تعزل عنها، كما أن الدار الآخرة لا تتعرض لها الدار

٣١٦
في المعاملات/ الباب السادس والعشرون ومائة في معرفة مقام المراقبة
الدنيا إذا انتقل الناس إليها، فالدنيا أنصف من الآخرة في الحكم فإنها في دار سلطانها .
وإذا جاءت الآخرة وكان يومها لا تعترض الدنيا ولا تزاحم الآخرة فما أنصف أحد من
الناس، قال قتادة: ما أنصف الدنيا أحد ذمّت بإساءة المسيء فيها ولم تحمد بإحسان المحسن
فيها، فلو كانت بذاتها تعطي القبح والسوء ما تمكن أن يكون فيها نبيّ مرسل ولا عبد صالح،
كيف والله قد وصفها بالطاعة فقال إن علوّها وسفلها ﴿قَالَتَآ أَنْيْنَا طَيِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١]
وقال: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٥] والصالح لا يرث إلاَّ المال
الصالح الذي يجوز له التصرف فيه فإنه عبد صالح ولم يقل إن جميع العباد يرثها، فدل أن
تركتها كان كسباً صالحاً فورثه عباد الله الصالحون.
قال رسول الله وَّرَ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: لَعَنَ اللَّهُ الدُّنْيَا، قَالَتِ الدُّنْيَا: لَعَنَ اللَّهُ أَعْصَانًا
لِرَبِّهِ)) فهذا ابن عاق لها. كيف لعنها وصرّح باسمها والدنيا من حنوها على أبنائها لم تقدر أن
تلعن ولدها فقالت: لعن الله أعصانا لربه وما قدرت أن تسميه باسمه فهذا حنو الأم وشفقتها
على ولدها، فيا عجباً فينا لم نقف عندما أمرنا الله به من طاعته ولا وفقنا ولا وفينا ما رأيناه من
أخلاق هذه الأم وحنوها علينا ومحبتها. وقال النبيّ وََّ: ((نِعْمَتْ مَطِيَّةُ المُؤْمِنِ عَلَيْهَا يَبْلُغُ
الخَيْرَ وَبِهَا يَنْجُو مِنَ الشَّرِّ)) فوصفها بأن حذرها على أبنائها تذكرهم بالشرور وتهرب بهم منها
وتزين لهم الخير وتشوقهم إليه، فهي تسافر بهم وتحملهم من موطن الشر إلى موطن الخير،
وذلك لشدّة مراقبتها إلى ما أنزل الله فيها من الأوامر الإلهية المسمّاة شرائع، فتحب أن يقوم بها
أبناؤها ليسعدوا، فهذا وَّ قد وصفها بأحسن الصفات وجعلها محلاً للخيرات، فينبغي لأهل
المراقبة أن يكون بدؤهم في الدخول لاكتساب هذه الصفة أن يرقبوا أحوال أمهم لأن الطفل لا
يفتح عينيه إلاَّ على أمه فلا يبصر غيرها فيحبها طبعاً ويميل إليها أكثر مما يميل إلى أبيه لأنه لا
يعقل سوى من يربيه وبأفعالها ينبغي أن يقتدي. فإن قلت: فلماذا تغار من الآخرة؟ قلنا: لما
كان الحكم لها وهي من الطاعة بهذه المثابة وليس للآخرة هنا سلطان، والذي في الآخرة هو في
الدنيا من اللذات والآلام فالداران متساويتان فيصعب عليها أن يكون أبناؤها ينسبون إلى الآخرة
وما ولدتهم ولا تعبت في تربيتهم، وبعد هذا كله فإن الناس نسبوا ما كانوا عليه من أحوال
الشرور التي عينها الشارع إلى الدنيا وهي أحوالهم ما هي أحوال الدينا، لأن الشر هو فعل
المكلف ما هو الدنيا، ونسبوا ما كانوا عليه من أحوال الخير ومرضاة اللّه التي عينها الشارع
للآخرة وهي أحوالهم ما هي أحوال الآخرة، لأن الخير هو فعل المكلف ما هو الآخرة، فللدنيا
أجر المصيبة التي أصيبت في أولادها ومن أولادها. فمن عرف الدنيا بهذه المثابة فقد عرفها،
ومن لم يعرفها بهذه المثابة وجهلها مع كونه فيها مشاهداً لأحوالها شرعاً وعقلاً فهو بالآخرة
أجهل حيث ما ذاق لها طعماً .
وهنا يطرأ غلط لأهل طريق الله في كشفهم إذ لو تيقنوا في هذه الدار وطولعوا بأحوال
الآخرة فليست تلك الآخرة على الحقيقة، وإنما هي الدنيا أظهرها الله لهم في عالم البرزخ
بعين الكشف أو النوم في صورة ما جهلوه منها في اليقظة، فإنهم غير عارفين منها ما ذكرناه

٣١٧
في المعاملات/ الباب السادس والعشرون ومائة في معرفة مقام المراقبة
فيقولون: رأينا الجنة والنار والقيامة، ويذكرون الرؤيا التي رأوها وأين الدار من الدار وأين
الاتساع من الاتساع؟ فذلك الذي رأوه حال الدنيا التي خلقها الله عليها من الخير والطاعة
والعدل في الحكومة والنصيحة والوعظ والتذكرة، فإنه معلوم أن القيامة ما هي الآن موجودة،
فإذا رؤيت في الحياة الدنيا فما هي إلاَّ قيامة الدنيا وجنة الدنيا ونار الدنيا، وأن الجنة والنار
جاءتا خادمتين للدنيا، إذ قال * بل رؤي في صلاة الكسوف يتقدم في قبلته ثم تأخر تأخراً
كثيراً ومدّ يده حين تقدم فسئل عن ذلك، فقال: (( إني رأيت النار حين رأيتموني تأخرت مخافة
أن يصيبني من لفحها، ورأيت الجنة حين تقدمت وحين مددت يدي لأقطف منها قطفاً ولو
خرجت به إليكم لأكلتم منه ما بقيت))، وذكر أنه رأى في النار صاحبة الهرة وعمرو بن لحي
الذي سيب السوائب وذلك كله في حال الصلاة في يقظته، وما قال رأيت الآخرة ولا جنة
الآخرة ولا نارها بل قال في عرض هذا الحائط والحائط من الدار الدنيا، ولذا قال عليه
السلام: ((مثلتْ لِيَ الجَنَّةُ فِي عَرْضِ الحَائِطِ)) ولم يقل هي وقال: رأيت الجنة ولم يصفها، وذكر
التمثيل وتمثل الشيء ما هو عين الشيء بل هو شبهه، وقال: مثلت لي كما قال في جبريل عليه
السلام: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ١٧] أترى كان غير جبريل؟ لا والله إلاَّ جبريل
فما رآهما إلاَّ في الدنيا في دارها وحياتها، وقال متمدحاً: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة المائدة: الآية ١٧] وهما للدار الدنيا، وقد قررنا أنه كل ما في الآخرة هو في الدنيا، فمنه ما
عرفناه ومنه ما لم نعرفه، بل في الدنيا من الزيادة ما ليست في الآخرة، فالدنيا أكمل في النشأة،
ولولا التكليف وعدم حصول كل الأغراض لم تزنها الآخرة.
فإن قلت: فما الزيادة التي تزيد بها الدنيا على الآخرة؟ قلنا: الآخرة دار تمييز، والدار
الدنيا دار تمييز واختلاط، فأهل النار مميزون وأهل الجنة مميزون، فأهل الجنة في الجنة،
وأهل النار في النار، ﴿يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٤٦]، والدار الدنيا فيها ما في
الآخرة من التمييز لكن لا يعم، فإنه قد علمنا في الدنيا بإعلام الله أن الرسل والأنبياء ومن
عينته الرسل بالبشرى أنه سعيد، يقول الله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [سورة
يونس: الآية ٦٤] فهذا عموم الدنيا، فما ينقلب أحد من أهل السعادة إلى الآخرة حتى يبشر في
الدنيا ولو نفس واحد فيحصل المقصود، ومن عينته الرسل بالبشرى أنه شقي فقد تميز بالشقاء
يقول سبحانه: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢١] وسكت عن أكثر الناس فلم
يعين منهم أحداً، وظهرت صفات الأشقياء في الآخرة في هذه الدار على السعداء من الحزن
والبلاء والبكاء والذلة والخشوع، وظهرت صفات السعداء في الآخرة في هذه الدار من الخير
والنعمة والتفكه والوصول إلى نيل الأغراض ونفوذ الأوامر على الأشقياء من أهل النار، إذ
هذه النشأة تعطي أن يكون لها حظ ونصيب من هذه الصفات، فمنهم من تجمع له في الدار
الواحدة، ومنهم من تكون له في الدارين، فيظهر المؤمن بصفة الكافر حتى يختم له بالإيمان،
ويظهر الكافر بصفة المؤمن حتى يختم له بالكفر .
ثم إن الله قد شرك السعيد والشقيّ في إطلاق الإيمان والكفر، وهذان اللفظان معلومان،

٣١٨
في المعاملات/ الباب السابع والعشرون ومائة في ترك المراقبة
فأكثر الناس ما يطلق الإيمان إلاَّ على المؤمن بالله، ولا الكافر إلاَّ على الكافر بالله، والله يقول :
﴿﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ﴾ فسماهم مؤمنين ﴿وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٥٢] فقد أعطت
الدنيا ما أعطت الآخرة، وهذه الزيادة التي لا تكون في الآخرة، والتشريع لا يكون في الآخرة إلاَّ
في موطن واحد حين يدعون إلى السجود ليرجح بتلك السجدة ميزان أصحاب الأعراف والناس
لا يشعرون. ولما أوردناه يقول بعض أهل الله: ولا أزكى على الله أحداً أن وجود الحق في الدنيا
في الإنسان أكمل منه في الآخرة. وقد رأينا من ذهب إلى هذا وشافهنا به في مجالس وجعل
دليله الخلافة، فالإنسان في الدنيا أكمل في الصفات الأسمائية منه في الآخرة بلا شك لأنه يظهر
بالإنعام والانتقام، ولا يكون له ذلك في الآخرة فإنه لا إنعام له على أحد ولا انتقام وإن شفع
فبإذن فالإنعام لمن أذن. وأما في الجنة والنار بعد ذبح الموت فلا، بل في القيامة يكون من ذلك
طرف انتقام لحكمة ذكرناها في هذا الكتاب مثل قوله عليه السلام: ((فسحقاً سحقاً) فراقبوا الله
هنا عباد الله مراقبة الدنيا أبناءها فهي الأم الرقوب وكونوا على أخلاق أمكم تسعدوا.
الباب السابع والعشرون ومائة
في ترك المراقبة
[نظم: الخفيف]
واحدُ العَيْنِ وهو عَيْنُ الوجودِ
لا تراقِبْ فليس في الكون إلاَّ
وتُكَنَّى في حالةٍ بالعبيدِ
فتُسَمَّى في حالة بمليكِ
فقرا إلى الغَنيِّ الحميدِ
ودليلي ما جاء من افتقارِ الـ
في قريب من سَعْده وبعيدٍ
هكذا جاء في الثّلاوة نصاً
فبدى النَّقْصُ وهو عَيْنُ المزيدِ
ثم جاؤوا باقرضوا الله قرضاً
لما كانت المراقبة تنزلاً مثالياً للتقريب، واقتضت مرتبة العلماء بالله أنه ﴿لَيْسَ کَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فارتفعت الأشكال والأمثال ولم يتقيد أمر الإله ولا انضبط
وجهل الأمر وتبين أنه لم يكن معلوماً في وقت الاعتقاد بأنه كان معلوماً لنا، ولم يحصل في
العلم به أمر ثبوتي، بل سلب محقق ونسبة معقولة أعطتها الآثار الموجودة في الأعيان، فلا
كيف ولا أين ولا متى ولا وضع ولا إضافة ولا عرض ولا جوهر ولا كم وهو المقدار، وما
بقي من العشرة إلاَّ انفعال محقق وفاعل معين أو فعل ظاهر من فاعل مجهول يرى أثره ولا
يعرف خبره ولا يعلم عينه ولا يجهل كونه، فلمن نراقب وما ثم من يقع عليه عين ولا من
يضبطه خيال ولا من يحدده زمان ولا من تعدده صفات وأحكام، ولا من تكيّفه أحوال، ولا
من تميزه أوضاع ولا من تظهره إضافة، فكيف نراقب من لا يقبل الصفات والعلم يرفع
الخيال، فهو الرقيب لا المراقب، وهو الحفيظ لا المحفوظ، فالذي يحفظه الإنسان إنما هو
اعتقاده في قلبه، فذلك الذي وسعه من ربه، فإن راقبت فاعلم من راقبت، فما زلت عنك ولا
عرفت سوى ذاتك، فالحادث لا يتعلق إلاَّ بالمناسب وهو ما عندك منه وما عندك حادث، فما

٣١٩
الباب الثامن والعشرون ومائة في معرفة مقام الرضى وأسراره
برحت من جنسك، وما عبدت على الحقيقة سوى ما نصبته في نفسك، ولهذا اختلفت
المقالات في الله وتغيرت الأحوال، فطائفة تقول هو كذا، وطائفة تقول ما هو كذا بل هو
كذا، وطائفة قالت في العلم به لون الماء إنائه، فهذا مؤثر بالدليل مؤثر فيه عند صاحب هذا
القول في رأي العين، فانظر إلى الحيرة سارية في كل معتقد، فالكامل من عظمت حيرته
ودامت حسرته ولم ينل مقصوده لما كان معبوده، وذلك أنه رام تحصيل ما لا يكن تحصيله،
وسلك سبيل من لا يعرف سبيله، والأكمل من الكامل من اعتقد فيه كل اعتقاد وعرفه في
الإيمان والدلائل وفي الإلحاد، فإن الإلحاد ميل إلى اعتقاد معين من اعتقاد، فاشهدوه بكل
عين إن أردتم إصابة العين فإنه عام التجلي له في كل صورة وجه وفي كل عالم حال، فراقب
إن شئت أوّلاً تراقب فما ثم إلاَّ مثاب ومثيب ومعاقب ومعاقب. انتهى الجزء الموفي مائة.
(الجزء الواحد ومائة)
بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَيَةِ
الباب الثامن والعشرون ومائة
في معرفة مقام الرضى وأسراره
[نظم: مجزوء الرجز]
سألتُ ربي عِضْمةً من كل سوءٍ وأَذَى
كروحه مُنْتَبَذَا
وأن أُرَى من أَجْلهِ
مُسْتَهْلَكاً مُتَّخَذَا
مُخْتَطَفاً عن نفسهِ
من حالنا يا حَبَّذَا
حتى أقولَ صادقاً
رضيتُ عنه لكَذَا
رضيتُ منه بكذا
إليه حُكْماً هكَذَا
وهكذا نَنْسُبُه
على يَسيرٍ فإذا
وهو دليلٌ قاطعٌ
وصَفْتَه بذا وذا
بحقّه وجَهْبَذَا
أفْرَدْته عن منْ وعنْ
وكنتَ ذا معرفةٍ
اعلم وفقك الله أن قولي دليل قاطع على يسير أعني الرضى يدل على يسير من كثير،
فيرضى به أدباً مع الله لأنه وكله، والرضى أمر مختلف فيه عند أهل الله هل هو مقام أو حال؟
فن رآه حالاً ألحقه بالواهب، ومن رآه مقاماً ألحقه بالكاسب وهو نعت إلهيّ، وكل نعت إلهيّ
إذا أضيف إلى الله فليس يقبل الوهب ولا الكسب، فهو على غير المعنى الذي إذا نسبناه
للخلق لم يبق له تلك الصفة فحصل له بنسبته للخلق، إن ثبت كان مقاماً، وإن زال كان حالاً،
وهو على الحقيقة يقبل الوصفين وهو الصحيح، فهو في حق بعض الناس حال وفي حق
بعض الناس مقام، وكل نعت إلهيّ بهذه المثابة فتجري النعوت الإلهية إذا نسبت إلى الخلق
مجرى الاعتقادات، فكما أنه يقبل كل اعتقاد ويصدق فيه كل معتقد كذلك النعوت الإلهية إذا

٣٢٠
في المعاملات/ الباب الثامن والعشرون ومائة في معرفة مقام الرضى وأسراره
نسبت للخلق تقبل صفات المقامات وصفات الأحوال، هذا هو تحرير هذه الصفة وأمثالها،
وهو الذي عليه الأمر، وقد وصف الله نفسه وهو ما أعطاه العبد من نفسه رضي الله به ورضي
عنه فيه وإن لم يبذل استطاعته، فإنه لو بذل استطاعته التي إذا بذلها وقع في الحرج كان قد
بذلها على جهد ومشقة، وقد رفع الله الحرج عن عباده في دينه فعلمنا أن المراد بالاستطاعة
في مثل قوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وما آتاها أن حدها أوّل درجات الحرج، فإذا أحسّ به أو استشرف عليه
قبل الإحساس به فذلك حد الاستطاعة المأمور بها شرعاً ليجمع بين قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ﴾ وبين قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] ودين الله يسر
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] في قوله: ﴿مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ .
ولما فهمت الصحابة من الاستطاعة ما ذكرناه لذلك كانت رخصة لعزمة قوله: ﴿حَقَّ
تُقَائِهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢] فرضي الله منك إذا أعطيته ممّا كلفك حد الاستطاعة التي
لا حرج عليك فيها، ورضيت منه أنت بالذي أعطاك من حال الدنيا ورضيت عنه في
ذلك، وقد عرفت أحوال الدنيا أنها الطاعة خاصة كما بيناها في باب المراقبة، وكلما
أعطاك الحق في الدنيا والآخرة من الخير والنعم فهو قليل بالنسبة إلى ما عنده، فإن الذي
عنده لا نهاية له، وكل ما حصل لك من ذلك فهو متناه بحصوله في الوجود، ونسبة ما
يتناهى إلى ما لا يتناهى أقل القليل كما قال الخضر لموسى لما نقر الطائر بمنقره في
البحر ليشرب من مائه فشبهه بما هم عليه من العلم وبعلم الله فلذلك قال: ﴿رَّضِىَ اللهُ
عَنْهُمْ﴾ في يسير العمل ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٩] في يسير الثواب لأنه لا يتمكن
تحصيل ما لا يتناهى في الوجود لأنه لا يتناهى فلذلك قلنا: متعلق الرضى اليسير وهو
الرضى بالموجود فرضي به من الله وعن الله فيه، وما قدم الله رضاه عن عبيد بما قبله من
اليسير من أعمالهم التي كلفهم إلاَّ ليرضوا عنه في يسير الثواب لما علموا أن عنده ما هو
أكثر من الذي وصل إليهم، فهو يصل إليهم من الآنات حالاً بعد حال أبد الآباد من غير
انقطاع مع انقطاع أعمالهم التي كانت عن تكليف مشروع، فانقطعت الأعمال منهم ولم
تتقطع العبادة، فإذا تناهى حد العمل الحسن والقبيح في أهل الجنة وأهل النار بقي
جزاؤهم جزاء العبادة في السعداء، وجزاء العبودية في أهل النار، وهو جزاء لا ينقطع
أبداً، فهذا أعطاهم اتساع الرحمة وشمولها، فإن المجرمين لم يزل عنهم شهود عبوديتهم
وإن ادعوا ربانية فيعلمون من نفوسهم أنهم كاذبون بما يجدونه فتزول الدعوى بزوال
أوانها، وتبقى عليهم نسبة العبودية التي كانوا عليها في حال الدعوى وقبل الدعوى،
ويجنون ثمرة قولهم بلى، فكانوا بمنزلة من أسلم بعد ارتداده فحكم على الكل سلطان
بلى فأعقبهم سعادة بعدما مسّهم من الشقاء بقدر ما كانوا عليه من زمان الدعوى، فما زال
حكم بلى يصحبهم من وقته إلى ما لا يتناهى ديناً وبرزخاً وآخرة، وعرضت عوارض
لبعض الناس أخرجتهم في الظاهر عن حكم توحيدهم بما ادعوه من الألوهة في الشركاء