Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ في المعاملات/ الباب الخامس ومائة في ترك الحزن يشرف بشرف المعلوم، والحزن مقام صعب المرتقى قليل من الخلق عليه هو للكمل من الناس . الباب الخامس ومائة في ترك الحزن [نظم: مجزوء الرجز] ءِ خلْقَهُ ثم هَدَى الحقُّ أعطى كلَّ شيْ لفائت وما عَدَا الحزنُ حكمٌ واقـع قد فات فالحُزْنُ سُدَى فما تَرَى من فــائـتٍ فإنه حكْمُ البَدَا هذا فلا تَحفِلُ به هو حال وليس بمقام، وهو مؤدّ إلى خراب القلوب، وفي طيّه مكر إلهيّ إلاَّ للعارف، فإنه لا يخرج عن مقام الحزن إلاّ من أقيم في مقام سلب الأوصاف عنه، قيل لأبي يزيد: كيف أصبحت؟ قال: لا صباح لي ولا مساء إنما هي لمن تقيد بالصفة وأنا لا صفة لي، وذلك لما سأله بكيف وهي للحال وهو من أمهات المطالب الأربعة. وله من النسب الإلهية ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] على قراءة الكسائي ﴿كُلَّ يَّوْرٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] ويخفض القسط ويرفعه، فهذا مقام الكيف في الإلهيات. وأما أبو يزيد فما قصد التمدّح بهذا القول وإنما قصد التعريف بحاله، فإنّ الصباح والمساء لله لا له وهو المقيد تعالى بالصفة، والعبد العنصري مقيد بالصباح والمساء غير مقيد بالصفة ولهذا نفى الصفة فقال: لا صفة لي ﴿ وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٢]، فالصباح والمساء يملكه ولا ملك لأبي يزيد عليهما لأنهما بالصفة يملكان وأبو يزيد لا صفة له، فمن لا علم له بالمقام يتخيل أن أبا يزيد تألّه في هذا القول ولم يقصد ذلك رضي الله عنه، بل هو أجل من أن يعزى إليه مثل هذا التأويل في قوله هذا، فإن قال من يتأول عليه خلاف ما قلنا من أنه تأله في قوله بقوله: ضحكت زماناً وبكيت زماناً وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي فاعلم أنه ثم تجلُ يضحك، وما رأيت أحداً في هذا الطريق من أهل الضحك إلاَّ واحداً يقال له عليّ السلاوي سحت معه وصحبته سفراً وحضراً بالأندلس لا يفتر عن الضحك شبه المولَّه وما رأيته جرى عليه قط لسان ذنب . وأما البكاؤون فما رأيت منهم إلاَّ واحداً يوسف المغاور الجلا سنة ست وثمانين وخمسمائة بإشبيلية، وكان يلازمنا ويعرض أحواله علينا، كثير الجزع لا تفتر له دمعة، صحبته في الزمان الذي صحبت الضحاك. وأما كون أبي يزيد انتقل عن هذين المقامين إلى المقام الذي بينهما فإنهما من الأمور المتقابلة التي ما يكون بينهما واسطة كالنفي والإثبات لا كالوجود والعدم والحار والبارد فإن بينهما واسطة تأخذ من كل طرف بنسبة تميزه عن الطرفين، وكذلك إذا لم يكن الشخص في موجب ضحك ولا موجب بكاء كحالة البهت لأهل ٢٨٢ في المعاملات/ الباب السادس ومائة في معرفة الجوع المطلوب الله فهو لا ضاحك ولا باك فوصفه البهت والتعرّي عن الموجبين فأراد التعريف ما أراد التمدح . الباب السادس ومائة في معرفة الجوع المطلوب [نظم: مجزوء الرجز] وهو مِنَ أعلام الهُدَى الجوعُ موتٌ أبيضٌ فهو دواءٌ وهوَدَا ما لم يؤثّز خَبَلاً موفقاً مُسَدَّدَا فاحكُمْ بـ تَكُنْ بهِ الجوع حلية أهل الله، وأعني بذلك جوع العادة وهو الموت الأبيض، فإن أهل الله جعلوا في طريقهم أربع موتات هذا أحدها، وموت أخضر وهو لباس المرقعات إلاَّ المشهرات كان لعمر بن الخطاب ثوب يلبسه فيه ثلاث عشرة رقعة إحداهنّ قطعة جلد وهو أمير المؤمنين، وموت أسود وهو تحمّل الأذى، وموت أحمر وهو مخالفة النفس في أغراضها وهو لأهل الملامية، فالجوع المطلوب في الطريق هو للسالكين جوع اختيار لتقليل فضول الطبع ولطلب السكون عن الحركة إلى الحاجة. فإن علا فلطلب الصفة الصمدية وحده عندنا صوم يوم فإن زاد فإلى السحر، هذا هو الجوع المشروع الاختياريّ، وما لنا طريق إلى الله إلاّ على الوجه المشروع، ولولا أن الله جعل هذا حدّ المصلحة في عموم خلقه لما وقته إلى هذا القدر فلا يكون الإنسان في الزيادة عليه أعلم بمصالح الجوع في العبد من ربه هذا غاية سوء الأدب، فإن كان ممن يطعم ويسقى في مبيته وفنائه ويجد أثر ذلك في قوّته وصحة عقله وحفظ مزاجه فليواصل ما شاء فإنه ليس بصاحب جوع، وكلامنا في الجوع وإن كان أيضاً ممن يستغرقه حال ووارد قوي يحول بينه وبين الطعام كأبي عقال فإن كان صاحب فائدة فهي المطلوب، وإن لم يكن فذلك مرض يعرض حاله على الأطباء وما ذلك مطلب القوم. وأما جوع الأكابر فجوع اضطرار، فإن الذي ينتجه الجوع قد حصل لهم ملكة لا تزول عنهم في حال جوع ولا شبع فلم يبق إلاَّ التقليل، ولكن من الحلال إما للنشاط في الطاعات وإما لخفة الحساب، فإن النبيّ وَّ قال: ((إِنَّكُمْ لَتُسْألُونَ عَنْ نَعِيم هَذَا الْيَوم)» ولم يكن سوى تمر وماء، وما أدخل نفسه في الجماعة، فإن لله عباداً سليمانيين يقول الله لَهم: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمَِّكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة ص، الآية ٣٩] وهم سبعون ألفاً في هذه الأمّة قد نعتهم النبيّ ◌َّ﴿ والخبر صحيح وعكاشة منهم بالنص عليه، فينبغي للصالح السالك أن لا يزيد على الحد المشروع فيكون متبعاً، فإن ترك العمل بالاتباع أعظم أجراً من العمل بالابتداع فإنّا بالاتباع بحكم الأصل، فإن وجودنا تبع لوجود من أوجدنا، فلتكن أفعال العلماء بهذه المرتبة على ذلك، ولما قال رََّ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ فَسُدُوا مَجَارِيَهُ ٢٨٣ في المعاملات/ الباب السابع ومائة في ترك الجوع بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ)) لم يختلف أحد من العلماء ولا من أهل الله أنه أراد الصوم والتقليل من الطعام في السحور المسنون لمن واصل، وفي الإفطار لمن أفطر، فإنه قال بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فلا يتعدّى المريد الحدّ الذي سنّه من شرع الطريق إلى الله به، ولا تعرف قدر ما دللتك عليه إلاَّ في نتيجته إن فتح لك هنا، ولا تجع من غير صوم فإنه غير طريق مشروعة، ولا تجعل سبب ذلك حديث أجر الصوم فذلك ليس لك إنما هو للعمل، ودع النفس ترغب في الأجرة التي لها على ذلك فإن فيها من يطلب ذلك، وأنت بالسرّ الإلهيّ والروح الأمريّ بمعزل عن هذا الطلب الذي تطلبه النفس الحيوانية فإنك مجموع، ولا تلحق بأهل الغلط من أهل هذه الطريق الذين يجوّعون تلامذتهم من غير صوم أو يصوّمونهم ثم يطعمونهم قبل غروب الشمس ذلك غلط منهم وجهل بطريق الله تعالى وإن كانوا يقصدون بذلك مخالفة النفوس فما هذا موضعه، وإنما ينبغي أن يخالفوها في تعيين المأكول على حدّ مخصوص ووجه معين وميزان مستقيم يعرفه أهل الله، فإذا مالت إلى طعام خاص معين عندها حتى لا تكره شيئاً من نعم الله، ولقد عملت على هذا زماناً حتى طاب لي كل شيء كنت لا أقدر على أكله وتمجّه نفسي، وكذلك في التقليل منه وهو أشدّ ما على النفس أن تشرع في الشيء، ثم يحال بينها وبين التملي منه، والله الموفق لا رب غيره. الباب السابع ومائة في ترك الجوع [نظم: البسيط] لفظُ النبيِّ فلا تَرْفَعْ بِه راسَا الجوعُ بِئْسَ ضَجِیعُ العبدِ جاء به ولم يقيموا له وزناً وقِسْطَاسَا قد أدرك القومَ في تعيينه غَلَطْ وقد أضلَّ بما قد قاله النَّاسَا من قال ما الجوعُ لم يعرفْ حقيقَتَهُ جوعُ العوائدِ محمودٌ ولستُ أرى فيما أراه من استعماله باسا فيه المحقّقُ بالرحمن إيْنَاسَا جوعُ الطبيعةِ مذمومٌ وليس يَرَى ترك الجوع عند القوم ليس الشبع، وإنما هو إعطاء النفس حقها من الغذاء الذي جعل الله به صلاح مزاجها وقوام بنيتها، فإذا أحسّ صاحب هذه الحالة بالجوع فذلك جوع العادة . خرّج أبو بكر البزار في مسنده أن النبيّ وَله: ((كان يتعوّذ من الجوع ويقول: إنه بئس الضجيع)) ولا يذم حال يعطي الفوائد، فدل أنه لا فائدة في مثل هذا الجوع، وأن الفوائد فيما أظهر الشرع ميزانه من ذلك، فترك الجوع عبادة وطريق موصلة إلى الله، وبهذا فضّل سلمان على أبي الدرداء وشهد له بذلك رسول الله وَلهَ: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقاً، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فَقُمْ وَتَمْ وَصُمْ وَأَقْطِرْ وَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ فَإِنَّكَ لاَ تَدْخُلُ عَلَى الحَقِّ أَبَداً وَلأَحَدٍ عَلَيْكَ حَقٌّ)) وأعظم الحقوق حق الله ثم حق نفسك. انتهى الجزء السابع والتسعون بانتهاء السفر الثالث عشر والحمدلله. ٢٨٤ في المعاملات/ الباب الثامن ومائة في معرفة الفتنة والشهوة وصحبة الأحداث ... [السفر الرابع عشر] (الجزء الثامن والتسعون) بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ الباب الثامن ومائة في معرفة الفتنة والشهوة وصحبة الأحداث والنسوان وأخذ الأرفاق منهنّ ومتى يأخذ المريد الأرفاق؟ [نظم: البسيط] ولا نساءً وكُنْ بالله مُشْتغلاً لا تصحبَنْ حَدَثاً إن كنتَ ذا حَدَثٍ حكماً قوياً على القلب الذي غَفَلا واحذَرْ من الفتنة العمياءِ إنَّ لها بسيِّدٍ قلبُه عن ربه غَفَلا وشهوةُ النفس فاحذرها فكم فتَكَتْ إلاَّ الذي من رجال الله قد كَمُلاً ولا يُرَى آخذاً رفقاً من امرأة اعلم أيّدك الله أن الفتنة الاختبار، يقال: فتنت الفضة بالنار إذا اختبرتها، قال تعالى : ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٥] أي اختبرناكم بهما هل تحجبكم عنا وعما حدّدنا لكم أن تقفوا عنده، وقال موسى عليه السلام: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْفَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾ أي تحير ﴿وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٥] ومن أعظم الفتن التي فتن الله بها الإنسان تعريفه إياه خلقه على صورته ليرى هل يقف مع عبوديته وإمكانه أو يزهو من أجل مكانة صورته، إذ ليس له من الصورة إلاَّ حكم الأسماء فيتحكم في العالم تحكم المستخلف القائم بصورة الحق على الكمال، وكذلك من تأييد هذه الفتنة قول النبيّ وَلا يحكيه عن ربه: ((إِنَّ العَبْدَ إِذَا تَقَرَّبَ إِلَى اللَّه بِالنَّوَافِلِ أَحَيَّهُ فَإِذا أَحَبَّهُ كَانَ سَمْعَهُ الذَّي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُنْصِرُ بِهِ» وذكر اليد والرجل الحديث. وإذا علم العبد كنه بهذه المثابة يسمع بالحق، ويبصر بالحق، ويبطش بالحق، ويسعى بالحق، لا بنفسه وبقي مع هذا النعت الإلهيّ عبداً محضاً فقيراً ويكون شهوده من الحق وهو بهذه المثابة كون الحق ينزل إلى عباده بالفرح بتوبتهم والتبشيش لمن يأتي إلى بيته، والتعجب من الشاب الذي قمع هواه واتصافه بالجوع نيابة عن جوع عبده وبالظمأ نيابة عن ظمأ عبده، وبالمرض نيابة عن مرض عبده مع علمه بما تقتضيه عزة ربوبيته وكبريائه في ألوهيته، فما أثر هذا النزول في جبروته الأعظم ولا في كبريائه الأنزه الأقدم، كذلك العبد إذا أقامه الحق نائباً فيما ينبغي للرب تعالى يقول العبد: ومن كمال الصورة التي قال إنه خلقني عليها أن لا يغيب عني مقام إمكاني ومنزلة عبوديتي وصفة فقري وحاجتي، كما كان الحق في حال نزوله إلى صفتنا حاضراً في كبريائه وعظمته، فيكون الحق مع العبد إذا وفى بهذه الصفة يثني عليه بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ [سورة ص: الآية ٣٠] حيث لم تؤثر فيه هذه الولاية الإلهية، ولا أخرجته عن فقره واضطراره، ومن تجاوز حده في التقريب انعكس إلى الضد وهو البعد من ٢٨٥ في المعاملات/ الباب الثامن ومائة في معرفة الفتنة والشهوة وصحبة الأحداث ... الله والمقت فاحذر نفسك، فإنّ الفتنة بالاتساع أعظم من الفتنة بالحرج والضيق. وأما الشهوة فهي آلة للنفس تعلو بعلو المشتهي وتستفل باستفال المشتهى، والشهوة إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به، واللذة لذتان: روحانية وطبيعية، والنفس الجزئية متولدة من الطبيعة وهي أمها والروحِ الإلهيّ أبوها، فالشهوة الروحانية لا تخلص من الطبيعة أصلاً وبقي من يلتذ به فلا يلتذ إلاّ بالمناسب ولا مناسبة بيننا وبين الحق إلاَّ بالصورة، والتذاذ الإنسان بكماله أشدّ الالتذاذ، فالتذاذه بمن هو على صورته أشد التذاذ، برهان ذلك أن الإنسان لا يسري في كله الالتذاذ ولا يفنى في مشاهدة شيء بكليته ولا تسري المحبة والعشق في طبيعة روحانيته إلاَّ إذا عشق جارية أو غلاماً، وسبب ذلك أنه يقابله بكليته لأنه على صورته، وكل شيءٍ في العالم جزء منه فلا يقابله إلاَّ بذلك الجزء المناسب، فلذلك لا يفنى في شيء يعشقه إلاّ في مثله، فإذا وقع التجلي الإلهي في عين الصورة التي خلق آدم عليها طابق المعنى المعنى ووقع الالتذاذ بالكل وسرت الشهوة في جميع أجزاء الإنسان ظاهراً وباطناً، فهي الشهوة التي هي مطلب العارفين الوارثين، ألا ترى إلى قيس المجنون في حب ليلى كيف أفناه عن نفسه لما ذكرناه؟ وكذلك رأينا أصحاب الوله والمحبين أعظم لذة وأقوى محبة في جناب الله من حب الجنس، فإن الصورة الإلهية أتم في العبد من مماثلة الجنس، لأنه لا يتمكن للجنس أن یکون سمعك وبصرك، بل یکون غايته أن یکون مسموعك ومدرکك اسم مفعول، وإذا كان العبد مدرك بحق هو أتم فلذته أعظم وشهوته أقوى، فهكذا ينبغي أن تكون شهوة أهل الله . وأما صحبته الأحداث وهم المردان وأهل البدع الذين أحدثوا في الدين من التسنين المحمود الذي أقرّه الشارع فينا فينظر العارف في المردان من حيث أنه أملس لا نبات بعارضيه كالصخرة الملساء فإن الأرض المرداء هي التي لا نبات فيها، فذكره مقام التجريد وأنه أحدث عهد بربه من الكبير، وقد راعى الشرع ذلك في المطر، فكلما قرب من التكوين كان أقرب دلالة وأعظم حرمة وأوفر لدواعي الرحمة به من الكبير البعيد عن هذا المقام، وأما كونهم أحداثاً لهذا المعنى لأنهم حديثو عهد بربهم وفي صحبتهم تذكر حدثهم ليتميز قدمه تعالى به فهو اعتبار صحيح وطريق موصلة، وأما إن كان من أحداث التسنين فيؤيده قوله تعالى: ﴿مَا يَأْنِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَِّّهِم تُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ تُحْدَثٍ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٥] فذم من لم يتلقَّه بالقبول، فهكذا نظر العارفين فيه، وأما المريدون والصوفية فحرام عليهم صحبة الأحداث لاستيلاء الشهوة الحيوانية عليهم بسبب العقل الذي جعله الله مقابلاً لها، فلولا العقل لكانت الشهوة الطبيعية محمودة . وأما النسوان فنظر العارفين فيهنّ وفي أخذ الإرفاق منهنّ، فحنين العارفين إليهن حنين الكل إلى جزئه كاستيحاش المنازل لساكنيها التي بهم حياتها، ولأن المكان الذي في الرجل الذي استخرجت منه المرأة عمره الله بالميل إليها فحنينه إلى المرأة حنين الكبير وحنوّه على الصغير. وأما أخذ الأرفاق منهنّ فإنه يأخذه منهن لهن كما أخذه رسول الله وَّل حين أمرهنّ ٢٨٦ في المعاملات/ الباب الثامن ومائة في معرفة الفتنة والشهوة وصحبة الأحداث ... أن يتصدقن لأنه يسعى في خلاصهن لما رآهن أكثر أهل النار فأشفق عليهن حيث كن منه فهو شفقة الإنسان على نفسه، ولأنهن محل التكوين لصورة الكمال فحبهنّ فريضة واقتداء به عليه السلام، قال رسول الله بََّ: ((حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاَث: النِّسَاءُ وَالطَّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)) فذكر النساء أترى حبّب إليه ما يبعده عن ربه لا والله بل حبّب إليه ما يقرّبه من ربه، ولقد فهمت عائشة أم المؤمنين ما أخذ النساء من قلب رسول الله ولو حين خيرهن فاخترنه فأراد الله تعالى جبرهن وإيثارهن في الوقت ومراعاتهن وإن كان بخلاف مراد رسول الله وَّ فقال: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسُْهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَعِينُكْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٢] فأبقى عليه رحمة به لما جعل في قلبه من حب النساء ملك اليمين، وهذه من أشق آية نزلت على رسول الله وسلم فقالت عائشة: ما كان الله ليعذب قلب نبيه وَ﴿ والله ما مات رسول الله وَّل حتى أحلّ له النساء، فمن عرف قدر النساء وسرهنّ لم يزهد في حبهنّ، بل من كمال العارف حبهنّ فإنه ميراث نبويّ وحبّ إلهيّ، فإنه قال رَّر: ((حبّب إليّ)) فلم ينسب حبّه فيهن إلاَّ إلى الله تعالى فتدبر هذا الفصل تر عجباً. وأما المريدون الذين هم تحت حكم الشيوخ فهم بحكم أشياخهم فيهم، فإن كانوا شيوخاً حقيقة مقدّمين من عند الله فهم أنصح الناس لعباد الله، وإن لم يكونوا فعليهم وعلى أتباعهم الحرج من الله لأن الله قد وضع الميزان المشروع في العالم لتوزن به أفعال العباد، والأشياخ يسألون ولا يقتدى بأفعالهم إلاّ إن أمروا بذلك في أفعال معينة قال تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٣] وهم أهل القرآن أهل الله وخاصته، وأهل القرآن هم الذين يعملون به وهو الميزان الذي قلنا، ولا ينبغي أن يقتدي بفعل أحد دون رسول الله وَعليه فإن أحوال الناس تختلف، فقد يكون عين ما يصلح للواحد يفسد به الآخر إن عمل به، والعلماء الذين يخشون الله أطباء دين الله المزيلون علله وأمراضه العارفون بالأدوية، فإذا كان رسول الله وَ﴿ قد اختلف الناس في أفعاله هل هي على الوجوب أم لا؟ فكيف بغيره مع قول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] وقوله: ﴿فَأَتَِّعُونِىِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] وهذا كله ليس بنص منه في وجوب الأتباع في أفعاله فإنه وَ لّ قد اختصّ بأشياء لا يجوز لنا اتباعه فيها ولو اقتدينا به فيها كنا عاصين مأثومين، فينبغي لكل مؤمن ويجب على كل مدع في طريق الله إذا لم يكن من أهل الكشف والوجود والخطاب الإلهيّ وممّن لا يكون يطفىء نور معرفته نور ورعه أن يجتنب كل أمر يؤدي إلى شغل القلب بغير الله فإنه فتنة في حقّه، ويجب عليه أن يغلب عقله على شهوته، بل يسعى في قطع المألوفات وترك المستحسنات الطبيعية، وما يميل الطبع البشريّ ويجتنب مواضع التهم وصحبة المبتدعين في الدين ما لم يأذن به الله وهم الأحداث، وكذلك صباح الوجوه من المردان مجالسة والنساء وأخذ الأرفاق فإن القلوب تميل إلى كل من أحسن إليها والطبع يطلبهم، والقوّة الإلهية على دفع الشهوات النفسية ما هي هناك، والمعرفة معدومة من هذا الصنف من الناس، وما صبر تحت الاختبار الإلهيّ إلاَّ الذهب الخالص المعدني الذي حاز رتبة الكمال وما بقي فيه من تربة ٢٨٧ في المعاملات / الباب الثامن ومائة في معرفة الفتنة والشهوة وصحبة الأحداث ... المعدن شيء، وكل تكليف فتنة وجميع المخلوقات فتنة، والاطلاع على نتائج الأعمال فتنة، وهي حالة مقام يستصحب إلى الجنة، وكان رسول الله وَير وهو صاحب الكشف الأتم والعالم بما ثم يستعيذ من فتنة القبر وعذاب النار وفتنة المحيا والممات . وأما الشهوة فهي إرادة الملذوذات فهي لذة والتذاذ بملذوذ عند المشتهي، فإنه لا يلزم أن يكون ذلك ملذوذاً عند غيره ولا أن يكون موافقاً لمزاجه ولا ملائمة طبعه، وذلك أن الشهوة شهوتان: شهوة عرضية وهي التي يمنع من اتباعها فإنها كاذبة وإن نفعت يوماً ما فلا ينبغي للعاقل أن يتبعها لئلا يرجع ذلك له عادة فتؤثر فيه العوارض، وشهوة ذاتية فواجب عليه اتباعها فإن فيها صلاح مزاجه لملائمتها طبعه وفي صلاح مزاجه وفي صلاح دينه سعادته، ولكن يتبعها بالميزان الإلهيّ الموضوع من الشارع وهو حكم الشرع المقرر، وفيها سواء كان من الرخص أو العزائم إذا كان متبعاً للشرع لا يبالي فإنه طريق إلى الله مشروعة، فإنه تعالى ما شرع إلاَّ ما يوصل إليه بحكم السعادة، ولا يلزم أيضاً أن يكون ما يشتهيه في هذه الحال أن يشتهيه في كل حال ولا في كل وقت، فينبغي له أن يعرف الحال الذي ولد تلك الشهوة عنده والوقت الذي اقتضاها، وقد تتعلق بأعمال الطاعات هذه الشهوات العرضية فتوجب بعداً كمن يرى موضعاً يستحسنه طبعه فيشتهي أن يصلي فيه أو لفضيلة يعلمها في ذلك الزمان على غيره، فإن ذلك يؤثر في حاله مع الله أثر سوء وميزان ذلك الإلتذاذ بعمل لا لشهود إلهيّ، وهذا من المكر الخفي. ولأبي يزيد في هذا قدم راسخة، وقد نبّه على ذلك لما سألته أمه في ليلة باردة أن يسقيها ماء وكان برّاً بها فثقل عليه القيام وقد كان ملتذاً في جميع أحواله في خدمة أمّه فاتهمٍ نفسه في تلك اللذة إذ كان يتخيل أنه لا يلتذ بخدمة أمه إلاَّ لإقامة حق الله، ولا بعبادة إلاّ لإقامة حق الله فيها، فرمى كل عبادة تقدمت له كان له التذاذ بها وتاب توبة جديدة، فأغوار النفوس لا يدركها إلا فحول أهل الله، فلا تفرح بالالتذاذ بالطاعات ورفع المشقة فيها عنك دون ميزان القوم في ذلك، فإذا اقترنت هذه الشهوة بصحبة أهل البدع وهم الأحداث وبصحبة الصبيان الصباح الوجود والنساء في الله تعالى فيما تخيل له أنه في الله تعالى ففي طيّ هذا التعلق مكر إلهيّ خفيّ، ولو تعلق ذلك الالتذاذ منه بغير هؤلاء الأصناف فليس ذلك بميزان يعرف به مكر الله حتى يفرّق بين الصحبة لله والصحبة لشهوة الطبع إلاَّ أن يصحب العلماء بالله أهل الورع أو شيخه إن كان من أهل الأذواق فذلك أمر آخر . والذي ينبغي له أن يزن به حاله في دعواه أنه ما صحب الأحداث والنساء إلاَّ لله إذا وجد ألماً ووحشة عند فقده إياه وهيجاناً إلى لقائهم وفرحاً به عند إقبالهم، فتعلم عند ذلك أن الصحبة لهذا الصنف معلولة ليست لله وإن وقعت المنفعة للمصحوب منه فيسعد المصحوب ويشقى هذا المحب شقاوتين: الواحدة فقد المحبوب والأخرى بالجهل وعدم العلم فيما كان يتخيل أنه علم وأنه صحب لله وفي الله. وأما إن كان ممّن تتعلق تلك المحبة منه بجميع المخلوقات، ومن جملة المخلوقات أيضاً هؤلاء الأصناف، فقد يكون ذلك خديعة نفسية وميزانه أن لا يستوحش عند مفارقة واحد واحد فإنه لا يخلو عن مشاهدة مخلوق فمحبوبه معه ما فارقه، فإن العين ٢٨٨ في المعاملات/ الباب التاسع ومائة في معرفة الفرق بين الشهوة والإرادة ... واحدة لو غاب عضو من أعضاء محبوبك مع بقاء عينه معك ما وجدت ألماً، والخلق كلهم أعضاء بعضهم لبعض، وأيضاً إن تعلق بجميع المخلوقات على علم من صاحبه بعموم التعلق ابتداء في غير هؤلاء الأصناف ثم تظهر هؤلاء الأصناف ولا يجد مزيداً في ميزانه فيدخلهم في عموم ذلك التعلق فذلك مبناه على أصل صحيح، وإن انجرّ معه الطبع في هذا الصنف ووجد معه الألم عند فقده على الخصوص فذلك لا يؤثر في خلوص تعلّقه الإلهيّ في دعوته ونصيحته لصحة الأصل، فإن حدث عنده عموم التعلق في ثاني الحال من تعلقه بصحبة هذا الصنف فلا يعوّل عليه فذلك تلبيس من النفس فليحذر منه وليترك صحبتهم جملة واحدة، وكلامنا إنما هو مع أهل الطريق، ولا بدّ من تمحيص هذا التعميم الذي وجده في ثاني حال من صحبتهم، كما يمحص نفسه صاحب السماع المقيد بالنغمات إذا أرسله مطلقاً بعد تحصيله ابتداء من المقيد بالنغمات فهو أصل معلول، فلا يعتمد من هذه حالته على سماعه المطلب المكتسب في ثاني حال فإن ذلك تلبيس النفس حتى لا تترك السماع المقيد، والإنسان إذا أنصف لربه من نفسه ولنفسه من نفسه عرف حاله، بل كان أعرف بحاله من غيره إلاّ من العارفين بالله فإنهم أعرف به من نفسه، لأن العارفين لهم أعين في قلوبهم فتحتها لهم المعرفة يرون بها منك ما تجهله أنت من نفسك لأنه ليست لك تلك العين، ولهذا قال الجنيد: العارف من ينطق عن سرك وأنت ساكت والسكوت عدم الكلام، فمعناه يعرف منك ما لا تعرفه أنت من نفسك، كالخفي من سوء المزاج يعرفه الطبيب منك إذ نظر إليك ولا تعرفه أنت، وهؤلاء أطباء النفوس. واعلموا أن الشيوخ إنما حذروا من أخذ الإرفاق من النساء ومن صحبة الأحداث لما ذكرناه من الميل الطبيعي، فلا ينبغي للمريد أن يأخذ رفقاً من النساء حتى يرجع هو في نفسه امرأة، فإذا تأنّث والتحق بالعالم الأسفل ورأی تعشق العالم الأعلى به وشهد نفسه في كل حال ووقت ووارد منكوحاً دائماً ولا يبصر لنفسه في كشفه الصوري وحاله ذكراً ولا أنه رجل أصلاً بل أنوثة محضة ويحمل من ذلك النكاح ويلد وحينئذ يجوز له أخذ الرفق من النساء ولا يضره الميل إليهن وحبهنّ. وأما أخذ العارفين فمطلق لأن مشهودهم اليد الإلهية المقدسة المطلقة في الأخذ والعطاء، وكل شخص يعرف حاله والطريق صدق كله وجد لا يقبل الهزل ولا الطفيلي عنده وإن سامح الحق. الباب التاسع ومائة في معرفة الفرق بين الشهوة والإرادة، وبين شهوة الدنيا وشهوة الجنة، والفرق بين اللذة والشهوة، ومعرفة مقام من يشتهي ويشتهى، ومن لا يشتهي ولا يشتهى، ومن يشتهي ولا يشتهى، ومن يشتهى ولا يشتهي [نظم: الكامل] تجري أمورُ الكائنات بوقْقِهِ ربُّ الإرادة سيدٌ متحكْمٌ فمنِ اشتهى فالطبعُ مالِكُ رقِهِ والاشْتِهَاءُ من الطبيعة أصلُهُ في ملْكِهِ في المنزلين بعثْقهِ لا يفرحَنْ أبداً عُبَيْدُ طبيعةٍ ٢٨٩ في المعاملات / الباب التاسع ومائة في معرفة الفرق بين الشهوة والإرادة ... في كل موجودٍ بِطَالِعِ أُفْقِهِ والإلتذاذُ تَقَسَّمَتْ أحكامُه فتراه والأعيانُ تطلب حقّهَا يعطي الجزيلَ وما له ملكٌ سوى يعطي لكل منه واجبٌ حقّهِ ما أودعَ الملكُ الجوادُ بحقّهِ تبدو عليه بخَلْقه وبخُلْقهِ الوَهْبُ يأتيه بكل فضيلةٍ فيما يجود عطاؤه من صِدْقِهِ فعطاؤه الممزوجُ يشهد أنه فالكل إن حقَّقْتَ عابدُ رزقهِ أما العبيدُ فرزقُهم معبودُهم اعلم أيّدك الله أن المتمكن الكامل والعابد أيضاً من أهل الله صاحب المقام يشتهي ويشتهى لكماله، فيعطي كل ذي حق حقه، فإنه يشاهد جمعيته ففيه من كل شيء حقيقة، وصاحب الحال صاحب فناء لا يشتهي ولا يشتهى لأنه لا يشهد سوى الحق بعين الحق في حال فناء عن رؤية نفسه، فلا يشتهي لأن الحق لا يوصف بالشهوة، ولا يشتهى لأنه مجهول لا يعرف غير ربه لا تعرف الأكوان ولا نفسه لغيبته بربه عن الكل فهو غيب، لا يشتهي لأن العلم بالمشتھی من لوازم هذا الحكم، والزاهد لا يشتهي ويشتهى فإن النعم له خلقت فهو يراها حجباً موضوعة فينفر منها فلا يشتهيها وهي تشتهيه لعلمها بأنها خلقت له فيتناولها الزاهد جوداً منه عليها وإيثاراً إذا كان صاحب مقام، والمخلط الكاذب الذي يعصي الله بنعمه يشتهى ولا يشتهى، فيشتهى لغلبة الطبع عليه، ولا يشتهى لأن النعم إنما تشتهي من تراه يقوم بحقها وهو شكر المنعم على ما أنعم الله به عليه . ثم اعلم أن الشهوة إرادة طبيعية مقيدة، والإرادة صفة إلهية روحانية طبيعية متعلقها لا يزال معدوماً وهي أعم تعلقاً من الشهوة، فإن كل حقيقة منهما تتعلق بالمناسب، والمناسب ما يشركها في الأصل، فلا تتعلق الشهوة إلاّ بنيل أمر طبيعي، فإن وجد الإنسان ميلاً إلى غير أمر طبيعي كميله إلى إدراك المعاني والأرواح العلوية والكمال ورؤية الحق والعلم به فلا يخلو عند هذا الميل إما أن يميل إلى ذلك كله بطريق الالتذاذ عن تخيّل صوري فذلك تعلق الشهوة وميلها لأجل الصورة، فإن الخيال إذا جسد ما ليس بجسد فذلك من فعل الطبيعة، وإن تعلق ذلك الميل بغير هذا التخيل الحاصل بل يبقى المعاني والأرواح والكمال على حاله من التجرّد عن التقييد وضبط الخيال له بالتخيّل فذلك ميل الإرادة لا ميل الشهوة، لأن الشهوة لا مدخل لها في المعاني المجرّدة، فالإرادة تتعلق بكل مراد للنفس، والعقل كان ذلك المراد محبوباً أو غير محبوب، والشهوة لا تتعلق إلاَّ بما للنفس في نيله لذّة خاصة، ومحل الشهوة النفس الحيوانية، ومحل الإرادة النفس الناطقة، والشهوة تتقدّم اللذّة بالمشتهى في الوجود، ولها لذة متخيلة تتعلق بتصوّر وجود المشتهى، فتلك اللذة مقارنة لها في الوجود فتوجد في النفس قبل حصول المشتهى، واللذة مقارنة لوجود حصول المشتهى في ملك المشتهي فتزول شهوة التحصيل وتبقى اللذة، فليس عين الشهوة عين اللذة لفنائه بحصول المشتهي وبقاء اللذة غير أن الطبع يحدث له أو يظهر له عن كمون غيب إلهيّ شهوة أخرى تتعلق ببقاء المشتهى دائماً لا تنقطع فهذه شهوة لا لذّة لها، فإن البقاء دائماً غير حاصل مطلقاً فلا يتناهى الأمر ولا يوجد البقاء، فإن جدّد البقاء بزمان مخصوص ومقدار معين فذلك البقاء المشتهى يكون للشهوة لذة بحصوله موجوداً، الفتوحات المكية ج٣ - م١٩ ٢٩٠ في المعاملات/ الباب العاشر ومائة في مقام الخشوع فاللذة مقارنة لحصول المشتهى خاصة لا تتأخر عنه ولا تتقدمه بوجود عين ووجود خيال. وأما شهوة الدنيا فلا تقع لها لذة إلاَّ بالمحسوس الكائن. وشهوة الجنة يقع لها اللذة بالمحسوس وبالمعقول على صورة ما يقع بالمحسوس من وجود الأثر البرزخي عند نيل المشتهى المعقول سواء، ولا أعني بالجنة أن هذه الشهوة التي هذا حكمها لا توجد إلاّ في الجنة المعلومة في العموم، إنما أعني حيث وجد هذا الحكم لهذه الشهوة الذي ذكرناه فهو شهوة الجنة سواء وجد في الدنيا أو وجد في الجنة، وإنما أضفناها إلى الجنة لأنها تكون فيها لكل أحد من أهل الجنة وفي الدنيا لا تقع إلاَّ لآحاد من العارفين، والشهوة لنا نسبة واحدة إلى عالم الملك، ونسبتان إلى عالم الملكوت، ولها مقامات وأسرار وهي الدرجات بقدر ما لحروف اسم الشهوة من العدد بالجمل الكبير بالتعريف وهو الشهوة وبالتنكير وهو شهوة وبالاتصال بكلام، فتعود هاء السكت تاء فلها عدد التاء وعدد الهاء في حال التنكير والتعريف فاجمع الأعداد بعضها إلى بعض فما اجتمع لك من ذلك فهو قدر درجات ما يناله صاحب ذلك المقام ولا يعتبر فيه إلاّ اللفظ العربي القرشي فإنه لغة أهل الجنة سواء كان أصلاً وهو البناء أو فرعاً وهو الإعراب، وغير العربي والمغرب لا يلتفت إليه، وكذلك تعمل في كل اسم مقام وهو قولهم لكل إنسان من اسمه نصيب ومعناه لكل موجود من اسمه نصيب ولهذا جاءت أسماء النعوت فلا تطلب إلاَّ أصحابها وهي زور على من تطلق عليه وليست له وهذا من أصعب المسائل، فإن الاسم إطلاق إلهيّ فلا بدّ من نصيب منه لذلك المسمّى، غير أنه يخفى في حال مسمّى ما ويظهر في آخر ومدرك ذلك عزيز، وعلى هذا الحدّ الإرادة، فالمريد إلهيّ رباني رحماني، والمشتهى رباني رحماني خاصة، والمسلم المؤمن المحسن هو المريد، وصاحب الشهوة مسلم نصف مؤمن نصف محسن لأنه مع الإحسان المقيد بالتشبيه . الباب العاشر ومائة في مقام الخشوع [نظم: الخفيف] يُبْصرُ القلبُ من تَدَلَّى إليهِ لا يكون الخشوعُ إلاَّ إذا ما غير هذا فلا يكون لدَيْه وتجلَّى له بصورةٍ مِثْلٍ فله الحكمُ لا يكون عليهِ فإن اعتزَّ في مَقَام التَّجَلْي الخشوع مقام الذلة والصغار وهو من صفات المخلوقين ليس له في الألوهية مدخل، وهو نعت محمود في الدنيا على قوم محمودين، وهو نعت محمود في الآخرة في قوم مذمومين شرعاً بلسان حق وهو حال ينتقل من المؤمنين في الآخرة إلى أهل العزّة المتكبرين الجبارين الذين يريدون علواً في الأرض من المفسدين في الأرض، فالمؤمنون في صلاتهم خاشعون، وهم ﴿وَالْخَاشِعِينَ﴾ من الرجال ﴿وَالْخَشِعَتِ﴾ من النساء الذين ﴿أَعَذَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] ونعت أصحابه في الآخرة فقال: ﴿خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ ٢٩١ في المعاملات/ الباب العاشر ومائة في مقام الخشوع [سورة الشورى: الآية ٤٥] وقال: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِدٍ خَشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ تُتْقَى مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ لَّيْسَ لَّمْ طَعَامُ إِلَّا مِنْ ضَرِيعِ﴾ [سورة الغاشية: الآية ٢ - ٦] ولا يكون الخشوع حيث كان إلاَّ عن تجلّ إلهيّ على القلوب في المؤمن عن تعظيم وإجلال، وفي الكافر عن قهر، وخوف، وبطش. قال عليه السلام حين سئل عن كسوف الشمس: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ خَشَعَ لَهُ)) أخرجه البزار وإذا وقع التجلي حصل الخشوع وأورث التجلي العلم والعلم يورث الخشية ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأَ﴾ [سورة فاطر: الآية ٢٨] والخشية تعطي الخشوع، والخشوع يعطي التصدع وهو انفعال الطبع للخشوع، والتصدّع تقصف وتكسر في الأعضاء والغطيط الذي يسمع فيها كل ذلك من أثر الطبع القابل لأثر الوارد في التجلي الإلهيّ وهو الذي كنى عنه الشرع بالغتّ والغطّ في نزول الوحي عليه كصلصلة الجرس وهو أشده عليه، فإن نزوله شديد على هذا الهيكل البشري ولا سيما إن كان النزول بالقرآن كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣١] وقد يكون من الجبال القوة الماسكة الطبع الذي من شأنه الميل نظير الميد في الأرض، ويكون من الأرض أرض الأجسام الطبيعية أو كلم به الموتى. ومن أصناف الموت الجهل يقول تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٢] لكان هذا القرآن يحيا بما فيه من العلم ويقطع به الأرض وتسير الجبال بما فيه من الزجر والوعيد. وقوله ﴿قُرْءَانًا﴾ [سورة يوسف: الآية ٢] بالتنكير دليل على أحد أمرين: إما على آيات منه مخصوصة كما ضرط الجبار عندما سمع صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، وإما أن يكون ثم أمر آخر ینطلق عليه اسم قرآن غير هذا لغة ولو حرف امتناع لامتناع فهل هو داخل تحت الإمكان فيوجد، أو ما هو ثم إلاَّ بحكم الفرض والتقدير، فأما عندنا فكل كلام إلهيّ من كلمة مركبة من حرفين إلى ما فوق ذلك من تركيبات الحروف والكلمات المنسوبة إلى الله بحكم الكلام فإنه قرآن لغة وله أثر في النزول في المحل المنزّل عليه إذا كان في استعداده التأثّر بنزوله، فإن لم يكن فلا يشترط، والاستعداد من المحل أن يكون حاله العبودة والعبودية وأثره في حال العبودية أتمّ منه في حال العبودة، فإن سمع المحل أو نزل عليه في حال كون الحق سمعه حصل له النزول ولم يظهر له أثر عليه لأنه حق في تلك الحالة فينتفي عنه الخشوع، وهذا أصل يطرد في كل وصف لا يكون له في الألوهة مدخل، كالذلّة والافتقار والخشوع والخوف والخشية فإنه يتأثر صاحب هذا الحال، وكل كون يكون حالة نعت إلهيّ كالكرم والجود والرحمة والكبرياء فإنه لا يؤثر في صاحبه أصلاً فإنه نعت حق فله العزّة والمنع هذا مطرد، وقد نزل علينا من القرآن ذوقاً عرفنا من ذلك صورة نزوله على نبيه و ﴿ فوجدنا له ما لم نجد لحفظ حروفه ولا لتدبّر معانيه، ونزل علينا في الحالين فأثر في الحال الواحد الكوني ولم يؤثر في الحال الإلهي إلاَّ لذة خاصة فإنه لا بدّ منها، وأما خشوعاً فلا، ولهذا ينسب إلى الجناب الإلهيّ الأقدس ما ينسب من الفرح وهو التذاذ. ثم إن الله جعل مثل هذا أمثالاً مضروبة للناس ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ. كَثِيراً ٢٩٢ في المعاملات/ الباب الحادي عشر ومائة في ترك الخشوع وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦] الخارج عن الحالين والعاري عن التلبس بالحكمين وهي حالة الغافلين عمّا خلقوا له وعمّا فضلوا به، لم يمت أبو يزيد حتى استظهر القرآن وهو تنزيله عليه ذوقاً، و((من استظهر القرآن فقد أدرجت النبوّة بين جنبيه ))كذا قال ◌َله، وهذا الفرق بين تنزّله على النبيّ وَّ﴿ وبين تنزّله علينا، فإنه منزل في النبي وَ لّ على قلبه وفي صدره فنبوّته له مشهودة، وينزل علينا بين جنبينا من وراء حجابنا فهو لنا في الظهر لا في الظهور، فنبوّتنا مستورة عنا مع كوننا محلاً لها، فمن خشع تصدع ومن علم يخشى. الباب الحادي عشر ومائة في ترك الخشوع [نظم: الخفيف] وبه تنْظُرُ العيونُ إليهِ من تجلَّى لنفسه كيف يخْشَخْ هكذا نصَّ لي الرسولُ عليهِ فقُوانا قُواه من غير شك إذا كان العبد في نعت إلهيّ وورد التجلّي عليه وتلقاه بذلك النعت أورثه لذة وفرحاً وابتهاجاً وسروراً، ولم يجد خشوعاً ولا ذلة، فينسب ذلك الفرح للظاهر في المظهر لا من حيث هو ظاهر فهو سرور بكمال، وأثره في المظهر من حيث ما هو مظهر، فهو محجوب عن ذاته بربه في حال صحوه وظهوره وحضوره وإثباته وبقائه، وترك الخشوع لمن ليست هذه حالته مذموم مطرود. الباب الثاني عشر ومائة في مخالفة النفس [نظم: الكامل] واعلمْ بأنك وحدك المقصودُ خالِفْ هواكَ فإنه محمودُ فَلْتُلْقِ سمْعَك لي وأنت شهيدُ الكلُّ يسعد غير من هو مثله يوم القيامة والأنامُ شُهـودُ أنت العزيزُ فذُقْ وَبَالَ صفاتِه اعلم أيّدك الله أن مخالفة النفس هو الموت الأحمر وهو حال شاق عليها وهي المخالفة نفسها فالمخالف عين المخالف، وهذا من أعجب الأمور أعني وجود المشقة، نعم لو كان المخالف نفساً أخرى لم يكن التعجب من حصول المشقة في ذلك، ونحن بحمد الله حيث قلنا بمخالفتها ولم نقل تخالف بالمقابل، فقد يكون الخلاف بما ليس بمقابل، فيجمع بين وجود الخلاف وبين المساعدة، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا الباب وفائدة المخالفة عظيمة. واعلم أنه لا يخالف النفس إلاَّ في ثلاثة مواطن: في المباح والمكروه والمحظور لا غير. وأما إذا وقعت لها لذة في طاعة مخصوصة وعمل مقرّب فهنالك علة خفية يخالفها بطاعة أخرى وعمل مقرّب، فإن استوى عندها جميع التصرّفات في فنون الطاعات سلمنا لها ٢٩٣ في المعاملات/ الباب الثالث عشر ومائة في معرفة مساعدة النفس في أغراضها تلك اللذة بتلك الطاعة الخاصة، وإن وجدت المشقة في العمل المقرّب الآخر الذي هو خلاف هذا العمل فالعدول إلى الشاق واجب لأنها إن اعتادت المساعدة في مثل هذا أثرت في المساعدة في المحظور والمكروه والمباح، وإنما صعب على النفس المخالفة لكريم أصلها وعلوّ منصبها، فإن النيابة الإلهية في العالم لها فتقول في نفسها بيدي أزمة الأمر وملاكه ولا سيما وقد خلقني الله تعالى على الصورة، فمخالفتي مخالفة الحق من هذا المقام يكون لها المخالفة موتاً أحمر، وحجبت هذه النفس عن الاتساع الإلهيّ وعما خلقت له، وعن العلم بأن الصورة ليست لكل نفس، وإنما هي للنفس الكاملة كنفوس الأنبياء ومن كمل من الناس، فلو كملت هذه النفس ما كانت المخالفة لها موتاً أحمر، فإن لذة العرفان تعطيها الحياة التي لا موت فيها، فالوجود والفتح مقرونان بمخالفتها في كل شيء ينبغي أن تخالف فيه فافهم. الباب الثالث عشر ومائة في معرفة مساعدة النفس في أغراضها [نظم: الخفيف] ـقٌ ونعتْ له فأين تغيبُ ساعد النَّفْسَ إنها نَفَسُ الحـ عَيْنَه فالبغيضُ فيه الحبيبُ انظُرِ الحقَّ في الوجود تراه فهو عَيْنُ البعيد وهو القريبُ ليس عيني سواه إن كنتَ تدري أو دعاني إليه فهو المجيبُ إن رآني به فمنّي أراه مخالفتها عين مساعدتها فإنها بها تخالفها فانتقلت منها إليها فما زلت عنها. ثم اعلم أن للنفس غرضين: ذاتيّ وعرضيّ، فالذاتيّ هو جلب المنافع ودفع المضار، والعرضيّ هو ما عرض لها من جانب الشريعة، وقد يكون من جانب الغرض، وقد يكون من جانب ملائمة الطبع، وقد يكون من جانب طلب الكمال، فكلها في الطريق الذي نحن بسبيله غير معتبر إلاَّ جانب الشريعة خاصة فإنها التي وضعت الأسباب الفاضلة التي بفعل ما أمرت بفعله وبترك ما نهت عن فعله وجبت السعادة وحصلت المحبة الإلهية، وكان الحق سمع العبد وبصره، ففصل الشارع لها جميع ما يرضيه منها وما يسخطه من ذلك عليها إن فعلته وما لا سخط فيه ولا رضى، فما كان ممّا يرضي الله فهو إلقاء ملكيّ، وفي حق النبيّ إلقاء ملكيّ وإلهيّ، وليس للإلقاء الإلهيّ مدخل في الأولياء الأتباع جملة واحدة أعني في الأحكام بتحليل أو تحريم، وما كان ممّا يسخط الله فهو إلقاء شيطانيّ لا ناريّ، فمن الجنّ من يلقي الخير في قلوب الصالحين لهم بهم تلبس عظيم وامتزاج ومحبة، فما كان ممّا يلقي الشيطان فهو ملذوذ للنفس ومحبب لها ومزيّن في عينها في الوقت مر العاقبة في المآل، وإلقاء الملك قد يكون مراً في الوقت لكنه ملذوذ في المآل، وكلتا الحالتين لا تقتضيهما النفس من ذاتها، فلا ينبغي للعاقل أن يساعد النفس فيما تتعلق به من الأمور التي تأمره بها مما يقع له فيها غرض، إما عرضيّ أو ذاتي، إلاَّ المؤمن والعارف، فالمؤمن يساعدها في الغرض الذاتي وهو كل ما تأمره به من ٢٩٤ في المعاملات/ الباب الرابع عشر ومائة في معرفة الحسد والغبط المباح خاصة، ومن ملذوذات الطاعات، وأما العارف الذي الحق سمعه وقواه فيساعدها في جميع أغراضها فإنه نور كله والنور ما لا ظلمة فيه، ولذلك كان ◌َّلو يقول في دعائه: ((واجْعَلْنِي نُورًا)) لأن النفس ما ينسب إليها ذمّ إلاَّ بعد تصريفها آلتها في المذموم وهو الظلمة فيقال: قد اغتاب الغيبة المحرّمة عليه، وقد كذب الكذب المحرّم عليه، وقد نظر النظر المحرم عليه، وما لم يظهر الفعل على الآلات لم يتعلق بها ذمّ، والعارف قد وقع الإخبار الإلهيّ عنه بأن الحق جميع قواه فذكر الآلات، فلهذا أبحنا للعارف مساعدة النفس لما هو عليه من العصمة في ظاهره الذي هو الحفظ . الباب الرابع عشر ومائة في معرفة الحسد والغبط [نظم: مجزوء الرمل] وهوى النَّفْسِ بُعَادُ حَسَدُ القلب حَصَادُ وهو المَلْكُ الجَوادُ عينُه في الجنس تبدو وبهذا القَوْمُ سادوا فأنا أَحْسُدُ مثلي حسَدَ الحقَّ العبادُ ما لنا مثلُ سوانـا ـلت لما كان العنادُ لو دري الناس الذي قـ الحسد وصف جبليّ في الإنس والجان، وكذلك الغضب والغبط والحرص والشره والجبن والبخل، وما كان في الجبلة فمن الحال عدمه إلاَّ أن تنعدم العين الموصوف بها. ولما علم الحق أن إزالتها من هذين الصنفين من الخلق لا يصحّ زوالها عين لها مصارف يصرفها فيها فتكون محمودة إذا صرفت في الوجه الذي أمر الشارع أن تصرف فيه وجوباً أو ندباً، وتكون مذمومة إذا صرفت في خلاف المشروع، وإذا عرفت هذا فلا عناد ولا نزاع، قال ◌َّ: ((زَادَكَ اللَّهُ حِزْصاً وَلا تَعُذْ)) وقال: ((مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ دُنْيَا وَطَالِبُ عِلْم)) فطلب الدنيا قد يكون مذموماً وقد يكون محموداً، وطلب العلم محمود بكل وجه، غير أن المعلومات متفاضلة فبعضها أفضل من بعض وتختلف باختلاف القصد، فإن طلب العلم بالمثال من جهة من قامت بهم لا من حيث أعيانها، وطلب بعضها بطريق التجسّس مذموم، فما ثم على التحقيق ما هو مخلص لأحد الجانبين أين قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [سورة الفلق: الآية ٥] من قوله: ((لاَ حَسدَ إِلاَّ فِ اثْنَتَيْنِ)) وكذلك أين الغضب لله من غضب الإنسان لنفسه من غضبه حمية جاهلية، فجميع ما جبلت النفس عليه لا يزول بالمجاهدة ولا بالرياضة، وإنما تختلف مصارفها فيختلف اللسان عليها بالذمّ والحمد، فإن أخذ بها جهة اليمين فبخل بدينه وحرص على فعل الخير وغضب الله حمد، وإن أخذ بها جهة الشمال فغضب حمية جاهلية وبخل بما فرض عليه الجود به كالزكاة وتعليم العلم ذمّ حقاً وخلقاً، وعلم هذا الباب فيه راحة عظيمة ومنفعة للناس وهم عنها غافلون. انتهى الجزء الثامن والتسعون . ٢٩٥ في المعاملات / الباب الخامس عشر ومائة في معرفة الغيبة ومحمودها ومذمومها (الجزء التاسع والتسعون) بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَدِ الباب الخامس عشر ومائة في معرفة الغيبة ومحمودها ومذمومها [نظم: المتقارب] إلى منزل الجوعِ والمَرْحَمَةْ إذا نزلَ الحقُّ من عِزْهِ فإن به تَخصلُ المَكْرُمَة فخذه على حدِّ ما قاله فتحصَلُ في موقف المَخْدَمَهْ ولا تُلْقيَنْهُ على جاهلٍ بما لم يَقُلْ وهي المَشْأَمَهُ فغيَّبَكَ الحقُّ في ذكره إذا قاله قائلٌ قال مَهْ وإن كان حقاً ولكنه اعلم فهمك الله ما أسمعك أن الغيبة ذكر الغائب بما لو سمعه ساءه وهي حرام على المؤمنين، فالحق لا يغتاب لأنه السميع البصير في نفس الأمر، وعند العلماء به، وقد أبان لعباده ما يكرهه منهم وما يحمده ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم ◌َن كَفَرَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] فلا يغتاب أيضاً اسم فاعل واسم مفعول، فالغيبة حرام على المكلفين فيما بينهم، ويجتنبها أهل المروءات من غير المؤمنين نزاهة وشرف نفس لأن اجتنابها يدل على كرم الأصول إلاَّ في مواطن مخصوصة فإنها واجبة وقربة إلى الله، وأهل الورع من المؤمنين يعرّضون بها ولا يصرحون، فمن ذلك في طريق الجرح الذي يعرفه المحدثون في رواة الأحكام المشروعة روينا عن بعض العلماء بالله أنه كان يقول في ذلك لصاحبه: تعال نغتب في الله، ومنها عند المشورة في النكاح فإنه مؤتمن والنصيحة واجبة، ومنها الغيبة المرسلة وهو أن يغتاب أهل زمانه من غير تعيين شخص بعينه، ومنها غيبة المشايخ المريدين في حال التربية إذا كان فيها صلاح المريد إذا وصل ذلك إليه، ومع كون الغيبة محمودة في هذه المواطن فعدم التعيين فيها أولى من التعيين، فإن النبيّ وَّه يقول: ((لا غَيْبَةَ فِي فَاسِقٍ)) نهياً لا نفياً، على هذا أخذ أهل الورع هذا الخبر وطريق التعريض هين المأخذ، وما عدا أمثال هذه المواطن فهي مذمومة يجب اجتنابها، ومن هذا الباب تجريح الشهود إذا عرف المشهود عليه أنهم شهدوا بالزور فوجب عليه نصرة الحق وأهله وخذلان الباطل وأهله، ومن هنا يتبين لك أن العدم هو الشر، فإن شهداء الزور مالوا إلى جانب العدم ورجحوه على الوجود ووصفوا بالكون ما ليس بكائن، وجعله الله على لسان رسوله من الكبائر لأنه ما مدلول قولهم إلاَّ العدم، ومع هذا كله إن استطاع من هو من أهل طريق الله التعريض لا التصريح حتى يفهم عنه ما يريد إذا علم أن في ذلك منفعة دينية فليفعل فهو أولى، ويحصل الغرض ويكون اللسان قد وفى ما تعين عليه من غير فحش في المنطق، وهذا كله ما دام يسمى مؤمناً. ٢٩٦ في المعاملات/ الباب الخامس عشر ومائة في معرفة الغيبة ومحمودها ومذمومها وأما إن كان هذا الشخص في مقام من كان الحق سمعه وبصره ولسانه فحاله غير حال المؤمن مع أنه من أهل الإيمان. واعلم أن الله تعالى ما خلق داء إلاَّ وخلق له دواء، والأدوية على نوعين: دواء العامة وهو الذي يقدر عليه كل أحد والدواء الآخر دواء ملكي وهو الذي لا يقدر عليه إلا الملوك والأغنياء لنفاسته وغلو ثمنه، فلا يقدر عليه إلاّ المتمكن من المال والسلطان، وهكذا قسم الأدوية أهل الطب وصادقوا الحق في ذلك، فأما الدواء العام النافع الداخل تحت قدرة كل أحد من غنيّ وفقير وسوقة وملوك من داء جميع الذنوب والمعاصي فهو التوبة وإرضاء الخصوم من شروطها مما يقدر عليه من ذلك، وعينه عليه الشارع إذ كان ذلك الداء ممّا ينبغي أن يرضى فيه الخصوم، وإذا كان مما لا ينبغي فيتوب ولا يرضى خصمه، فإنه إن أرضاه قد يقع في محظور أشدّ ممّا كان قد تاب عنه فلا يغفل عنه. وأما الدواء الملكي فلا يستعمله إلاَّ العارفون السادة من رجال الله وهم الذين يكون الحق سمعهم وبصرهم ولسانهم وهو قوله عقيب قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَّعْضُكُمْ بَعْضَأَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهِتُمُوهُ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٢] هذا خطاب عام ثم قال: ﴿ وَّقُواْ اللَّهُ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٢] هذا هو الدواء، ومعناه اتخذوه وقاية بينكم وبين هذه الأمور المذمومة التي الغيبة منها، فإذا اتخذتموه جنة تعاورت هذه الجنة سهام هذه الأفعال وهي قوية لا تنفذها هذه السهام فيكون المتقي بها في حمايتها، ولا يكون الحق وقاية للعبد حتى يتلبس به البعيد كما يتلبس المتوقي بالجنن من الدرع الحصينة وغيرها، وصورة تلبسه أن يكون الحق سمعه ولسانه وجميع قواه وجوارحه في حال تصرّفها فيما هي له فيكون نوراً كله، فنبّه الله في كتابه على هذه الأدواء الملكية السلطانية مثل قوله تعالى: ﴿فَلْتَمَهَا لُجُورَهَا﴾ والغيبة من الفجور ﴿وَتَقْوَنهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] أي الذي يتخذه وقاية من هذا الفجور، ولم يجعل الفجور من أوصافها وإنما جعله مجعولاً فيها من الملهم لها كما أيّد هذا بقوله: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنً﴾ [سورة فاطر: الآية ٨] فما جعل التزيين له بل قال: ﴿زَيَّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ [سورة النمل: الآية ٤] وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [سورة النمل: الآية ٢٤] ولما أضاف التزيين إليه سبحانه قال: ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة النمل: الآية ٤] أي يحارون والحيرة من صفات الأكابر، وصفة الحيرة في مثل هذا أنه الأمر في إيجاده للملهم المزيّن والمجعول فيه الملهم والمزيّن له مأمور باجتنابه وهو الاتصاف بما ألهم له وما زيّن من قبل أن يظهر بالفعل فهو مذموم غير مؤاخذيه حتى يتلبس به في الظاهر. ثم قال في أمور من هذا الباب: ﴿رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٠] وهو البعيد من الرحمة: ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾ أي وكونوا مع الاسم القريب من الرحمة. ومن أسمائه سبحانه البعيد، فمن اتخذ الحمق جنة ووقاية كما أمر لم تضرّه هذه الأشياء فإنّ الله تعالى ما نبّهه على استعمال هذه الأدواء إلاَّ لإقامة العذر منه إذا سئل عن مثل هذا، والمؤمن غيب خلف جنته فهو في حمى فلا يخرج عن حماه، والفاسق الذي لا غيبة فيه ليس بغائب خلف جنته بل هو خارج عنها لأن الفسوق الخروج فقال: لا غيبة في فاسق، فمن أخرج غيباً ٢٩٧ في المعاملات / الباب السادس عشر ومائة في معرفة القناعة وأسرارها يستحق أن يكون غيباً إلى شهادة فقد أخطأ ولهذا أضاف الغيبة إلينا فقال: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٢] فجعلنا نشأة واحدة ذات أبعاض، فإن الجزء والتفصيل إنما يرد على الكل، فما خرجنا عنا ولا وقعنا إلاَّ فينا فشدّد الأمر علينا في ذلك، فإن القاتل نفسه حرمت عليه الجنة وهي الساترة فإن الشيء لا يستتر عن نفسه، وكل من ذكر غائباً فقد صيّره شهادة وغربه عن موطنه وموت الغريب شهادة، فالمغتاب فاعل خير في حق من اغتابه، وإن كان يكره ذلك ففيه منفعة كشارب الدواء الكره ﴿ وَعَسَّ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١٦] وإذا كان فاعل خير من غير قصد فهو ممّن أجرى الله الخير لزيد على يديه فيكون جزاؤه جزاء من وفق لعمل خير من غير قصد في حق من اغتابه لكن ذلك مقصود لمن ألهمه إياه وسمّاه فجوراً في حقّه، فيصلح الله يوم القيامة بين عباده لما يراه المظلوم من الخير الواصل إليه على يدي أخيه فيشكره على ذلك فيسعدان جميعاً. وفي الخبر الصحيح: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَضْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بَيْنَ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) فالغيبة وإن كانت مذمومة فهي من ذلك الوجه محمودة في حق من اغتيب، فمآل ذلك إلى الخير، إذ كانت الجنة والوقاية الحائلة بينهما الحق والحق والغيبة وجود ما هي عدم، فوقع التناسب بين الموجودين، فاندرج الأضعف في الأقوى فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس عشر ومائة في معرفة القناعة وأسرارها [نظم: البسيط] إن كنتَ ذاك الذي يُرْجَى لخدمتهِ إن القناعةَ بابٌ أنت داخِلُهُ من الطبيعة لا تقنَعْ بنعمتهِ فاقنَعْ بما أعطتِ الأيامُ من نِعَم لم يأكلِ الشخصُ منه غيرَ لُقْمتِهِ لو كان عندك مالُ الخلق كلْهِمَّ ليست القناعة عندنا الاكتفاء بالموجود من غير طلب المزيد، أرسل الله تعالى على أيوب وهو نبيّ مكرّم قيل فيه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ أَوَّابُ﴾ [سورة ص: الآية ٣٠] وأثنى عليه بالصبر مع دعائه ربه في كشف الضرّ عنه فأزاله، فلما أرسل عليه رجلاً من جراد من ذهب فأخذ يجمعه في ثوبه فقال له ربه: ألم أكن أغنيتك عن هذا؟ فقال: يا رب لا غنى بي عن خيرك، فإن كان فعل هذا لما هو عليه ظاهر الحال فهو ما أردنا، وإن كان ليقتدي به في ذلك فما فعل إلاَّ ما هو أولى بالقربة إلى الله من تركه، وهو من الذين هدى الله وأمر الله نبيه وَلَه بالاقتداء بهداهم وقال لنا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] والقناعة عندنا على بابها في اللسان وهي المسألة، والقانع السائل، والسؤال من الله لا من غيره، يقال: قنع يقنع قنوعاً إذا سأل وهو الذي رفع سؤاله إلى الله وهو قوله في الظالمين يوم القيامة: ﴿مُقْنِعِ رُءُوسِهِمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤٣] أي رافعين إلى الله يسألونه المغفرة عن جرائمهم، ويجتمع الحدّان في أمر وهو أن السائلين الله قنعوا به في سؤالهم والتجائهم إليه فلم ٢٩٨ في المعاملات / الباب السابع عشر ومائة في مقام الشره والحرص في الزيادة على الاكتفاء يسألوا غيره تعالى، فهذا معنى قول الأكابر الاكتفاء بالموجود وهو الله بالسؤال عن طلب المزيد وهو أن يتعدّى بالسؤال إلى غيره، والخلق عيال الله أي الفقراء إلى الله، فمن سأل غير الله فليس بقانع ويخاف عليه من الحرمان والخسران، فإن السائل موصوف بالركون لمن سأله والله يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوْاْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ﴾ [سورة هود: الآية ١١٣] ومن ركن إلى جنسه فقد ركن إلى ظالم فإن الله يقول في الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] لحمله الأمانة وما من أحد من الناس إلاّ حملها، فلا تركن إلى غير الله واكتف بالله في سؤالك تسعد إن شاء الله . وللقناعة درجات عند العارفين من أهل الأنس والوصال وهي ستمائة واثنتان وخمسون درجة، ودرجاتها عند العارفين من أهل الأدب والوقوف مائتان وسبع وخمسون درجة ودرجاتها عند الملامية من أهل الأنس والوصال ستمائة وإحدى وعشرون درجة، ودرجاتها عند الملامتية من أهل الأدب والوقوف مائتان وست وعشرون درجة، وللقناعة الدعوى ولها نسبتان : نسبة إلى عالم الجبروت، ونسبة إلى عالم الملكوت، وليس لها إلى عالم الملك نسبة ظاهرة بل لها نسبة باطنة إلى عالم الملك يظهر ذلك القنوع، وهذا القدر كاف فيها والله الموفق. الباب السابع عشر ومائة في مقام الشره والحرص في الزيادة على الاكتفاء [نظم: البسيط] واشْرَهُ فإنك مجبولٌ على الشَّرَهِ لا تَقْنَعَنَّ بشيء دونه أبداً فليس نائمُها عنها كمُنْتَبِهِ واحرصْ على طلب العَلْياءِ تَخْظَ بها وليس مالُ حَرَامِ مثلَ مُشْتَبِهِ إن الحلالَ حلالٌ ما وثقْتَ به اعلم أيّدك الله أن هاتين الصفتين مجبول عليهما الإنسان بما هو إنسان، وكل ما هو الإنسان مجبول عليه فمن المحال زواله، فهو مقام لا حال فإنه ثابت، ويتطرق إليه الذم من جهة متعلقه إذا كان مذموماً شرعاً وعقلاً، قال تعالى: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٩٦] وقال وَ لَّ: ((زَادَكَ اللَّهُ حِزْصاً ولا تَعُذْ)) فالآية موجهة لطرفي الحمد والذم لولا الضمير الذي في قوله: ﴿وَلَنَجِدَنَّهُمْ﴾ فإنه يعود على قوم مذمومين، وقرينة الحال تدل على أن مساقه الحرص فيها على الذم تكذيباً لهم فيما ادعوه من أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. فمن نظر في الحرص هنا الدلالة على كذبهم كان محموداً فيهم لأنه دليل إلهيّ على كذبهم، فهو من جانب الحق فيهم عليهم حجة الله ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] والمذموم هو المذموم من كل وجه من حيث ما هو فيهم لا من حيث دلالته عليهم، وكان متعلقه ما يفنى وتكذيب الصادق كان مذموماً. وأما في الخبر الذي أوردناه فهو محمود لأنه حرص على أداء عبادة مفروضة، ثم إنه مع هذا فإنهما صفتان من صفات العالم الوارث المكمل الذي هو سائس أمّة فهو ينظر فيما فيه ٢٩٩ في المعاملات/ الباب السابع عشر ومائة في مقام الشره والحرص في الزيادة على الاكتفاء صلاحهم كما قال في نبيه وَّ يمدحه به ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨] فمدحه بالحرص على ما تسعد به أمته، وشرهه وحرصه على إسلام عمّه أبي طالب إلى أن قال له: ((قلها في أذني حتى أشهد لك بها»، لعلمه بأن شهادته مقبولة وكلامه مسموع، فيعرف الكامل نائب الله في عباده نوائب الزمان المستأنفة فيستعدّ لها عن الأمر الذي كان له منه الاطلاع على منازلتها، فيتخيل من لا علم له أنه سعى في حق نفسه وليس الأمر كذلك وهو كذلك، فإنه يباهي الأمم بالأتباع من أمته فكان يطلب الكثرة من المؤمنين، ولكن لا بدّ لهذا الشره من وجود الشرطين: الاطلاع والأمر الإلهي وهو الشرط الأعظم. وأما الاطلاع وإن اشترط فهو شرط ضعيف فإنه لا يشترط إلاَّ لمن ادّعى أنه يدخر في حق الغير، ثم يتناول من ذلك المدخر في حق نفسه فيقال له: هل أطلعك الله على من له هذا المدخر عندك؟ وهل اطلعت على أنه لا يصل إليهم إلاَّ على يدك؟ فإن قال: نعم سلم له الإدخار. وإن قال: لا قيل له: فحرصك ما قام على أصل مقطوع بصحته فدخله الخلل. فإن قيل: فقد قالت طائفة: من صحّ توكله في نفسه صحّ توكله في غيره. قلنا: هذا صحيح وهذا لا يناقض حال هذا الحريص على الكسب والادخار والمزاحمة لأبناء الدنيا الذين لا توكل لهم على ذلك، فإن التوكل أمر باطن وهو الاعتماد على الله، وهذا المدخر إن كان اعتماده على ما ادخره فهذا يناقض التوكل، وإن لم يعتمد عليه فليس يناقض، لكن يناقض التجريد الظاهر وقطع الأسباب، وليس هذا من أحوال المكملين، وإنما هو من أحوال السالكين ليكون لهم ما اتخذوه عقداً ذوقاً، فإن الذوق أتم في التمكن فإنه يزيل الاضطراب في حال عدم السبب الذي من عادة النفس أن تسكن إليه، وسيرد تحقيق هذا في مقام التوكل بعد هذا إن شاء الله. ولهذا الشره والحرص من الدرجات عند العارفين سواء كانوا من أهل الأدب والوقوف أو من أهل الأنس والوصال ثمانمائة وخمس وستون درجة، وعند الملامتية سواء كان الملامي من أهل الأنس والوصال أو من أهل الأدب والوقوف ثمانمائة درجة وثلاث درجات، فإن كان العارفون من أهل الأسرار فلهم من الدرجات ألف وخمسمائة وخمس وثلاثون درجة، وإن كانوا من أهل الأنوار فلهم ثمانمائة درجة وخمس وستون درجة، وإن كان الملامية من أهل الأسرار فلهم ألف وأربعمائة وثلاث وسبعون درجة، وإن كانوا من أهل الأنوار فلهم ثمانمائة وثلاث درجات وهو نعت إلهيّ فإنه يقول: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، وكذلك الحرص نعت إلهيّ أيضاً وهو الذي يقتضيه قول الله لملائكته في المتشاحنين: انظروا هذين حتى يصطلحا، وتسخير الملائكة في حق المؤمنين بالاستغفار والدعاء لهم فهذا من ثمرته، وإن لم يرد الإطلاق اللفظي به فإن هذه الأمور على قسمين: منهما ما ورد إطلاق اللفظ بأسمائها على الجناب الإلهي، ومنها ما وجد منه آثارها ولم يطلق عليه منها اسم، ومنها ما نسب الفعل الذي يكون منها إليه ولم يطلق عليه منه اسماً، ومنه ما أطلق عليه منه اسماً في جماعة بحكم التضمين، فمثل ما نسب إليه الفعل ولم يطلق الاسم قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥] وقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٩] ومثل ما نسب إليه الفعل وأطلق عليه الاسم ٣٠٠ في المعاملات / الباب الثامن عشر ومائة في مقام التوكل في جماعة بحكم التضمين قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [ سورة آل عمران: الآية ٥٤] ومثل ما أطلق عليه منه اسم قوله: ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١٤٢] ومثل ما وجد منه آثارها ولم يطلق عليه منها اسم ولا فعل قوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٨]. الباب الثامن عشر ومائة في مقام التوكل [نظم : الكامل] سَلَكَ الصراطَ وكَانَ أَقْوَمَ قِيلاً من يتَّخِذْ ربَّ العباد وكيلا عبد الإله يُقَارِنُ التَّنْزِيلاً إن الذي فيه يوكُلُ ربَّهُ لا تشَّخِذْ غيرَ الإله وكيلاً يا طالباً ما ليس يُعْلَمُ ماله التوكل اعتماد القلب على الله تعالى مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم التي من شأن النفوس أن تركن إليها، فإن اضطرب فليس بمتوكل وهو من صفات المؤمنين فما ظنك بالعلماء من المؤمنين؟ وإن كان التوكل لا يكون للعالم إلاَّ من كونه مؤمناً كما قيده الله به وما قيده سدى، فلو كان من صفات العلماء ويقتضيه العلم النظري ما قيده بالإيمان فلا يقع في التوكل مشاركة من غير المؤمن بأي شريعة كان، وسبب ذلك أن الله تعالى لا يجب عليه شيء عقلاً إلاَّ ما أوجبه على نفسه، فيقبله بصفة الإيمان لا بصفة العلم فإنه ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] فلما ضمن ما ضمن وأخبر بأنه يفعل أحد الممكنين اعتمدنا عليه في ذلك على التعيين وصدقناه لأنه بالدليل والعلم النظري فعلم صدقه فسكوننا وعدم اضطرابنا عند فقد الأسباب إنما هو من إيماننا بضمانه، فلو بقينا مع العلم اضطربنا، فالعالم إذا سكن، فمن كونه مؤمناً وكونه مؤمناً من كونه عالماً بصدق الضامن وتحقيق الوكالة من يستحقها هل الله أو هل العالم أو هل الله منها نصيب وللعالم نصيب، فاعلم أن الوكالة لا تصحّ إلاَّ في موكل فيه، وذلك الموكل فيه أمر يكون للموكل ليس لغيره فيقيم فيه وكيلاً ويتصرّف فيما للموكل أن يتصرّف فيه مطلقاً، فمن نظر أن الأشياء ما عدا الإنسان خلقت من أجل الإنسان كان كل شيء له فيه مصلحة يطلبها بذاته ملكاً له، ولما جهل مصالح نفسه ومصالحه ما فيها سعادته خاف من سوء التصرف في ذلك، وقد ورد فيما أوحى الله لموسى: يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فقال: إذ وقد خلق الأشياء من أجلي فما خلق إلاَّ ما يصلح لي وأنا جاهل بالمصلحة التي في استعمالها نجاتي وسعادتي فلأوكله في أموري فهو أعلم بما يصلح لي، فكما أنه خلقها هو أولى بالتصرف فيها، هذا يقتضيه نظري وعقلي من غير أن يقترن بذلك أمر إلهي، فكيف وقد ورد به الأمر الإلهي فقال: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَتَّخِذْهُ وَّكِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٩] نبّه بهذا الأمر أنه لا ينبغي الوكالة إلاّ لمن هو إله لأنه عالم بالمصالح إذ هو خالقها كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيْرُ﴾ [سورة الملك: الآية ١٤] فاتخذه المؤمن العالم وكيلاً وسلم إليه أموره وجعل زمامها بيده كما هو في