Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ في المعاملات / الباب السادس والسبعون في المجاهدة من النفوس الناطقة المؤمنة، فنفوس المؤمنين الناطقة هي البائعة المالكة لهذه النفوس الحيوانية التي اشتراها الحق منها لأنها التي يحل بها القتل، وليست هذه النفوس بمحل للإيمان وإنما الموصوف بالإيمان النفوس الناطقة، ومنها اشترى الحق نفوس الأجسام فقال: ﴿أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهي النفوس الناطقة الموصوفة بالإيمان ﴿أَنفُسَهُمْ﴾ التي هي مراكبهم الحسية وهي الخارجة للقتال بهم والجهاد، فالمؤمن لا نفس له فليس له في الشفقة عليها إلا الشفقة الذاتية التي في النفس الناطقة على كل حيوان. وأما المجاهدون الذين لم يقيدهم الله بصفة معينة لا في سبيل الله ولا فيه ولا بحق جهاد فهم المجاهدون بالله الذي ليس من صفته التقييد، فجهاده في كل شيء وهو الجهاد العام، ونسبة الجهاد إليه فيه الذي هو المشقة لكونه سمّاه مجاهداً ولم يقيد فيماذا يجاهد فهو حكم القضاء والقدر في الأشياء التي يحصل منه الكره في المقضي عليه بما قضى به عليه، والحق لا يريد مساءته لما له بهذا العبد من العناية فقال في هذا المقام: ما تردّدت في شيء أنا فاعله تردّدي في قبض نسمة عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بدّ له من لقائي، يقول: ولا بدّ له من الموت لما سبق به العلم فيقبضه عن مجاهدة مطلقة غير مقيدة بأذى ولا غيره، ولكن تنبيهه تعالى بالتردد دليل على حكم مناسب حكم المجاهدة فإنه ما جاء به إلاَّ ليقيدنا العلم بالأمر على ما هو عليه فإنه سبحانه المعلم عباده العلم وهو قوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ [سورة القصص: الآية ٨٠] وهو الذي أعطاهم العلم من اسمه الرحمن الذي قال فيه: ﴿عَلَّم اُلْإِنْسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: الآية ٥]. فالمجاهدون من العباد الذين لا يتقيدون كما أطلقهم الله هم المتردّدون في الأفعال الصادرة أعيانها فيهم هل ينسبونها إلى الله؟ ففيها ما لا ينبغي أن ينسب إليه أدباً وتبرأ الحق منها كما قال: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ١] أو ينسبونها لأنفسهم، ففيها ما ينبغي أن ينسب إلى الله أدباً مع الله ونسبة حقيقية ورأوا الله يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ فنفى وأثبت عين ما نفى. ثم قال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فجعل الإثبات بين نفيين، فكان أقوى من الإثبات لما له من الإحاطة بالمثبت، ثم قال: ﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] في نفس هذه الآية، فعلمنا أن الله حيّر المؤمنين وهو ابتلاؤه بما ذكر من نفيٍ الرمي وإثباته وجعله بلاء حسناً أي إن نفاه العبد عنه أصاب وإن أثبته له أصاب، وما بقي إلاّ أيّ الإصابتين أولى بالعبد وإن كان كله حسناً وهذا موضع الحيرة ولذلك سمّاه بلاء أي موضع اختبار، فمن أصاب الحق وهو مراد الله أي الإصابتين أو أي الحكمين أراد حكم النفي أو حكم الإثبات كان أعظم عند الله من الذي لا يصيب ذلك، فهؤلاء هم المجاهدون الذين فضلهم الله ﴿عَلَى اُلْفَعِدِينَ﴾ عن هذا النظر ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٩٥] وما عظم الله فلا يقدر قدره ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٦] وما جعلها درجة واحدة كما قال في المجاهدين في سبيل الله حيث جعل لهم درجة واحدة ثم زادهم ما ذكر في تمام الآية فهذان صنفان قد ذكرنا. وأما الصنف الثالث وهم الذين ﴿ وَجَلِهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ،ْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] ٢٢٢ في المعاملات / الباب السادس والسبعون في المجاهدة فالهاء من جهاده تعود على الله أي يتصفون بالجهاد أي في حال جهاده صفة الحق كما ذكرنا في التردّد الإلهي أي لا يرون مجاهداً إلاَّ الله، وذلك لأن الجهاد وقع فيه، ولا يعلم أحد كيف الجهاد في الله إلاَّ الله، فإذا ردّوا ذلك إلى الله وهو قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ فنسب الجهاد إليه بإضافة الضمير فكان هو المجاهد لا هم، وإن كانوا محل ظهور الآثار فهم المجاهدون لا مجاهدون، قال الله لموسى: ((يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ الشُّكْرِ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ النِّعْمَةَ مِنِّي فَقَدْ شَكَرْتَنِي حَقَّ الشَّكْرِ)) وهذا الحديث خرجه ابن ماجه في سننه، فكل عمل أضفته إلى الله عن ذوق وكشف ومشاهدة لا عن اعتقاد وحال بل عن مقام وعلم صحيح فقد أعطيت ذلك العمل حقّه حيث رأيته تمن هو له، فحيث ما وقع لك مثل هذا فشرحه ما شرحه بل الله على لسان رسوله فبلغه إلينا وهي طريقة موصلة إلى الله سهلة لينة قريبة المأخذ مستوية ﴿لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [سورة طه: الآية ١٠٧] والصنف الرابع: هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَّدِيَنَّهُمْ سُبُلَا﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٦٩] الذين قلنا لهم فيها: ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣] يعني السبيل التي لكم فيها السعادة، وإلاَّ فالسبل كلها إليه لأن الله منتهى كل سبيل فإليه يرجع الأمر كله، ولكن ما كل من رجع إليه سعد، فسبيل السعادة هي المشروعة لا غير، وإنما جميع السبل فغايتها كلها إلى الله أولاً ثم يتولاها الرحمن آخراً، ويبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه. وهذه مسألة عجيبة المكاشف لها قليل والمؤمن بها أقل. ولما كان سبب الجهاد أفعالاً تصدر من الذين أمرنا بقتالهم وجهادهم وتلك الأفعال أفعال الله فما جاهدنا إلاَّ فيه لا في العدو، وإذ لم يكن عدواً إلاَّ بها، فإذا جاهدنا فيه وتبين لنا بقوله: إذا جاهدنا فيه أن يهدينا سبله أي يبين لنا سبلها فندخلها فلا نرى إذا جاهدنا غيراً فاستغفرنا الله ممّا وقع منا، وكان من السبل مشاهدة ما وقع منا أنه الموقع لا نحن، فاستغفرنا الله أي طلبنا منه أن لا نكون محلاً لظهور عمل قد وصف نفسه بالكراهة فيه، فقد ثبت أنه ما في الوجود إلا الله فما جاهد فيه سواه، ولولا ما هدانا سبله ما عرفنا ذلك ولذلك تمّم الآية بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٦٩] والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإذا رأیته علمت أن الجهاد إنما كان منه وفيه. فهذا قد أعربت لك عن أحوال أهل المجاهدات وهم المجاهدون، والكلام يطول في تفاصيل هذا الباب والكتاب كبير، فإن استقصينا إيراد ما يطلبه منا كل باب لا يفي العمر بكتابته، فإذاً ولا بدّ من الاقتصار، فلنقتصر على ما يجري من كل باب مجرى الأمهات لا غير، وكل أمّ مثل حوّاء مع بني آدم فإنهم بنوها كلهم، فلو أعطانا الله الكتابة الإلهية أبرزنا جميع ما يحويه هذا الكتاب على الاستيفاء في ورقة صغيرة واحدة كما خرج رسول الله مّر بكتابين في يده بالكتاب الإلهي الذي ليس لمخلوق فيه تعمل، وأخبر أن في الكتاب الذي في يمينه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم من أول خلقهم إلى يوم القيامة، والكتاب الآخر مثله في أسماء أهل الشقاء، ولو كان ذلك بالكتاب المعهود ما وسع ورقه المدينة، فمثل ذلك لو وقع لنا ٢٢٣ في المعاملات / الباب السابع والسبعون في ترك المجاهدة أظهرناه في اللحظة، وقد رأينا تلك الكتاب وهي كالجنة في عرض الحائط والنار وكصورة السماء في المرآة، فلنذكر ما لهذه الصفة التي هي المجاهدة من المقامات التي هي مراتبها ومنازلها الذين ينزلها أهلها وهم الملامية وهم قسمان: أهل أدب بوقوف عند حدّ، وأهل أنس ووصال، وكذلك ما للعارفين من هذا الباب وهم قسمان: أهل أدب ووقوف عند حدّ، وأهل أنس ووصال وهذا سار في كل مقام، فالذي للملامية منه من الصنف الذي له أدب الوقوف عند الحدود فثلاث وخمسون درجة، وإنما عدلنا إلى ذكر الدرجات لما سمعنا الله يقول بالدرجات في فضلهم فاتبعنا ما قال الله فهو أولى بنا، والتي للملامية أهل الأنس والوصال من الدرجات في هذا الباب أربعمائة درجة وثلاث وخمسون، وأما درجات العارفين أهل الأنس والوصال فلهم أربعمائة درجة وأربع وثمانون درجة، وأما الذي لأهل الأدب والوقوف عند الحدود من العارفين فتسع وثمانون درجة تسعون إلاَّ واحدة بينه وبين درجات الأسماء الإلهية عشرة. الباب السابع والسبعون في ترك المجاهدة [نظم: الخفيف] هو عينُ الذي تجاهِدُ فيهِ لا تجاهِذْ فإنَّ عينَ المُنازِعْ أيُّ عقلٍ يرضاه أو يصطفيهِ وإذا كان واحداً من تناوي فتراه بالعلم أو تنفيهِ هل لعينِ الشريك عينُ وجودٍ كيف يُنْفَى من كان في الأصل نفياً وهو نفيّ والنفيُ يَسْتَوْفيهِ لما اطلع المجاهد فيه وفي سبيله وفي الله وفي سبيل الله على السبل التي هداه الله إليها فبانت عنده فرأى أنه ما جاهد غير الله فاستحيى لأجل هذا المشهد فترك الجهاد لاقتضاء الموطن وهو المجاهد تعالى وما هو ممّن يتصف بالمشقة فإنه يقول فيما هو أعظم من هذا: ﴿وَمَا مَسَنَا مِنْ لُّنُوبٍ﴾ [سورة ق: الآية ٣٨] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم: الآية ٢٧] وليس هذا الهين عن صعوبة في الابتداء، ولهذا القول بالمفهوم ضعيف في الدلالة لأنه لا يكون حقاً في كل موضع ونسب ذلك إلى الله كما شاهده كما ترك رسول الله ( تعظيم عزّة الله إذا اتصف بها أحد من عباد الله مثل قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ أَن ◌َّهُ اُلْأَعْمَى﴾ [سورة عبس: الآية ١ - ٢] فإنه وَّ كان يحب الفأل الحسن، وبعثه بدعوة الحق وإظهار الآيات إنما يظهرها لمن يتصف بأنه يرى، فلما جاءه الأعمى قام له حقيقة من بعث إليهم وهم أهل الأبصار فأعرض وتولى لأنه ما بعث لمثل هذا، فهذا كان نظره وَ لّ وما عتبه سبحانه فيما علمه وإنما عتبه جبراً لقلب ابن أم مكتوم وأمثاله لأنهم غائبون عن الذي يشهده وَ ل وأمره أن يحبس نفسه معهم فقال له: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٨] وكان خباب بن الأرت وبلال وغيرهم من الأعبد والفقراء لما تكبر كبراء قريش وأهل الجاهلية عن أن يجمعهم عند رسول الله وَلّر مجلس واحد وأجابهم إلى ٢٢٤ في المعاملات/ الباب السابع والسبعون في ترك المجاهدة ذلك رسول الله # فيقول لسان الظاهر: إن النبيّ وَّ و كان يفعل لهم ذلك ليتألفهم عمى الإسلام لأن واحداً منهم كان إذا أسلم أسلم لإسلامه بشر كثير لكونه مطاعاً في قومه، ويترجم عن هذا المقام لسان الحقيقة أن النبيّ ◌َّ# لم يشاهد سوى الحق، فأينما يرى الصفة التي تنبغي إلاَّ الله عظمها ولم يشاهد معها سواها وقام لها ووفاها حقها مثل العزّة والكبرياء والغنى فقال له ربه: ﴿أَنَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [سورة عبس: الآية ٥] فنبهه ببنية الاستغفال ﴿فَنْتَ لَمُ تَصَدَّى﴾ [سورة عبس: الآية ٦] وقد علم أنه لمن تصدّى محمد وَ ل* يقول له: وإن كنت تعظم صفتي حيث تراها الغلبة شهودك إياي فقد أمرتك أن لا تشاهدها مقيدة في المحدثين وهو قوله عليه السلام: ((إِنّ اللَّهَ أَدَّبَنِي فَأَحْسَنَ أَدَبِي)) وهذا من ذلك التأديب. وكان رسول الله ◌َ﴿ إذا رأى هؤلاء الأعبد يقول: مرحباً بمن عاتبني فيهم ربي، فكلم جلسوا عنده جلس لجلوسهم لا يمكن لهم أن يقوم ولا ينصرف حتى يكونوا هم الذين ينصرفون، فإن الله قال له: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٨] ولما علموا ذلك منه وأنه عليه السلام قد تعرض له أمور يحتاج إلى التصرّف فيها فكانوا يخففون فلا يلبثون عنده إلاَّ قليلاً وينصرفون حتى ينصرف النبيّ وَل# لأشغاله، فترك ◌َّر ذلك الأمر الذي كان له فيه مشهد صحيح إلهيّ مراعاة لحفظ القلوب المنكسرة، فإن الله عند المنكسرة قلوبهم غيباً يثبته الإيمان وينفيه العيان، وهو عند المتكبرين عيناً يثبته العيان وينفيه الإيمان، فنقل الله نبيه وسيلة من العيان إلى الإيمان وأخبره أن تجليه تعالى في أعيان الأعزاء المتكبرين من زينة الحياة الدنيا فهي زينة الله للحياة الدينا لا لنا، والذي لنا زينة الله من غير تقييد بالحياة الدنيا، وما يلزم من كونه زيناً الزيد أن يكون زيناً لعمرو، فمن الناس من لا شهود له إلاَّ زينة الله، ومن الناس من لا شهود له إلاَّ زينة الحياة الدنيا من حيث ما هي زينة الله لها لا لنا فيشهدها لها وإن لم تكن لنا زينة، ومن الناس من يشهد زينة الشيطان في عمله وأعمال الخلق في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٣٨] فهم الذين أضلهم الله على علم فيشهدها أهل الله زينة الله للشيطان لأنه عمله. ومن الناس من يشهد من زيّن له عمله ولا يدري من زيّنه هل متعلق تلك الزينة الذمّ أو الحمد وهو موضع الشبهة، كمن يرى رجلاً يحب أن يكون نعله حسناً وثوبه حسناً فلا يدري أهو ممّن يحب زينة الحياة الدنيا أو هو ممّن يتجمل الله في قوله: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣١] وقد قال عليه السلام للرجل الذي قال له: إني أحب أن يكون نعلي حسناً وثوبي حسناً ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ)) فوقع لهذا الرجل الاشتباه فلا يدري لمن ينسب تلك الزينة، كمن يسمع شخصاً يقول: الحمد لله رب العالين فلا يدري هل هو تال أو هو ذاكر من غير قصد تلاوة القرآن، لأن اللفظ واحد وهو المشهود والقصد غيب، والأولى أن تحسن الظنّ بمن يتجمل فإنك مندوب إليه، وسوء الظنّ أنت مأمور باجتنابه في حق المسلمين، ولهذا فسّر النبيّ ◌َّ كلامه للرجلين في اعتكافه حين انقلب يشيع صفية: ((إِنّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ)) فما أساء الظنّ إلاَّ بأهله وهو الشيطان، فينبغي لك إذا سمعت من يقول كلمة هي في القرآن كما قلنا فيمن سمع من يقول: ٢٢٥ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون في معرفة الخلوة ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٢] أن تسمعها تلاوة قرآنية وإن لم يقصدها قائلها فإنك تؤجر أجر من سمع القرآن ولا بدّ، وهذا مشهد عزيز قلّ أن ترى له ذائقاً وهو قريب سهل لا كلفة فيه . وأمّا قوله: ﴿أَفَنَ زُيِنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٨] فمن قوله ﴿سُوَءُ عَمَلِهِ،﴾ عرفت من زينه وإن لم يذكره، ومع هذا فالاحتمال لا يرتفع عنه فإن الله يقول في مثل هذا: ﴿زَّا لَمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة النمل: الآية ٤] فجاء بنون الكناية عن نفسه ونسب الحيرة إليهم بهذا التزیین، فمثل هذا إذا لم يبين الله له في كشفه لمن هو هذا التزيين يقبله على مراد الله فيه من غير تعيين فيكون جزاؤه على الله من غير تعيين عندنا، وإن كان معيناً عند الله فإنه عند الله أيضاً لا معين فإنا لم نعينه فهو يعلمه معيناً لا معيناً بنسبتين مختلفتين فافهم ذلك. انتهى الجزء الثاني والتسعون . (الجزء الثالث والتسعون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ الباب الثامن والسبعون في معرفة الخلوة [نظم: الطويل] ولو كان غيري لم يَصُحَّ وجودُهَا خلوتُ بمن أهوَى فلم يكُ غیرُنا فإن نفوسَ الخلق طرّاً عبيدُهَا فإذا أحكمتْ نفسي شروطَ انفرادها لحادث بها جُوداً على من يُجيدُهَا ولو لم يكن في نفسها غيرُ نفسها اعلم وفقنا الله وإياكم أن الخلوة أصلها في الشرع: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلٍ خَيْرٍ مِنْهُ)) فهذا حديث إلهيّ صحيح يتضمن الخلوة والجلوة، وأصل الخلوة من الخلاء الذي وجد فيه العالم: [الرجز] فهي طريقٌ حكمُها حكمُ البَلاَ فمن خلا ولم يَجِدْ فما خلا وقال رسول الله وَّرَ: ((كَانَ اللَّهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ)). وسُئِل رسول الله مَّر: أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: (( كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء)) ثم خلق الخلق وقضى القضية وفرغ من أشياء وهو ﴿كُلَّ يَّوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وسيفرغ من أشياء ثم يعمر المنازل بأهلها إلى الأبد. الخلوة أعلى المقامات وهو المنزل الذي يعمره الإنسان ويملؤه بذاته فلا يسعه معه فيه غيره، فتلك الخلوة ونسبتها إليه، ونسبته إليها نسبة الحق إلى قلب العبد الذي وسعه ولا يدخله، وفيه غير بوجه من الوجوه الكونية فيكون خالياً من الأكوان كلها فيظهر فيه بذاته، ونسبة القلب إلى الحق أن يكون على صورته فلا يسع فيه سواه، وأصل الخلوة في العالم الخلاء الذي ملأه العالم، فأوّل شيء ملأه الهباء وهو جوهر مظلم ملأ الخلاء الفتوحات المكية ج٣ - م١٥ ٢٢٦ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون في معرفة الخلوة بذاته ثم تجلّى له الحق باسمه النور فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة وهو العدم فاتصف بالوجود فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به وكان ظهوره به على صورة الإنسان، وبهذا يسميه أهل الله الإنسان الكبير، وتسمّى مختصره الإنسان الصغير لأنه موجود أودع الله فيه حقائق العالم الكبير كلها، فخرج على صورة العالم مع صغر جرمه، والعالم على صورة الحق، فالإنسان على صورة الحق وهو قوله: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)). ولما كان الأمر على ما قرّرناه لذلك قال تعالى ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] لكن يعلم القليل من الناس، فالإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير، ثم انفتحت في العالم صور الأشكال من الأفلاك والعناصر والمولدات فكان الإنسان آخر مولد في العالم أوجده الله جامعاً لحقائق العالم كله وجعله خليفة فيه فأعطاه قوّة كل صورة موجودة في العالم، فذلك الجوهر الهبائيّ المنصبغ بالنور وهو البسيط، وظهور صور العالم فيه هو الوسيط، والإنسان الكامل هو الوجيز، قال تعالى: ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] ليعلموا أن الإنسان عالم وجيز من العالم يحوي على الآيات التي في العالم فأوّل ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لأن العالم قبله كما قال تعالى: ﴿سَؤُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ آَلَفَاقِ﴾ ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه، فلو رآها أولاً في نفسه ثم رآها في العالم ربما تحيل أن نفسه رأى في العالم فرفع الله عنه هذا الإشكال بأن قدّم له رؤية الآيات في العالم كالذي وقع في الوجود فإنه أقدم من الإنسان، وكيف لا يكون أقدم وهو أبوه؟ فأبانت له رؤية تلك الآيات التي في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك، فالآيات هي الدلالات له على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم، فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة، فإنه ما ثم جملة واحدة، ولهذا تمّم تعالى في التعريف فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ من أعيان العالم ﴿شَهِيدٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] على التجلي فيه والظهور، وليس في قوّة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا أن لا يكون مظهراً وهو المعبر عنه بالإمكان، فلو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات، ثم تمّم وقال: ﴿إِنَّهُ [سورة فصلت: الآية ٥٤] والإحاطة بالشيء تستر ذلك الشيء بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ من العالم ﴿مُحِيطٌ فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشيء، فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره فصار ذلك الشيء وهو العالم في المحيط كالروح للجسم، والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم. ولما كان الحكم للموصوف بالغيب في الظاهر الذي هو الشهادة وكانت أعيان شيئيات العالم على استعدادات في أنفسها حكمت على الظاهر فيها بما تعطيه حقائقها ٢٢٧ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون في معرفة الخلوة فظهرت صورها في المحيط وهو الحق، فقيل: عرش وكرسيّ وأفلاك وأملاك وعناصر ومولدات وأحوال تعرض وما ثم إلاَّ الله، فالحق من كونه محيطاً، كبيت الخلوة لصاحب الخلوة فيطلب صاحب الخلوة فلا يوجد فإن البيت يحجبه فلا يعرف منه إلاّ مكانه ومكانه يدل على مكانته، فقد أعطيتك مرتبة الخلوة التي نريد في هذا الكتاب لا الخلوة المعهودة عند أصحاب الخلوات ودرجاتها ألف وسبع وستون درجة فظهر في الدرجات صورة الوترية، وإذا لم يعمر الخلاء إلاَّ العالم فهو في خلوة بنفسه هذا أصله، ثم إنه لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه، وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوماً ولا بغير ذلك، فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه، فيرى من حيث أثره في المحيط به بالصور التي ظهر بها المحيط نفسه بنفسه، ومن حيث تعدد أعيانه رأى منه به وكانت كل عين مغايرة لصاحبتها، ولذلك اختلفت صور العالم وإن كان واحداً كما اختلفت صورة الإنسان في نفسه، وإن كان الإنسان واحداً فيده ما هي رجله، ورأسه ما هو صدره، وعينه ما هو أذنه ولا لسانه ولا فرجه، وعقله ما هو فكره ولا خياله، فهو متنوع متعدّد العين بالصور المحسوسة والمعنوية، ومع هذا يقال فيه أنه واحد ويصدق ويقال فيه كثير ويصدق . فمن حيث أحديته نقول: رأى نفسه بنفسه، ومن حيث كثرته نقول: رأى بعضه ببعضه، فتكلم بلسانه، وبطش بيده، وسعى برجله، واستنشق بأنفه، وسمع بأذنه، ونظر بعينه، وتخيّل بخياله، وعقل بعقله، فهذا كثير وما ثم إلاَّ هو، فمن حصل له هذا العلم كما قرّرناه كان صاحب خلوة، ومن حرمه فليس بصاحب خلوة، فقد تبين لك أنّ الحق بالعالم والعالم بالحق، فهويته عين المجموع، كما أنّ المجموع هو الإنسان بغيبه وشهادته ونطقه وحيوانيته فهو واحد في الكثرة وكثير في الأحدية، فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين. وأما الخلوة المعروفة المعهودة فليست مقاماً ولا تصح إلاَّ لمحجوب. وأما أهل الكشف فلا تصح لهم خلوة أبداً فإنهم يشاهدون الأرواح العلوية والأرواح النارية ويرون الكائنات ناطقة أكوان ذاته وأكوان بيت خلوته فهو في ملأ كما هو في نفس الأمر، فإذا أخذ الله عن بصره هذه المدركات وفصل بين الحيوان والجماد والملائكة وعالم الصمت من عالم الكلام وعالم السكون من عالم الحركات ويجب أن يخلو بربه حتى لا يشغله عنه نطق كون ولا حركة كون، فمنهم من يطلب الخلوة لمزيد علم بالله من الله لا من نظره وفكره وهذا أتم المقاصد فإنه مأمور بذلك، والعمل على الأمر الإلهي هو غاية كمال العمل والله يقول له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِی عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] فمن تحدّث في خلوته في نفسه مع كون من الأكوان فما هو في خلوة . قال بعضهم لصاحب خلوة: اذكرني عند ربك في خلوتك، فقال له: إذا ذكرتك فلست معه في خلوة. ومن هنا تعرف قوله تعالى: ((أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرنِي)) فإنه لا يذكره حتى يحضر ٢٢٨ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون في معرفة الخلوة المذكور في نفسه إن كان المذكور ذا صورة في اعتقاده أحضره في خياله، وإن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوّة الذاكرة، فإن القوّة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني، والقوّة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس أو ما تركبه القوّة المصوّرة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بدّ من ذلك ليس لها تصرّف إلاَّ به، فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظيّ، فأوّل خلوته الذكر الخياليّ وهو تصوّر لفظة الذكر من كونه مركباً من حروف رقمية ولفظية يمسكها الخيال سمعاً أو رؤية فيذكر بها من غير أن يرتقي إلى الذكر المعنويّ الذي لا صورة له وهو ذكر القلب، ومن الذكر القلبيّ ينقدح له المطلوب والزيادة من العلوم، وبذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له، وأنشأها الحسّ في خياله في نوم ويقظة وغيبة وفناء، فيعلم ما رأى وهو علم التعبير للرؤيا . ومنهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم، وهذا لا يكون إلاَّ للذين يأخذون العلم من أفكارهم، فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية وهو ميزان لطيف أدنى هواء يحرّكه فيخرجه عن الاستقامة فيتخذون الخلوات ويسدون مجاري الأهواء لئلا تؤثر في الميزان حركة تفسد عليهم صحة المطلوب، ومثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل الله وإنما لهم الخلوة بالذكر ليس للفكر عليهم سلطان ولا له فيهم أثر، وأيّ صاحب خلوة استنكحه الفكر في خلوته فليخرج ويعلم أنه لا يراد لها وأنه ليس من أهل العلم الإلهيّ الصحيح، إذ لو أراده الله لعلم الفيض الإلهي لحال بينه وبين الفكر . ومنهم من يأخذ الخلوة لما غلب عليه من وحشة الأنس بالخلق فيجد انقباضاً في نفسه برؤية الخلق حتى أهل بيته، حتى أنه ليجد وحشة الحركة فيطلب السكون فيؤدّيه ذلك إلى اتخاذ الخلوة. ومنهم من يتخذ الخلوة لاستحلاء ما يجد فيها من الالتذاذ، وهذه كلها أمور معلومة لا تعطي مقاماً ولا رتبة، وصاحب الخلوة لا ينتظر وارداً ولا صورة وشهوداً، وإنما يطلب علماً بربه فوقتاً يعطيه ذلك في غير مادّة، ووقتاً يعطيه ذلك في مادة، ويعطيه العلم بمدلول تلك المادّة الخلوة لها الدعوى وصاحبها مسؤول لها الحجاب الأقرب هي نسبة ما هي مقام، أعني الخلوة المعهودة عند القوم لا الخلوة التي هي مقام التي ذكرناها في أول الباب، وهذه وإن لم تكن مقاماً فإنها تحصل لصاحبها بالذكر مقامات لها إحاطة بالملك والملكوت والجبروت عند العارفين والملامية من الأدباء أرباب المواقف، وأما أهل الوصال والأنس من العارفين والملامية فلا يرون لها في الملكوت دخولاً وأنها مخصوصة بعالم الجبروت والملك لا غير إلاّ أنها لها قرب من الملكوت ما بينها وبينه إلاَّ درجتان، فالأدباء الواقفون من الملامية يرون لها ستمائة درجة وإحدى وأربعون درجة، والعارفون من أهل الأنس يرون لها ألف درجة وسبعاً وستين درجة، والأدباء من العارفين الواقفين يرون لها ستمائة درجة وسبعاً وستين درجة، والملامية من أهل الأنس والوصال يرون لها ألف درجة وستة وثلاثين درجة . ٢٢٩ في المعاملات / الباب التاسع والسبعون في ترك الخلوة وهو المعبر عنه بالجلوة الباب التاسع والسبعون في ترك الخلوة وهو المعبر عنه بالجلوة [نظم: البسيط] لدى كل عينٍ فالخلاءُ مُحَالُ إذا لم ير الإنسانُ غير إلهه ولله فيه فَيْصَلٌ ومَقَالُ فإن كنتَ هذا كنتَ صاحبَ خلوةٍ اعلم أيّدنا الله وإياكم أن الكشف يمنع من الخلوة وإن كان فيها فإن الحجاب لها، فإذا كوشف علم أنه لم يكن في خلوة، فاتخاذ الخلوة المعهودة دليل على جهل متخذها فإنه عند الكشف يعرف جهله، فكل من جهل أنه جهل فهو صاحب جهلين، ومن عرف أنه جهل فهو ذو جهل واحد، والذين علموا أن الظاهر من كونه ظاهراً في أعيان العالم وما ثم سواه فهو في خلوة في نفسه إذا لم ينظر إلى من ظهر فيه فأورثه الملأ والجلوة فلا تصحّ له الخلوة من هذا الوجه، فمن الناس من يرجح صاحب الخلوة، ومن الناس من يرجح نقيضه وهو صاحب الجلوة، فالاسم الأول والباطن يطلبان الخلوة، والاسم الآخر والظاهر يطلبان تركها وهي الجلوة، وأنت لأيّ اسم غلب عليك ولا مفاضلة في الأسماء من وجه، ومآل الخلق إلى القلوب من المآل وهو الملأ، فالخلوة دنيوية، والجلوة أخروية والآخر خير. الباب الموفي ثمانين في العزلة [نظم: البسيط] إذا اعتزلتَ فلا تركّنْ إلى أحدٍ ولا توالي إذا واليْتَ منزلةً ولا تعرُّجْ على أهلٍ ولا ولَدِ وغِبْ عن الشرك والتوحيد بالأحَدِ بغير فكرٍ ولا نفسٍ ولا جَسَدِ وانزِغْ إلى طلب العلياءِ منفرداً وسابقِ الهمَّةَ العلياءَ تَخظَ بمن واعلم بأنك محبوسٌّ ومُكْتَنَفْ سما بأسمائه الحسنى بلا عَدَدِ بالنور حبساً جلياً لا إلى أمَّدٍ لا يعتزل إلاَّ من عرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه، فليس له مشهود إلاَّ الله من حيث أسماؤه الحسنى وتخلقه بها ظاهراً وباطناً، وأسماؤه الحسنى سبحانه على قسمين: أسماء يقبلها العقل ويستقل بإدراكها وينسبها ويسمّى بها اللّه تعالى، وأسماء أيضاً إلهية لولا ورود الشرع بها ما قبلها فيقبلها إيماناً ولا يعقلها من حيث ذاته إلاَّ إن أعلمه الحق بحقيقة نسبة تلك الأسماء إليه كما علمها أنبياءه واولياءه، فصاحب العزلة هو الذي يعتزل بما هو له من غير تخلق بما ينفرد به في زعم العقل من الأسماء الإلهية المشروعة التي لولا الشرع ما سمّى العقل الله بها فهي للحق وقد جبل الإنسان عليها وخلقه مجلالها فهو المسمّى بها، ولا يتمكن له الاعتزال عن مثل هذه الأسماء الإلهية، وبقي القسم الآخر من الأسماء الإلهية يعتزل عنها لما ٢٣٠ في المعاملات/ الباب الموفي ثمانين في العزلة يطرأ عليه منها من الضرر كما قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤٩. وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر: الآية ٣٥] فيعتزل عن مثل هذه الأسماء الإلهية لما فيها من الذمَ لمن تسمّى بها وظهر بحكمها في العالم، فالإنســ حقيقته أن يكون عائلاً والعائل لا يكون متكبراً فإنه ظهر بما ليس هو له بنعت ولذلك لا ينظر الله إليه وهو واحد من الثلاثة، الشيخ الزاني، والملك الكذاب، والعائل المستكبر. ذكرٍ: مسلم في صحيحه . فمن رأى التخلق بالأسماء الحسنى ومزاحمة الحق فيها لكونه خلق على الصورة فلا بد أن يظهر بها ويتلبس على الحدّ المشروع المحمود فهذه مزاحمة عبودية ربوبية، وذلك لمـ رأى أن له أسماء هي له حقيقة ينفرد بها، ورأى أن الحق زاحمه فيها كالضحك والفرح والتعجب والمحب والمتردّد والكاره والناسي والاستحياء وما أشبه ذلك ممّا ورد ذكره في الكتاب والسنّة، إلى ما يداخل النشأة من يد ويدين وأيد ورجل وعين وأعين، إلى ما يداخل النشأة من الأحوال من استواء ومعية ونزول وطلب وشوّق وأمثال ذلك، ورأى هذا المعتزل قبل اعتزاله أنّ الحق قد زاحمه في هذه النعوت التي ينبغي أن تكون للعبد كما هي في نفس الأمر عنده قال: الأليق بي أن أعتزل بأسمائي عن أسمائه ولا أزاحمه فيها تكون عارية عندي إذ كانت العارية أمانة مؤدّاة، وحامل الأمانة موصوف بالتعريف الإلهيّ بالظلم والجهل، فاعتزل صاحب هذا النظر التخلق بالأسماء الحسنى وانفرد بفقره وذلّه وصغاره وعجزه وقصوره وجهله في بيته، كلما قرع عليه الباب اسم الإلهيّ قيل له: ما هنا من يكلمك، فإذا انقدح له بهذا الاعتزال أنّ الله له نفي الأولية وأنه أزليّ الوجود ونظر في كلامه سبحانه وفيما أمر نبيه ◌َ# أن يوصله إلينا من صفاته وأسمائه لنعرفه بذلك ويخلع علينا بهذا التعريف خلع العلم تشريفاً لنا فأعلمنا أنّ هذه الصفات التي زعمنا أنا نستحقها وأنها لنا حقيقة أنّ الأمر على خلاف ذلك إذ قد اتصف هو بها وتسمى بها ونحن ما كنا، فلا فرق بين هذه الأسماء والتي اعتزلنا عنها، فإمّا أن نعتزل عن الجميع، وإما أن نتسمى بالجميع، فقلنا له: اعتزل عن الجميع واترك الحق إن شاء سمّاك بالأسماء كلها فاقبلها ولا تعترضٍ، وإن شاء سماك ببعضها، وإن شاء لم يسمك ولا بواحد منها ﴿لِلَِّ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٤] فرجع العبد إلى خصوصيته وهي العبودة التي لم تزاحم الربوبية فتحلى بها وقعد في بيت شيئية ثبوته لا بشيئية وجوده ينظر تصريف الحق فيه وهو معتزل عن التدبير في ذلك، فإن تسمی من هذه حالته بأيّ اسم كان فالله مسميه ما هو تسمى وليس له ردّ ما سماه به فتلك الأسماء هي خلع الحق على عباده وهي خلع تشريف فمن الأدب قبولها لأنها جاءته من غير سؤال ولا استشراف، وقد أمره رسول الله ◌َو بأخذ مثل هذا العطاء وترك ما استشرفت النفس إلى أخذه وتمنّى ذلك بالاستطلاع إليه ووقف عند ذلك على أنه كان غاصباً لله فيما كان يزعم أنه له فإذا هو الله وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] فأخذ منه جميع ما كان يزعم أنه له إلاَّ العبادة فإنه لا يأخذها إذ كانت ليست بصفة له فقال له تعالى ٢٣١ في المعاملات/ الباب الحادي والثمانون في ترك العزلة لما قال: ﴿ وَإِلَيْهِ﴾ إليّ ﴿يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَأَعْبُدْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] وهو أصله الذي خلق له ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فالعبادة اسم حقيقيّ للعبد، فهي ذاته وموطنه وحاله وعينه ونفسه وحقيقته ووجهه. فمن اعتزل هذه العزلة فهي عزلة العلماء بالله لا هجران الخلائق ولا غلق الأبواب وملازمة البيوت وهي العزلة التي عند الناس أن يلزم الإنسان بيته ولا يعاشر ولا يخالط ويطلب السلامة ما استطاع بعزلته ليسلم من الناس ويسلم الناس منه، فهذا طلب عامّة أهل الطريق بالعزلة، ثم إن ارتقى إلى طور أعلى من هذا فيجعل عزلته رياضة وتقدمة بين يدي خلوته لتألف النفس قطع المألوفات من الإنس بالخلق، فإنه يرى الإنس بالخلق من العلائق والعوائق الحائلة بينه وبين مطلوبه من الأنس بالله والانفراد به، فإذا انتقل من العزلة بعد أحكامه شرائطها سهل عليه أمر الخلوة هذا سبب العزلة عند خاصة أهل الله، فهذه العزلة نسبة لا مقام، والعزلة الأولى التي ذكرناها مقام مطلوب، ولهذا جعلناها في المقامات من هذا الكتاب، وإذا كانت مقاماً فهي من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة، فللعارفين من أهل الأنس والوصال في العزلة من الدرجات خمسمائة درجة وثمان وثلاثون درجة، وللعارفين الأدباء الواقفين مائة وثلاث وأربعون درجة، وللملامية فيها من أهل الأنس خمسمائة درجة وسبع درجات، وللملامية من أهل الأدب الواقفين معهم مائة واثنتي عشرة درجة، والعزلة المعهودة في عموم أهل الله من المقامات المقيدة بشرط لا تكون إلاّ به وهي نسبة في التحقيق لا مقام إلاّ أنها تحصل عنها فوائد أقلها العصمة لها الدعوى صاحبها مسؤول وعلتها سوء الظنّ بنفسك أو بمن اعتزلت عنهم، وهذا كله في عزلة العموم وهي من عالم الجبروت والملكوت ما لها قدم في عالم الشهادة فلا تتعلق معارفها بشيء من عالم الملك . الباب الحادي والثمانون في ترك العزلة [نظم: الكامل] لا تفرحنَّ بالاعتزال فإنه نورُ الإله أجلُّ منك نَفَاسَةً لم يعتزلْ عن نور كونٍ حادثٍ لو أنّ نورَ الحق معتزلٌ لما بالنور من فَلَكِ البهاء إذا بدا جهلٌ وأين الله والأرواحُ ومع الجلال جليسُه المصبَاحُ وإلى التعلّق ذاته تَزْتَاحُ ظهر الوجودُ ودَامَتِ الأفراخُ للناظرين أضاءت الأشْبَاحُ اعلم أيّدنا الله وإياك أن مثير العزلة إنما هو خوف القواطع عن الوصلة بالجناب الإلهيّ أو رجاء الوصلة بالعزلة به لما كان في حجاب نفسه وظلمة كونه وحقيقة ذاته يبعثها على طلب الوصلة ما هي عليه من الصورة الإلهية، كما يطلب الرحم الوصلة بالرحمن لما كانت شجنة منه، ثم إن العبد رأى ارتباط الكون بالله ارتباطاً لا يمكن الانفكاك عنه لأنه ٢٣٢ في المعاملات/ الباب الثاني والثمانون في الفرار وصف ذاتيّ له وتجلّى له في هذه الارتباط وعرف من هذا التجلي وجوبه به وأنه لا تثبت المطلوبه هذه الرتبة إلاَّ به، وأنه سرّها الذي لو بطل لبطلت الربوبية، ورآه في كل شيء مثل ما هو عنده، ونسبة كل شيء إليه كنسبته هو إليه فلم يتمكن له الاعتزال فتأذّب مع قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] أي صفة نوره صفة المصباح ولم يقل صفة الشمس فإن الإمداد في نور الشمس يخفى بخلاف المصباح فإن الزيت والدهن يمده لبقاء الإضاءة فهو باق بإمداد دهني من شجرة نسبة الجهات إليها نسبة واحدة منزّهة عن الاختصاص بحكم جهة وهو قوله: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] وهذا الإمداد من نور السبحات الظاهرة من وراء سبحات العزة والكبرياء والجلال فما ينفذ من نور سبحات هذه الحجب هو ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] ومثله كمثل المصباح والنور الذي في الدهن معلوم غير مشهود، وضوء المصباح من أثره يدل عليه وعلى الحقيقة ما هو نور وإنما هو سبب لبقاء النور واستمراره، فالنور العلمي منفر ظلمة الجهل من النفس، فإذا أضاءت ذات النفس أبصرت ارتباطها بربها في كونها وفي كون كل كون فلم تر عمّن تعتزل، وجعل هذا النور في مشكاة وزجاجة مخافة الهواء أن يجيره ويشتد عليه فيطفئه فكان مشكاته وزجاجته نشأته الظاهرة والباطنة فإنهما من حيث هما عاصمان، فإنهما من الذين يسبحون بحمد الله الليل والنهار لا يفترون، وهما اللذان يشهدان على النفس المدبرة إذا أنكرت بين يدي الله فهما أهل عدالة، قال تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْمُهُمْ وَبَصَرُهُمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢٠] وهما من النشأة الباطنية ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ وهي من النشأة الظاهرة، فما من شخص يروم مخالفة حق إلاَّ ونشأتاه تقولان له: لا تفعل أيها الملك ولا تحوجنا أن نكون سبباً في إهلاكك، فإنّ الله إن استشهدنا شهدنا، ألا ترى الرسول وَلوالمـ بلغ وأنذر ووعد وأوعد قال لقومه: ((إِنَّكُمْ لَتُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ وَأَدَّيْتَ، فَقَال: اللَّهُمَ اشْهَذْ)). وقد سأل هود قومه مع شركهم فقال: ﴿وَأَشْهَدُوّأْ أَنِى بَرِىّءٌ مِّمَا تُشْرِكُونَ﴾ [سورة هود: الآية ٥٤] فاستشهدهم لعلمه أنهم لا بدّ أن يسألهم، ونحن رعيتك ولا حركة لنا إلاَّ بك فلا تحرّكنا إلاَّ في أمر يكون لك لا عليك، والمحجوب غافل عن هذا غير سامع لصمم قام به من شدّة الهواء الذي أصمه، فالله يجعلنا ممن سمع نطق جوارحه بالموعظة قبل سماعه إياها بالشهادة إنه وليّ جواد كريم ذو الفضل العظيم. الباب الثاني والثمانون في الفرار [نظم: مخلع البسيط] فرار موسى لما تأبـا جزاءُ من فرَّ أن ينبّا صيَّر محبوبَه مُحِبًّا من فرّ منه به إليه ٢٣٣ في المعاملات/ الباب الثاني والثمانون في الفرار وكان عيناً فصار قَلْبَا وكان وتراً فصار شفعاً فعدْتُ في ساعديه قَلْبَا أظهرني في الوجود تاجاً فقال كن بي تكون ربًّا أعطاني كُنْ ثم قال عبدي الضمير في ساعديه يعود على الوجود، قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال لفرعون وآله ﴿فَفَرَّرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَحَعَلَنِ مِنَ اُلْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢١] ثم قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىّ إِسْرَِّلَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢٢] فقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ قوله: ﴿أَلَمَ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٨] فتلك النعمة تربية فرعون، والمنّ يبطل الإنعام لأنه استعجال جزاء، فلو لم يقل لنفعه ذلك عند الله إذا كان من شأن فرعون إذلال بني إسرائيل وموسى منهم، وكان قد أعزه وتبناه، فهذا معنى قوله: ﴿أَنْ عَبَدَتَّ بَنِيِّ إِسْرَكَيِلَ﴾ والفرار أنتج لموسى الرسالة والحكم، فكان خليفة رسولاً، لأن الرسول لا يكون حاكماً حتى يكون خليفة، ثم قال لنا ربّنا لما قضاه من أن جعلنا ورثة النبيين والمرسلين في نبوّتهم ورسالتهم ما أعطانا الله من حفظ دينه والفتيا فيه والاجتهاد في استنباط الحكم فقال: ﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٠] فجاء بالاسم الجامع، والمراد منه اسم خاص يقتضي لنا ما اقتضى لموسى عليه السلام في فراره وهو الاسم الوهاب الذي يعطي لينعم خاصة، وذلك الوهب يجعله رسولاً ضرورة لأن الحكم في غير محكوم عليه لا يصحّ. وقال فيمن تربص في أهله ولم يفرّ إليه ما ذكره في كتابه وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَبَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَتَجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَاَ أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَرَبَّصُواْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٤] والتربص نقيض الفرار ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٠] وقد ذكرنا هذا الفرار الموسويّ في كتاب الإسفار عن نتائج الأسفار، وسميت هذا الفرار الموسويّ سفر الطلب فلنحقق هنا معنى الفرار وكيف هو مقام وما ينتج؟ فإنه يظهر أنه نسبة لا مقام كالعزلة والخلوة فإن كونه من المقامات مجهول عند أكثر أهل الله . فاعلم أن الفرار بين طرفي ابتداء وانتهاء، فابتداؤه من وانتهاؤه إلى، فقد يكون السبب الموجب للفرار من كفرار موسى عليه السلام ولا يتعين إلى فإنّ الفارّ مِنْ مَنْ إنما يطلب النجاة من غير تعيين غاية، والفارّ إذا كان هو السبب الموجب للفرار لا بدّ أن يكون معيناً ولا يتعين من وهو عكس الأول، ولما كان الأمر بهذه المثابة أمرنا الله أن نفرّ إليه ولا بدّ، وقد نفرّ إليه منه مثل قوله: وأعوذ بك منك، وقد نفر إليه من كون ما من الأكوان أو من صفة ما من الصفات إلهية كانت أو غير إلهية، أو صفة فعل أو غير صفة فعل، فعلمنا الله كيف نفرّ في قوله إلى الله، وهذه عناية من الله بنا أعني بهذه الأمة المحمدية يستروح منها ما لا يخفى على أحد، فإنّ الأنبياء عليهم السلام يصدقون في كل ما يخبرون به من أحوالهم منزّهون أن يلبسوا ثوبي زور فقال موسى عليه السلام: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢١] فأنتج له ذلك الفرار الحكم الذي هو الإمامة والخلافة والرسالة مع كون ٢٣٤ في المعاملات / الباب الثاني والثمانون في الفرار السبب الموجب الذي ذكره وما ذكر إلى أين فرّ، فإذا فرّ الفارّ إلى الله وعيّن من فرّ إليه وأبهم ما فرّ منه فما ترون تكون جائزته؟ فإن جائزة موسى جائزة منقطعة فإن الخلافة هنا تترك والرسالة كذلك ينقطع الأمران بالموت والانقلاب إلى الدار الآخرة، فهذا أعطى حكم ما فرّ منه لما كان منقطعاً فإنه انقطع بغرقه أو بموته لو مات ولا بدّ له من الموت، فكانت النتيجة والهبة مناسبة بما أعطيه من انقطاعهما بالموت، فإن الإمامة والرسالة ينقطعان بالموت، والفرار إلى الله يعطي ما يبقى ببقاء الله ولا أعين فإن التعيين في ذلك إلى الله، وسواء كان الفرار من الله أو لم يكن فإن المراعاة هنا لمن فرّ إليه وفي حق موسى لما فرّ منه، وإذا كانت هذه الأمّة مع الأنبياء بهذا الحكم وهذه المنزلة فما ظنّك بمنزلة أمم الأنبياء منا، والله ما يعرفون على أي طريق سلكت هذه الأمّة في فرارها، فإن الله مجهول الأينية والفرار كان إليه، فلا يدري أحد يفرّ إليه إذا تلقاه وأخذ بيده إلى أين يسير به، فإنّ الله أسرع إلى من فرّ إليه من تلقيه من الفارّ إليه فإنه يقول وهو الصادق تعالى: ((مَنْ أَتَانِي يَسْعَى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) فوصف نفسه بالإقبال على عبده إذا أتاه بأضعاف مما يأتيه به من الحال، وإتيان الفار أشدّ من الهرولة، فيكون إتيان الحق إليه أشد من ذلك، فتحقق هذا في العلم الإلهيّ تر العجب فيما أعطى الله هذه الأمّة بعناية محمد وَلَه . فاعلم أن مقامك من الفرار لا يتعين فنتكلم عليه، فإن حكمه في الفار بحسب ما فرّ منه وهي أمور كثيرة لا تنضبط جزئياتها وإن انحصرت أمّهاتها أو ما فرّ إليه وهي أسماء كثيرة إلهية أو أحكام بحسب ما يراه الفارّ إليه، ولكن الذي أمر الله به أن نفرّ إلى الله والفرار إلى الله لا يصحّ من حيث المجموع فإنا منه نفرّ إليه، فإن فيه ما نفرّ منه، ومن وإلى لا يجتمعان فإنّ أحكامهما مختلفة. فإن قلت: فقوله: ((وأعوذ بك منك)). قلنا: فيه وجهان: الواحد أن قوله: وأعوذ بك ما هو حكم الباء هنا حكم إلى فإنه يستعيد بالله في حال فراره وما بلغ إلى حكم إلى ونحن إنما نتكلم في لفظة إلى من حيث ما تدل عليه وهذا التعويذ النبويّ إنما وقع بالباء فلا وجه لقولك هذا بالاستعاذة، والوجه الآخر أنه وإن جعلت مطلوب إلى عين المستعاذ به في نهاية الفرار فمعلوم أنه لو كان عين من تفرّ منه عين من يفرّ إليه من غير اختلاف نسبة لم يصح فرار فلا بدّ من اختلاف النسبة، فالنسبة التي جعلتك تفرّ منه عين النسبة التي فررت إليه من أجلها والعين واحدة مثل قوله: ﴿يَوَمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ [سورة مريم: الآية ٨٥] فالعين التي تحشر منها هي العين التي تحشر إليها وبعينها ما وصفت به، فانظر أيّ اسم يكون مشهود المتقي فما تجده الرحمن وإن كان معه في حال اتقائه، ولكن تحشر إليه لينفرد بك دون أن تكون لاسم آخر تصرف فيك. وقوله: ﴿إِنِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيْرٌ مُّبِينٌ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٠] تعلم ما هو الاسم الذي من أجله كان الإنذار المبين من المنذر لك. وقوله: ﴿مِّنْهُ﴾ يعود على الله هو الذي وجهه إليك ليأمرك بالفرار إلى الله، وإنما جاء بالاسم الجامع إذ كان في عرف الطبع الاستناد إلى الكثرة، يقول النبيّ وَّ: ((يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ)) فالنفس يحصل لها الأمان باستنادها إلى الكثرة، والله مجموع أسماء الخير إذا حققت معرفة الأسماء الإلهية وجدت أسماء الأخذ قليلة وأسماء الرحمة كثيرة ٢٣٥ في المعاملات/ الباب الثالث والثمانون في ترك الفرار في الاسم الله، فلذلك أمرك بالفرار إلى الله فاعلم ذلك، وما من اسم إلهيّ إلاَّ ويريد أن يربطك به ويقيدك وتكون له لظهور سلطانه فيك، وأنت قد علمت أن سعادتك في المزيد، والمزيد لا يكون لك إلاَّ بالانتقال إلى حكم اسم آخر لتستفيد علماً لم يكن عندك، والذي أنت عنده لا يتركك فتعين الفرار ويكون الإنذار أن لا يحكم عليك الاسم الذي أنت عنده بالبقاء معه ففررت إلى موطن الزيادة، الفرار حكم يستصحب العبد في الدنيا والآخرة، ودرجات العارفين من أهل الإنس والوصال منه خمسمائة واثنتا عشرة درجة، ودرجات العارفين من أهل الأدب والوقوف مثلهم، ودرجات الملامية من أهل الإنس والوصال أربعمائة وإحدى وثمانون درجة، ودرجات الملامية من أهل الأدب والوقوف مثلهم. الباب الثالث والثمانون في ترك الفرار [نظم: البسيط] وهل يجوز عليه هل هو أو ما هُو أين الفرارُ وما في الكون إلاَّهُو أو قلت ما هو فما هو ليس إلاَّ هُو إن قلت هل فشهودُ العين يُنْكِرُهُ فكلُ شيء تراه ذلك اللَّهُ فلا تفرَّ ولا تركَنْ إلى طلبٍ اعلم أيّدك الله أن قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٤] عقيب ما تعدد من الأعيان إذن وأمر بالتربص إن كان الله مشهوداً لكم في كل ما ذكرناه، فإن ذلك الشهود هو المطلوب بهذا الفرار لأن الله أمرنا بالفرار إلى الله، وقوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٤] أي من أجل الله، أي شهودكم الله في هذه الأعيان أحب إليكم من شهودكم إياه في أعيان غيرها للمناسبة القريبة التي بينكم وبين هذه الأشياء المذكورة، وإن كان الكامل منا يشهده في كل عين، ولكن بعض الأعيان قد يكون لبعض الأشخاص أحب من أعيان أخر. وقوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ مثل قوله: ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ أي ومن أجل رسوله حيث أمركم ببر هؤلاء وجعل لهم حقوقاً عليكم، فحقوق الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشائر معلومة منصوص عليها لا تخفى على من وقف على العلم المشروع، وكذلك حقوق الأموال نعم المال الصالح للرجل الصالح، وحقوق التجارة معلومة فإن صدق التجارة لا يكون لغيرها، والتاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النبيين والشهداء كذا قال رَله. وقوله: ﴿تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٤] يقول: تخافون أن تتركوها لأجل الكساد طلباً للأرباح، وأيّ ربح أعظم من ربح صدق التاجر. وقوله: ﴿وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٤] أي ومن أجل أيضاً شهودكم إياه تعالى في الجهاد في سبيله لأنه أمركم بهذا وعلمتم أنه مشهودكم في كل ما ذكرناه. ولما ذكرناه منزلة شريفة عندكم ﴿فَرَبَّصُوا﴾ أي لا تفرّوا فإنه ما أمرنا بالفرار إلاَّ لكوننا ليست لنا هذه المشاهدة. وقوله: ﴿حَّ يَأْتِى اَللَّهُ بِأَنْرٌِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٤] وهو قيام الساعة أو الموت الذي يخرجكم عن مشاهدة هؤلاء، وقوله: ٢٣٦ في المعاملات / الباب الرابع والثمانون في تقوى الله ﴿وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٤] يقول: الخارجين عن حكم هذه المشاهدة التي أنتم فيها والتي دعيتم إليها، فما هي في حق أصحاب هذا النظر آية وعيد، وإنما هي آية وعد وبشرى وتقرير حال وسكون، أي تربصوا إذا كان هذا مشهدكم فقد حصل المطلوب، فإن انتقلتم بعد هذا فهو انتقال من خير إلى خير أو من خير أدنى إلى خير أعلى، فتفهم وتدبر ما ذكرنا تسعد إن شاء الله تعالى. الباب الرابع والثمانون في تقوى الله [نظم: الرجز] لكل ما في الكون من حكمتِهِ ما يتقي الله سوى جامعٍ ويتقي النّعمةَ في نقْمتِهِ فيتَّقي النقمةً في نعمتهِ وباطنٍ فيه فمن نعْمَتِهِ فكلُّ ما في الكون من ظاهرٍ منه على المختار من أمَّتهِ وهي التي أَسْبَغَها مِئَّةٌ من كل ما يقضي فمن هِمَّتِهِ فكل ما يُجريه سبحانه اعلموا يا إخواننا أنار الله بصائركم وأصلح سرائركم وخلص من الشبه أدلتكم أنه لما امتنّ الله علينا بالاسم الرحمن فأخرجنا من الشرّ الذي هو العدم إلى الخير الذي هو الوجود ولهذا امتنّ الله تعالى علينا بنعمة الوجود فقال: ﴿أَوَّلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾﴾ [سورة مريم: الآية ٦٧] فما تولانا منه سبحانه ابتداء إلاّ الرحمة ولهذا قال: ((إنّ رحمة الله سبقت غضبه))، فلما نظرنا في قوله تعالى: ﴿ أَثَّقُواْ اللَّهَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٩] أي اتخذوه وقاية من كل ما تحذرون ورأينا مسمّى الله يتضمن كل اسم إلهيّ فينبغي أن يتقي منه ويتخذ وقاية، فإنه ما من اسم من الأسماء الإلهية للكون به تعلق إلاَّ ويمكن أن يتقي منه وبه، إما خوفاً من فراقه إن كان من أسماء اللطف، أو خوفاً من نزوله إن كان من أسماء القهر، فما يتقي إلاّ حكم أسمائه، وما تتقى أسماؤه إلاَّ بأسمائه الاسم الذي يجمعها هو الله، فإذا كان الله مجموع الأسماء المتقابلة وقد علمنا أنّ المتقابلين إذا كانا على ميزان واحد سقط حكمهما لأن المحل لا يقبل حكم تقابلهما فيسقطان، فإذا رجح ميزان أحدهما كان الحكم للراجح، وقد رجح اسم اللطيف بوجودنا لأنّ الاسم الرحمن يحفظنا فترجحت الرحمة فنفذ حكمها فهي الأصل بالإيجاد والانتقام حكم عارض والعوارض لا ثبات لها فإن الوجود يصحبنا فمآلنا إلى الرحمة وحكمها، فلهذا أمرنا بتقوى الله أي نتخذه وقاية ونتقيه لما فيه من التقابل وهو مثل قوله في الاستعاذة منه به فقال: ((وأعوذ بك منك))، وهو من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة، فإنه إذا اتقيت أحكام الأسماء ولا سيما في الجنة التي حكم الإنسان فيها للصورة الإلهية التي فطر عليها فيقول للشيء ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] ذلك الشيء، فربما يحجبه هذا المقام عن الذي هو أعلى في حقّه، فيذهل عن الكثيب الذي هو خير له مما هو فيه، فيأتي الاسم المذكر الإلهيّ ٢٣٧ في المعاملات/ الباب الرابع والثمانون في تقوى الله فيذكره بشرف رتبة الكثيب وما يحصل له فيه وما يرجع به إلى أهله، فيتقي هذا الاسم الذي مسكه في الجنة عن التشوق إلى ما هو أفضل في حقّه مما يحصل له في الكثيب، فلهذا قلنا باستصحاب مقام التقوى في الدنيا والآخرة. فإذا علمت هذا علمت أنّ مقام التقوى تقوى الله مكتسب للعبد ولهذا أمر به، وهكذا كل مأمور به فهو مقام يكتسب، ولهذا قالت الطائفة: إن المقامات مكاسب والأحوال مواهب، والتقوى الإلهية على قسمين في الحكم فينا أي انقسم فيها الأمر قسمين: قسماً أمرنا الله أن نتقيه حق تقاته من كوننا مؤمنين، وقسماً أمرنا فيه أن نتقيه على قدر الاستطاعة، وما عين في هذا التكليف صفة تخصّ بها طائفة من الطوائف مثل ما عينها في حق تقاته، وإن كان المؤمنون قد تقدم ذكرهم فأعاد الضمير عليهم، ولكن مثل هذا لا يسمّى تصريحاً ولا تعييناً فينزل عن درجة التعيين فيحدث لذلك حكم آخر فقال: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] ابتدأ آيه بفاء عطف وضمير جمع لمذكور متقدم قريب أو بعيد، فإن المضمرات تلحق بعالم الغيب والمعينات تلحق بعالم الشهادة، لأن المضمر صالح لكل معين لا يختص به واحد دون آخر فهو مطلق والمعين مقيد، فإنك إذا قلت زيد فما هو غيره من الأسماء لأنه موضوع لشخص بعينه . وإذا قلت أنت أو هو أو إنك فهو ضمير يصلح لكل مخاطب قديم وحديث، فلهذا فرقنا بين المضمر والمعين بالاسم أو الصفة، والصفة برزخية بين الأسماء وبين الضمائر، فإنك إذا قلت : المؤمن أو الكاتب فقد ميّزته من غير المؤمن، فأشبه زيداً من وجه ما عينته الصفة، وأشبه الضمائر من وجه إطلاقه على كل من هذه صفته، غير أن الضمير الخطابي مثلاً يعم كل مخاطب كائناً من كان من مؤمن وغير مؤمن، وإنسان وغير إنسان، فتقوى الله حق تقاته هو رؤية المتقي التقوى منه وهو عنها بمعزل، ما عدى نسبة التكليف به فإنه لا ينعزل عنها لما يقتضيه من سوء الأدب مع الله، فحال المتقي الله حق تقاته كحال من شكر الله حق الشكر وقد تقدّم معنى ذلك. وهذه الآية من أصعب آية مرت على الصحابة، وتخيّلوا أن الله خفف عن عباده بآية الاستطاعة في التقوى، وما علموا أنهم انتقلوا إلى الأشدّ وكنا نقول بما قالوه، ولكنّ الله لما فسّر مراده بالحقية في أمثال هذا هان علينا الأمر في ذلك، وعلمنا أن تقوى الله بالاستطاعة أعظم في التكليف، فإنه عزيز أن يبذل الإنسان في عمله جهد استطاعته لا بدّ من فضلة يبقيها وفي حق تقاته ليس كذلك، وعلمنا أن الله أثبت العبد في الاستطاعة، فلا ينبغي أن ننفيه عن الموضع الذي أثبته الحق فيه فإن ذلك منازعة لله، وفي حق تقاته أثبت له النظر إليه في تقواه وهو أهون عليه، فما كان شديداً عندهم كان في نفس الأمر أهون وعند من فهم عن الله، وما كان هيناً عندهم كان في نفس الأمر شديداً، وعند من فهم عن الله جعلنا الله ممّن فهم عنه خطابه فآتاه رحمة من عنده وهو ما أعطاه من الفهم ﴿ وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] فلم يكله إلى عنديته ولا إلى نفسه، بل تولى تعليمه ليريحه لما هو عليه من الضعف، ولولا أن العبد ادّعى الاستطاعة في الأفعال والاستقلال بها ما أنزل الله تكليفاً قط ولا شريعة، ولهذا جعل حظ المؤمن من هذه الدعوى أن يقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] ٢٣٨ في المعاملات / الباب الخامس والثمانون في تقوى الحجاب والستر وقال في حقنا وحق أمثالنا ممّن تبرأ من الأفعال الظاهر وجودها منه قولوا: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله العليّ العظيم، عن أن يشارك فيها فهي له خالصة، فكم بين الحالين بين التبري والدعوى، فالمدعي مطالب بالبرهان على دعواه، والمتبرّي غير مطالب بذلك، ولا تقل إن التبرّي دعوى فإن التبرّي لا يبقى شيئاً، وعلى ذلك ينطلق اسم المتبرّي، ونحن نتكلم في الأمر المحقق، فإن كتابنا هذا بل كلامنا كله مبناه في الكلام على الأمور بما هي عليه في أنفسها، والتبرّي صفة إلهية سلبية، والعبد حقيقته سلب، والدعوى صفة إلهية ثبوتية لا تنبغي إلاَّ لله عزّ وجلّ، والعبد إذا اتصف بها لم يزاحم الله فيها ويقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، ومهما قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإنما يقولها تالياً لا حقيقة فله ما نوى وهو بحيث علم. ولولا ما ظهر العبد بالدعوى ما قيل له ﴿فَفَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] بالقوّة التي جعلتها لكم فيكم بين الضعفين، فمن تنبّه على أن قوّته مجعولة وأنها لمن جعلها لم يدع فيها بل هي أمانة عنده لا يملكها، والإنسان لا يكون غنياً إلاَّ بما يملكه، والأمانة عارية لا تملك مأمور من هي عنده بردّها إلى أهلها وهو قوله: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، أي القوّة قائمة بالله لا بنا، فالمدعون في القوّة يجعلون ما من قوله ﴿مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ مصدرية، وأهل التبرّي يجعلونها للنفي في الآية، فنفى عندهم الاستطاعة في التقوى وأثبتها عند من جعلها مصدرية، ولما كان المعنى في التقوى أن تتخذ وقاية ممّا ينسب إلى المتقي، فإذا جاءت النسبة حالت الوقاية بينها وبين المتقي أن تصل إليه فتؤذيه فتلقتها الوقاية، فلا أحد أصبر على أذى من الله، فإن السهم والطعن والحجر والضرب بالسيف وما أشبه ذلك عند المثاقف إنما تتلقاها الوقاية وهي المجن الذي بيده وهو من ورائها ماسك عليها لكنه يحتاج إلى ميزان قوي لأمور عوارض عرضت للنسبة تسمى مذمومة فيقبلها العبد، ولا يجعل الله وقاية أدباً وإن كان لا يتلقاها إلاّ الله في نفس الأمر، ولكن الأدب مشروع للعبد في ذلك، ولا تضرّه هذه الدعوى لأنها صورة لا حقيقة، وإذا علم الله ذلك منك جازاك جزاء من ردّ الأمور إليه وعول في كل حال عليه، وسكن تحت مجاري الأقدار، وتفرج فيما يحدث الله في أولاد الليل والنهار، فهذا تقوى الله قد أومأنا إلى تحقيقه إيماء، فإن للكلام في معناه مجالاً رحباً يطول، فاكتفينا بهذا وانتقلنا إلى تقوى الحجاب والستر، والكل من تقوى الله فإنه الأصل. انتهى الجزء الثالث والتسعون. (الجزء الرابع والتسعون) بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الباب الخامس والثمانون في تقوى الحجاب والستر [نظم: السريع] يعلم أن السِّتْرَ من نفسهِ من يتقي السُتْرَ فذاك الذي ٢٣٩ في المعاملات/ الباب الخامس والثمانون في تقوى الحجاب والستر يبكي على ما فات في أمسهِ إذا أتى يومٌ عليه يُرَى من قبل أن يُرْفَعَ في رَمْسِهِ همتهم عن جنتي قدسه في بدره وقتاً وفي شَمْسهِ بعقله من ذاك أو حِسْهِ كذا يخافُ الحسُّ من حِسِّهِ كمُتَّقِي الشيطان من مَسِّهِ لأجل هذا يثَّقي المُثَّقي لو رفع السُّتْرَ بدار الفنا لنال مانال رجال سمت ولاح وجهُ الحقِّ في سرِّهمْ فلا يرى التَّرجيحَ فيما يرى كما يخافُ العقلُ من عقله اعلم أيّدنا الله وإياك أن الله تعالى قال: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ١٥] وقال بََّ: ((إِنَّ اللَّهِ سَبْعِينَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَهَا لِأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) فانظر ما ألطف هذه الحجب وما أخفاها فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] مع وجود هذه الحجب التي تمنعنا من رؤيته في هذا القرب العظيم، وما نرى لهذه الحجب عيناً فهي أيضاً محجوبة عنا. وقال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] نعم يا ربنا ما نبصرك ولا نبصر الحجب، فنحن خلف حجاب، الحجب وأنت منا بمكان الوريد أو أقرب إلينا منا، وهذا القرب هو سبب عدم الرؤية منا أن تتعلق بك الإنسان لا يرى نفسه فكيف يراك وأنت أقرب إلينا من أنفسنا؟ فغاية القرب حجاب، كما غاية البعد حجاب، وإنما العجب الذي قصم الظهر وحيّر العقل قولك وعلمنا أن الله يرى في قولك توبيخاً وتنبيهاً: ﴿أَ يَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] وقولك: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] ثم قلت: إنك لو رفعت الحجب بيننا وبينك من كونك موصوفاً بالسبحات الوجهية لاحترق ما أدركه بصرك بسبحات وجهك وبالنور صحّ ظهور العالم وهو وجوده، فكيف يعدم من حقيقته؟ الإيجاد هنا هي الحيرة، ثم إنه على الأمرين: أدخلت نفسك تحت حكم التحديد وهذا ينكره ما جعلته فينا من القوّة العقلية الناظرة بالصفة الفكرية وما لنا إلاَّ حسّ وعقل، فبالحسّ ما ندرك وبالعقل ما ندرك، فقد وقع الحدّ، إن كنت خلف الحجاب فأنت محدود، وإن كنت أقرب إلينا من الحجاب فأنت محدود، وإن كنت بكل شيء محيط فأنت أقرب إلى نفي الحدّ، فلماذا أدخلت نفسك في الحدّ بما أعلمتنا به من الحجب الحايلة بينك وبيننا، وبيننا وبينك حارت العقول، وما خاطب إلا العقول ونصب أدلتها متقابلة فما أثبته دليل نفاه آخر ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَةٍ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٥] وأيّ غفر أشدّ من هذا؟ جزى الله عنا موسى عليه السلام خيراً إذ ترجم عنا بقوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ﴾ اختبرت عبادك بالأدلة وما ثم دليل يوصل إليك الدليل موضوع ليدل على واضع لا يدل على حقيقة واضعه، فما رأينا بعد السبر والتقسيم وما أعطاه الكلام القديم إلاّ أن تكون أنت عين الحجب ولهذا احتجبت الحجب فلا نراها مع كونها نوراً وظلمة وهو ما تسميت به لنا من الظاهر والباطن وقد أمرتنا أن نتقي الله، فإن لم يكن الله عين الحجاب عليه النوري من الاسم الظاهر والظلمي من الاسم الباطن وإلاَّ كنا مشركين، وقد ٢٤٠ في المعاملات/ الباب السادس والثمانون في تقوى الحدود الدنياوية ثبت أنا موحدون فثبت أنك عين الحجاب فما احتجبنا عنك إلاَّ بك، ولا احتجبت عنا إلاَّ بظهورك، غير أنك لا تعرف لكوننا نطلبك من اسمك كما نطلب الملك من اسمه وصفته وإن كان معنا غير ظاهر بذلك الاسم ولا بتلك الصفة بل ظهور ذاتي، فهو يكلمنا ونكلمه ويشهدنا ونشهده ويعرفنا ولا نعرفه، وهذا أقوى دليل على أن صفاته سلبية لاثبوتية، إذ لو كانت ثبوتية لأظهرته إذا ظهر بذاته، فما نعرف أنه هو إلاَّ بتعريفه، فنحن في المعرفة مقلدون له، فلو كانت صفاته ثبوتية لكانت عين ذاته وكنا نعرفه بنفس ما نراه ولم يكن الأمر كذلك فدل على خلاف ما يعتقده أهل النظر وأرباب الفكر الصفاتين من المشبهة من أرباب العقول، وهذا الأمر أدّانا إلى أن نعتقد في الموجودات على تفاصيلها أن ذلك ظهور الحق في مظاهر أعيان الممكنات بحكم ما هي الممكنات عليه من الاستعدادات، فاختلفت الصفات على الظاهر لأن الأعيان التي ظهر فيها مختلفة، فتميزت الموجودات وتعدّدت لتعدّد الأعيان وتميزها في نفسه، فما في الوجود إلاَّ الله وأحكام الأعيان، وما في العدم الشيء إلاَّ أعيان الممكنات مهيأة للاتصاف بالوجود فهي لا هي في الوجود لأن الظاهر أحكامها فهي ولا عين لها في الوجود فلا هي كما هو ولا هو لأنه الظاهر، فهو والتميز بين الموجودات معقول ومحسوس لاختلاف أحكام الأعيان، فلا هو فيا أنا ما هو أنا ولا هو ما هو هو مغازلة رقيقة وإشارة دقية ردّها البرهان ونفاها وأوجدها العيان وأثبتها، فقل بعد هذا ما شئت فقد أنبت لك عن الأمر ما هو فما أخطأ معتقد في اعتقاده ولا جهل منتقد في انتقاده: [الطويل] وما ثَمَّ إلاَّ الله والكونُ ظاهرُ فما ثَمَّ إلاّ الله والكونُ حادثٌ فما العلمُ إلاَّ الجهلُ بالله فاغْتَصِمْ بقولي فإني عن قريب أسافِرُ سوى عينٍ أولادي فذا المالُ حاضِرُ وما ليَ مالٌ غيرَ علمي ووارثٌ الباب السادس والثمانون في تقوى الحدود الدنياوية اعلم وفّقك الله : [البسيط] بهذه الدار والأفرادُ آحادُ المثَّقُونَ حدودَ الله أفرادُ إن الحدودَ إذا حقَّقْتَ صورتَها فلتثَّقي حدَّكَ الرسميَّ إن له وقفْ لدى حظّك الذاتيّ تخظَ بما الفقرُ والعجزُ في دنيا وآخرة هذي طريقةُ أقوام لهم همَمْ برازخٌ وهي في التحقيق أشْهَادُ غوراً وفي غور ذاك الغور إلحادُ حظي به من له سَعْدٌ وإسعادُ فغايةُ القرب قربٌ فيه إبعادُ فازوا بها وبها على الورى سادوا قال الله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةُ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَامَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ اٌلْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال، الآية ٢٥] وأي عقوبة أشدّ من عقوبة تعم المستحق بها وغير المستحق؟ والظالم وغير الظالم؟ والبريء والفاعل؟ وهي هذه الحدود الدنيوية لأنها دار امتزاج ونطفة