Indexed OCR Text
Pages 201-220
في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٠١ المصرف، كما قلنا في الحرص أنه مذموم، فإذا حرصنا في طلب العلم والتقرّب به إلى الله كان محموداً وهو بإطلاق اللفظ مذموم فإنه ما يستعمل مطلقاً إلاَّ في مذموم، فإذا أريد به الحمد قيد فقيل حريص على الخير، وهكذا الحسد يتعوّذ منه مطلقاً من غير تقييد فإنه بالإطلاق للذمّ ويستعمل في المحمود بالتقييد، فلهذا جمع الله لأولياء هذه الأمّة النظر في مثل هذا، فحصلوا حظوظهم من أسماء الذمّ في الإطلاق حتى لا يفوتهم شيء إذا كانوا الجامعين للمقامات كلها فلهم في كل أمر شرب وحظ: [الطويل] إذا جاء نعتٌ أي نعتٍ فرضتَهُ سواءٌ يكون النعتُ في ذمّ حالةٍ ألستَ ترى أوصافَه في نُعُوتنا له فرحٌ في حالة وتبشُشّ وهُزْءٌ نَسَبْناهُ له وتردُّدٌ كما كان للعبد الجلالُ ومجدُهُ وهذا من أوصاف الإله فدبِّروا كذلك نعتي الأولياءَ مدحتُهم فمن أنكر العلمَ الذي قد شرحتُه لنا فيه حظّ وافرٌ ثم مَشْرَبُ وفي حمدها فالكلُّ للقوم مَطْلَبُ وأوصافُنا نعتّ له لا يكْذِبُ إلى مَلَلٍ قد جاءنا وتَعَجُّبُ ومكرّ وَكِيدٌ كلُّ ذاك مرتَّبُ وعزّ وتعظيمٌ لديه مُرَغَّبُ كلامي الذي قد قلتُ فيه وطَنْبُوا بما ذُمَّ عُرْفاً في الأنام فنَقُبوا فليس هو الشخصُ العليم المقرَّبُ فمنهم الحاسدون، قال عليه السلام: ((لا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٌ آَتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَهُوَ بَيْثُهُ فِي النَّاسِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاَ فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ البِرْ)) فقام أهل النفوس الأبية التي تأبى الرذائل وتحب الفضائل وجماع الخير فقالوا: لا ينبغي الحسد إلاَّ في معالي الأمور، وأعلى الأمور ما تعرف إلاَّ بأربابها ورب الأرباب وذو الصفات العلى والأسماء الحسنى هو الله، فيقال: نتشبه به في التخلق بأسمائه ففعلوا وبالغوا واجتهدوا إلى أن صاروا يقولون للشيء كن فيكون وذلك أقصى المراتب التي تمدح الله بها، فلولا الحسد ما تعمل القوم في تحصيل هذا المقام. ومنهم الساحرون السحر بالإطلاق صفة مذمومة، وحظ الأولياء منها ما أطلعهم الله عليه من علم الحروف وهو علم الأولياء، فيتعلمون ما أودع الله في الحروف والأسماء من الخواص العجيبة التي تنفعل عنها الأشياء لهم في عالم الحقيقة والخيال، فهو وإن كان مذموماً بالإطلاق فهو محمود بالتقييد، وهو من باب الكرامات وخرق العوائد، ولكن لا يسمون سحرة مع أنه يشاهد منهم خرق العوائد، فسمّي ذلك في حقهم كرامة وهو عين السحر عند العلماء، فقد كان سحرة موسى ما زال عنهم علم السحر مع كونهم آمنوا بـ ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٤٨] ودخلوا في دين الله، وآثروا الآخرة على الدنيا، ورضوا بعذاب الله على يد فرعون مع كونهم يعلمون السحر، ويسمّى عندنا علم السيمياء مشتق من السمة وهي العلامة أي علم العلامات التي نصبت على ما تعطيه من الانفعالات من جمع حروف وتركيب أسماء وكلمات، فمن الناس من يعطي ذلك كله في بسم الله وحده فيقوم له ذلك مقام جميع الأسماء كلها وتنزل من هذا العبد منزلة ﴿كُنْ﴾ وهي آية من فاتحة الكتاب، ومن هناك ٢٠٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف تفعل لا من بسملة سائر السور، وما عند أكثر الناس من ذلك خبر، والبسملة التي تنفعل عنهـ الكائنات على الإطلاق هي بسملة الفاتحة، وأما بسملة سائر السور فهي لأمور خاصة. وقـ لقينا فاطمة بنت مثنى وكانت من أكابر الصالحين تتصرّف في العالم ويظهر عنها من خرف العوائد بفاتحة الكتاب خاصة، كل شيء رأيت ذلك منها، وكانت تتخيل أن ذلك يعرفه كر أحد وكانت تقول لي: العجب ممّن يعتاص عليه شيء وعنده فاتحة الكتاب لأيّ شيء ! يقرؤها فيكون له ما يريد ما هذا إلاَّ حرمان بيّن، وخدمتها وانتفعت بها. ومنهم الكافرون وهم الساترون مقامهم مثل الملامية والكفار والزراعون لأنهم يسترون البذر في الأرض، وذلك أن أهل الأنس والجمال والرحمة إذا نظروا في القرآن وفي الأشياء كلها لم تقع عينهم إلاَّ على حسن وجمال لا على غير ذلك، كان ذلك ما كان، وإذا قرأو القرآن لم يقم لهم من صور الممقوتين إلاَّ ما تتضمنه من مصارف الحسن، فعلى ذلك تقع أعينهم وذلك يشهدهم الحق من تلك الآية التي وصف الله بها من مقته من عباده لقيام تلك الصفة به على حدّ مطلقها، فيأخذون من كل صفة ما يليق بهم في طريقهم، فيصرفون ذلك إليهم بالوجه الأحسن، فيتنعمون بما هو عذاب عند غيرهم والصورة واحدة، والمتصور مختلف منها لاختلاف الناظرين، فلكل منظر عين تخصّه، فالكافر من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة. والكافر من الأولياء من كان ختم الحق على قلبه لأنه اتخذه بيته فقال: ((ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي))، والله غيور فلا يريد أن يزاحمه أحد من خلقه فيه كما ختم الحرم فلم يحل لأحد قتل صيده ولا قطع شجره، فإن الله لا ينظر إلاَّ إلى قلب العبد، فلما ختم الله على قلب هذا العبد لم يدخل في قلبه سوىٍ ربه ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ،﴾ [سورة الجاثية: الآية ٢٣] فلا يصغي إلى كلام أحد إلاَّ إلى كلام ربه ﴿هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٣] ﴿عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً﴾ [سورة الجاثية: الآية ٢٣] وهي غطاء العناية، فلا ينظرون إلى شيء إلاَّ ولهم فيه آية تدل على الله، فكان هذا الحفظ غشاوة تحول بين أعينهم وبين النظر من غير دلالة ولا اعتبار، وحالت بينهم وبين ما لا ينبغي أن ينظر إليه فهي غشاوة محمودة ولهم عذاب من العذوبة عظيم يعني عظيم القدر، فإن العذاب إنما سمّاه الله بهذا الاسم إيثاراً للمؤمن، فإنه يستعذب ما يقوم بأعداء الله من الآلام فهو عذاب بالنظر إلى هؤلاء. ومنهم: ﴿مُّ بُكْمُ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧١] و﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨] فهم صم عن سماع ما لا يحل سماعه، وعن سماع كل كلام غير كلام سيدهم بكم أي خرس فلا يتكلمون بما لا يرضى سيدهم كما كان أولئك بكم عن الكلام بذكر الله، فاختلف المصرف وصحّ الوصف عمي فلا تقع عينهم على غير الله فاعلاً في الأشياء، وكل واحد من الأولياء على قدر مقامه في ذلك من المعرفة بالله، فإنهم تختلف مآخذهم في المحمود من ذلك، ولا يتسع الوقت لتفصيل ذلك وحصلت الفائدة بالتنبيه على اليسير من ذلك فهم لا يرجعون إلاَّ إلى الله ولا يعقلون إلاَّ عن الله، لا يرجعون إلى المصارف المذمومة من هذه الصفات حيث وصف بها الأشقياء من عباده، فهم لا يعقلون من هذه الصفات سوى في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٠٣ ما يحمد منها في صرفه، فهي كل صفة بحقيقتها في كل موصوف بها. واختلفوا في المصرف فلم يكن اتصافهم بها مجازاً بل هو حقيقة . ومنهم: الظالمون قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَغَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ والمصطفى هو الوليّ. ثم قال في المصطفين: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٢] وهو أن يمنعها حقّها من أجلها أي الحق الذي لك يا نفسي عليّ في الدنيا نؤخره لك إلى الآخرة، وبادر هنا إلى الكدّ والاجتهاد وخذ بالعزائم واجتنب الميل إلى الخرص وهذا كله حق لها فهو ظالم لنفسه نفسه من أجل نفسه، ولهذا قال فيمن اصطفاه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَاِلٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي من أجل نفسه ليسعدها فما ظلمها إلاَّ لها . ومنهم: الساهون وهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون: الآية ٥] بصلاة الله بهم، فهم يرون أن نواصيهم بيد الله يقيمهم فيها ويركع بهم ويسجد بهم ويقرأ بهم ويكبر بهم ويسلم بهم لأنه سمعهم وبصرهم ولسانهم ويدهم ورجلهم كما ورد في الخبر، ومن كان هذا مشهده وحاله فهو عن صلاته ساه، فإنه لم يقل عن الصلاة فإنه ليس بساه عن الصلاة وإنما سهوهم عن إضافة الصلاة إليهم، فلهذا اعتبروا قوله: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ والويل الذي لهم إنما هو بالنظر لمن جمع في نظره بين صلاته وصلاة الله به فإنه الأكمل، فإذا قست بين الرجلين في هذين المقامين الكبيرين نقص أحدهما ما كان خيراً في حق الآخر الجامع لهما فيكون ذلك النقص ويلاً له بالإضافة حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ﴿وَحَزَّوُاْ سِتَكٍ سَيِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٠]. ومنهم: المراؤون الذين يراؤون الناس وهم الذين يفعلون الفعل ليقتدي بهم فيه علماء هذه الأمة يعلمون الناس بالفعل يقصدون تعليمهم إذ كان الفعل أتم عند الرأي من القول كما قال عليه السلام: ((صَلُوا كَمَا رَأَنْتُمُونِي أُصَلِّي)) مع كونه وصف الصلاة لهم، ومع هذا كله صلّ على المنبر ليراه الناس فيقتدوا به، وهكذا في كل ما يمكن من الأعمال، هذا حظ الأولياء من الرياء في الأفعال المقرّبة إلى الله . ومنهم: المانعون الماعون وحظهم من هؤلاء أن يحجبوا الناس عن رؤية الأسباب ليصرفوا نظرهم إلى مسببها فلا معين إلاَّ الله، قيل لهم: قولوا: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] لا بالماعون. ومنهم: الهمازون اللمازون، وهم العيابون وأولياء الله يطلعون كل شخص على عيوب النفس إذا كان لا يشعر كل أحد بذلك، فإذا أخذ العارف يصف عيوب النفوس في حق كل طائفة من أصحاب المراتب كالسلطان وما يتعلق بمرتبته من العيوب والقاضي وجميع الولاة وعيوب نفوس الزهاد والصالحين والعوام فيعرّف كل طائفة عيبها بعدما كان مستوراً عنها هذا حظهم من الهمز واللمز . ومنهم: الفاسقون الناقضون القاطعون المفسدون الفاسقون الخارجون عن الصفات التي تحول بينهم وبين السعادة والقربة إلى الله، فهم ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾ [سورة ٢٠٤ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف البقرة: الآية ٢٧] وذلك أنهم يتعهدون مع الله أن يطيعوه، فإذا حصلوا في مقام التقريب والكشف رأوا أن الله هو العامل بهم ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦] فرأوا أنهم لا حول لهم ولا فعل ولا قول، فنقضوا عهد الله بردّه إليه سبحانه لأنه ما انعقد ذلك إلا مع فاعل يفعله ورأوا مشاهدة أن الله هو الفاعل لذلك، فلم يقع العهد في نفس الأمر إلاَّ من الله بين الله وبين نفسه، فعلموا أن الحجاب أعماهم عن هذا الإدراك في حين أخذ العهد، وأن العهد إنما يلزم لأهل الحجاب فانتقض عهدهم والأعمال تجري منهم بالله وهم لا يرونها، فهم المعصومون في أعمالهم عن إضافتها إليهم، وكذلك في قطعهم ما أمرهم الله أن يصلوه من أرحامهم فقال عليه السلام: ((الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِن الرَّحْمْنِ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ)) فوصلوها بالرحمن وردّوا القطعة إلى موضعها فشاهدوا الرحمن يمتن عليهم وخرج هؤلاء من الوسط وامتثلوا قول الشارع بصلة الرحم فأخذها الناس على صلة القرابة بالمال ويأخذ هؤلاء على صلة القربى إلى الله فهم يدلون أرحامهم على أصلهم وهو الرحمن ويرون في إعطائهم الصلات، يد الله معطية، ويد الله آخذة، فإنها شجنة من الرحمن، فالعطاء منه والأخذ منه، فانقطع هؤلاء عن صلة الرحم بالمال لأنهم لا يدلهم مع غاية الإحسان في الشاهد والناس لا يشعرون. وكذلك قوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧] وفساد دنياهم هو فسادهم في الأرض لأن الجنة في السماء وفي هذا الفساد صلاح آخرتهم في السماء فيصومون ويسهرون ويحملون الأثقال الشاقة، وهذا كله من فساد أرض أجسامهم لما طرأ عليها من النحول والذبول والضعف، وهذا كله وصف أهل الشقاء في الكتاب فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ [سورة الحشر: الآية ١٩] ثم وصفهم: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧]. ومنهم: الضالون، وهم: التائهون الحائرون في جلال الله وعظمته، كلما أرادوا أن يسكنوا فتح لهم من العلم به ما حيّرهم وأقلقهم، فلا يزالون حيارى لا ينضبط لهم منه ما يسكنون عنده بل عقولهم حائرة، فهؤلاء هم الضالون الذين حيّرهم التجلي في الصور المختلفة . ومنهم: المضلون، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُدًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٥١] وهو في الاعتبار الذين أظهروا لأتباعهم من المتعلمين طريق الحيرة في الله والعجز عن معرفته وأنه ﴿بِيَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة يس: الآية ٨٣] مع كونه خاطب عباده بالعمل وهو العامل بهم لا هم، فلما نبهوا الناس على ما يقتضيه جلال الله من الإطلاق وعدم التقييد كانوا مضلين أي محيرين من أجل ما حيّروا الخلق في جلال الله، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨] محيرين ﴿ عَضُدًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٥١] يعتضد بهم في تحييرهم، بل أنا محيرهم على الحقيقة لا هم مع كونهم لهم أجر ما قصدوه، والدليل على أني محيرهم لا هم ولا اتخذتهم عضداً أن من الناس من يقبل منهم ومن الناس من لا يقبل، ولو كان الأمر بأيديهم لآثروا في الكل القبول، فلما كان الأمر بيدي لا بأيديهم جعلت القبول في البعض دون البعض، فقبلوا الحيرة فيّ فأنا كنت محيرهم لا هم، فعلى هذا يعتبر قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُّدًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٥١] بل لنأجرهم على ذلك. في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٠٥ ومنهم: الكاذبون وهم الذين يقولون: صلينا وسمعنا وأطعنا، وقيل لهم قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٥] وغير ذلك مما يدعونه من أعمال البرّ المأمور بها شرعاً، وهم يعلمون أنّ الأمور بيد الله، وأنه لولا ما أجرى الله العمل على أيديهم ما ظهر، ولولا أنّ الله قال لهذا العمل كن في هذا المحل ما كان وهم مع ذلك يضيفونه إلى أنفسهم فهم كاذبون من هذا الوجه، وهكذا يسري في سائر الأعمال. ومنهم: المكذبون وهي الطائفة التي ترى هؤلاء المدّعين في أعمالهم ممّن يراها أنها أعمالنا وممّن يراها أنها من الله ولكن يدعونها وهم كاذبون، فتكذبهم هذه الطائفة في دعواهم وإضافتهم ذلك إليه فيقال فيهم مكذبون، والكامل من يضيف الأعمال على حدّ ما أضافها الحق، ويزيلها عن الإضافة على حدّ ما أزالها الحق من علمه بالمواطن، فمن نقص عن هذا النظر وكذب المدعين في كل حال فقد نقصه هذا الأدب مع كونه جليل القدر، فهذا النقص يعبر عنه بالويل في حقّه الذي في العموم ﴿لِلْتَكَذِّبِينَ﴾ فإنه يقول يوم القيامة: إذا رأى ما فاته في تكذيبه من المواطن التي كان ينبغي له أن يقرّر فيها إضافة العمل إليهم فلم يفعل، يا ويلنا لَم لَم أحقق النظر في ذلك حتى أفوز بعلم الأدب الذي هو جماع الخير فيدخل تحت عموم قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ﴾ [سورة المطففين: الآية ١٠] أي يقولون: ﴿يَوَيْلَى﴾ [سورة المائدة: الآية ٣١] و ﴿بَحَسْرَنَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٦] وإن كانوا سعداء فإنه يوم التغابن. ومنهم: الفجار فإنهم في سجين من السجن، وهم الذين حبسوا نفوسهم وسجنوها عن التصرّف فيما منعوا من التصرّف فيه، ولا يقع التفجير إلاّ في محبوس ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اَللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٦] فهم الفجار جاؤوا عيون المعارف التي سدّها الله في العموم لكون الفطر أكثرها لا تسعد بتفجيرها لما يؤدي إليه بالنظر الفاسد من الإباحة والقول الحلول وغير ذلك ممّا يشقيهم، فجاءت هذه الطائفة إلى المعنى ففجرت هذه العيون لأنفسها فشربت من مائها فزادت هدى إلى هداها، وبياناً إلى بيانها، فسعدت وطالت وعظمت سعادتها، فهذا حظ الأولياء من الفجور الذي سمّوا به فجاراً، وعلى هذا الأسلوب نأخذ كل صفة مذمومة بالإطلاق فتقيدها فتكون محمودة ونضع عليك اسماً منها كما يسمّي صاحب إطلاقها فلتتبع الكتاب العزيز والسنّة في ذلك واعمل بحسبها فإنه يعطيك النظر فيها من حيث ما وصف بها الأشقياء ما لا يعطيك من حيث ما وصف بنقيضها الأتقياء فاجعل بالك، وهذا كله من بركة أمّ الكتاب فإنه مثل هذا النظر ما فتح لأمّة من الأمم وعصمت فيه إلاَّ لهذه الأمّة، وأعظم صفة في الذمّ الشرك . ومنهم: المشركون بالله قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٨] وكذا هو لأنه لو ستر لم يشرك به، وهذا الاسم الله هو الذي وقع عليه الشرك فيما يتضمنه فشاركه الاسم الرحمن قال تعالى: ﴿قَلِ أُدّعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْمُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] فجعل للاسم الله شريكاً في المعنى وهو الاسم الرحمن، فالمشركون هم الذين وقعوا على الشركة في الأسماء الإلهية لأنها اشتركت في الدلالة على الذات وتميزت ٢٠٦ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف بأعيانها بما تدل عليه من رحمة ومغفرة وانتقام وحياة وعلم وغير ذلك، وإذا كان للشرك مثل هذا الوجه فقد قرب عليك مأخذ كل صفة يمكن أن تغفر، فلا تجزع من أجل الشريك الذي شقي صاحبه فإنّ ذلك ليس بمشرك حقيقة، وأنت هو المشرك على الحقيقة لأنه من شأن الشركة اتحاد العين المشترك فيه فيكون لكل واحد الحكم فيه على السواء وإلاَّ فليس بشريك مطلق، وهذا الشريك الذي أثبته الشقي لم يتوارد مع الله على أمر يقع فيه الاشتراك فليس بمشرك على الحقيقة، بخلاف السعيد فإنه أشرك الاسم الرحمن بالاسم الله وبالأسماء كلها في الدلالة على الذات، فهو أقوى في الشرك من هذا، فإنّ الأول شريك دعوى كاذبة، وهذا أثبت شريكاً بدعوى صادقة، فغفر لهذا المشرك بصدقه فيه، ولم يغفر لذلك المشرك لكذبه في دعواه، فهذا أولى باسم المشرك من الآخر. السؤال الخامس والخمسون ومائة: ما معنى المغفرة التي لنبينا وقد بشّر النبيين بالمغفرة؟ الجواب: الغفر الستر فستر عن الأنبياء عليهم السلام في الدنيا كونهم نوّاباً عن رسول الله وَلّ، وكشف لهم عن ذلك في الآخرة إذ قال: ((أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) فيشفع فيهم ◌َّ أن يشفعوا، فإنّ شفاعته رَّ في كل مشفوع فيه بحسب ما يقتضيه حاله من وجوه الشفاعة، فبشر النبيين بالمغفرة الخاصة، وبشّر محمداً وَله بالمغفرة العامّة، وقد ثبتت عصمته فليس له ذنب يغفر فلم يبق إضافة الذنب إليه إلاَّ إن يكون هو المخاطب والقصد أمته كما قيل : إياك أعني فاسمعي يا جارة. وكما قيل له: ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٤] ومعلوم أنه ليس في شك، فالمقصود من هو في شك من الأمة، وكذلك: ﴿لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٥] وقد علم أنه لا يشرك فالمقصود من أشرك فهذه صفته فكذلك قيل له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ وهو معصوم من الذنوب، فهو المخاطب بالمغفرة، والمقصود من تقدّم من آدم إلى زمانه، وما تأخر من الأمة من زمانه إلى يوم القيامة، فإن الكل أمته، فإنه ما من أمة إلاَّ وهي تحت شرع من الله، وقد قرّرنا أن ذلك هو شرع محمد رَّر من اسمه الباطن حيث كان نبياً وآدم بين الماء والطين وهو سيد النبيين والمرسلين فإنه سيد الناس وهم من الناس، وقد تقدّم تقرير هذا كله فبشر الله محمداً وَلَه بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] بعموم رسالته إلى الناس كافة، وكذلك قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَانَّةُ لِلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٨] وما يلزم الناس رؤية شخصه، فكما وجه في زمان ظهور جسمه رسوله علياً ومعاذاً إلى اليمن لتبليغ الدعوة، كذلك وجه الرسل والأنبياء إلى أممهم من حين كان نبياً وآدم بين الماء والطين، فدعا الكل إلى الله، فالناس أمته من آدم إلى يوم القيامة، فبشّره الله بالمغفرة لما تقدّم من ذنوب الناس وما تأخّر منهم، فكان هو المخاطب والمقصود الناس، فيغفر الله للكل ويسعدهم وهو اللائق بعموم رحمته التي وسعت كل شيء، وبعموم مرتبة محمد وَلّ حيث بعث إلى الناس كافة بالنص، ولم يقل أرسلناك إلى هذه الأمة خاصة ولا إلى أهل هذا الزمان إلى يوم القيامة خاصة، وإنما أخبره أنه مرسل إلى الناس كافة، والناس من آدم إلى يوم القيامة، فهم المقصودون بخطاب في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٠٧ مغفرة الله لما تقدم من ذنب وما تأخر: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢١] لكن ثم مغفرة في الدنيا، وثم مغفرة في القبر، وثم مغفرة في الحشر، وثم مغفرة في النار بخروج منها وبغير خروج، لكن يستر عن العذاب أن يصل إليه بما يجعل له من النعيم في النار تما يستعذ به فهو عذاب بلا ألم. وقد انتهت سؤالاته رضي الله عنه، وانتهى ما ذكرناه من الأجوبة عليها من غير استيفاء، وما تركناه من ذلك في الجواب أكثر ممّا أوردنا بما لا يتقارب، فإنّ الاختصار أولى من الإكثار إذ باب النطق والإبانة عن حقائق الأمور لا يتناهى، فإنّ علم الله أوسع، فتعليمه لنا لا يقف عند حد، والله الموفق لا ربّ غيره. انتهى الجزء الحادي والتسعون. الفصل الثاني في المعاملات (الجزء الثاني والتسعون) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحميةِ الباب الرابع والسبعون في التوبة [نظم: الكامل] وبه الإلهُ الحقُّ يشرح صَدْرَهُ الاعترافُ مَتَابُ كل محقَّقِ رضيَ الإلهُ عن الموافق أمْرَهُ رضيَ الإلهُ عن المخالِف مِثل ما لا سيما إن كنتَ تعرف سرَّهُ ماذا كغير أن ينالَ مَثَالَهُ ما ناله إن كنتَ تجهل قَدْرَهُ من عين مئَّته ينال مخالفٌ اعلم أيّدنا الله وإياك أنّ الله يقول: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور: الآية ٣١] فأمر بالتوبة عباده، ثم لقنهم الحجة لو خالفوا أمره فقال تعالى: ﴿ِثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٨] ليقولوا إذا سئلوا ذلك أي لو تبت علينا لتبنا مثل قوله تعالى: ﴿مَا غَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٦] ليقول كرمك فهذا من باب تعليم الخصم الحجة خصمه ليحاجه بذلك إذا كان محبوباً، وجاء بلفظة الإنسان بالألف واللام والإغرار ليعم جميع الناس، فهذا ممّا يدلك على أن إرادة الحق بهم السعادة في المآل، ولو نالهم ما نالهم ممّا يناقضها، غير أن توبة الله مقرونة بعلى، لأن من أسمائه الاسم العلي، وتوبة الخلق مقرونة بإلى لأنه المطلوب بالتوبة فهو غايتها، واجتمع الحق والخلق في مَنْ مِنَ التوبة فهم رجعوا إليه من أنفسهم والعارفون رجعوا إليه منه، والعلماء بالله رجعوا إليه من رجوعهم إليه . وأما العامة فإنها رجعت من المخالفات إلى الموافقة، والحق عزّ وجلّ رجع إليهم من كناية أن يخذلكم ليرجعوا إليه بحسب ما تقتضيه مقاماتهم التي فصلناها آنفاً، فرجوع الحق عليهم ليرجعوا إليه مثل قوله: ﴿يُحُهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] فرجوعه عليهم رجوع عناية محبة أزلية ليتوبوا، فإذا تابوا أحبهم حب من رجع إليه فهو حب جزاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] فهذا الحب منه ما هو الأول، وللعبد حب آخر زائد ٢٠٨ ٢٠٩ في المعاملات / الباب الرابع والسبعون في التوبة على قوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾. وهو أنه قال رََّ: ((أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ)) فهذا حب جزاء المنعم لما أنعم به عليهم، فهذا الحب منهم في مقابلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] حب جزاء لحب جزاء، والأول حب عناية منه ابتداء وحبّهم إياه حبّ إيثار لجنابه لا حبّ آلاء ونعم. فالتوبة منهم عن محبة منتجة لمحبة أخرى منه فهي بين محبتين متعلقتين بهم من الله كتوبته عليهم عن محبة منهم تنتج محبة أخرى منهم، فتوبته عليهم بين محبتين أيضاً، وهذا من باب خلق الله آدم على صورته، أي جميع ما تقبله الحضرة الإلهية من الصفات يقبلها الإنسان الصغير والكبير وحدها ترك الزلة في الحال والندم على ما فات، والعزم على أنه لا يعود لما رجع عنه، ويفعل الله بعد ذلك ما يريد. فأما ترك الزلة في الحال فلا بدّ منه لأنّ سلطان وقته الحياء والحياء يحول بسلطانه بین من قام به وبین تعدي حدود الله . ومن أسماء الله تعالى المذكورة في السنة الحييّ، وأنّ الله يستحيي يوم القيامة من ذي الشيبة، فحياء الله من العبد أنه قد أعلمه أنه سبحانه لا يتوبون إليه حتى يتوب عليهم، فإذا وقف المخذول الذي لم يتب الله عليه فلم يتب إليه وكان في حال وقوفه بين يديه يوم القيامة ذاكراً في نفسه هذه الآية: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٨] استحيا الله منه أن يؤاخذه بذنب، كما أنّ العبد يستحي من الله في حال توبته إلى الله أن يقع منه زلة وهو في هذا الحال فإنه ليس بتائب في تلك الحال، ونحن تكلمنا في التائب فالحياء له لازم، والحياء يقتضي ترك الزلة في الحال، ومن ترك الزلة في الحال للتائب إذا كان عارفاً هو ترك نسبتها إلى ربّه فينسبها إلى نفسه أدباً مع الله، وفي نفس الأمر الفعل فعل الله والقدر من الله والحكم بكونها معصية وزلة حكم الله، ومع هذا فالأدب يقول له: انسبها إلى نفسك لما تعلق بها لسان الذم، ولهذا قال في حد النفس: كل خاطر مذموم والأصل: ﴿فَْمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنُهَا﴾ [سورة الشمس : الآية ٨]. ومن العلماء بالله من يكون ترك الزلة في الحال عندهم أن لا يشهدوا أنها زلة وهو عين قضاء الله فيها لأنه الذي حكم أنها زلة، ومن حيث إنها فعل من أفعال الله فهي في غاية الحسن والجمال، وإنما سميت زلة من زلّ إذا زلق أي زلّت من نسبة كونها من أفعال الله إلى حكم الله فيها بالذم، فحكم الله فيها بالزلل عن هذه المرتبة فاعلم. ومن العلماء بالله من يكون ترك الزلة في حقّه أن يشهد الزلة في ذلك الفعل من كونها زلة لا من كونها فعلاً يتعلق به الذم أو الحمد، فيشهد نسبتها للعبد التي بها سميت زلة ثم يتبعها الذم، وإن كان كل فعل إلهيّ نسب إلى العبد من هذا الباب فجيمع الأفعال الكونية كلها زلل محمودها ومذمومها، ومن الناس من يكون ترك الزلة في الحال في حقّه شغله برجوعه إلى ربه، والذلة رجوعه عن ربه فهو في النقيض، ومن هو في النقيض بالحال لا يكون في نقيضه فبالضرورة لا يكون له في هذه الحال زلة. ومن الناس من يكون ترك الزلة في الحال في حقّه هو شغله بشهوده رجوع الحق عليه ليرجع إليه ليفرق ما بين رجوعه عليه ليرجع إليه وبين رجوع آخر لا ليرجع إليه ليميز بين الرجوعين ليقيم على نفسه ميزان ما يجب عليه في الفتوحات المكية ج ٣ - م١٤ ٢١٠ في المعاملات/ الباب الرابع والسبعون في التوبة ذلك من الله من عمل من الأعمال من ذكر بلسان أو قلب أو عمل بجارحة أو المجموع أو بعض المجموع، ومن كان بهذه المثابة من الشغل فلا تقوم به زلة في الحال. ومن الناس من يكون ترك الزلة في الحال في حقه أن يشهد رجوع الحق إليه لا ليميز ولا ليرجع إليه، بل ليعلم حقيقة معنى الرجوع الإلهيّ لماذا ينسبه هل إلى الذات أو لاسم إلهيّ؟ وما سبب ذلك الرجوع هل هو ذاتيّ أو غير ذاتيّ أو لا نسبة له إلى الذات؟ فهذه الوجوه وأمثالها ممّا يطلبه ترك الزلة في الحال. وأما الركن الثاني وهو الندم على ما فات وهو عند الفقهاء الركن الأعظم بمنزلة قوله : (الحَجُّ عَرَفَةُ)) لأنه الركن الأعظم، وهنا تتشعب أمور كثيرة في التائبين ميم الندم منقلبة عن باء مثل لازم ولازب وهو أثر حزنه على ما فاته يسمى ندماً، والندب الأثر فقلبت ميماً وجعلت الأثر الحزن خاصة، وأما تعلقه بالفوات فمن أصحابنا من رأى أنه تضييع للوقت فإنه ما فات لا يسترجع، ومن أصحابنا من يرى أنه صاحب الوقت وأنّ فائدته أن يجبر له ما مضى ويحتج بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٧٠]. ومن أصحابنا من يرى أنه لا يندم إلاَّ بإحضاره في نفسه ذنبه الحائل بينه وبين ما فاته من طاعة أمر ربه عزّ وجلّ وذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء، فينبغي له أن ينسى ذنبه وهو خلاف الأول فإنه قال: التوبة أن لا تنسى ذنبك والكلام فيما فاته، فمنهم من يندم على ما فاته من الاستغفار في عقب كل ذنب. ومنهم من يرى الندم على ما فاته من الوقت. ومن الناس من يرى الندم على ما فاته من الطاعة في وقت المخالفة. ومن الناس من يرى الندم على ما فاته من فعل الكبائر في وقت المخالفة لأنه يشاهد التبديل كل سيئة بما يوازنها من الحسنات، كقتل نفس بإحياء نفس، وذم بمحمدة، وصدقة بغصب أو سرقة أو خيانة . ومن الناس من يرى الندم على ما فاته من الحضور مع الله في قضائه بالمعصية في حال المعصية. ومن الناس من يرى الندم على ما فاته من إضافة ذلك الفعل إلى الفاعل في حال الفعل وهو نور عظيم شعشعانيّ حجابه: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ، فَرَاهُ حَسَنَّاً﴾ [سورة فاطر: الآية ٨] فقرن به السوء لما أضافه إليه فرآه حسناً ولا بدّ من حضرة وجودية وهي التي أوجبت له الحسن الذي رآه محل الفعل إذ العدم لا يراه الممكن، وما ثم حسن إلاَّ كونه من أفعال الله، وما أساءه إلاَّ إضافته إلى العبد فإنه قال: ﴿أَفَنَ زُِّنَ لَهُ﴾ بكونه لربه ﴿سُوَّهُ عَمَلِهِ،﴾ من كونه عمله فكسبه السوء ﴿فَرَءَاهُ حَسَناً﴾ بالتزيين الإلهيّ، وزينة الله غير محرّمة فهو في نفس الأمر مزيّن بزينة الله، وعند العبد بحسب ما يحضر فيه، فإن حضرة تزيين الشيطان فهو سوء على سوء، وأن حضرة تزيين الحياة الدنيا فهو غفلة في سوء وإن حضرة تزيين الله والإضافة إلى العبد فهو حسن في سوء، فإن أخذ إضافة السوء إلى العمل أدباً إلهياً فهو حسن في حسن. [الرمل] لا يبالي حَسَنْ ما لَبِسَا كل شيء أنت فيه حَسَنٌ ٢١١ في المعاملات/ الباب الرابع والسبعون في التوبة من ثوب مخالفة أو موافقة، فإنك إن لم توافق الأمر وافقت الإرادة، ولولا ما بين السيىء والحسن مناسبة تقتضي جمعهما في عين واحدة يكون بها حسناً سيئاً ما قبل التبديل في قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٧٠] ولا كان يتصف سوء العمل بالحسن في رؤيته، فما اتصف بالحسن عنده حتى قبل العمل صفة الحسن في وجه من الوجوه الوجودية فهو سوء بالخبر حسن بالرؤية، فكأنّ الرؤية لا تصدق الخبر وشاهد الرؤية أقطع . [الوافر] ولكنْ للعيان لطيفُ معنّى لذا سأل المعاينةَ الكليمُ والناس يطلبون أن يصدق الخبر الخبر، والخبر الرؤية، ولم نر أحداً يطلب أن يصدق الخبر الرؤية كما يصدق الخبر الخبر، ولهذا اختلف في شهادة الأعمى ولم يختلف في شهادة صاحب البصر، ولهذا قال في الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ [سورة فاطر: الآية ٨] أي يحيره في مثل هذا حيث وصفه بالسيء والحسن، فلا يدري المكلف ما يغلب، وبقوله: ﴿زُيِّنَ﴾ بنية ما لم يسم فاعله فلا يدري من زيّنه؟ هل تزيين الله أو تزيين الشيطان أو تزيين الحياة الدنيا؟ ثم قال: ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [سورة فاطر: الآية ٨] أي يوفق للإصابة في معنى السوء والحسن لهذا العمل ما معناه وكيف ينبغي أن يأخذه ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَتِهِمْ حَسَرَتَ﴾ [سورة فاطر: الآية ٨] أي فلا تكترث لهم حسرة عليهم فهي بشرى من الله بسعادة الجميع، فإنه ما حيل بينه وَّةٍ وبين إنسانيته فهو إنسان في كل حال ولا تزول الحسرات عنه وهو إنسان كامل إلاَّ باطلاعه على سعادتهم في المآل فلا يبالي من العوارض فإنّ السوء للعمل عارض بلا شك، والحسن له ذاتي، وكل عارض زائل وكل ذاتيّ باق لا يبرح ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحشر: الآية ١٨] أي عليم عن ابتلاء ﴿بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة فاطر: الآية ٨] من كل ما يظهر فيكم من الأفعال وعنكم، وفي هذا الركن أيضاً في قوله: ما فات من فات فلان فلاناً جوداً إذا أربى عليه في الجود وزاد فهذا يرى الندم في التوبة على ما فات، أي ما زاد حسن السيئة المبدّلة على حسن الحسنة غير المبدّلة، فإن حسن الحسنة بنفسها لا بأمر آخر، وحسن السيئة إذا أبدلت لها حسنان: حسن ذاتيّ وهو الحسن الذي لكل فعل من حيث ما هو لله، وحسن زائد وهو ما خلع الحق على هذا الفعل بالتبديل، فكسى ما ظهر فيه من السوء حسناً ففات سوء العمل حسن على حسن العمل بما كساه الحق، فالحسنة كشخص جميل في غاية الجمال لا بزة عليه، وشخص جميل مثله في غاية الجمال طرأ عليه وسخ من غبار فنظف من ذلك الوسخ العارض فبان جماله ثم كسى بزة حسنة فاخرة تضاعف بها جماله وحسنه ففات الأوّل حسناً، فالتائب يندم على ما فات حيث لم تكن أفعاله كلها معلومة له أنها بهذه المثابة فيتصل فرحه، قال في هذه الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ أي يستر عمن شاء الوقوف على مثل هذا كشفاً ﴿رَّحِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٩٦] رحمة به لمعنى علمه سبحانه لم يعينه لنا فندم مثل هذا الذي هو أثر الحزن مثل ما يجده المحب على محبوبه من الوجد والحزن والكرب والندم على ما فرط في حق محبوبه الذي زيّن له، فكان يتلقاه بأعظم ممّا تلقاه من الحرمة والحشمة. يقول لسان آدم: [الطويل] ٢١٢ في المعاملات/ الباب الرابع والسبعون في التوبة ومعصيتي لولاكِ ما كنتُ مجْتَبَى فيا طاعتي لو كُنْتِ كُنْتُ بحسرة قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَجْتَبَهُ رَبُُّ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١٢٢] فالله كان التائب لا آدم، والذي صدر من آدم ما اقتضته خاصية الكلمات التي تلقاها وما فيها ذكر توبة، وإنما هو مجرّد اعتراف وهو قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا﴾ حيث عرّضوها إلى التلف، وكان حقها عليهم أن يسعوا في نجاتها بامتثال نهي سيدهم ﴿وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ أي وإن لم تسترنا عن وارد المخالفة حتى لا يحكم سلطانه علينا وترحمنا بذلك الستر ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٣] ما ربحت تجارتنا، فأنتج لهم هذا الاعتراف قوله: ﴿فَنَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [سورة طه: الآية ١٢٢] أي رجع عليهم بستره، فحال بينهم ذلك الستر الإلهي وبيّن العقوبة التي تقتضيها المخالفة، وجعل ذلك من عناية الاجتباء أي لما اجتباه أعطاه الكلمات وهدى أي بیّن له قدر ما فعل، وقدر ما يستحقه من الجزاء، وقدر ما أنعم به عليه من الاجتباء، ومع التوبة قال له : ﴿فَهَبِطَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٣] هبوط ولاية واستخلاف لا هبوط طرد، فهو هبوط مكان لا هبوط رتبة : لتلقّى به فوزاً وملكاً مخلَّدًا هُبُوطُ مكان لا هُبُوطُ مكانةٍ رآه كلاماً من إله مُسَدَّدَا كما قال من أغواه صدقاً لكونه فإنّ إبليس قال له: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١٢٠] فسمع ذلك الخطاب من ربه تعالى فكان صدقاً لحسن ظنّه بربه فعرض له من أجل المحل الذي ظهر فيه خطاب الحق وأورثه ظهور السوءأت من أجل المحل وأورثه الأكل الخلد والملك الذي لا يبلى، ولكن بعد ظهور سلطانه ونيابته ونيابة بنيه في خلقه حكماً مقسطاً عدلاً يرفع القسط ويضعه أورثه ذلك كله توبة ربه. واعلم أن توبة ربه مقطوع لها بالقبول، وتوبة العبد في محل الإمكان لما فيها من العلل وعدم العلم باستيفاء حدودها وشروطها وعلم الله فيها، فالعارفون آدميون يسألون من ربهم أن يتوب عليهم، وحظھم من التوبة الاعتراف والسؤال لا غير ذلك، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَميعًا﴾ [سورة النور: الآية ٣١] أي ارجعوا إلى الاعتراف والدعاء كما فعل أبوكم آدم، فإن الرجوع إلى الله بطريق العهد وهو لا يعلم ما في علم الله فيه خطر عظيم، فإنه إن كان قد بقي عليه شيء من مخالفة فلا بدّ من نقض ذلك العهد فينتظم في قوله: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ،﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧] فلم ير أكمل معرفة من آدم عليه السلام حيث اعترف ودعا وما عهد مع الله توبة عزم فيها أنه لا يعود كما يشترطه علماء الرسوم في حدّ التوبة فالناصح نفسه من سلك طريقة آدم. فإنّ في العزم سوء أدب مع الله بكل وجه، فإنه لا يخلو أن يكون عالماً بعلم الله فيه أنه لا يقع منه زلة في المستأنف أم لا ، فإن كان عالماً بذلك فلا فائدة في العزم على أن لا يعود بعد علمه أنه لا يعود، وإن لم يعلم وعاهد الله على ذلك وكان ممّن قضى الله عليه أن يعود ناقض عهد الله وميثاقه، وإن أعلمه الله أنه يعود فعزمه بعد العلم أنه يعود مكابرة، فعلى كل وجه لا فائدة للعزم في المستأنف لا الذي العلم ولا لغير العالم، فالتوبة التي طلب منّا إنما هي صورة ما جرى من آدم عليه السلام، هذا ٢١٣ في المعاملات/ الباب الرابع والسبعون في التوبة معنى التوبة عند أهل الله فإن الله يحب كل مفتن توّاب أي كل من اختبره الله في كل نفس فيرجع إلى الله فيه لا عزم أنه لا يعود لما تاب منه فهو جهل على الحقيقة، فإنّ الذي تاب منه من المحال أن يرجع إليه، وإن رجع إنما يرجع إلى مثله لا إلى عينه، فإنّ الله لا يكرّر شيئاً في الوجود، فالعالم بذلك لا يعزم على أنه لا يعود، والذي ينظره أهل الله أنّ التائب يعزم أنه لا يعود أن ينسب إليه ما ليس إليه، وإن عاد بنسبته إليه فقد علم عند العزم أنّ ذلك العود إلى الله لا إليه، فلا تضرّه الغفلة بعد تصحيح الأصل وهو بمنزلة النية عند الشروع في العمل، فإنّ الغفلة لا تؤثر في العمل فساداً، وإن لم يحضر في أثناء العمل ما أحضره عند الشروع فهكذا العازم في عزمه . واعلم أنّ مقام التوبة من المقامات المستصحبة إلى حين الموت ما دام مخاطباً بالتكليف أعني التوبة المشروعة، وأما توبة المحققين فلا ترتفع دنيا ولا آخرة فلها البداية ولا نهاية لها إلا أن يكون الاسم التوّاب في المظهر عين الظاهر، فلا بدء في أحواله ولا نهاية، وإن كانت كل توبة لها بدء والتوبة الكونية ملكية جبروتية عند الجماعة وهو محل إجماعهم، وزاد بعضهم: إنها ملكوتية، فمن لم ير أنها ملكوتية قال: إنها تعطي صاحبها ثمانمائة مقام وثمانية مقامات، ومن رأى أنها ملكوتية قال: إنها تعطي أربعمائة مقام وثلاثة عشر مقاماً، والواقفية أرباب المواقف مثل محمد بن عبد الجبار النفّريّ وأبي يزيد البسطاميّ قال: هي غيبية آثارها حسية وجميع ما تتضمنه هذه المعاملات من المقامات الإلهية الجسام ما فيها مقام يتكرّر على ما قد تقرر في الأصل ولو تاب الخلق كلهم ملك، وإنس، وجان، ومعدن، ونبات، وحيوان، وفلك، ونالوا هذه المقامات كلها لما اجتمع اثنان في ذوق واحد منها وهي منازل فيها ينزلها العبد إذا أحكم ذلك المقام الذي هو التوبة أو غيره، ويعطيه كل منزل منها من الأسرار والعلوم ما لا يعلمه إلاَّ الله، ولهذا المقام الحجاب والكشف. وممّا يؤيد ما ذكرناه من أنّ التوبة اعتراف ودعاء لا عزم على أنه لا يعود ما ثبت في الأخبار الإلهية وصحّ أنّ العبد يذنب الذنب، ويعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ولم يزد على هذا مثل صورة آدم سواء، ثم يذنب الذنب فيعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب فيقول الله له في ثالث مرة أو رابع مرة: اعمل ما شئت فقد غفرت لك، وهذا مشروع أن الله قد رفع في حق من هذه صفته المؤاخذة بالذنب على من يرى أن الخطاب على غير من ليس بهذه الصفة منسحب. وأما ظاهر الحديث فإن الله قد أباح له ما قد كان حجر عليه لأجل هذه الصفة، كما أحلّ الميتة للمضطرّ وقد كانت محرمة على هذا الشخص قبل أن تقوم به صفة الاضطرار، ثم أنه قد بيّنا أن من عباد الله من يطلعه الله على ما يقع منه في المستأنف فكيف يعزم على أن لا يعود فيما يعلم بالقطع أنه يعود ولم يرد شرع نقف عنده أن من حدّ التوبة المشروعة العزم في المستأنف فلم تبق التوبة إلاَّ ما قرّرناه في حديث آدم عليه السلام. ثم يؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٨] يعني في الحالتين ما هم أنتم ينظر إليه قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة ٢١٤ في المعاملات/ الباب الرابع والسبعون في التوبة الأنفال: الآية ١٧] وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَثَلَهُمْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] وقوله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِن لَّيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَبِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٥] والإذن الأمر الإلهيّ أمر بعض الشجر أن تقوم فقامت، وأمر بعض الشجر أن تنقطع فانقطعت بإذن الله لا بقطعهم، وبإذن الله لا بتركهم، مع كونهم موصوفين بالقطع والترك، فإنه لا يناقض إذن الله، فإن إذن الله لها في هذه الصورة كالاستعداد في الشيء، فالشجرة مستعدّة للقطع فقبلته من القاطع فقوله: ﴿فَإِذْنِ اَللَّهِ﴾ يعني للشجرة كقوله: ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٠] فالنفخ من عيسى لوجود الروح الحيواني، إذ كان النفخ أعني الهواء الخارج من عيسى هو عين الروح الحيواني، فدخل في جسم هذا الطائر وسرى فيه، إذ كان هذا الطائر على استعداد يقبل الحياة بذلك النفس كما قبل العجل الحياة مما رمى فيه السامريّ فطار الطائر بإذن الله كما خار عجل السامريّ بإذن الله ولهذا قال: ﴿وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [سورة الحشر: الآية ٥] الخارجين عن معرفة هذا الإذن الإلهيّ الذي قطع هذه الشجرة وترك الأخرى. ولشيوخنا في هذا المقام حدود أذكر منها ما تيسر وأبين عن مقاصدهم فيها بما يقتضيه الطريق، وهكذا أفعل إن شاء الله في كل مقام إذا وجدنا لهم فيه كلاماً، على أنهم إذا سئلوا عن ماهية الشيء لم يجيبوا بالحد الذاتي، لكن يجيبون بما ينتج ذلك المقام فيمن اتصف به، فعين جوابهم يدل على أن المقام حاصل لهم ذوقاً وحالاً، وكم من عالم بحدّه الذاتيّ وليس عنده منه رائحة بل هو عنه بمعزل بل ليس بمؤمن رأساً وهو يعلم حدّه الذاتيّ والرسميّ، فكان الجواب بالنتائج والحال أتم بلا خلاف، فإنّ المقامات لا فائدة فيها إلاَّ أن يكون لها أثر في الشخص لأنها مطلوبة لذلك لا لأنفسها والله المرشد. واختلف أصحابنا ما أوّل منزل من منازل السالكين فقال بعضهم: اليقظة، وقال بعضهم: الانتباه، وقال بعضهم: التوبة. وروي أن رسول الله وَّ قال: ((النَّدَمُ تَوْبَةٌ)) فقد يخرج مخرجٍ قوله: ((الحَجُّ عَرَفَةُ)) ولو قال ◌ََّ: ((النَّدَمُ الثَّوْبَةُ)) لكان أقرب إلى الحدّ من قوله: ((النَّدَمُ تَوْبَةٌ)) وقد تقدّم الكلام في الشروط الثلاثة المصححة للتوبة في هذا الباب، قال بعضهم وهو أبو علّ الدقاق: التوبة على ثلاثة أقسام: لأنّ لها بداية ووسطاً وغاية، فبدؤها يسمّى توبة، ووسطها يسمّى إنابة، وغايتها يسمّى أوبة، فالتوبة للخائف، والإنابة للطائع، والأوبة الراعي الأمر الإلهيّ، يشير بهذا التقسيم إلى أن التوبة عنده عبارة عن الرجوع عن المخالفات خاصة والخروج عما يقدر عليه من أداء حقوق الغير المترتبة في ذمّته مما لا يزول إلاَّ بعفو الغير عن ذلك أو القصاص، أو ردّ ما يقدر على ردّه من ذلك. وقال رويم وقد سئل عن التوبة : التوبة من التوبة، كما قال ابن العريف: [السريع] قد تابَ أقوامٌ كثيرٌ وما تابَ من الثَّوْبة إلاَّ أنا ومقالات القوم في التوبة كثيرة مذكورة في كتب المقامات للمنذريّ والقشيري والمطوعي وعمرو بن عثمان المكيّ وغيرهم فلينظر هنالك. ٢١٥ في المعاملات / الباب الخامس والسبعون في ترك التوبة الباب الخامس والسبعون في ترك التوبة [نظم: الوافر] فِتَرْكُ الثَّوْب يؤذِنُ بِالشُّهُودِ متى خالفْتَهُ حَتى تتوبَا عن إدراك الحقائق بالورودِ فقل للتائبين لقد حُجِبْتُم وليس سوى المسؤَدِ والمَسُودٍ فممن أو إلى من قد رجعتم إليه به ومن عينِ العبيدِ فمن عين الذي قد جئتُ منه تَزَلْ موصوفةً بسَنَا الوجودِ وأسماءُ الإله هي التي لم اعلم وفقك الله أنه من كان صفته ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمّ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤] ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] ﴿الَّذِى يَرَكَ حِيْنَ تَّقُوُ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢١٨] ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] فلا يتوب إلاَّ من لا يشعر ولا يبصر، هذا القرب والشعور علم إجماليّ قطعي أن ثم مشعوراً به لكن لا يعلم ما هو ذلك المشعور به، فالعلم بالله شعور، والشعور لا علم بما هو عليه المشعور به، وعلمه بنا ليس كذلك، فلا يصرف العبد معناه إلى معنى إلاَّ والحق في الصارف والمصروف والصرف، فإلى أين أتوب إن نادى فهو المنادي لأنه لا ينادي إلاَّ من يسمع وهو سمعك فلا تسمع إلاَّ به فما فقدته في ندائه إياك، هذا حدّ العلم الصحيح ولهذا لم يأمر بالتوبة إلاَّ المؤمنين فقال: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النور: الآية ٣١] بغير ألف لحكمة أخفاها يعرفها العالم ولا يشعر بها المؤمن فهي بالألف هاء التنبيه إذا قال: أيها المؤمنون، وهي بغير الألف هي هويته، قرأها الكسائي برفع هاء أيه وحذف الواو لالتقاء الساكنين يقول: هو المؤمنون لأنه المؤمن وما يسمع نداء الحق إلاَّ بالحق، والسامع مؤمن، والسامعون كثيرون، فهو المؤمنون، فترك التوبة ترك الرجوع لأنه قال: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَكُمْ﴾ لمن كان في ظلمة كونه ﴿فَالْتَمِسُواْ نُورً﴾ [سورة الحديد: الآية ١٣] انظروا إلى موجدكم وهو النور الذي به الظهور، فإذا رأيتم النور كشف لكم عنكم فعلمتم أنه أقرب إليكم منكم ولكن لا تبصرون لعدم النور، فلما حصلت لهم المعرفة هنا بهذا القدر لم تصح منهم توبة عندهم أنهم تائبون: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ فكان هو التائب على الحقيقة والعبد محل ظهور الصفة ولذلك قال: ﴿لِيَتُوبُواْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّبُ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٨] وهو لفظ المبالغة إذ كانت له التوبة الأولى من قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ والثانية من قوله: ﴿لِيَتُوبُواْ﴾ فالتوبتان له من كل عبد فهو التواب لا هم ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اَللَّهَ رَمَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] وهذا حكم سار في جميع أفعال العباد، فما تاب من تاب ولكنّ الله تاب، ولهذا قالت الجماعة: التوبة ترك التوبة والتوبة من التوبة فنفيها إثباتها وإثباتها نفيها، فترك التوبة حال التبرّي من الدعوى، فليست التوبة المشروعة إلاَّ الرجوع من حال المخالفة ٢١٦ في المعاملات/ الباب السادس والسبعون في المجاهدة إلى حال الموافقة، أعني مخالفة أمر الواسطة إلى موافقة أمرها لا غير. والتوبة من التوبة هي الرجوع منه إليه به، فالتوبة من التوبة لها الكشف وما لها حجاب وصاحبها مسؤول لأنه تبرأ من الدعوى بها أعني بالدعوى، وكل مدّع مطالب بالبرهان على صحة دعواه، فالمكمل من يثبت التوبة حيث أثبتها الحق ولمن أثبتها ولا يعديها محلها، فله رجال يقومون بها ولها رجال يحكمون بها وهم عنها مبعدون لأنها حالة غربة، وهم في الموطن الذي فيه ولدوا، فلا غربة ما يرجع إلى أهله إلاَّ الغائب والغائب غريب فالغرباء هم التائبون، فالمحبة من الله لهم محبة أهل الغائب إذا ورد عليهم غائبهم، فمن كان من أهله مشاهداً له في حال غربته لم يفرح به لنفسه فإنه غير فاقد له، وإنما فرحه به لفرحه برجوعه إلى موطنه، فهو فرح موافقة كمحبة المحبوب لمحبة لأنها عين حبه لنفسه، ولهذا يبغض من يبغضه لحبه لنفسه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] إليه في كل حال من خلاف ووفاق فهو مقبول محبوب على كل حال، وإذا كانت التوبة تحب لأجل الوصلة فالمتصل لا يتصل فهو أشد في المحبة وأعظم في اللذة وهو المعبر عنه بترك التوبة. ومن رأى أن الأمر الإلهيّ واتساع الحقيقة الربانية لا يدوم لها حال معين ولا ينبغي ولذلك ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْرٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] ولا يكرّر فلا تصحّ توبة فإنها رجوع، ولا يكون رجوع إلاَّ من مفارقة لأمر يرجع إليه والحق على خلافه فلا رجوع فلا توبة . وقوله: ﴿وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] لما تغرب الأمر عند المحجوبين عن موطنه بما ادّعوه فيه لنفوسهم قيل لهم: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ لو نظرتم لرأيتم من نسبتم إليه هذا الفعل منكم إنما هو الله لا أنتم ﴿وَمَا ◌َللَّهُ بِفَغِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٤] من دعواكم إنّ الأمر إليكم وهو لله، فالأصل أنه لا رجوع وأنّ الأمر في مزيد إلى ما لا نهاية له ولا إحاطة، إذ لا نهاية لواجب الوجود فلا نهاية للمكنات إذ هو الخلاق دائماً، ولا يصح أن يزول عنه هذا الحكم لأنه ما لا يثبت نفيه إلاَّ بإثباته فنفيه محال، فكل باب من أبواب هذا الكتاب ممّا يقتضي ترك ما أثبتناه في الباب الذي قبله فهو كالذيل له فهو منه، فنسوقه مختصراً لأنه لا يحتمل التطويل، وهو فصل من فصول الباب الذي قبله فنقتصر في ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والسبعون في المجاهدة [نظم: الكامل] سبْخ إلهك بكرة وأصيلاً جاهد هواك ولا تكن ذا فَتْرَةٍ إن المجاهد لا يزال مكابداً لا تركننّ إلى البطالة إنها فالنَّغْلُ يرجع بالهدى إكليلا فيه وكن للنائبات خليلا يَهْوَى الخطوبَ ويعشق التَّعْليلا تُزدي وكن للحادثات وَصُولا ٢١٧ في المعاملات / الباب السادس والسبعون في المجاهدة اعلموا وفقكم الله أني لما شرعت في الكلام على هذا الباب أريت مبشرة عرفت فيها أن الناس لا بدّ أن ينزل بهم أمر إلهي عارض يحتاجون فيه إلى حمل مشقة وجهد نفسي وحسّي، وقيل لي: لا تغفل في كل باب أن تدرج فيه الحروف الصغار وتبين أن بإشباعها تكون الحروف الثلاثة التي هي حروف العلة وهي حروف المد واللين وهي الحروف المركبة من علة ومعلول ويكون كلامك فيها وإشارتك إلى الأربعة الأصناف، وهم العارفون الذين لهم العوارف الإلهية الوجودية الجودية في معرفتهم، وأهل المواقف عند الحدود الإلهية لتلقي الأدب بين كل مقامين عند الانتقال في حال لا يتصفون فيه بالمقام الأول ولا بالثاني وهم أهل البرازخ، وكذلك أيضاً أهل الوصال والأنس تعين ما لهم من الدرجات في كل مقام كما تبين ما لأهل المواقف سواء حتى لا يختلط على السالك، وكذلك أيضاً المنكرة أحوالهم وهم الملامية الذين يعرفون ولا يعرفون تميّزهم من أهل عوارف المعارف وتظهر ما لهم من الكمال وهم العلماء بالله، فهؤلاء الأربعة لا بدّ من تمشية أحوالهم في كل مقام وهم: العارفون والملامية وأهل الأنس والوصال وأصحاب المواقف والقول وهم الأدباء، فإنك مأمور بالنصح لعباد الله عن أمر الله والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فلما فرع وارد البرزخ في الواقعة قمنا من مرقدنا وسألنا الله تعالى العصمة في القول والعمل والحال، وكنت أرى معي في هذه الواقعة صاحبنا تاج الدين عباس بن عمر السراج وهو الذي كان ينبهني عن الحق تعالى على الكلام في الحروف الصغار التي تتولد عنها حروف العلل الثلاثة، فلنبين أولاً ما المراد بالحروف الصغار وما مراتب أولادها وهي حروف العلل، وإن كنا قد ذكرناها في الباب الثاني من باب الحروف من هذا الكتاب فلا بدّ من ذكر طرف هنا منها لأجل الواقعة. فصل: اعلم أن المراد بالحروف الصغار الحركات الثلاثة وهي: الضمة والفتحة والكسرة، ولهذه الحروف حالان: حال إشباع وحال غير إشباع، فإذا اتصف واحد منها بالإشباع كان علة لوجود معلول يناسبه، فإن أشبعت الضمة كان عنها الواو المعلولة، وإن كانت فتحة كان عنها الألف، وإن كانت كسرة كان عنها الياء المعلولة، وإنما قيدنا الواو والياء بالعلة لأنهما قد يوجدان في مقام الصحة غير موصوفين بالعلية والألف لا توجد أبداً إلاَّ معلولة ولذلك لا يكون ما قبلها إلاّ مفتوحاً أبداً، فهذه تسمى حروف العلة أي وجدت معلولة عن هذه العلل فخرجت على صورة عللها في الحكم فأعربت بها الكلمات كما أعربت بعللها، تقول: زيد أخوك فعلامة الرفع في زيد ضمة الدال، وعن إشباع الضمة في قولك: أخوك تكون الواو علامة الرفع في أخوك، وكذلك في النصف في رأيت زيداً أخاك، وفي الخفض: مررت بزيد أخيك، وكذلك رأيت أخاك زيداً الفتحة في زيد علامة النصب، والألف في أخاك المتولدة عن فتحة الخاء علامة النصب، وكذلك مررت بأخيك زيد، فالكسرة في زيد علامة الخفض، والياء في أخيك علامة الخفض، فأعطيت الياء حكم معلوله فأعلت الكلمة هذه الحروف فلها حكم آبائها إلى الذي هو الرفع له من الأسماء العلي، والفتح له من الأسماء الرحمن ما يفتح الله للناس من رحمة، والكسر له من الأسماء المتعالي، وآثار ٢١٨ في المعاملات/ الباب السادس والسبعون في المجاهدة هذه الأسماء الإلهية في الكون معلومة كما هي في الحق متميزة بحدودها يمتاز بعضها عن بعض، وقد بيّناها في الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب، وبيّنا فيه حركات البناء من حركات الإعراب، ومرتبة السكون الحيّ والميت، وإلحاق النون بحروف العلة في حكم الإعراب في الخمسة الأمثلة من الفعل وهي: يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين، وإثباتها إعراب وحذفها إعراب بحسب العوامل الداخلة عليها. ولما كان المعلول موصوفاً بالمرض كان ذا جهد ومشقة لما يقاسيه من ألم العلة القائمة به، إذ لا يوجد عن العلة إلاَّ معلول، فلهذا جعلناه في باب المجاهدة لأن المجاهدة مشقة وتعب وبها سمّي الجهاد جهاداً، ودين الله يسر وقول الله صدق حيث قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ اُلِيْنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْمُشْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ولهذا جعلنا باباً لترك الجهاد وهو الذي يلي هذا الباب وهو الباب السابع والسبعون في ترك المجاهدة لا ترك العمل لأن المجاهدة حال الأعمال في وقت والأحوال مواهب والأعمال مكاسب، ولهذا أقيم الكسب مقام العمل والعمل مقام الكسب فجاء في آية ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ [سورة النحل: الآية ١١١] وفي آية ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨١] فسمّى العمل كسباً، وناب كل واحد منهما مناب صاحبه، ولهذا قلنا في الأعمال مكاسب، ومن العمال من يكون عليهم في عملهم مشقة وهي المجاهدة، ومنهم من لا يجدها فلا يكون صاحب مجاهدة، فلو اقتضى العمل المشقة لكانت صفة كل عامل. واعلم أيّدك الله أن المجاهدين هم أهل الجهد والمشقة والمكابدة وهم أربعة أصناف : مجاهدون من غير تقييد بأمر وهو قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٥] والصنف الثاني: مجاهدون بتقييد في سبيل الله وهو قوله: ﴿وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٥] والصنف الثالث: المجاهدون فيه وهو قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت الآية ٦٩] أي نبين لهم حتى يعلموا فيمن جاهدوا فيجاهدون عند ذلك أو لا يجاهدون. والصنف الرابع: والمجاهدون ﴿فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] فميزهم عن المجاهدين من غير هذا التقييد كالذين يتقون الله ﴿حَقَّ تُقَائِهِ،﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢] ويتلون الكتاب ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٢١] فهي مرتبة رابعة في الجهاد، وهذه المجاهدة من المقامات المستصحبة للتكليف، فما دام التكليف موجوداً كانت المجاهدة قائمة العين، فإذا زال حكم التكليف زالت المجاهدة، ولهذا نفّس الله عن المكلفين بصنف المباح لما شفعت فيهم الصورة التي خلقوا عليها لأنها غير محجور عليها، فلما رأت من يشبهها قد حجر عليه سألت فيه رفع الحجر عنه فقيل لها: إلى ذلك ما له في الآخرة، فقالت: فلا بد له أن يكون له حكم في الحياة الدنيا ليكون لي بشرى بقبول الشفاعة، فإنك القائل ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٤] فإن هذه الصورة متنزهي وموضع نظري، فإذا رأت عليها التحجير أرى الانكسار فيها ولا نرى أثراً لعنايتي فيها مع كونها مخلوقة على صورتي ولا تحجير عليّ، فشرع الله لها في الدنيا المباح، فلا تنظر إليها الصورة الإلهية إلاَّ في ٢١٩ في المعاملات / الباب السادس والسبعون في المجاهدة وقت تصرّفها في المباح وهو أرفع أحوال النفس في الدنيا فإنه من الحياة الأخرى التي لا تحجير فيها، فإذا انتقلت من المباح إلى مكروه أو مندوب أعرضت الصورة عن المكلف قليلاً ونأت بجانبها مع بعض التفات إليها، فإذا انتقلت إلى محظور أو فعل واجب أسدلت الحجاب وأعرضت بالكلية عن ذلك المكلف، فلما رأى ذلك من كلفها وحجر عليها وهو الله تعالى أوجب على نفسه ما أوجبه مثل قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٧] فرفع الحجاب ونظرت الصورة إلى كل واحد في كل حال من أحوال الأحكام. فانظر يا ولي ما ألطف الله وما أرأفه بعباده حيث شرّك نفسه معهم في حكم الوجوب، وما أسقط الوجوب عنهم بل أدخل نفسه معهم فيه، إذ قد اتصفوا به ابتداء، فلو أزاله عنهم لم يقم عندهم مقام إدخال نفسه معهم فيه أي ذقنا ما ذوّقناكم هذا، وغاية اللطف في الحكم والتنزّل الإلهيّ كما نزل معهم في العلم المستفاد، إذ كان علمهم مستفاداً فقال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حََّ نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] وهو العليم فآنسهم وفيه حكم إيمان يعتض به من يسمع ممّن لا يعرف الله قولهم: إن الله لا يعلم الجزئيات وإن كانوا قصدوا بذلك التنزيه، وهذه مسألة لا يمكن تحققها بالعقل ما لم يكن الكشف بكيفية تعلق العلم الإلهي بالمعلومات، وأنه ليس في حق الحق ماض ولا آت وإن آنه لم يزل ولا يزال لا يتصف آنه بأنه لم يكن ثم كان ولا بانقضاء بعدما كان، وربما يعطي الله هذه القوّة لمن شاء من عباده، وقد ظهر منها نفحة على محمد رَّي علم بها علم الأوّلين والآخرين، فعلم الماضي والمستقبل في الآن، فلولا حضور المعلومات له في حضرة الآن لما وصف بالعلم بها، فهذا يعلم أن الله يعلم الجزئيات علماً صحيحاً غاب عنه من قصد التنزيه بنفيه عن جناب الحق. ثم نرجع ونقول: إن المجاهدة حمل النفس على المشاق البدنية المؤثرة في المزاج وهناً وضعفاً، كما أن الرياضة تهذيب الأخلاق النفسية بحملها على احتمال الأذى في العرض والخارج عن بدنه مّما لا حركة فيه بدنية، ثم إن هذه الحركات البدنية المحمودة شرعاً منها حركات في سبيل الله مطلقاً وهي أنواع سبيل كل برّ مشروع فمنه ما فيه مشقة فيسمى مجاهدة ومنه ما لا مشقة فيه فيرتفع عنها حكم هذا الاسم وهذا الباب مخصوص بما فيه مشقة، وبها أسميناه باب المجاهدة فنظرنا إلى أعظم المشاق فلم نجد أعظم من إتلاف المهج في سبيل الله وهو الجهاد في سبيل الله الذي وصف الله قتلاه بأنهم أحياء يرزقون، ونهى أن يقال فيهم أموات ونفي العلم عمّن يلحقهم بالأموات للمشاركة في صورة مفارقة الإحساس وعدم وجود الأنفاس، وهذا من أدل دليل على إبطال القياس لأن المعتقدين موت المجاهدين المقتولين في سبيل الله إنما اعتقدوه قياساً على المقتول في غير سبيل الله بالعلة الجامعة في كونهم رأوا كل واحد من المقتولين على صورة واحدة من عدم الأنفاس والحركات الحيوانية، وعدم الامتناع ممّا يراد من الفعل بهم من قطع الأعضاء وتمزيق الجلود وأكل سباع الطير والسباع واستحالة أجسامهم إلى الدود والبلى، فقاسوا فأخطؤوا القياس، ولا قياس أوضح من هذا، أو لا أدل في ٢٢٠ في المعاملات/ الباب السادس والسبعون في المجاهدة وجود العلة منه، ومع هذا أكذبهم الله وقال لهم ما هو الأمر في المقتول في سبيلي كالمقتول في غير سبيلي ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَّهُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ﴾ [سورة أَنْ عمران: ١٦٩، ١٧٠] فقال لهم ذلك الحكم الذي حكمتم عليّ ليس بعلم، وإذا لم يكن علماً لم يكن صحيحاً، وإذا لم يصح لم يجز الحكم به مع علمنا بأخبار الله أن ذلك ليس بصحيح. ثم قال: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيٌَّ وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٤] فنفى عنهم العلم الذي أعطاهم القياس، فإذا كان حكم هذا القياس على وضوحه وعدم الريب فيه وتوفر أسبابه وظهور علله الجامعة بينه وبين غيره من القتلى وهو باطل بأخبار الله فما ظنك بقياس الفقهاء في النوازل وقياس العقلاء بحكم الشاهد على الغائب في معرفة الله؟ هيهات صدق الله وكذب أهل القياس على الله، والله لا أشبه من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] من مثله الأشياء، فلما كان إتلاف المهج أعظم المشاق على النفوس لهذا سمّي جهاداً، فإن النفوس نفسان: نفس ترغب في الحياة الدنيا لألفتها بها فلا يريد المفارقة وتشق عليها، ونفس ترغب في الحياة الدنيا لتزيد بذلك طاعة وأفعالاً مقرّبة ومعرفة إلهية وترقياً دائماً مع الأنفاس، فشق عليها مفارقة الحياة الدنيا فلهذا سمّي جهاداً في حق الطائفتين. فأما المجاهدون في سبيل الله وهي الطريق إلى الله أي إلى الوصول إليه من كونه إلهاً فهو جهاد لنيل معرفة المرتبة التي عنها ظهر العالم والأحكام فيه، وعنها تكون الخلائف في الأرض، فينالهم في هذه السبل من المشقة ما يناله المسافر في طريقه المخوفة، فإنه في طريق عرّض نفسه في السلوك فيه إلى إتلاف ماله ونفسه ويتم أولاده وفقد مألوفاته، قال تعالى: ﴿وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٥] وقال: ﴿يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْخُلُونَ وَيُقْنَلُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١]. ولما علم الله من العباد أنه يكبر عليه مثل هذا لدعواهم أن نفوسهم وأموالهم لهم كما أثبتها الحق لهم والله لا يقول إلاَّ حقاً، فقدم شراء الأموال والنفوس منهم حتى يرفع يدهم عنها فبقي المشتري يتصرّف في سلعته كيف يشاء، والبائع وإن أحبّ سلعته فالعوض الذي أعطاه فيها وهو الثمن أحب إليه ممّا باعه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] وبعد هذا الشراء أمر أن يجاهد بها في سبيل الله ليهون ذلك عليهم، فهم يجاهدون بنفوس مستعارة أعني النفوس الحيوانية القائمة بالأجسام والأموال مستعارة فهم كمن سافر على دابة معارة ومال غيره وقد رفع عنه الحرج مالكها عندما أعاره إن نفقت الدابة وهلك المال فهو مستريح القلب، فما بقي عليه مشقة نفسية إن كان مؤمناً إلاَّ ما يقاسي هذا المركب الحيواني من المشقة من طول الشقة وتعب الطريق، وإن كان في قتال العدوّ فما ينال من الكرّ والفرّ والطعن بالأرماح والرشق بالسهام والضرب بالسيوف والإنسان مجبول على الشفقة الطبيعية فهو يشفق على مركوبه من حيث إنه حيوان لا من جهة مالكه، فإن مالكه قد علم منه هذا المعير أنه يريد إتلافه فذلك محبوب له فلم يبق له عليه شفقة إلاَّ الشفقة الطبيعية، فالنفوس التي اشتراها الحق في هذه الآية إنما هي النفوس الحيوانية اشتراها