Indexed OCR Text
Pages 121-140
في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٢١ عبد القادر أو غيره من الأكابر، فستر عنه مقام عبد القادر خداعاً. فهم ذلك عبد القادر فقال: كنت في المخدع. وقوله: إن من عنده خرجت النوالة له يدل على أن عبد القادر كان شيخه في تلك الحضرة وعلى يديه استفادها وجهل ذلك محمد بن قائد، فإن الرجال في ذلك كانوا تحت قهر عبد القادر فيما يحكى لنا من أحواله وأحوالهم وكان يقول هذا عن نفسه فيسلم له حاله، فإن شاهده يشهد له بصدق دعواه فإنه كان صاحب حال مؤثرة ربانية مدة حياته لم يكن صاحب مقام، وما انتقل إلى حال أبي السعود وإن كان تلميذه إلا عند موته وهي الحال الكبرى، وكانت هذه الحال مستصحبة لأبي السعود طول حياته فكان عبداً محضاً لم تشب عبوديته ربوبية فاعلم ذلك. ثم لتعلم أن مكان كلّ واحد من نبيه الذي هو وارثه إنما مكانه منه على الحال التي أثمر له طريقه. فإنه لا يرث أحد نبياً على الكمال، إذ لو ورثه على الكمال لكان هو رسولاً مثله أو نبيّ شريعة تخصه يأخذ عمن يأخذ عنه وليس الأمر كذلك، إلا أن الروح الذي يلقى على ذلك النبيّ تمتد منه رقيقة ملكية لقلب هذا الرجل الوارث في صورة حالة مشوبة في ظاهرها بصورة ذلك الملك، وتسمى تلك الروحانية باسم ذلك الملك وتخاطب هذا الوارث ويخاطبها هذا الوارث بقدر حاله، وينطلق على تلك الرقيقة اسم ذلك الروح، وربما بعض الورثة يتخيل أنه عين الروح الذي كان يلقى على ذلك النبيّ، وأنه الروح عينه والصور مختلفة، وليس الأمر كذلك، والخطاب من حيث الصورة لا من حيث الروح وتتعين المرتبة بالصورة، فمعرفة الإنسان بنفسه ومرتبته لا تعلم إلا من الصورة، ومن هنا يتخيل من لا تمكن له في المعارف الإلهية ذوقاً، أنه نبيّ أوقد نال درجة أنبياء الشرائع، ولهذا قال بعض السادة من رجال الله: جعلك الله محدثاً صوفياً ولا جعلك صوفياً محدثاً، فإن الغالب أن تكون بحكم الأصل المتقدم إلا أن يعصم الله، فمعرفة الكان الذي لنا من الأنبياء واجب علينا العلم به لئلا نكون ممن لبس عليه في ذلك ولا سيما والله يقول: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِىِ الْأَرْضِ مَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ولو كان رجلاً لظهر في صورة ملك للالتباس المطلوب الذي هو صورة عملهم، ليعلم أنه ما أتى عليهم إلا منهم، فما جنوا إلا ثمرة أعمالهم، هذا هو الحق . السؤال التاسع والخمسون: أين سائر الأولياء؟ الجواب: في النور خلف حجاب السبحات الوجهية من الأنوار والظلم في نور ممتزج بينهما كنور الأسحار وهو السدفة. وأمّا المؤمنون فإنهم في النور العام المبطون في ظلم الحجب، ومنه تخلص الأولياء إلى هذا النور الممتزج والأكابر أحرقتهم أنوار السبحات، وخواص الأكابر أحرقهم نور البصر، فالأولياء لا يتجاوز علمهم الصفات الذاتية من حيث ما هي منسوبة إلى الحق الموصوف بها لا من حيث ما دلت عليها دلائل الآثار، فهم يعرفون العالم من الله ويعرفون الله بالله، ومن دونهم يعرفون الله من العالم، وأما العالم فلا يعرفه من نفسه إلا أكابر الرجال الذين لا يعرفون الأشياء أو ١٢٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف المعلومات إلا من نفوسها وأعيانها، فلا يتخذون دليلاً على الشيء أو المعلوم سوى نفس ذلك المعلوم وذلك لارتفاع المناسبات ولسريان الأحدية في كلّ معلوم، فكما أنه لا مناسبة بين الله وبين خلقه كذلك لا مناسبة بين أعيان العالم والمظاهر فلا يعرفون شيئاً بشيء ولا معلوماً بمعلوم غيره، وسائر الأولياء ما لهم هذه المرتبة، وكيف يعرف الشيء بغيره ولا يجتمع بالدليل والمدلول؟ فإن أحدهما إذا انتفى بوجود الآخر جهلت المناسبة المتخيلة، فذلك المدلول إنما عرفته حين ظهر لك بنفسه، وأما حين نظرك في الدليل على زعمك فلا علم لك إلا بذات الدليل لأن ذاته عرفتك بذاته لا بما جعلته دليلاً عليه، فإن المدلول في حين علمك بالدليل لست بعالم به، فهذا الذي جعل أكابر الرجال لا يتخذون أمر الأمر وإنما يتخذون كلّ أمر لنفسه وعينه، فيعلمون هؤلاء الله بالله والعالم بالعالم والأسماء بالأسماء، فلا فكر لهم في استنباط شيء كما لسائر الأولياء فلهم الشهود الدائم فأينية سائر الأولياء في الأدلة فلا يشهدون مدلولاً أبداً، وعلى هذا جرت أحكامهم، وأما أينيتهم في القيامة فهم الذين لا يخافون ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] لأنهم ما لهم تبع وهم في أنفسهم آمنون، فتغبطهم الأنبياء في ذلك الموطن خاصة . وأما أينيتهم في الكثيب يوم الزور الأعظم فلهم الكراسي عليها يقعدون والمنابر والأسرة والمراتب لغيرهم ولكن من حيث هم رسل وأنبياء ومؤمنون، وأما الأكابر في العلم بالله فإن لهم قوّة على التحوّل في رقايق لتحوّل التجلي في الصور، فيبعثون لكل تجل في صورة رقيقة صورية من ذواتهم تشاهد ما يشاهده أهل الجمع وهم في تلك الحال في قصورهم ينعمون في صورة أجسامهم الطبيعية ومع الله من حيث كونه إحدى الذات بحقايقهم، وفي الكثيب عند الرؤية برقايقهم المعنوية التي أوجدوها لصور التجلي ومن سواهم، فحالهم إذا كانوا في الجنان لا يكونون في الكثيب، وإذا كانوا في الكثيب لا يكونون في الجنان، فتفقدهم جواريهم وولدانهم، وأكابر القوم لا يفقدهم شيء من ملكهم فهؤلاء بأيديهم ملكوت ملكهم. السؤال الستون: ما خوض الوقوف؟ الجواب: دخول بعضهم في بعض طلباً للتخلص مما هم فيه من شدة ذلك اليوم وكربه، فمنهم الخائض في طلب من يشفع له. ومنهم الخائض في طلب من يتكرم عليه لينقذه من هول ذلك اليوم. ومنهم الخائض في طلب من يشهد له ومنهم الخائض في طلب الخصم لطلب القصاص ومنهم الخائض ليختفي ويستتر من خصمائه. ومنهم الخائض ليستتر حياء من معارفه، وعلى هذا كان يعمل شيخنا أبو عمران موسى بن عمران الميرتلي قلت له يوماً: تقلل من معارفك؟ فقال: ربما لا أكون هناك بذاك فأستحي من معارفي، فإذا لم أر من أعرف هان عليّ بعض الحال. ومنهم الخائض ليعرف بمنزلته لما هو فيه من المكانة عند ربه ليغيظ بهم الكفار، وأمثال هذا هو خوض الوقوف إذا تأملت. وأما الطائفة التي كانت تخوض في آيات الله وكانوا بها يستهزئون فإن الله يخوض بهم في غمرات أعمالهم كما كانوا في الدنيا في خوضهم يلعبون، يكونون في الآخرة في خوضهم في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٢٣ يحزنون ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَنُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوْاْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَاَلُونَ ﴾ [المطففين: ٢٩ -٣٢] فهذا خوضهم في الدنيا ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ قَالْيَّوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُغَارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٣، ٣٤] الصورة بالصورة فهذا خوضهم في الوقوف قال تعالى يوصينا ويحذرنا ممن هذه صفته: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهٍ﴾ [الأنعام: ٦٨] إنكم إذن مثلهم إذا أقمتم معهم وهم بهذه المثابة وإن لم تخض معهم قال تعالى: ﴿أَلَمّ تَكُنّ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ فَنْهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَعْبُدُونِ﴾ [العنبكوت: ٥٦] فهؤلاء في الوقوف يخاض بهم حيث يكرهون كما خاضوا هنا حيث يكره الحق منهم. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . السؤال الحادي والستون: كيف صار أمره كلمح البصر؟ الجواب: الضمير في أمره يعود على الوقوف، فاعلم أن الكيفيات لاتنقال ولكن تقال بضرب من التشبيه فإن أمره واحدة أي كلمة واحدة مثل لمح البصر، فإن اللمحة الواحدة من البصر نعم من أحكام المرئيات من حيث الرائي إلى الفلك الأطلس جميع ما يحوي عليه ما أدركه البصر في تلك اللمحة من الذوات والأعراض القائمة بها من الأكوان والألوان وفي العبادات كل مصل والخلق كله مصل من حيث دعى يناجي ربه في الآن الواحد، كذلك أمره في الوقوف مع كون ذلك بالمقدار الزماني خمسين ألف سنة من أيام الدنيا وهو يوم ذي المعارج، ويوم الرب من يوم ذي المعارج مثل نصف خمس الخمس، فالأيام وإن اختلفت مقاديرها وعدها اليوم الشمسي فإن أمر الله فيها مثل لمح البصر للإفهام والتوصيل، وربما هو في القله أقل من هذا المقدار، بل مقداره الزمان الفرد المتوهم الذي هو يوم الشأن، فالشأن بالنظر إلى الحق واحد منه، وبالنظر إلى قوابل العالم كله شؤون لولا الوجود حصرها لقلنا إنها لا نهاية لها، فانظر الحكم الواحد من الحاكم كيف تعدّد وعظم بحيث لا يمكن أن يحصره عدد من حيث العالم وإنما يحصيه من ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] فكما صارت الخمسون ألف سنة كيوم واحد وفي يوم واحد كذلك صار أمره كلمح البصر، وسبب ذلك أن الذي يصدر منه الأمر لا يتقيد فهو في كل مأمور بحيث أمر، فينفذ الأمر بحكمه دفعة واحدة، وهذا إذا لم يبعد في المحدثات وجوده بهذه السعة، فما ظنك بالأمر الحق فإن الهواء حكمه في كل شيء من العالم الطبيعي أسرع من لمح البصر وهو واحد كالإنسان الواحد، وكذلك الروح الأمري في العقول وفي الأجسام الطبيعية، فمثل هذا لا يستبعده إلا من لا علم له بالأمور والحقائق، ولا سيما وإن أعاد الضمير في سؤاله من أمره على الضمير المذكور في سورة القمر: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّ وَحِدَّهُ كَلَمْجٍ بِلْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وهو الذي أراد والله أعلم، مع أنه يسوغ أن يعود على الوقوف وعلى الخوص، فإن الزمان الواحد يجمع الخائضين في خوضهم، والله الهادي من شاء إلى الحق وإلى طريق مستقيم . السؤال الثاني والستون: أمر الساعة كلمح البصر أو هو أقرب؟ الجواب: سميت الساعة ١٢٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ساعة لأنها تسعى إلينا بقطع هذه الأزمان لا بقطع المسافات وبقطع الأنفاس، فمن مات وصلت إليه ساعته وقامت قيامته إلى يوم الساعة الكبرى التي هي لساعات الأنفاس، كالسنة المجموع الأيام التي تعينها الفصول باختلاف أحكامها، فأمر الساعة وشأنها في العالم أقرب من لمح البصر، فإن عين وصولها عين حكمها، وعين حكمها عين نفوذ الحكم في المحكوم عليهم، وعين نفوذه عين تمامه، وعين تمامه عين عمارة الدارين ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيِّقٌ فِى السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ولا يعرف هذا القرب إلا من عرف قدرة الله في وجود الخيال في العالم الطبيعيّ، وما يجده العالم به من الأمور الواسعة في النفس الفرد والطرفة ثم يرى أثر ذلك في الحس بعين الخيال فيعرف هذا القرب وتضاعف السنين في الزمن القليل من زمان الحياة الدنيا . ومن وقف على حكاية الجوهريّ رأى عجباً وهو من هذا الباب. فإن قلت: وما حكاية الجوهري؟ قلنا: ذكر عن نفسه أنه خرج بالعجين من بيته إلى الفرن وكانت عليه جنابة فجاء إلى شط النيل ليغتسل فرأى وهو في الماء مثل ما يرى النائم كأنه في بغداد وقد تزوّج وأقام مع المرأة ست سنين وأولدها أولاداً غاب عني عددهم ثم ردّ إلى نفسه وهو في الماء ففرغ من غسله وخرج ولبس ثيابه وجاء إلى الفرن وأخذ الخبز وجاء إلى بيته وأخبر أهله بما أبصره في واقعته، فلما كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى أنه تزوّجها في الواقعة تسأل عن داره فلما اجتمعت به عرفها وعرف الأولاد وما أنكرهم وقيل لها: متى تزوّج؟ فقالت: منذ ست سنين وهؤلاء أولاده مني، فخرج في الحس ما وقع في الخيال. وهذه من مسائل ذي النون المصريّ الستة التي تحيلها العقول، فلله قوى في العالم خلقها مختلفة الأحكام كاختلاف حكم العقل في العامة من حكم البصر من حكم السمع من حكم الطعم وغير ذلك من القوى التي في عامة الناس، فاختص الله أولياءه بقوى لها مثل هذه الأحكام فلا ينكرها إلا جاهل بما ينبغي للجناب الإلهيّ من الاقتدار، وفي معراج رسول اللّه وَّ ما فيه كفاية في هذا الباب مع بعد هذه المسافات التي قطعها في الزمان القليل. السؤال الثالث والستون: ما كلام الله تعالى لعامة أهل الوقوف؟ الجواب: يقول لهم ما جئتم به فيقع في أسماع السامعين ذلك مختلفاً باختلاف أحوالهم فتختلف أحوالهم بأسماعهم، بل تختلف أسماعهم بحسب أحوالهم في الموقف، ولا يحصل في سمع واحد منهم ما حصل في سمع الآخر، وهو السؤال عن النفس الذي قبض فيه، ولا يكون هذا الكلام إلا لأهل الوقوف خاصة الذين هم في هول ذلك اليوم. وأمّا المتصرّفون فيه كالأنبياء والرسل والدعاة إلى الله وكالمستريحين من أهل المنابر الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر وكالمصونين في سرادقات الجلال خلف حجاب الإنس فهؤلاء كلهم وأمثالهم ما هم من أهل الوقوف، فأهل الوقوف هم الذين ينتظرون حكم الله فيهم فيجيبونه عند هذا الكلام بما فهم كلّ واحد منهم . السؤال الرابع والستون: ما كلامه للموحدين؟ الجواب: يقول لهم: فيماذا وحدتموني؟ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٢٥ وبماذا وحدتموني؟ وما الذي اقتضى لكم توحيدي؟ فإن كنتم وحدتموني في المظاهر فأنتم القائلون بالحلول، والقائلون بالحلول غير موحدين لأنه أثبت أمرين: حال ومحل، وإن كنتم وحدتموني في الذات دون الصفات والأفعال فما وحدتموني فإن العقول لا تبلغ إليها والخبر من عندي فما جاءكم بها، وإن كنتم وحدتموني في الألوهة بما تحمله من الصفات الفعلية والذاتية من كونها عيناً واحدة مختلفة النسب فبماذا وحدتموني؟ هل بعقولكم أو بي؟ وكيفما كان فما وحدتموني لأنّ وحدانيتي ما هي بتوحيد موحد لا بعقولكم ولابي، فإنّ توحيدكم إياي بي هو توحيدي لا توحيدكم وبعقولكم كيف يحكم علي بأمر من خلفته ونصبته، وبعد أن ادّعيتم توحيدي بأيّ وجه كان أو في أيّ وجه كان فما الذي اقتضى لكم توحيدي إن كان اقتضاه وجودكم فأنتم تحت حكم ما اقتضاه منكم فقد خرجتم عني فأين التوحيد؟ وإن كان اقتضاه أمري فأمري ما هو غيري، فعلى يدي من وصلكم إن رأيتموه مني فمن الذي رآه منكم وإن لم تروه مني فأين التوحيد يا أيها الموحدون؟ كيف يصح لكم هذا المقام وأنتم المظاهر لعيني وأنا الظاهر والظاهر يناقض الهوية فأين التوحيد؟ لا توحيد في المعلومات، فإنّ المعلومات أنا وأعيانكم والمحالات والنسب فلا توحيد في المعلومات، فإن قلتم في الوجود فلا توحيد فإن الوجود عين كل موجود، واختلاف المظاهر يدل على اختلاف وجود الظاهر، فنسبة عالم ما هي نسبة جاهل ولا نسبة متعلم فأين التوحيد؟ وما ثم إلا المعلومات أو الموجودات. فإن قلت: لا معلوم ولا مجهول ولا موجود ولا معدوم وهو عين التوحيد. قلنا: بنفس ما علمت أن في تقسيم المعلومات من يقبل هذا الوصف فقد دخل تحت قسم المعلومات فأين التوحيد؟ فيا أيها الموحدون استدركوا الغلط فما ثم إلا الله والكثرة في ثم وما هم سواه فأين التوحيد؟ فإن قلتم: التوحيد المطلوب في عين الكثرة. قلنا: فذلك توحيد الجمع فأين التوحيد؟ فإنّ التوحيد لا يضاف ولا يضاف إليه استعدوا أيها الموحدون للجواب عن هذا الكلام إذا وقع السؤال، فإن كان أهل الشرك لا يغفر لهم فبحقيقة ما نالوا ذلك لأنه لو غفر لهم ما قالوا بالشريك فشاهدوا الأمر على ما هو عليه. فإن قلت: فمن أين جاءهم الشقاء وهم بهذه المثابة وأن عدم المغفرة في حقهم ثناء عليهم؟ قلنا: لأنهم عينوا الشريك فأشقاهم توحيد التعيين فلو لم يعنيوا لسعدوا ولكن هم أرجى من الموحدين لدرجة العلم، جعلنا الله ممن وحده بتوحید نفسه جلّ علاه . السؤال الخامس والستون: ما كلامه للرسل؟ الجواب: ما قاله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] فآووا إلى ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] فعلموا أنهم لما وجهوا ادعوا إلى الله تعالى أممهم ظاهراً وباطناً بدعوة واحدة، فلو كلفوا الظواهر لم يكن قولهم ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ جواباً، ومن هنا لم يصح جميع فروع أحكام الشريعة من المنافق لأنه ما أجاب بباطنه لدعوته مثل ما أجاب بظاهره، وصحت فروع أحكام الشريعة من العاصي المؤمن بباطنه، فعلمنا أن المقصود للشرع الباطن ولكن بشرط مخصوص وهو أن يعم الإيمان جميع فروع الأحكام وأصولها، فإن آمن ببعض وكفر ببعض فلا يعتبر مثل ذلك الإيمان وهو الكافر ١٢٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف حقاً فيقول الله تعالى للرسل: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ إذا كان كلامه لهم في حق ما كلفهم من الدعوة إليه، فإن أراد السائل ما كلامه للرسل فيما يختص بذواتهم من كونم عبيداً مقرّبين فيكلمهم بما يكلم به المقرّبين من عباده، فكلامه للرسل المقرّبين ممن اعتقدتم القربة هل اعتقدتم أن اقترابكم إلينا أو إلى سعادتكم أو إلى معرفة ذواتكم أو إلى معرفتي، فإن اعتقدتم اقترابكم، إلينا فقد حددتموني وأنا لا حدّ لي، وهذا اللسان الذي أذكره في هذا الفصل إنما هو كلام الحق لمن دعا إلى الله على بصيرة كما قال: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَثَّبَعَنِّى﴾ [يوسف: ١٠٨] فهذا لسان من اتبعه في دعوته إلى الله نيابة عنه، فكأنه رسول الله وَ لو يدعو إلى الله على بصيرة من حيث دعا الرسول لأنهم ورثة، وإنما قلنا هذا لأن كلامه للرسل لا يعرفه إلا الرسل ولا ذوق لنا فيه، ولو عرفنا به ما عرفناه، ولو عرفناه لكنا رسلاً مثلهم، ولاحظ لنا في رسالتهم ولا في نبوّتهم، وكلامنا لا يكون إلا عن ذوق. فالجواب عن هذا السؤال: إذا أراد الرسل ترك الجواب فأردنا أن نفيد أصحابنا في أن نتكلم في كلامه تعالى للرسل الذين هم الورثة رسل رسل الله لما ادعوا إلى الله على بصيرة وشرك رسول الله وَّ في الدعوة إلى الله على بصيرة بينه وبين من اتبعه، فاعلما من أين نتكلم وفيمن أتكلم وعمن نبين، ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول: فيقول فقد حددتموني وأنا لا حدّ لي، فنقول: هذا الذي تقول لسان العلم وأنت خاطبتنا بلسان الإيمان فآمنا فقلت: من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً، فما حددناك إلا بحدك، فأنت حددت نفسك بنا وحددتنا بك، وإلا فمن أين لنا أن نحد ذواتنا؟ فكيف أن نحدك وجعلت الإيمان بما ذكرناه قربة إليك؟ فهذا كلامك ولسان الإيمان ونحن لا جراءة لنا على أن نقول ما قلته عن نفسك، فيقول: صدقتم هذا لسان الإيمان، فتقول طائفة منهم: اقتربنا إلى سعادتنا، فيقول: سعادتكم قائمة بكم وما برحت معكم في حال طلبكم القربة إليها فإن لم تعلموا ذلك فقد جهلتم وإن علمتموه فما صدقتم إذاً فلا قربة. فإن قالت طائفة: إنما اعتقدنا القربة إلى معرفة ذواتنا، فيقول لهم: الشيء لا يجهل نفسه لكنه لا يعرف أنه يعرف نفسه لأنّ معرفة الشهود تحجب عن معرفة المشهود فطلبكم القربة من معرفة ما هو معروف لا يصح. فإن قالت طائفة: ولا بدّ أن تقول: إنما اعتقدنا القربة من معرفتك، فيقول لهم: كيف يعرف من ليس كمثله شيء فلو كان شيئاً لجمعتهما الشيئية فيقع التماثل فيها إذا فلا شيئية له فليس هو شيئاً ولا هو لا شيء فإنّ لا شيء صفة المعدوم فيماثله المعدوم في أنه لا شيء وهو لا يماثل فليس مثله شيء وليس مثله لا شيء، ومن هو بهذه المثابة كيف يعرف؟ فبطل اقترابكم إلى معرفتي فبطل أن يكونوا من المقرّبين فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَّأْ إِنَّكَ أَنتَّ اَلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] فيقول: أنتم رسل وحقيقة الرسول، أن يكون بين مرسل ومرسل إليه وهو حامل إليهم رسالة ليعلموا بحكم ما تقتضيه تلك الرسالة، فالرسول لما كانت مرتبته البينية كان أقرب من المرسل إليهم إلى الاسم الذي أرسله، وكان المرسل إليهم أقرب إلى الاسم القابل لما جاء به الرسول من الرسول فالكل من المقرّبين فإن لم يقبلوا الرسالة كان في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٢٧ الرسول من المقرّبين وكان المرسل إليهم غير متصفين بالقربة فكانوا من المبعدين. السؤال السادس والستون: إلى أين يأوون يوم القيامة من العرصة؟ الجواب: إلى ساق العرش، ويوم القيامة له مواطن كثيرة، فالرسل يأوون يوم القيامة من العرصة في كلّ موطن إلى الموضع الذي يكون فيه تجلي الحكم الإلهيّ الذي يليق بذلك الموطن، فموطن للسؤال، وموطن للموازين، وموطن لأخذ الكتب، وموطن للصراط، وموطن للحوض فمواطن القيامة تكون الرسل فيها بين يدي الحق سبحانه كالوزعة بين يدي الملك، وأقربهم منزلة من هو أدنى من قاب قوسين وهو التقاء قطري الدائرة، ثم يأوون في السؤال العام إلى لا علم لنا، وفي السؤال الخاص بحسب ما يقتضيه ذلك السؤال من الجواب، وللحق سؤال في كل عرصة من عرصات القيامة فيأوون إلى الاسم الذي يتضمن الجواب عن ذلك السؤال الخاص. السؤال السابع والستون: كيف مراتب الأنبياء والأولياء يوم الزيارة؟ الجواب: أن الناس إذا جمعهم الله يوم الزيارة في جنة عدن على كثيب المسك الأبيض نصب لهم منابر وأسرة وكراسي ومراتب. فالأنبياء على رتبتين: أنبياء شرائع وأنبياء أتباع، فأنبياء الشرائع في الرتبة الثانية من الرسل، والأنبياء الأتباع في الرتبة الثالثة، والرتبة الثالثة تنقسم قسمين: قسم يسمى أنبياء، وقسم يسمى أولياء، والرتبة للأولياء بالاسم العام، فإذا كان يوم الزيارة فكل نبيّ أخذ معرفة ربه من ربه إيماناً لم يشبها بنظر فكريّ فإنه يشاهد ربه بعين إيمانه، والوليّ التابع له في إيمانه بربه يراه بمرآة نبيه، فإن كان هذا الوليّ حصل معرفة به بنظره واتخذ ذلك قربة من حيث إيمانه فله يوم الزيارة رؤيتان: رؤية علم ورؤية إيمان، وكذلك إن كان النبيّ له في معرفته بربه نظر فكريّ له رؤيتان: رؤية علم ورؤية إيمان، فإن كان الوليّ من أولياء الفترات ولم يحصل له في معرفته بربه من المعارف الإلهية التي جاءت بها الرسل وكانت معرفتهم بربهم إمّا عن نظر وإمّا عن تجل إلهيّ لقلبه أو كلاهما فمثل هؤلاء يكونون بما هم أهل نظر في مرتبة أهل النظر في الرؤية، وإن كانت معرفتهم عن كشف إلهيّ فإن لهؤلاء صفاً على حدة يتميزون به عن سائر الخلق، والجامع لهذا الباب أن الرؤية يوم الزيارة تابعة للاعتقادات في الدنيا، فمن اعتقد في ربه ما أعطاه النظر وما أعطاه الكشف وما أعطاه تقليد رسوله، فإنه يرى ربه في صورة وجه كل اعتقاد ربط عليه إلا أنه في تقليد نبيه يراه بصورة نبيه من حيث ما أعلمه ذلك الرسول مما أوحى به إليه في معرفته بربه، فلمثل هذا ثلاث تجليات بثلاثة أعين في الآن الواحد، وكذلك حكم صاحب النظر وحده، أو صاحب الكشف وحده، أو صاحب التقليد وحده، فتتميز مراتب الأولياء الأتباع في الزيارة بتقديم الأنبياء عليهم، والطبقتان اللتان ليستا بأنبياء ولا أتباع فهم أولياء الله لا يحكم عليهم مقام يتميزون عن الجميع بالنسب الصحيح إلى ربهم، غير أن أصحاب النظر منهم في الرتبة دون أصحاب الكشف، فبين الحق وبينهم في الرؤية حجاب فكرهم، كلما أرادوا أن يرفعوا ذلك الحجاب لم يستطيعوا، كأتباع الأنبياء كلما هموا برفع حجب الأنبياء عنهم حتى يروه دون هذه الواسطة لم يستطيعوا ذلك، فلا تكون الرؤية الخالصة من الشوب إلا للأنبياء الرسل أهل الشرائع ولأهل الكشف خاصة، ومن ١٢٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف حصل له هذا المقام مع كونه تابعاً أو صاحب نظر جمع له على قدر ما عنده ولو كان على ألف طريق . وأمّا الرجال الذين صوّبوا اعتقاد كل معتقد بما وصله إليه وعلمه وقرّره فإنه يوم الزيارة يرى ربّه بعين كل اعتقاد، فالناصح نفسه ينبغي له أن يبحث في دنياه على جميع المقالات في ذلك ويعلم من أي أثبت كل واحد ذو مقالة مقالته، فإذا ثبت عنده من وجهها الخاص بها الذي به صحّت عنده وقال بها في حق ذلك المعتقد ولم ينكرها ولا ردّها، فإنه يجني ثمرتها يوم الزيارة، كانت تلك العقيدة ما كانت، وهذا هو العلم الإلهي الواسع، والأصل في صحة ما ذكرناه أن كل ناظر في الله تحت حكم اسم من أسماء الله، فذلك الاسم هو المتجلّ له وهو المعطي له ذلك الاعتقاد بتجلّيه له من حيث لا يشعر، والأسماء الإلهية كلها نسبتها إلى الحق صحيحة، فرؤيته في كل اعتقاد مع الاختلاف صحيحة ليس فيها من الخطأ شيء، هذا يعطيه الكشف الأتم فلم يخرج عن الله نظر ناظر ولا يصح أن يخرج، وإنما الناس حجبوا عن الحق بالحق لوضوح الحق، فهذه الطائفة التي هي بهذه المثابة من العلم بالله صف يوم الزيارة بمعزل إذا انصرفوا من الزيارة يتخيّل كل صاحب اعتقاد أنه منهم لأنه يرى صورة اعتقاده فيها كصورته، فهو محبوب لجميع الطوائف من يكون بهذه الصفة، وكذلك كان في الدنيا، وهذا القول الذي ذكرناه لا يعرفه إلاّ الفحول من أهل الكشف والوجود، وأما أصحاب النظر العقلي فلا يشمّون منه رائحة، فاجعل بالك لما ذكرناه واعمل عليه تعطي الألوهية حقّها وتكون ممّن أنصف ربّه في العلم به، فإن الله يتعالى أن يدخل تحت التقييد أو تضبطه صورة دون غيرها، ومن هنا تعرف عموم السعادة لجميع خلق الله واتساع الرحمة التي وسعت كل شيء. انتهى الجزء الخامس والثمانون . (الجزء السادس والثمانون) بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ السؤال الثامن والستون: ما حظوظ الأنبياء من النظر إليه؟ الجواب: لا أدري فإني لست بنبيّ، فذوق الأنبياء لا يعلمه سواهم إن أراد الأنبياء الذين خصّهم الله بالتشريع العام والخاص بهم، فإن أراد أنبياء الأولياء فحظّهم منه على قدر ما عندهم من وجوه الاعتقادات في الله، فإن حصل على الجميع فحظّه ما للجميع فهو في النعيم العام فيلتذّ بلذّة كل معتقد فما أعظمها من لذّة، وإن حصل على البعض فلذاته بحسب ما حصل له، وإن انفرد بأمر واحد فحظّه ما انفرد به من غير مزید، فافهم ما ذكرناه . السؤال التاسع والستون: ما حظوظ المحدثين من النظر إليه؟ الجواب: الحجاب الأقرب، فإذا شاهد ربّه حصل لهم في المشاهدة من الحظ مثل ما يحصل لهم من الكلام، إلا أن المحدثين يتميزون في الرؤية عن سائر الخلق بأن التجلّي يتنوّع عليهم في المشهد الواحد وسائر الخلق ليس لهم هذا المقام فإنه مخصوص بالمحدثين . في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٢٩ السؤال السبعون: ما حظوظ سائر الأولياء من النظر إليه؟ الجواب: الأولياء على مراتب، فتختلف حظوظهم باختلاف مراتبهم، فوليّ حظّه من النظر إليه لذة عقلية، ووليّ حظّه من ذلك لذّة نفسية، ووليّ حظه من ذلك لذة حسّيّة، ووليّ حظه من ذلك لذّة خيالية، ووليّ حظّه من ذلك لذة مكيفة، ووليّ حظّه من ذلك لذة غير مكيفة، ووليّ حظّه من ذلك لذة ينقال تكييفها، ووليّ حظّه من ذلك لذّة لا ينقال تكييفها، فهم درجات عند الله كما كانوا في الدنيا كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٦٣]. السؤال الحادي والسبعون: ما حظوظ العامّة من النظر إليه؟ الجواب: حظوظ العامة من النظر إليه على قدر ما فهموه ممّن قلّدوه من العلماء على طبقاتهم، فمنهم من ألقى إليه عالمه ما عنده. ومنهم من ألقى إليه عالمه على قدر ما علم من عقله وقبوله، فإن الفطرة مختلفة متفاضلة بحسب ما ألقى الله عندها فإنها أقسام أصلها المزاج الذي ركبه الله عليه وهو السبب في اختلاف نظر العلماء بأفكارهم في المعقولات، فيكون حظّهم في لذّة النظر حظّهم فيما تخيّل لهم، فالعامة حظوظهم خيالية لا يقدرون على التجريد عن الموادّ في كل ما يلتذون به من المعاني في الدنيا والبرزخ والآخرة، بل قليل من العلماء من يتصوّر التجريد الكليّ عن المواد، ولهذا أكثر الشريعة جاءت على فهم العامة وتأتي فيها تلويحات للخاصة مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] و﴿سُبْحَانَ رَبِكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠]. السؤال الثاني والسبعون: أن الرجل منهم ينصرف بحظه من ربه فيذهل أهل الجنان عن نعيمهم اشتغالاً بالنظر إليه. الجواب: ذلك للباس الرائي صورة ما رأى، وسبب ذلك أنّ المقام عظيم في قلب كل طائفة وأنه أعظم ممّا هم فيه من نعيم الأكوان في الجنان، فإذا دعوا إلى الزيارة وبقي الأزواج الجنانيون من الحور والولدان وأشجار الجنان وأنهارها وجميع ما فيها ممّا يتنعم به من الطيور والمراكب وغير ذلك والكل حيوان فإنها الدار الحيوان، فإذا دعي صاحب المنزل ذكراً كان أو أنثى من الثقلين بقي أهل ذلك المنزل مرتقبين ما يأتون به إليهم من الخلع الإلهية التي أورثهم النظر إليه وبأي صورة يرجعون إليهم من ذلك المقام الأعظم إذ كان ذلك مشاهدة الملك، فإذا وردوا عليهم من الزيارة إذا قال الجليل لملائكته: ردّوهم إلى قصورهم وقد غشيهم من نور الرؤية ما غشاهم ممّا لا مناسبة بين ذلك وبين الجمال والبهاء الذي كانوا فيه قبل الزيارة مع تعظيم المقام الذي مشوا إليه في قلوب أهل المنزل ثم إنهم إذا رجعوا إليهم بصفة ما يشاهدونه في الرؤية أشرق الجنان بأنوارهم على مقدارهم بصورة ما رأوه، فيجدون من الزيارة ما لم يكن عندهم ولا كانوا عليه فهذا هو السبب في ذهولهم، وحظ كل شخص من ربه على مقدار علمه وعقده في درجات العقائد واختلافاتها وكثرتها وقلتها، كما قد تقرر قبل في هذه الفصول، فاعلم ذلك والله الهادي، وفي سوق الجنة علم ما أشرنا إليه . السؤال الثالث والسبعون: ما المقام المحمود؟ الجواب: هو الذي يرجع إليه عواقب الفتوحات المكية ج ٣ - م٩ ١٣٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف المقامات كلها، وإليه تنظر جميع الأسماء الإلهية المختصة بالمقامات وهو لرسول الله وَله، ويظهر ذلك لعموم الخلق يوم القيامة، وبهذا صحّت له السيادة على جميع الخلق يوم العرض. قال ◌َّ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) وكان قد أقيم فيه آدم صلَّ الله عليه وسلم لما سجدت له الملائكة، فإن ذلك المقام اقتضى له ذلك في الدنيا وهو لمحمد مرَّ#له في الآخرة وهو كمال الحضرة الإلهية، وإنما ظهر به أوّلاً أبو البشر لكونه كان يتضمن جسده بشرية محمد وحلول وهو الأب الأعظم في الجسمية والمقرّب عند الله وأول هذه النشأة الترابية الإنسانية، فظهرت فيه المقامات كلها حتى المخالفة إذ كان جامعاً للقبضتين: قبضة الوفاق وقبضة الخلاف، فما تحرّك من آدم لمخالفة النهي إلاَّ النسمة المجبولة على المخالفة، فكانت مخالفته نهي الله من تحرّك تلك النسمة التي كان يحملها في ظهره فإن المقام يقتضي له ذلك. وسألت شيخنا أبا العباس عن ذلك فقال: ما عصى من آدم عليه السلام إلاَّ ما كان من أولاده المخالفين في ظهره، وكانت العاقبة لمحمد # في الدار الآخرة فظهر في المقام المحمود ومنه يفتح باب الشفاعات، فأوّل شفاعة يشفعها عند الله تعالى في حق من له أهلية الشفاعة من ملك ورسول ونبيّ وولّ ومؤمن وحيوان ونبات وجماد، فيشفع رسول الله وَ له عند ربّه لهؤلاء أن يشفعوا، فكان محموداً لكل لسان وبكل كلام، فله أوّل الشفاعة ووسطها وآخرها، يقول الله: شفعت الملائكة وشفع النبيّون وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين، فيتقضي سياق الكلام أن يكون أرحم الراحمين يشفع أيضاً فلا بدّ تمن يشفع عنده وما ثم إلاَّ الله . فاعلم أن الله يشفع من حيث اسماؤه فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهّار والشديد العقاب ليرفع عقوبته عن هؤلاء الطوائف، فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط، وقد نبّه الله تعالى على هذا المقام فقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٨٥] فالمتقي إنما هو جليس الاسم الإلهيّ الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد، فسمّى جليسه متقياً منه فيحشره الله من هذا الاسم إلى الاسم الإلهيّ الذي يعطيه الأمان ممّا كان خائفاً منه وهو الرحمن فقال: ﴿يَوَمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ أي يأمنون ممّا كانوا يخافون منه، ولهذا يقول في الشفاعة: وبقي أرحم الراحمين، فبهذه النسبة تنسب الشفاعة إلى الحق من الحق من حيث آثار أسمائه، وهذا هو مأخذ العارفين من الأولياء، فلا يجمع المحامد يوم القيامة كلها إلاَّ محمد ◌َّل﴿، فهذا الذي عبّر عنه بالمقام المحمود، قال رَّ في هذا المقام: ((فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لاَ أَعْلَمُهَا الآنَ)) وهذا يدلك أن علوم الأنبياء والأولياء أذواق لا عن فكر ونظر، فإن الموطن يقتضي هنالك بآثاره أسماء إلهية يحمد الله بها ما يقتضيه موطن الدنيا فلهذا قال: لا أعلمها الآن، وهذا المقام هو الوسيلة لأن منه يتوصل إلى الله فيما توجّه فيه من فتح باب الشفاعة وهو شفاعته في الجميع، ألا تراه منَ لهيقول في الوسيلة: ((إِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ لا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ)) فجعل الشفاعة ثواب السائل ولهذا سمّى المقام المحمود الوسيلة، وكان ثوابهم في هذا السؤال أن يشفعوا، وهذا هو منصب إلهيّ جامع من عين ملك الملك، قال تعالى: ﴿أَلَاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٣١ اُلْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٣] وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] فكان المرجع إليه، فكذلك ترجع المقامات كلها والأسماء إلى هذا المقام المحمود. قال وَلقال: ((أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكلِم)). السؤال الرابع والسبعون: بأيّ شيء ناله؟ الجواب: قال ◌َ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَاسْتَعْجَلَ كُلُّ نَبِيِّ دَعْوتَهُ وَإِنِّي الحَتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)) لعلمه بموطن الآخرة أكثر من علم غيره من الأنبياء. فاعلم أنه لما كان المقام المحمود إليه ترجع المقامات كلها وهو الجامع لها لم يصحّ أن يكون صاحبه إلاَّ من أوتي جوامع الكلم لأنّ المحامد من صفة الكلام، ولما كان بعثه عاماً كانت شريعته جامعة جميع الشرائع، فشريعته تتضمن جميع الأعمال كلها التي تصحّ أن تشرع. واعلم أن جنات الأعمال ما بين الثمانين إلى السبعين لا تزيد ولا تنقص، والإيمان بضع وسبعون باباً أدنى ذلك إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعه قول: لا إله إلاَّ الله، قال تعالى في حق العاملين: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧٤] فلم يحجر بهذا لمن عمل بكل عمل، فإنّ الإنسان في الدنيا أي عمل عمله من الأعمال أعمال الإيمان لا يحجر عليه إذا شاء عمله، فلما ظهر رَّةو بجميع شعب الإيمان كلها التي هي بعدد الجنات العملية إمّا بالفعل وإمّا بالدلالة عليها فإنه الذي سنّها لأمّته فله أجر من عمل بها، ولا يخلو واحد من الأمّة أن يعمل بواحدة منها فهي في ميزانه وَّر من حيث العمل بها فيتبوّأ من الجنة حيث يشاء، وهذا لا يصلح إلاَّ لمحمد وّل# فإنه عنه ظهرت السنن الإلهية، فبهذا نال المقام المحمود وبجوامع الكلم وبالبعثة العامّة، فإنه بالعناية الأخروية صحّت له هذه المقامات في الدنيا، وباتصافه بهذه الأحوال في الدنيا نال تلك المقامات الأخروية، فهو دور بديع مختلف الوجوه حتى يصحّ الوجود عنه. السؤال الخامس والسبعون: كم بين حظ محمد نَّو وحظوظ الأنبياء عليهم السلام؟ الجواب: أما بينه وبين الجميع فحظ واحد وهو عين الجمعية لما تفرّق فيهم، وأما بينه وبين كل واحد منهم فثمانية وسبعون حظاً ومقاماً إلاَّ آدم فإنه ما بينه وبين رسول الله صلَّى الله وسلَّم عليهما إلاَّ ما بين الظاهر والباطن، فكان في الدنيا محمد وَّل باطن آدم عليه السلام، وآدم عليه السلام ظاهر محمد رَّره، وبهما كان الظاهر والباطن، وهو في الآخرة آدم عليه السلام باطن محمد وَّةٍ، ومحمد ◌َّه ظاهر آدم، وبهما يكون الظاهر والباطن في الآخرة، فهذا بين حظ محمد وَّ وبين حظوظ الأنبياء عليهم السلام، وأكثر أصحابنا يمنعون معرفة التوقيت في ذلك وهو غلط منهم، وفي هذا الفصل تفصيل عظيم تبلغ فصول التفصيل فيه إلى مائة ألف تفصيل وأربعة وعشرين ألف تفصيل بعدد الأنبياء عليهم السلام، لأنه يحتاج إلى تعيين كل نبيّ ومعرفة ما بين حظ محمد وّله وبين ذلك النبيّ، والحظوظ محصورة من حيث الأعمال في تسعة وسبعين، وقد يكون للنبيّ من ذلك أمر واحد، ولآخر أمران، ولآخر عشر العدد وتسعه وثمنه وأقل من ذلك وأكثر، والمجموع لا يكون إلاَّ لرسول الله وَليل ولهذا لم يبعث بعثاً عاماً ١٣٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف سوى محمد رَّ وما سواه فبعثه خاص ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةٌّ وَاحِدَةٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨]. السؤال السادس والسبعون: ما لواء الحمد؟ الجواب: لواء الحمد هو حمد الحمد وهو أتمّ المحامد وأسناها وأعلاها مرتبة. لما كان اللواء يجتمع إليه الناس لأنه علامة على مرتبة الملك ووجود الملك كذلك حمد المحامد تجتمع إليه المحامد كلها فإنه الحمد الصحيح الذي لا يدخله احتمال ولا يدخل فيه شك، ولا ريب أنه حمد لأنه لذاته يدل فهو لواء في نفسه، ألا ترى لو قلت في شخص إنه كريم أو يقول عن نفسه ذلك الشخص إنه كريم يمكن أن يصدق هذا الثناء ويمكن أن لا يصدق، فإذا وجد العطاء من ذلك الشخص بطريق الامتنان والإحسان شهد العطاء بذاته بكرم المعطي فلا يدخل في ذلك احتمال، فهذا معنى حمد الحمد فهو المعبر عنه بلواء الحمد، وسمّي لواء لأنه يلتوي على جميع المحامد فلا يخرج عنه حمد لأنّ به يقع الحمد من كل حامد وهو عاقبة العاقبة فافهم، ولما كان يجمع ألوان المحامد كلها لهذا عمّ ظلّه جميع الحامدين. قالَ وَّل: ((آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي)) وإنما قال: فمن دونه لأنّ الحمد لا يكون إلاَّ بالأسماء وآدم عالم بجميع الأسماء كلها فلم يبق إلاَّ أن يكون من هناك تحته ودونه في الرتبة لأنه لا بدّ أن يكون مثنياً باسم ما من تلك الأسماء، ولما كانت الدولة في الآخرة لمحمد وَل# المؤتى جوامع الكلم وهو الأصل فإنه وَلا أعلم بمقامه فعلمه وآدم بين الماء والطين لم يكن بعد، فكان آدم لما علمه الله الأسماء في المقام الثاني من مقام محمد بدر فكان قد تقدّم لمحمد وَلّ علمه بجوامع الكلم والأسماء كلها من الكلم، ولم تكن في الظاهر لمحمد وَلّ عين فتظهر بالأسماء لأنه صاحبها، فظهر ذلك في أوّل موجود من البشر وهو آدم، فكان هو صاحب اللواء في الملائكة بحكم النيابة عن محمد الهر لأنه تقدّم عليه بوجود الطينة، فمتى ظهر محمد وَالله كان أحق بولايته ولوائه، فيأخذ اللواء من آدم يوم القيامة بحكم الأصالة، فيكون آدم فمن دونه تحت لوائه، وقد كانت الملائكة تحت ذلك اللواء في زمان آدم فهم في الآخرة تحته، فتظهر في هذه المرتبة خلافة رسول الله خير على الجميع. السؤال السابع والسبعون: بأيّ شيء يثني على ربّه حتى يستوجب لواء الحمد؟ الجواب: بالقرآن وهو الجامع للمحامد كلها ولهذا سمّي قرآناً أي جامعاً، وهو قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ﴾ [سورة الفاتحة: ٢ -٤] وما أنزلت على أحد قبله، ولا ينبغي أن تنزل إلاَّ على من له هذا المقام، فإنه سبحانه لا ينبغي أن يحمد إلاَّ بما يشرع أن يحمد به من حيث ما شرعه لا من حيث ما تطلبه الصفة الحمدية من الكمال فذلك هو الثناء الإلهيّ، ولو حمد بما تعطيه الصفة لكان حمداً عرفياً عقلياً ولا ينبغي مثل هذا الحمد لجلاله. السؤال الثامن والسبعون: ماذا يقدم إلى ربّه من العبودية؟ الجواب: العبودية وهو انتساب العبد إليه، ثم بعد ذلك تكون العبودية، وهو انتسابه إلى المظهر الإلهيّ. فبالعبودة في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٣٣ يمتثل الأمر دون مخالفة، وهو إذا يقول له﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ من غير تردّد، فإنه ما ثم إلاَّ العين الثابتة القابلة بذاتها للتكوين، فإذا حصلت مظهراً وقيل لها افعل أو لا تفعل فإن خالفت فمن كونها مظهراً، وإن امتثلت ولم تتوقف فمن حيث عينها: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فبهذه العبودية يتقدّم إلى الله في ذلك اليوم، ألا تراه يسجد من غير أن يؤمر بالسجود؟ لكن السجود في ذلك اليوم هو المأمور بالتكوين ولم يكن له محل إلاَّ عين محمد وَله فتكوّن السجود في ذاته لأمر الحق له بتكوينه، فسجد به محمد وَّ من غير أمر إلهيّ ورد عليه بالسجود فيقال له: ((ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع))، ثم بعد ذلك في موطن آخر يؤمر الخلق بالسجود ليتميز المخلص من غير المخلص فذلك سجود العبودية، فالعارفون بالله في هذه الدار يعبدون ربهم من حيث العبودة فما لهم نسبة إلاَّ إليه سبحانه، ومن سواهم فإنهم ينسبون إلى العبودية فيقال: قد قاموا بين يديه في مقام العبودية، فهذا الذي يقدّمه من العبودية إلى ربه وكل محقق بهذه المثابة يوم القيامة . السؤال التاسع والسبعون: بأيّ شيء يختمه حتى يناوله مفاتيح الكرم؟ الجواب: يختمه بالعبودية وهو انتسابه إلى العبودة كما قرّرنا وهي الدرجة الثانية، فإنّ هذا المقام ما هو سوى درجتين: درجة العبودة وهي العظمى المقدّمة، ودرجة العبودية وهي الختام لأنه ما أمر بما يقتضيه أمر العبودة إلاَّ بعد وجوده، فأمر ونهى بوساطة هذا التركيب، فأطاع وعصى وأناب وآمن وكفر ووحد وأشرك وصدّق وكذّب، ولما وفى حق الدرجة الثانية بما تستحقه العبودية من امتثال أوامر سیده ونواهيه ناوله مفاتح الکرم برد ما قدّم إليه . السؤال الثمانون: ما مفاتيح الكرم؟ الجواب: سؤالات السائلين منّا ومنه وبنا وبه، فأما منّا وبنا فسؤال ذاتيّ لا يمكن الانفكاك عنه، وصورة مفتاح الكرم في مثل هذا وقوفك على علمه بأنه بهذه المثابة وغيرك ممّن هو مثلك يجهله ولا يعرفه، فتكرّم عليك بأن عرّفك كيف أنت وما تستحقه ذاتك أن توفي به بما لا يمكن انفكاكها عنه، وأما منه وبه فإن سؤال السائل بما هو عارض له أي عرض له ذلك بعد تكوينه، وذلك أنه لما كان مظهراً للحق وكان الحق منه هو الظاهر فسأل من جعله مظهراً بلسان الظاهر فيه، فهذا سؤال عارض عرض له بعد أن لم يكن، فعبّر عن مثل هذا السؤال بمفتاح الكرم أي من كرم الله تعالى إن سأل نفسه بنفسه وأضاف ذلك إلى عبده فهو بمنزلة ما هو الأمر عليه بأنه يخلق في عباده طاعته ويثني عليهم بأنهم أطاعوا الله ورسوله وما بأيديهم من الطاعة شيء غير أنهم محل لها . سأل إبليس الاجتماع بمحمد وَّير فلما أذن له قيل له اصدقه وحفّت به الملائكة وهو في مقام الصغار والذلّة بين يدي محمد بَّله فقال له: يا محمد إن الله خلقك للهداية وما بيدك من الهداية شيء، وخلقني للغواية وما بيدي من الغواية شيء فصدقه فصدّقه. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٦] وقال: ﴿فَأَهَمَهَا ◌ُورَهَا وَتَقْوَنْهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] وقال: ﴿كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] وقال: ﴿مَّا مِن دَآئَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذُ بِنَاصِيَتِهَاً﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] ثم أثنى مع هذا عليهم فقال: ﴿التَّهِبُونَ الْعَبِدُونَ ١٣٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف اْخَمِدُونَ السَنَبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَجِدُونَ الْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٢] يا ليت شعري ومن خلق التوبة فيهم والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحفظ لحدود الله إلا الله؟ فمن كرمه أنه أثنى عليه بخلق هذه الصفات والأفعال فيهم ومنهم، ثم أثنى عليه بأن أضاف ذلك كله إليهم إذ كانوا محلاً لهذه الصفات المحمودة شرعاً، أليس هذا كله مفاتيح الكرم؟ فإنه يفتح بها من العطايا الإلهية ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال تعالى؛ ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [سورة السجدة: الآية ١٦] يا ليت شعري ومن أقامهم من المضاجع حين نوم غيرهم إلاَّ هو؟ ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [سورة السجدة: الآية ١٦] يا ليت شعري ومن أنطق ألسنتهم بالدعاء ومن خوفهم وطمعهم إلاَّ هو؟ أترى ذلك من نفوسهم؟ لا والله إلاَّ من مفاتيح كرمه فتح بها عليهم ﴿وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٣] فممّا رزقهم التجافي عن المضاجع وعن دار الغرور، وممّا رزقهم الدعاء والابتهال، وممّا رزقهم الخوف منه والطمع فيه، فأنفقوا ذلك كله عليه فقبله منهم، فلا تعلم نفس عالمة ما أخفى لهم أي لهؤلاء الذين هم بهذه المثابة من قرّة أعين ﴿جَزَّآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ١٤] فكانت هذه الأعمال عين مفاتيح الكرم لمشاهدة ما أخفى لهم فيهم، وفي هذه الأعمال من قرّة أعين، فكلما هو في خزائن الكرم فإن مفاتيحه تتضمنه فهو فيها مجمل وهو في الخزائن مفصل، فإذا فتح بالأعمال تميزت الرتب وعرفت النسب وجاءت كل حقيقة تطلب حقّها وكل علم يطلب معلومه . السؤال الحادي والثمانون: على من توزع عطايا ربنا؟ الجواب: على كل حسن السيرة من الولاة وكل شخص وال بالولاية العامّة وهي تولية القلب على القوى المعنوية والحسيّة في نفسه، والولاية كل من له ولاية خارجة عن نفسه من أهل وولد ومملوك وملك، فتوزع العطايا على قدر الولاية وقدر ما عاملهم به من حسن السيرة فيهم، فإن كان الوالي من العلماء بالله الذين يكون الحق سمعهم وبصرهم فليس له حظ في هذه العطايا فإنها عطايا غني لفقراء، وإنما يعطي من هذه صفته عطاء غنيّ لغنيّ ظاهر في مظهر فقير لما أعطى عن فقر ذاتيّ فأخذ هذا المعطي له من الاسم الله لا من الاسم الربّ، فما أعظم الغفلة على قلوب العباد، هيهات متى تبلغ البشر درجة من لا يوصف بالغفلة وهم الملأ الأعلى الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون في غير ليل ولا نهار، يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون وكفى بالبشرية نقصاً. واعلم أن العطايا تختلف باختلاف المستحقين، فمنهم من يكون عطاؤه هو، ومنهم من يكون عطاؤه معرفته بنفسه، ومنهم من يكون عطاؤه ما هو منه، فإن كان المستحق يقول بالاستحقاق الذاتيّ فلا يلزمه إلاَّ شكر إيجاد العين حيث كان مظهراً له جلّ وتعالى، وإن كان يقول بالاستحقاق العرضيّ وهو يرى أنه تعالى جعل له استحقاقاً فهذا يتضاعف عليه الشكر فإنه دون الأوّل في المرتبة، وإن كان المستحق يرى الاستحقاق للظاهر في مظهر ما من حيث ما هو ظاهر لذلك المظهر ولا يرى أن عينه تستحق شيئاً فهذا لا يجب عليه شكر إلاَّ إن أوجبه في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٣٥ على نفسه كإيجاب الحق عن نفسه في مثل قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢] فتتوزع العطايا على مقادير من توزع عليه في العلم والعمل والحال والزمان والمكان والقصد وملازمة العمل ومغبته ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٠] قال فرعون لموسى وهرون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] وهو الذي يستحقه، فالرب هو القاسم العطايا . السؤال الثاني والثمانون: كم أجزاء النبوّة؟ الجواب: أجزاء النبوّة على قدر آي الكتب المنزلة والصحف والأخبار الإلهية من العدد الموضوع في العالم من آدم إلى آخر نبيّ يموت ممّا وصل إلينا وممّا لم يصل، على أنّ القرآن يجمع ذلك كله، فإنّ النبيّ وَّل يقول فيمن حفظ القرآن أنّ النبوّة أدرجت بين جنبيه، فهي وإن كانت مجموعة في القرآن فهي مفصلة معينة في آي الكتب المنزّلة مفسرة في الصحف متميزة في الأخبار الإلهية الخارجة عن قبيل الصحف والكتب، ويجمع النبوّة كلها أمّ الكتاب ومفتاحها بسم الله الرحمن الرحيم، فالنبوّة سارية إلى يوم القيامة في الخلق وإن كان التشريع قد انقطع فالتشريع جزء من أجزاء النبوّة، فإنه يستحيل أن ينقطع خبر الله وأخباره من العالم، إذ لو انقطع لم يبق للعالم غذاء يتغذّى به في بقاء وجوده ﴿قُل لَّوْ كَانَ اُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن نَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ. مَدَدًّا﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٩] ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرَضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان: الآية ٢٧] وقد أخبر الله أنه ما من شيء يريد إيجاده إلاَّ يقول له ﴿ إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فهذه كلمات الله لا تنقطع، وهي الغذاء العام لجميع الموجودات، فهذا جزء واحد من أجزاء النبوّة لا ينفد فأين أنت من باقي الأجزاء التي لها؟ السؤال الثالث والثمانون: ما النبوّة؟ الجواب: النبوّة منزلة يعينها ﴿رَفِيعُ الذَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [سورة غافر: الآية ١٥] ينزلها العبد بأخلاق صالحة وأعمال مشكورة حسنة في العامة تعرفها القلوب ولا تنكرها النفوس، وتدل عليها العقول وتوافق الأغراض وتزيل الأمراض، فإذا وصلوا إلى هذه المنزلة فتلك منزلة الأنباء الإلهي المطلق لكل من حصل في تلك المنزلة من ﴿رَفِيعُ الذَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ فإن نظر الحق من هذا الواصل إلى تلك المنزلة نظر استنابة وخلافة ألقى الروح بالانباء من أمره على قلب ذلك الخليفة المعتنى به فتلك نبوّة التشريع، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] وقال: ﴿يَُزِّلُ الْمَلَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فهي عامة لأن ((من)) نكرة ﴿أَنْ أَنَذِرُوّاْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَتَّقُونِ﴾ [سورة النحل: الآية ٢] نبوّة خاصة نبوّة تشريع ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [سورة غافر: الآية ١٥] مثل ذلك ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ يَوْمَ هُمْ بَرِزُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ١٥ - ١٦] نبوّة تشريع لا نبوّة عموم ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُّ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٩٤] فالإنذار مقرُون أبداً بنبوّة التشريع، ولهذه النبوّة هي تلك الأجزاء التي سأل عنها والتي وردت في الأخبار. ١٣٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف وأما النبوّة العامة فأجزاؤها لا تنحصر ولا يضبطها عدد فإنها غير مؤقتة لها الاستمرار دائماً دنيا وآخرة، وهذه مسألة أغفلها أهل طريقنا فلا أدري عن قصد منهم كان ذلك أو لم يوقفهم الله عليها أو ذكروها وما وصل ذلك الذكر إلينا والله أعلم بما هو الأمر عليه. ولقد حدّثني أبو البدر التماشكي البغداديّ رحمه الله عن الشيخ بشير من ساداتنا بباب الأزج عن إمام العصر عبد القادر أنه قال: معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوا. فأما قوله أوتيتم اللقب أي حجر علينا إطلاق لفظ النبيّ وإن كانت النبوّة العامة سارية في أكابر الرجال. وأمـ قوله: وأوتينا ما لم تؤتوا هو معنى قول الخضر الذي شهد الله تعالى بعدالته وتقدمه في العلم وأتعب الكليم المصطفى المقرّب موسى عليه السلام في طلبه مع العلم بأن العلماء يرون أن موسى أفضل من الخضر فقال له: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، فهذا عين معنى قوله: أوتينا ما لم تؤتوا، وإن أراد رضي الله عنه بالأنبياء هنا أنبياء الأولياء أهل النبوّة العامة، فيكون قد صرّح بهذا القول أن الله قد أعطاه ما لم يعطهم، فإن الله قد جعلهم فاضلاً ومفضولاً فمثل هذا لا ينكر. السؤال الرابع والثمانون: كم أجزاء الصدّيقية؟ الجواب: بضع وسبعون جزءاً على عدد شعب الإيمان الذي يجب على الصدّيق التصديق بها، وليست الصديقية إلاَّ للأتباع، والأنبياء أصحاب الشرائع صدّيقون، بخلاف أنبياء الأولياء الذين كانوا في الفترات، وإنما كانت الأنبياء أصحاب الشرائع صدّيقين، لأن أهل هذا المقام لا يأخذون التشريع إلاَّ عن الروح الذي ينزل بها على قلوبهم وهو تنزيل خبريّ لا تنزيل علميّ، فلا يتلقونه إلاَّ بصفة الإيمان، ولا يكشفونه إلاّ بنوره، فهم صدّيقون للأرواح التي تنزل عليهم بذلك، وكذلك كل من يتلقى عن الله ما يتلقاه من كون الحق في ذلك الإلقاء مخبراً فإنما يتلقاه من جانب الإيمان ونوره لا من التجلّي، فإنّ التجّي ما يعطى الإيمان بما يعطيه، وإنما يعطى ذلك بنور العقل لا من حيث هو مؤمن، فأجزاء الصدّيقية على ما ذكرناه لا تنحصر فإنه ما يعلم ما يعطي الله في إخباراته لمن أخبرهم، فأجزاء الصدّيقية المحصورة هو ما وردت به الأخبار الإلهية بأنّ اعتقاد ذلك الخبر قربة إلى الله على التعيين وهي متعلقة بالاسم الصادق لا بدّ من ذلك، فيتصوّر هنا من أصول طريق الله وأنه ما ثم إلاَّ صادق فإنه ما ثم مخبر إلاَّ الله، فينبغي أن لا يكذب بشيء من الأخبار. قلنا: الصدّيق من لا يكذب بشيء من الأخبار إذا تلقّى ذلك من الصادق، ولكن الصدّيق إن كان من العلم بالله بحيث أن يعلم أنه ما ثم مخبر إلاَّ الله فيلزمه التصديق بكل خبر على حسب ما أخبر به المخبر، فإذا أخبر الصادق الحق بأن قوماً كذبوا في أمر أخبروا به صدق الله في خبره أنهم كذبوا في كل ما أخبر به أنهم كذبوا فيه، وأنّ الكذب هي صفة بالنسبة إليهم لا بالنسبة إلى الخبر، فإنّ الخبر إذا نسبته إلى الصادق كان صدقاً، وإذا نسبته إلى الكاذب فيه كان كذباً، وإذا نسبته إلى الكاذب لا فيه كان محتملاً، والذي يرى أن المخبر هو الله الصادق فإنّ ذلك الخبر في ذلك الحال هو صدق والمؤمن به صدّيق، ثم أخبر الصادق الحق أنّ ذلك الخبر الذي نسبته إليّ بأنه صدق أنسبه إلى الذي ظهر على لسانه نسبة كذب في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٣٧ فاعتقد أنه كذب فيعتقد فيه أنه بالنسبة إلى ذلك الشخص لكونه محلاً لظهور عين هذا الخبر كذب لأن مدلوله العدم لا الوجود، فالصدق أمر وجوديّ، والكذب أمر عدميّ، وصورة الصدق في الكذب أنّ المخبر الكاذب ما أخبر إلاَّ بأمر وجوديّ صحيح العين في تخيّله، إذ لو لم يتخيله لحصول المعنى عنده لما صحّ أن يخبر عنه بما أخبر فهو صادق في خبره ذلك والمؤمن به صدّيق، ثم أخبر الحق عن ذلك الخبر أنه بالنسبة إلى الحسّ كذب وما تعرض إلى الخيال كما لم يتعرّض المخبر في خبره ذلك إلى الحسّ، وإنما السامع ليس له في أول سماعه الأخبار إلاَّ أوّل مرتبة وهي الحسّ، ثم بعد ذلك يرتقي في درجات القوى، فاعتقد بعد هذا بإخبار الحق عنه أن ذلك كذب في الحسّ أنه كذب في الحسّ، أي ليس في الحسّ منه صورة من حيث الحكم الظاهر فهو صدّيق للخبر الحق، فماللوجود كذب ولا في العدم صدق، فإن الصدق أصله الصادق وهو الوجود المحض الذي لا نسبة للعدم إليه، والكذب هو العدم المحض الذي لا نسبة للوجود إليه. وأما الكذب النسبيّ بالنظر إلى الخيال يكون صدقاً، وبالنظر إلى الظاهر على شرط مخصوص يكون كذباً، فالصديق يتعلق به من حيث نسبته إلى ما هو موجود به، والعامّة تتعلق به من حيث إنه لا وجود له في المرتبة التي يطلبها فيه من يكذبه فاعلم ذلك، فإن شئت قلت بعد هذا إن للصدّيقية أجزاء منحصرة، وإن شئت قلت: لا تدخل تحت الحصر أجزاؤها، وإن أردت بأجزاء الصدّيقية الصفة التي بها تحصل الصدّيقية للصديق فهذا سؤال آخر يمكن أن يسأل عنه، فالجواب عن مثل هذا الوجه أن من أجزائها سلامة العقل والفكر الصحيح والخيال الصحيح والإيمان بصدق المخبر، وإن أحاله العقل الذي ليس بسليم عند أهل هذه الصفة والقول باستحالات الإمكان في الأعيان الممكنات بالنظر إلى ما تقتضيه ذات الواجب الوجود لذاته أو إلى سبق العلم منه عند من يقول بذلك، فإذا كان بهذه المثابة حصلت له الصدّيقية، ويكون هذا المجموع أجزاءها لأنها ليست بزائدة على عين المجموع وهذا هو النور الأخضر. السؤال الخامس والثمانون: ما الصدّيقية؟ الجواب: نور أخضر بين نورين يحصل بذلك النور شهود عين ما جاء به المخبر من خلف حجاب الغيب بنور الكرم، وذلك أن اسم الله المؤمن الذي تسمّى الله لنا به في كتابه من حيث هو نور أعني الكتاب فقال عزّ من قائل: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٣] إلاَّ أن المؤمن هنا له وجهان: معطي الأمان، ومصدق الصادقين من عباده عند من لم يثبت صدقهم عنده، ولهذا قال تعالى حكاية عمّا يقوله الصادق يوم القيامة لربّه: ﴿قَلَ رَبِّ احْكُ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١١٢] ليثبت صدقي عند من أرسلتني إليهم فيما أرسلتني به، فجاء بلفظ يدل على أنه وقع وهو عند العامّة ما وقع، فإنه يوم القيامة وما أخبر الله إلاَّ بالواقع فلا بدّ أن يكون، ثم حضرة إلهية فيها وقوع الأشياء دائماً لا تتقيد بالماضي فيقال: قد وقعت ولا بالمستقبل فيقال تقع، ولكن متعلقها الحال الدائم، وبين القلوب وبين هذه الحضرة حجاب التقييد، فإذا كوشف العبد على خلوصه من التقييد وظهر بصورة حق في حضرة مطلقه شهد ما يقال فيه يقع واقعاً، ١٣٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف وشهد ما يقال فيه واقعاً، فلم يزل واقعاً ولا يزال واقعاً، فعنه تقع الحكايات الإلهية بأنه يقع مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [سورة النحل: الآية ١١١] فعلق بالمستقبل، وقوله عزّ وجلّ: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [سورة النحل: الآية ١] فأتى بالماضي، وكلا التقييدين يدل على العدم والحال له الوجود والعدم لا يقع فيه شهود ولا تمييز، فلا بدّ أن يكون المخبر عنه بأنه كان كذا أو يكون كذا له حالة وجودية في حضرة إلهية عنها تقع الإخبارات، والواقف فيها يسمّى صديقاً وهي بنفسها الصديقية ولها اطلاع من خلف حجاب هذا الهيكل المظلم في حق شخص، والهيكل المنوّر في حق شخص، فإن وجدت عيناً مفتوحة سليمة من الصدع أبصرت هذه العين بهذا النور من هذه الحضرة صدق المخبرين كانوا من كانوا فيسمّون صدّيقين بذلك وتسمّى هذه الحالة صدّيقية، وللملأ الأعلى منها شرب، وللرسل فيها شرب، وللأنبياء فيها شرب، وللأولياء فيها شرب، وللمؤمنين فيها شرب، ولغير المؤمنين من جميع أهل النحل والملل شرب، فيسعد بها قوم ويشقى بها قوم، لشروط تتعلق بها ولوازم بها يقال: مؤمن وكافر، ومشرك وموحّد، ومعطل ومثبت، ومقرّ وجاحد، وصادق وكاذب، فقد عمّت الصدّيقية جميع الهياكل المنوّرة والمظلمة والنورية والنارية والطبيعية العنصرية ولا يشعر بها إلاَّ الأكابر من الرجال وهم العارفون بسريانها في الموجودات، فإذا نظرت أرباب هذه الهياكل أنفسها مجرّدة عن هياكلها خرجت عن حضرة الصدّيقية وكانت من أهل المعاينة، فصارت ترى من بعدما كانت كأنها ترى، فالحق سبحانه من كونه مؤمناً له حضرة الصدّيقية فيها يصدق الحق عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِنَّهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] فصدقهم في كونهم ما عبدوا سواه في الهياكل المسمّاة شركاء، قال تعالى: ﴿قُلّ سَقُوهُمَّ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣] وقال: ﴿إِنْ هِىَ إِلََّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] وبهذا يصدق العباد في الأخبار كلها من غير توقف فلها حكم في الطرفين، فإنّ في هذا الذي قلناه ﴿لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٦٧] ما فيه آية لقوم يتفكرون ولا لقوم يعلمون على الإطلاق إلاَّ إن أراد بيعلمون يعقلون، فالصدّيقية مستندها من الأسماء الإلهية المؤمن، وكذلك أثرها في المخلوقات الإيمان، وكذلك أسماؤهم المؤمنون الصدّيقون لهم النور لصدقهم، إذ لولا النور لما عاينوا صدق المخبر وصدق الخبر من خلف حجاب هذا الهيكل ﴿طُوبَ لَهُمْ﴾ ثم طوبى ﴿ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢٩]. انتهى الجزء السادس والثمانون. (الجزء السابع والثمانون) بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ السؤال السادس والثمانون: على كم سهم ثبتت العبودية؟ الجواب: على تسعة وتسعين سهماً على عدد الأسماء الإلهية التي من أحصاها دخل الجنة، لكل اسم إلهيّ عبودية تخصّه بها يتعبد له من يتعبّد من المخلوقين، ولهذا لا يعلم هذه الأسماء الإلهية الأولى ثابت الولاية، فإنّ رسول الله وَلّ ما ثبت عندنا أنه عينها وقد يحصيها بعض الناس، ولا يعلم أنها هي التي ورد في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٣٩ فيها النص كما يكون ولياً، ولا يعلم أنه وليّ، ومن رجال الله من عرّفهم الله بها من أجل ما يطلبه كل اسم منها من عبودية هذا العبد، فيعين له هذا الوليّ العارف من العبودية بحسب الاسم الذي له الحكم عليه في وقته، فمن أحصى هذه الأسماء الإلهية دخل الجنة المعنوية والحسّيّة، فأما المعنوية فبماذا تطلبه هذه الأسماء من العلم بالعبودية التي تليق بها. وأما الحسّة فبماذا تطلبه هذه الأسماء من الأعمال التي تطلبه من العباد فلا بدّ من تمييزها، وكيف يعرف اسم العبودية من لا يعلم من الله ما يطلبه منه؟ فبهذا النظر یکون للعبودية سهام ویکون عددها ما ذكرناه، والعاملون بهذه العبودية رجلان: رجل يعمل بها من حيث شرعه ومن عمل بها من حيث شرعه فقد عمل بها من حيث عقله. ورجل عمل بها من حيث عقله ومن عمل بها من حيث عقله قد لا يعمل بها من حيث شرعه، فالعامل بها من حيث عقله ينسبها إلى هياكل منوّرة أو عقول مجرّدة عن المواد لا بدّ من ذلك. والعامل بها من حيث شرعه ينسبها إلى الله سبحانه وينسبها من حيث آثارها وما تنظر إليه لوضع الوسائط بينك وبينها إلى الهياكل النورية والعقول المجرّدة عن المواد. وأمّا العامة فلا يعرفونها إلاَّ لله خاصة أو للأسباب القريبة المعتادة المحسوسة خاصة لا يعلمون غير هذا، وما رأيت ولا سمعت عن أحد من المقرّبين أنه وقف مع ربّه على قدم العبودة المحضة، فالملأ الأعلى يقول: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] والمصطفون من البشر يقولون: ﴿رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٣] ويقولون: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [سورة نوح: الآية ٢٦] ويقولون: إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض من بعد اليوم. وهذا كله لغلب الغيرة عليهم واستعجال لكون الإنسان خلق ﴿ وَكَانَ الْإِنِسَنُ عَجُولاً﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١] فهي حركة طبيعية أظهرت حكمها في الوقت فانحجب عن صاحبها من العبودة بقدر استصحاب مثل هذا الحكم لصاحبها، وكل ما كان يقدح في مقام ما ويرمي به ذلك المقام فإنّ صاحب ذلك المقام لم يتصف في تلك الحال بالكمال الذي يستحقه، وإن كان من الكمل فنور العبودية على السواء من نور الربوبية فإنه من أثره، وعلى قدر ما يقدح في العبودية يقدح في الربوبية، وإن كان مثل هذا القدح لا يقدح ولا يؤثر في السعادة الطبيعية ولكن يؤثر في السعادة العلمية، وأعمّ الدرجات في ذلك درجتان: درجة العجلة التي خلق الإنسان عليها ودرجة الغفلة التي جبل الإنسان عليها، ولولا أنّ الملأ الأعلى له جزء في الطبيعة ومدخل من حيث هيكله النوريّ ما وصفهم الحق بالخصام في قوله: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِلْعَلَا الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ﴾ [سورة ص: الآية ٦٩] ولا يختصم الملأ الأعلى إلاَّ من حيث المظهر الطبيعيّ الذي يظهر فيه كظهور جبريل في صورة دحية، وكذلك ظهورهم في الهياكل النورية المادية وهي هذه الأنوار التي تدركها الحواس فإنها تدركها إلاَّ في مواد طبيعية عنصرية، وأما إذا تجرّدت عن هذه الهياكل فلا خصام ولا نزاع إذ لا تركيب ومهما قلت اثنان كان وقوع الخصام ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢]. فالوحدة من جميع الوجوه هو الكمال الذي لا يقبل النقص ولا الزيادة، فانظر من حيث هي لا من حيث الموحّد بها، فإن كانت عين الموحّد بها فهي نفسها، وإن لم تكن عين ١٤٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف الموحّد بها فهو تركيب، فما هو مقصودنا ولا مطلب الرجال، ولهذا اختلفت أحكام الأسماء الإلهية من حيث هي أسماء، فأين المنتقم والشديد العقاب والقاهر من الرحيم والغافر واللطيف؟ فالمنتقم يطلب وقوع الانتقام من المنتقم منه، والرحيم يطلب رفع الانتقام عنه وكل ينظر في الشيء بحسب حكم حقيقته فلا بدّ من المنازعة لظهور السلطان، فمن نظر إلى الأسماء الإلهية قال بالنزاع الإلهيّ ولهذا قال تعالى لنبيه: ﴿وَحَدِلْهُمْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٥] فأمره بالجدال الذي تطلبه الأسماء الإلهية وهو قوله: ﴿بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾. كما ورد في الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإذا جادل بالإحسان جادل كأنه يرى ربّه، ولا يرى ربّه مجادلاً إلاَّ إذا رآه من حيث ما تطلبه الأسماء الإلهية من التضادّ فاعلم ذلك. وما منعني من تحصيل هذا المقام إلاَّ الغفلة لا غير فليس بيني وبينه إلاَّ حجاب الغفلة وهو حجاب لا يرفع، وأما حجاب العجلة فأرجو بحمد الله أنه قد ارتفع عني، وأما حجاب الغفلة فمن المحال رفعه دائماً مع وجود التركيب حيث كان في المعاني أو في الأجسام، ولو ارتفع هذا الحجاب لبطل سرّ الربوبية في حق هذا الشخص وهو الذي أشار إليه سهل بن عبد الله أو من كان يقوله أن للربوبية سرّاً لو ظهر لبطلت الربوبية لكنه ممكن الحصول بالنظر إلى نفسه، ولكن لا أدري هل تقتضي الذات تحصيله وظهوره في الوجود أم لا غير أني أعلم أنه ما وقع، ومع هذا فلا أقطع يأسي من تحصيله مع علمي باستحالة ذلك، وينبغي للناصح نفسه أن يقارب هذا المقام جهد الاستطاعة، وأما القائلون بالتشبه بالحضرة الإلهية جهد الطاقة وهو التخلّق بالأسماء أنه عين المطلوب والكمال فهو صحيح في باب السلوك لا في عين الحصول، وأما في عين الحصول فلا تشبه بل هو عين الحق والشيء لا يشبه نفسه، فأعلى المظاهر مظاهر الجمع وهو عين التفريق. السؤال السابع والثمانون: ما يقتضي الحق من الموحدين؟ الجواب: أن لا مزاحمة، وذلك أنّ الله لما تسمّى بالظاهر وبالباطن نفى المزاحمة، إذ الظاهر لا يزاحم الباطن والباطن لا يزاحم الظاهر، وإنما المزاحمة أن يكون ظاهران أو باطنان، فهو الظاهر من حيث المظاهر، وهو الباطن من حيث الهوية، فالمظاهر متعددة من حيث أعيانها لا من حيث الظاهر فيها، فالأحدية من ظهورها والعدد من أعيانها، فيقتضي الحق من الموحدين الذين وصفوا بصفة التوحيد أن يوحّدوه من حيث هويته، وإن تعددت المظاهر فما تعدد الظاهر فلا يرون شيئاً إلاَّ كان هو المرئيّ والرائي، ولا يطلبون شيئاً إلاَّ كان هو الطالب والطلب والمطلوب، ولا يسمعون شيئاً إلاَّ كان هو السامع والسمع والمسموع، فلا تزاحم فلا منازعة، فإن النزاع لا يحمله إلاّ التضاد وهو المماثل والمنافر وهو عين المماثل هنا، إذ قد يكون الضدان ما ليس بمثلين، بخلاف المخالف فإن حكم المخالف لا يقع منه مزاحمة ولا منازعة، ولهذا نفى الحق أن تضرب له الأمثال لأنها أضداد تنافي حقيقة ما ينبغي له، ولا ينافيه ما سميّ به حيث نفى التشبيه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] خلق الله التفاحة تحمل اللون والطعم والرائحة، ولا مزاحمة في الجوهر الذي لا ينقسم، ويستحيل