Indexed OCR Text

Pages 101-120

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٠١
الفتائل من نور ذلك السراج بحسب استعداداتها، ففتيلة طبيعية في غاية النظافة صافية الدهن
وافرة الجسم يكون قبولها أعظم في اتساع النور وفي كمية جسم النور، وأكبر من فتيلة نزلت
عن هذه في الصفة من النظافة والصفاء فكان التفاوت بين الأنوار بحسب استعدادات الفتائل،
ومع هذا فلم ينقص من السراج الأوّل شيء بل هو على كماله كما كان، وكل سراج من هذه
السرج يضاهيه ويقول: أنا مثله وبأي شيء فضل عليّ وأنا يوخذ مني كما يؤخذ منه ويصول
ويقول وما يرى فضله عليه من وجه أنه الأصل وله التقدّم، والثاني أنه في غير مادة ولا واسطة
بينه وبين ربّه وما عداه فلم يظهر له وجود إلاّ به وبالمواد التي قبلت الاشتعال منه فظهرت
أعيان العقول هذا كله غاب عنها بل ما لها فيه ذوق كيف يدرك من لا وجود له إلاَّ بين أب وأمّ
حقيقة من كان وجوده عن غير واسطة، وإذا كانت العقول تعجز عن إدراك العقل الأول التي
ظهرت عنه فعجزها عن إدراك خالق العقل الأول وهو الله تعالى أعظم، فإنه أول ما خلق الله
العقل وهو الذي ظهرت منه هذه العقول بوساطة هذه النفوس الطبيعية فهو أول الآباء، وسمّاه
الله في كتابه العزيز الروح وأضافه إليه فقال في حق النفوس الطبيعية وحق هذا الروح وحق
هذه الأرواح الجزئية التي لكل نفس طبيعية ﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية
٢٩] وهو هذا العقل الأكبر ولهذا يقال فيه العقل الغريزي معناه الذي اقتضته هذه النشأة الطبيعية
باستعدادها الذي هو عبارة عن تسويتها وتعديلها لقبول هذا الأمر.
واعلم أنّ أصل كل متكثر الواحد فالأجسام ترجع إلى جسم واحد، والأنفس ترجع إلى
نفس واحدة، والعقول ترجع إلى عقل واحد، ولكن لا يكون من الواحد الكثرة بمجرّد أحديته
بل بنسب، إذا تأملت ما ذكرناه وجدته كذلك فيكون كأنّ ذلك الواحد انقسم إلى هذه الكثرة لا
أنه انقسم في نفسه، إمّا لكونه لا يقبل القسمة كالنفوس والعقول والأصل المرجوع إليه، وإما
لكونه في قوّته أن تكون منه هذه الكثرة من غير أن ينقص منه من حيث جسميته كالجسوم التي
يتولد عنها الحيوان بماء أو ريح، فذلك الماء أو الريح ليس هو من حدّ هذا الجسم الذي تكوّن
عنه ما تكوّن .
السؤال الأربعون: ما صفة آدم عليه السلام؟ الجواب: إن شئت صفته الحضرة الإلهية،
وإن شئت مجموع الأسماء الإلهية، وإن شئت قول النبي وَله: ((إن الله خلق آدم على صورته))
فهذه صفته، فإنه لما جمع له في خلقه بين يديه علمنا أنه قد أعطاه صفة الكمال فخلقه كاملاً
جامعاً ولهذا قبل الأسماء كلها، فإنه مجموع العالم من حيث حقائقه فهو عالم مستقل وما عداه
فإنه جزء من العالم، ونسبة الإنسان إلى الحق من جهة باطنه أكمل في هذه الدار الدنيا، وأما في
النشأة الآخرة فإنّ نسبته إلى الحق من جهة الظاهر والباطن، وأما الملك فإن نسبته من جهة
الظاهر إلى الحق أتم ولا باطن للملك ولكن إلى الحق من حيث هو مسمّى الله لا من حيث ذاته،
فإنه من حيث ذاته هو لذاته، ومن حيث مسمّى الله يطلب العالم، فكأن العالم لم يعلم من الحق
سوى المرتبة وهي كونه إلهاً رباً، ولهذا لا كلام له فيه إلاَّ في هذه النسب والإضافات، وسمّي
بآدم لحكم ظاهرة عليه فإنه ما عرف منه سوى ظاهره، كما أنه ما عرف من الحق سوى الاسم

١٠٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الظاهر وهو المرتبة الإلهية، فالذات مجهولة، وكذلك كان آدم عند العالم من الملائكة، فمن
دونهم مجهول الباطن، وإنما حكموا عليه بالفساد أي بالإفساد من ظاهر نشأته لما رأوها قامت
من طبائع مختلفة متضادّة متنافرة، فعلموا أنه لا بدّ أن يظهر أثر هذه الأصول على من هو على
هذه النشأة، فلو علموا باطنه وهو حقيقة ما خلقه الله عليه من الصورة لرأوا الملائكة جزءاً من
خلقه، فجهلوا أسماءه الإلهية التي نالها بهذه الجمعية لما كشف له عنه فأبصر ذاته فعلم مستنده
في كل شيء ومن كل شيء، فالعالم كله تفصيل آدم، وآدم هو الكتاب الجامع، فهو للعالم
كالروح من الجسد، فالإنسان روح العالم والعالم الجسد، فبالمجموع يكون العالم كله هو الإنسان
الكبير والإنسان فيه. وإذا نظرت في العالم وحده دون الإنسان وجدته كالجسد المسوّى بغير روح،
وكمال العالم بالإنسان مثل كمال الجسد بالروح، والإنسان منفوخ في جسم العالم فهو المقصود من
العالم، واتخذ الله الملائكة رسلاً إليه ولهذا سمّاهم ملائكة أي رسلاً من المألكة وهي الرسالة، فإن
أخذت الشرف بكمال الصورة قلت: الإنسان أكمل، وإن أخذت الشرف بالعلم بالله من جانب
الحق لا من طريق النظر فالأفضل والأشرف من شرّفه الله بقوله: هذا أفضل عندي، فإنه لا تحجير
عليه في أن يفضل من شاء من عباده، فإن العلم بالله الذي يقع به الشرف لا حدّ له ينتهي إليه.
السؤال الحادي والأربعون: ما توليته؟ الجواب: إن الله تولاه بثلاث: منها توليته في
خلقه بيديه. ومنها بما علمه من الأسماء التي ما تولى بها ملائكته. ومنها الخلافة وهي قوله:
﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] فإن كان قوله: ﴿خَلِيفَةٌ﴾ لقوله: ﴿وَفِ
الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٤] فهو نائب الحق في أرضه وعليه يقع الكلام، وإن أراد
بالخلافة أنه يخلف من كان فيها لما فقد فما نحن بصدد ذلك، وكان المقصود النيابة عن الحق
بقوله: ﴿خَلِيفَةٌ﴾ لقولهم: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِكُ الدِّمَآءَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] وهذا لا يقع
إلاَّ ممّن له حكم، ولا حكم إلاَّ لمن له مرتبة التقدّم وإنفاذ الأوامر، فأما مقصود السائل فإنه
يريد الخلافة التي هي بمعنى النيابة عن الله في خلقه فأقامه بالاسم الظاهر وأعطاه علم الأسماء
من حيث ما هي عليه من الخواص التي يكون عنها الانفعالات فيتصرّف بها في العالم
تصرفها، فإنه لكل اسم خاصة من الفعل في الكون يعلمها من يعلم علم الحروف وترتيبها من
حيث ما هي مرقومة، ومن حيث ما هي متلفظ بها، ومن حيث ما هي متوهمة في الخيال.
فمنها ما له أثر في العالم الأعلى وتنزيل الروحانيات بها إذا ذكرت أو كتبت في عالم الحسّ.
ومنها ما له أثر في العالم الجبروتيّ من الجنّ الروحانيّ. ومنها ما يؤثر ذكره في خيال كل
متخيل وفي حسّ كل ذي حسّ. ومنها ما له أثر في الجانب الأحمى الأعلى الذي هو موضع
النسب، ولا يعرف هذا التأثير الواحد وأسماءه إلاّ الأنبياء والمرسلون سلام الله عليهم وهي
أسماء التشريع، والعمل بتلك الشرائع هو المؤثّر في هذا الجناب النسبي وهو جناب عزيز لا
يشعر به جعله الحق سبحانه موضع أسراره ومجلى تجلياته، وهو الذي يعطي النزول
والاستواء والمعية والفرح والضحك والمقدار، وما يفهم منه من الآلات التي لا تكون إلاَّ
لذوات المقادير والكميات والكيفيات .

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٠٣
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ فجاء بالهوية بما ينبغي أن يظهر به في
السموات من الألوهية بالاسم الذي يخصّها ﴿وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٤] بالاسم
الذي ينبغي أن يظهر به في الأرض من كونه إلهاً، فكان آدم نائباً عن هذا الاسم، وهذا الاسم
هو باطنه وهو المعلم له علم التأثيرات التي تكون عن الأسماء الإلهية التي تختص بالأرض
حيث كانت خلافته فيها، وهكذا هو كل خليفة فيها، ولهذا قال: ﴿جَعَلَكُمْ خَلَتِفَ الْأَرْضِ﴾
[سورة الأنعام: الآية ١٦٥] أي يخلف بعضنا بعضاً فيها في تلك المرتبة، مع وجود التفاضل بين
الخلفاء فيها، وذلك لاختلاف الأزمان واختلاف الأحوال، فيعطي هذا الحال والزمان من
الأمر ما لا يعطيه الزمان والحال الذي كان قبله والذي يكون بعده، ولهذا اختلفت آيات
الأنبياء باختلاف الأعصار، فآية كل خليفة ورسول من نسبة ما هو الظاهر والغالب على ذلك
الزمان وأحوال علمائه أي شيء كان من طب أو سحر أو فصاحة وما شاكل هذا، وهو قوله:
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يقول للخلفاء: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِىِ مَآ ءَاتَنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾
﴿وَإِنَُّ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٥] وهاتان الصفتان لا تكونان إلاَّ لمن بيده الحكم
والأمر والنهي.
فهذا النسق يقوّي أنه أراد خلافة السلطنة والملك وهي التولية الإلهية، وأعظم تأثيراتها
الفعل بالهمة من حيث إن النفس ناطقة لا من حيث الحرف والصوت المعتاد في الكلام
اللفظيّ، فإن الهمّة من غير نطق النفس بالنطق الذي يليق بها، وإن لم يشبه نطق اللسان لا
يكون عنها انفعال بوجه من الوجوه عند جماعة أصحابنا، وأوقعهم في هذا الإشكال حكم
النيابة عن الله الذي ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ وهو المعبّر فينا بالهمة ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة
يس: الآية ٨٢] وهو المعبر عنه فينا بالنطق أو الكلام بحسب ما يليق بالمنسوب إليه ذلك، فما
اكتفى سبحانه في حق نفسه بالإرادة حتى قرن معها القول وحينئذ وجد التكوين، ولا يمكن أن
يكون النائب عنه وهو الخليفة بأبلغ في التكوين ممّن استخلفه، فلهذا لم يقتصروا على الهمة
دون نطق النفس. وأما نحن فنقول بهذا في موطنه وهو صحيح، غير أن الذات غاب عنهم ما
تستحقه لكون المرتبة لا تعقل دونها، فكان كون المرتبة إنما هو عن الذات بلا شك، لأن
الذات تطلبها طلباً ذاتياً لا طلباً يتوقف على همّة وقول، بل عين همتها وقولها هو عين ذاتها ،
فكون الألوهة لها هو ما يكون عن ذات الخليفة من حيث إنها ذات خليفة، فهي الذات
الخلافية لا ذات الخلق التي هي نشأة جسمه وروحه، ومع هذا فلا بدّ من النسب الثلاث
لوجود التكوين عقلاً في موازين العلوم وشرعاً، فأما في العقل فأصحاب الموازين يعرفون
ذلك، وأما في الشرع فإنه قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ فهذا الضمير الذي هو النون من قولنا عين وجود
ذاته تعالى وكناية عنه فهذا أمر واحد، وقوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ أمر ثان. وقوله: ﴿أَن تَقُولَ لَهُ كُنْ﴾
[سورة النحل: الآية ٤٠] أمر ثالث فذات مريده قائلة يكون عنها التكوين بلا شك، فالاقتدار الإلهيّ
على التكوين لم يقم إلاَّ من اعتبار ثلاثة أمور شرعاً، وكذلك هو الإنتاج في العلوم بترتيب
المقدّمات وإن كانت كل مقدمة مركبة من محمول وموضوع، فلا بدّ أن يكون أحد الأربعة

١٠٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
يتكرّر، فيكون في المعنى ثلاثة، وفي التركيب أربعة، فوقع التكوين عن الفردية وهي الثلاثة
القوّة نسبة الفردية إلى الأحدية، فبقوّة الواحد ظهرت الأكوان، فلو لم يكن الكون عينه لما
صحّ له ظهور، فالوجود المنسوب إلى كل مخلوق هو وجود الحق إذ لا وجود للممكن، لكن
أعيان الممكنات قوابل لظهور هذا الوجود، فتدبر ما ذكرناه في هذه التولية التي سأل عنها
سمينا وابن سمي أبينا محمد بن عليّ الترمذيّ في كتاب ختم الأولياء له، وهي هذه المسائل
التي أذكرها في هذا الباب.
السؤال الثاني والأربعون: ما فطرته يعني فطرة آدم أو الإنسان؟ الجواب: إن أراد فطرته
من كونه إنساناً فله جواب، أو من كونه خليفة فله جواب، أو من كونه إنساناً خليفة فله
جواب، أو من كونه لا إنسان ولا خليفة فله جواب وهو أعلاها نسبة، فإنه إذا كان حقاً مطلقاً
فليس بإنسان ولا خليفة كما ورد في الخبر: ((كنت سمعه وبصره)) فأين الإنسانية هنا؟ إذ لا
أجنبية، وأين الخلافة هنا؟ وهو الأمر بنفسه، فأثبتك ومحاك وأضلك وهداك أي حيّرك فيما بين
لك فما تبينت إلاَّ الحيرة فعلمت أن الأمر حيرة، فعين الهدى متعلقه الضلال فقال: أنت وما
أنت ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَبَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] وما رمى إلاَّ محمد فما رمى
إلاَّ الله، فأين محمد؟ فمحاه وأثبته، ثم محاه، فهو مثبت بين محوين: محو أزليّ وهو قوله: ﴿وَمَا
رَمَيْنَ﴾ ومحو أبديّ وهو قوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَبَىَّ﴾ وإثباته قوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ فإثبات محمد
في هذه الآية مثل الآن الذي هو الوجود الدائم بين الزمانين: بين الزمان الماضي وهو نفي عدم
محقق، وبين الزمان المستقبل وهو عدم محض .
وكذلك ما وقع الحسّ والبصر إلاَّ على رمي محمد، فجعله وسطاً بين محوين مثبتاً
فأشبه الآن الذي هو عين الوجود، والوجود إنما هو وجود الله لا وجوده، فهو سبحانه الثابت
الوجود في الماضي والحال والاستقبال، فزال عنه التقييد المتوهم فسبحان اللطيف الخبير،
ولهذا قال: ﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِينَ مِنْهُ بَلَآءٌ حَسَنًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فجاء بالخبرة، أي قلنا :
هذا اختباراً للمؤمنين في إيمانهم لنا في ذلك من تناقص الأمور الذي يزلزل إيمان من في
إيمانه نقص عمّا يستحقه الإيمان من مرتبة الكمال الذي في: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه:
الآية ٥٠] فهذا الجواب عن الوجه الرابع الذي هو أصعب الوجوه قد بان، فأمّا فطرته من حيث
ما هو إنسان ففطرته العالم الكبير، وأما فطرته من حيث ما هو خليفة ففطرته الأسماء الإلهية،
وأما فطرته من حيث ما هو إنسان خليفة ففطرته ذات منسوب إليها مرتبة لا تعقل المرتبة دونها
ولا تعقل هي دون المرتبة، قال تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠١] وهو
قوله: ﴿كَانَا رَتْقًّا فَفَنَقْنَهُمَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] والفطر الشق، وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ
اُلَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: الآية ٣٠] وهو الفطرة، كما أنه لا تبديل
الكلمات الله وهو قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] أي قولنا واحد لا يقبل التبديل.
وقال ◌َّ: ((كُلُّ مَوْلُودِ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ)) فالألف واللام هنا للعهد أي: الفطرة التي فطر
الله الناس عليها وقد تكون الألف واللام لجنس الفطرة كلها، لأن الناس أي هذا الإنسان لما كان

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٠٥
مجموع العالم ففطرته جامعة لفطر العالم، ففطرة آدم فطرة جميع العالم، فهو يعلم ربّه من حيث
كل علم نوع من العالم من حيث هو عالم ذلك النوع بربه من حيث فطرته، وفطرته ما يظهر به
عند وجوده من التجلي الإلهيّ الذي يكون له عند إيجاده، ففيه استعداد كل موجود من العالم،
فهو العابد بكل شرع، والمسبح بكل لسان، والقابل لكل تجلّ، إذا وفى حقيقة إنسانيته وعلم
نفسه فإنه لا يعلم ربه إلاَّ من علم نفسه، فإن حجبه شيء منه عن درك كله فهو الجاني على نفسه
وليس بإنسان كامل ولهذا قال رسول الله وَّ: (كَمُلَ مِنَ الرَّجَالِ كَثِيرُونَ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ
إلاَّ مَرْيَمُ وَآسِيَةُ)) يعني بالكمال معرفتهم بهم، ومعرفتهم بهم هو عين معرفتهم بربهم، فكانت
فطرة آدم علمه به فعلم جميع الفطر ولهذا قال: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١]
وكل يقتضي الإحاطة والعموم الذي يراد به في ذلك الصنف، وأما الأسماء الخارجة عن الخلق
والنسب فلا يعلمها إلاَّ هو لأنه لا تعلق لها بالأكوان. وهو قوله عليه السلام في دعائه: ((أوٍ
اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمٍ غَيْبِكَ)) يعني من الأسماء الإلهية، وإن كان معقول الأسماء تما يطلب الكون
ولكن الكون لا نهاية لتكوينه فلا نهاية لأسمائه، فوقع الإيثار في الموضع الذي لا يصحّ وجوده،
إذ كان حصر تكوين ما لا يتناهى محال، وأما الذات من حيث هي فلا اسم لها إذ ليست محل أثر
ولا معلومة لأحد ولا ثم اسم يدل عليها معرى عن نسبة ولا بتميكن، فإنّ الأسماء للتعريف
والتمييز وهو باب ممنوع لكل ما سوى الله، فلا يعلم الله إلاَّ الله، فالأسماء بنا ولنا، ومدارها
علينا، وظهورها فينا، وأحكامها عندنا، وغاياتها إلينا، وعباراتها عنا، وبداياتها منا.
[نظم: الهزج]
ولولانا لما كانّتْ
فــلولاها لماكنّا
كما بانَتْ وما بانَتْ
بها بِنَّا وما بِنَّا
وإن ظهرت لقد زانَتْ
فإن خَفِيَتْ لقد جلَّتْ
انتهى الجزء الثالث والثمانون .
(الجزء الرابع والثمانون)
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
السؤال الثالث والأربعون: ما الفطرة؟ الجواب: النور الذي تشق به ظلمة الممكنات
ويقع به الفصل بين الصور فيقال: هذا ليس هذا، إذ قد يقال: هذا عين هذا من حيث ما يقع
به الاشتراك ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١] هو قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ﴾ والعالم كله سماء وأرض ليس غير ذلك، وبالنور ظهرت قوله: ﴿وَبِالْحَقّ ◌َنَزَلْنَهُ وَبَلْحَقِّ
نَزَلَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٥] والله مظهرها فهو نورها، فظهور المظاهر هو الله فهو ﴿فَاطِرِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ففطر السماء والأرض به فهو فطرتها، والفطرة التي فطر الناس عليها، فكل
مولود يولد على الفطرة ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] فما فطرهم إلاَّ عليه،
ولا فطرهم إلاَّ به، فبه تميزت الأشياء وانفصلت وتعينت، والأشياء في ظهورها الإلهيّ لا

١٠٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
شيء، فالوجود وجوده، والعبيد عبيده، فهم العبيد من حيث أعيانهم وهم الحق من حيث
وجودهم، فما تميز وجودهم من أعيانهم إلا بالفطرة التي فصلت بين العين ووجودها، وهو
من أغمض ما يتعلق به علم العلماء بالله كشفه عسير وزمانه يسير.
السؤال الرابع والأربعون: لم سمّاه بشراً؟ الجواب: قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا
خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥] على جهة التشريف الإلهيّ، فقرينة الحال تدل على مباشرة
خلقه بيديه بحسب ما يليق بجلاله فسمّاه بشراً لذلك، إذا اليد بمعنى القدرة لا شرف فيها على
من شرف عليه، واليد بمعنى النعمة مثل ذلك، فإنّ النعمة والقدرة عمّت جميع الموجودات،
فلا بدّ أن يكون لقوله: ﴿ِيَدَىٌّ﴾ أمر معقول له خصوص وصف بخلاف هذين، وهو المفهوم
من لسان العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، فإذا قال صاحب اللسان أنه فعل هذا بيده فالمفهوم
منه رفع الوسائط، فكانت نسبة آدم في الجسوم الإنسانية نسبة العقل الأول في العقول.
ولما كانت الأجسام مركبة طلبت اليدين لوجود التركيب ولم يذكر ذلك في العقل الأول
لكونه غير مركب، فاجتمعا في رفع الوسائط، وليس بعد رفع الوسائط في التكوين مع ذكر
اليدين إلاَّ أمر من أجله سمّي بشراً وسرت هذه الحقيقة في البنين فلم يوجد أحد منهم إلاّ عن
مباشرة، ألا ترى وجود عيسى عليه السلام لما تمثل لها الروح بشراً سوياً فجعله واسطة بينه
تعالى وبين مريم في إيجاد عيسى تنبيهاً على المباشرة بقوله: ﴿بَشَرًا سَوِيًا﴾ [سورة مريم: الآية ١٧]
قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] وبشرة الشيء
ظاهره، والبشرى إظهار علامة حصولها في البشرة، فقوله للشيء ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة البقرة:
الآية ١١٧] بالحرفين الكاف والنون بمنزلة اليدين في خلق آدم، فأقام القول للشيء مقام المباشرة،
وأقام الكاف والنون مقام اليدين، وأقام الواو المحذوفة لاجتماع الساكنين مقام الجامع بين
اليدين في خلق آدم وأخفى ذكره كما خفيت الواو من ﴿كُنْ﴾ غير أن خفاءها في ﴿ كُنَ﴾ لأمر
عارض، وخفاء الجامع بين اليدين لاقتضاء ما تعطيه حقيقة الفعل وهو قوله: ﴿مَّا أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الكهف: الآية ٥١] وهو حال الفعل لأنه ليس في حقائق ما سوى الله ما
يعطي ذلك المشهد، فلا فعل لأحد سوى الله، ولا فعل عن اختيار واقع في الوجود،
فالاختيارات المعلومة في العالم من عين الجبر، فهم المجبورون في اختيارهم، والفعل الحقيقيّ لا
جبر فيه ولا اختيار لأن الذات تقتضيه فتحقق ذلك، فلمباشرة الوجود المطلق الأعيان الثابتة
لظهور الوجود المقيّد سمّي الوجود المقيّد بشراً واختصّ به الإنسان لأنه أكمل الموجودات خلقاً،
وكلّ نوع من الموجودات ليس له ذلك الكمال في الوجود فالإنسان أتم المظاهر فاستحقّ اسم
البشر دون غيره من الأعيان.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] فسمّي المكلم هنا بشراً بهذه
الضروب كلها من الكلام لما يباشره من الأمور الشاغلة له عن اللحوق برتبة الروح التي له من
حيث روحانيته، فإن ارتقى عن درجة البشرية كلّمه الله من حيث ما كلّم الأرواح، إذ كانت

في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٠٧
الأرواح أقوى في التشبّه لكونها لا تقبل التحيّز والانقسام وتتجلّى في الصور من غير أن يكون
لها باطن وظاهر، فما لها سوى نسبة واحدة من ذاتها وهي عين ذاتها، والبشر من نشأته ليس
كذلك فإنه على صورة العالم كله، ففيه ما يقتضي المباشرة والتحيّز والانقسام وهو مسمّى
البشر، وفيه ما لا يطلب ذلك وهو روحه المنفوخ فيه، وعلى بشريته توجهت اليدان فظهرت
الشفعية في اليدين في نشأته، فلا يسمع كلام الحق من كونه بشراً إلاّ بهذه الضروب التي
ذكرها أو بأحدها، فإذا زال في نظره عن بشريته وتحقق بمشاهدة روحه كلّمه الله بما يكلم به
الأرواح المجرّدة عن المواد مثل قوله تعالى في حق محمد مرَّه وفي حق الأعرابيّ ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] وما تلاه عليه غير لسان محمد بَّ، فأقام محمداً بَّر فِي
هذه الصورة مقام الروح الأمين الذي نزل بكلام الله على قلب محمد بَله وهو قوله: ﴿أَوْ
يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ يعني لذلك البشر فيوحي إليه بإذنه ما يشاء الله تعالى ممّا أمره أن يوحي به إليه
فقوله: ﴿إِلَّا وَحْيًّا﴾ يريد هنا إلهاماً بعلامة يعلم بها أن ربّه كلّمه حتى لا يلتبس عليه الأمر ﴿أَوْ
مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ يريد إسماعه إياه لحجاب الحروف المقطعة والأصوات كما سمع الأعرابيّ
القرآن المتلو الذي هو كلام الله، أو حجاب الآذان أيضاً من السامع، أو حجاب بشريته مطلقاً
فيكلمه في الأشياء كما كلّم موسى: ﴿ مِن جَانِ الُْورِ الْأَيْمَنِ فِ الْبُفْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَوِ أَنَ
يَمُوسَىّ إِّى أَنَا اللَّهُ﴾ [سورة القصص: الآية ٣٠] فوقع الحدّ بالجهة وتعيّن البقعة لشغله بطلب النار
الذي تقتضيه بشريته، فنودي في حاجته لافتقاره إليها، والله قد أخبر أن الناس فقراء إلى الله
فتسمّى الله في هذه الآية باسم كلّ ما يفتقر إليه غيرة إلهية أن يفتقر إلى غير الله، فتجلّى الله له
في عين صورة حاجته، فلما جاء إليها ناداه منها فكان في الحقيقة فقره إلى الله، والحجاب
وقع بالصورة التي وقع فيها التجلّي، فلولا ما ناداه ما عرفه، وفي مثل هذا يقع التجلّي الإلهيّ
في الآخرة الذي يقع فيه الإنكار، وقوله ﴿حَكِيمٌ﴾ أي ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ
وَحُيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ﴾ بما تقتضيه
المراتب التي ذكرها وأنزلها منزلتها، وقوله ﴿حَكِيمٌ﴾ يريد بإنزال ما علمه منزلته، ولو بدل
الأمر لما عجز عن ذلك، ولكن كونه عليماً حكيماً يقضي بأن لا يكون الأمر إلا كما وقع،
ولما أخبر نبيّه بهذه المراتب كلها التي تطلبها البشرية قال له: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي ومثل ذلك
﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] يعني الروح الأمين الذي نزل به على قلبك
الذي هو روح القدس أي الطاهر عن تقييد البشر، فقد علمت معنى البشر الذي أردنا أن نبيّنه
لك بما تقتضيه هذه اللفظة باللسان العربي .
السؤال الخامس والأربعون: بأيّ شيء نال التقدمة على الملائكة؟ الجواب: إن الله قد
بيّن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] يعني الأسماء الإلهية
التي توجهت على إيجاد حقائق الأكوان، ومن جملتها الأسماء الإلهية التي توجهت على
إيجاد الملائكة والملائكة لا تعرفها، ثم أقام المسمّين بهذه الأسماء وهي التجليات الإلهية
التي هي للأسماء كالمواد الصورية للأرواح فقال للملائكة: ﴿أَنْيُونِ بِأَسْمَاءٍ هَؤُلَاءٍ﴾ يعني

١٠٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الصور التي تجلّى فيها الحق ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] في قولكم: ﴿نُسَبْخُ
بِحَمْدِلَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] وهل سبحتموني بهذه الأسماء التي تقتضيها هذه التجليات التي
أتجلاها لعبادي؟ وإن كنتم صادقين في قولكم: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] ذواتنا عن
الجهل بك فهل قدستم ذواتكم لنا من جهلكم بهذه التجليات، وما لها من الأسماء التي ينبغي
أن تسبحوني بها؟ فقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ﴾ فمن علمهم بالله أنهم ما أضافو
التعليم إلاَّ إليه تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بما لا يعلم ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٢] بترتيب
الأشياء مراتبها، فأعطيت هذا الخليفة ما لم تعطنا ممّا غاب عنّا، فلولا أن رتبة نشأته تعطي
ذلك ما أعطت الحكمة أن يكون له هذا العلم الذي خصصته به دوننا وهو بشر، فقال لآدم :
﴿أَنْبِثْهُم﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٣] بأسماء هؤلاء الذين عرضناهم عليهم، فأنبأ آدم الملائكة بأسماء
تلك التجليات وكانت على عدد ما في نشأة آدم من الحقائق الإلهية التي تقتضيها اليدان الإلهية
ممّا ليس من ذلك في غيره من الملائكة شيء، فكان هؤلائك المسمّون المعروضة على
الملائكة تجلّيات إلهية في صورة ما في آدم من الحقائق، فأولئك هم عالم آدم كلهم فلما
علمهم آدم عليه السلام قال لهم الله: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ﴾ وهو ما علا من
علم الغيوب ﴿ وَالْأَرْضِ﴾ وهو ما في الطبيعة من الأسرار ﴿وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ﴾ أي ما هو من
الأمور ظاهر ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْثُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٣] أي ما تخفونه على أنه باطن مستور،
فأعلمتكم أنه أمر نسبيّ بل هو ظاهر لمن يعلمه. ثم قال لهم بعد التعليم ﴿أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٣٤] سجود المتعلمين للمعلم من أجل ما علمهم فلآدم هنا لام العلة والسبب أي من
أجل آدم، فالسجود لله من أجل آدم سجود شكر لما علمهم الله من العلم به وبما خلقه في آدم
عليه السلام، فعلموا ما لم يكونوا يعلمون فنال التقدمة عليهم بكونه علمهم فهو أستاذهم في هذه
المسألة وبعده، فما ظهرت هذه الحقيقة في أحد من البشر إلاّ في محمد بَيّ فقال عن نفسه: إنه
أوتي جوامع الكلم وهو قوله في حق آدم عليه السلام ﴿اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وكلها بمنزلة الجوامع،
والكلم بمنزلة الأسماء، ونال التقدمة بها وبالصورة التي خلقه الله عليها .
قال عليه السلام: ((إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) بِالنَّشْأَةِ مِنْ أَجْلِ الْيَدَيْنِ وَجَعَلَهُ بِالخِلافَةِ
عَلى صُورَتِهِ وهي المنزلة فأعطته الصورتان التقدّم حيث لم يكن ذلك لغيره من المخلوقات، فليس
فوق هذه المنزلة منزلة لمخلوق، فلا بدّ أن يكون له التقدّمة على من سواه، وكذلك الأمر الذي
أعطاه هذا يتقدّم على جميع الأمور كلها .
السؤال السادس والأربعون: كم عدد الأخلاق التي منحه عطاء؟ الجواب: ثلاثمائة خلق
وهي التي ذكر النبيّ وَّهِ: ((إِنَّ لِلَّهِ ثَلاثَمِائَةِ خُلُقٍ مَنْ تَخَلَّقَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)) ولهذا قال
في الثلاثمائة إنهم على قلب آدم عليه السلام يعني هذه الأخلاق التي منح الله آدم، فمن كملت
نشأته من بنيه قبل هذه الثلاثمائة من الخلق ومن لم يكمل كمال آدم فله منها على قدر ما أعطى
من الكمال، فمنهم الكامل والأكمل، وهذه الأخلاق خارجة عن الاكتساب، لا تكتسب بعمل
بل يعطيها الله اختصاصاً، ولا يصحّ التخلّق بها لأنه لا أثر لها في الكون، وإنما هي إعدادات

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٠٩
بأنفسها لتجلّيات إلهية على عددها، لا يكون شيء من تلك التجلّيات إلاَّ لمن له هذه الأخلاق،
فناهيك من أخلاق لا نعلق لها لمن كان عليها واتصف بها إلاَّ بالله خاصة ليس بينها وبين
المخلوقين نسب أصلاً، فقول النبيّ وَّ: ((مَنْ تَخَلَّقَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا)) أراد من اتصف بشيء منها
أي من قامت به، فإن الأخلاق على أقسام ثلاثة: منها أخلاق لا يمكن التخلّق بها إلاَّ مع الكون
كالرحيم، وأخلاق يتخلق بها مع الكون ومع الله كالغفور، فإنه يقتضي الستر لما يتعلق بالله من
كونه غيوراً ويتعلق بالكون، وأخلاق لا يتخلق بها إلاَّ مع الله خاصة وهي هذه الثلاثمائة ولها
من الجنات جنة مخصوصة لا ينالها إلاّ أهل هذه الأخلاق، وتجلياتها لا تكون لغيرها من
الجنات، ولكن هذه الأخلاق هي لهم كالخلوق الذي يتطيّب به الإنسان، فإنه وجود الريح من
الطيب لا تعمل فيه للمتطيّب به، فإنه يقتضي تلك الريح لذاته، والتخلّق تعمل في تحصيل
الخلق وهذا ليس كذلك، فالثناء على الطيب لا على من قام به، فكذلك هذا الخلق إذا رأى على
عبد قد اتصف به لم يقع منه ثناء عليه أصلاً، وإنما يقع الثناء على الخلق خاصة، فكل خلق تجده
بهذه المثابة فهو من هذه الأخلاق الثلثمائة، فإن الكرم خلق من أخلاق الله، ولكن إذا تخلّق به
العبد أثنى عليه بأنه كريم وكذلك الرحمة يقال فيه رحيم، وهذه الأخلاق لا ينطلق على من
اتصف بها اسم فاعلٍ جملة واحدة، لكن ينطلق عليه اسم موصوف بها، وسبب ذلك لأنه لا
تعلق لها بالكون إلا بحكم الاشتراك كالغفور، ولا بحكم الاختصاص کالشديد العقاب،
ويعطيها الاسم الوهاب من عين المنّة لا غير.
السؤال السابع والأربعون: كم خزائن الأخلاق؟ الجواب: على عدد أصناف
الموجودات وأعيان أشخاصها، فهي غير متناهية من حيث ما هي أشخاص، ومتناهية من
حيث ما هي خزائن، وما سميت خزائن لكون الأخلاق مخزونة فيها اختزاناً وجودياً، وإنما
جعلت خزائن لما تتضمنه في حكم من اتصف بها من الصفات التي لا نهاية لوجودها وهي
خزائن في خزائن، وأصلها الذي ترجع إليه الجامع للكل ثلاث خزائن: خزانة تحوي على ما
تقتضيه الذوات من حيث ما هي ذوات. وخزانة تحوي على ما تقتضيه النسب الموجبة
للأسماء من حيث ما هي نسب. وخزانة تحوي على ما تقتضيه الأفعال من حيث أنها أفعال لا
من حيث المفعولات ولا الانفعالات ولا الفاعلية، وكل خزانة من هذه الخزائن الثلاث تنفتح
إلى خزائن، وتلك الخزائن إلى خزائن، هكذا إلى غير نهاية، فهي تدخل تحت الكم بوجه
ولا تدخل تحت الكم بوجه، فما حصل منها في الوجود حصره الكم.
السؤال الثامن والأربعون: إن لله مائة وسبعة عشر خلقاً ما تلك الأخلاق؟ الجواب: إن
هذه الأخلاق مخصوصة بالأنبياء عليهم السلام ليس لمن دونهم فيها ذوق ولكن لمن دونهم
تعريفاتها، فتكون عن تلك التعريفات أذواق ومشارب لا يحصيها إلاَّ الله علماً وعدداً، فمن
هذه الأخلاق خلق الجمع الدال على التفريق، والجمع الذي يتضمن التفريق، والفرق الذي
يتضمن الجمع، ويظهر هذا الخلق من حضرة العزّة والإبانة والحكمة والكرم، ومن هذه
الأخلاق خلق النور المستور وهو من أعزّ المعارف إذ لا يتمكن في النور أن يكون مستوراً فإنه

١١٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
لذاته يخرق الحجب ويهتك الأستار، فما هذا الستر الذي يحجبه إلاَّ أن ذلك الحجاب هو
أنت كما قال العارف: [الطويل]
فأنتَ حجابُ القلب عن سرُّ غَيْبِهِ
ولولاك لم يَطْبَعْ عليه خِتَامَهُ
ومن هذه الأخلاق خلق اليد وهو القوّة وهو مخصوص بالقلوب وأصحابها وهو على
مراتب، ومن هذه الأخلاق خلق إعدام الأسباب في عين وجودها وهو على مراتب وقفت منها
في الأندلس على مائة مرتبة لا توجد في الكمال إلاّ في روحانية ذلك الإقليم، فإنه لكل جزء
من الأرض روحانية علوية تنظر إليه، ولتلك الروحانية حقيقة إلهية تمدها، وتلك الحقيقة هي
المسماة خلقاً إلهياً، وأما بقية الأخلاق فلها مراتب دون هذه التي ذكرناها في الإحاطة
والعموم، ولكل خلق من هذه الأخلاق درجة في الجنة لا ينالها إلاَّ من له هذا الخلق، وهذه
الأربع التي ذكرناها منها للرسل، ومنها للأنبياء، ومنها للأولياء، ومنها للمؤمنين، وكل طبقة
من هؤلاء الأربع على منازل بعددهم، فمنها ما يشاركهم فيها الملأ الأعلى، ومنها ما تختص
به تلك الطبقة وذلك أن كل أمر يطلب الحق ففيه يقع الاشتراك، وكل أمر يطلب الخلق فهو
يختص بذلك النوع من الخلق يقتصر عليه، ومن الباقي أربعة عشر خلقاً لا يعلمها إلاَّ الله،
والباقي من الأخلاق تعينها أسماء الإحصاء وهي أسماء لا يعرفها إلاَّ وليّ أو من سمعها من
رسول الله وَّر من الصحابة، وأما من طريق النقل فلا يحصل بها علم، وأما الثلاثة عشر
فيختصّ بعلمها سبحانه وما بقي فيعلمه أهل الجنة وهم في العلم بها على طبقات، وأعني
بأهل الجنة الذين هم أهلها فإنه لله سبحانه أهل هم أهله لا يصلحون لغيره كما ورد في الخبر:
((إِنَّ أَهْلَ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ)) وللجنة أهل هم أهلها لا يصلحون إلاَّ لها لا يصلحون لله
وإن جمعتهم حضرة الزيارة ولكن هم فيها بالعرض، وللنار أهل هم أهلها لا يصلحون لله ولا
للجنة، ولكل أهل فيما هم فيه نعيم بما هم فيه ولكن بعد نفوذ أمر سلطان الحكم العدل القاضي
إلى أجل مسمّى، وكل طائفة لها شرب وذوق في هذه الأخلاق المذكورة في هذا الباب،
فانقسمت هذه الأخلاق على هؤلاء الطبقات الثلاث، كل خلق منها يدعوهم إلى ما يقتضيه أمره
وشأنه من نار أو جنان أو حضور عنده حيث لا أين ولا كيف، وللمعاني المجرّدة منها أخلاق،
ولعالم الحسّ منها أخلاق، ولعالم الخيال منها أخلاق، فجنة محسوسة لمعنى دون حسّ، وجنة
معنوية لحسّ دون معنى، وحضور مع الحق معنويّ لحسّ دون معنى، وحضور مع الحق محسوس
المعنى، ونار محسوسة لمعنى دون حسّ، ونار معنوية لحسّ دون معنى، وتتفاضل مشارب هؤلاء
الطبقات فيها، فمنهم التام والأتم، والكامل والأكمل، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٨٣] في كلّ حضرة فإنه كلما أثبتناه من أعيان أكوان في نار وجنان
فليس إلاَّ الحق إذ هي مظاهره، فالنعيم به لا يصحّ أصلاً في غير مظهر فإنه فناء ليس فيه لذّة، فإذا
تجلّ في المظاهر وقعت اللذات والآلام وسرت في العالم، ويرحم الله من قال: [المضارع]
سليم طَرْفِ سقيم
فهل سمعتُمْ بصب
معـذَّبِ بنعيم
منعَم بعذابِ

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١١١
فبه النعيم وبه العذاب، فلا يوجد النعيم أبداً إلاَّ في مركب وكذلك العذاب. وأما النعيم
والعذاب البسيط فلا حكم له في الوجود فإنه معقول غير موجود، فأهل المظاهر هم أهل
النعيم والعذاب، وأهل أحدية الذات لا نعيم عندهم ولا عذاب. قال أبو يزيد: ضحكت زماناً
وبكيت زماناً وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي. وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: لا صباح لي
ولا مساء، إنما المساء والصباح لمن تقيد بالصفة ولا صفة لي.
السؤال التاسع والأربعون والموفي خمسين: كم للرسل سوى محمد وَلّ منها؟ وكم
لمحمد ◌َّ منها؟ الجواب: كلها إلاّ اثنين وهم فيها على قدر ما نزل في كتبهم وصحفهم إلا
محمداً وَلّ فإنه جمعها كلها بل جمعت له عناية أزلية، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ
عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] فيما لهم به من هذه الأخلاق. فاعلم أن الله تعالى لما خلق
الخلق خلقهم أصنافاً وجعل في كلّ صنف خياراً واختار من الخيار خواص وهم المؤمنون،
واختار من المؤمنين خواص وهم الأولياء، واختار من هؤلاء الخواص خلاصة وهم الأنبياء،
واختار من الخلاصة نقاوة وهم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم، واختار من النقاوة شرذمة
قليلة هم صفاء النقاوة المروقة وهم الرسل أجمعهم، واصطفى واحداً من خلقه هو منهم
وليس منهم هو المهيمن على جميع الخلائق جعله عمداً أقام عليه قبة الوجود، جعله أعلى
المظاهر وأسناها، صحّ له المقام تعييناً وتعريفاً، فعلمه قبل وجود طينة البشر وهو محمد
رسول الله وَّ لا يكاثر ولا يقاوم، وهو السيد ومن سواه سوقة، قال عن نفسه: ((أَنَا سَيِّدُ
النَّاسِ وَلا فَخْرَ)) بالراء والزاي روايتان أي أقولها غير متبجح بباطل، أي أقولها ولا أقصد
الافتخار على من بقي من العالم، فإني وإن كنت أعلى المظاهر الإنسانية فأنا أشد الخلق تحقّقاً
بعيني، فليس الرجل من تحقق بربه وإنما الرجل من تحقق بعينه لما علم أن الله أوجده له تعالى لا
لنفسه، وما فاز بهذه الدرجة ذوقاً إلاَّ محمد ◌َير وكشفاً إلاَّ الرسل، وراسخو علماء هذه الأمّة
المحمدية ومن سواهم، فلا قدم لهم في هذا الأمر، وما سوى من ذكرنا ما علم أن الله أوجده
له تعالى بل يقولون: إنما أوجد العالم للعالم، فرفع ﴿بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا
سُخْرِيًا﴾ [ سورة الزخرف: الآية ٣٢] وهو ﴿غَنِىُّ عَنِ اٌلْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] هذا مذهب
جماعة من العلماء بالله .
وقالت طائفة من العارفين: إن الله أوجد الإنس له تعالى والجنّ وأوجد ما عدا هذين
الصنفين للإنسان. وقد روي في ذلك خبر إلهيّ عن موسى وَّ: ((إِنَّ الله أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ: يَا
ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ مِنْ أَجْلِكَ وَخَلَقْتُكَ مِنْ أَجْلِيٍ فَلا تَهْتِكُ مَا خَلَقْتُ مِنْ أَجْلِي فِيمَا خَلَقْتُ
مِنْ أَجْلِكَ)) وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] وتقتضي
المعرفة بالله أن الله خلق العالم وتعرّف إليهم لكمال مرتبة الوجود ومرتبة العلم بالله لا لنفسه
سبحانه، وهذه الوجوه كلها لها نسب صحيحة ولكن بعضها أحق من بعض وأعلاها ما ذهبنا
إليه، ثم يلي ذلك خلقه لكمال الوجود وكمال العلم بالله، وما بقي فنازل عن هاتين المرتبتين .
واعلم أن كلّ خلق ينسب إلى جناب الحضرة الإلهية فلا بدّ من مظهر يظهر فيه ذلك

١١٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الخلق، فإمّا أن يعود من المظهر التخلّق به على جناب الحق أو يكون متعلقه مظهر آخر
يقتضيه في عين ممكن ما من الممكنات لا يكون إلاَّ هكذا، وأما الحق من حيث هو لنفسه فلا
خلق، فمن عرف النسب فقد عرف الله، ومن جهل النسب فقد جهل الله، ومن عرف أن
النسب تطلبها الممكنات فقد عرف العالم، ومن عرف ارتفاع النسب فقدعرف ذات الحق من
طريق السلب فلا يقبل النسب ولا تقبله، وإذا لم يقبل النسب لم يقبل العالم، وإذا قبل النسب
كان عين العالم، قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ﴾ نسبة خاصة ﴿حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر:
الآية ٩٩] فتعلم من عبده ومن العابد والمعبود، قال تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاً
إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ﴾ [سورة الأنعام:
الآية ١٥٣] ﴿أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٦] ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية
٥٠] ﴿صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٣] ﴿أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ
اُلْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٣] ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] ﴿وَإِلَيْهِ
يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ فَأَعْبُدْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] لا تعبد أنت فإن عبدته من حيث عرفته فنفسك
عبدت، وإن عبدته من حيث لم تعرفه فنسبته إلى المرتبة الإلهية عبدت، وإن عبدته عيناً من
غير مظهر ولا ظاهر ولا ظهور بل هو هو لا أنت، وأنت أنت لا هو، فهو قوله: فاعبده فقد
عبدته، وتلك المعرفة التي ما فوقها معرفة فإنها معرفة لا يشهد معروفها، فسبحان من علا في
نزوله ونزل في علوّه، ثم لم يكن واحداً منهما ولم يكن إلاَّ هما لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم.
السؤال الحادي والخمسون: أين خزائن المنن؟ الجواب: في الاختيار المتوهم
المنسوب إليه وإليك فأنت مجبور في اختيارك فأين الاختيار؟ وهو ليس بمجبور وأمره واحد
فأين الاختيار؟ ولو شاء الله فما شاء و﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ١٩] وليس بمحل
للحوادث بل الأعيان محل الحوادث وهو عين الحوادث عليها فإنها محال ظهوره ﴿مَا يَأْتِيهِم
مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] والذكر كلامه وهو الذي حدث عندهم،
وكلامه علمه وعلمه ذاته، فهو الذي حدث عندهم فهو خزائن المنن والمنن ظهور ما حدث
عندهم فيهم وهو لا أين له فلا أينية لخزائن المنن .
ولما كانت المنن متعدّدة طلب عين كل نسبة منه خزانة فلهذا تعدّدت الخزائن بتعدّد
المنن وإن كانت واحدة ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [سورة الحجرات:
الآية ١٧] فهذه منتان: منة الهدى ومنة الإيمان، وجميع نعمه الظاهرة والباطنة مننه، وإذا كان
هو عين المنة فأنت الخزانة، فالعالم خزائن المنن الإلهية، ففينا اختزن منه سبحانه، فما هو
لنا بأين، ونحن له أين، فمن لا أينية له هو نحن فأعياننا أين لظهوره، فحقيقة المكان لا تقبل
المكان، ودع عنك من يقول المتمكن في المكان مكان لمكانه، وفرض بين التمكن والمكان
حركتين متضادتين تعطي حقيقة المكانية لكل واحد منهما، وهذا من قائله توهّم من أجل ما
ذهب إليه، والحقيقة هي ما قرّرناه من أن المكان لا يقبل المكان، فلا أين للأين لمن هو أين
له وهذا كله في المظاهر الطبيعية، وأما في المعاني المجرّدة عن الموادّ فهي المظاهر القدسية

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١١٣
للأسماء التي لا تقبل نسب التشبيه، فالعلم بها أن لا علم. كما روي عن الصدّيق أنه قال في
مثل ما ذكرناه: العجز عن درك الإدراك إدراك، فانقلب التنزيه عن الأين لمن يقبل التشبيه فلا
تشبيه في العالم ولا تنزيه، فإن الشيء لا يتنزه عن نفسه ولا يشبه بنفسه، فقد تبينت الرتب
وعلم ما معنى النسب، والحمد لله وحده أن علم عبده.
السؤال الثاني والخمسون: أين خزائن سعي الأعمال؟ الجواب: ذوات العمال، فإن
أراد تجسّد هذا السعي فخزانته الخيال، وإن أراد أين يختزن ففي سدرة المنتهى، فإن أراد ما
لها من الخزائن الإلهية فخزانة الاسم الحفيظ العليم.
واعلم أن خزائن هذا السعي خمس خزائن لا سادسة لها، وعباد الله رجلان: عامل
ومعمول به، فالمعمول به ليس هو مقصودنا في هذا الباب من هذا الفصل، وإنما مقصودنا
سعي الأعمال من حيث نسبتها إلى العاملين والعاملون ثلاثة: عامل هو حق، وعامل بحق،
وعامل هو خلق، وكلّ له سعي في العمل بحسب ما أضيف إليه، فإن الله قد نسب الهرولة إليه
وهي ضرب من السعي سريع وقد قال: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَى تَمَلُوا)) ثبت هذا في الحديث
الصحيح، فأمّا سعي العمل الذي هو حق فالعمل يطلب الأجر بنفسه ليجود به على عامله،
والعامل هنا ما يعطي حقيقته قبول الأجر ولا بدّ من الأجر فيكون إذاً الأجر الثناء لا غير، فإنه
يقبل الثناء هذا العامل الذي هو حق، ولا يقبل القصور ولا الحور ولا الولدان ولا التجليات،
فإن كان العمل تما يتضمن الحسن والقبح أو لا حسن ولا قبح فلا يضاف العمل إلى هذا العامل
من حيث ما هو محكوم عليه بحسن أو قبح أو لا حسن ولا قبح، بل يضاف إليه معرى عن
الحكم بنفي أو إثبات، وصاحبه أكمل الناس نعيماً في الجنة ولذة وأرفعهم درجة، وماله من
الجنات من حيث هذا العمل سوى جنة عدن، والعمل يطلب نصيبه في جميع الجنان من حيث
ما هو عمل لا غير فيعود به على صاحبه، بل يكون له مركباً إلى كلّ درجة في جميع الجنات وهو
المراد بقوله تعالى عنه: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧٤] إلى هنا. وقوله:
﴿فَيَعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧٤] ليس هم هؤلاء بل العاملون بحق وبخلق إلاَّ أن يريد
بقوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ الثناء فهو لهم، فإن لفظة نعم وبئس للمدح والذم، والعامل هنا
حق والثناء له حق، ونعم كلمة محمدة ومدح فيكون بهذا التأويل تمام الآية له والتبوّؤ في الجنات
للعمل لا له.
فالمحل الذي ظهر فيه العمل وهو أنت هو الذي يتبوّأ من الجنة بعناية عمله الظاهر فيه
ما شاء، إذ الصورة الطبيعية منه تطلب النعيم المحسوس والمتخيّل، فلهذا أبيحت الجنات له
بحكم مشيئته بشفاعة العمل الحق، فخزائن هذا السعي كلها أنوار مباحها، ومندوبها،
وواجبها، ومحظورها، ومكروهها، في حكم الظاهر المقرّر عند علماء الرسوم ممّن ليس له
كشف منهم، وهو عند علماء الرسوم الذين لهم الكشف الأتم في معرفة الشرائع، أعني هذا
الذي ظهر فيه هذا العمل على هذه الصفة ما تصرّف إلاَّ فيما حسنه الشرع وقبله ﴿ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧].
الفتوحات المكية ج ٣ - م٨

١١٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
وأما سعي من كان عمله بحق فيقرب من هذا أنه لما شاهد ذاته عاملة وهو من أهل
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] ومن أهل: لا حول ولا قوّة إلاَّ
بالله، نقص عن ذلك الأوّل، فكان صاحب كشف في عمله لأخذ الحق بناصيته في جميع
ما يتصرّف فيه، فامتلأت خزائنه الخمسة عندنا والستة عند أبي حنيفة نوراً خالصاً ونوراً
غير خالص ونوراً مزيلاً لظلمة كانت قبله، فكان ممتزج الأحوال، فلولا عناية هذا
الحضور والكشف في حال السعي لما تمّ له هذا السعد الذي حصل له من إزالة ظلمته،
فهذان الصنفان من أصحاب الأعمال في النور فلهم أجرهم ونورهم، وأما من كان سعى
عامله خلق فترفع له خزائن الواجبات أعني الفرائض في العمل والترك والمندوبات في
العمل والترك ممتلئة نوراً مشوباً بكون دون أنوار من ذكرناهم، وترفع لهم خزائن
المباحات فارغة في العمل والترك إلاَّ من ترك المباح أو عمله لكونه مباحاً ففيها نور يليق
بهذا النوع، فكأنه نور من وراء حجاب مثل ضوء الشمس من خلف السحاب الرقيق، فإن
نظر إلى تضمن ذلك المباح ترك محظوراً أو مكروه ولم يخطر له ترك واجب أو مندوب،
فإن نوره يكون أتمّ قليلاً وأضوأ من النور الأول المعرّى عن هذا الخاطر، فإن خطر له أن
ذلك المباح يتضمن ترك مندوب أو واجب من واجب يوجبه على نفسه، كمن نذر صيام
يوم لا بعينه وله إن شاء أن يصومه في هذا اليوم وهو صوم واجب ولكن لا في هذا اليوم
ولا بدّ وإن صامه في هذا اليوم المباح له ترك الصوم فيه فقد أدى واجباً، فإن نوره في
خزانته هذه بين النورين المتقدّمين وترفع له خزائن المحظورات في العمل والترك
والمكروهات في العمل والترك، أما خزائن المحظورات ظلمة محضة، وأما خزائن
المكروهات فسدفة، فإن كان حصره في وقت المحظور الإيمان به أنه في محظور وكذلك
في المكروه فيكون خزائن المحظور ممتلئة سدفة، وخزائن المكروه كالأسفار والشفق،
وما ثم عامل في المؤمنين أو الموحدين إلاَّ هؤلاء خاصة، وأما من سوى المؤمن أو
الموحد فلا كلام لنا معه في هذا الفصل من حيث قصد السائل، وأما من حيث سعي
الأعمال فإن لكلّ عامل مدخلاً في هذا الفصل بحسب سعيه من معطل، ومشرك، وكافر،
وجاحد، ومنافق، وما ثم شقيّ سوى هؤلاء الخمسة وفي الكلام على مناهجهم تفصيل
يطول وكل يجري في طلقه إلى أجل مسمّى، وما منهم إلاَّ من يقول: أنا من الأشياء فلا
بدّ لي من الرحمة، فإن قائلها ليس من صفته التقييد، إذ لو تقيد لخرج عنه ما لا يمكن
أن يكون إلاَّ به، فمن المحال خروج شيء عنه، فمن المحال تقييده، فمنا من تفيض عليه
الرحمة من خزائن الوجوب، ومنا من تفيض عليه الرحمة من خزائن المنن التي ذكرناها،
فالكل طامع والمطموع فيه واسع ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَبِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [سورة النجم: الآية ٣٢] أترى هذه
السعة الربانية تضيق عن شيء هي لم تضق عن الممكنات إذ كانت في الشرّ المحض،
فكيف تضيق عن الممكنات إذ هي في الشرّ المشوب؟ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّفَ﴾ [سورة النجم:
الآية ٣٢] فيخصّه بالرحمة الموجبة بالصفة الموجبة ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف:

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١١٥
الآية ١٥٦] ممّن لم يتق فيخصّه برحمته المطلقة وهي رحمة الامتنان ولا تتقيد بحصر، فهذا
جواب خزائن سعي الأعمال على الإيجاز والبيان.
السؤال الثالث والخمسون: من أين تعطى الأنبياء؟ الجواب: الأنبياء على نوعين: أنبياء
تشريع وأنبياء لا تشريع لهم، وأنبياء التشريع على قسمين: أنبياء تشريع في خاصتهم كقوله :
﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٣] وأنبياء تشريع في غيرهم وهم الرسل
عليهم السلام. أما الأنبياء الذين هم الرسل فمن حضرة الملك الذي هو ملك الملك، وأما
الأنبياء غير المرسلين فمن حضرة الاختصاص، وأما الأنبياء الذين لا يوحى إليهم الروح
المخصوص بذينك الصنفين فمن حضرة الكرم والكل من عين المنة والرحمة وهو الجامع،
فأما الدائرة العظمى العامة التي هي النبوّة المطلقة فمن أعطيها من حيث إطلاقها فلا يعرف
أحد ما لديه وما اتحفه به ربه، وهو أيضاً لا يعرف قدر ذلك لأنه لا يقابله ضد فيها فيتميز
عنه، وأما من أعطي منها من باب الرحمة به وتولّى الحق بضرب من العطف عليه تعليمه
فتعرف إليه بعوارفه، ثم عرفه من غيبه ما شاء أن يعرفه كخضر الذي قال فيه: ﴿ءَانِيْنَهُ رَحْمَةٌ
مِّنْ عِندِنَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] أي رحمناه فأعطيناه هذا العلم الذي ظهر به، وإن أراد تعالى
أنه أعطاه رحمة من عنده جعلها فيه ليرحم بها نفسه وعباده فيكون في حق الغلام رحمة أن
حال بينه وبين ما كان يكتسبه لو عاش من الآثام إذ قد كان طبع كافراً، وأما رحمته بالملك
الغاصب حتى لا يتحمل وزر غصبه تلك السفينة من هؤلاء المساكين فالرحمة إنما تنظر من
جانب الرحيم بها لا من جانب صاحب الغرض فإنه جاهل بما ينفعه، كالطبيب يقطع رجل
صاحب الأكلة رحمة به لبقاء نفسه، فالرحمة عامة من الرحيم الراحم، ولم أر أحداً أعطي
النبوّة المطلقة التي لا تشريع لها إلاَّ إن كان وما عرفته فهذا لا يبعد، فإني رأيت من أولياء الله
تعالى ما لا أحصيهم عدداً أنفعنا الله بهم. وأما من أعطى النبوّة المقيدة بالشرع الخاص به فما
على الأرض منهم اليوم أحد ولا يراهم أحد إلاَّ في الموافقة وهي المبشرات. وأما النبوّة
المقيدة بالشرائع ففي الزمان منهم اليوم إلياس ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الصافات: الآية
١٢٣] وإدريس وعيسى، واختلف في الخضر بين النبوّة والولاية فقيل: هو نبيّ، وقيل: وليّ.
السؤال الرابع والخمسون: أين خزائن المحدثين من الأولياء؟ الجواب: في حضرة
الحق من الحضرات الإلهية، وفي المظاهر الإلهية ممّا وقعت عليه العين أو بعض الحواس من
صامت معتاد وناطق. [الطويل]
تحذّثني في ناطق ثم صامت
وغمز عيون ثم كسر حواجب
قال رسول الله وَّ في هذا الفصل: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا
وَلَكَ الحَمْدُ فَإِنَّ اللـه قَالَ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) فهذا من حديث الله مع
خلقه. وقال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] فكلم الله الأعرابي بلسان
رسوله وَل4*، فإن رسول الله وَلّ هو الذي تلا عليه القرآن، والقرآن كلام الله، قال تعالى: ﴿مَا
يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] لأنه حدث عندهم وإن كان قديماً في

١١٦ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
نفس الأمر من حيث إنه كلام الله. وقال ◌ّ في عمر إنه من المحدثين إن يكن في هذه الأمّة
منهم أحد وأريد حديثه تعالى مع أوليائه لا مع الأنبياء والرسل، فإن الأذواق تختلف باختلاف
المراتب، فنحن لا نتكلم إلاَّ فيما لو ادعيناه لم ينكر علينا لأن باب الولاية مفتوح، ولهذا سأل
عن خزائن المحدثين من الأولياء، فأكمل المحدثين من فهم عن الله ما حدّثه به في كل شيء
وهم أهل السماع المطلق من الحق، فإن أجابوه به فهو حديث، وإن أجابوه بهم فهي محادثة،
وإن سمعوا حديثه به فليس بحديث في حقّهم وإنما هو خطاب أو كلام، وأهل الحقائق
يمنعون المحادثة ولا يمنعون المناجاة، فإن الحق لا يحدث عنده شيء، فهو سبحانه يحدّث من
شاء من عباده ولا يحدّثه منهم أحد لكن يناجونه ويسامرونه كالمتهجدين هم أهل المسامرة،
فالعالم خزائن المحدثين من الأولياء إذا سمعوا بهم فالمحدثون أنزل الدرجات في مقامات الأولياء
وهم عند العامة في الرتبة العليا لأن علومهم ليست عن ذوق وإنما هي علوم نقل أو علوم فكر
لا غير .
فأما حديث الله في الصوامت فهو عند العامّة من علماء الرسوم حديث حال أي يفهم من
حاله كذا وكذا حتى أنه لو نطق لنطق بما فهمه هذا الفاهم منه، قال القوم في مثل هذا: قالت
الأرض للوتد: لم تشقني؟ قال الوتد لها: سلي من يدقني، فهذا عندهم حديث حال وعليه
خرجوا. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اَلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأْبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] إباية حال، وأما
عند أهل الكشف فيسمعون نطق كل شيء من جماد ونبات وحيوان يسمعه المقيد يأذنه في
عالم الحسّ لا في الخيال كما يسمع نطق المتكلم من الناس والصوت من أصحاب
الأصوات، فما عندنا في الوجود صامت أصلاً بل الكل ناطق بالثناء على الله، كما أنه ليس
عندنا في الوجود ناطق أصلاً من حيث عينه بل كل عين سوى الله صامتة لا نطق لها، إلاّ أنها
لما كانت مظاهر كان النطق للظاهر، قالت الجلود: ﴿أَنْطَقَنَا اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة
فصلت: الآية ٢١] فالكلام في المظاهر هو الأصل، والصمت فيها عرض يعرض في حق
المحجوب، والصمت في الأعيان هو الأصل، والكلام المسموع منها عرض يعرض في حق
المحجوب فلأصحاب الحرف والصوت عذر عند هؤلاء، ولمنكر الصوت والحرف عذر
أيضاً عندهم. انتهى الجزء الرابع والثمانون.
(الجزء الخامس والثمانون)
يُسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمةِ
السؤال الخامس والخمسون: ما الحديث؟ الجواب: ما يتلقاه السامع إذا سمعه به لا
بربه فذلك هو الحديث لا غير، فإن سمعه بربه فليس ذلك بحديث، ومعنى قوله سمعه بربه
قول الله تعالى: كنت سمعه الذي يسمع به. فاعلم أن وصفه بأنه سميع هو عينه لا أمر زائد.
واعلم أن تحقيق هذا أنه لكل اسم إلهي نسبة كلام، والإنسان محل لاختلاف الأحوال عليه

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١١٧
عقلاً وحسّاً، وذلك أن الألوهية تعطي ذلك لذاتها، فإنها بالنسبة إلى العالم بهذه الصفة قال
تعالى: ﴿يَسْتَلُم مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] فكل حال في
الكون فهو عين شان إلهي. وقد تقرّر في العلم الإلهي أنه تعالى لا يتجلّى في صورة واحدة
لشخصين ولا في صورة واحدة لشخص مرّتين، وكل تجلّ له كلام، فذلك الكلام لهذا الحال
من هذا التجلّي هو المعبّر عنه بالحديث، فالحديث لا يزال أبداً، غير أنه من الناس من يفهم
أنه حديث، ومن الناس من لا يعرف ذلك بل يقول: ظهر لي كذا وكذا ولا يعرف أن ذلك من
حديث الحق معه في نفسه لأنه حرم عين الفهم عن الله فيما يحسب أنه خاطر، والذين قسموا
الخواطر إلى أربعة فذلك التقسيم لا يقع في الحديث، فإن الحديث حديث في كل قسم،
وإنما الأقسام وقعت في الذوات التي فهم منها ما أريد بالحديث فيقال خاطر شيطاني وهو
حديث رباني، وقول إلهيّ لما أراده الحق قال له: ﴿كُنْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٧] فكان، فناجاه
الاسم البعيد، كما يتلقاه من الحديث الإلهيّ في الخاطر الملكي الاسم القريب، كما يتلقاه من
الحديث الإلهي في الخاطر النفسي الاسم المريد، كما يتلقاه من الحديث الإلهي في الخاطر
الرباني الاسم الحفيظ، فهذه الخواطر كلها من الحديث الإلهيّ الذي لا يشعر به إلاَّ رجال
الله، فالعالم كله على طبقاته لا يزالون في الحديث، فمن رزق الفهم عنه تعالى وعرفه فذلك
المحدث وهو من أهل الحديث، وعلم أن كل ما سمعه حديث بلا شك، وإن اختلفت ألقابه
كالسمر والمناجاة والمناغاة والإشارات فالكلام كله حادث قديم حادث في السمع قديم في
المسمع فافهم .
السؤال السادس والخمسون: ما الوحي؟ الجواب: ما تقع به الإشارة القائمة مقام
العبارة من غير عبارة، فإن العبارة تجوز منها إلى المعنى المقصود بها ولهذا سميت عبارة،
بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنها ذات المشار إليه، والوحي هو المفهوم الأوّل والإفهام
الأوّل، ولا أعجل من أن يكون عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه، فإن لم تحصل لك
هذه النكتة فلست صاحب وحي، ألا ترى أن الوحي هو السرعة ولا سرعة أسرع ممّا ذكرناه،
فهذا الضرب من الكلام يسمّى وحياً، ولما كان بهذه المثابة وأنه تجلّ ذاتيّ لهذا ورد في
الخبر: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَخِي كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ صَعِقَتِ المَلاَئِكَةُ)) ولما تجلّ الرب
للجبل تدكدك الجبل وهو حجاب موسى فإنه كان ناظراً إليه طاعة لأمر الله فلاح له عند تدكدك
الجبل الأمر الذي جعل الجبل ﴿دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفًا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٣] ﴿حَقَّ إِذَا فُزِعَ
عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٣] قالت الملائكة ﴿قَالُواْ أَلْحَقَّ﴾ [سورة سبأ: الآية
٢٣] قالت الحقيقة ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٣] هذه النسبة من حيث هويته، فالوحي
ما يسرع أثره من كلام الحق تعالى في نفس السامع، ولا يعرف هذا إلاَّ العارفون بالشؤون
الإلهية، فإنها عين الوحي الإلهيّ في العالم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٦٦] فافهم.
وقد يكون الوحي إسراع الروح الإلهيّ الأمري بالإيمان بما يقع به الأخبار والمفطور عليه
كل شيء ممّا لا كسب له فيه من الوحي أيضاً، كالمولود يتلقى ثدي أمّه ذلك من أثر الوحي

١١٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الإلهيّ إليه كما قال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ
يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٤] وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى
رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٦٨] فلولا ما فهمت من
الله وحيه لما صدر منها ما صدر، ولهذا لا يتصوّر المخالف إذا كان الكلام وحياً فإن سلطانه
أقوى من أن يقام ﴿ وَأَوْحَيْنَآَ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ﴾ [سورة
القصص: الآية ٧] وكذا فعلت ولم تخالف مع أن الحالة تؤذن أنها ألقته في الهلاك ولم تخالف ولا
تردّدت ولا حكمت عليها البشرية بأن إلقاءه في اليم في تابوت من أخطر الأشياء، فدلّ على أن
الوحي أقوى سلطاناً في نفس الموحى إليه من طبعه الذي هو عين نفسه، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] وحبل الوريد من ذاته.
فيا أيها الوليّ إذا زعمت أن الله أوحى إليك فانظر في نفسك في التردّد أو المخالفة، فإن
وجدت لذلك أثراً بتدبير أو تفصيل أو تفكّر فلست صاحب وحي، فإن حكم عليك وأعماك
وأصمك وحال بين فكرك وتدبيرك وأمضى حكمه فيك فذلك هو الوحي وأنت عند ذلك
صاحب وحي، وعلمت عند ذلك أن رفعتك وعلوّ منصبك أن تلحق بمن تقول إنه دونك من
حيوان ونبات وجماد، فإن كل ما سوى مجموع الإنسان مفطور على العلم بالله إلاَّ مجموع
الإنسان والجان فإنه من حيث تفصيله مفطور على العلم بالله كسائر ما سواهما من المخلوقات
من ملك ونبات وحيوان وجماد، فما من شيء فيه من شعر وجلد ولحم وعصب ودم وروح
ونفس وظفر وناب إلاَّ وهو عالم بالله تعالى بالفطرة بالوحي الذي تجلّی له فيه وهو من حيث
مجموعيته، وما لجمعيته من الحكم جاهل بالله حتى ينظر ويفكر ويرجع إلى نفسه فيعلم أن له
صانعاً صنعه وخالقاً خلقه، فلو أسمعه الله نطق جلده أو يده أو لسانه أو رجله لسمعه ناطقاً
بمعرفته بربّه مسبحاً لجلاله ومقدّساً ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النور: الآية ٢٤] ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا﴾ [سورة فصلت: الآية ٢١] فالإنسان من حيث
تفصيله عالم بالله، ومن حيث جملته جاهل بالله حتى يتعلم أي يعلم بما في تفصيله فهو العالم
الجاهل ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [سورة السجدة: الآية ١٧] فالإنسان من حيث
تفصيله صاحب وحي، ومن حيث جملته لا يكون في كل وقت صاحب وحي.
السؤال السابع والخمسون: ما الفرق بين النبيين والمحدّثين؟ الجواب: التكليف، فإن
النبوّة لا بدّ فيها من علم التكليف، ولا تكليف في حديث المحدثين جملة ورأساً، هذا إن
أراد أنبياء الشرائع، فإن أراد أصحاب النبوّة المطلقة فالمحدثون أصحاب جزء منها، فالنبيّ
الذي لا شرع له فيما يوحى إليه به هو رأس الأولياء وجامع المقامات مقامات ما تقضيه
الأسماء الإلهية ممّا لا شرع فيه من شرائع أنبياء التشريع الذين يأخذون بوساطة الروح الأمين
من عين الملك والمحدث ما له سوى الحديث وما ينتجه من الأحوال والأعمال والمقامات،
فكل نبيّ محدث وما كل محدث نبيّ، وهؤلاء هم أنبياء الأولياء. وأما الأنبياء الذين لهم
الشرائع فلا بدّ من تنزّل الأرواح على قلوبهم بالأمر والنهي، وما عدا ما ينزلون به من الأمر

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١١٩
والنهي مثل العلوم الإلهية والإخبارات عن الكوائن والأمور الغائبة فذلك خارج عن نبوّة
الشرائع وهو من أحوال الأنبياء على العموم ويناله المحدث، فإن ظهر من أصحاب النبوّة
المطلقة حكم من الأحكام الظاهرة من أنبياء الشرائع من قتل أو أخذ مال أو فعل من الأفعال
يناقض حكم شرع الزمان المقرّر فاعلم أن هذا النبيّ الذي ما له شرع ليس ذلك من شرع نزل
إليه وخوطب به، بل لا يزال تابعاً لرسول قد شرع له ما شرع، وإنما اتفق أنه أخبر باتباع شرع
رسول قد شرع له ممّا لم شرع لرسول آخر، وحكمه في حق هذا الرسول يعارض حكم
الرسول الآخر، فإذا اجتمع هذا الشخص الذي هو بهذه المثابة مع رسول من الرسل كالخضر
مع موسى عليه السلام فحكم في قتل الغلام بما حكم وأنكر عليه موسى قتل نفس زكية في
ظاهر الشرع بغير نفس ممّا لم يكن ذلك حكمه في شرعه. فقال له: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًّا تُكْرًا﴾
[سورة الكهف: الآية ٧٤] أي ينكره شرعي، وقال له الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىّ﴾ [سورة الكهف:
الآية ٨٢] يعني في كلّ ما جزى منه، فكان الخضر في حكمه على شرع رسول غير موسى،
فحكم بما حكم به مما يقتضيه شرع الرسول الذي اتبعه .
ومن شرع ذلك الرسول حكم الشخص بعلمه، فحكم بعلمه في الغلام أنه كافر فلم
يكن حكم الخضر فيه من حيث أنه صاحب شرع منزّل، وإنما حكم فيه مثل حكم القاضي
عندنا بشرع رسول الله ◌َله، فعلى هذا الحدّ تصدر الأحكام من أنبياء الأولياء. فإن قيل: هذا
يجوز في زمان وجود الرسل واليوم فما ثم شرع إلاَّ واحد فهل يتصوّر أن تحكم أنبياء الأولياء
بما يخالف شرع محمد وَّر؟ قلنا: لا نعم، فأما قولنا لا فإنه لا يجوز أن يحكم برأيه. وأما
قولنا نعم فإنه يجوز للشافعيّ أن يحكم بما يخالف به حكم الحنفيّ وكلاهما شرع محمد رَثّ
فإنه قرّر الحكمين فخالفت شرعه بشرعه، فإذا اتفق أن تخبر أنبياء الأولياء فيما يعلمهم الحق
من أحكام شرع رسول الله وَّ أو يشهدون الرسول وَّ فيخبرهم بالحكم في أمر يرى خلافه
أحمد والشافعيّ ومالك وأبو حنيفة لحديث رووه صحّ عندهم من طريق النقل فوقفت عليه
أنبياء الأولياء وعلمت من طريقها الذي ذكرناه أن شرع محمد يخالف هذا الحكم وأن ذلك
الحديث في نفس الأمر ليس بصحيح وجب عليهم إمضاء الحكم بخلافه ضرورة، كما يجب
على صاحب النظر إذا لم يقم له دليل على صحة ذلك الحديث وقام لغيره دليل على صحته
وكلاهما قد وفى في الاجتهاد حقّه، فيحرم على كلّ واحد من المجتهدين أن يخالف ما ثبت
عنده وكلّ ذلك شرع واحد، فمثل هذا يظهر من أنبياء الأولياء بتعريف الله أنه شرع هذا
الرسول فيتخيل الأجنبيّ فيه أنه يدّعي النبوّة وأنه ينسخ بذلك شرع رسول الله وَ الر فيكفره،
وقد رأينا هذا كثيراً في زماننا وذقناه من علماء وقتنا فنحن نعذرهم لأنه ما قام عنده دليل صدق
هذه الطائفة وهم مخاطبون بغلبة الظنون، وهؤلاء علماء بالأحكام غير ظانين بحمد الله، فلو
وفوا النظر حقّه لسلموا له حاله کما یسلم الشافعيّ للمالکیّ حکمه ولا ینقضه إذا حکم به
الحاكم، غير أنهم رضي الله عنهم لو فتحوا هذا الباب على نفوسهم لدخل الخلل في الدين
من المدّعي صاحب الغرض فسدوه وقالوا إن الصادق من هؤلاء لا يضره سدنا هذا الباب

١٢٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
ونعم ما فعلوه. ونحن نسلم لهم ذلك ونصوبهم فيه ونحكم لهم بالأجر التام عند الله. ولكن
إذا لم يقطعوا بأن ذلك مخطىء في مخالفتهم فإن قطعوا فلا عذر لهم فإن أقل الأحوال أن
ينزلوهم منزلة أهل الكتاب لا نصدقهم ولا نكذبهم، فإنه ما دلّ لهم دليل على صدقهم ولا
كذبهم، بل ينبغي أن يجروا عليهم الحكم الذي ثبت عندهم مع وجود التسليم لهم فيما
ادعوه، فإن صدقوا فلهم، وإن كذبوا فعليهم، فعلى هذا تجري الأحكام من أنبياء الأولياء لا
أنهم أرباب شرائع بل اتباع ولا بدّ، ولا سيما في هذا الزمان الذي ظهرت فيه دولة محمد اله
والمحدثون ليست لهم هذه الرتبة بل رتبتهم الحديث لا غير، فهم ناظرون في كلّ شيء،
آخدون من عين كل شيء من كون كلّ شيء مظهر حق، غير أنهم لا يتعدون حدود الله جملة،
فإن صدر منهم ما هو في الظاهر تعدّ لحدّ من حدود الله فذلك الحدّ هو بالنسبة إليك حدّ
وبالنسبة إليه مباح لا معصية فيه وأنت لا تعلم وهو على بينة من ربّه في ذلك، فما أتى محرماً
من هذه صفته فإنه ممّن قيل له اعمل ما شئت فما عمل إلاَّ ما أبيح له عمله فإنه أمر لا على
جهة الوعيد مثل قوله: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٠] فهذا وعيد.
وإنما قولنا فيمن قيل له اعمل ما شئت فقد غفرت لك فعمل على كشف وتحقق وهذا
ثابت في شرعنا بلا شك، فأهل الحديث أيضاً لهم في مثل هذا قدم ولكن ليس هم
مخصوصين به بل يشاركهم فيه من ليس بمحدث من الأولياء، وقد عرفت صفة المحدثين فيما
قبل وصفة النبيين فقف عند ذلك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
السؤال الثامن والخمسون: أين مكانهم منهم؟ الجواب: مكان التابع من المتبوع وهو
المشي على الأثر، قال شيخنا محمد بن قائد: رأيت في دخولي عليه أثر قدم أمامي فغرت
فقيل لي: هذه قدم نبيك فسكن ما بي. فاعلم أن هذه الدولة المحمدية جامعة لأقدام النبيين
والمرسلين عليهم السلام، فأيّ وليّ رأى قدماً أمامه فتلك قدم النبيّ الذي هو له وارث.
وأما قدم محمد وَّ فلا يطأ أثره أحد ◌َّ كما لا يكون أحد على قلبه، فالقدم التي رآها
محمد بن قائد أو يراها كلّ من يراها فتلك قدم النبيّ الذي هو له وارث، ولكن من حيث ما
هو محمدي لا غير ولهذا قيل له: قدم نبيك ولم يقل له هذه قدم محمد وَّر، فإن كان الشيخ
فهم منه ما ذكرناه فهو من أهل الحديث والكمال، وإن كان فهم منه قدم محمد ◌ّ فذلك
صدع أصاب عين فهمه. ولهذا قال السائل: أين مكانهم منهم؟ ولم يقل منه، والمكان هنا
يعني به المكانة .
وحكي عن عبد القادر الجيليّ أنه قال حين قيل له ما قاله هذا الشيخ كنت في المخدع
ومن عندي خرجت له النوالة يعني الخلعة التي أعطى لأنه سئل عنه فقال: ما رأيته في الحضرة
فقيل ذلك لعبد القادر فلذلك قال: كنت في المخدع وسمى النوالة وكان كما قال. وإنما قال
في المخدع ولم يسم مكان صونه وعينه بهذا الاسم ليعلم بخداع الله محمد بن قائد حيث
حكم بأنه رأى عبد القادر في الحضرة في معرض النفاسة عليه، فإن حضرة محمد بن قائد في
هذه الواقعة هي حضرته التي تختص به من حيث معرفته بربه، لا حضرة الحق من حيث يعرفه