Indexed OCR Text

Pages 61-80

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٦١
صفات أوليائه وشرحنا ما خصّوا به لم يف بذلك الوقت، فإذا ولا بدّ من الاقتصاد في
الاقتصار، فليكف هذا القدر الذي ذكرناه من ذلك إجمالاً وتفصيلاً وموقتاً وغير موقت.
واعلم أنه من شم رائحة من العلم بالله لم يقل: لم فعل كذا؟ وما فعل كذا؟ وكيف
يقول العالم بالله لم فعل كذا وهو يعلم أنه السبب الذي اقتضى كل ما ظهر وما يظهر وما قدم
وما أخّر وما رتب لذاته، فهو عين السبب، فلا يوجد لعلة سواه، ولا يعدم سبحانه وتعالى
عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً، فمشيئته عرش ذاته، كذا قال أبو طالب المكّي إن عقلت، فإن
فتح لك في علم نسب الأسماء الإلهية التي ظهرت بظهور المظاهر الإلهية في أعيان الممكنات
فتنوّعت وتجنستٍ وتشخصت ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٠] و ﴿كُلُّ قَدْ
عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ [سورة النور: الآية ٤١] فسبب ظهور كل حكم في عينه اسمه الإلهي، وليست
أسماؤه سوى نسب ذاتية فاعقل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء التاسع
والسبعون .
(الجزء الثمانون)
بِسْمِ الَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
وصل من هذا الباب
اعلم أن الدعاوى لما استطال لسانها في هذا الطريق من غير المحققين قديماً وحديثاً
جرّد الإمام صاحب الذوق التام محمد ابن عليّ الترمذيّ الحكيم مسائل تمحيص واختبار
وعددها مائة وخمسة وخمسون سؤالاً لا يعرف الجواب عنها إلاَّ من علمها ذوقاً وشرباً، فإنها
لا تنال بالنظر الفكريّ ولا بضرورات العقول، فلم يبق إلاَّ أن يكون حصولها عن تجلّ إلهيّ
في حضرة غيبية بمظهر من المظاهر، فوقتاً يكون المظهر جسمياً، ووقناً يكون جسمانياً،
ووقتاً جسدياً، ووقتاً يكون المظهر روحياً، ووقتاً روحانياً. وهذا الباب من هذا الكتاب ممّا
يطلب إيضاح تلك المسائل وشرحها، فجعلت هذا الباب مجلاها إن شاء الله تعالى، فمن
ذلك.
السؤال الأوّل: كم عدد منازل الأولياء؟ الجواب: اعلم أن منازل الأولياء على نوعين:
حسّيّة ومعنوية، فمنازلهم الحسّيّة في الجنان وإن كانت الجنة مائة درجة. ومنازلهم الحسّيّة في
الدنيا أحوالهم التي تنتج لهم خرق العوائد، فمنهم من يتبرز فيها كالأبدال وأشباههم، ومنهم
من تحصل له ولا يظهر عليه شيء منها وهم الملامتية وأكابر العارفين وهي تزيد على مائة
منزل وبضعة عشر منزلاً وكل منزل يتضمن منازل كثيرة فهذه منازلهم الحسّيّة في الدارين، وأما
منازلهم المعنوية في المعارف فهي مائتا ألف منزل وثمانية وأربعون ألف منزل محققة لم ينلها
أحد من الأمم قبل هذه الأمّة وهي من خصائص هذه الأمّة ولها أذواق مختلفة لكل ذوق
وصف خاص يعرفه من ذاقه، وهذا العدد منحصر في أربعة مقامات: مقام العلم اللدنيّ،
وعلم النور، وعلم الجمع والتفرقة، وعلم الكتابة الإلهية. ثم بين هذه المقامات مقامات من

٦٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
جنسها تنتهي إلى بضع ومائة مقام كلها منازل للأولياء، ويتفرّع من كل مقام منازل كثيرة
معلومة العدد يطول الكتاب بإيرادها، وإذا ذكرت الأمهات عرف ذوق صاحبها، فأما العلم
اللدنيّ فمتعلقه الإلهيات وما يؤدي إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة، وأما علم النور فظهر
سلطانه في الملأ الأعلى قبل وجود آدم بآلاف من السنين من أيام الرب، وأما علم الجمع
والتفرقة فهو البحر المحيط الذي اللوح المحفوظ جزء منه، ومنه يستفيد العقل الأول،
وجميع الملأ الأعلى منه يستمدون، وما ناله أحد من الأمم سوى أولياء هذه الأمّة، وتتنوّع
تجلياته في صدورهم على ستة آلاف نوع ومئين، فمن الأولياء من حصل جميع هذه الأنواع
كأبي يزيد البسطاميّ وسهل بن عبد الله، ومنهم من حصل بعضها، وقد كان للأولياء في سائر
الأمم من هذه العلوم نفثات روح في روع وما كمل إلاَّ لهذه الأمة تشريفاً لهم وعناية بهم
لمكانة نبيهم سيدنا محمد شَآد.
وفيه من خفايا العلوم التي هي بمنزلة الأصول ثلاثة علوم: علم يتعلق بالإلهيات، وعلم
يتعلق بالأرواح العلوية، وعلم يتعلق بالمولدات الطبيعية، فما يتعلق منه بالإلهيات على قدم
واحدة لا يتغير وإن تغيرت تعلقاته، والذي يتعلق منه بالأرواح العلوية فيتنوّع من غير استحالة
والذي يتعلق بالمولدات الطبيعية يتنوّع ويستحيل باستحالاتها وهو المعبر عنه بـ: ﴿أَذَلِ الْعُمُرِ
لِكَمْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلٍْ شَيْئًا﴾ [سورة النحل: الآية ٧٠] فإن المواد التي حصل له منها هذا العلم
استحالت فالتحق العلم بها بحكم التبعية، وكما هي أصولها ثلاثة علوم، فالأولياء فيها على
ثلاث طبقات: الطبقة الوسطى منهم لهم مائة ألف منزل وثلاثة وعشرون ألف منزل وستمائة
منزل وسبعة وثمانون منزلاً أمهات يحتوي كل منزل منها على نازل لا يتسع الوقت لحصرها
لتداخل بعضها في بعضها ولا ينفع فيها إلاَّ الذوق خاصة، وما بقي من الأعداد فمقسم بين
الطبقتين وهما اللذان ظهرا برداء الكبرياء وإزار العظمة، غير أن لهما من إزار العظمة ممّا يزيد
على هذا الذي ذكرناه ألف منزل وبضعة وعشرون منزلاً، لهذه المنازل خصوص وصف لا
يوجد في منازل رداء الكبرياء، وذلك أن رداء الكبرياء مظهره من الاسم الظاهر، والإزار مظهر
من الاسم الباطن، والظاهر هو الأصل والباطن نسبة حادثة ولحدوثها كانت لها هذه المنازل،
فإن الفروع محل الثمر فيوجد في الفرع ما لا يظهر في الأصل وهو الثمرة وإن كان مددهما من
الأصل وهو الاسم الظاهر لكن الحكم يختلف، فمعرفتنا بالرب تحدث عن معرفة بالنفس
لأنها الدليل من عرف نفسه عرف ربّه، وإن كان وجود النفس فرعاً عن وجود الرب فوجود
الرب هو الأصل ووجود العبد فرع، ففي مرتبة يتقدم فيكون له الاسم الأول، وفي مرتبة يتأخر
فيكون له الاسم الآخر، فيحكم له بالأصل من نسبة خاصة، ويحكم له بالفرع من نسبة
أخرى، هذا يعطيه النظر العقليّ، وأما ما تعطيه المعرفة الذوقية فهو أنه ظاهر من حيث ما هو
باطن، وباطن من عين ما هو ظاهر، وأول من عين ما هو آخر، وكذلك القول في الآخر،
وإزار من نفس ما هو رداء ورداء من نفس ما هو إزار لا يتصف أبداً بنسبتين مختلفتين كما
يقرّره ويعقله العقل من حيث ما هو ذو فكر، ولهذا قال أبو سعيد الخرّاز، وقد قيل له: بم

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٦٣
عرفت الله؟ فقال: بجمع بين الضدين، ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالنَِّرُ وَالْبَالِ﴾ [سورة
الحديد: الآية ٣] فلو كان عنده هذا العلم من نسبتين مختلفتين ما صدق قوله بجمعه بين
الضدّين، ولو كانت معقولية الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية في نسبتها إلى الحق معقولية
نسبتها إلى الخلق لما كان ذلك مدحاً في الجناب الإلهيّ، ولا استعظم العارفون بحقائق الأسماء
ورود هذه النسب بل يصل العبد إذا تحقق بالحق أن تنسب إليه الأضداد وغيرها من عين واحدة
لا تختلف، وإذا كان العبد يتصوّر في حقّه وقوع هذا فالحق أجدر وأولى إذ هو المجهول
الذات، فمثل هذه المعرفة الإلهية لا تنال إلاَّ من هذه المنازل التي وقع السؤال عنها.
وأما عدد الأولياء الذين لهم عدد المنازل فهم ثلاثمائة وستة وخمسون نفساً، وهم
الذين على قلب آدم، ونوح، وإبراهيم، وجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وهم ثلاثمائة
وأربعون وسبعة وخمسة وثلاثة وواحد فيكون المجموع ستة وخمسين وثلاثمائة، هذا هو عند
أكثر الناس من أصحابنا وذلك للحديث الوارد في ذلك.
وأما طريقتنا وما يعطيه الكشف الذي لا مرية فيه فهو المجموع من الأولياء الذين ذكرنا
أعدادهم في أول هذا الباب ومبلغ ذلك خمسمائة نفس وتسعة وثمانون نفساً منهم واحد لا
يكون في كل زمان وهو الختم المحمدي وما بقي فهم في كل زمان لا ينقصون ولا يزيدون.
وأما الختم فهذا زمانه وقد رأيناه وعرفناه تمّم الله سعادته علمته بفاس سنة خمس وتسعين
وخمسمائة، والمجمع عليه من أهل الطريق أنهم على ست طبقات: أمهات أقطاب، وأئمة،
وأوتاد، وأبدال، ونقباء، ونجباء. وأما الذين زادوا على هؤلاء في الكشف فطبقات الرجال
عندهم الذي يحصرهم العدد ولا يخلو عنهم زمان خمس وثلاثون طبقة لا غير ومرتبة
الختمين ولكن لا يكونان في كل زمان، فلهذا لم نلحقهما بالطبقات الثابتة في كل زمان.
السؤال الثاني: أين منازل أهل القربة؟ الجواب: بين الصدّيقية ونبوّة الشرائع، فلم تبلغ
منزلة نبي التشريع من النبوّة العامة ولا هو من الصدّيقين الذين هم أتباع الرسل لقول الرسل
وهو مقام المقرّبين، وتقريب الحق لهم على وجهين: وجه اختصاص من غير تعمّل كالقائم
في آخر الزمان وأمثاله، ووجه آخر من طريق التعمّل كالخضر وأمثاله، والمقام واحد ولكن
الحصول فيه على ما ذكرناه، ومن ثم يتبين الرسول من النبيّ ويعمّ الجميع هذا المقام وهو
مقام المقربين والأفراد، وفي هذا المقام يلتحق البشر بالملأ الأعلى، ويقع الاختصاص الإلهيّ
فيما يكون من الحق لهؤلاء. وأما المقام فداخل تحت الكسب وقد يحصل اختصاصاً ولهذا
يقال في الرسالة أنها اختصاص وهو الصحيح، فإنّ العبد لا يكتسب ما يكون من الحق سبحانه
فله التعمّل في الوصول، وما له تعمّل فيما يكون من الحق له عند الوصول، ومن هناك منبع
العلم اللدنيّ الذي قال الله فيه في حق عبده الخضر: ﴿َانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا
عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] المعنى: آتيناه رحمة علماً من عندنا وعلمناه من لدنا وهو من
الأربعة المقامات الذي هو: علم الكتابة الإلهية، وعلم الجمع والتفرقة، وعلم النور، والعلم
اللدنيّ .

٦٤ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
واعلم أنّ منزل أهل القربة يعطيهم اتصال حياتهم بالآخرة، فلا يدركهم الصعق الذي
يدرك الأرواح بل هم ممّن استثنى الله تعالى في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِ الضُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللّهُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٨] وهذا المنزل هو أخصّ المنازل عند الله
وأعلاها، والناس فيه على طبقات ثلاث: فمنهم من يحصله برمته وهم الرسل صلوات الله
عليهم وهم فيه على درجات يفضل بعضهم بعضاً. ومنهم من يحصل منه الدرجة الثانية وهم
الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يبعثوا بل تعبدوا وبشريعة موقوفة عليهم، فمن اتبعهم
كان، ومن لم يتبعهم لم يوجب الله على أحد أتباعهم وهم فيها على درجات يفضل بعضهم
بعضاً. والطبقة الثالثة هي دونهما درج النبوّة المطلقة التي لا يتخلل وحيها ملك. ودون هؤلاء
الطبقات هم الصدّيقون الذين يتبعون المرسلين، ودون هؤلاء الصديقين الصديقون الذين
يتبعون الأنبياء من غير أن يجب ذلك عليهم، ودون هؤلاء الصدّيقين الذين يتبعون أهل الطبقة
الثالثة وهم الذين انطلق عليهم اسم المقرّبين أعني أهل الطبقة الثالثة، ولكل طبقة ذوق لا
تعلمه الطبقة الأخرى. ولهذا قال الخضر لموسى عليه السلام: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَ تُحِطَ بِهِ،
خُبْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٨] والخبر الذوق وهو علم حال. وقال الخضر لموسى: أنا على علم
علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا.
السؤال الثالث: فإن قيل: إنّ الذين حازوا العساكر بأيّ شيء حازوا؟ فلنقل في
الجواب: نذكر أولاً ما معنى العساكر وما معنى حيازتهم لهم ثم نبين بأيّ شيء حازوا فإنّ هذا
السائل إذا أرسل سؤاله من غير تقييد لفظيّ أو قرينة حال ينبغي للمجيب أن يجيب بالمعاني
التي تدل عليها تلك الكلمة في اصطلاحهم، فمهما أخلّ بشيء منها فما وفى الكلمة حقّها.
فاعلم أنّ العساكر قد يطلقونها ويريدون بها شدائد الأعمال والعزائم والمجاهدات كما قال
القائل: ظلّ في عسكرة من حبّها أي في شدّة. واعلم أنّ مبنى هذا الطريق على التخلّق بأسماء
الله فحاز هؤلاء العساكر بالتخلّق باسمه الملك، فإنّ الملك هو الذي يوصف بأنه يحوز
العساكر، والملك معناه أيضاً الشديد، فلا تحاز الشدائد والعزائم إلاَّ بما هو أشدّ منها، يقال:
ملكت العجين إذا شدّدت عجنه. قال قيس بن الحطيم يصف طعنة: ملكت بها كفي فأنهزت
فتقها، أي شدّدت بها كفي حين طعنته، فحازوا العساكر بالطريقين باسمه الملك، فأمّا الشدائد
التي حازوها في هذا الباب فهي البرازخ التي أوقفهم الحق في حضرة الأفعال من نسبتها إلى
الله ونسبتها إلى أنفسهم، فيلوح لهم ما لا يتمكن لهم معه أن ينسبوها إلى أنفسهم، ويلوح لهم
ما لا يتمكن لهم معه أن ينسبوها إلى الله، فهم هالكون بين حقيقة وأدب، والتخليص من هذا
البرزخ من أشدّ ما يقاسيه العارفون، فإنّ الذي ينزل عن هذا المقام يشاهد أحد الطرفين،
فيكون مستريحاً لعدم المعارض.
واعلم أن صاحب هذا المقام هو الذي أعلمه الله بجنوده الذي لا يعلمها إلاَّ هو قال
تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَُّ جُنُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَّ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣١] وقال: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة
الصافات: الآية ١٧٣] فصاحب هذا المقام يعرفه جنود الله الذين لا حاكم عليهم في شغلهم إلاّ الله

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٦٥
ولهذا نسبهم إليه، فهم الغالبون الذين لا يغلبون، فمنهم الريح العقيم، ومنهم الطير التي
أرسلت على أصحاب الفيل، وكل جند ليس لمخلوق فيه تصريف هم العساكر التي حازها
صاحب هذا المقام علماً. وقال بَ ﴿ فيهم: ((نُصِرْتُ بالصَّبَا)) وقال: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَي
مَسِيرَة شَهْر)) فإذا منح الله صاحب هذا المقام علم هؤلاء العساكر رمى بالحصى في وجوه
الأعداء فانهزموا، كما رمى رسول الله بَّر في غزوة حنين فله الرمي وهم لا يكون منهم غلبة
إلاَّ بأمر الله ولهذا قال: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فكل
منصور بجند الله فهو دليل على عناية الله به، ولا يكون منصوراً بهم على الاختصاص إلاَّ
بتعريف إلهي، فإن نصره الله من غير تعريف إلهيّ فليس هو من هذه الطبقة التي حازت
العساكر، فلا بدّ من اشتراط النصر حقاً في ذلك القصد، وصاحب هذا المقام يعين لأصحابه
مصارع القوم كما فعل رسول الله وَّ﴿ في غزوة بدر، فإنه ما من شخص من أجناد الله إلاَّ وهو
يعرف عين من سلط عليه ومتى يسلط عليه وأين يسلط عليه فتتشخص الأجناد لصاحب هذا
المقام في الأماكن التي هي مصارع القوم، كل شخص على صورة المقتول وباسمه، فيراه
صاحب هذا المقام فيقول: هذا هو مصرع فلان، وهذا هو مقام الإمام الواحد من الإمامين،
وأقرب شيء ينال به هذا المقام البغض في الله والحب في الله، فتكون همم هذه الطبقة وأنفاسهم
من جملة العساكر التي حازوها بما ذكرناه، وهو الموالاة في الله والعداوة في الله عن عزم
وصدق، مع كونهم لا يرون إلاَّ الله، فيجدون من الانضغاط وكظم الغيظ ما لا يعلمه إلاّ الله،
والعين تحرسهم في باطنهم، هل ينظرون في ذلك أنه غير الله؟ فإذا تحققوا ذلك حازوا عساكر
الحق التي هي أسماؤه سبحانه إذ أسماؤه تعالى عساكره وهي التي يسلطها على من يشاء ويرحم
بها من يشاء، فمن حاز أسماء الله فقد حاز العساكر الإلهية، ورئيس هؤلاء الأجناد الأسمائية،
كما قلنا الاسم الملك هو المهيمن عليها، ومن عداه فأمثال السدنة له، ويكفي هذا القدر في
الجواب عن هذا السؤال .
السؤال الرابع: فإن قال: إلى أين منتهاهم؟ قلنا في الجواب: لا شك ولا خفاء أن أهل
هذه الطبقة هم أصحاب عقد وعهد وهو قوله: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَن قَضَى
نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢٣] فإذا حصلت هذه الطبقة فيما قلنا
في غزوهم وسلكوا سبيل جهادهم كان منتهاهم إلى حلّ ما عقدوا عليه ونقض ما عسكروا
إليه، وذلك أن الأعيان التي عسكروا لها وعقدوا مع الله أن يبيدوها فلما توجهوا بعساكرهم
التي أوردناها إليها كانت آثار تلك العساكر فيها إيجاد أعيانها وهو خلاف مقصود العارف بهذه
العساكر، إذ كان المقصود إذهاب أعيانها وإلحاقها بمن لا عين له، وما علم أن الحقائق لا
تتبدّل، وأن آثار العساكر فيها الوجود، إذ كان سبق العدم لها لعينها، فلا تؤثر فيها هذه
العساكر العدم لأن العدم لها من نفسها فلم يبق إلاَّ الوجود، فوقع غير مقصود العارف، وعلم
عند ذلك العارف أن تلك الأعيان مظاهر الحق فكان منتهاهم إليه وبدأهم منه وليس وراء الله
مرمى. فإن قلت: فالذات الغنية عن العالمين وراء الله. قلنا: ليس الأمر كما زعمت بل الله
الفتوحات المکیة ج٣ - م٥

٦٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
وراء الذات وليس وراء الله مرمى، فإن الذات متقدّمة على المرتبة في كل شيء بما هي مرتبة
لها، فليس وراء الله مرمى، فحصلوا من العلم بالله ما لم يكن عندهم بالقصد الأول حين
حازوا العساكر. وكان الذي حجبهم ابتداء عن هذه المعرفة غيرتهم أن يشترك الحق مع كون
من الأكوان في حال أو عين أو نسبة، فلهذا كان مقصودهم أن يلحقوا الأعيان بمطلق العدم،
وهو المقام الذي تشير إليه الباطنية بقولها في جواب من يقول لها الله موجود فنقول: ليس
بمعدوم، فإذا قلت لهم: الله حيّ، تقول: ليس بميت، فإن قيل لهم: فالله قادر، قالت: ليس
بعاجز، فلا تجيب قط بلفظة تعطي الاشتراك في الثبوت فتجيب بالسلب وهذا كله من باب
الغيرة ولا تقدر نفي الأعيان، فتستعين بهؤلاء العساكر على إعدام هذه الأعيان وزوال حكم
الثبوت منها، فتجد العساكر توجدها وتكسوها حلة الوجود، فإذا رأت أنها مظاهر الحق
رضيت بأن تبقيها أعياناً ثابتة ولا تراها موجودة، ويكون عين شهودها ناظرة فيها إلى وجود
الحق، وأنه لا وجود اكتسبته من الحق، بل حكمها مع الوجود حكمها ولا وجود، وأن الذي
ظهر ما هو غير هذا غايتها وهو قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْنَهَهَا﴾ [سورة النازعات: الآية ٤٤] فكان منتهاها
ربها .
فأما من كانت عساكره العزائم فمنتهاه إلى الرخص من طريقين: الطريق الواحدة أحدية
المحبة فيهما فيكون منتهاهم إلى شهودها، وهو الذي أشار إليه وَ الَر بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ
تَؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» فينحل عقد الأخذ بالعزائم بهذه المشاهدة لكونه يفوته من العلم
بالله على قدر ما فاته من الأخذ بالرخصة، والطريقة الأخرى تنتهي بهم إلى شهود كونه في
العزائم هو عين كونه في الرخص وهم لا نسبة لهم في واحدة منهما، فينحل ما عقدوا عليه
انحلالاً ذاتياً لا تعمل لهم فيه، ومن هذا المقام يقول بعضهم بتفضيل الرسل بعضهم على
بعض، على أنه في نفس الأمر كما ورد في الخطاب من قوله: ﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] فينتهي بهم هذا الأمر إلى حل عقد التفضيل بقوله: ﴿لَا تُغَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٥] ومن فضل فقد فرّق، فلولا وحدانية الأمر لما كان عين
الجمع عين الفرق، كما أن السالك يمشي حنبلياً أو حنفياً مقتصراً على مذهب بعينه يدين الله به
لا يرى مخالفته، فينتهي به هذا المشهد إلى أن يصبح يتعبد نفسه بجميع المذاهب من غير فرقان،
ومن هنا يبطل النسخ عنده الذي هو رفع الحكم بعد ثبوته لا انقضاء مدّته، فإلى ما ذكرناه
منتهاهم على حسب ما أعطته عساكرهم فإن العساكر تختلف، فإن جند الرياح ما هي جند
الطير، وجند الطير ما هو جند المعاني الحاصلة في نفوس الأعداء كالروع والجبن، فمنتهى كل
عسكر إلى فعله الذي وجه إليه من حصار قلعة وضرب مصاف أو غارة أو كبسة كل عسكر له
خاصية في نفس الأمر لا يتعدّاه، قال تعالى في الطير: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ [سورة الفيل: الآية ٤]
وقال في الريح: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالْرَّمِيمِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٤٢] وقال في
الرعب: ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] فانظر منتهى كل
عسكر إلى ما أثر في نفس من عسكر إليه، فالحق لا يتقيد إذ كان هو عين كل قيد، فالناس بين

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٦٧
محجوب وغير محجوب، جعلنا الله تمن أشهد الحق في عين حجابه، وفي رفع حجابه، وفيما
کان له من وراء حجابه .
السؤال الخامس: فإن قيل: قد عرفنا أينية منازل أهل القربة، وأينية منتهى العساكر،
ومنتهى من حازها، فأين مقام أهل المجالس والحديث؟ قلنا في الجواب: أما أهل المجالس
المحدثون فمجالسهم خلف الحجاب الأنزل الأقدس في النزول ولهم ست حضرات، لهم في
الحضرة الأولى ثمانية مجالس، المجلس الثاني والسادس يسمى مجالس الراحات وهي من
باب رفق الله بالعباد الذين لهم هذه الأحوال، ومجلسان الأول الذي هو الرابع والثامن فهما
مجلسا الجمع بين العبد والرب، ومجلس الفصل بين العبد والرب على مراتب أبينها، وأما
الأربعة مجالس التي بقيت فالحديث فيها على مراتب متعدّدة، وكذلك الحضرة الثانية،
والحضرة الرابعة فيها ثمانية مجالس على ما ذكرناه، وأما في الحضرة السادسة فمجلسان،
وأما في الحضرة الثالثة فستة مجالس، وأما في الحضرة الخامسة فأربعة مجالس، وانتهت
أمهات مجالس أهل الحديث مع الله من حيث هم محدثون لا من حيث لهم مجالس.
وأما أهل المجالس لا من كونهم محدثين فهم أهل الشهود، وهم على أربع مراتب في
مجالسهم، فالمحدثون جلوسهم من حيث هم من خلف ذلك الحجاب، وأهل المجالس فمن
حيث المراتب التي أعدّ لهم الحق فمنهم من أعدّ لهم منابر، ومنهم من أعدّ لهم أرائك،
ومنهم من أعدّ لهم كراسي، ومنهم من أعدّ لهم درائك، والكل يشهدون جليسهم من غير
حديث من الطرفين، فلنذكر مجالس أهل الحديث وهي ثمانية وأربعون مجلساً، وعند
الترمذيّ الحكيم ستة وخمسون مجلساً لأن الترمذيّ يراعي من الإنسان حظ طبعه فيزيد اثني
عشر مجلساً وهو الصحيح، ومن يقتصر منّا في الإنسان على روحانيته من غير طبيعته فهي
ستة وثلاثون مجلساً. فلهذا وقع الخلاف بيننا وبين العلماء من أهل هذه المجالس، فمنا من
اعتبر ذلك ومنا من لم يعتبر والأولى اعتبارها.
فأما مجالس الجمع بين العبد والرب فأربعة مجالس يعلم فيما يحادثه به الحق فيها كيف
يخاطب الخلق من أجل الله وكيف يثني على الحق تبارك وتعالى ويعلم معنى قوله: ﴿بُورِكَ مَن
فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [سورة النمل: الآية ٨] ويحادثه فيها بمثل قوله: ﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا
طَيِّبًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٨] فيعرف من أين طيب له وبما طيب له وبما طاب له، ويعلم الاسم
الآخر ما نسبته إلى الحق وما حظ العبد منه، ويعلم ما يقول كلما ورد على ملأ أعلى من روح
وبشر في السموات والأرض، ويعلم شهادة التوحيد بالنسبة إلى الله، وبالنسبة إلى الملائكة،
وبالنسبة إلى العلماء من البشر الحاصلة لهم من باب الشهود لا من باب الفكر، ويعلم منازل
الرسل ومن أين خصّوا بما خصّوا به، وبماذا يفضل بعضهم بعضاً، وبماذا لا يفضل، ومن أيّ
نسبة ينسبون إلى الله، وأشياء غير هذا محصورة.
وأما مجالس الفصل فيحصل فيها ما يحصل في هذه المجالس من طريق أخرى وذوق

٦٨ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
آخر، غير أنه يختلف عليه الحال عند انتهاء المجالسة بمشاهدة أسماء إلهية لم يكن يعرفها قبل
ذلك، أو بمشاهدة أسماء إلهية من حيث أعيان أكوان خاصة، أو بمشاهدة أعيان أكوان خاصة
من غير ارتباط بأسماء إلهية وإن كانت في نفس الأمر مرتبطة بها، ولكن يكون بينها وبين هذا
العبد حجاب رقيق. وأما المجالس الأربعة التي بقيت ذات المراتب فسأذكر ما يكون فيها وفي
هذه الست الحضرات من الحديث في الفصل الثامن في سؤاله ما حديثهم ونجواهم، وهذه
المجالس أيضاً توجد في الحضرة الثانية والرابعة، وأما الحضرة الثالثة فمجالسها ستة مجالس،
وأما الحضرة الخامسة ففيها أربعة مجالس، وأما الحضرة السادسة ففيها مجلسان، وهذه كلها
مجالس أهل الحديث لا مجالس الشهود إلاَّ عند بعض العارفين، فإنه قد تكون مجالس شهود
متخيل من خلف حجاب الخيال، وأما الاثنا عشر مجلساً الذي لهم على مذهب الترمذيّ كما
قرّرنا وهي تمام الثمانية والأربعين مجلساً فحديثهم فيها نذكره عند ذكر الستة والثلاثين مجلساً
في الفصل الثامن إن شاء الله فإن ذلك الفصل سورته .
السؤال السادس: فإن قلت: كم عددهم؟ قلنا في الجواب: عدد أهل بدر أهل الحديث
منه أربعون نفساً وما بقي فلهم مجالس الشهود من غير حديث، فإن الحديث للحضور مع
المعنى الذي يعطيه الكلام لا مع المتكلم، إلاَّ أن يكون المتكلم بحيث يتخيله السامع فيجمع
بين الحديث والشهود، ولكن ما هو الشهود المطلوب لأهل الأذواق؟ فلا بدّ أن تكون أنت
من حيث أنت للاستفادة عند الحديث، ولكن يسمعه لا بعينك بل بظهوره فيك، فمن كونك
مظهر تسمع ومن كونك عيناً تكون مظهراً فافهم، وقد أشار لسان الخبر الصدق إلى هذا العدد
بقوله: ((مَنْ أَخْلَصَ لله أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ظَهَرَتْ يَتَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ،)) أي كان من
الحديث بالله عن الله، والصباح ظهور عين العبد مظهراً لا عيناً، وبطون عينه في مظهره كبطون
الليل عند وجود الصباح، والأربعون إشارة إلى أعيان هؤلاء الأشخاص فهو عين ما قلنا أن أهل
الحديث منه أربعون نفساً، فبقي أهل المجالس من غير حديث مائتين وثلاثة وسبعين نفساً وهم
تمام الثلاثمائة والثلاثة عشر، فجلوسهم جلوس مشاهدة للاستفادة من حيث أن أعيانهم مظهر
لبصر الحق فيرونه به وهم غيب في ذلك المظهر، وتكون استفادتهم من ذلك التجلي استفادة
أصحاب الرصد، فتعطيهم الأرصاد العلوم من غير حديث لكنه حديث معنويّ بدلالات ظاهرة
تقوم تلك الدلالات مقام الخطاب بالحروف والإشارات في عالم الحروف والإشارات، فالغرض
الحاصل من هذه المجالس سواء كانت مجالس شهود أو حديث حصول علو ينتقش في عين هذا
المظهر من نظر أو سماع وهؤلاء هم المعتنى بهم من أهل الله .
السؤال السابع: فإن قلت: بأيّ شيء استوجبوا هذا على ربهم تبارك وتعالى؟ قلنا في
الجواب: الأدب الإلهيّ إذ لا يجب على الله شيء بإيجاب موجب غير نفسه، فإن أوجب هو
على نفسه أمراً ما فهو الموجب، والوجوب الموجب عليه لا غيره، ولكن إيجابه على نفسه
لمن أوجب عليه مثل قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] يعني الرحمة
الواسعة فأدخلها تحت التقييد بعد الإطلاق من أجل الوجوب، ومثل قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٦٩
عَ نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ أَنَّهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] الآية فهل هذا كله من حيث مظاهره أو هو
وجوب ذاتيّ لمظاهره من حيث هي مظاهر لا من حيث الأعيان؟ فإن كان للمظاهر فما أوجب
على نفسه إلاّ لنفسه، فلا يدخل تحت حدّ الواجب ما هو وجوب على هذه الصفة، فإن
الشيء لا يذمّ نفسه، وإن كان للأعيان القابلة أن تكون مظاهر كان وجوبه لغيره، إذ الأعيان
غيره والمظاهر هويته، فقل بعد هذا البيان ما شئت في الجواب، ويكون الجواب بحسب ما
قيده الموجب، فاستوجبوا ذلك على ربهم في موطن بكونهم ﴿يَثَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾
[سورة الأعراف: الآية ١٥٦] على مفهوم الزكاة لغة وشرعاً ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ١٥٦] ﴿الَّذِينَ يَشَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ١٥٧] فهؤلاء طائفة مخصوصة وهم أهل الكتاب، فخرج من ليس بأهل الكتاب
من هذا التقييد الوجوبيّ وبقي الحق عنده من كونه رحماناً على الإطلاق، واستوجبت طائفة
أخرى ذلك على ربها ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ٥٤] فقيد بالجهالة، فإن لم يجهل لم يدخل في هذا التقييد وبقيت الرحمة في حقّه
مطلقة ينتظرها من عين المنة التي منها كان وجوده أي منها كان مظهراً للحق لتتميز عينه في
حال اتصافها بالعدم عن العدم المطلق الذي لا عين فيه، ألا ترى إبليس كيف قال لسهل في
هذا الفصل: يا سهل التقييد صفتك لا صفته، فلم ينحجب بتقييد الجهالة والتقوى عمّا
يستحقه من الإطلاق فلا وجوب عليه مطلقاً أصلاً، فمهما رأيت الوجوب فاعلم أن التقييد
يصحبه، وأما من رأى أنهم استوجبوا ذلك على ربهم من غير ما ذكره تعالى عن نفسه فقالوا
ببذلهم مراكبهم في زمان الزيادة طلباً للمواصلة وإيثار الجناب الحق في زعمهم وإن كان في
ذلك نقص فهو عين الكمال التام بهذه المراعاة، فهذا عندي مثل ما قال الشاعر لعمر بن
الخطاب حين حبسه : [البسيط]
حُمْرِ الحواصل لا ماءٌ ولا شَجَرُ
ماذا تقولُ لأفراخ بذي مَرَخ
فاغفِز هداك مليكُ الناس يا عمرُ
ألقيتَ كاسِبَهم في قعر مظلمةٍ
لا بل لأنفسهم قد كانت الأثرُ
ما آثروك بها إذ قدموك لها
فإن كانوا بذلوا مراكبهم عن طلب إلهيّ يقتضي ذلك وجوباً إلهياً كان مثل الأول، فإنه
لو لم يرد عنه تعالى الوجوب على نفسه لم نقل به فإنه سوء أدب من العبد أن يوجب على
سيده، غير أن هنا لطيفة دقيقة لا يشعر بها كثير من العارفين بهذه المجالس وذلك أنه كما
نطلبه لوجود أعياننا يطلبنا لظهور مظاهره فلا مظهر له إلاَّ نحن ولا ظهور لنا إلاَّ به، فبه عرفنا
أنفسنا وعرفناه، وبنا تحقق عين ما يستحقه الإله: [الهزج]
ولولا نحنُ ما كـانـا
فــلــولاء لما كنا
يكونُ الحقُّ إيانا
فإن قلنا بأنا هُو
وأبداه وأخفانـا
فأبدانا وأخفاه
وكنا نحن أعيانـا
فكان الحقُّ أكوانا

٧٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
سراراً ثم إغلانـا
فيُظْهِرُنا لنظهِرَهُ
فلما وقفوا على هذه الحقائق من نفوسهم ونفوس الأعيان سواهم تميزوا على من
سواهم بأن علموا منهم ما لم يعلموا من أنفسهم واطلع الحق على قلوبهم، فرأى ما تجلّت به
ممّا أعطتها العناية الإلهية وسابقة القدم الربانيّ استوجبوا على ربهم ما استوجبوه من أن يكونوا
أهلاً لهذه المجالس الثمانية والأربعين.
السؤال الثامن: فإن قلت عن أهل هذه المجالس ما حديثهم ونجواهم؟ قلنا في
الجواب: بحسب الاسم الذي يقيمهم فلا يتعين علينا تعيينه ولكن الأصول الإلهية محفوظة،
وذلك أن حديث أهل الحضرة الأولى في مجالستهم فيها والمجلس الأول الذي بين المثلين
من اسمه الظاهر والمبدىء والباعث وكل اسم يعطي البروز ووجود الأعيان تحادث الحق فيه
بلسان حياة الأرواح وحياة الهياكل السفلية في البرازخ وعالم الحس والمحسوس والعقل
والمعقول، وبلسان من ضاع عن الطريق وانجبر إليه بعدما انكسر خاطره وخاف الفوت،
وبلسان: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] أي بيّن أنه أعطى كل شيء خلقه
ففرق بين قوله: ﴿ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٣] وقوله له بعينه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ
لَهُّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] وقال لموسى
وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَولًا لَيْنَا﴾ [سورة طه: الآية ٤٤] ليقابل به غلظة فرعون فينكسر لعدم المقاوم،
إذ لم يجد قوّة تصادم غلظته فعاد أثرها عليه فأهلكته بالغرق فباللين هلك فرعون، فأعطى كل
شيء خلقه في وقته فيحدث نشأة الإنسان مع الأنفاس ولا يشعر وهو قوله تعالى: ﴿وَنُنِشِئَكُمْ
فِىِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦١] يعني مع الأنفاس وفي كل نفس له فينا إنشاء جديد بنشأة
جديدة، ومن لا علم له بهذا فهو في ﴿لَيْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥] لأن الحسّ
يحجبه بالصورة التي لم يحسّ بتغييرها مع ثبوت عين القابل للتغيير مع الأنفاس، وبلسان
طلب الاستقامة في المزاج ليصحّ نظر العقل في فكره، ومزاج الحواس فيما تنقل إليه، ومزاج
القوى الباطنة فيما تؤدّيه من الأمور للعقل، فإنه إذا اختلّ المزاج ضعفت الإدراكات عن صحة
النقل فنقلت بحسب ماله انتقلت فكانت الشبه والمغالط فعقل العقل للجهل علماً فيصير العدم
وجود أو بلسان إزاحة الأمور التي توجب عدم المواصلة والمراسلة، ففي الحضرة الأولى
أربعة مجالس ممّا تشاكل ما ذكرناه، ومثلها في الثانية والرابعة، وأما في الحضرة الثالثة من
هذه المجالس فثلاثة، وفي الخامسة اثنان، وفي السادسة واحدة على هذه المشاكلة، لكن في
كل حضرة فنون مختلفة ولكن لا تخرج عن هذا الأسلوب، وأما مجالس الراحات في
الحضرة الأولى والثانية والرابعة هي ستة مجالس فيها أحاديث معنوية عن مشاهدة كما قيل :
[الطويل]
فنحن سكوتٌ والهوى يتكلّمُ
تَكَلَّمُ مِنَّا في الوجوه عيونُنا
وكما قلنا في هذا الشكل: [الخفيف]
طيباً مُطْرِباً بغير لسانٍ
والهوى بيننا يسوق حديثاً

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٧١
وهي المجالس التي بين الضدّين يحصل منها علم الاعتماد والكشف عن الساق
والبرزخ الذي بين الضدّين كالفاتر بين الحار والبارد، وكالإسماع بين المخافتة والجهر،
وكالتبسم بين الضحك والبكاء، وكلّ ضدّين ﴿يَتَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَانِ فَأَيِّ ءَالَاءِ رَيْكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [سورة
الرحمن: الآية ٢٠ - ٢١] فهو مجلس راحة، وليس بين النفي والاثبات برزخ وجوديّ، فصاحبه
ينقطع في الحال لأحد الطرفين لأنه لا يجد حيث يستريح، فالبرازخ مواطن الراحات، ألا
ترى أن الله جعل ﴿النوم سباتاً﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٧] أي راحة لأنه بين الضدّين: الموت
والحياة، فالنائم لا حيّ ولا ميت، فأمثال هذه العلوم هي التي يقع بها الحديث لهم
ونجواهم، وفي الحضرة الثالثة والخامسة مجلس واحد في كلّ حضرة، والحضرة السادسة لا
مجلس فيها من مجالس الراحة، وأما مجالس الفصل بين العبد والربّ ففيه ذكرنا من حديثه
طرفاً آنفاً في السؤال الرابع من هذه السؤالات، وأما الحضرة السادسة والخامسة فليس فيهما
من هذه المجالس مجلس البتة، وأما مجالس الفصل الثاني بين العبد والربّ فهي ستة مجالس
لا سابع لها في كلّ حضرة من الست مجالس واحد يفصل به بين العبد والربّ من حيث ما هو
العبد عبد ومن حيث ما هو الربّ ربّ، ومجالس الفصل الأول بين العبد والربّ من حيث ما
هو عبد لهذا الربّ، ومن حيث ما هو ربّ لهذا العبد، فهو فصل في عين وصل، وهذه
المجالس الأخر فصل في فصول لا وصل فيها فيحصل له ما يشاء، كلّ هذا الفنّ من العلم
الإلهيّ إذ كنت لا تعلمه إلاَّ من نفسك، ولا تعلم نفسك إلاَّ منه، فهو يشبه الدور ولا دور بل
هو علم محقق .
وأما الاثنا عشر مجلساً التي يراها الترمذيّ الحكيم صاحب هذه السؤالات وبها تكمل
الثمانية والأربعون من المجالس فإن الأرواح العلوية لا تعلمها وليس لها فيها قدم مع الله وهي
مخصوصة بنا من أجل الدعوى، فإذا تجسدت الأرواح العلوية تبعث الدعوى جسديتها فربما
تدعى فإن ادّعت ابتليت، وفي قصة آدم والملائكة تحقيق ما ذكرناه، فابتليت بالسجود جبراً
لما أخذت من طهارتها الدعوى فكان ذلك للملائكة كالسهو في الصلاة للمصلي، فأمر
المصلي أن يسجد لسهوه، كذلك أمرت الملائكة أن تسجد لدعواها، فإن الدعوى سهو في
حقّها فكان ذلك ترغيماً للدعوى لا لهم، كما كان سجود السهو منا ترغيماً للشيطان لا لنا
فاعلم ذلك .
فأما هذه المجالس الإثنا عشر فستة منها تلتحق بالمجلس الذي بين المثلين والستة
الباقية تلتحق بمجالس الفصل الثاني بين العبد من حيث ما هو عبد وبين الربّ من حيث ما هو
ربّ، لكن تختلف الأذواق في ذلك آيات هذا السؤال من القرآن: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ
تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [سورة يس: الآية ٤٠] وقوله: ﴿وَأَلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٩] وقوله:
﴿فَلَ أُقْسِمُ بِالْخُنَسِ﴾ [سورة التكوير: الآية ١٥] وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [سورة البروج: الآية ١] إلى
آخرها والمدار على القطب. انتهى الجزء الثمانون .

٧٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
(الجزء الحادي والثمانون)
بِسْمِ الَهِ الََّنِ الرّحمَدِ
السؤال التاسع: فإن قلت: فبأيّ شيء يفتتحون المناجاة؟ قلنا: في الجواب بحسب
الباعث والداعي لها، وذلك أن الحق إذا أجلسهم هذه المجالس التي ذكرناها فإنما يجلسهم
الحق فيها بعد قرع وفتح واستفتاح وذلك أنه سمعوا الحق يقول: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ
الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَّةً﴾ [سورة المجادلة: الآية ١٢] ثم قال: ﴿َأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىّ
نَجْوَكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [سورة المجادلة: الآية ١٣] وقال في إنزال الرسول منزلة الحق نفسه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٤] وقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] لأنه به يدعو إليه سبحانه. وقال وَّجَر: «الكَلِمَةُ الطَّيْبَةُ صَدَقَة)).
وقال: ((يُصْبِحُ عَلَى كُلُّ سُلاَمَى مِنِ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ)) وأفضل الصدقات تصدق الإنسان بنفسه،
وأفضل ما يخرجها عليه من يخرجها على نفسه، فإذا إذا أراد العبد نجوى ربّه فليقدم بين يدي
نجواه نفسه لنفسه فإن النجوى سامع ومتكلم، والعبد إن لم يكن الحق سمعه فمن المحال أن
يطيق فهم كلام الله، وإن لم يكن الحق لسان العبد عند النجوى فمن المحال أن تكون نجواه
صادقة الصدق الذي ينبغي أن يخاطب به الله، فإن الحق ناجى نفسه بنفسه، والعبد محل
الاستفادة لأنها أمور وجودية والوجود كله هو عينه، والعبد يصدق بنفسه على نفسه لأنها أفضل
الصدقات استفتاحاً لنجوى ربه، فكانت المناسبة بين النجوى وما افتتحت به كون الصدقة
رجعت إليه وكون الحق كانت نجواه بينه وبينه، فما سمع الحق إلاَّ الحق، ولا تصدق العبد إلاَّ
على العبد فصحّت الأهلية، فمن كان استفتاحه هكذا كان من أهل المجالس والحديث.
وأما مذهب الترمذيّ فإن الذي يفتتحون به المناجاة إنما هو تلبسهم بالكبرياء، ثم
يتعرّون من بعضه بوجه خاص ويبقون عليهم ما يليق أن يسمع به كلام الحق ويكلم به الحق
لتصحّ النجوى فيكون الابتداء من العبد، فيكوّن له الأولية في هذا الموطن وهو وجه صحيح
وهذا هو الباعث الوضعيّ، والذي ذكرناه أولاً هو الباعث الذاتيّ، فإن نجوى هذه الطائفة في
هذا الحال بمنزلة الصلاة في العامّة، فإنه من هذه الحضرة التي ذكرناها خرج التكليف بها على
ألسنة الرسل للعباد وشرع فيها التكبير لما ذكرناه والصلاة مناجاة، ومن أهل الله من يجعل
عاقبة الأمور استفتاحاً فيردها أولاً إذا كان المطلوب عين العواقب كمن يطلب الاستظلال،
فأول ما يقع عنده وجود السقف وهو آخر ما يقع به الفعل لأنّ وجوده موقوف على وجود
أشياء، فإذا كان من الأمور التي لا توقف لوجودها على شيء كان عين العاقبة عين السابقة،
فيكون استفتاح العمل بالعاقبة وهي طريقة عجيبة عملنا عليها وناجينا بها في هذا المقام،
ولكن لا بدّ أن تكون النجوى كما قرّرنا بسمع الحق وكلام الحق لأنّ الحقيقة تأبى أن يكلمه
غير نفسه أو يسمعه غير نفسه، فقد أعلمتك بماذا يفتتحون المناجاة أهل المجالس والحديث.
السؤال العاشر: فإن قلت: بأيّ شيء يختمونها؟ فلنقل في الجواب: بالمنزلة التي تعطيهم

في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٧٣
ذلك الاستفتاح والافتتاح مختلف فالختام مختلف أيضاً فلا يتقيد، غير أنه ثم أمر جامع وهو
الوقفة بين الاسمين: بين الاسم الذي ينفصل عنه وبين الاسم الذي يأخذ منه، فإن بينهما اسماً
إلهياً خفياً به يقع الختم ولا يشعر به إلاَّ أهل المجالس والحديث وهو وجود سار في جميع
الموجودات لكن لا يشعر به لدقته، كالخط الفاصل بين الظل والشمس يعقل ولا يدرك بالحس،
وهي الحدود بين الأشياء لها لكل من هي بينهما وجه خاص مع كونها لا تنقسم فهي بذاتها مع
كل محدود، ولهذا يعزّ العثور على الحدود الذاتية بخلاف الحدود الرسمية واللفظية التي بأيدي
العلماء فقد يكون ذلك الذي يختم به دليل كون، وقد يكون دليل عين، وقد يكون دليل ذات لا
تقبل المظاهر، وهذا أعلى ما تختم به النجوى عندهم ودونه دليل كون وهو ما يعطي مظهراً ما
ودونه دليل عين، وهو الذي لا يقبل التغيير، وهو المعبر عنه بباطن المظهر.
واعلم أن الأمر في النجوى دائرة تنعطف بطلب أوّلها فيكون عين الختم هو عين
الافتتاح، فتنقسم بين أوّل وآخر وظاهر وباطن، فإذا ابتدأ فهو الظاهر، فإذا انتهى صار الظاهر
باطناً وعاد الباطن ظاهراً فإن الحكم له، فيبطن الختم في الافتتاح عند البدء، ويبطن الافتتاح
في الختام عند النهاية، قيل في رسول اللّه مَّ إنه خاتم النبيين فبطن بظهور ختمه كونه نبياً
وآدم بين الماء والطين، ولما ظهر كونه نبياً وآدم بين الماء والطين واستفتح به مراتب البشر كان
كونه خاتم النبيين باطناً في ذلك الظهور، وأما الإلهية فالوجود منه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ
فَأَعْبُدْهُ﴾ بينهما ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فيهما ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] حيث
أنتم مظاهر أسمائه الحسنى وبها تسعدون وتشقون ﴿ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة
محمد: الآية ٣٥] فسلم الأمر إليه واستسلم تكن موافقاً لما هو الأمر عليه في نفسه فتستريح من
تعب الدعوى بين الافتتاح والختم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
السؤال الحادي عشر: بماذا يجابون؟ الجواب: بحسب حالهم ووقتهم، وحالهم
ووقتهم بحسب الاسم الذي هو الحاكم فيهم بين الافتتاح والختم، فإنه بين الختم والافتتاح
تكون أسماء كثيرة إلهية هي الناطقة في تلك الأعيان من أهل المجالس والحديث، فيكون
الجواب بحسب ما وقع به حكم الاسم ولكن ما يجابون إلاَّ باسم ولا بدّ، فإن كان الحديث
معنوياً عن شهود فقد يقع الجواب بالذات معرّاة من الأسماء وهو بمنزلة المجاز من الحقيقة
ويجتمع هذا مع الحديث في الإفادة والاستفادة، فمن راعى الاستفادة والإفادة ألحق هذا
المقام بأهل المجالس والحديث، وهو الذي قصده الترمذيّ لكونه قال: أهل المجالس
والحديث ولم يقل أهل الحديث خاصة، ومن الناس من لا يراعي سوى الحديث فلا يجعل
في هذه الحضرة حكماً لحديث معنويّ حاليّ فإنه يقول: مطلبي الحقائق ولكنه صاحب هذا
القول كأنه غير محقق، وما أوقعه في ذلك إلاَّ تقيد الحديث بالألفاظ، وأما نحن فعلى مذهب
الترمذيّ في ذلك فإنا ذقناه في المجالسة حديثاً معنوياً في غاية الإفهام معرى عن الاحتمال
والإجمال، بل هو تفصيل محقق في عين واحدة وهو الذي يعوّل عليه في هذا الفصل.
السؤال الثاني عشر: كيف يكون صفة سيرهم يعني إلى هذه المجالس والحديث ابتداء؟

٧٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
قلنا في الجواب: بالهمم المجرّدة عن السوى وبسط ذلك ما نقول، وهو أن الأمور المعنوية
التي لا تقبل الموادّ ولا تحدّدها لا يصحّ السير إلى تحصيلها أو تحصيل ما يكون منها بقطع
المسافات وتذريع المساحات، لكن قد يقترن بالهمة حركات مادية مبناها على علم أو إيمان
بشرط التوحيد فبهما، فأما سيرهم من حيث ما هم علماء فبتصفية النفوس من كدورات الطبيعة
واتخاذ الخلوات لتفريغ القلوب عن الخواطر المتعلقة بأجزاء الكون الحاصلة من إرسال
الحواس في المحسوسات فتمتلىء خزانة الخيال فتصوّر القوّة المصوّر منها بحسب ما تعشقت
به من ذلك، فتكون هذه الصور حائلة بينه وبين حصول هذه المرتبة الإلهية، فيجنحون إلى
الخلوات والأذكار على جهة المدح لمن بيده الملكوت، فإذا صفت النفس وارتفع الحجاب
الطبيعيّ الذي بينها وبين عالم الملكوت انطبع في مرآتها جميع ما في صور عالم الملكوت من
العلوم المنقوشة، فيطلع الملأ الأعلى على هذه النفس التي هي بهذه المثابة فيرى فيها ما عنده
فيتخذها مجلى ظهور ما فيه، فيكون الملأ الأعلى معيناً له أيضاً على استدامة ذلك الصفاء،
ويحول بينه وبين ما يقتضيه حجاب الطبع، فتتلقى هذه النفس من العالم العلويّ بقدر مناسبتها
منهم من العلم بالله، فيؤدّبهم ذلك العلم إلى التلقي من الفيض الإلهيّ ولكن بوساطة الأرواح
النورية لا بدّ من ذلك فيسمّون ذلك سيراً، ولا بدّ من تجريد الهمم في الطلب لذلك، ولولا
تعلق الهمة بتحصيل ما تقرّر عندها مجملاً ما صحّ له توجّه إلى الملأ الأعلى، فإن اتفق أن
يكون هذا الرجل في سيره مع علمه مؤمناً أو يكون صاحب إيمان من غير علم فإن همته لا
تتعلق إلاَّ بالله، فإن الإيمان لا يدلّه إلاَّ على الله، والعلم إنما يدله على الوسائط وترتيب
الحكمة المعتادة في العالم، فصفة سير أصحاب الإيمان ما لهم طريق إلى ذلك إلاَّ بعزائم
الأمور المشروعة من حيث ما هي مشروعة وهم على قسمين: طائفة منهم قد ربطت همتها
على أن الرسول إنما جاء منبهاً ومعلماً بالطريق الموصلة إلى جناب الحق تعالى، فإذا أعطى
العلم بذلك زال من الطريق وخلى بينهم وبين الله، فهؤلاء إذا سارعوا أو سابقوا إلى الخيرات
وفي الخيرات لم يروا أمامهم قدم أحد من المخلوقين لأنهم قد أزالوه من نفوسهم وانفردوا
إلى الحق كرابعة العدوية، فهؤلاء إذا حصلوا في المجالس والحديث خاطبهم الحق بالكلام
الإلهيّ من غير وساطة لسان معين. وأما الطائفة الأخرى فهم قوم جعلوا في نفوسهم أنهم لا
سبيل لهم إليه تعالى إلاَّ والرسول هو الحاجب، فلا يشهدون منه أمراً إلاَّ ويرون في سيرهم
قدم الرسول بين أيديهم ولا يخاطبهم إلاَّ بلسانه ولغته كمحمد الأواني قال: تركت الكل
ورائي وجئت إليه فرأيت أمامي قدماً فغرت وقلت لمن هذا اعتماداً مني أنه ما سبقني أحد وأني
من أهل الرعيل الأوّل فقيل لي: هذه قدم نبيك فسكن روعي، والحالة الأولى هي حالة عبد
القادر وأبي السعود بن الشبل ورابعة العدوية ومن جرى مجراهم، وأصحاب الإيمان إذا كانوا
علماء جمع لهم بين الأمرين فهم أكمل الرجال بشرط أنه إذا ساروا إليه وأخذوا مجالسهم
عنده بالحديث المعنويّ كما تقدم وحديث السمع رأوا سريان سرّه تعالى في الموجودات من
قوله: (( مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً)». ومن كونه ينزل إلى السماء الدنيا التي لا أقرب

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٧٥
منها فإنها أقرب من حبل الوريد، فالتحق عنده عالم الطبع بالعالم الروحاني وعاد الوجود عنده
كله ملأ أعلى ومكانة زلفى فلم يحجبه كون ولا شغله عين، واستوى عنده الأين وعدم الأين
وكان وما كان فرآه في الحجاب والعسس وسمع كلامه وحديثه في الغث والجرس هذا صفة
سيرهم على طبقاتهم، ومنهم من كان سيره فيه بأسمائه فهو صاحب سير منه وإليه وفيه وبه،
فهو سائر في وقوفه وواقف في سيره، والخضر والأفراد من أهل هذا المقام، ومن هنا كانت قرّة
عينه وَّر في الصلاة لأنه مناج مع اختلاف الحالات المحصورة من قيام وركوع وسجود
وجلوس ما ثم أكثر من هذه الأركان وهي حالات تربيع روحانيّ فأشبهت العناصر في التربيع
فحدثت صور المعاني من امتزاج هذه الحالات الأربعة كما حدثت صور المولدات الجسمية
الطبيعية من امتزاج هذه العناصر.
السؤال الثالث عشر: فإن قلت: ومن الذي يستحق خاتم الأولياء كما يستحق
محمد ◌ّ خاتم النبوّة؟ فلنقل في الجواب: الختم ختمان: ختم يختم الله به الولاية، وختم
يختم الله به الولاية المحمدية. فأما ختم الولاية على الإطلاق فهو عيسى عليه السلام فهو
الوليّ بالنبوّة المطلقة في زمان هذه الأمّة وقد حيل بينه وبين نبوّة التشريع والرسالة فينزل في
آخر الزمان وارثاً خاتماً لا وليّ بعده بنبوّة مطلقة، كما أن محمداً وسلو خاتم النبوّة لا نبوّة
تشريع بعده وإن كان بعده مثل عيسى من أولي العزم من الرسل وخواص الأنبياء ولكن زال
حكمه من هذا المقام لحكم الزمان عليه الذي هو لغيره فينزل وليّاً ذا نبوّة مطلقة يشركه فيها
الأولياء المحمديون فهو منا وهو سيدنا، فكان أوّل هذا الأمر نبيّ وهو آدم، وآخره نبيّ وهو
عيسى أعني نبوّة الاختصاص، فيكون له يوم القيامة حشران: حشر معنا وحشر مع الرسل
وحشر مع الأنبياء. وأما ختم الولاية المحمدية فهي لرجل من العرب من أكرمها أصلاً ويداً
وهو في زماننا اليوم موجود عرّفت به سنة خمس وتسعين وخمسمائة ورأيت العلامة التي له قد
أخفاها الحق فيه عن عيون عباده وكشفها إليّ بمدينة فاس حتى رأيت خاتم الولاية منه، وهو
خاتم النبوّة المطلقة لا يعلمها كثير من الناس، وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به
من الحق في سرّه من العلم به، وكما أن الله ختم بمحمد بَّ نبوّة الشرائع كذلك ختم الله
بالختم المحمديّ الولاية التي تحصل من الورث المحمديّ لا التي تحصل من سائر الأنبياء،
فإن من الأولياء من يرث إبراهيم وموسى وعيسى فهؤلاء يوجدون بعد هذا الختم المحمديّ،
وبعده فلا يوجد وليّ على قلب محمد ◌َّ، هذا معنى خاتم الولاية المحمديّة. وأما ختم
الولاية العامة الذي لا يوجد بعده وليّ فهو عيسى عليه السلام، ولقينا جماعة ممّن هو على
قلب عيسى عليه السلام وغيره من الرسل عليهم السلام وقد جمعت بين صاحبيّ عبد الله
وإسماعيل بن سودكين وبين هذا الختم ودعا لهما وانتفعا به والحمد لله.
السؤال الرابع عشر: بأيّ صفة يكون ذلك المستحق لذلك؟ الجواب: بصفة الأمانة
وبيده مفاتيح الأنفاس وحالة التجريد والحركة، وهذا هو نعت عيسى عليه السلام كان يحيي
بالنفخ وكان من زهّاد الرسل، وكانت له السياحة، وكان حافظاً للأمانة مؤدّياً لها، ولهذا عادته

٧٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
اليهود ولم تأخذه في الله لومة لائم، كنت كثير الاجتماع به في الوقائع، وعلى يده تبت، ودعا
لي بالثبات على الدين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ودعاني بالحبيب وأمرني بالزهد
والتجريد. وأما الصفة التي استحق بها خاتم الولاية المحمديّة أن يكون خاتماً فيتمام مكارم
الأخلاق مع الله وجميع ما حصل للناس من جهته من الأخلاق، فمن كون ذلك الخلق موافقاً
لتصريف الأخلاق مع الله، وإنما كان ذلك كذلك لأن الأغراض مختلفة، ومكارم الأخلاق
عند من يتخلق بها معه عبارة عن موافقة غرضه، سواء حمد ذلك عند غيره أو ذمّ، فلما لم
يتمكن في الوجود تعميم موافقة العالم بالجميل الذي هو عنده جميل نظر في ذلك نظر
الحكيم الذي يفعل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي فنظر في الموجودات فلم يجد صاحباً مثل
الحق ولا صحبة أحسن من صحبته، ورأى أن السعادة في معاملته وموافقة إرادته، فنظر فيما
حدّه وشرعه فوقف عنده واتبعه، وكان من جملة ما شرعه أن علمه كيف يعاشر ما سوى الله
من ملك مطهر، ورسول مكرّم وإمام جعل الله أمور الخلق بيده من خليفة إلى عريف،
وصاحب وصاحبة، وقرابة وولد، وخادم وداية، وحيوان ونبات وجماد في ذات وعرض،
وملك إذا كان ممّن يملك، فراعى جميع من ذكرناه بمراعاة الصاحب الحق، فما صرف
الأخلاق إلاَّ مع سيده، فلما كان بهذه المثابة قيل فيه مثل ما قيل في رسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم: الآية ٤] قالت عائشة: ((كَانَ القُرْآنُ خُلُقَهُ يَحْمَدُ مَا حَمِدَ اللَّهُ وَيَذُمُّ مَا ذَمَّ اللَّهُ
بِلِسَانِ حَقّ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكِ مُقْتَدِرٍ)) فلما طابت أعراقه وعمّ العالم أخلاقه ووصلت إلى
جميع الآفاق أرفاقه استحق أن يختم بمن هذه صفته الولاية المحمدية من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾ جعلنا الله تمن مهد له سبيل هداه ووفقه للمشي عليه وهداه.
السؤال الخامس عشر: فإن قلت: ما سبب الخاتم ومعناه؟ فلنقل في الجواب: كمال
المقام سببه والمنع والحجر معناه، وذلك أن الدنيا لما كان لها بدء ونهاية وهو ختمها قضى الله
سبحانه أن يكون جميع ما فيها بحسب نعتها له بدء وختام، وكان من جملة ما فيها تنزيل
الشرائع، فختم الله هذا التنزيل بشرع محمد وَّ فكان خاتم النبيين ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾
[سورة الأحزاب: الآية ٤٠] وكان من جملة ما فيها الولاية العامة، ولها بدء من آدم فختمها الله بعيسى
فكان الختم يضاهي البدء ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٩] فختم
بمثل ما به بدأ، فكان البدء لهذا الأمر بنبيّ مطلق وختم به أيضاً.
ولما كانت أحكام محمد ولّ عند الله تخالف أحكام سائر الأنبياء والرسل في البعث
العام وتحليل الغنائم وطهارة الأرض واتخاذها مسجداً وأوتي جوامع الكلم ونصر بالمعنى
وهو الرعب وأوتي مفاتيح خزائن الأرض وختمت به النبوّة عاد حكم كلّ نبيّ بعده حكم
وليّ، فأنزل في الدنيا من مقام اختصاصه، واستحق أن يكون لولايته الخاصة ختم يواطىء
اسمه اسمه ◌َّ* ويحوز خلقه، وما هو بالمهديّ المسمّى المعروف المنتظر، فإن ذلك من
سلالته وعتره، والختم ليس من سلالته الحسيّة ولكنه من سلالة أعراقه وأخلاقه وَلّر، أما
سمعت الله يقول فيما أشرنا إليه: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣٤] وجميع أنواع

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٧٧
المخلوقات في الدنيا أمم، وقال: ﴿كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمٌَّ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٣] في أثر
قوله: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَبُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ
مُسَمَّى﴾ [سورة فاطر: الآية ١٣] فجعل لها ختاماً وهو انتهاء مدّة الأجل ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بَدِهِ﴾
[سورة الإسراء: الآية ٤٤] فما من نوع إلاَّ وهو أمّة، فافهم ما بيّناه لك فإنه من أسرار العالم
المخزونة التى لا تعرف إلا من طريق الكشف، والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
السؤال السادس عشر: كم مجالس ملك الملك؟ الجواب: على عدد الحقائق الملكية
والنارية والإنسانية واستحقاقاتها الداعية لإجابة الحق فيم سألته منه بسط ذلك. اعلم أوّلاً أنه
لا بدّ من معرفة ملك الملك ما أرادوا به، ثم بعد هذا تعرف كمية مجالسه إن كان لها كمية
محصورة، فالملك هو الذي يقضي فيه مالكه ومليكه بما شاء ولا يمتنع عنه جبراً فيسمّى كرهاً
أو اختياراً فيسمّى طوعاً، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [سورة
الرعد: الآية ١٥] فقال لها وللأرض: ﴿أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] والمأمور هو
الملك والآمر هو المالك، ولا بدّ من أخذ الإرادة في حدّ الأمر لأنه اقتضاء وطلب من الآمر
بالمأمور، سواء كان المأمور دونه أو مثله أو أعلى، وفرّق الناس بين أمر الدون وبين أمر
الأعلى، فسمّوا أمر الدون إذا أمر الأعلى طلباً وسؤالاً مثل قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا﴾ [سورة الفاتحة:
الآية ٦] فلا يشك أنه أمر من العبد لله فسمّي دعاء، وإذا فهمت هذا وعلمت أن المأمور هو
بالنسبة إلى الآمر ملكاً والآمر مليك، ثم رأيت المأمور وقد امتثل أمر آمره وأجابه فيما سأل منه
أو اعترف بأنه يجيبه إذا دعاه لما يدعوه إليه إن كان المدعوّ أعلى منه فقد صيّر نفسه هذا
الأعلى ملكاً لهذا الدون، وهذا الدون هو تحت حكم هذا الأعلى وحيطته وقهره وقدرته وأمره
فهو ملكه بلا شك، وقد قرّرنا أن الدون الذي هو بهذه المثابة قد يأمر سيده فيجيبه السيد لأمره
فيصير بتلك الإجابة ملكاً له، وإن كان عن اختيار منه فيصحّ أن يقال في السيد أنه ملك الملك
لأنه أجاب أمر عبده وعبده ملك له، ومن أمر فأجاب فقد صحّ عليه اسم المأمور وهو معنى
الملك، فإذا أجاب السيد أمر عبده وهو ملك فبإجابته صيّر نفسه ملك ملكه وهذا غاية النزول
الإلهيّ لعبده إذ قال له: أدعوني أستجب لك، فيقول له العبد: اغفر لي ارحمني انصرني
اجبرني فيفعل، ويقول الله له: ادعني أقم الصلاة ات الزكاة اصبروا ورابطوا جاهدوا فيطيع
ويعصي. وأما الحق سبحانه فيجيب عبده لما دعاه إليه بشرط تفرّغه لدعائه، وقد يكون أثر
المؤثر فعلاً من غير أمر كالعبد يعصي فيثير كونه عاصياً غضباً في نفس السيد فيوقع به العقوبة
فقد جعل العبد سيده يعاقبه بمعصيته، ولو لم يعصه ما ظهر من السيد ما ظهر أو يغفر له،
وكذلك في الطاعة يثيبه فيكون من هذه النسبة أيضاً ملك الملك أي ملكاً لمن هو ملكه، وبهذا
وردت الشرائع كلها .
وأما قوله: كم مجالسه؟ فإنها لا تنحصر عقلاً، فإنها حالة دوام من سيد لعبد، ومن
عبد إلى سيد، فسؤاله لا يخلو إما أن يريد ما قلنا من أنها لا تنحصر عقلاً، فإن أجاب
بانحصار في كمية معلومة علم أنه لا علم عنده أو يريد مجالسه من حيث ما شرع فهي مجالس

٧٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
في الدنيا محصورة وفي الآخرة غير محصورة، لأن الآثار الواقعة في الآخرة كلها أصلها من
الشرائع، فلا ينفك حكم الشرع في الدنيا والآخرة، فإن الخلود في الدارين من حكم الشرع،
وما يكون من الحق فيهم من حكم الشرع، فإذا مجالس ملك الملك من جهة الشرع لا
تنحصر، فإن أراد السائل عن هذا حالة الدنيا خاصة فعددها عدد أنفاس الخلائق عقلاً، وإن
أراد ما اقترن به الأمر من العبد خاصة فعلى قدر ما دعا العبد ربّه من حيث ما أمره أن يدعوه به
وهي من كلّ داع بحسب ما سبق في علم الله من تكليفه لكلّ عين عبد أن يدعوه، وخلق الله
الذين هم بهذه المثابة يفوتون التلفّظ باسم العدد الذي يحصرهم فإنه يدخل في ذلك الملائكة
والجنّ والإنس، فحصر كمياتها ما دام زمان الدنيا إلى أن ينقضي في حق الملك والجنّ
والإنس محصور الكمية غير متصوّر التلفظ به لأنه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة المدثر:
الآية ٣١] وهم من الملك الذي يدعو ربّه فيصيره بدعائه ملكاً له، فكمياتها وإن كانت محصورة
فهي غير معلومة، وإن علمت فهي غير مقدورة للتلفظ بها لما في ذلك من المشقة، ولكن من
وقف على ما رقم في اللوح المحفوظ عرف كمياتها بلا شك وإن تعذّر النطق بها، فمن كل
وجه لا يتصوّر الجواب عنها بأكثر من هذا وإنما جعله الترمذيّ على سبيل الامتحان، فإنه جاء
بمسائل لا يصحّ الجواب عنها ليعلم أن المسؤول إذا أجاب عنها أنه مبطل في دعواه علم
ذلك، إذ لو علم ذلك لكان من علمه به أنه ممّا لا يجب عنه فيعلم صدق دعواه، وسيأتي من
ذلك ما تقف عليه في هذه السؤالات إن شاء الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
السؤال السابع عشر: بأيّ شيء حظ كل رسول من ربه؟ الجواب عن هذا لا يتصوّر،
لأن كلام أهل طريق الله عن ذوق ولا ذوق لأحد في نصيب كلّ رسول من الله، لأن أذواق
الرسل مخصوصة بالرسل، وأذواق الأنبياء مخصوصة بالأنبياء، وأذواق الأولياء مخصوصة
بالأولياء، فبعض الرسل عنده الأذواق الثلاثة لأنه وليّ ونبيّ ورسول، قال الخضر لموسى:
﴿مَا لَوْ تُحِطَّ بِهِ، خُبْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٨] والخبر الذوق، وقال له: أنا على علم علمنيه الله لا
تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، هذا هو الذوق.
حضرت في مجلس فيه جماعة من العارفين فسأل بعضهم بعضاً من أيّ مقام سأل موسى
الرؤية؟ فقال له الآخر: من مقام الشوق، فقلت له: لا تفعل، أصل الطريق أن نهايات الأولياء
بدايات الأنبياء، فلا ذوق للوليّ في حال من أحوال أنبياء الشرائع فلا ذوق لهم فيه، ومن أصولنا
أنا لا نتكلم إلاَّ عن ذوق ونحن لسنا برسل ولا أنبياء شريعة، فبأيّ شيء نعرف من أيّ مقام سأل
موسى الرؤية ربه؟ نعم لو سألها وليّ أمكنك الجواب، فإن في الإمكان أن يكون لك ذلك
الذوق، وقد علمنا من باب الذوق أن ذوق مقام الرسل لغير الرسل ممنوع، فالتحق وجوده
بالمحال العقليّ لأنّ الذات لا تقتضي إلاَّ هذا الترتيب الخاص أو سبق العلم كيف شئت فقل،
فإن أراد السؤال عن السبب الذي اقتضى لذلك الرسول هذا الحظ الذي انفرد به، فقد قال
صاحب المحاسن: ليس بينه وبين عباده نسب إلاَّ العناية ولا سبب إلاَّ الحكم ولا وقت غير
الأزل وما بقي فعمى وتلبيس .

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٧٩
واعلم أن السبب العام الذي عين المراتب العلية لأربابها إنما هو العناية الإلهية وهو قوله
تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ [سورة يونس: الآية ٢] وأما السبب
الخاص لهذا الرسول للحظ الخاص الذي له من ربّه فيحتاج ذكره إلى ذكر كل رسول باسمه
وحينئذ نذكر سببه، ورسل الله في البشر محصورون وفي الملائكة غير محصورين عندنا، لكن
من شرط أهل هذه الطريقة إذا ادّعوا هذه المعرفة فلا بدّ أن يعرفوا السبب عند تعيّن الرسول
بالذكر، ولكن هو من الأسباب التي لا تذاع لئلا يتعب الخلق أو يتخيل الضعيف الرأي أن
الرسالة تكتسب بذلك السبب إذا علم، فيؤدّي ذكر ذلك إلى فساد في العالم فيحفظ عليه
الأمناء، وأيضاً فلا فائدة في إظهاره فإنه بكونه رسولاً خصّ به لأنه كان رسولاً بل هو رسول
بأمر عام يجتمع فيه المرسلون قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة البقرة: الآية
٢٥٣] وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٥] فكل واحد منهم فاضل
مفضول وهو مذهب الجماعة، وقد بين هذا أبو القاسم ابن قسيّ في خلع النعلين وهو قوله:
﴿وَإِنَهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [سورة ص: الآية ٤٧] فخصّ آدم بعلم الأسماء الإلهية التي
طوى علمها عن الملائكة، فلم تسبح الله بها حتى استفادتها من آدم، وخصّ موسى بالكلام
والتوراة من حيث أن الله كتبها بيده قبل أن يخلق آدم بأربع آلاف سنة، وخصّ رسول الله وَله
بما ذكر عن نفسه من أنه أوتي جوامع الكلم، وخصّ عيسى بكونه روحاً وأضاف النفخ إليه
فيما خلقه من الطين ولم يضف نفخاً في إعطاء الحياة لغير عيسى بل لنفسه تعالى إما بالنون أو
بالتاء التي هي ضمير المتكلم عن نفسه، وهذا وإن كانت كلها منصوصاً عليها أنها حصلت
لهم فليس بمنصوص الاختصاص بها ولكنه معلوم من جهة الكشف والاطلاع.
السؤال الثامن عشر: أين مقام الرسل من مقام الأنبياء؟ الجواب: هو بالإزاء إلاّ أنه فى
المقام الرابع من المراتب، فإن المراتب أربع التي تعطي السعادة للإنسان وهي: الإيمان
والولاية والنبوّة والرسالة. وأما من مقام الأنبياء فهم من أنبياء التشريع في الرتبة الثانية، ومن
مقام الأنبياء في الرتبة الثالثة، والعلم من شرائط الولاية وليس من شرطها الإيمان فإن الإيمان
مستنده الخبر فلا يحتاج إليه مع الخبر، إما بالمحال كالأينية لله أو بالإمكان وهو الإخبار
ببعض المغيبات التي يمكن أن ينسب إليها المخبر ما نسب، فأول مرتبة العلماء بتوحيد الله
الأولياء فإن الله ما اتخذ وليّاً جاهلاً، وهذه مسألة عظيمة أغفلها علماء الرسوم فإنه يدخل
تحت فلك الولاية كل موحّد لله بأي طريق كان وهو المقام الأول، ثم النبوّة، ثم الرسالة، ثم
الإيمان، فهي فينا أعني مرتبة الولاية على ما رتبناه وهي هناك ولاية، ثم إيمان، ثم نبوّة، ثم
رسالة، وعند علماء الرسوم وعامّة الناس الخارجين عن الطريق الخاص المرتبة الأولى إيمان،
ثم ولاية، ثم نبوّة، ثم رسالة، فأجبنا فيها على ما تعرفه العامة وعلماء الرسوم، وبيّنا المراتب
كيف هي بالنظر إلى جهات مختلفة، فالموحدون بأيّ وجه كان أولياء الله تعالى فإنهم حازوا
أشرف المراتب التي شرك الله أصحابها من أجلها مع الله فيها فقال: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] ففصل لتمييز شهادة الحق لنفسه من شهادة من سواه له بما شهد به

٨٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
لنفسه فقال: وعطف بالواو والملائكة فقدم للمجاورة في النسبة من كونه إلهاً، والجار الأقرب
في الشرع وفي العرف عند أرباب الكرم، والعلم مقدم على الجار الأبعد بكل وجه إذا اتحدا
في ذلك الوجه، وفي هذا من رحمة الله بخلقه ما لا يقدر قدره إلاّ العارفون به في قوله:
﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] فنحن أقرب جار وللجار حق
مشروع يعرفه أهل الشريعة، وكذلك قوله: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦]
فينبغي للإنسان أن يحضر هذا الجوار الإلهي عند الموت حتى يطلب من الحق ما يستحقه
الجار على جاره من حيث ما شرع وهو قوله لنبيه وَّل أن يقول: ﴿قَلَ رَبِّ احْكُ بِالْحَقُّ﴾ [سورة
الأنبياء: الآية ١١٢] أي الحق الذي شرعته لنا فعاملنا به حتى لا ننكر شيئاً منه ممّا يقتضيه الكرم،
فلو علم الناس ما في هاتين الآيتين من العناية بالعباد لكانوا على أحوال لا يمكن أن تذاع يقول
تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكَِتِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٤] وقال مَّفي مثل هذا المقام:
((أَفَلا أَكُون عَبْداً شَكُوراً)) .
ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] يعني من الجنّ والإنس ومن
شاركهم من الأمهات، والمولدات العلماء بالله فجعلهم جيران الملائكة لتصح الشفاعة من
الملائكة فينا لحق الجوار أنه لا إله إلاَّ هو الضمير في أنه يعود على الله من شهد الله فشهادتهم
بتوحيده على قدر مراتبهم في ذلك، فلذلك فصل بين شهادته لنفسه وشهادة العلماء له ثم
قال: ﴿قَبِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] أي بالعدل فيما فصل به بين الشهادتين، ثم قال
بنفسه: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] نظير الشهادة الأولى التي له، فحصلت شهادة
العالم له بالتوحيد بين شهادتين إلهيتين أحاطنا بها حتى لا يكون للشقاء سبيل إلى القائل بها،
ثم تمّم بقوله: ﴿ اٌلْعَزِيزُ﴾ ليعلم أن الشهادة الثالثة له مثل الأولى لاقتران العزّة بها أي لا ينالها
إلاّ هو لأنها منيعة الحمى بالعزّة، ولو كانت هذه الشهادة من الخلق لم تكن منيعة الحمى عن
الله، فدلّ إضافة العزّة لها على أنها شهادة الله لنفسه. وقوله: ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية
١٨] لوجود هذا الترتيب في إعطاء السعادة لصاحب هذه الشهادة حيث جعلها بين شهادتين
منسوبتين إلى الله من حيث الاسم الأول والآخر وشهادة الخلق بينهما، فسبحان من قدر
الأشياء مقاديرها وعجز العالم أن يقدورها حق قدرها، فكيف أن يقدروا حق قدر من خلقها؟
وهذا الكشف من مقام وراثة الرسول (وَ ل# من حيث رسالته من قوله: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَثَّبَعَنِّ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] وهم العلماء بالله من أهل الله الذين أقامهم الحق
مقام الرسل في الدعوة إلى الله بلسان حق عن نبوّة مطلقة اعتنى بهم في أن وصفهم بها لا نبوّة
الشرائع بل نبوّة حفظ لأمر مشروع على بصيرة من الحافظ لا عن تقليد.
السؤال التاسع عشر: أين مقام الأنبياء من الأولياء؟ الجواب: هو خصوص فيه وهو
بالإزاء أيضاً إلاَّ أنه في المقام الثالث على ما تقدم من المراتب، وكان ينبغي أن يكون السؤال
عن هذا بتفصيل بين نبوّة الشرائع والنبوّة المطلقة، فهم من الأولياء إذا كانوا أنبياء شريعة في
الدرجة الثالثة، وأن كانوا في النبوّة اللغوية فهم في الدرجة الثانية. واعلم أن الأولياء هم الذين