Indexed OCR Text
Pages 21-40
في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢١ أحدهم على قلب محمد رَّه والآخر على قلب شعيب عليه السلام، والثالث على قلب صالح عليه السلام، والرابع على قلب هود عليه السلام، ينظر إلى أحدهم من الملأ الأعلى عزرائيل، وإلى الآخر جبرائيل، وإلى الآخر ميكائيل، وإلى الآخر إسرافيل. أحدهم يعبد الله من حيث نسبة العماء إليه، والثاني يعبد الله من حيث نسبة العرش إليه، والثالث يعبد الله من حيث نسبة السماء إليه، والرابع يعبد الله من حيث نسبة الأرض إليه. فقد اجتمع في هؤلاء الأربعة عبادة العالم كله، شأنهم عجيب وأمرهم غريب، ما لقيت فيمن لقيت مثلهم، لقيتهم بدمشق فعرفت أنهم هم وقد كنت رأيتهم ببلاد الأندلس واجتمعوا بي ولكن لم أكن أعلم أن لهم هذا المقام بل كانوا عندي من جملة عباد الله، فشكرت الله على أن عرّفني بمقامهم وأطلعني على حالهم. ومنهم رضي الله عنهم أربعة وعشرون نفساً في كل زمان يسمون رجال الفتح لا يزيدون ولا ينقصون، بهم يفتح الله على قلوب أهل الله ما يفتحه من المعارف والأسرار، وجعلهم الله على عدد الساعات لكل ساعة رجل منهم، فكل من يفتح عليه في شيء من العلوم والمعارف في أيّ ساعة كانت من ليل أو نهار فهو لرجل تلك الساعة وهم متفرقون في الأرض لا يجتمعون أبداً كل شخص منهم لازم مكانه لا يبرح أبداً، فمنهم باليمن اثنان، ومنهم ببلاد الشرق أربعة، ومنهم بالمغرب ستة، والباقي بسائر الجهات، آيتهم من كتاب الله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [سورة فاطر: الآية ٢] وآية الأربعة الذين ذكرناهم قبل هؤلاء باقي الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة فاطر: الآية ٢] مع أن قدم أولئك في قوله: ﴿ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ اُلْزَّحْمَنِ مِن تَفَوُتٍ﴾ [سورة الملك: الآية ٣]. ومنهم رضي الله عنهم سبعة أنفس يقال لهم رجال العلى في كل زمانٌ لا يزيدون ولا ينقصون هم رجال المعارج العلى، لهم في كل نفس معراج، وهم أعلى عالم الأنفاس، آيتهم من كتاب الله تعالى: ﴿وَأَنَتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٥] والله معكم يتخيل بعض الناس من أهل الطريق أنهم الأبدال لما يرى أنهم سبعة، كما يتخيل بعض الناس في الرجبيين أنهم الأبدال لكونهم أربعين عند من يقول إنَّ الأبدال أربعون نفساً، ومنهم من يقول: سبعة أنفس، وسبب ذلك أنهم لم يقع لهم التعريف من الله بذلك ولا بعدد ما الله في العالم في كل زمان من العباد المصطفين الذين يحفظ الله بهم العالم فيسمعون أن ثم رجالاً عددهم كذا، كما أن ثم أيضاً مراتب محفوظة لا عدد لأصحابها معين في كل زمان بل يزيدون وينقصون كالأفراد، ورجال الماء والأمناء والأحباء والأخلاء وأهل الله والمحدّثين والسمراء والأصفياء وهم المصطفون، فكل مرتبة من هذه المراتب محفوظة برجال في كل زمان، غير أنهم لا يتقيدون بعدد مخصوص مثل من ذكرناهم، وسأذكر إذا فرغنا من رجال العدد هذه المراتب وصفة رجالها، فإنا لقينا منهم جماعة ورأينا أحوالهم، فهؤلاء السبعة أهل العروج لهم كما قلنا في كل نفس معراج إلى الله لتحصيل علم خاص من الله فهم مع النفس الصاعد خاصة، ولله ٢٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف رجال هم مع النفس الرحماني النازل الذي به حياتهم وغذاؤهم وهم أحد وعشرون نفساً. ومنهم رضي الله عنهم أحد وعشرون نفساً وهم رجال التحت الأسفل، وهم أهل النفس الذي يتلقونه من الله لا معرفة لهم بالنفس الخارج عنهم، وهم على هذا العدد في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، آيتهم من كتاب الله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ [سورة التين: الآية ٥] يريد عالم الطبيعة إذ لا أسفل منه ردّه إليه ليحيا به فإنّ الطبع ميت بالأصالة فأحياه بهذا النفس الرحمانيّ الذي ردّه إليه لتكون الحياة سارية في جميع الكون، لأن المراد من كل ما سوى الله أن يعبد الله فلا بدّ أن يكون حياً وجوداً ميتاً حكماً فيجمع بين الحياة والموت ولهذا قال له ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٧] فيريد منك في شيئيتك أن تكون معه كما كنت وأنت لا هذه الشيئية فلهذا قلنا حياً وجوداً وميتاً حكماً، وهؤلاء الرجال لا نظر لهم إلاَّ فيما يرد من عند الله مع الأنفاس فهم أهل حضور مع الدوام. ومنهم رضي الله عنهم ثلاثة أنفس وهم رجال الإمداد الإلهيّ والكوني في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، فهم يستمدّون من الحق ويمدّون الخلق، ولكن بلطف ولين ورحمة لا بعنف ولا شدّة ولا قهر، يقبلون على الله بالاستفادة ويقبلون على الخلق بالإفادة، فيهم رجال ونساء قد أهلهم الله للسعي في حوائج الناس وقضائها عند الله لا عند غيره، وهم ثلاثة لقيت واحداً منهم بإشبيلية وهو من أكبر من لقيته يقال له موسى بن عمران سيد وقته كان أحد الثلاثة لم يسأل أحداً حاجة من خلق الله، ورد في الخبر أنّ النبيّ وَّر قال: ((مَنْ تَقَبَّلَ لِي بِوَاحِدَةٍ تَقَبَّلْتُ لَهُ بِالجَنَّةِ أَنْ لاَ يَسْأَلَ أَحَداً شَيئاً)» فأخذها أبان مولى عثمان بن عفان فعمل عليها، فربما وقع له السوط من يده وهو راكب فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه فينيخ راحلته فتبرك فيأخذ السوط من الأرض بيده، وصفة هؤلاء إذا أفادوا الخلق ترى فيهم من اللطف وحسن التأني حتى يظنّ أنهم هم الذين يستفيدون من الخلق، وأن الخلق هم الذين لهم اليد عليهم، ما رأيت أحسن منهم في معاملة الناس الواحد من هؤلاء الثلاثة فتحه دائم لا ينقطع على قدم واحدة لا يتنوّع في المقامات وهو مع الله واقف وبالله في خلقه قائم هجيره ﴿ اَلَّهُ لَآ إِلَهَ إلَّا هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] والثاني له عالم الملكوت جليس للملائكة تتنوّع عليه المقامات والأحوال ويظهر في كل صورة من صور العالم له التروحن إذا شاء كقضيب البان. والثالث له عالم الملك جليس للناس لين المعاطف تتنوّع أيضاً عليه المقامات إمداده من البشر أي من النفوس الحيوانية، وإمداد الثاني من الملائكة شأنهم عجيب ومعناهم لطيف. ومنهم رضي الله عنهم ثلاثة أنفس إلهيون رحمانيون في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، يشبهون الأبدال في بعض الأحوال وليسوا بأبدال، آيتهم من كتاب الله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَآءُ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٣٥] لهم اعتقاد عجيب في كلام الله بين الاعتقادين، هم أهل وحي إلهيّ لا يسمعونه أبداً إلاَّ كسلسلة على صفوان لا غير ذلك ومثل صلصلة الجرس، هذا مقام هؤلاء القوم وما عندي خبر بفهمهم في ذلك لأنه ما حصل عندي من شأنهم هل هم بأنفسهم يعطيهم الله الفهم في تلك الصلصلة إذا تكلم الله بالوحي أو هل في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٣ يفتقرون في فهم ما جاء في تلك الصلصلة إلى غيرهم كما قيل عن غيرهم؟ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق فاستفهموا بعد صعقهم فإنّ الله إذا تكلم بالوحي كأنه سلسلة على صفوان تصعق الملائكة، فإذا أفاقت وهو قوله: ﴿حَقَّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٣] يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فلا أدري شأن هؤلاء الثلاثة هل هم بهذه المثابة في سماع كلام الحق أو يعطون الفهم كما أعطيه النبيّ وَطّ؟ فقال: وأحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، فالله أعلم كيف شأنهم في ذلك وما أخبرني أحد عنهم، وسألتهم في ذلك فما أخبرني واحد منهم بشيء إلاَّ اطلعت عليه من جانب الحق. ومنهم رضي الله عنهم رجل واحد وقد تكون امرأة في كل زمان آيته: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٨] له الاستطالة على كل شيء سوى الله، شهم شجاع مقدام كبير الدعوى بحق يقول حقاً ويحكم عدلاً، كان صاحب هذا المقام شيخنا عبد القادر الجيليّ ببغداد، كانت له الصولة والاستطالة بحق على الخلق، كان كبير الشأن أخباره مشهورة لم ألقه ولكن لقيت صاحب زماننا في هذا المقام، ولكن كان عبد القادر أتم في أمور أخر من هذا الشخص الذي لقيته، وقد درج الآخر ولا علم لي بمن ولي بعده هذا المقام إلى الآن. ومنهم رضي الله عنهم رجل واحد مركب ممتزج في كل زمان لا يوجد غيره في مقامه وهو يشبه عيسى عليه السلام متولد بين الروح والبشر لا يعلم له أب بشريّ، كما يحكى عن بلقيس أنها تولدت بين الجنّ والإنس، فهو مركب من جنسين مختلفين، وهو رجل البرزخ، به يحفظ الله عالم البرزخ دائماً، فلا يخلو كل زمان عن واحد مثل هذا الرجل يكون مولده على هذه الصفة فهو مخلوق من ماء أمه، خلافاً لما ذكر عن أهل علم الطبائع أنه لا يتكوّن من ماء المرأة ولد بل الله على كل شيء قدير. ومنهم رضي الله عنهم رجل واحد وقد يكون امرأة له رقائق ممتدة إلى جميع العالم، وهو شخص غريب المقام لا يوجد منه في كل زمان إلاَّ واحد، يلتبس على بعض أهل الطريق ممّن يعرفه بحالة القطب فيتخيّل أنه القطب وليس بالقطب. ومنهم رضي الله عنهم رجل واحد يسمّى بمقامه سقيط الرفرف بن ساقط العرش رأيته بقونية، آيته من كتاب الله: ﴿وَاَلنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾ [سورة النجم: الآية ١] حاله لا يتعدّاه شغله بنفسه وبربه، كبير الشأن عظيم الحال، رؤيته مؤثرة في حال من يراه، فيه انكسار، هكذا شاهدته صاحب انكسار وذلّ، أعجبتني صفته، له لسان في المعارف شديد الحياء. ومنهم رضي الله عنهم رجلان يقال لهما رجال الغنى بالله في كل زمان من عالم الأنفاس آيتهم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] يحفظ الله بهم هذا المقام، الواحد منهم أكمل من الآخر، يضاف الواحد منهم إلى نفسه وهو الأدنى، ويضاف الآخر إلى الله تعالى، قال النبيّ وَّ في صاحب هذا: ((ليس الغنى عن كثرة العرض لكن الغنى غنى النفس)) ولهذا المقام هذان الرجلان وإن كان في العالم أغنياء النفوس ولكن في غناهم شوب، ولا ٢٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف يخلص في الزمان إلاَّ لرجلين تكون نهايتهما في بدايتهما، وبدايتهما في نهايتهما، للواحد منهما إمداد عالم الشهادة، فكل غنى في عالم الشهادة فمن هذا الرجل، وللآخر منهما له إمداد عالم الملكوت فكل غنى بالله في عالم الملكوت فمن هذا الرجل، والذي يستمدّان منه هذان الرجلان روح علويّ متحقق بالحق غناه الله ما هو غناه بالله، فإن أضفته إليهما فرجال الغنى ثلاثة، وإن نظرت إلى بشريتهما فرجال الغنى اثنان، وقد يكون منهم النساء فغنيّ بالنفس وغنيّ بالله وغنيّ غناه الله، ولنا جزء عجيب في معرفة هؤلاء الرجال الثلاثة . ومنهم رضي الله عنهم شخص واحد يتكرّر تقلبه في كل نفس لا يفتر بين علمه بربه وبين علمه بذات ربه، ما تكاد تراه في إحدى المنزلتين إلاّ رأيته في الأخرى، لا ترى في الرجال أعجب منه حالاً، وليس في أهل المعرفة بالله أكبر معرفة من صاحب هذا المقام يخشى الله ويتقيه، تحققت به ورأيته وأفادني، آيته من كتاب الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦] لا تزال ترعد فرائصه من خشية الله هكذا شهدناه. ومنهم رجال عين التحكيم والزوائد رضي الله عنهم وهم عشرة أنفس في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، مقامهم إظهار غاية الخصوصية بلسان الانبساط في الدعاء، وحالهم زيادات الإيمان بالغيب واليقين في تحصيل ذلك الغيب فلا يكون لهم غيباً: [مخلع البسيط] إذ كلُّ غيب لهم شهادة وكلُّ حالٍ لهم عَبادَة فلا يصير لهم غيب شهادة إلاَّ ويزيدون إيماناً بغيب آخر ويقيناً في تحصيله، آيتهم من كتاب الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١١٤] ﴿ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا فَعَ إِيَمَنِهِمْ﴾ [سورة الفتح: الآية ٤] ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٤] بالزيادة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإنٍّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] ومنهم رضي الله عنهم اثنا عشر نفساً وهم البدلاء ما هم الأبدال وهم في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، وسمّوا بدلاء لأنّ الواحد منهم لو لم يوجد الباقون ناب منابهم وقام بما يقوم به جميعهم، فكل واحد منهم في عين الجميع: [السريع] وما على الله بمُسْتَشْكرٍ أن يجمعَ العالمَ في واحدٍ ويلتبس على الناس أمرهم مع الأبدال من جهة الاسم، ويشبهون النقباء من جهة العدد، آيتهم من كتاب الله تعالى قول بلقيس: ﴿كَأَنَّهُ هُوٌ﴾ [سورة النمل: الآية ٤٢] تعني عرشها وهو هو فما شبهته إلاَّ بنفسه وعينه لا بغيره، وإنما شوّش عليها بعد المسافة المعتاد وبالعادات وصل جماعة من الناس في هذا الطريق. ومنهم رضي الله عنهم رجال الاشتياق وهم خمسة أنفس وهم أصحاب القلق وفيهم يقول القائل يصف حالهم: كيف يدري بذاك من يتقلى لست أدري أطال ليلي أم لا فالأشواق تقلقهم في عين المشاهدة، وهم من ملوك أهل طريق الله، وهم رجال في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٥ الصلوات الخمس، كل رجل منهم مختص بحقيقة صلاة من الفرائض، وإلى هذا المقام يؤول قوله عليه السلام: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَبْنِي فِي الصَّلاةِ)) بهم يحفظ الله وجود العالم، آيتهم من كتاب الله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٨] لا يفترون عن صلاة في ليل ولا نهار، كان صالح البربريّ منهم لقيته وصحبته إلى أن مات وانتفعت به، وكذلك أبو عبد الله المهدويّ بمدينة فاس صحبته كان من هؤلاء أيضاً، حتى أن بعض أهل الكشف يتخيّلون أن كل صلاة تجسّدت لهم ما هي أعيان وليس الأمر كذلك. ومنهم رضي الله عنهم ستة أنفس في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، كان منهم ابن هارون الرشيد السبتيّ لقيته بالطواف يوم الجمعة بعد الصلاة سنة تسع وتسعين وخمسمائة وهو يطوف بالكعبة وسألته وأجابني ونحن بالطواف، وكان روحه تجسد لي في الطواف حسّاً تجسد جبريل في صورة أعرابي، وهؤلاء الرجال الستة لما اطلعت عليهم لم أكن قبل ذلك عرفت أن ثَمَّ ستة رجال، ولما عرفت بهم في هذا الزمان القريب لم أدر ما مقامهم؟ ثم بعد هذا عرفت أنهم رجال الأيام الستة التي خلق الله فيها العالم، وما علمت ذلك إلاَّ من هجيرهم فإن هجيرهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن ◌ُّغُوبٍ﴾ [سورة ق: الآية ٣٨] ولهم سلطان على الجهات الست التي ظهرت بوجود الإنسان، وأخبرت أن واحداً منهم بوكأ من جملة العوانية من أهل أرزن الروم أعرف ذلك الشخص بعينه وصحبته وكان يعظمني ويراني كثيراً واجتمعت به في دمشق وفي سيواس وفي ملطية وفي قيصرية، وخدمني مدّة، وكانت له والدة كان براً بها، اجتمعت به في حران في خدمة والدته فما رأيت فيمن رأيت من يبرّ أمّه مثله، وكان ذا مال، ولي سنون فقدته من دمشق فما أدري هل عاش أو مات . وبالجملة فما من أمر محصور في العالم في عدد ما إلاّ ولله رجال بعدده في كل زمان، يحفظ الله بهم ذلك الأمر، وقد ذكرنا من الرجال المحصورين في كل زمان في عدد ما الذين لا يخلو الزمان منهم ما ذكرناه في هذا الباب، فلنذكر من رجال الله الذين لا يختصون بعدد خاص يثبت لهم في كل زمان بل يزيدون وينقصون، ولنذكر الأسرار والعلوم التي يختصون بها وهي علوم تقسم عليهم بحسب كثرتهم وقلتهم، حتى أنه لو لم يوجد إلا واحد منهم في الزمان اجتمع في ذلك الواحد ذلك الأمر كله، فلنذكر الآن بعض ما تيسّر من المقامات المعروفة التي ذكرها أهل الطريق وعيّنها أيضاً الشرع أو عيّن أكثرها وسمّاها، ثم بعد ذلك أذكر من المسائل التي تختص بهذا الباب وبالأولياء التي لا يعرفها بالمجموع إلاَّ الوليّ الكامل، فإن الإمام محمد بن علي الترمذي الحكيم هو الذي نبّه على هذه المسائل وسأل عنها اختباراً لأهل الدعوى لما رأى من الدعاوى العريضة والضعف الظاهر، فجعل هذه المسائل كالمحك والمعيار لدعواهم، ولم يتعرض لخرق العوائد في ظاهر الكون التي اتخذتها العامة دلائل على الولاية وليست بدلائل عند أهل الله، وإنما القوم يختبر بعضهم بعضاً فيما يدّعونه من العلوم الإلهية والأسرار، فإن خرق العوائد عند الصادقين إنما ذلك في ٢٦ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف بواطنهم وقلوبهم بما يهبهم الله من الفهم عنه ممّا لا يشاركهم فيه ذوقاً من ليس من جنسهم، وها أنا ذاكر ألقاب الرجال الذين لا يحصرهم عدد ولا يقيدهم أمد، والله المستعان. انتهى الجزء السادس والسبعون. (الجزء السابع والسبعون) بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرّحمَدِ فمنهم رضي الله عنهم الملامية، وقد يقولون الملامتية وهي لغة ضعيفة، وهم سادات أهل طريق الله وأئمتهم وسيد العالم فيهم ومنهم وهو محمد رسول الله وَّة وهم الحكماء الذين وضعوا الأمور مواضعها وأحكموها وأقرّوا الأسباب في أماكنها، ونفوها في المواضع التي ينبغي أن تنفى عنها، ولا أخلوا بشيء ممّا رتبه الله في خلقه على حسب ما رتبوه، فما تقتضيه الدار الأولى تركوه للدار الأولى، وما تقتضيه الدار الآخرة تركوه للدار الآخرة، فنظروا في الأشياء بالعين التي نظر الله إليها لم يخلطوا بين الحقائق، فإنه من رفع السبب في الموضع الذي وضعه فيه واضعه وهو الحق فقد سفه واضعه وجهل قدره، ومن اعتمد عليه فقد أشرك وألحد وإلى أرض الطبيعة أخلد، فالملامتية قرّرت الأسباب ولم تعتمد عليها، فتلامذة الملامتية الصادقون يتقلبون في أطوار الرجولية، وتلامذة غيرهم يتقلبون في أطوار الرعونات النفسية، فالملامية مجهولة أقدارهم لا يعرفهم إلاَّ سيدهم الذي حاباهم وخضهم بهذا المقام ولا عدد يحصرهم بل يزيدون وينقصون. ومنهم رضي الله عنهم الفقراء ولا عدد يحصرهم أيضاً بل يكثرون ويقلّون، قال تعالى تشريفاً لجميع الموجودات وشهادة لهم: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ الَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فالفقراء هم الذين يفتقرون إلى كل شيء من حيث أن ذلك الشيء هو مسمّى الله، فإن الحقيقة تأبى أن يفتقر إلى غير الله، وقد أخبر الله أن الناس فقراء إلى الله على الإطلاق والفقر حاصل منهم، فعلمنا أن الحق قد ظهر في صورة كل ما يفتقر إليه فيه فلا يفتقر إلى الفقراء إلى الله بهذه الآية شيء وهم يفتقرون إلى كل شيء، فالناس محجوبون بالأشياء عن الله، وهؤلاء السادة ينظرون الأشياء مظاهر الحق تجلّى فيها لعباده حتى في أعيانهم، فيفتقر الإنسان إلى سمعه وبصره، وجميع ما يفتقر إليه من جوارحه وإدراكاته ظاهراً وباطناً، وقد أخبر الحق في الحديث الصحيح أن الله سمع العبد وبصره ويده، فما افتقر هذا الفقير إلاّ إلى الله في افتقاره إلى سمعه وبصره، فسمعه وبصره إذاً مظهر الحق ومجلاه، وكذلك جميع الأشياء بهذه المثابة، فما ألطف سريان الحق في الموجودات وسريان بعضها في بعض وهو قوله: ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَئِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] فالآيات هنا دلالات أنها مظاهر للحق، فهذا حال الفقراء إلى الله لا ما يتوهمه من لا علم له بطريق القوم، فالفقير من يفتقر إلى كل شيء وإلى نفسه ولا يفتقر إليه شيء، فهذه أسنى الحالات. قال أبو يزيد: يارب بماذا أتقرب إليك؟ قال: بما ليس لي الذلّة والافتقار، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٧ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] أي ليتذللوا لي ولا يتذللوا لي حتى يعرفوني في الأشياء، فيذلّوا لي لا لمن ظهرت فيهم أو ظهرت أعيانهم بكونهم مظاهر لي، فوجودهم أنا وما يشهدون من أعيانهم سوى وجودهم فاعلم ذلك والله المرشد منوّر البصائر. ومنهم رضي الله عنهم الصوفية ولا عدد لهم يحصرهم بل يكثرون ويقلّون، وهم أهل مكارم الأخلاق، يقال: من زاد عليك في الأخلاق زاد عليك في التصوّف. مقامهم الاجتماع على قلب واحد، أسقطوا الياءات الثلاثة فلا يقولون لي ولا عندي ولا متاعي، أي لا يضيفون إلى أنفسهم شيئاً، أي لا ملك لهم دون خلق الله، فهم فيما في أيديهم على السواء مع جميع ما سوى الله مع تقرير ما بأيدي الخلق للخلق لا يطلبونهم بهذا المقام، وهذه الطبقة هي التي يظهر عليهم خرق العوائد عن اختيار منهم ليقيموا الدلالة على التصديق بالدين وصحته في مواضع الضرورة، وقد عاينا مثل هذا من هذه الطائفة في مناظرة فيلسوف. ومنهم من يفعل ذلك لكونه صار عادة لهم كسائر الأمور المعتادة عند أهلها، فما هي في حقّهم خرق عادة وهي في المعتاد العام خرق عادة فيمشون على الماء وفي الهواء كما نمشي نحن، وكل دابة على الأرض لا يحتاج في ذلك في العموم إلى نيّةٍ وحضور إلاَّ الملامية والفقراء، فإنهم لا يمشون ولا يخطو أحد منهم خطوة ولا يجلس إلاَّ بنيّة وحضور لأنه لا يدري من أين يكون أخذ الله لعباده، وقد كان ◌َ ل# كثيراً ما يقول في دعائه: ((أعوذ بالله أن أغتال من تحتي)) وإن كانوا على أفعال تقتضي لهم الأمان كما هي أفعال الأنبياء من الطاعات لله والحضور مع الله، ولكن لا يأمنون أن يصيب الله عامة عباده بشيء فيعمّ الصالح والطالح لأنها دار بلاء ويحشر كل شخص على نيّته ومقامه، وقد أخبر الله بقتل الأمم أنبياءها ورسلها، وأهل القسط من الناس وما عصمهم الله من بلاء الدنيا، فالصوفية هم الذين حازوا مكارم الأخلاق، ثم أنهم رضي الله عنهم علموا أن الأمر يقتضي أن لا يقدر أحد على أن يرضي عباد الله بخلق، وأنه مهما أرضى زيداً ربما أسخط عمراً، فلما رأوا أن حصول مقام عموم مكارم الأخلاق مع الجميع محال نظروا مَنْ أولى أن يعامل بمكارم الأخلاق ولا يلتفت إلى من يسخطه ذلك، فلم يجدوا إلاَّ الله وأحباءه من الملائكة والبشر المطهر من الرسل والأنبياء وأكابر الأولياء من الثقلين، فالتزموا مكارم الأخلاق معهم ثم أرسلوها عامّة في سائر الحيوانات والنباتات وما عدا أشرار الثقلين، والذي يقدرون عليه من مكارم الأخلاق تما أبيح لهم أن يصرفوه مع أشرار الثقلين فعلوه وبادروا إليه، وهو على الحقيقة ذلك الخلق مع الله إلاّ في إقامة الحدود إذا كانوا حكاماً وأداء الشهادات إذا تفرضت عليهم فاعلم ذلك. ومنهم رضي الله عنهم العباد وهم أهل الفرائض خاصة قال تعالى مثنياً عليهم: ﴿وَكَانُواْ لَنَا عَبِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٧٣] ولم يكونوا يؤذون سوى الفرائض، ومن هؤلاء المنقطعون بالجبال والشعاب والسواحل وبطون الأودية ويسمّون السياح، ومنهم من يلازم بيته وصلاة الجماعات ويشتغل بنفسه، ومنهم صاحب سبب، ومنهم تارك السبب وهم صلحاء الظاهر والباطن قد عصموا من الغل والحسد والحرص والشره المذموم، وصرفوا كل هذه الأوصاف ٢٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف إلى الجهات المحمودة، ولا رائحة عندهم من المعارف الإلهية والأسرار ومطالعة الملكوت والفهم عن الله في آياته حين تتلى، غير أن الثواب لهم مشهود والقيامة وأهوالها، والجنة والنار مشهودتان دموعهم في محاريبهم ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [سورة السجدة: الآية ١٦) و﴿ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٥] ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٣] ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٧٢] ﴿يَبِيتُونَ لِرَيِّهِمْ سُجَدًا وَقِيمًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٤] شغلهم هول المعاد عن الرقاد، ضمروا بطونهم بالصيام للسباق في حلبة النجاة ﴿إِذَّا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُّرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٧] ليسوا من الإثم والباطل في شيء، عمال وأي عمال عاملوا الحق بالتعظيم والإجلال، سمعت بعضهم رضي الله عنهم وعنه وهو أبو عبد الله الطبخي والي وجدة يتأوّه وينشد ما قاله عمر بن عبد العزيز: [مجزوء الكامل] وإلى متى وإلى متى حتى متى لا تَزْعَوي لاَ واستُلِبْتَ اسمَ الفتى ما بعد أن سُمِيتَ كهـ فإلى متى وإلى متى لا ترعوي لنصيحةٍ وكان منهم خليفة من بني العباس هرب من الخلافة من العراق وأقام بقرطبة من بلاد الأندلس إلى أن درج ودفن بباب عباس منها يقال له أبو وهب الفاضل، خرّج فضائله شيخنا أبو القاسم خلف بن بشكوال رحمه الله فذكر فيها عنه أنه كان كثيراً ما ينشد لنفسه: [الوافر] برئتُ من المنازل والقباب فمنزليَ الفضاءُ وسقفُ بيتي فأنت إذا أردتَ دخلت بيتي لأني لم أجد مصراعَ باب ولا انشقَّ الثرى عن عود تَخْتٍ ولا خفتُ الإباقَ على عبيدي ولا حاسبتُ يوماً قهرماناً ففي ذا راحةٌ وبلاغُ عيش فلم يَغْسُز على أحد حجابي سماءُ الله أو قِطْعُ السحابِ عليَّ مسلماً من غير بابٍ يكون من السماء إلى التراب أؤمل أن أشدَّ به ثيابي ولا خفتُ الرُّهَاصَ على دوابي فأخشى أن أغلَّتْ في الحسابِ فدأبُ الدهر ذا أبداً ودابي كان خالنا أبو مسلم الخولانيّ رحمه الله من أكابرهم، كان يقوم الليل فإذا أدركه العياء ضرب رجليه بقضبان كانت عنده ويقول لرجليه: أنتما أحق بالضرب من دابتي، أيظنّ أصحاب محمد رَ الّ أن يفوزوا بمحمد وَ الله دوننا والله لأزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً، لقينا منهم جماعة كثيرة ذكرناهم في كتبنا ورأينا من أحوالهم ما تضيق الكتب عنها . ومنهم رضي الله عنهم الزهّاد وهم الذين تركوا الدنيا عن قدرة، واختلف أصحابنا فيمن ليس عنده بيده من الدنيا شيء وهو قادر على طلبها وجمعها غير أنه لم يفعل وترك الطلب فهل يلحق بالزهاد أم لا؟ فمن قائل من أصحابنا: إنه يلحق بالزهاد. ومن قائل: لا زهد إلاَّ في في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٢٩ حاصل فإنه ربما لو حصل له شيء منها ما زهد، فمن رؤسائهم إبراهيم بن أدهم وحديثه مشهور، وكان بعض أخوالي منهم كان قد ملك مدينة تلمسان يقال له يحيى بن يغان، وكان في زمنه رجل فقيه عابد منقطع من أهل تونس يقال له أبو عبد الله التونسيّ كان بموضع خارج تلمسان يقال له العباد كان قد انقطع بمسجد یعبد الله فيه وقبره مشهور بها یزار، فبينا هذا الصالح يمشي بمدينة تلمسان بين المدينتين أقادير والمدينة الوسطى إذ لقيه خالنا يحيى بن يغان ملك المدينة في خوله وحشمه فقيل له: هذا أبو عبد الله التونسيّ عابد وقته فمسك لجام فرسه وسلم على الشيخ فردّ عليه السلام، وكان على الملك ثياب فاخرة فقال له: يا شيخ هذه الثياب التي أنا لابسها تجوز لي الصلاة فيها؟ فضحك الشيخ، فقال له الملك: مم تضحك؟ قال: من سخف عقلك وجهلك بنفسك وحالك ما لك تشبيه عندي إلاَّ بالكلب يتمرغ في دم الجيفة وأكلها وقذارتها فإذا جاء يبول يرفع رجله حتى لا يصيبه البول، وأنت وعاء ملىء حراماً وتسأل عن الثياب ومظالم العباد في عنقك، قال: فبكى الملك ونزل عن دابته وخرج عن ملكه من حينه ولزم خدمة الشيخ فمسكه الشيخ ثلاثة أيام ثم جاءه بحبل فقال له: أيها الملك قد فرغت أيام الضيافة قم فاحتطب، فكان يأتي بالحطب على رأسه ويدخل به السوق والناس ينظرون إليه ويبكون فيبيع ويأخذ قوته ويتصدّق بالباقي، ولم يزل في بلده ذلك حتى درج ودفن خارج تربة الشيخ وقبره اليوم بها يزار، فكان الشيخ إذا جاءه الناس يطلبون أن يدعو لهم يقول لهم: التمسوا الدعاء من يحيى بن يغان فإنه ملك فزهد، ولو ابتليت بما ابتلي به من الملك ربما لم أزهد، قال بعض الملوك في حال نفسه وقد تزهّد وانقطع إلى الله تعالى : [الخفيف] إن تأمَّلتَ أحسنُ الناس حالا أنا في الحال الذي قد تراه رض أُسقَى من المياه الزلالا منزلي حيث شئتُ من مستَقَرٌ الأ دٌ أراه ولا أرى إليَّ عيالا ليس لي والدٌ ولا لي مولو فإذا ما انقلبتُ كان الشمالا أجعل الساعدَ اليمينَ وسادي لو تدبَّرتها لكانت خيالا قد تلذَّذْتُ حقبةً بأمور فهؤلاء الزهّاد هم الذين آثروا الحق على الخلق وعلى نفوسهم، فكل أمر الله فيه رضى وإيثار قاموا به وأقبلوا عليه وما كان للحق عنه إعراض أعرضوا عنه، تركوا القليل رغبة في الكثير ليس للزهاد خروج عن هذا المقام في الزهد، فإن خرجوا فلم يخرجوا من كونهم زهاداً بل من مقام آخر، وقد ينطلق اسم الزهد في اصطلاح القوم على ترك كلّ ما سوى الله من دنيا وآخرة كأبي يزيد سُئِل عن الزهد فقال: ليس بشيء لا قدر له عندي ما كنت زاهداً سوى ثلاثة أيام، أوّل يوم زهدت في الدنيا، والثاني زهدت في الآخرة، وثالث يوم زهدت في كل ما سوى الله، فنوديت ماذا تريد: فقلت: أريد أن لا أريد لأني أنا المراد وأنت المريد، فجعل ترك كل ما سوى الله زهداً . ومنهم رضي الله عنهم رجال الماء وهم قوم يعبدون الله في قعور البحار والأنهار لا ٣٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف يعلم بهم كلّ أحد، أخبرني أبو البدر التماشكيّ البغداديّ وكان صدوقاً ثقة عارفاً بما ينقل ضابطاً حافظاً لما ينقل عن الشيخ أبي السعود بن الشبلي إمام وقته في الطريق قال: كنت بشاطىء دجلة بغداد فخطر في نفسي هل الله عباد يعبدونه في الماء؟ قال: فما استتممت الخاطر إلاّ وإذا بالنهر قد انفلق عن رجل فسلم عليّ وقال: نعم يا أبا السعود لله رجال يعبدون الله في الماء وأنا منهم أنا رجل من تكريت وقد خرجت منها لأنه بعد كذا وكذا يوماً يقع فيها كذا وكذا ويذكر أمراً يحدث فيها ثم غاب في الماء، فلما انقضت خمسة عشر يوماً وقع ذلك الأمر على صورة ما ذكره ذلك الرجل لأبي السعود وأعلمني بالأمر ما كان. ومنهم رضي الله عنهم الأفراد ولا عدد يحصرهم وهم المقرّبون بلسان الشرع كان منهم محمد الأوانيّ يعرف بابن قائد لوانة من أعمال بغداد من أصحاب الإمام عبد القادر الجيليّ، وكان هذا ابن قائد يقول فيه عبد القادر معربد الحضرة كان يشهد له عبد القادر الحاكم في هذه الطريقة المرجوع إلى قوله في الرجال أن محمد بن قائد الأوانيّ من المفردين وهم رجال خارجون عن دائرة القطب وخضر منهم، ونظيرهم من الملائكة الأرواح المهيمة في جلال الله وهم الكروبيون معتكفون في حضرة الحق سبحانه لا يعرفون سواه، ولا يشهدون سوى ما عرفوا منه، ليس لهم بذواتهم علم عند نفوسهم، وهم على الحقيقة ما عرفوا سواهم ولا وقفوا إلاَّ معهم هم وكل ما سوى الله بهذه المثابة مقامهم بين الصدّيقية والنبوّة الشرعية وهو مقام جليل جهله أكثر الناس من أهل طريقنا كأبي حامد وأمثاله لأن ذوقه عزيز هو مقام النبوّة المطلقة، وقد ينال اختصاصاً، وقد ينال بالعمل المشروع، وقد ينال بتوحيد الحق والذلّة له، وما ينبغي من تعظيم جلال المنعم بالإيجاد والتوحيد، كلّ ذلك من جهة العلم، وله كشف خاص لا يناله سواهم كالخضر فإنه كما قلنا من الأفراد، ومحمد # كان قبل أن يرسل وينبأ من الأفراد الذين نالوا الأمر بتوحيد الحق وتعظيم جلاله والانقطاع إليه، وذلك أنه يحصل في نفوسهم أعني في نفوس من هذا طريقهم أن الله كما أنعم عليه بالإيجاد وأسباب الخير هو قادر على أن يبقي له وعليه نعمة البقاء في الخير الدائم والسعادة حيث أراد، وإن لم يعلم أن ثمّ آخرة ولا أن الدنيا لها نهاية أم لا، ولا إيمان عنده بشيء من هذا لأنه ما كشف له عن ذلك، فإذا أطلعه الحق على الأمور حينئذ التحق بالمؤمنين بما هو الأمر عليه ممّا لا يدرك بالنظر الفكريّ، فلو كان في زمان جواز نبوّة الشرائع لكان صاحب هذا المقام منهم كالخضر في زمانه وعيسى وإلياس وإدريس، وأما اليوم فليس إلاَّ المقام الذي ذكرناه والرسالة ونبوّة الشرائع قد انقطعت، ولو كانت الأنبياء والرسل في قيد الحياة في هذا الزمان لكانوا بأجمعهم داخلين تحت حكم الشرع المحمديّ. وأما الرسالة ونبوّة الشرائع العامّة أعني المتعدّية إلى الأمم والخاصة بكلّ نبي فاختصاص إلهي في الأنبياء والرسل لا ينال بالاكتساب ولا بالتعمل، فخطاب الحق قد ينال بالتعمل، والذي يخاطب به إن كان شرعاً يبلغه أو يخصّه ذلك هو الذي نقول فيه لا ينال بالتعمّل ولا بالكسب وهو الاختصاص الإلهي المعلوم، وكل شرع ينال به عامله هذه المرتبة، في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٣١ فإن نبيّ ذلك الشرع من أهل هذا المقام وهو زيادة على شريعة نبوّته له فضلاً من الله ونعمة، وهو لمحمد ◌َّ بالقطع، وكل شرع لا ينال العامل به هذا المقام فإن نبيّ ذلك الشرع لم يحصل له هذا المقام الذي حصل لغيره من أنبياء الشرائع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَِّرْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٥] وقال جلّ جلاله: ﴿ِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] في وجوه منها هذا، قال الخضر لموسى في هذا المقام: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَزْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٨] فإن موسى في ذلك الوقت لم يكن له هذا المقام الذي نفاه عنه العدل بقوله، وتعديل الله إياه بما شهد له به من العلم وما ردّ عليه موسى في ذلك ولا أنكر عليه بل قال له: ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٩] فإنه قال له قبل ذلك: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٦] قال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٧] ثم أنصفه في العلم وقال له: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، فلم يكن للخضر نبوّة التشريع التي للأنبياء المرسلين، ولا أدري بعد هذا الاجتماع هل حصل لموسى من جانب الحق ذلك المقام الذي كان لخضر أم لا؟ لا علم لي بذلك. فرحم الله عبداً أطلعه الحق على أن موسى قد أحاط بالعلم الذي ناله الخضر بعد ذلك وحصل له هذا المقام خبراً فألحقه في هذا الموضع من كتابي هذا ونسبه إلى نفسه لا إلي. ومنهم رضي الله عنهم الأمناء قال النبي ◌َّ: ((إِنَّ اللَّهِ أُمَنَاءَ)) وقال في أبي عبيدة بن الجراح إنه أمين هذه الأمة. [نظم: الطويل] ومستخبر عن سرِّ ليلى ردَذْتُه بعمياءَ من ليلى بغير يقينٍ وما أنا إن أخبرتُهم بأمينٍ يقولون خبِّرنا فأنت أمينُها هم طائفة من الملامية لا تكون الأمناء من غيرهم، وهم أكابر الملامتية وخواصهم، فلا يعرف ما عندهم من أحوالهم لجريهم مع الخلق بحكم العوائد المعلومة التي يطلبها الإيمان بما هو إيمان وهو الوقوف عندما أمر الله به ونهى على جهة الفرضية، فإذا كان يوم القيامة وظهرت مقاماتهم للخلق وكانوا في الدنيا مجهولين بين الناس قال النبي وَلَّ: ((إِنَّ اللَّهِ أُمَنَاءَ)) وكان الذي أمنوا عليه ما ذكرناه، ولولا أن الخضر أمره الله أن يظهر لموسى عليه السلام بما ظهر ما ظهر له بشيء من ذلك فإنه من الأمناء، ولما عرض الله الأمانة على الإنسان وقبلها كان بحكم الأصل ظلوماً جهولاً فإنه خوطب بحملها عرضاً لا أمراً، فإن حملها جبراً أعين عليها مثل هؤلاء، فالأمناء حملوها جبراً لا عرضاً فإنه جاءهم الكشف، فلا يقدرون أن يجهلوا ما علموا، ولم يريدوا أن يتميزوا عن الخلق لأنه ما قيل لهم في ذلك أظهروا شيئاً منه ولا لا تظهروه فوقفوا على هذا الحدّ فسمّوا أمناء، ويزيدون على سائر الطبقات أنهم لا يعرف بعضهم بعضاً بما عنده، فكل واحد يتخيل في صاحبه أنه من عامّة المؤمنين وهذا ليس إلاَّ لهذه الطائفة خاصة لا يكون ذلك لغيرهم . ومنهم رضي الله عنهم القرّاء أهل الله وخاصته ولا عدد يحصرهم، قال النبي وَالثّ: ٣٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ((أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ)) وأهل القرآن هم الذين حفظوه بالعمل به وحفظوا حروفه فاستظهروه حفظاً وعملاً، كان أبو يزيد البسطامي منهم؛ حدث أبو موسى الديبلي عنه بذلك أنه ما مات حتى استظهر القرآن، فمن كان خلقه القرآن كان من أهله، ومن كان من أهل القرآن كان من أهل الله، لأنّ القرآن كلام الله وكلامه علمه وعلمه ذاته، ونال هذا المقام سهل بن عبد الله التستري وهو ابن ست سنين ولهذا كان بدؤه في هذا الطريق سجود القلب، وكم من ولي لله كبير الشأن طويل العمر مات وما حصل له سجود القلب ولا علم أنّ للقلب سجوداً أصلاً مع تحققه بالولاية ورسوخ قدمه فيها، فإن سجود القلب إذا حصل لا يرفع أبداً رأسه من سجدته، فهو ثباته على تلك القدم الواحدة التي تتفرع منها أقدام كثيرة وهو ثابت عليها، فأكثر الأولياء يرون تقليب القلب من حال إلى حال ولهذا سمّي قلباً، وصاحب هذا المقام وإن تقلبت أحواله فمن عين واحدة هو عليها ثابت يعبر عنها بسجود القلب، ولهذا لما دخل سهل بن عبد الله عبادان على الشيخ قال له: أيسجد القلب؟ قال الشيخ: إلى الأبد، فلزم سهل خدمته، فالله تعالى يؤتي ما شاء من علمه من شاء من عباده، كما قال: ﴿يُلْفِى الرُّعَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [سورة غافر: الآية ١٥] فكل أمر منه إلى خلقه سبحانه من مقامات القربة في ملك ورسول ونبي ووليّ ومؤمن وسعادة بمجرد توحيد، ومن يبعث أمّة وحده إنما هو من عناية الله به ومنته عليه، فإن توفيق الله للعبد في اكتساب ما قد قضى باكتسابه منّة الله بذلك على عبده واختصاص، وكم من وليّ قد تعرض لنيل أمر من ذلك ولم تسبق له عناية من الله في تحصيله فحيل بينه وبين حصوله مع التعملٌ، فأهل القرآن هم أهل الله، فلم يجعل لهم صفة سوى عينه سبحانه، ولا مقام أشرف ممّن كان عين الحق صفته على علم منه. ومنهم رضي الله عنهم الأحباب ولا عدد لهم يحصرهم بل يكثرون ويقلون، قال تعالى: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] فمن کونهم محبین ابتلاهم، ومن كونهم محبوبين اجتباهم واصطفاهم أعني في هذه الدار وفي القيامة، وأما في الجنة فليس يعاملهم الحق إلاَّ من كونهم محبوبين خاصة، ولا يتجلى لهم إلاَّ في ذلك المقام، وهذه الطائفة على قسمين: قسم أحبهم ابتداء، وقسم استعملهم في طاعة رسوله طاعة لله، فأثمرت لهم تلك محبة الله إياهم، قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] وقال لمحمد وَالّ: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] فهذه محبة قد نتجت لم تكن ابتداء وإن كانوا أحباباً كلهم. [نظم: البسيط] يا قومُ أذني لبعض الحيّ عاشقةٌ والأذنُ تعشق قبل العين أحيانا فلا خفاء فيما بينهم من المنازل، وما من مقام من المقامات إلاَّ وأهله فيه بين فاضل ومفضول، وهؤلاء الأحباب علامتهم الصفاء، فلا يشوب وذهم كدر أصلاً، ولهم الثبات على هذه القدم مع الله، وهم مع الكون بحسب ما يقام فيه ذلك الكون من محمود ومذموم شرعاً، فيعاملونه بما يقتضيه الأدب، فهم يوالون في الله ويعادون في الله تعالى، فالموالاة من حيث في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٣٣ وجود المكوّن، والمعاداة والذمّ من حيث عين المتكوّن لا من حيث ما اتصف به من الكون، لأنّ الكون كون الله فهم يحكمون ولا يحكمون، قد مكّنهم الله من أنفسهم وأقامهم في حضرة الأدب، فهم الأدباء الجامعون للخيرات، يقول الله تعالى فيمن ادّعى هذا المقام: يا عبدي هل عملت لي عملاً قط؟ فيقول العبد: يا رب صليت وجاهدت وفعلت وفعلت ويصف من أحوال الخير، فيقول الله له: ذلك لك، فيقول العبد: يا رب فما هو العمل الذي هو لك؟ فيقول: هل واليت فيّ ولياً أو عاديت فيّ عدواً؟ وهذا هو إيثار المحبوب، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [سورة الممتحنة: الآية ١] وقال: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَاذَ اَللََّ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَنَدَهُم بِرُوجِ مِنَّةٌ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٢٢] فهم أهل التأييد والقوّة. ورد في الخبر الصحيح: ((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِينَ فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالمُتَبَاذِينَ فِيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ)). ومنهم رضي الله عنهم المحدثون وعمر بن الخطاب رضي الله عنه منهم، وكان في زماننا منهم أبو العباس الخشاب، وأبو زكرياء البجاي بالمعرّة بزاوية عمر بن عبد العزيز بدير النقيرة وهم صنفان: صنف يحدثه الحق من خلف حجاب الحديث، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآءٍ حِجَابٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] وهذا الصنف على طبقات كثيرة. والصنف الآخر تحدّثهم الأرواح الملكية في قلوبهم وأحياناً على آذانهم وقد يكتب لهم وهم كلهم أهل حديث، فالصنف الذي تحدثه الأرواح الطريق إليه بالرياضات النفسية والمجاهدات البدنية بأي وجه كان ومن كان فإن النفوس إذا صفت من كدر الوقوف مع الطبع التحقت بعالمها المناسب لها، فأدركت ما أدركت الأرواح العلى من علوم الملكوت والأسرار، وانتقش فيها جميع ما في العالم من المعاني، وحصلت من الغيوب بحسب الصنف الروحاني المناسب لها، فإن الأرواح وإن جمعهم أمر واحد فلكل روح مقام معلوم فهم على درجات وطبقات، فمنهم الكبير والأكبر كجبريل وإن كان من أكابرهم فميكائيل أكبر منه ومنصبه فوق منصبه، وإسرافيل أكبر من ميكائيل، وجبريل أكبر من إسماعيل، فالذي على قلب إسرافيل منه يأتي الإمداد إليه وهو أعلى من الذين هم على قلب ميكائيل، فكل محدث من هؤلاء يحدّثهم الروح المناسب لهم، وكم من محدث لا يعلم من يحدثه، فهذا من آثار صفاء النفوس وتخليصها من الوقوف مع الطبع وارتفاعها عن تأثير العناصر والأركان فيها فهي نفس فوق مزاج بدنها، وقنع قوم بهذا القدر من الحديث ولكن ما هو شرط في السعادة الإيمانية في الدار الآخرة لأنه تخليص نفسي، فإن كان هذا المحدث أتى جميع هذه الصفات التي أوجبت له التخليص من الطبع بالطريقة المشروعة والاتباع النبوي والإيمان الجزم اقترنت بالحديث السعادة، فإن انضاف إلى ذلك الحديث الحديث مع الرب من الرب تعالى إليهم كان من الصنف الأول الذي ذكرنا أنه على طبقات في الحديث، قال بعضهم: [الكامل] ومحدِّثي من بينهم بنهارِ يا مؤنسي بالليل إن هَجَّعَ الورى الفتوحات المكية ج٣ - م٣ ٣٤ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف فذكر هذا القائل أن حديثه مع الله وحديث الله معه أنه من بينيتهم لا أنه كلمه على ألسنتهم، قال تعالى: ﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَمُوسَىّ إِّى أَنَا اللَّهُ﴾ [سورة القصص: الآية ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٦٤] فأكّده بالمصدر لرفع الإشكال، هذا هو المطلوب بالحديث في هذه الطريقة. وأما قوله تعالى ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ الَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] فذلك لأهل السماع من الحق في الأشياء لا من بين الأشياء، لأنّ بينية الأشياء عبارة عن النسب وهي أمور عدمية لا وجودية، فإذا كان الحديث منها كان بلا واسطة وإذا كان من الأشياء فذلك قوّة الفهم عن الله، ورد في الخبر الصحيح أن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فهذا عين قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] والذي نطلبه في هذا الطريق كلام الله من بين الأشياء لا في الأشياء ولا من الأشياء، وإن كان هو عين وجود الأشياء فإنه ليس عين الأشياء، فالأعيان في الموجودات هيولى لها أو أرواح لها، والوجود ظاهر تلك الأرواح وصور تلك الأعيان الهيولائية، فالوجود كله حق ظاهر وباطنه الأشياء، فالحديث الإلهيّ من بين الأشياء أوضح عند السامع في الدلالة أنه هو المكلم، من أن يكلمنا في الأشياء فافهم والله تعالى الملهم. ومنهم رضي الله عنهم الأخلاء ولا عدد يحصرهم بل يكثرون ويقلّون، قال الله تعالى: ﴿ وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٢٥] وقال النبيّ وَّهُ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً لاتَخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً وَلْكِنَّ صَاحِبِكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ)) والمخاللة لا تصح إلاَّ بين الله وبين عبده وهو مقام الاتحاد، ولا تصحّ المخاللة بين المخلوقين وأعني من المخلوقين من المؤمنين، ولكن قد انطلق اسم الأخلاء على الناس مؤمنيهم وكافرهم، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلَّا الْمُثَّفِينَ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٦٧] فالخلة هنا المعاشرة، وقد ورد أن المرء على دين خليله، وقيل في مقام الخلة: [الخفيف] قد تخلَّلْتَ مسلكَ الروح مني وبذا سُمْي الخليلُ خليلا وإنما قلنا لا تصحّ الخلة إلاَّ بين الله وبين عبده لأن أعيان الأشياء متميزة، وكون الأعيان وجود الحق لا غير، ووجود الشيء لا يمتاز عن عينه، فلهذا لا تصحّ الخلة إلاَّ بين الله وعبيده خاصة، إذ هذا الحال لا يكون بين المخلوقين لأنه لا يستفاد من مخلوق وجود عين فاعلم ذلك . واعلم أن شروط الخلة لا تصحّ بين المؤمنين ولا بين النبيّ وتابعيه، فإذا لم تصخ شروطها لا تصحّ هي في نفسها ولكن في دار التكليف، فإن النبيّ والمؤمن بحكم الله لا بحكم خليله ولا بحكم نفسه، ومن شروط الخلة أن يكون الخليل بحكم خليله وهذا لا يتصوّر مطلقاً بين المؤمنين ولا بين الرسل وأتباعهم في الدار الدنيا، والمؤمن تصحّ الخلة بينه وبين الله ولا تصحّ بينه وبين الناس، لكن تسمّى المعاشرة التي بين الناس إذا تأكدت في غالب الأحوال خلة، فالنبيّ ليس له خليل ولا هو صاحب لأحد سوى نبوّته، وكذلك المؤمن ليس له خلیل ولا صاحب سوى إيمانه، كما أن الملك ليس هو صاحب أحد سوى ملکه، فمن في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٣٥ كان بحكم ما يلقى إليه ولا يتصرّف إلاَّ عن أمر إلهيّ فلا يكون خليلاً لأحد ولا صاحباً أبداً، فمن اتخذ من المؤمنين خليلاً غير الله فقد جهل مقام الخلة، وإن كان عالماً بالخلة والصحبة ووفاها حقّها مع خليله وهو حاكم فقد قدح في إيمانه لما يؤدي ذلك إليه من إبطال حقوق الله، فلا خليل إلاَّ الله فالمقام عظيم وشأنه خطير والله الموفق لا رب غيره. ومنهم رضي الله عنهم السمراء ولا عدد يحصرهم وهم صنف خاص من أهل الحديث، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] وهذا الصنف لا حديث لهم مع الأرواح فحديثهم مع الله من قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] فجليسهم من الأسماء الإلهية المدَبر المفضل، وهم من أهل الغيب في هذا المقام لا من أهل الشهادة . ومنهم رضي الله عنهم الورثة وهم ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٢] وقال وَّمَ: ((العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ)) وكان شيخنا أبو مدين يقول في هذا المقام: من علامات صدق المريد في إرادته فراره عن الخلق، ومن علامات صدق فراره عن الخلق وجوده للحق، ومن علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى الخلق، وهذا هو حال الوارث للنبيّ وَّ فإنه كان يخلو بغار حراء ينقطع إلى الله فيه ويترك بيته وأهله ويفرّ إلى ربه حتى فجأه الحق ثم بعثه الله رسولاً مرشداً إلى عباده، فهذه حالات ثلاث ورثه فيها من اعتنى الله به من أمّته ومثل هذا يسمّى وارثاً، فالوارث الكامل من ورثه علماً وعملاً وحالاً، فأما قوله تعالى في الوارث للمصطفى أنه ﴿ظَالٌِ لِنَفْسِهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٢] يريد حال أبي الدرداء وأمثاله من الرجال الذين ظلموا أنفسهم لأنفسهم أي من أجل أنفسهم حتى يسعدوها في الآخرة، وذلك أن رسول الله وَّ قال: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّا)) فإذا صام الإنسان دائماً وسهر ليله ولم ينم فقد ظلم نفسه في حقها وعينه في حقها وذلك الظلم لها من أجلها ولهذا قال: ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ فإنه أراد بها العزائم وارتكاب الأشد لما عرف منها ومن جنوحها إلى الرخص والبطالة، وجاءت السنة بالأمرين لأجل الضعفاء فلم يرد الله تعالى بقوله: ﴿ظَالٌِّ لِنَفْسِهِ﴾ الظلم المذموم في الشرع فإن ذلك ليس بمصطفى. وأما الصنف الثاني من ورثة الكتاب فهو المقتصد، وهو الذي يعطي نفسه حقّها من راحة الدنيا ليستعين بذلك على ما يحملها عليه من خدمة ربّها في قيامه بين الراحة وأعمال البرّ، وهو حال بين حالين: بين العزيمة والرخصة، ففي قيام الليل يسمّى المقتصد متهجداً لأنه يقوم وينام وعلى مثل هذا تجري أفعاله. وأما السابق بالخيرات وهو المبادر إلى الأمر قبل دخول وقته ليكون على أهبة واستعداد، وإذا دخل الوقت كان متهيأ لأداء فرض الوقت لا يمنعه من ذلك مانع كالمتوضىء قبل دخول الوقت والجالس في المسجد قبل دخول وقت الصلاة، فإذا دخل الوقت كان على ٣٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف طهارة وفي المسجد فيسابق إلى أداء فرضه وهي الصلاة، وكذلك إن كان له مال أخرج زكاته وعينها ليلة فراغ الحول ودفعها لربها في أوّل ساعة من الحول الثاني للعامل الذي يكون عليها، وكذلك في جميع أفعال البرّ كلها يبادر إليها كما قال النبيّ بَّهِ لبلال: ((بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الجَنَّةِ؟ فَقَالَ بِلال: مَا أَحْدَثْتُ قَطَ إِلاَّ تَوَضَّأْتُ وَلاَ تَوَضَّأْتُ إِلاَّ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: بِهِمَا)) فهذا وأمثاله من السابق بالخيرات، وهو كان حال رسول الله وَّل بين المشركين في شبابه وحداثة سنّه ولم يكن مكلفاً بشرع فانقطع إلى ربه وتحنث وسابق إلى الخيرات ومكارم الأخلاق حتى أعطاه الله الرسالة . وصل: واعلم أن الله تعالى قد وصف أقواماً من النساء والرجال بصفات أذكرها إن شاء الله، إذ كان الزمان لا يخلو أبداً عن رجال ونساء قائمين بهذا الوصف مثل قوله: ﴿إِنَّ اٌلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَدِينَ وَالْقَلَِتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ وَالصَِّمِينَ وَالصَّمَتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَاَلْحَفِظَاتِ وَالذَّكِرِينَ اَللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ ثم قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةُ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] فأعدّ الله لهم المغفرة قبل وقوع الذنب المقدّر عليهم عناية منه، فدل ذلك على أنهم من العباد الذين لا تضرّهم الذنوب. وقد ورد في الصحيح من الخبر الإلهيّ: «اعملْ ما شِئْتَ فقد غَفَرْتُ لك)) فما وقعت من مثل هؤلاء الذنوب إلاَّ بالقدر المحتوم لا انتهاكاً للحرمة الإلهية . قيل لأبي يزيد: أيعصي العارف؟ قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٨] فتقع المعصية من العارفين أهل العناية بحكم التقدير لنفوذ القضاء السابق، فلا بدّ من ذكر هؤلاء الأصناف ليتبين من هو المسلم والمسلمة والمؤمن والمؤمنة، ومن وصف الله منهم الذين لهم هذه المرتبة من إعداد المغفرة لهم والأجر العظيم قبل وقوع الذنب منهم وقبل حصول العمل، وأمر قد عظمه الله لا يكون إلاَّ عظيماً. وكذلك قوله: ﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ﴾ [سورة النساء: الآية ٦٩] وكذلك قوله تعالى: ﴿التََّسِبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٢] وقد ذكرنا العباد، ثم قال: ﴿اْمَيِدُونَ السَّنَّبِحُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٢] والسياحة في هذه الأمّة الجهاد، وقد قال تعالى في خليله: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٤] فلا بدّ من ذكر الأوّاهين والحلماء، وقال فيه: ﴿لَعَلِيمٌ أَّهُ مُنِيبٌ﴾ [سورة هود: الآية ٧٥] فأثنى عليه بالإنابة، وقال فيه: ﴿إِنَّهُ، أَوَّبُ﴾ [سورة ص: الآية ٣٠] فذكره بالأوبة، فهؤلاء الأصناف لا بدّ من ذكرهم في هذا الباب ليقع عند السامع تعيين هذه الصفة ومنزلة هذا الموصوف بها، وكذلك أولو النهى، وأولو الأحلام، وأولو الألباب، وأولو الأبصار، فما نعتهم الله بهذه النعوت سدى، والمتصفون بهذه الأوصاف قد طالبهم الحق بما تقتضيه هذه الصفات وما تثمر لهم من المنازل عند الله، فإنّ هذا الباب باب شريف من أشرف أبواب هذا الكتاب يتضمن ذكر الرجال وعلوم الأولياء ونحن نستوفيها إن شاء الله أو نقارب استيفاء ذلك على القدر الذي رسم لنا وعينه الحق تعالى في واقعتنا، فإن المبشرات هي التي أبقى الله لنا من آثار النبوّة التي سدّ بابها وقطع أسبابها، فقذف به في قلوبنا ونفث به الروح المؤيد القدسيّ في نفوسنا، وهو الإلهام في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٣٧ الإلهيّ والعلم اللدنّ نتيجة الرحمة التي أعطاها الله من عنده من شاء من عباده. فمنهم رضي الله عنهم الأولياء قال تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ الَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٢] مطلقاً ولم يقل في الآخرة فالوليّ من كان على بينة من ربه في حاله فعرف مآله بأخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده وبشارته حق، وقوله صدق، وحكمه فصل، فالقطع حاصل، فالمراد بالوليّ من حصلت له البشرى من الله كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٤] وأيّ خوف وحزن يبقى مع البشرى بالخير الذي لا يدخله تأويل، فهذا هو الذي أريد بالوليّ في هذه الآية، ثم إن أهل الولاية على أقسام كثيرة فإنها أعمّ فلك أحاطيّ فنذكر أهلها من البشر إن شاء الله وهم الأصناف الذين نذكرهم مضافاً إلى ما تقدم في هذا الباب من ذكرهم ممّن حصرتهم الأعداد ومن لا يحصرهم عدد. انتهى الجزء السابع والسبعون. (الجزء الثامن والسبعون) بِسْمِ اللّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ فمن الأولياء رضي الله عنهم الأنبياء صلوات الله عليهم تولاهم الله بالنبوّة وهم رجال اصطنعهم لنفسه واختارهم لخدمته واختصهم من سائر العباد لحضرته، شرع لهم ما تعبدهم به في ذواتهم، ولم يأمر بعضهم بأن يعدى تلك العبادات إلى غيرهم بطريق الوجوب، فمقام النبوّة مقام خاص في الولاية، فهم على شرع من الله أحلّ لهم أموراً وحرّم عليهم أموراً قصرها عليهم دون غيرهم، إذ كانت الدار الدنيا تقتضي ذلك لأنها دار الموت والحياة، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [سورة الملك: الآية ٢] والتكليف هو الابتلاء، فالولاية نبوّة عامّة، والنبوّة التي بها التشريع نبوّة خاصة تعمّ من هو بهذه المثابة من هذا الصنف وهي مقام الرفعة في الخطاب الإلهيّ إذا لم يؤمر لا غير لا في المشاهدة، فمقام النبوّة علوّ في الخطاب، ومن الأولياء رضوان الله عليهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم تولاهم الله بالرسالة، فهم النبيون المرسلون إلى طائفة من الناس، أو يكون إرسالاً عامّاً إلى الناس، ولم يحصل ذلك إلاَّ لمحمد بَّ، فبلغ عن الله ما أمره الله بتبليغه في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَبِّكٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧] ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٨] فمقام التبليغ هو المعبر عنه بالرسالة لا غير، وما توقفنا عن الكلام في مقام الرسول والنبيّ صاحب الشرع إلاّ أنّ شرط أهل الطريق فيما يخبرون عنه من المقامات والأحوال أن يكون عن ذوق ولا ذوق لنا ولا لغيرنا ولا لمن ليس بنبيّ صاحب شريعة في نبوّة التشريع ولا في الرسالة فكيف نتكلم في مقام لم نصل إليه وعلى حال لم نذقه لا أنا ولا غيري ممّن ليس بنبيّ ذي شريعة من الله ولا رسول حرام علينا الكلام فيه؟ فما نتكلم إلاَّ فيما لنا فيه ذوق، فما عدا هذين المقامين فلنا الكلام فيه عن ذوق لأنّ الله ما حجره. ٣٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ومن الأولياء أيضاً الصدّيقون رضي الله عن الجميع تولاهم الله بالصدّيقية، قال تعالى في الذين آمنوا بالله ورسوله: ﴿أُوْلَِّكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [سورة الحديد: الآية ١٩] فالصدّيق من آمن بالله ورسوله عن قول المخبر لا عن دليل سوى النور الإيمانيّ الذي يجده في قلبه المانع له من تردّد أو شك يدخله في قول المخبر الرسول ومتعلقه على الحقيقة الإيمان بالرسول، ويكون الإيمان بالله على جهة القربة لا على إثباته، إذ كان بعض الصدّيقين قد ثبت عندهم وجود الحق ضرورة أو نظراً ولكن ما ثبت كونه قربة، وهذه الآية تدل على شرف إثبات الوجود، ثم إن الرسول إذا آمن به الصديق آمن بما جاء به وممّا جاء به توحيد الإله وهو قوله: ((قُولُوا لاَ إِلهَ إلاَّ اللَّه))، أَوْ ((اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ)) فعلم أنه واحد في ألوهيته من حيث قوله: ﴿فَأَعْلَ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد: الآية ١٩] فذلك يسمّى إيماناً، ويسمّى المؤمن به على هذا الحد صديقاً، فإن نظر في دليل يدل على صدق قوله ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وعثر على توحيده بعد نظره فصدق الرسول في قوله، وصدق الله في قوله له: لا إله إلاَّ الله فليس بصديق وهو مؤمن عن دليل فهو عالم، فقد بان لك منزل الصديقية، وأن الصديق هو صاحب النور الإيمانيّ الذي يجده ضرورة في عين قلبه كنور البصر الذي جعله الله في البصر فلم يكن للعبد فيه كسب، كذلك نور الصديق في بصيرته، ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ١٩] من حيث الشهادة ونورهم من حيث الصديقية، فجعل النور للصديقية والأجر للشهادة وهي بنية مبالغة في التصديق، والصديق كشرّيب وخمير وسكير، فليس بين النبوّة التي هي نبوّة التشريع والصديقية مقام ولا منزلة، فمن تخطّى رقاب الصديقين وقع في النبوّة الرسالية، ومن ادّعى نبوّة التشريع بعد محمد 18ّ فقد كذب بل كذب وكفر بما جاء به الصادق رسول الله وَلو، غير أن ثم مقام القربة وهي النبوّة العامة لا نبوّة التشريع فيثبتها نبيّ التشريع فيثبتها الصديق لإثبات النبيّ المشرّع إياها لا من حيث نفسه وحينئذ يكون صديقاً، كمسألة موسى والخضر وفتى موسى الذي هو صديقه ولكل رسول صديقون، إما من عالم الإنس والجانّ أو من أحدهما، فكل من آمن عن نور في قلبه ليس له دليل من خارج سوى قول الرسول ((قل)) ولا يجد توقفاً وبادر فذلك الصديق، فإن آمن عن نظر ودليل من خارج أو توقف عند القول حتى أوجد الله ذلك النور في قلبه فآمن فهو مؤمن لا صديق، فنور الصديق معد قبل وجود المصدق به، ونور المؤمن غير الصديق يوجد بعد قول الرسول: قل لا إله إلاَّ الله، ونور المؤمن بكونه قربة بعد النظر في الدليل الذي أعطاه العلم بالتوحيد، فهو في علمه بالتوحيد صاحب نور علم لا نور إيمان، وهو في كون ذلك العلم والنظر قربة إلى الله صاحب نور إيمان، فإن نور العلم بتوحيد الله قد شهدوا الله بتوحيده قبل ذلك، والرسل منهم قد وجدوه قبل أن يكونوا أنبياء ورسلاً، فإن الرسول ما أشرك قط، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَتَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] ولم يقل وأولو الإيمان، فرتبة العلم فوق رتبة الإيمان بلا شك وهي صفة الملائكة والرسل، وقد يكون حصول ذلك العلم عن نظر أو ضرورة كيفما كان فيسمى علماً إذ لا قائل ولا مخبر يلزم التصديى بقوله. في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٣٩ وهذ المقام الذي أثبتناه بين الصديقية ونبوّة التشريع الذي هو مقام القربة وهو للأفراد هو دون نبوّة التشريع في المنزلة عند الله، وفوق الصديقية في المنزلة عند الله وهو المشار إليه بالسرّ الذي وقر في صدر أبي بكر ففضل به الصديقين إذ حصل له ما ليس من شرط الصديقية ولا من لوازمها، فليس بين أبي بكر ورسول الله وَل و رجل لأنه صاحب صديقية وصاحب سرّ، فهو من كونه صاحب سرّ بين الصديقية ونبوّة التشريع ويشارك فيه فلا يفضل عليه من يشاركه فيه بل هو مساو له في حقيقته فافهم ذلك. ومن الأولياء أيضاً الشهداء رضي الله عن جميعهم تولاهم الله بالشهادة وهم من المقرّبين وهم أهل الحضور مع الله على بساط العلم به، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَتَكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة فهم موحدون عن حضور إلهيّ وعناية أزلية فهم الموحدون وشأنهم عجيب وأمرهم غريب، والإيمان فرع عن هذه الشهادة، فإن بعث رسول وآمنوا به أعني هؤلاء الشهداء فهم المؤمنون العلماء ولهم الأجر التام يوم القيامة، وإن لم يؤمنوا فليس هم الشهداء الذين أنعم الله عليهم في قوله: ﴿فَأُوْلَّكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ ولولا قوله: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦٩] ألحقنا هؤلاء الشهداء بحصول النعمة التي لأصحاب هذه الآية، فإنهم وإن كانوا موحدين غير مؤمنين مع وجود الرسول إليهم لم تحسن مرافقتهم للمؤمنين، فإنهم يشوّشون على المؤمنين إيمانهم، وهؤلاء الشهداء الذين تعمّهم هذه الآية هم العلماء بالله المؤمنون بعد العلم بما قال سبحانه إذ ذلك قربة إليه من حيث قاله الله أو قاله الرسول الذي جاء من عند الله، فقدم الصديق على الشهيد وجعله بإزاء النبيّ فإنه لا واسطة بينهما لاتصال نور الإيمان بنور الرسالة. والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث ما هو شاهد لله بتوحيده لا من حيث هو رسول، فلا يصح أن يكون بعده مع المساوقة فكانت المساوقة تبطل، ولا يصحّ أن يكون معه لكونه رسولاً والشاهد ليس برسول فلا بدّ أن يتأخر فلم يبق إلاَّ أن يكون في الرتبة التي تلي الصديقية، فإن الصديق أتم نوراً من الشهيد في الصديقية لأنه صديق من وجهين: من وجه التوحيد، ومن وجه القربة، والشهيد من وجه القربة خاصة لا من وجه التوحيد، فإنّ توحيده عن علم لا عن إيمان، فنزل عن الصديق في مرتبة الإيمان وهو فوق الصديق في مرتبة العلم، فهو المتقدم في رتبة العلم المتأخر برتبة الإيمان والتصديق فإنه لا يصحّ من العالم أن يكون صديقاً، وقد تقدم العلم مرتبة الخبر فهو يعلم أنه صادق في توحيد الله إذا بلغ رسالة الله، والصديق لم يعلم ذلك إلاَّ بنور الإيمان المعد في قلبه، فعندما جاءه الرسول اتبعه من غير دليل ظاهر فقد عرفت منازل الشهداء عند الله. ومن الأولياء رضي الله عنهم الصالحون تولاهم الله بالصلاح وجعل رتبتهم بعد الشهداء في المرتبة الرابعة، لكن الشكل دائرة كما رسمناه في الهامش : ٤٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف الصديق فالنبوّة ابتدأ بها حتى انتهى إلى الصلاح، ونهاية الشكل المستدير إذا كان مجعولاً ترتبط بالبداية حتى تصحّ الدائرة، وما من نبيّ إلاَّ وقد ذكر أنه صالح أو أنه دعا أن يكون من ـونـ الصالحين مع كونه نبياً، فدل على أن رتبة الصلاح خصوص ـبيـ في النبوّة، فقد تحصل لمن ليس بنبيّ ولا صديق ولا شهيد، وت النبيـ فصلاح الأنبياء هو مما يلي بدايتهم وهو عطف الصلاح عليهم فهم صالحون للنبوّة فكانوا أنبياء، وأعطاهم الدلالة فكانوا شهداء، وأخبرهم بالغيب فكانوا داء الـ صديقين، فالأنبياء صلحت لجميع هذه المقامات فكانوا صالحين فجمعت الرسل جميع المقامات، كما صلح الصديقون للصديقية، وصلح الشهداء للشهادة، وكل موجود فهو صالح لما وجد له، غير أن هؤلاء الصالحين الذين أثنى الله عليهم بأنه أنعم عليهم هم المطلوبون في هذا المقام، وهم المنخرطون في سلك هذا النمط، فهم رابعو أربعة، وأراد بالنبيين هنا الرسل أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا، أعني بطريق الوجوب عليهم، فالصالحون هم الذين لا يدخل علمهم بالله ولا إيمانهم بالله وبما جاء من عند الله خلل، فإن دخله خلل بطل كونه صالحاً، فهذا هو الصلاح الذي رغبت فيه الأنبياء صلوات الله عليهم. فكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح، ولا في شهادته فهو صالح، ولا في نبوّته فهو صالح، والإنسان حقيقته الإمكان، فله أن يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه، لأن النبيّ لو كان نبياً لنفسه أو لإنسانيته لكان كل إنسان بتلك المثابة، إذ العلة في كونه نبياً كونه إنساناً، فلما كان الأمر اختصاصاً إلهياً جاز دخول الخلل فيه وجاز رفعه، فصحّ أن يدعو الصالح بأن يجعل من الصالحين، أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان ما، فهذا نعني بالصالحين في هذا الباب والله الموفق. ومن الأولياء أيضاً رضي الله عنهم المسلمون والمسلمات، وهكذا كل طائفة ذكرناهم منهم الرجال والنساء تولاهم الله بالإسلام، وهو انقياد خاص لما جاء من عند الله لا غير، فإذا وفى العبد الإسلام بجميع لوازمه وشروطه وقواعده فهو مسلم، وإن انتقص شيئاً من ذلك فليس بمسلم فيما أخلّ به من الشروط، قال رسول الله وَّرَ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) واليد هنا بمعنى القدرة أي سلم المسلمون تما هو قادر على أن يفعل بهم مما لا يقتضيه الإسلام من التعدّي لحدود الله فيهم، فأتى بالأعمّ وذكر اللسان لأنه قد يؤذي بالذكر من لا يقدر على إيصال الأذى إليه بالفعل وهو البهتان هنا خاصة لا الغيبة فإنه قال: المسلمون، فلو قال: الناس لدخلت الغيبة وغير ذلك من سوء القول، فلم يثبت الشارع الإسلام إلاَّ لمن سلم المسلمون وهم أمثاله في السلامة، فالمسلمون هم المعتبر في هذا الحديث وهم المقصود، فإن المسلمين لا يسلمون من لسان من يقع فيهم إلاَّ حتى يكونوا أبرياء تما نسب إليهم ولذلك فسّرناه بالبهتان، فإن النبيّ وَ﴿ قال: ((إِذَا قُلْتَ فِي أَخِيكَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَذَلِكَ البُهْتَانُ)) وفي رواية: ((فَقَد بَهَتَّهُ)) فخاب سهمك الذي رميته به، فإنه ما وجد منفذاً فإنك نسبت إليه ما ليس