Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ولدته أمّه أي أنه خرج من الضيق إلى السعة، فشبهه بمثله وهو المولود ولم يشبهه بوصفه
تعالى الذي ذكرناه آنفاً، ولكن اشترط فيه أنه لا يرفث، فإنه إن نكح أولد فلا يشبه المولود فإنه
إذا ولد خرج من السعة إلى الضيق، فإنه حصل له في ماله مشاركة بالولد، وصار بحكم الولد
أكثر منه بحكم نفسه، فضاق الأمر عليه، ولا سيما إذا تحرك ولده بما لا يرضيه فإنه يورثه
الحرج وضيق الصدر لمزاحمة الثاني، فلهذا اشترط في الآتي إلى البيت أن لا يرفث ولا يفسق
أي لا يخرج على سيده فيدّعي في نعته ويزاحمه في صفاته إذ الفسوق الخروج، فمن بقي في
حال وجوده مع الله كما كان في حال عدمه فذلك الذي أعطى الله حقّه، ولهذا الداء العضال
أحاله على استعمال دواء: ﴿أَوَّلَا يَذْكُرُ الْإِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية
٦٧] يقول له: كن معي في شيئية وجودك كما كنت إذ لم تكن موجوداً فأكون أنا على ما أنا
عليه وأنت على ما أنت عليه، فمن استعمل منّا هذا الدواء عرف حق الله فأعطاه مما يجب له،
ومن لم يعرف ولا استعمل هذا الدواء وخلط كثرت أمراضه وآلامه في عين أفراحه وأغضب
الحق عليه فيما هو فارح مسرور به، ففي بعض أفراحك غضبه، فتنبه إلى ما في هذا الحديث
من الأسرار على هذا الأسلوب وأمثاله فإن فيه علوماً يطول الكتاب بتفصيلها وتعيينها .
حديث رابع في فضل عرفة والعتق فيهِ: خرّج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله وَّرَ قال: ((مَا مِنْ يَومِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ
وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هُؤُلاءِ حَتَى يَقُولُوا مَغْفِرَتَكَ وَّرِضَاكَ
عَنْهُمْ)). فقصد الحق مباهاة الملائكة بهم وسؤاله إياهم ما أراد هؤلاء حجاب رقيق على
قصد المباهاة جبراً لقلوب الملائكة، ولما ظهر الإباق في عبيد الله واسترقتهم الأهواء
والشهوات وصاروا عبيداً لها وخلق الله النار من الغيرة الإلهية فغارت الله وطلبت الانتقام
من العبيد الذين أبقوا، وقد جاء الخبر: ((إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَبَقَ فَقَدْ كَفَرَ)). والكفر سبب
الاسترقاق فصاروا عبيداً للأهواء بالكفر، فاحتالت النار على أخذهم من يد الأهواء
للانتقام، فلما استحقتهم النار وأرادت إيقاع العذاب بهم اتفق أن وافق من الزمان يوم
عرفة فجاء اليوم شفيعاً عند الله في هؤلاء العبيد بأن يعتقهم من ملك النار إذ كانت النار
من عبيد الله المطيعين له فجاد الله عليهم بشفاعة ذلك اليوم فأعتق الله رقابهم من النار فلم
يكن للنار عليهم سبيل، فكثر خير الله وطاب وطهر الله قلوبهم من الشهوات المردية لا
من أعيان الشهوات، فأبقى أعيان الشهوات عليهم وأزال تعلقها بما لا يرضي الله، فلما
أوقفهم بعرفات أظهر عليهم أعيان الشهوات لتنظر إليها الملائكة، ولما كانت الملائكة لا
شهوة لهم كانوا مطيعين بالذات، ولم يقم بهم مانع شهوة يصرفهم عن طاعة ربهم، فلم
يظهر سلطان لقوّة الملائكة عندهم، إذ ليس لهم منازع فكانوا عقولاً بلا منازع، فلما
أبصرت الملائكة عقول هؤلاء العبيد مع كثرة المنازعين لهم من الشهوات ورأوا حضرة
البشر ملأى منها علموا أنه لولا ما رزقهم الله من القوّة الإلهية على دفع حكم تلك
الشهوات المردية فيهم ما أطاقوا وأنهم ربما لو ابتلاهم الله بما ابتلى به البشر من الشهوات

٥٢٢
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ما أطاقوا دفعها، فقصرت نفوسهم عندهم وما هم فيه من عبادة ربهم، وعلموا أن القوّة
الله جميعاً، وأن الله له بهم عناية عظيمة السلطان، وهذا كان المراد من الله التباهي مع
هذه الحالة، ولذلك وصف الحق نفسه بالدنوّ منهم ليستعينوا بقربه على دفع الشهوات
المردية من حيث لا تشعر الملائكة، ثم يقول الله للملائكة وهو أعلم ما أراد هؤلاء
لينظروا إلى سلطان عقولهم على شهواتهم وما هم فيه من الإلتجاء والتضرّع والابتهال
بالدعاء ونسيان كل مما سوى الله في جنب الله .
حديث خامس في الحاج وفد الله: خرّج النسائي عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهَ: ((وَقْدُ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: الغَازِي وَالحَاجُّ وَالمُعْتَمِرُ)). أراد وفد طلبه في بيته لا غير، فإن الله
معهم أينما كانوا، فما وفد عليك من أنت معه ولكن الله تعالى في عباده نسب وإضافات كما
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحَنِ وَفْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٨٥] فجعلهم وفود الرحمن،
لأن الرحمن لا يتقى، وكانوا حين كانوا متقين في حكم اسم إلهيّ تجلّى الحق فيه لهم فكانوا
يتقونه، فلما أراد أن يرزقهم الأمان ممّا كانوا فيه من الاتقاء حشرهم إلى الرحمن فلما وفدوا
عليه أمَّنهم، وهكذا نسبتهم إلى رب البيت لما تركوا الحق خليفة في الأهل والمال كما جاءت
به السنّة من دعاء المسافر فارقوا ذلك الحال واتخذوه اسماً إلهياً جعلوه صاحباً في سفرهم،
وجاءت به السنّة والعين واحدة في هذا كله، ولذلك ورد: أنت الصاحب في السفر والخليفة
في الأهل، فإذا قدموا على البيت وهو قصر الملك وحضرته تحجب لهم عنده الاسم إلهيّ
الذي صحبهما في السفر عن أمر الاسم الذي تخلف في الأهل وهو الاسم الحفيظ فتلقاهم
رب البيت وأبرز لهم يمينه فقبلوه وطافوا ببيته إلى أن فرغوا من حجهم وعمرتهم، وفي كل
منسك يتلقاهم اسم إلهيّ، ويتسلمهم من يد الاسم الإلهيّ الذي يصحبهم من منسك إلى
منسك إلى أن يرجعوا إلى منازلهم، فيحصلوا في قبضة من خلفوه في الأهل، فهذا معنى وفد
الله إن عقلت .
حديث سادس الحج للكعبة من خصائص هذه الأمّة أهل القرآن: ذكر الترمذي عن
علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَّرَ: (مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةٌ تُبلغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ
يَحُجَّ فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً)). وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِبُ اُلْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] قال: هذا حديث غريب
وفي إسناده مقال .
اعلم أنه لو كان أهل التوراة والإنجيل مخاطبين بالحج إلى هذا البيت لم يقل ((له فلا
عليه أن يموت يهودياً أونصرانياً))، أي إن الله ما دعاهم إليه أي أنه من كان بهذه المثابة فليس
من أهل القرآن، الوكيل يملك التصرّف في مال الموكل ولا يملك المال ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمُ
مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٧] فأمره بالإنفاق فيما حدّ له أن ينفقه فيه، وممّا حدّ له الإنفاق
في الحج الوكيل الحق الموكل العبد الوكيل هنا أعلم بالمصالح من الموكل، وقد ظهر له
المصلحة في الحج والمال بيد الوكيل وهو وكيل لا ينزع يده من المال، فإن أعطاه ما يحج به

٥٢٣
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ولم يحج ثبت سفه الموكل فحكم عليه الحاكم بالحجر فحجر عليه الإسلام وألحقه بالسفهاء
﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن ◌َّا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٣] فإن شاء حكم عليه بحكم اليهود
أو بحكم النصارى الذين لم يخاطبوا بهذه المصلحة فلا نصيب له في الإسلام لأن الحج ركن
من أركانه وقد استطاع ولم يفعل، وإذا فارق الإسلام فلا يبالي إلى أية ملة يرجع .
حديث سابع في فرض الحِج: خرّج مسلم عن أبي هريرة قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَه
فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُوا، فَقَالَ رَجُلٌ : أَكُلَّ عَامِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثَاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَّعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ:
ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا
أَمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَدَعُوهُ)). وقال النسائي من حديث
ابن عباس: ((لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ثم إذن لا تسمعون ولا تطيعون)) ولكنها حجة واحدة لما
ثبت أن المكلف أحديّ في ألوهته. وأنه قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٣] ثم
أمر بالقصد إليه في بيته وحدّ القصد فجعلها حجة واحدة لمناسبة الأحدية، فختم الأركان
بمثل ما به بدأ وهو الأحدية فبدأ بلا إله إلاَّ الله وختم بالحج فجعله واحدة في العمر، فلا
يتكرّر وجوبه بالأيام كتكرّر وجوب الصلوات، ولا بالسنين كتكرّر وجوب الزكاة بالحول،
ووجوب الصيام بدخول رمضان في كل سنة، والحج ليس كذلك، فانفرد بالأحدية لأن الآخر
في الإلهيات عين الأول فيحكم له بحكمه. وفي متن هذا الخبر حكم كثيرة يطول ذكرها لو
شرعنا فيها، والأحاديث كثيرة في هذا الباب، فلنأخذ من كل حديث بطرف على قدر ما يلقي
الروح من أمره على قلبي بلمته أو ما شئت.
حديث ثامن في الصرورة: خرّج أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالت: ((لاَ
صَرُورَةَ فِي الإِسْلام)). وفي الحديث الذي خرّجه الدارقطنيّ عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ وَ نَهَى أَنْ يُقَالَ
لِلْمُسْلِمِ صَرُورَةً)). وكلا الحديثين متكلم فيه. الصرورة: هو الذي لم يحج قط، والمسلم من
ثبت إسلامه، وفي نية المسلم الحج ولا بد، والإنسان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، كما هو
في حج ما دام ينتظر الأسباب الموصلة إلى الحج، فلا يقال فيه أنه صرورة فإنه حاج ولا بدّ،
وإن مات فله أجر من حج بانتظاره، كما لو مات منتظراً لصلاة لكتب مصلياً فلا صرورة في
الإسلام.
حديث تاسع في إذن المرأة زوجها في الحج: خرّج الدارقطنيّ عن ابن عمر قال: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ◌َ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَلَهَا مَالٌ وَلاَ يَأْذَنُ لَهَا فِي الْحَجْ: ((لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إِلاَّ بِإِذْنِ
زَوْجِهَا». وفي إسناد هذا الحديث رجل مجهول يقال أنه محمد بن أبي يعقوب الكرمانيّ،
رواه عن حسان بن إبراهيم الكرمانيّ إن منعها زوجها فهو من الذين يصدّون عن سبيل الله إن
كان لها محرم تسافر معه عندنا في هذه المسألة إذا كانت افاقية، وأما إن كانت من أهل مكة
فلا تحتاج إلى إذنه فإنها في محل الحج، كما لا تستأذنه في الصلاة ولا في صوم رمضان ولا
في الإسلام ولا في أداء الزكاة. لما كان الحج القصد إلى البيت على طريق الوجوب لمن لم

٥٢٤
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
يحج كذلك قصد النفس إلى معرفة الله ليس لها من ذاتها النظر في ذلك، فإنها مجبولة في
أصل خلقها على دفع المضارّ المحسوسة والنفسية وجلب المنافع كذلك وهي لا تعرف أن
النظر في معرفة الله ممّا يقرّبها من الله أم لا، وهي به في الحال متضرّرة لما يطرأ عليها في
شغلها بذلك من ترك الملاذ النفسية، فلا بدّ ممّن يحكم عليها في ذلك، ويأذن لها في النظر
بمنزلة إذن الزوج للمرأة فمنا من قال يأذن لها العقل فإذا أذن لها في النظر في الله بما تعطيه
الأدلة العقلية فإن العلم بالشيء كان ما كان أحسن من الجهل به عند كل عاقل، فإن النفس
تشرف بالعلم بالأشياء على غيرها من النفوس ولا سيما وهي تشاهد النفوس الجاهلة بالعلوم
الصناعية وغير الصناعية تفتقر إلى النفوس العالمة فيتبين لها مرتبة شرف العلم، هذا إذا لم
يعلم أن الخوض في ذلك ممّا يقرّب من الله وينال به الحظوة عند الله. ومنا من قال: الزوج
في هذه المسألة إنما هو الشرع، فإن أذن لها في الخوض في ذلك اشتغلت به حتى تناله.
فتعرف منه توحيد خالقها وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز أن يفعله، فيعلم بالنظر في
ذلك أن بعثة الرسل من جانب الله إلى عباده ليبينوا لهم ما فيه نجاتهم وسعادتهم إذا استعملوه
أو اجتنبوه، فيكون وجوب النظر في ذلك شرعاً من حيث أنه أوجب عليهم النظر لثبوته في
نفسه، وهي مسألة خلاف بين المتكلمين هل تجب معرفة الله على الناس بالعقل أو بالشرع؟
وعلى كل حال فزوج النفس هنا إما الشرع في مذهب الأشعريّ، وإما العقل في مذهب
المعتزليّ ليس لها من نفسها في هذا التصرّف الخاص حكم ولا نظر بطريق الوجوب إلاَّ إن
كان لها بذلك التلذاذ لحب رياسة من حيث إنها ترى النفوس تفتقر إليها فيما تعلمه وجهلته
نفوس الغير فتكون عند ذلك بمنزلة المرأة، وإن كان لها زوج إذا كانت بمكان الحج في زمان
الحج عندنا ولا سيّما إن كان صاحبها أيضاً ممّن يحج فأكد في الأمر.
حديث عاشر: سفر المرأة مع العبد ضيعة: ذكر البزار عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وَّ: ((سَفَرُ المَزْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ)) في إسناده مقال، سفر النفس في معرفة الله مع
الإيمان بالشرع غاية المحمدة والسعادة، ويكون في تلك الحالة العقل من جملة عبيدها لأنها
الحاكمة عليه بأن يقبل من الشارع في معرفة الله كل ما جاء به، فإن سافرت مع عقلها في
معرفة ما أتى به هذا الشارع من العلم بصفات الحق ممّا يحيله دليله وانفردت معه دون الإيمان
فإنها تضيع عن طريق الرشد والنجاة، فإن كان السفر الأوّل قبل ثبوت الشرع فليكن العبد هناك
الهوى لا العقل، والنفس إذا سافرت في صحبة هواها أضلّها عن طريق الرشد والنجاة وما فيه
سعادتها، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَّ إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ٢٣] وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ
مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىُ﴾ [سورة النازعات: الآية ٤٠] يعني أن تسافر معه فإنه على الحقيقة
عبدها لأنه من جملة أوصافها الذي ليس له عين إلاَّ بوجودها فهي المالكة له، فإذا اتبعته صار
مالكاً لها وهو لا عقل له ولا إيمان فيرمي بها في المهالك فتضيع، فاعتبر الشارع ذلك في
السفر المحسوس في المرأة مع عبدها وجعله تنبيهاً لما ذكرناه.
حديث أحد عشر: في تلبيد الشعر بالعسل في الإحرام: خرّج أبو داود عن ابن عمر:

٥٢٥
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
((أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالعَسَلِ)) لما كان الشعر من الشعور والتلبيد أن يلصق بعضه ببعض
حتى يصير كاللبد قطعة واحدة وهو أن يرد الإنسان ما تعدّد عنده من الصفات والمناسبة الإلهية
شرعاً والأسماء الحسنى وعقلاً كالمعاني الثابتة بالأدلة النظرية يرد ذلك إلى عين واحدة كما
قال تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنِّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠]
وقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٣] ثم إنه لبده بالعسل دون غيره من خطمي
وغيره ممّا يكون به التلبيد، وذلك أن العسل لما أنتجه صنف من الحيوان ممّن له نصيب في
الوحي صحّت المناسبة بينه وبين رسول الله وَ ل فإنه ممّن يوحى إليه والنحل ممّن يوحى إليه،
فالعسل من النحل بمنزلة العلوم التي جاء بها النبيّ وَ لّ من قرآن وأخبار، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى
رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾ [النحل: ٦٨] فكان النبيّ ◌َّ يعرفنا في ردّنا ما تعدّد من الأحكام لعين واحدة
لا يكون عن نظر عقلي، وإنما يكون عن وهب إلهيّ وكشف ربانيّ الذي لا تقدح فيه شبهة،
فهذا أعني تلبيد الرأس بالعسل دون غيره من الملبدات.
حديث ثاني عشر: المحرم لا يطوف بعد طواف القدوم إلاَّ طواف الإفاضة: خرّج
البخاري عن ابن عباس قال: ((انْطَلَقَ النَّبِيُّ وَلِّ مِنَ المَدِينَةِ يَعْنِي فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ)) حديث وفيه :
(وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ يَعْنِي طَوافَ القُدُومِ). أصل أعمال
العبادات مبنية على التوقيف ينبغي أن لا يزاد فيها ولا ينقص منها، والمحرم بالحج كالمحرم
بالصلاة، فلا ينبغي أن يفعل فيها إلاَّ ما شرع أن يفعل فيها، ومن الأفعال في العبادات ما هو
مباح له فعله أو تركه. ومنها ما يكون من الفعل فيها مرغباً. ومنها أفعال تقدح في كمالها.
ومنها أفعال تبطلها ولو كانت عبادة كمن تعين عليه كلام وهو في الصلاة، فإن تكلم بذلك
بطلت الصلاة أو فعل فعلاً يجب عليه ممّا يبطل الصلاة فعله، ولا خلاف بين العلماء في أنه
إن طاف لا يؤثر في حجّه فساداً ولا بطلاناً، الحقائق لا تتبدّل، فالتطوّع لا يكون وجوباً،
والتطوّع ما يكون المكلف فيه مخيّراً إن شاء فعله وإن شاء تركه فله الفعل والترك، فمن رأى
الترك لم يؤثر في حكم التطوّع تحريماً ولا كراهة، ومن رأى الفعل لم يؤثر في حكمه وجوباً،
وهذا سار في جميع أحكام الشرائع الخمسة. فنسبة التطوّع للعبد نسبة أفعال الله إلى الله لا
يجب عليه فعلها ولا تركها ولهذا جعل المشيئة في ذلك، فأكمل ما يكون العبد في اتصافه
بصفة الحق في تصرّفه في المباح فإن الربوبية ظاهرة فيه والإباحة مقام النفس، وعينها
وخاطرها من الأحكام الخمسة الشرعية لأنها على الصورة أوجدها الله فلا بدّ أن يكون حكمها
هذا، وأمّا شبه الإيجاب فلا يكون ذلك إلاَّ في النذر لا غيره، فإن الحق أوجب على نفسه
أموراً ذكرها لنا في كتابه، وصاحب النذر أوجب على نفسه ما لم يوجب الله عليه ابتداء، فما
أوجب الله على العبد الوفاء بنذره إلاَّ بالنسبة التي أوجب على نفسه، فتقوّى الشبه في وجوب
النذر كما تقوّى في التطوّع.
وأما التحريم ففيه من الشبه تحجير المماثلة فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى:
الآية ١١] فحجر على الكون أن يماثله أو يماثل مثله المفروض، فكان عين التحجير عليه أن

٥٢٦
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
يتجلى في صورة تقبل التشبيه، فإن كان نفس الأمر يقتضي نفي التشبيه فقد شاركناه في ذلك
فإنه لا يقبل التشبيه بنا ولا نقبل التشبيه به، وإن لم يكن في نفس الأمر كذا وإنما اختار ذلك
أي قام في هذا المقام لعبيده فقد حكم على نفسه بالتحجير فيما له أن يقوم في خلافه كما
حجر علينا، فعلى الحالتين قد حصل نوع من الشبه، وأما الوجوب فصورة الشبه أنه على ما
يجب له ونحن على ما يجب لنا، قال لأبي يزيد: تقرّب إليّ بما ليس لي الذلة والافتقار، فله
الغنى والعزّة من حيث ذاته واجبة، ولنا الذلّة والافتقار من حيث ذاتنا واجب، هذا هو
الوجوب الذاتيّ. وأما الوجوب بالموجب فإنه أوجب علينا ابتداء أموراً لم نوجبها على
أنفسنا، فيكون قد أوجب علينا بإيجابنا إياها على أنفسنا كالنذر فأوجب على نفسه أن يخلق
الخلق ابتداء أوجبه عليه طلب كمال العلم به وكمال الوجود فهما الذي طلبا منه خلق الخلق
لما كان له الكمال، وما رأى لكماله حكماً لم يكن لكماله تعلّق فطلب فأوجب بطلبه عليه أن
يوجد له صورة يرى نفسه فيها، لأن الشيء لا يرى نفسه في نفسه عند المحققين، وإنما يرى
نفسه في غيره بنفسه، ولذلك أوجد الله المرآة والأجسام الصقيلة لنرى فيها صورنا، فكل أمر
ترى فيه صورتك فتلك مرآة لك، قال النبيّ وَجَّ: ((المُؤْمِنُ مِرْآَةُ أَخِيهِ)). فخلق الخلق فكمل
الوجود به وكمل العلم به، فعاين كمال الحق نفسه في كمال الوجود، فهذا واجب بموجب
فوقع الشبه بالوجوب بالموجب، كما وقع فيما وقع من الأحكام، وحكم الندب والكراهة
يلحقان بالمباح، وإن كان بينهما درجة فالمندوب هو ما يتعلق بفاعله الحمد، ولا يذمّ بترك
ذلك الفعل وشبهه في الجناب الإلهي ما يعطيه من النعم لعباده زائداً على ما تدعوه إليه الحاجة
فيحمد على ذلك، وإن لم يفعله فلا يتعلق به ذم لأن الحاجة لا تطلبه إذ قد استوفت حقّها
فهذا شبه المندوب، وأما شبه المكروه فالله يقول عن نفسه أنه يكره فإنه قال: وأكره مساءته،
وقال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧] والكراهة المشروعة هي ما يحمد تاركها
ولا يذمّ فاعلها فتشبه الندب ولكن في النقيض، فإذا كان للعبد غرض فيما عليه فيه ضرر وهو
أكثر ما في الناس فيسأل نيل ذلك الغرض من الله، فما فعله الله له فيكره العبد ذلك الترك من
الله ويقول: ولعل الله جعل لي في ذلك خيراً من حيث لا أشعر وهو قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١٦] وهو ما لا يوافق الغرض وهو خير لكم، فإن فعله
له لا يذمّه عليه فإنه يعذر من نفسه ويقول: أنا طلبته، فهذا عين الشبه بين العبد والرب من
جهة المكروه، وانحصرت أقسام أحكام الشريعة في الحضرة الإلهية وفي العبد ولهذا يقول
الصوفية: إن العالم خرج على صورة الحق في جميع أحكامه الوجودية فعم التكليف
الحضرتين وتوجه على الصورتين، فإن قلت: فأين الشبه في الجهل ببعض الأشياء وما هناك
جهل؟ قلنا: قد قلنا في ذلك: [السريع]
وهو أنا فإنه يجهلُ
إن قلتُ إني لستُ غيرَ إله
وهوَ أنا فما الذي نفعلُ
لأنني أجهلُ من هُو أنا
همن يقول: إنه الظاهر في المظاهر، والمظاهر على ما هي عليه، والظاهر فيها هو

٥٢٧
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الموصوف بالعلم بأمور وبالجهل بأمور أعطاه ذلك استعداداً لمظهر لما انصبغ به فصحّ الشبه
على هذا بل هو هو، قال الجنيد في هذا: لون الماء لون إنائه. انتهى الجزء الحادي
والسبعون .
(الجزء الثاني والسبعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
حديث ثالث عشر: بقاء الطيب على المحرم بعد إحرامه: خرّج مسلم عن عائشة
قالت: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ بَ ﴿ وَهُوَ مُحْرِمٌ)). زاد النسائي:
(بَعْدَ ثَلاثٍ وَهُوَ مُخْرِمٌ))، يعني بعد ثلاث ليال من إحرامه، الله تعالى تسمّى بالطيب وجعل
سبحانه في أمور ومواطن أن يتقرّب إليه بصفاته التي تسمّى بها، وأن من صفاته الكرم، وجعله
فينا من صفات القرب إليه، وهكذا سائر ما وصف الحق به نفسه، فبقاء الطيب على المحرم
من بقاء صفة الحق عليه، إذ كان جعلها وتخلق بها في وقت يجوز له التخلّق بها، فإن صفات
الحق لا يتخلق بها على الإطلاق، بل عيّن لها أحوالاً ومواطن فافهم ذلك .
حديث رابع عشر في المحرم يدهن بالزيت غير المطيب: خرّج الترمذيّ عن فرقد
السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر؛ ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ وَهُوَ مُخْرِمٌ غَيْر
المفَتَّتِ)). قال أبو عيسى: المفتت المطيب. وفي إسناده مقال من أجل فرقد الزيت مادّة
الأنوار، والمحرم أولى به من كل متلبس بعبادة لكثرة المناسك في الحج، فإن لم يكنِ نوره
قوياً ممدوداً بالنور الإلهيّ الذي أودع الله في الزيت وأمثاله من الأدهان لبقاء النور وإلاَّ يفوته
كثير من إدراك معاني المناسك، فنبّه بالإذهان بالزيت على الإمداد الإلهيّ للنور قال تعالى :
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىُّ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَاٌ نُورُ عَلَى نُورٍّ ﴾ فجعله نوراً ﴿يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَآءُ﴾
[سورة النور: الآية ٣٥] والهداية لا تكون إلاَّ بدليل ولا دليل هنا إلاَّ الزيت ﴿وَمَنْ لََّّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ
نُورًاأَوْ فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٠] فكل ما أبقى عليك وجود النور فذلك النور مجعول
له ومراعاة الأصول من التمكن في العلم والحكمة.
حديث خامس عشر في اختضاب المرأة بالحناء ليلة إحرامها: ذكر الدار قطنيّ عن ابن
عمر أنه كان يقول: ((من السنّة أن تدلك المرأة بشيء من الحناء عشية الإحرام وتغلف رأسها
بغسلة ليس فيها طيب ولا تحرم عطلاً))، العطل الخالية من الزينة في الصحيح: ((إِنَّ الله جَمِيلٌ
يُحِبُّ الجَمَالَ))، و((الحَقُّ أَوْلَى مَنْ تُجُمِّلَ لَهُ))، ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية
٣١] أراد هنا أن يلحقه بليلة القدر بين الليالي، فإن سائر الليالي عطل من زينة ليلة القدر، كذلك
المرأة إذا أحرمت بغير زينة، ولما كانت مأمورة بالستر وفي الإحرام مأمورة بالكشف أراد أن
يبقي لها ضرباً من حكم الستر في زمان إحرامها، فاختضبت بالحناء فسترت بياضها حمرة الحناء
فكانت زينة وستراً، فأباح للمرأة في هذا الحديث التزيّن بزينة الله، وزينة الله أسماؤه، والمرأة في
الاعتبار نفس الإنسان، فمن تخلّق بأسماء الله وصفاته فقد تحلّى بزينة الله التي أخرج لعباده في

٥٢٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
كتابه وعلى ألسنة رسله ولا سيّما في الأشهر الحرم، ولا سيّما شهر ذي الحجة، وأعني بالأشهر
الحرم التي للحاج أن يحرم فيها، والإحرام كله شهرة فإنه لا ستر فيه، وسبب إزالة الستر فيه
والتجرّد إنما هو لكونه جعل محرماً، فمنع من أمور كثيرة كان يفعلها في زمان حلّه فجبره بإزالة
الستر الذي يقتضي التحجير حتى لا يجمع عليه تحجيرين: الستر والإحرام.
حديث سادس عشر: إحرام المرأة في وجهها: ذكر الدارقطني عن ابن عمر أن
النبيِّ بَ﴿ قال: (لَيْسَ عَلَى المَرْأَةِ إِخْرَامٌ إِلاَّ فِي وَجْهِهَا)). رجوع إلى الأصل، فإن الأصل أن لا
حجاب ولا ستر، والأصل ثبوت العين لا وجودها، ولم تزل بهذا النعت موصوفة وبقبولها
سماع الخطاب إذا خوطبت منعوتة فهي مستعدة لقبول نعت الوجود مسارعة لمشاهدة
المعبود، فلما قال لها في حال عدمها ﴿كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] كانت فبانت بنفسها وما
بانت، فوجدت غير محجور عليها في صورة موجدها ذليلة في عزّ مشهدها لا تدري ما
الحجاب ولا تعرفه، فلما بانت المراتب للأعيان وأثرت الطبيعة الشحّ في الحيوان ووفّره في
حقيقة نفس الإنسان لما ركبه الله عليه في نشأته من وفور العقل وتحكيم القوى الروحانية
والحسيّة منه، انجرّت الغيرة المصاحبة للشخّ الطبيعيّ فكان أكثر الحيوان غيرة، لأن سلطان
الشحّ والوهم فيه أقوى ممّا في سواه، والعقل ليس بينه وبين الغيرة مناسبة في الحقيقة، ولهذا
خلقه الله في الإنسان لدفع سلطان الشهوة والهوى الموجبين لحكم الغيرة فيه، فإن الغيرة من
مشاهدة الغير المماثل المزاحم له فيما يروم تحصيله أو هو حاصل له من الأمور التي إذا ظفر
بها واحد لم تكن عند غيره، وقد جبله الله على الحرص والطمع أن يكون كل شيء له وتحت
حكمه لإظهار حكم سلطان الصورة التي خلق عليها، فإن من حقيقتها أن يكون كل شيء
تحت سلطانها، حتى أن بعض الناس أرسل حكم غيرته فيما لا ينبغي أن يرسلها فغار على الله
وما خلق وما كلف إلاَّ أن يغار لله لا على الله، فبهذا بلغ من العبد سلطان استحكامها في
الإنسان فألحقته بالجاهلين، والعقل الكامل يعلم أنه خلق لربه لا لغيره، وعلم بذاته أن من
خلقه لا يمكن أن يزاحمه في أمر ولا يعارضه في حكم فيقول؛ هو هو على ما هو عليه في
نفسه فليس كمثله شيء، وأنا أنا على ما أنا عليه في نفسي ولي أمثال من جنسي فليس له فيما
أنا عليه قدم إلاَّ التحكّم، وليس لي فيما هو عليه إلاَّ قبول الحكم فلا مزاحمة ولا غيرة،
فالإنسان بما هو عاقل إن كان تحت سلطان عقله فلا يغار لأنه ما خلق إلاَّ لله والله لا يغار
عليه، فإذا غار العاقل فإنما يغار من حيث إيمانه فهو يغار لله، ولها موطن مخصوص شرعه له
لا تعدّاه، فكل غيرة تتعدّى ذلك الحدّ فهي خارجة عن حكم العقل منبعثة عن شخّ الطبيعة
وحكم الهوى، حتى أن بعض الناس يرى أموراً قد أباحها الشرع يجد في نفسه أن لو كان له
الحكم فيها لحجرها وحرّمها، فيرجح نظره في مثل هذا على ما أباح الله فعله، ويرى أنه في رأيه
أرجح من الله ميزاناً ومن رسوله - 8# في هذا الذي خطر له، وربما يغتاظ حتى يقول: أيّ شيء
أصنع؟ هذا شيء قد أباحه الله فلنصبر على ذلك فيصبر على كره وحنق في نفسه على ربه فهو في
هدة على دخن، وهذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع الله وهو ممّن أضلّه الله على علم، وقد

٥٢٩
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ظهر مثل هذا في الزمان الأوّل في آحاد الناس، وأمّا اليوم فهو فاش في الناس كلهم، فنحن نعلم
أن الشارع هو الله، وأن الرسول شخص مبلغ عن الله حكمه فيما أراه الله لا ينطق عن هوى نفسه
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية ٤] والله يقول عن نفسه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [سورة مريم:
الآية ٦٤] ودلّ عليه دليل العقل والله أشدّ غيرة من عباده.
وما قرّر من الشرائع إلاَّ ما تقع به المصلحة في العالم فلا يزاد فيها ولا ينقص منها،
ومهما زاد فيها أو نقص منها أو لم يعمل بما قرّره فقد اختل نظام المصلحة المقصود لله فيما
نزله من الشرائع وقرّره من الأحكام، فأباح الله لإمائه إتيان المساجد، فرأى بعض الناس أن
النبيّ ◌َّ و لو رأى ما أحدث النساء بعده لمنع النساء المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل،
فرأوا أن الله لم يعلم أن مثل هذا يقع من عباده، إذ كان هو المشرّع سبحانه لا غيره، فرجحوا
نظرهم على حكم الله، حتى أن بعضهم كان يغار على امرأته أن تخرج إلى المسجد، وكان
قوياً في استعمال إيمانه، وكانت المرأة تحب إتيان المسجد للصلاة، وكانت ذات جمال
فائق، ويمنعه الخبر الوارد في تحريم منع النساء من إتيان المساجد فيجد في ذلك شدّة، فلو
قدرت أن يردّ الله الحكم لهذا الشخص في هذه المسألة لرجح نظره على حكم الله ومنع النساء
المساجد والجائز كالواقع، فما زال يحتال عليها حتى امنعت من نفسها من إتيان المسجد فسرّ
بذلك، فلو استحكم في هذا الرجل سلطان العقل ما غار، ولو استحكم فيه سلطان الإيمان ما
وجد حرجاً في قلبه فصبر عليه ممّا حكم الله به في ذلك، قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىَ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦٥] وإنما ضربنا المثل في هذا المساق بتعيين هذا الخبر في النساء
لأنا في مسألة المرأة أنها لا تستر وجهها في الإحرام والغيرة يعطي حكمها الستر.
وقد ثبت في الصحيح أنه لا أغير من الله، يقول رسول الله ربَّ﴾ في سعد: ((إِنَّ سَغداً
لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ غِيرَتِهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ))، وما زاد على غيرة
الله فهو في نفسه وعند نفسه أغير من الله، وإن ذلك الأمر الذي هو عند الله ليس بفاحشة، إذ
لو كان عند الله فاحشة لحرّمها، فإن الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فعم الحكم،
فهذا شخص قد جعل فاحشة ما ليس عند الله فاحشة، وأكذب الله فيما قال وجعل بغيرته التي
يجدها أنه أحكم من الله في نصب هذا الحكم، فلا يزال من هو بهذه المثابة معذباً في نفسه،
فما أحسن قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ نَسْلِيمًا﴾ فلو عرض
الإنسان نفسه وأدخلها في هذا الميزان لرأى نفسه كافرة بعيدة من الإيمان، فإن الله نفى الإيمان
عمّن هذه صفته، وأقسم بنفسه عليه أنه ليس بمؤمن، فهو حكم إلهيّ بقسم تأكيداً له فقال:
﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان الستر لها أصلاً لما قيل لها في الإحرام: لا تستري وجهك،
ألا ترى آية الحجاب ما نزلت ابتداء وإنما نزلت باستدعاء بعض المخلوقين هي وغيرها، وكثير
من أحكام الشرع نزلت بأسباب كونية، لولا تلك الأسباب ما أنزل الله فيها ما أنزل، ولذلك
يفرّق أهل الله بين الحكم الإلهيّ ابتداء وبين الحكم الإلهيّ إذا كان مطلوباً لبعض عباد الله،
الفتوحات المكية ج٢ - ٣٤٣

٥٣٠
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
فيكون ذلك الطلب سبباً لنزول ذلك الحكم فكأن الحق مكلف فى تنزيله، إذ لولا هذا ما أنزله
بخلاف ما أنزله ابتداء، فالمحقق يأخذ الحكم الإلهيّ المنزل ابتداء بغير الوجه الذي يأخذ به
الحكم الإلهيّ الذي لم ينزل ابتداء .
فلا يغرّنك أيها السائل كون الحق أنزل الأشياء بحكم سؤالات السائلين فبادر إلى قبول
حكمه أيّ نوع كان مشروح الصدر طيب النفس إن أردت أن تكون مؤمناً. وأمّا العاقل الوافر
العقل فمستريح مع الله والحكم الإلهيّ مستريح معه، لقد كان وَلّ يقول: ((اتْرُكُونِي مَا
تَرَكْتُكُمْ)) حتى قال في وجوب الحج كل عام: (لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَكِنَّهَا حِجَّةٌ وَاحِدَةٌ))،
فكره المسائل وعابها، فالله يفهمنا وإياك مقاصد الشرع، فلا يحجبنا ما ظهر منها ممّا بطن،
وعبادة الحج شبيهة بالناس في أحوالهم يوم القيامة شعثاً غبراً متضرّعين مهطعين إلى الداعي
تاركين للزينة يرمون بالأحجار شغل المجانين لأنهم في عبادة لو علموا ما فيها لذهلت عقولهم
فكانوا كالمجانين يرمون بالحجارة، فجعله الله تنبيهاً لهم في رمي الجمار أن المشهد عظيم
يذهب بالعقول عن أماكنها، وما ثم عبادة هي تعبد محض في أكثر أفعالها إلاَّ الحج.
وكذلك النساء في الدار الآخرة في القيامة مكشفات الوجوه كما هنّ في حال الإحرام،
ولولا تعلق الأغراض النفسية في إنزال الحجاب ما نزلت آية الحجاب، فإن الله ما أخّرها لهذا
السبب هي وغيرها من الأحكام الموقوفة على مثل هذا إلاَّ ذخيرة لحساب هذا الشخص الذي
كان سبباً في تكليف الناس بها، فيتمنى يوم القيامة أنه لايكون سبباً في ذلك لما يشدّد عليه
والناس عن هذا غافلون، وكذلك أهل الاجتهاد يوم القيامة وهم رجلان: الواحد يغلب الحرمة،
والثاني يغلب رفع الحرج عن هذه الأمة استمساكاً بالآية ورجوعاً إلى الأصل، فهو عند الله أقرب
إلى الله وأعظم منزلة من الذي يغلب الحرمة، إذ الحرمة أمر عارض عرض للأصل ورافع الحرج
مع الأصل وإليه يعود حال الناس في الجنان، يتبوّؤن من الجنة حيث يشاؤون، وما أغفل أهل
الأهواء وإن كانوا مؤمنين عن هذه المسألة وسيندمون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الوجود دار واحدة، ورب الدار واحد، والخلق عيال الله يعمّهم هذا الدار، فأين
الحجاب؟ أغير الله يرى؟ أغير الله يرى؟ أينحجب الشيء عن حقيقته؟ جزء الكل من عينه،
خلقت حوّاء من آدم، النساء شقائق الرجال، هذه أدوية من استعملها في مرض الغيرة أزالت
مرضه، ولم تبق فيه إلاَّ غيرة الإيمان، فإنها غيرة لا تزول في الحياة الدنيا في الموضع الذي
حكمها فيه نافذ، فإياك يا أخي وهوس الطبيعة، فإن العبد فيه ممكور به من حيث لا يشعر،
وما أسرع الفضيحة إليه عند الله، قال ربَّهِ: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذَهُ مِنْكُمْ)). فمن
غار الغيرة الإيمانية في زعمه فحكمه أن لا يظهر منه ولا يقوم به ذلك الأمر الذي غار عليه
حين رآه في غيره، فإن قام به فما تلك غيرة الإيمان بل تلك غيرة الطبيعة وشخّها ما وقاه الله
منه فليس بمفلح في غيرته، وما أكثر وقوع هذا، وكم قاسينا في هذا الباب من المحجوبين
حين غلبت أهواؤهم على عقولهم، فأنا آخذ بحجزهم عن النار وهم يتقحمون فيها: [الرمل]
هو فردٌ أحديٍّ مصطفَى
مُرْسِلُ الغَيْرة في موطنها

٥٣١
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
فهو دارّ رِسْمُه منه عفَا
والذي يرسلها مطلقةً
والذي قد شَرّع الله شفَا
مرضُ الغَيْرة داءٌ مزمنٌ
حاد عنه لم يزل منْحَرفَا
فمن استعمله بل ومن
وهو موصوفٌ به معْتَرِفَا
فأقلُّ الأمر فيه أن يُرَى
دعا بعض أصحاب النبيّ وَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقال له النبيّ وَل:
((أَنَا وَهْذِهِ وَأَشَارَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لاَ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَّهَ إِلَى أَنْ أَنْعَمَ لَهُ فِيهَا
أَنْ تَأْتِيَ مَعَهُ فَأَقْبَلاَ يَتَدَافَعَانِ إِلَى مَنْزِلِ ذُلِكَ الرَّجُلِ النَِّيُّ نَّهِ وَعَائِشَةُ)، والله تعالى يقول: ﴿لَّقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] أين إيمانك لو رأيت اليوم صاحب
منصب من قاض أو خطيب أو وزير أو سلطان يفعل مثل هذا تأسياً؟ هل كنت تنسبه إلا إلى
سفساف الأخلاق، ولو لم تكن هذه الصفة من مكارم الأخلاق ما فعلها رسول الله وَ# الذي
بعث ليتمم مكارم الأخلاق .
رأى رسول الله وَل# وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر الحسن والحسين وقد أقبلا
يعثران في أذيالهما فلم يتمالك أن نزل من المنبر وأخذهما وجاء بهما حتى صعد المنبر وعاد
إلى خطبته، أترى ذلك من نقص حاله؟ لا والله بل من كمال معرفته، فإنه رأى بأيّ عين نظر
ولمن نظر ممّا غاب عنه العمى الذين لا يبصرون، وهم الذين يقولون في مثل هذه الأفعال أما
كان له شغل بالله عن مثل هذا وهو ◌َ﴿ والله ما اشتغل إلاّ بالله كما قالت من لم تعرف فيا ليتها
سلمت حين سمعت القارئ يقرأ: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٥٥]
مساكين أهل الجنة في شغل هم وأزواجهم، يا مسكينة ذكر الشغل تعالى عن هؤلاء وما عرّفك
بمن ولا بمن تفكهوا هم وأزواجهم، فيما ذا حكمت عليهم أنهم شغلوا عن الله، لو اشتغلت
هذه القائلة بالله ما قالت هذه المقالة لأنها لا تنسب إليهم شغلهم بغير الله حتى تتصوّر في
نفسها هذه الحالة التي تخيلتها فيهم، وإذا تصوّرتها لم يكن مشهودها في ذلك الوقت إلاَّ تلك
الصورة، فهي المسكينة لما تحققنا من كلامها أن وقتها ذلك كان شغلاً عن الله، وأصحاب
الجنة في باب الإمكان، وهي قد شهدت على نفسها شهود تحقيق أنها مع غير الله في شغل،
وهذا من مكر الله الخفيّ بالعارفين في تجريح الغير ببادىء الرأي والتعريض في حق نفوسهم
أنهم منزهون عن ذلك، هكذا صاحب الغيرة المطلقة لا يزال في عذابها مقيماً متعوب الخاطر
وهو عند الله في عين البعد من حيث لا يشعر.
حديث سابع عشر: في بقاء الطيب على المحرمة: ذكر أبو داود من حديث عمر بن
سويد قال: ((حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ إِلَى مَكَّةَ فَتُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالمِسْكِ المُطَّيَّبِ عِنْدَ الإِخْرَامِ فَإِذَا عَرَقَتْ إِحْدَانَا سَالَ
عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ نَّهِ فَلاَ يَنْهَانَا))، تسمّى الله بالطيب، وحبّب إلىَ نبيه وَّ الطيب، وإنما
منع المحرم من إحداثه في أثناء أفعال الحج إلى وقت طواف الإفاضة، فإنه يستعمله للإحلال
قبل أن يحل، كما استعمله للإحرام قبل أن يحرم، فأشبه النية في العمل لأن الإحرام عمل

٥٣٢
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
مشروع والإحلال منه عمل مشروع، فصار في منزلة من لا يقبل العمل إلاَّ به، فهي مرتبة
عظمى، وهو أقوى من النية في الصحبة للمكلف، فإنّ المكلف يذهل عن النية في أثناء
الفعل، فيقدح ذلك في صورة الفعل لا في ذات الفعل، فيخرج الفعل ممّا يكمله حضور النية
والطيب لذاته يبقى لا كلفة فيه، فالأجر له من جهته ما دام موجوداً فيه فهو أقوى سلطاناً من
النية، ولا يستعمل الطيب إلاَّ لرائحته، فهو من مدارك الأنفاس الرحمانية، فيقع الكربات
ويرفع الهموم ويزيل الضيق والحرج ويؤدّي إلى السعة والسراح والجولان في المعارف
الإلهية، لأن الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً، فالطيب محبوب لذاته فأشبه الكمال وهو في المرأة
سبب موجب للنظر إليها، وما منعها الشارع من ذلك في حال إحرامها مع كشف وجهها،
وهذا نقيض الغيرة التي في العامة التي ما خوطبنا بها، فعليك بالغيرة الإيمانية الشرعية لا تزد
عليها فتشقى في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فلا تزال متعوب النفس. وأما في الآخرة بما
يؤدي إلى سؤال الحق عن ذلك بما ينجرّ معها من سوء الظنّ ومن الاعتراض بالحال على الله
وحصول الكراهة في النفس بما أباحه الله .
حديث ثامن عشر: في المسارعة إلى البيان عند الحاجة واحتزام المحرم: ذكر أبو داود
عن صالح بن حسان: ((أنّ النَّبِيَّ وََّ رَأَىْ رَجُلاً مُخْرِماً مُخْتَزِماً بِحَبْلٍ أَبْرَقَ فَقَالَ يَا صَاحِبَ
الْحَبْلِ أَلْقِهِ)). فيحتجون بمثل هذا الحديث أن المحرم لا يحتزم والنّبيّ وَّر ما قال فيه ألقه
لأنكَ محرم فما علّل للإلقاء بشيء، فيحتمل أن يكون لكونه محرماً، ويحتمل أن يكون الأمر
آخر وهو أن يكون ذلك الحبل إما مغصوباً عنده وإما للتشبّه بالزنار الذي جعل علامة
للنصارى .
اعلم أن الاحتزام مأخوذ من الحزم وهو الاحتياط في الأخذ بالأمور التي يكون في
الأخذ بها حصول السعادة للإنسان ومرضاة الرب إذا كان الحزم على الوجه المشروع في
الوجه المشروع والحبل إذا كان حبل الله وهو السبب الموصل إلى إدراك السعادة، فإن كان
ذلك المحتزم احتزم بحبل الله معلماً بأخذ الشدائد والأمور المهمة وقال له ألقه فإنما ذلك مثل
قوله: من يشاذّ هذا الدين يغلبه. وقوله: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، وكان كثراً ما
يأمر وَلَّ بالرفق وقال: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ)) والحزم ضدّ الرفق، فإن الحزم سوء
الظن وقد نهينا عن سوء الظن والأمر أيسر ممّا يتخيله الحازم وهو يناقض المعرفة فإنه لا يؤثر
في القدر الكائن، والأمر الشديد على الواحد إذا انقسم على الجماعة هان، قال بعضهم:
[الوافر]
رقابُ الخلق خفَّ على الرقابِ
إذا الحملُ الثقيلُ تقسَّمَتْهُ
ألا ترى الله تعالى يقول: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٣] وقال
في الواحد: ﴿وَمَنْ يَعْنَصِمِ بِاللّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠١] وقال: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَىَ﴾
[سورة المائدة: الآية ٢] فيعتصم به الواحد والجماعة. ولما ذكر الحبل أمر الجماعة بالاعتصام به
حتى يهون عليهم، ثم إنه مع كونهم جماعة قد يشق عليهم لشدته وقد تضعف الجماعة عنه

٥٣٣
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
فأعانهم بنفسه وما ذكر من نفسه إلاَّ ما يعلم أنه الموصوف بالقدرة منه فقال رسول الله وَله :
(يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ))، فيستعينون به ويعينهم بكون يد الله معهم على الاعتصام بحبل الله وهو
عهده ودينه المشروع فينا، الذي لا يتمكن لكل واحد منا على الانفراد الوفاء به، فيحصل
بالمجموع لاختلاف أحوال المخاطبين ولا يكون إلاَّ هكذا، فلهذا اعتبره وَ ل تنبيهاً له فقال
له: ألقه هذا اعتباره الذي يحتاج إليه ولا سيما المحرم فإنه محجور عليه فزاد بالحبل احتجاراً
على احتجار فكأنه قال له: يكفيك ما أنت عليه من الاحتجار فلا تزد، فما كان أرفقه
بأمته وَلّ، وإنما رخّص رسول الله وَّل في الهميان للمحرم لأن نفقته فيه الذي أمره الله أن
يتزود بها إذا أراد الحج فقال: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٧]
فالتقوى ههنا ما يتخذه الحاج من الزاد ليقي به وجهه من السؤال ويتفرغ لعبادة ربّه، وليس هذا
هو التقوى المعروف ولهذا ألحقه بقوله عقيب ذلك ﴿وَأَتَّقُونِ يَكَأُوْلِىِ الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٩٧] فيه وهو أن لا يكون إلاَّ من وجه طيب.
ولما كان الهميان محلاً له وظرفاً ووعاء وهو مأمور به في الاستصحاب رخّص له في
الاحتزام به، فإنه من الحزم أن تكون نفقة الرجل صحبته، فإن ذلك أبعد من الآفات التي
يمكن أن تطرأ عليه فتتلفه. ذكر أبو أحمد بن عدي الجرجانيّ من حديث ابن عباس قال:
((رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ فِي الهميان لِلْمُخْرِم))، وإن كان هذا الحديث لا يصحّ عند أهل
الحديث وهو صحيح عند أهل الكشف.
حديث تاسع عشر: في الإحرام من المسجد الأقصى: خرّج أبو داود من حديث أم
سلمة أنها سمعت رسول الله بَّهُ يقول: ((مَنْ أَهَلَّ بِحِجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَىْ إِلَى
المَسْجِدِ الحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأْخَّرَ وَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ)) في إسناده مقال.
المناسبة: المسجد يناقض الرفعة فهو بعيد منها وهو سبب في حصولها، قال عليه
السلام: ((مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ)). والأقصى البعيد والحرام المحجور فهو بعد في قرب لمن
هو فيه، فالأقصى بالنسبة إلى المسجد هو بعيد ممّا خوطب به ممّن هو في المسجد الحرام
وهم أهل مكة، وما هو أقصى من أهله بل هو الأقرب، وهو أيضاً قصي من الأولية لأن البيت
الذي هو الكعبة قد حاز الأولية وبين الأقصى وبينه أربعون سنة وهو حدّ زمان التيه لقوم موسى
عن دخول المسجد الأقصى لما كان في عين القرب وهو مرتبة الأوّلية التي للمسجد الحرام،
فأبوا نصرة نبيه موسى وقالوا له ﴿ فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [سورة المائدة:
الآية ٢٤] فقال لهم: إني تارككم تائهين في هذه القعدة أربعين سنة لا تستطيعون دخول بيت
المقدس، كما لم يكن ظهوره للعبادة بعد المسجد الحرام إلاّ بعد أربعين سنة، وما بقي معهم
موسى عليه السلام في التيه إلا لكونه رسولاً إليهم، فبقوا حيارى لا هم في عين القرب من
الأولية ولا حصل لهم غرضهم في دخول بيت المقدس، وما أخذهم الله إلاَّ بظاهر قولهم:
﴿إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ فاحذر أن تكون من قوم موسى الذين صفتهم هذا، بل كن من قوم
موسى الذين هم أمة يقضون بالحق وبه يعدلون، كذلك مقام النبوّة من مقام الولادة بينهما من

٥٣٤
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
التوقيت الزمانيّ أربعون سنة، فما بعث نبيّ إلاَّ من أربعين سنة فإنه غاية استحكام العقل وقوّة
سلطانه وابتداء ضعف الطبيعة، ثم يمشي بحكمه فيما بقي من عمره في وفور من عقله ونقص
من طبيعته، فمن أحرم من المقام الأبعد يطلب المقام الأقرب، وكلاهما معبد كان المحره
برزخاً بينهما، وكان المعبدان طرفيه فما لم يصل إليه هو ما تأخر فأوصاه أيضاً مع تقوى الزاد
بالتقوى من ذنبه، وما تقدّم عنه هو ما تقدّم من ذنبه، فيغفر له ما بين المسجدين، والغفر الستر
فوجبت له الجنة لأنها ستر عن النار لمن دخل فيها وذاته ستر على نار شهواته فباطن الجنة نار
محرقة، لأن الشهوة من الإنسان متحكمة فيها وهي نار طبيعته بلا شك، فما زال العبد السعيد
مكتنفاً بالستر في التقدّم أن لا تصيبه عقوبة الذنب، وفي التأخر اكتنف بستر الحفظ، والعصمة
أن لا يصيبه الذنب فهو ممّن وجبت له الجنة إذا كان هذا حكمه فهو مستور في كنف الله فهو
في الجنة وإن كان في الدنيا .
حديث عشرون: في التنعيم أنه ميقات أهل مكة: من مراسيل أبي داود عن ابن عباس
قال: ((وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ لأَهْلِ مَكَّةَ التَّتْعِيمَ))، كيف لا يكون ميقاتهم التنعيم وهم جيران الله
وأهل بيته؟ وهم أقرب الخلق إلى أولية المعابد، فيتجلى لهم الحق في اسمه الأول، ولا
يحصل هذا التجلّي إلاَّ لأهل الحرم، وفيه يتفاضلون بحكم الأهلية فإنهم بين عصبة وأصحاب
سهام، ولا يحصل هذا التجلّ لغيرهم ممّن جاور غيره من البيوت المضافة إلى الله، وكل من
كان فيه وفارقه فإنما حكمه حكم المسافر وإليه ينسب لا إلى غيره، كهجرة النبيّ وَّر ومن
هاجر منه إلى المدينة قبل الفتح، فأثبت لهم جوار الله لما وجدوا اسم المهاجرين، وإنما وقع
هذا الاسم لأمور عرضية والبيت لله على أصله من الحرمة والتحريم عند الفريقين، فأهل مكة
بحكم الأصل مكتون جيران الله في حرمه، وهم عرب لهم حفظ الجار ومراعاة الجوار والحق
يعامل عباده بما تواطؤوا عليه في أخلاقهم إليهم يحج الخلق من كل جانب: [الطويل]
وما حجّ إلاَّ من له الفعلُ والأمرُ
يقولون حجَّ العبدُ والعبد لم يحج
فمنه العطاءُ الجزْلُ والنائِلُ الغَمْرُ
وما ثَمَّ إلاَّ الله ما ثَمَّ غيرُه
وإذا كان المكيّ في غير مكة لا يزول عنه اسم الأهلية، كما أن الآفاقىّ إذا كان بمكة لا
يزول عنه اسم الجار، كما أنا وإن حزنا بخلقنا الصورة الربانية فنحن بحكم الأصل عبيد
عبودية لا حرية فيها فما نحن سادة ولا أرباب، فمراعاة الأصول هي المرجوع إليها ﴿وَإِلَيْهِ
يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] فهو الأصل فافهم هذه الآية فهم حفيّ بها خابر، ولا
أثر لما يقدح في الأصل من العوارض فإن ذلك ليس قادحاً في نفس الأمر.
حديث حادي وعشرون: في تغيير ثوبي الإحرام: ذكر أبو داود عن عكرمة: ((أَنَّ
النَّبِيَّ وَِّ غَيَّرَ ثَوْبَيْهِ بِالتَّنْعِيمِ وَهُوَ مُخْرِمٌ)) هذا من المراسيل اعتباره تغيير حال الشدّة بالرخاء،
وذلك من كان حاله البلاء الذي يوجب للمؤمن الصبر عليه والرضى به لكونه من عند الله
تعالى فتجده عند هذا البلاء شاكراً فقد عامل البلاء بما لا يستحقه .

٥٣٥
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وهذه مسألة أغفلها أيضاً أصحابنا وغلطوا في تحقيقها والعبارة عنها، واحتجوا في ذلك
بما قاله أبو يزيد البسطامي الأكبر وهو : [الوافر]
ولكني أريدك للعقاب
أريدكَ لا أريدكَ للثّوَابِ
سوى مَلْذُوذِ وجدي بالعذابِ
وكل مآربي قد نِلْتُ منها
فاعلم أن البلاء المحقق إنما هو قيام الألم ووجوده في نفس المتألم، ما هو السبب
المربوط به عادة كوجود الضرب بالسوط والحرق بالنار والجرح بالحديد، وما أشبه ذلك من
الآثار الحسية ممّا يكون عنها الآلام الحسيّة، وكذلك ضياع المال والمصيبة في الأهل والولد،
والتوعّد بالوعيد الشديد، وجميع الأسباب الخارجة عنه الموجبة للآلام النفسية عادة إذا
حصلت بهذا الشخص وهي ثوبا الإحرام، فإن الإحرام يحول بينه وبين الترفّه والتنعم، فمثل
هذه الأمور في العادة يوجب الآلام فيتعين شرعاً على المبتلى بها الصبر والرضى والتسليم
لجريان الأقدار عليه بذلك، فتسمى هذه الأسباب عذاباً وليست في الحقيقة عذاباً، وإنما
العذاب هو وجود الألم عند هذه الأسباب لا عين الأسباب، وكذلك اللذة التي هي نقيض
الألم هي صفة للملتذ يوصف بها وهو النعيم والتنعم، وله أسباب ظاهرة وهي نيل أغراضه
كانت ما كانت فإنه يتنعم بوجودها إذا حصلت فهو صاحب تنعم في مقام تنعيم، فعبد على
مثل هذا بالشكر لا بالصبر وسمّي أسباب وجود اللذة في الملتذ نعيماً، وليس النعيم في
الحقيقة إلاَّ اللذة الموجودة في النفس وهي أيضاً لذات حسية ونفسية، وأسباب كأسباب الآلام
خارجة وقائمة بحسّه، فأما صاحب أسباب الآلام إذا وجد اللذّة والالتذاذ في نفسه مع قيام
هذه الأسباب الموجبة للآلام عادة لم يجب عليه الصبر فإنه ليس بصاحب ألم وإنما هو
صاحب لذّة متقلب في نعم من الله فيجب عليه الشكر للتنعّم القائم به، وبالعكس في حصول
أسباب النعم يجد عندها الألم فيجب عليه الصبر، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما
أصابني الله بمصيبة فأثبت أنه مصاب بها أي نزلت به مصيبة أي سبب موجب للألم عادة
فقال: إلا رأيت أن اللّه عليّ في تلك المصيبة ثلاث نعم: النعمة الواحدة حيث لم تكن في
ديني. النعمة الثانية حيث لم تكن أكثر منها. النعمة الثالثة ما وعد الله من الثواب عليها. فأنا
أنظر إليه فمثل هذا ما يسمّى صابراً فإنه صاحب نعم متعددة فهو ملتذّ بمشهوده، فيجب عليه
شكر المنعم وبالعكس وهو وجود أسباب اللذة، فينعم الله عليه بمال وعافية ووجود ولد أو
ولاية جديدة يكون له فيها رياسة وأمر ونهي، وهذه كلها أسباب تلتذّ النفوس بها .
وإذا كانت مطعومات شهية وملبوسات لينة فاخرة ومشمومات عطرة فهو صاحب لذة
حسيّة، فيفكر صاحب هذه الأسباب بما للحق عليه فيها من الحقوق من شكر المنعم
والتكليف الإلهي في ذلك وما يتعين عليه في المال والولد والولاية من التصرّف في ذلك كله
على الوجه المشروع المقرّب إلى الله وإقامة الوزن في ذلك كله، فعندما يخطر له هذا وهو
الواجب عليه من الله أن ينظر في ذلك أعقبت هذه الأسباب الملذة في العادة هذا الفكر
الموجب للألم فقام الألم به فهو صاحب بلاء لأنه صاحب ألم عن ظهور أسباب نعيم، فيجب

٥٣٦
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
عليه الصبر على ذلك الألم، ويسعى في أداء ما يجب عليه من الحق في ذلك أو يزهد فيه إن
أفرط فيه الألم، فما وقع الصبر إلاّ في موضعه مع وجود أسباب ضدّه، ولا وقع الشكر إلاَّ في
موضعه مع وجود أسباب ضده ولذا قال أبو يزيد : * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب . فما
أراد بالعذاب هنا وجود الألم، فإن الألم بالشيء مضادّ للتلذّذ به فلا يجتمعان في محل واحد
أبداً، وهو طلب اللذة عند وجود سبب الآلام، وهو خرق عادة كنار إبراهيم عليه السلام هي
في الظاهر نار، ولكن ما أثرت إحراقاً في جسم إبراهيم ولا وجداً لما لها بل كانت عليه برداً
وسلاماً، فتعين الشكر عليه لأنه ما ثم ألم يجب الصبر عليه، فالصبر أبداً لا يكون إلاَّ مع
البلاء، والبلاء وجود الألم، والشكرِ أبداً لا يكون إلاَّ مع النعماء والنعيم بوجود اللذة في
المحل، فما يقع الشكر من العبد إلاَّ على مسمى النعمة، ولا يقع الصبر من العبد إلاَّ على
مسمى الألم وهو البلاء، ألا ترى النبيّ وَّ ما غيّر ثوبي إحرامه إلاّ بمكان يسمّى التنعيم، ينبّه
بذلك أصحابه ومن يأتي بعده من إخوانه أنكم إذا نالتكم مشقة الإحرام في الحج وما يتضمنه
من الأسباب المؤلمة المؤذية فانظر فيما لله في طيّها من النعم التي لا تحصى، فيعقبكم رؤية
ذلك تنعيماً والتذاذاً بما أنتم بسبيله لأنه سبب موجب لنيل تلك المشاهد الكرام والنعم الجسام
فتهون عليكم صعوبة طريقكم فتكونون من الشاكرين، فتجازوا يوم القيامة جزاء الصديقين
الصابرين وجزاء الصديقين الشاكرين، وكذلك في أسباب النعم إذا رأيتموها بلاء واختباراً
وأدّيتم حقوقها فإن لكم الجزاءين: جزاء الشاكر وجزاء الصابر، فهذا معنى تغيير النبيّ وَِّل
ثوبيه بالتنعيم وهو محرم، فإن شاء قال: الحمد لله المنعم المفضل، وإن شاء قال: الحمد لله
على كل حال لوجود الحالين عنده فاعلم ذلك، ألا ترى تلبيته وَ لو: لبيك إن الحمد فعم
الحالتين ثم قال: والنعمة لك وما قال: والبلاء منك مع ظاهر الحال من المشقة والتحجير،
وأعظمها امتناعه ممّا حبّب إليه وهو التمتع بالنساء .
حديث ثان وعشرون: لا حج لمن لم يتكلم: ذكر ابن الأعرابيّ عن زينب بنت جابر
الأَحمسية: ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ قَالَ لَهَا فِي امْرَأَةٍ حَجَّتْ مَعَهَا مصمتة قُولِي لَهَا تَتَكَلَّمُ فَإِنَّهُ لاَ حَجَّ لِمَنْ
لَمْ يَتَكَلَّمْ)). يروي هذا الحديث متصلاً إلى زينب ذكره ابن حزم في كتاب المحلى، قال
تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩] وهو كلام وهو صفة إلهية وأنت في عبادة
مشروعة، فينبغي بل يجب الكلام فيها بذكر ورد الحديث أن المناسك في الحج إنما وضعت
لإقامة ذكر الله، وعن الكلام صدرنا وهو قوله: كن فكنا، فالصمت حالة عدمية والكلام حالة
وجودية، فالكلام له الأثر وبه سمّي كلاماً لأنه من الكلم وهو الجرح والجرح أثر في البدن
والإنسان موجود فلا ينبغي أن يتصف إلاَّ بصفة وجودية وهو الكلام لا يوصف عدميّ وهو
الصمت فإن حقيقة الإنسان النطق، فإذا صمت كذب على نفسه بالحال على أن الله قد جعل
للصمت موطناً وهو صمت إضافيّ وهو ترك الكلام فيما لا يعني أو فيما يكون عليك لا لك.
حديث ثالث وعشرون: في رفع الصوت بالتلبية وهو الإهلال في الحج: ذكر النسائي
عن السائب بن خلاد عن رسول الله وَّ قال: ((جَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُزْ

٥٣٧
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
أَصْحَابَكَ أَنْ يَرْفَعُوا أَضواتَهُمْ بِالتّلْبِيَةِ)). قد ثبت بالدليل العقليّ والسمعي ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٧٥] وأنه ﴿سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سورة سبأ: الآية ٥٠] وقد جاء الشرع بذلك
فاستوى المؤمن والعالم، فلم يبق لرفع الصوت بالتلبية لجناب الحق مدخل، غير أنه تعالى
أخبر أنه يباهي بالحاج ملائكته، فإذا رفعوا أصواتهم وضجّوا بالتلبية شعثاً غبراً مهطعين إلى الله
تعالى فإنه الداعي لهم كان أعظم عند الملائكة في المباهاة المرادة للحق في ذلك، ثم إنه من
الأرواح المفارقة لحالة الدنيا بالموت ممّن دعانا إلى الحق بعمل الحج كما روي عن إبر هيم
الخليل عليه السلام أنه لما بنى البيت أمره ربه تعالى أن يصعد عليه وأن يؤذن في الناس بالحج
فقال: يا رب وما عسى يبلغ صوتي؟ فأوحى إليه: عليك بالنداء وعليّ البلاغ، فنادى إبراهيم
عليه السلام: يا أيها الناس إن لله بيتاً فحجّوه، قال: فأسمع الله ذلك النداء عباده. فمنهم من
أجاب، ومنهم من لم يجب. وكانت إجابتهم مثل قولهم بلى حين أشهدهم على أنفسهم:
ألست بربكم؟ فأجابوه إجابة يسمعها من كان الحق سمعه منهم من سارع إلى إجابة الحق وهم
الذين يسارعون في الخيرات والقائلين بأن الحج على الفور للمستطيع. ومنهم من تلكأ في
الإجابة فلم يسرع إلاّ بعد حين منهم الذين يقولون: الحج مع الاستطاعة على التراخي، فمن
هناك قضوا في هذا الوقت بما قضوا به من ذلك وهم لا يشعرون، لأن الله تعالى ما أطلعهم
على هذا المشهد لما أخرجهم إلى الحياة الدنيا ﴿وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٧]
ثم إن الذين أجابوه منهم من كرّر الإجابة، ومنهم من لم يكرّر، فمن لم يكرّر لم يحج إلاَّ
واحدة، ومن كرّر حج على قدر ما كرّر وله أجر فريضة في كل حجة، وقد نبّه الشارع على
ذلك بتكرار التلبية في الحج فقال: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد
والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك إله الحق، فأتى بخمس للتأذين بالحج تشبيهاً بالنداء
للصلوات الخمس، فيجيب لكل أذان لأنه كانت قرّة عينه في الصلاة.
وممّا يؤيد ما ذهبنا إليه أن الإهلال بالحج ما شرع إلاَّ أثر صلاة لا بدّ منها، ولقد رأيت
رجلاً بمكة من أهلها يزيد على الثلاثين سنة عمره ما حج قط ولا اعتمر ولا طاف بالبيت،
فكانت أوّل عمرة اعتمرها معي وكنت أعلمته كيف يصنع فيها، وأخبرت عن رجل بجدة على
ليلة من مكة يكون عمرة بضعاً وثمانين سنة مما حجّ قط. وأخبرت عن رجل من أهل مصر
من أهل الثروة ما حدث نفسه بالحج قط فقبض عليه عن أمر صاحب مكة لنازلة وقعت تخيّل
فيه أنه صاحب النازلة فجاؤوا به إلى صاحب مكة وهو مقيد بالحديد ليقتله فوافق يوم الوقوف
بعرفة فلما أبصره الواشي قال: أيها الأمير ما هو هذا فخلى سبيله واعتذر إليه فاغتسل وأهل
بالحج فهكذا هي العناية .
وأما من لم يجب ذلك النداء الإبراهيميّ فهم الذين لم يضرب الله لهم بسهم في الحج
مع كونهم سمعوا، ومن أصمه الله عن ذلك النداء فهو الذي لا يؤمن بالحج، وأمّا الذين يحج
عنهم إذا لم يحجوا فالذي يحج عنهم له الحج كاملاً بثوابه وللمحجوج عنه ثواب الحج لا
الحج فيحشر في الحاج وليس بحاج هذا أعطاه الكشف، فلهذا قد ذكرنا أن رفع الصوت

٥٣٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
بالتلبية إنما كان للمباهاة، وأما المعنى الآخر في حكم الأسماء الإلهية فإنه من أسمائه البعيد
وهو التائه الوارد في القرآن حيث وقع، فلا ينادي إلاَّ الاسم البعيد من الحالة التي ينادي فيها
العبد ليجيب نداء الحق إلى الحالة التي يدعوه إليها، والبعد يطلب رفع الصوت بالتلبية لإظهار
قوّة سلطان الاسم البعيد بأن له التأثير فيما بعد كتأثير القريب، إذ لا مفاضلة في الأسماء
الإلهية كما قررناه غير مرّة فاعلم ذلك. انتهى الجزء الثاني والسبعون.
(الجزء الثالث والسبعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَميدِ
حديث رابع وعشرون: في ذكر الله قبل الإهلال بالحج: خرّج البخاري عن أنس: ((أَنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ لَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى البَيْدَاءِ حَمْدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٌّ وَعُمْرَةٍ حَمْداً
لِلَّهِ))، ولم يذكر صورة التحميد، فليحمل على الثناء على الله بما يقتضيه حال النبيّ وَّ في ذلك
الموطن، فإنه فيه بين ما يسره بين ما حجر عليه فعله ممّا كانت له في إباحته إرادة، فمن حيث ما
هو صاحب سر آي من إجابة الخلق دعوة الله يقول: الحمد لله المنعم المفضل، ومن حيث ما
حجر عليه ومنع ممّا له فيه إرادة يقول: الحمد لله على كل حال، فجمع بين الحمدين ليجمع الله
له بين الدرجتين لأنه كامل فيكمل له الجزاء، وهكذا ينبغي أن يحضر الحاج في نفسه في ذلك
الوقت عند تحميده ربه إحضار الحالتين ليجمع له بين الحمدين حالاً ونطقاً فيحصل على
الجزاءين، فلهذا قال الصاحب: حمداً لله ولم يعين. وأما التسبيح في ذلك الموطن فإنه التحجير
والإحرام والحق منزه عن التحجير في تصريفه في خلقه، فهو يصرّفهم كيف يشاء لا مانع ولا
تحجير عليه، فوجب التسبيح لما يقتضيه الموطن، ومن وجب له التسبيح فهو الكبير عن
الاتصاف بمثل ما هم الناس عليه في ذلك الوقت من الحال فلا بدّ من التكبير، فإذا أعطى الله ما
ينبغي له حينئذ يتفرّغ لمقصود فيما دعى إليه من الحج والعمرة فيها بالحج والعمرة كما ورد.
حديث خامس وعشرون: في النهي عنِ العمرة قبل الحج: خرّج أبو داود عن سعيد بن
المسيب: ((أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَهِدَ أَنَّهُ
سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ فِي مَرْضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ يَنْهَى عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجْ)). وهذا مرسل
وضعيف جداً، فإن الأحاديث الصحاح تعارضه، فصار مدلول لفظ الحج في هذا الحديث أنه
القصد وهو النيّة فهي نهى أن يتقدم العمل على النيّة فيه، فإن النيّة ما شرعت إلاّ عند الشروع
في العمل، والعمرة زيارة الحق في بيته المضاف إليه الذي دعا الناس إلى الإتيان إليه، فمن
زاره من غير قصد وهو المسمّى بالحج لغة لا شرعاً فما زاره، فنهى عن الزيارة قبل القصد
يعني نية الزيارة على جهة القربة، فيصحّ الحديث على هذا المعنى.
حديث سادس وعشرون: ما يبدأ به الحاج إذا قدم مكة: خرّج مسلم عن عروة بن الزبير
قال: أحجْ رسول اللّه ◌َ فأخبرتني عائشة رضي الله عنها أنه أول شيء بدأ به حين قدم مكة
أنه توضأ ثم طاف بالبيت)) لما دعا الله سبحانه عباده إلى هذه العبادة ما دعاهم إلاَّ إلى بيته لا

٥٣٩
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
إلى غيره فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وأمر خليله إبراهيم عليه
السلام أن يعلو على ظهر البيت حين أكمله بالبناء أن ينادي: ((إن الله بيتاً فحجّوه)»، فلما وصلوا
إلى البيت لم يتمكن أن يكون البدء إلاَّ الطواف به حتى يعمّه من جميع جهاته ولا يطاف
بالبقعة ما لم تكن محجورة بصورة ينطلق عليها اسم البيت، ألا تراهم لما بقي من البقعة ١٠
بقي خارجاً، إذ قصرت بهم النفقة من جهة الحجر أقاموا لذلك الباقي حائط الحجر حتى لا
يكون الطواف إلاَّ بصورة زائدة على البقعة، هذا كله لئلا يتخيل أن المقصود البقعة، فأعلمهم
الله تعالى أن المقصود صورة البيت في هذه البقعة، فوقع القصد للمجموع لا للمفرد، ومتى
لم يكن المجموع لم يصح القصد ولا صحّت العبادة، وذلك لأن أصل استنادنا في وجودنا ما
هو للذات الغنية من كونها ذاتاً بل من كون هذه الذات إلهاً، فاستنادنا للمجموع، ولهذا كثرت
الآلهة في العالم في ذوات مختلفة في زعم من جعلها آلهة، كما كثرت البيوت في بقاع
مختلفة، وما صحّ منها أن يكون بيتاً لهذه العبادة إلاَّ هذا الخاص لهذا الجمع الخاص وإن
كانت كلها بيوتاً في بقع، ثم إن الله تعالى لما اتصف بالغيرة ورأى ما يستحقه من المرتبة قد
نوزع فيها ورأى أن المنسوب إليهم هذا النعت وهذا الاسم لم يكن لهم فيه قصد ولا إرادة من
فلك، وملك، ومعدن، ونبات، وحيوان، وكوكب، وأنهم يتبرؤون منهم يوم القيامة، قضى
الله حوائج من عبدهم غيرة ليظهر سلطان هذه النسبة، لأنهم ما عبدوه لكونه حجراً ولا
شجراً، بل عبدوه لكونه إلهاً في زعمهم، فالإله عبدوا فما رأى معبوداً إلاَّ هو، ولهذا يوم
القيامة ما يأخذهم إلاَّ بطلب المعبودين، فإن ذلك من مظالم العباد، فمن هنالك يجازيهم الله
بالشقاء لا من حيث عبادتهم، فالعبادة مقبولة، ولهذا يكون المآل إلى الرحمة مع التخليد في
جهنم فإنهم أهلها فتفطن، فقد اجتمعوا معنا في كوننا ما عبدنا هذه الذات لكونها ذاتاً بل
لكونها إلهاً. فوضعنا الاسم حقيقة على مسماه فهو الله حقاً لا إله إلاَّ هو، فلما نسبنا ما ينبغي
لمن ينبغي سمينا علماء سعداء، وأولئك جهلاء أشقياء لأنهم وضعوا الاسم على غير
المسمّى، فأخطؤوا فهم عباد الاسم والمسمّى مدرج فوقع التمييز بيننا وبينهم في الدار، فسكنا
داراً تسمّى جنة لها ثمانية أبواب، الباب الثامن من وضع الاسم على مسماه حقيقة، وكانت
النار سبعة أبواب لأن الباب الثامن هو وضع الاسم على مسمّاه، وأهل جهنم ما وضعوه على
مسماه فجهلوا فظهر الحجاب فلم يروا إلاّ مسماهم وذهب الاسم عنهم يطلب مسمّاه فأخذه
من استحقه وهو الله، فعرفوا في الآخرة ما جهلوه في الدنيا ولم تنفعهم معرفتهم، ولكن راعى
الحق سبحانه قصدهم حيث أنهم ما عبدوا إلاّ الله لا الأعيان فصيرهم في العاقبة إلى شمول
الرحمة بعد استيفاء حقوق المعبودين منهم ولذلك جعله من الكبائر التي لا تغفر، ولكن ما
كل مشرك بل المشركون الذين بعثت إليهم الرسل أو لم يوفوا النظر حقْه ولا اجتهدوا، فإن
النبيّ ◌َّ قد أخبر أن المجتهد وإن أخطأ فإنه مأجور، ولم يعين فرعاً من أصل بل عمّ وصدق
قوله: ورحمتي وسعت كل شيء. وقوله: سبقت رحمتي غضبي. وأن الميزان ما هو على
السواء في القبضتين وإنما هو على السواء بين العمل والجزاء لذلك وضع الميزان، وهذه

٥٤٠
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
المسألة الميزانية غلط فيها جماعة من أهل الله منهم أبو القسم بن قسي صاحب خلع النعلين
ومن تابعه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
حديث سابع وعشرون: أين يكون البيت من الطائف؟: خرّج الترمذي عن جابر قال:
((لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ وَّهِ مَكَّةَ دَخَلَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاثاً وَمَشَى أَرْبَعاً))
الحديث، لما كان الحجر يمين الله وجعل للإنسان المخلوق على الصورة يميناً شرع له أن
يكون في طوافه بين يمين الله ويمينه فيكون مؤيّد بالقوّتين معاً، فلا يجد الشيطان إليه دخولاً
لأن الشيطان ليس له على اليمين سبيل، وإنما يلقي في قلب العبد وهو مائل إلى جهة
الشمال، فيكون يمين الحق في الطواف في حق الطائف يحفظه وهو ذو يمين من نشأته فلا
يزال محفوظاً، فإذا انتقل من موازنته وهو من حدّ الركن العراقي إلى الركن اليماني تحفظه
عناية البيت المنسوب إلى الله. فإن قلت: فقد أخبر الله تعالى عن إبليس أنه يأتينا من قبل
اليمين. قلنا؛ اليمين الذي أراد الشيطان هنا ليس هو يمين الجارحة فإنه لا يلقي على
الجوارح، وكذلك ما هو شمال الجوارح، ولا أمام الإنسان ولا خلفه، وأن محل إلقائه إنما
هو القلب فتارة يلقي في القلب ما يقدح في أفعال ما يتعلق بيمينه أو شماله أو من خلفه أو من
بين يديه، ونحن إنما نريد باليمين هنا هذه الجهة المخصوصة. فإن قلت. وكذا المشرك له
هذه اليمين. قلنا: بالمجموع وقع ما وقع وما يكون المجموع إلاَّ للمؤمن وهذا معنى قوله
تعالى: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ آلْيَمِينِ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٩٠] يريد يمين المبايعة التي بيدها
الميثاق ما يريد يمين الجارحة.
حديث ثامن وعشرون: من رأى الركوب في الطواف والسعي: خرّج مسلم عن جابر
قال: ((طَافَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا وَالمَرْوَة)) الحديث.
وكذلك أيضاً وقف بعرفة وبجمع ورمي الجمار، كل ذلك وهو راكب إعلام منه وَّر أنه
محمول في جميع أحواله من طاعة ربه وأنه بغيره لا بنفسه، وكان من حامله كعضو من
أعضائه بالنسبة إليه، فكما أن أعضاءه محمولة لنفسه عضواً عضواً حمل الكل للجزء، كذلك
الإنسان بجملته الإنسان لمن يحمله فهو طائف لا طائف، وساع لا ساع، وواقف لا واقف،
وما سمّي بالحاج إلاَّ بهذه الأفعال وهو محمول فيها بسعي حامله ووقوفه، ومع هذا ينسب
إليه، فنبهك على ما هو الأمر عليه يقول لك: وإن قال لك اعمل فهو العامل بك لا أنت، ثم
ينسب العمل إليك وبجعل الجزاء للعمل لا لك، غير أن العمل ليس بمحل للتنعم والتألم
بالجزاء، ولا بدّ له من قائم يقوم به، فليكن محله من نسب الفعل إليه حسّاً وهو المكلف،
وعاد الحامل له كالآلة، وإذا كان الحامل هو الله كان المحمول لظهور ذلك الفعل فيه كالآلة له
وهذا عكس الأوّل، فلهذا طاف وسعى ووقف ورمى راكباً ليراه الناس فيتأسون وأهل الله
فيعتبرون لمعرفتهم بما أراد رسول الله وسلّر بتلك الحالة مع تمكنه أن يفعل هذه الأفعال من
غير ركوب .
حديث تاسع وعشرون: إلحاق اليدين بالرجلين في الطواف: ذكر الدارقطنيّ عن أم