Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَليلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً وَلْكِنَّ صَاحِبَكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - خَلِيلُ اللَّهِ))، ولو صحّت له هذه الخلة من قبل دعاء أمته له بذلك لكان غير مفيد صلاتنا عليه أي دعاءنا له بذلك . فإن قيل: قد حصلت الخلة بدعاء الصحابة أولاً فما فائدة دعائنا ونحن مأمورون في هذا الوقت بالصلاة عليه مع حصول الخلة فهكذا حكم الأول فربما نال الخلة قبل دعاء أصحابه وتكون نسبة دعائهم بها له كدعائنا اليوم. قلنا: حكم الخلة ما ظهر هنا وإنما يظهر ذلك في الآخرة، والحكم للمعنى لا يكون إلاّ بعد حصول المعنى، فمتى قام المعنى بمحل وجب حكمه لذلك المحل، ففي الآخرة تنال الخلة لظهور حكمها هناك، وأمّا الذي يظهر هنا منها لوامع تبدو وتؤذن بأنه قد أهل لها واعتنى به هذا هو الصحيح، والجواب الأول أن لكل نفس منا حظاً من محمد بل# وهو الصورة التي في باطنه أعني في باطن كل إنسان منه مَّ، فهو في كل نفس بصورة ما يعتقد فيه كل شخص فيدعو له بالصلاة عليه المذكورة ◌َّل# فتنال تلك الصورة المحمدية التي عنده تلك الحال المدعوّ بها بدعائه والصلاة عليه، فما حصلت له الخلة من هذا الوجه إلاّ بعد دعاء كل نفس، وهكذا يجده أهل الله في كشفهم فاعلم ذلك . واقعة: اعلم وفقك الله بينا أنا أكتب هذا الكلام في مقام إبراهيم الخليل عليه السلام ومقامه عليه السلام قوله تعالى فيه: ﴿وَإِبَهِيمَ الَّذِى وَفَّىَ﴾ [سورة النجم: الآية ٣٧] لأنه وفى بما رأى من ذبح ابنه أخذتني سنّة فإذا قائل من الأرواح أرواح الملأ الأعلى يقول لي عن الله تعالى: ادخل مقام إبراهيم وهو أنه كان أواهاً حليماً، ثم تلا عليّ: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٤] فعلمت أن الله تعالى لا بدّ أن يعطيني من الاقتدار ما يكون معه الحلم، إذ لا حليم عن غير قدرة على من يحلم عنه، وعلمت أن الله تعالى لا بدّ أن يبتليني بكلام في عرضي من أشخاص فأعاملهم مع القدرة عليهم بالحلم عنهم ويكون أذى كثير، فإنه جاء حليم ببنية المبالغة وهي فعيل، ثم وصف بالأواه وهو الذي يكثر منه التأوّه لما يشاهده من جلال الله وكونه ما في قوّته مما ينبغي أن يعامل به ذلك الجلال الإلهيّ من التعظيم، إذ لا طاقة للمحدث على ما يقابل به جلال الله من التكبير والتعظيم، فهذا أيضاً من قصدنا مقام إبراهيم لنتخذه مصلّى أي موضع دعاء في صلاة أو أثر صلاة لنيل هذا المقام، والصفة التي هي نعت إبراهيم خليل الله وحاله ومقامه، فنرجو أن يكون لنا نصيب من الخلة كما حصل من درجة الكمال والختام والرفعة السارية في الأشياء في هذه الأمّة الحظ الوافر بالبشرى في ذلك، ومن مقام إبراهيم أيضاً أنه كان أمّة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، مطلق الشرك المعفو عنه والمذموم فيما نسب إليه من قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٧٦] ومن مقام إبراهيم أيضاً عليه السلام أنه أوتي الحجة على قومه بتوحيد الله وأنه شاكر لأنعمه اجتباه فهو مجتبى، وهداه أي وفقه بما أبان له إلى صراط مستقيم وهو صراط الرب الذي ورد في قول هود: ﴿إِنَّ رَبِّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦]. ٥٠٢ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره ومن مقامه عليه السلام أيضاً أنه كان حنيفاً مائلاً في جميع أحواله من الله إلى الله عن مشاهدة وعيان، ومن نفسه إلى الله عن أمر الله، وآيثار لجناب الله بحسب المقام الذي يقام فيه والمشهد الذي يشهده، ومن كل ما ينبغي أن يمال عنه عن أمر الله. ومن مقامه عليه السلام أيضاً أنه كان مسلماً منقاداً إلى الله عند كل دعاء يدعوه إليه من غير توقف، والأمّة معلم الخير فنرجو ما نورده من هذا العلم للناس أن يكون حظي من تعلم الخير، وأن نقوم ونختص بأمر واحد من جانب الله أي من العلم به ممّا لا نشارك فيه، نقوم فيه مقام الأمّة لانفرادي به والقانت المطيع لله، فأرجو أن أكون ممّن أطاع الله في السرّ والعلانية، ولا تكون الطاعة إلاَّ عند المراسم الإلهية والأوامر الموقوفة على الخطاب، فأرجو أن أكون ممّن يأمره الله في سرّه فيمتثل مراسمه بلا واسطة . ومن مقامه عليه السلام أيضاً الصلاح، والصلاح عندنا أشرف مقام يصل إليه العبد ويتصف به في الدنيا والآخرة، فإن الصلاح صفة امتنّ الله بها على من وصفه بها من خاصته وهي صفة يسأل نيلها كل نبيّ ورسوله، وعندنا من العلم بها ذوق عظيم ورثناه من الأنبياء عليهم السلام ما رأيته لغيرنا، والصلاح صفة ملكية روحانية، فإن رسول الله و الله يقول فيها: ((إِذَا قَالَ العَبْدُ فِي التَّشَهُّدِ: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ للَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» . ومن مقام إبراهيم عليه السلام أن الله آتاه أجره في الدنيا وهو قول كل نبيّ ﴿إِنْ أَجْرِىَ إلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة هود: الآية ٢٩] أجر التبليغ، فكان أجره أن نجاه الله من النار فجعلها عليه برداً وسلاماً، فأرجو من الله أن يجعل كل مخالفة ومعصية صدرت مني يكون حكمها في حكم النار في إبراهيم عليه السلام حين رمي فيها عناية من الله لا عن عمل ﴿وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٣٠] أي لذلك الأجر ما نقصه كونه في الدنيا قد حصله بما يناله منه في الآخرة شيئي. ومن مقام إبراهيم عليه السلام الوفاء فإنه الذي وفى، فأرجو أن أكون من ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَّةَ اَلْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢٠] وعليه أدل الناس أبداً وأربي عليه أصحابي فلا أترك أحداً عهد مع الله عهداً وهو يسمع مني ينقضه كان ما كان من قليل الخير وكثيره، ولا أدعه يتركه لرخصة تظهر له تسقط عنه الإثم فيه، ومع هذا فيوفي بعهد الله ولا ينقضه تماماً للمقام الأعلى وكمالاً، فإن النفس إذا تعوّدت نقض العهد واستحلته لا يجيء منها شيء أبداً، فهذا كله من مقام إبراهيم الذي أمرنا أن نتخذه مصلَّى فقال؛ ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٢٥] أي موضع دعاء إذا صليتم فيه أن ندعو في نيل هذه المقامات التي حصلت لإبراهيم الخليل عليه السلام كما قرّرناه، وفي هذه الواقعة أيضاً قيل لي: قل لأصحابك: استغنموا وجودي من قبل رحلتي، فنظمت ذلك وضمنته هذا اللفظ فقلت بعدما استيقظت : [مجزوء الرجز] ٥٠٣ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره قد جاءني خطابٌ بأن أقولَ قولاً استَغْنموا وجودي لكي أرى بعيني وفي وجوديّ أيضاً فإنني فقيرٌ محبتي مقامي فعـيـُـه وجودي دعوتُ عينَ نفسي عن ذكرِ ما أتاها فعند ما تجلّى إلى شُهُودِ عيني ومدَّ لي يميناً فما رأيتُ غيري من عند بُغْيَتِي لأهل مِلْتي من قبل رِخلتي من كان قِبْلَتي من كان عِلَّتي لسَدْ خَلَّتي والحال خُلَّتي والعلم حُلَّتي لما تولَّتِ وما استقلَّتِ مع الأهلَّةِ من خلف كِلْتي من أجل قِبْلتي إذ كان جُمْـلَـي ورأيت في هذه الواقعة أنواعاً كثيرة من مبشرات إلهية بالتقريب الإلهيّ وما يدل على العناية والاعتناء، فأرجو من الله أن يحقق ذلك في الشاهد، فإن الأدب يعطي أن أقول في مثل هذا ما قال رسول الله وَله: إن يكن من عند الله يمضه مع علمه بأنه من عند الله، فما قلت مثل هذا قط في واقعة إلاّ وخرجت مثل فلق الصبح، فإني في هذا القول متأسّ ومقتد برسول الله وَّو لما رأى في المنام أن جبريل عليه السلام أتاه بعائشة في سرقة حرير حمراء وقال له: هذه زوجتك، فلما قصّها على أصحابه قال: إن يكن من عند الله يمضه، فجاء بالشرط لسلطان الاحتمال الذي يعطيه مقام النوم وحضرة الخيال فكان كما رأى وكما قيل له فزوّجها بعد ذلك، فاتخذت ذلك في كل مبشرة أراها وانتفعت بالاتباع فيه، وما قلت هذا كله إلاَّ امتثالاً لأمر الله في قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى: الآية ١١] وأية نعمة أعظم من هذه النعم الإلهية الموافقة للكتاب والسنّة . ثم نرجع ونقول: فإذا فرغ من طواف الإفاضة إن كان عليه سعي خرج يسعى على ما قرّرنا قبل في السعي عند الكلام عليه، وإلاَّ أتى زمزم فتضلع من مائها وهي بئر فهو علم خفيّ في صورة طبيعية عنصرية قد اندرج فيها تحيى بها النفوس يدل على العبودية المحضة، فإن حكم الله تعالى في الطبيعة أعظم منه في السموات والأرض لأنهما من عالم الطبيعة عندنا، وعن الطبيعة ظهر كل جسم وجسد وجسماني في عالم الأجسام العلوي والسفلي. وصل في فصل - قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَيْخُّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٩] ولم يقل للحاج فأنزل الحج في الآية منزلة الناس ما أنزله منزلة الديون والبيوع وإن كان المعنى يطلبه، فعلمنا أن حكم الحج عند الله ليس حكم الأشياء التي تعتبر فيها الأهلة ٥٠٤ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره أعني مواقيت الأهلة، والحج فعل مضاف مخصوص معين يفعله الإنسان كسائر أفعاله في بيوعه ومدايناته، فاعتنى بذكر هذه الأفعال المخصوصة، لأنها أفعال مخصوصة لله عزّ وجلّ بالقصد ليس للعبد فيها منفعة دنيوية إلاَّ القليل من الرياضة البدنية، ولهذا تميّز حكم الحج عن سائر العبادات في أغلب أحواله وأفعاله في التعليل، فأكثره تعبد محض لا يعقل له معنى عند الفقهاء، فكان بذاته عين الحكمة ما وضع لحكمة موجبة، وفيه أجر لا يكون في غيره من العبادات، وتجلّ إلهيّ لا يكون في غيره من الأعمال، فكان الهلال في أوّل شهر الوقوف بمنزلة الواحد من العدد، وتجلي الهلال في أول ليلة فيه تجلي الحق في العبد بالإيمان الذي هو أول مطلوب بالشرع من الإنسان المكلف، والإيمان روح وجسمه صورة التلفظ بلا إله إلاَّ الله وهي الشهادة بالتوحيد، وكذلك نشهد أول ليلة الهلال، ثم لا يزال يعظم التجلي في بسائط العدد إلى أن ينتهي إلى ليلة التاسع وهي آخر ليلة بسائط العدد التي هي آحاده، فكمل تجليه في آحاد بسائط العدد، فكان الوقوف بعرفة يوم التاسع، فحصلت له معرفة الله تعالى بكمال البسائط، ولهذا قابلها ودخل فيها بالتجريد عن المخيط وهو التركيب. ألا تراه يلبس في اليوم العاشر المخيط لأنه انتقل من الآحاد إلى أول العقد وهي العشرة؟ والعقد لا يكون إلاَّ بين اثنين بضم الواحد إلى الآخر بصورة العطف والالتفاف وهو على قسمين: أعني العقد وهو أنشوطة وغير أنشوطة، فعقد الأنشوطة يسرع إليه الانحلال فيما عهد إليه وعاهد عليه الله، وغير الأنشوطة لا يسرع إليه الانحلال، وبقي بعد التسعة من أفعال الحج ثلاثة وهو: فعل المزدلفة ومنى وطواف الإفاضة، والفعل المختص بالمزدلفة إنما هو من أول الفجر إلى طلوع الشمس، وليس المبيت في المزدلفة خاصاً بها لأنها ليلة عرفة، والمزدلفة لا ليلة لها ولها المبيت لا الليلة كليلة سودة بنت زمعة الليلة لها والمبيت لعائشة، فلسودة ليلة بلا مبيت، ولعائشة مبيت ليلة سودة لا ليلتها، ولهذا كانت تلك الليلة تضاف إلى سودة بالذكر، كذلك بقي من مراتب العدد ثلاثة بعد التاسع وهي العشرة والمائة والألف، وما بقي للعدد مرتبة سوى ما ذكرته، كذلك ليس بعد طواف الإفاضة عمل للحاج في الحج يحرم عليه به شيء هو له حلال، فإنه به أحل الحل كله وليس بعده لغير المكيّ إلا طواف الوداع، لأنه ودع مراتب العدد وبقي التركيب فيه إلى ما لا نهاية له، فهذه اثنتا عشرة مرتبة قد حصلها العبد في التجليات الكمالية العددية، ودخل في الليلة الثالث عشرة الهلال في الكمال وهي من الليالي البيض المرغب في صومها كأيام التشريق المرغب في فطرها التي يصومها المتمتع الآفاقي، وانتهى نصف الشهر الذي يتضمن السلوك منه بالخروج إلينا وإياه سبحانه نقصد. ثم نشرع في النصف الثاني من الشهر في السلوك إليه منا إلى أن ينتهي إلى ليلة السرار وهو الكمال الغيبي كما كان في النصف الكمال الشهادي، فكمل غيباً وشهادة ودار الدور بإهلال ثان وحكم آخر دنيا وآخرة فإنه قال في وصف الجنة: ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾. [سورة مريم: الآية ٦٢] فجعلها محلاً للزمان المعروف عند العرب مثل الدنيا، فالحاج في الحج يجني ثمرة الزمان وما يحوي عليه من المعارف الإلهية المختصة بشهر ذي حجة، ويجني ثمرة ٥٠٥ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره العدد في المعارف الإلهية لأن العدد له حكم فيها ألا تراه قد قال: ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٣] وقال: ((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةٌ إِلاَّ وَاحِدٌ)). فدخل تحت حكم العدد بأسماء مخصوصة وقال: إن لله ثلاثمائة خلق فأدخل الأخلاق الإلهية تحت حكم العدد، فله سلطان في الإلهيات ذكراً واسماً وخلقاً، فمن لم يقف عليه حرم خيراً كثيراً من المعرفة بالله، ولذلك قدّمنا في هذا الباب وجود الآحاد في الكثرة والكثرة في الآحاد وهو العدد فهو المعطي الفائدة للعادّين ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ [سورة الكهف: الآية ١٩] فاسأل العادّين كما قال: ﴿فَتَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٣] فألحقهم بالعلماء. كذلك الحج هو المعطي ما يحوي عليه من المعارف الإلهية للحاج، فلهذا أضيف الميقات للحج في الهلال، وما أضيف للحاج كما أضيف للناس وجعلها مواقيت لما ذكرناه، فإن الفعل ينتهي فيه إلى نصف الشهر وهو تمام وكمال في نفس الأمر، فإن النصف لا يؤذن بالنقص لكونه نصفاً، ولو كان نقصاً لكان الذي حصل له متصفاً في تحصيله بالنقص، لأنه ما حصل له النصف الآخر بل لو حصل له النصف الآخر لكان نقصاً حصوله. قال تعالى: ((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي)) فظهر كمال الحق في تحصيل النصف من الصلاة، ولو اتصف بتحصيل النصف الثانى لكان نقصاً فيما ينبغي لله من الكمال وظهر كمال العبد في تحصيل النصف من الصلاة، ولو اتصف بتحصيل النصف الآخر لكان نقصاً في كمال عبوديته وفيما ينبغي له من الكمال فيها، فكان يوصف بأوصاف الرب وليس له ذلك، ألا ترى الشريك الموضوع الله تعالى من المشرك كيف لا يغفر الله هذه المظلمة فإنها من حقوق الغير لا من حق الله، فإنه من كرم الله ما كان لله من حق على العبد وفرّط فيه غفره الله له، وذلك لأن حقيقته التفريط، ولا يعصمه من ذلك إلاَّ الله، فالعصمة فيما تقتضيه حقيقته ليست له إنما هي لله وبيد الله، فمن لم يخرج عن حقيقته فلا مطالبة عليه، ولهذا كانت لله الحجة البالغة على خلقه، فتعين أن الشرك من مظالم العباد، فإن الشريك يأتي يوم القيامة من كوكب ونبات وحيوان وحجر وإنسان فيقول: يا رب سل هذا الذي جعلني إلهاً ووصفني بما لا ينبغي لي خذ لي بمظلمتي منه، فيأخذ الله له بمظلمته من المشرك فيخلده في النار مع شريكه إن كان حجراً أو نباتاً أو حيواناً أو كوكباً، إلاَّ الإنسان الذي لم يرض بما نسب إليه ونهى عنه وكرهه ظاهراً وباطناً فإنه لا يكون معه في النار، وإن كان هذا من قوله وعن أمره ومات غير موحد ولا تائب كان معه في النار، إلاّ أن الذي لا يرضى بذلك ينصب للمشرك مثال صورته يدخل معه ليعذب بها ولا عذاب على كوكب ولا حجر ولا شجر ولا حيوان، وإنما يدخلون معهم زيادة في عذابهم حتى يروا أنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئاً ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْشُرْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨] فيقولون: ﴿لَوْ كَانَ هَكُلَاءِ ءَالِهَةُ مَّا وَرَدُوهَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٩] ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤] فهم جمر جهنم، فالناس المشركون والحجارة المعبودون . ٥٠٦ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره وأما من سبقت لهم الحسنى وهم الذين لم يأمروا ولم يرضوا فهم عنها مبعدون كعيسى وعزير وأمثالهما وعلي بن أبي طالب وكل من ادّعي فيه أنه إله وقد سعد فيدخل الله معهم في جهنم مثلهم الذين كانوا يصورونها في الكنائس وغيرها نكاية لهم، لأن كل عابد من المشركين قد مسك مثال صورة معبوده المتخيلة في نفسه، فتجسد إليه تلك الصورة المتخيلة ويدخلها النار معه فإنه ما عبد إلاّ تلك الصورة التي مسكها في نفسه، وتجسد المعاني المتخيلة غير منكور شرعاً وعقلاً. فأمّا العقل فمعلوم عند كل متخيل. وأمّا الشرع فقد ورد بتصوّر الأعمال والأعمال أعراض، ألا ترى الموت وهو معنى نسبي إضافيّ فإنه عبارة عن مفارقة الروح الجسد وأن الله يمثله يوم القيامة للناس صورة كبش أملح فيوضع بين الجنة والنار ويذبح فهكذا تلك المثل . وأمّا الظالم لنفسه من أهل الشرك فنفسه تطالبه عند الله بمظلمتها ولا شيء أشدّ من ظلم النفس، ألا ترى القاتل نفسه الجنة عليه محرّمة؟ فثبت بهذا أن الكمال للشيء ما لا يخرجه عن حقيقته، فإذا أخرج عن حقيقته وما تستحقه ذاته كان نقصاً، فلهذا قلنا: إن النصف كمال في حق من هو سهمه مال الورث وإن انقسم إلى ثلث وربع وثمن وثلثين ونصف وسدس وغير ذلك، وكل جزء إذا حصل لمستحق صاحب الفريضة فقد حصل له كمال نصيبه، فهو موصوف بالكمال في النصيب مع كونه ما حصل له إلاَّ سدس المال إن كان له السدس ولا يتصف بالنقص، قال الله: ﴿وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦] والعمرة بلا شك تنقص في الأفعال عن أفعال الحج وكمالها إتيانها كما شرعت، وكذلك الحج يتصف بالكمال إذا استوفيت صورته وكملت نشأته، وهما نشأتان ينشئهما العبد المكلف، أنشأها بما أعطاه الله من خلقه على الصورة الإلهية، فضرب له بسهم في الربوبية بأن جعل له فعلاً وإنشاء، فإن انحجب بذلك عن عبوديته فقد نقص وشقي وكان صاحب علة، ولهذه العلة جعل الله له دواء فقال على لسان نبيه وَ#: جرح العجماء جبار، فأضاف الجرح وهو فعل للعجماء، فإن ادّعى الربوبية لكونه فاعلاً فهو يعلم أنه أفضل من العجماء، فإن نسب الفعل إليهما فتنكسر نفسه ويبرأ من علته إن استعمل هذا الدواء، ثم يفكر في أن الشرع قد جعل جرح العجماء جبار وجرح الإنسان مأخوذ به على جهة القصاص، مع كون العجماء لها اختيار في الجرح وإرادة، ولكن العجماء ما قصدت أذى المجروح، وإنما قصدت دفع الأذى عن نفسها فوقع الجرح والأذى تبعاً، بخلاف الإنسان فإنه قد يقصد الأذى، فمن حيوانيته يدفع الأذى، ومن إنسانيته يقصد الأذى، فالعبد رق والرب الكريم خلق، فعين الشكل وفصل الأجزاء في الكل. ثم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ خَلَقَ الْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١ - ٤] وهو ما ينطق به اللسان، ثم الرب الأكرم علم بالقلم ما يخطه البنان، فالإنسان بنيان صنعة رب كريم وأكرم ورحمان، فهذه أربعة أسماء توجهت على خلق الماء فجعل ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] إذ كان عرشه عليه، فالكون المخلوق ظله بفيئه، ثم ردّه إليه، فالإلقاء رتق، واللقاء فتق، فعين السماء من الأرض، فتميز الرفع من الخفض، وأحكم الصنعة ٥٠٧ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره الإنسانية وصبغها بالصبغة الإيمانية، فى حضرة الفهوانية، بالمشاهدة الإحسانية، فلما كتب رتب، فوضع كل شيء مكانه، وأقام أوزانه، لما وضع ميزانه : [البسيط] فكلُ جزء له حكمٌ يميّزهُ فالكلُّ في الكلُّ مضروبٌ لذي نَظَرٍ لأنه في دجى الأحشاء رتَّبَةً أقام نشأته من عين صورته الأصلُ مني وحكم الوزن منه لذا وأودع العالمَ العلويَّ فيه بما فصار جمعاً لما قد كان فرَّقه بالجمع صحَّ له تحصيلُ صورته أحاط علماً بأن الأمر فيه على من كان يقرأه يدري حقيقتّه في عينه أبداً من بين إخوانهِ ضَرْبَ الحساب الإفهام بتبيانهِ إذ كان سوّاه في تعديل بنيانهِ وعيَّن الحقَّ فيها وضْعُ ميزانهِ أبدته في عينه أحكامُ أوزانهِ أعطاه من نفسه بحدّ إمكانهِ من الحقائق في أعيان أكوانهِ لم يدر ذلك لولا حكمُ إيمانهِ خلاف ما هو في آيات قرآنهِ بأنه لم يزل في حكم فُرْقانهِ فلولا شرف النفس ما دفع الحيوان الأذى عن نفسه، وما قصد أذى الغير مع جهله، بأنه يلزمه من غيره ما يلزمه من نفسه للاشتراك في الحقيقة، وكذلك الإنسان إذا دفع الأذى عن نفسه لم يقع عليه مطالبة من الحق، فإن تعدّى وزاد على القصاص أو تعدّى ابتداء أخذ به، ولكن ما يتعدى إلاَّ من كونه إنساناً فقد تجاوز حيوانيته إلى إنسانيته، والأصل في هذا التعدّي من الأصل لأن الأصل له الغنى، وأين حكمه من حكم ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْجِنَّ وَاُلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فهذا الأمر من الخالق أعني من الاسم الخالق لا من الاسم الغني، فإن أحصرتم عن حجكم أو عمرتكم فما استيسر من الهدي. وصل في فصل - الإحصار: اختلف العلماء بالذكر في هذه الآية في حكم المحصر بمرض أو بعدو، وهل هذا المحصر في هذه الآية بعدو أو بمرض؟ فقالت طائفة: المحصر هنا بالعدو. وقالت طائفة: المحصر هنا بالمرض. وقال قوم: المحصر الممنوع عن الحج أو العمرة بأي نوع كان من المنع بمرض أو بعدو أو غير ذلك وهو الظاهر وبه أقول مراعاة للقصد، وما أوقع الخلاف إلا فهمهم في اللسان لأنه جاء في الآية بالوزن الرباعيّ، ونقل أنه يقال حصره المرض وأحصره العدو، فأما المحصر بالعدو فاتفق الجمهور على أنه يحل من عمرته وحجّه حين أحصر. وقال الثوريّ والحسن بن صالح: لا يحل إلاَّ يوم النحر، وبالأول أقول، وهو أنه يحل حين أحصر، غير أني أزيد هنا شيئاً لم يره من وافقنا في الإحلال حين الإحصار، وهو أن المحرم إن كان قال حين أحرم أنّ محلي حيث تحبسني كما مر فلا هدي عليه ويحل حيث أحصر وإن لم يقل ذلك، وما في معناه فعليه الهدي، والذين قالوا بالتحّل حين أحصر اختلفوا في إيجاب الهدي عليه، وفي موضع نحره عند من يقول بوجوبه على شرطنا أو على غير شرطنا فيما أحصر عنه من حج أو عمرة فقال بعضهم: لا هدي عليه وإن كان معه هدي تطوّع نحره حيث أحلّ، وبنحر الهدي المتطوع به حيث أحل أقول، وقال ٥٠٨ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره بعضهم بإيجاب الهدي عليه، واشترط بعضهم ذبح الهدي الواجب بالحرم، وأما الإعادة فمن العلماء من لا يرى عليه إعادة وبه أقول في حج التطوّع وعمرته إن كان عليه في ذلك حرج، فإن لم یکن عليه فيه حرج فليعد . وأما الفريضة فلا تسقط عنه إلاَّ إن مات قبل الإعادة فيقبلها الله له عن فريضته، وإن لم يحصل منه إلاَّ ركن الإحرام بل ولو لم يحصل منه إلاّ القصد والتعمل. وقال بعضهم: إن كان أحرم بالحج فعليه حجة وعمرة، وإن كان قارناً فعليه حجة وعمرتان، فإن كان معتمراً قضى عمرته ولا تقصير عليه، واختار بعض من يقول بهذا القول التقصير، وقد حكى بعضهم الإجماع، على أن المحصر بمرض وما أشبهه عليه القضاء ولكن لا أدري أيّ إجماع أراد، فإن إطلاق الفقهاء لفظة الإجماع قد تجاوزوا بها حدّها الأول إلى غيره، فقد يطلقون الإجماع على اتفاق المذهبين ويطلقونه على اتفاق الأربعة المذاهب، ولكن ما هو الإجماع الذي يتخذ دليلاً إذا لم يوجد الحكم في كتاب ولا سنّة متواترة، فهذا قد ذكرنا من اختلافهم في هذه المسألة ما ذكرناه وتركنا ما لا يحتاج إليه في هذا الوقت، فلنرجع إلى طريقنا فنقول: قوله تعالى: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦] هو من أحصر لا من حصر، يقال: فعل به كذا إذا أوقع به الفعل، فإذا عرّضه لوقوع ذلك الفعل يقال فيه أفعل، ومثاله: ضرب زيد عمراً إذا أوقع به الضرب، وأضرب زيد عمراً إذا جعله يضرب غيره. وفي اللسان: أحصره المرض وحصره العدو بغير ألف فهو في المرض من الفعل الرباعيّ، وفي العدو: من الفعل الثلاثيّ، فالعبد لما كان محل ظهور الأفعال الإلهية فيه وما تشاهد في الحسّ إلاَّ منه، ولا يمكن أن يكون إلاَّ كذلك نسب الله الفعل للعبد ونسب الناس الفعل للمخلوق، وإن كان أصاره الحق لذلك فصار فنسبة صار تجعل الفعل للعبد، ونسبة أصار تجعل الفعل لله، فمن راعى أصار لم يوجب عليه الهدي لأن الأصل عدم الفعل من العبد، ومن راعى أصاره الحق فصار أوجب عليه الهدي، ولهذا فصلنا نحن في ذلك فقلنا: إن قال محلي حيث يحبسني فقد تبرّأ العبد من حكم الحصر فلا هدي عليه، وإن لم يقل كان الهدي عليه عقوبة للتركب، فالفعل من المخلوق للعبد ظهور الفعل منه بالاختيار والقصد والمباشرة حقيقة مشهودة للبصر والفعل من المخلوق من كون الحق أصاره إلى ذلك، فكان له كالآلة للفاعل، والآلة هي المباشرة للفعل، وينسب الفعل لغير الآلة بصراً وعقلاً، فيقال: زيد الضارب والمباشر للضرب، والذي يقع به الضرب إنما هو السوط لا زيد، هكذا أفعال العباد فهم للحق كالآلة لزيد النجار أو الحائك أو الخائط أو ما كان، وبهذا القدر تعلق الجزاء والتكليف لوجود الاختيار من الآلة، والأصل الغفلة الغالبة وهي مسألة دقيقة في غاية الغموض، ولا دليل في العقل يخرج الفعل عن العبد المخلوق ولا جاء به نص من الشارع لا يحتمل التأويل، فالأفعال من المخلوقين مقدّرة من الله، ووجود أسبابها كلها بالأصالة من الله، وليس للعبد ولا لمخلوق فيها بالأصالة مدخل إلاَّ من حيث ما هو مظهر لها ومظهر اسم فاعل واسم مفعول، يقال في الصنع إذا اختل في صنعته شيء لعدم مساعدة الآلة مع علمه بالصنعة قد أخلّ منها بكذا وكذا، أو يستفهم لم أخللت بها ٥٠٩ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره مع علمنا بأنك عالم بها، فيقول: لم تساعدني الآلة على إبراز ما كان في علمي، ويقول المصنوع: ما قصر لظهور عينه لا لقصد الصانع، فمن حيث الصنعة من المصنوع ما اختلّ شيء، ومن حيث مصنوع ما كان المراد سواه إذا كان الصانع المخلوق اختلّ، فإن كان الخالق فما اختلّ في الصنعة شيء لأن الكل مقصود لعدم قصور تعلّق الإرادة، فكل واقع وغير واقع مراد للحق أراد الله إيجاد عرض ما ولم يرد إيجاد محل يقوم به هذا العرض، فلم يمكن إيجاد ذلك العرض ما لم يكن المحل، فلا بدّ من وجود المحل إذ كان لا بدّ من وجود العرض، فوجود العرض عن إيجاد اختياريّ، ووجود المحل عن إيجاد غير اختياري، ولا يجوز أن يكون اضطرارياً إذا كان لا بدّ من وجود ذلك العرض، فاضطرار الكون من حقيقة عدم هذا الاختيار المحقق فتفطن فإنك إن لم تعرف الأمور من جهة حقائقها لم تعرف أن العالم خرج على صورة الحق يرتبط ما فيه من الحقائق بالحقائق الإلهية، وهذا مدرك صعب عليه حجب كثيرة لا ترتفع بفكر ولا بكشف، فالأمر دائر بين تأثير حق في خلق وخلق في حق، قال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] وقال ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله، فللناقة شرب أعني ناقة صالح: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٥٥] ضرب مثلاً لقوم يعقلون وما منا إلاَّ له مقام معلوم، فالحصر عمّ الوجود، فكل موجود موصوف بحصر ما فهو محصر من ذلك الوجه، وقد أبنت لك ما لا يقدر على دفعه كشف، ولا دليل عقل نظريّ، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. وصل في فصول - أحكام القاتل للصيد في الحرم وفي الإحرام: وقد تقدّم من حكم الصيد طرف في هذا الباب، والكلام هنا في قتله لا في صيده في الحرم كان أو في الحل لقوله؛ ﴿لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٥]. الآية وهي آية محكمة، واختلفوا في تفاصيلها على حسب فهمهم فيها، فمن ذلك هل الواجب قيمته أو مثله؟ فذهب بعضهم إلى أن الواجب المثل، وقال بعضهم: هو مخيّر بين القيمة والمثل، قتل الصيد شهادة للصيد فهو حيّ يرزق، لأنه قتل تعدّياً بغير حق في سبيل الله، إذ سبيل الله حرمه والحرم صفة المحرم والبقعة، فهذا الصيد المتعدّي عليه إما بهاتين الصفتين أو بإحداهما، فمن تعمد قتله محرماً أو في الحرم فقد تعدّى عليه فعاد ما أراد به من الموت وإن لم يقم به على القاتل ﴿ فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٤] فالصيد مقتول لا ميت، والقاتل ميت لا مقتول، فهذا هو الميت المكلف، كما يطلب الجواب من الميت في قبره عند السؤال مع وصفه بالموت، وهذا هو الموت المعنوي، فكلف بجزاء مثل ما قتل من النعم هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره، كما يعذب الميت في قبره، ومن عاد لمثل ذلك الفعل فينتقم الله منه إما بإعادة الجزاء فإنه وبال والوبال الانتقام، وإمّا أن يسقط عنه في الدنيا هذا الوبال المعين وينتقم الله منه بمصيبة يبتليه بها إمّا في الدنيا، وإمّا في الآخرة فإنه لم يعين . واعلم أن كل علم من علوم الأسرار المصونة في خزائن الغيرة التي لا يوهب إلاَّ لأهله ٥١٠ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره فإنه قال ◌َ: ((لاَ تُعْطُوا الْحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا)) فهي كالصيد في حمى الحرم أو الإحرام أو هما معاً أعني في الحمائين، فإذا قتلها وهو أن يمنحها غير أهلها فلا يعرف قدرها فتموت عنده عاد وبالها عليه فيكفر بها يتزندق، فذلك عين الجزاء حكم به عدلان وهما الكتاب والسنّة، فإن كان الجزاء مثلاً فيبحث عن جاهل عنده حكمة لا يعرف قدرها، فيبين له عن مكانتها حتى يحيي بها قلبه، فيقتل متعمداً من ذلك الشخص عين الجهل القائم به الذي كان سبب إضاعة هذا العلم عنده، وصورة العقوبة والوبال فيه عليه أنه حرم حكمة ذلك الجهل في ذلك الجاهل حتى رآها صفة مذمومة منهياً عنها مستعاذاً بالله منها في قوله: ﴿أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٧] فحرم ما هو كمال في نفس الأمر إذ كان الجهل من جملة الأسرار المخزونة في أعيان الجاهلين، فحفظها تبرم العالم منها فكأنهم تبرؤوا عن حقائقهم، فالذي تبرؤوا منه وقعوا فيه، فإنهم تبرؤوا من الجهل بالجهل لو عقلوه، فحكم جهلهم فيهم أعظم من جهل الجهلاء فإنهم ما تفطنوا لقول الله: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٥] فلا ينتهي إلاّ عن معلوم محقق عنده، فإنه إن لم يعلم الجهل فلا يدري ما نهى عنه، وإذا علمه فقد اتصف به، فإن الجهل إن لم يكن ذوقاً فلا يحصل له العلم به فإنه من علوم الأذواق، ألا ترى الطائفة قد أجمعوا على أن العلم بالله عين الجهل به تعالى. وقال الله تعالى في الجاهل: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْ﴾ [سورة النجم: الآية ٣٠] فسمّى الجهل علماً لمن تفطن وهي صفة كيانية حقيقة للعبد إن خرج منها ذم، وإن بقي فيها حمد، فإنه ما علم من الله سوى ما عنده وما عنده ينفذ فإنه عنده، وما هو هو لا ينفد، وهو هو عين الجهل، والذي عنده عين العلم فهو عين الدلالة والدليل وهو الدال فهو عين العلم بالله : [البسيط] والثّبْتُ من صفة المنعوت بالسَّاهي والعلمُ بالله نَفْيُ العلم بالله والجهلُ علمٌ بكونِ الله في اللاهي فالعلم جَهلٌ لكونِ العين واحدةً انتهى الجزء التاسع والستون . (الجزء السبعون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَدِ وصل في فصل - اختلافهم في آية قتل الصيد في الحرم والإحرام في كفارته هل هي على الترتيب أم لا؟: الآية قوله: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٥] إلى آخر الآية. اختلفوا في هذه الآية هل هي على الترتيب وبه قال بعضهم إنه المثل أوّلاً، فإن لم فالإطعام، فإن لم فالصيام، أو الآية على التخيير وقال به بعضهم، وهو أن الحكمين يخيران الذي عليه الجزاء وبه أقول، فإن كلمة أو تقتضي التخيير، ولو أراد الترتيب لقال وأبان كما فعل في كفارات الترتيب، فمن لم يجد فمذهبنا في هذه المسألة أن المثل المذكور هنا ليس كما رآه بعضهم أن يجعل في النعامة بدنة، وفي الغزالة شاة، وفي البقرة الوحشية بقرة إنسية بل في كل شيء مثله، فإن كانت نعامة اشترى نعامة صادها حلال في حل، وكذلك كل مسمّى صيد ممّا يحل صيده وأكله من الطير وذوات الأربع أو كفارة بإطعام وحدّ ذلك عندي أن ينظر إلى قيمة ٥١١ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره ما يساوي ذلك المثل، فيشتري بقيمته طعاماً فيطعمه للمساكين، أو عدل ذلك صياماً فننظر إلى أقرب الكفارات شبهاً بهذه الكفارة الجامعة لهدي أو إطعام أو صيام، فلم نجد إلاَّ من حلق رأسه وهو محرم لأذى نزل به ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فذكر الثلاثة المذكورة في كفارة قاتل الصيد، فجعل الشارع هنالك في الإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وجعل الصيام ثلاثة أيام فجعل لكل صاع يوماً فننظر القيمة فإن بلغت صاعاً أو أقل فيوم فإن الصوم لا يتبعض، وإن بلغت القيمة أن نشتري بها صاعين أو دون الصاعين أو أكثر من الصاع فيومان وهكذا ما بلغت القيمة، وأعني بالقيمة قيمة المثل يشتري بها طعاماً فيطعم، والصيام محمول على ما حصل من الطعام بالشراء على ما قررناه، فهو مخيّر بين المثل والإطعام بقيمة المثل والصيام بحسب ما حصل من الطعام من قيمة المثل والمثل والطعام تناوله سبب في بقاء حياة المتغذي به، لأن هذا المتغذي أتلف نفساً وأزال حياة فجبرها وكفر ذلك بما يكون سبباً لإبقاء حياة، فكأنه أحياها زمان بقائها بحصول ذلك الغذاء من المثل أو الطعام، وأما الصيام فإنها صفة ربانية، فكلف أن يأتي بها هذا القاتل إن لم يكفر بالمثل أو بالإطعام، فإن أبيت فاخرج عن التحجير حتى يكون قاتل الصيد غير محجور عليه فلا يكلف شيئاً، قال: وما هو؟ قال: الصوم فإنه لي وأنا لا أتصف بالحجر عليّ فتلبس بصفتي تحصل في الحمى عن الحجر عليك، فإذا صمت كان الصوم لي والجوع لك، فبما في الصوم من الجوع في حقك الذي ليس لي يكون كفارة، لأن الجوع من الأسباب المزيلة للحياة من الحيّ، فأشبه القتل الذي هو سبب مزيل للحياة من الحيّ، ولم تزل حياتك بهذا الجوع لأنه جوع صوم والصوم من صفاتي وهو غير مؤثر في الحياة الأزلية، فلهذا لم يجع جوع الإتلاف، والحق سبحانه مذهب الأشياء لا معدمها لأنه فاعل والفاعل من يفعل شيئاً، فإنّ لا شيء ما يكون مفعولاً، فهو وإن أذهب الأشياء من موطن كان لها وجود في موطن آخر، فإن الكون الذي منه الاجتماع والافتقار لا يدل على عدم الأعيان، فالموت إذهاب لا إعدام فإنه انتقال من دنيا إلى آخرة التي أولها البرزخ، فلما كان الإذهاب من صفات الحق لا الإعدام كما قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿وَيَأْتِ بِثَاخَيْنٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٣] ولم يقل يعدمكم لذلك لم يجعل جوع الصوم جوع إتلاف النفس وإن كان إذهاباً لا إعداماً، وذلك أنه لا يصحّ الإعدام لهذا الموجود لأن المتصف بالوجود إنما هو الحق الظاهر في أعيان المظاهر، فالعدم لا يلحق به أصلاً فإنه يقول للشيء إذا أراده ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٧] هو : [البسيط] نظرتُ في كون من قالت إرادته فعندما حقَّقَتْ عيني تكوُّنَه فخذ فديْتُك علماً كنتَ تجهله فالعلمُ أشرفُ نعت ناله بشرٌ إن قام قام به أو راح راح به إذا توجَّه للأشياء كُنْ فتكُونْ إذا به عينه لا غيره فأكونْ وانظر إلى أصعب الأشياء كيف يَهُونْ وصاحبُ العلم محفوظٌ عليه مَصُونْ والحالُ والمالُ في حكم الزوال يكون ٥١٢ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره ما قلت فهو الذي في عين كل مَكُونْ وليس ناظم هذا غيره فله لولا تجلِّيه في الأعيان ما ظهرت نُعوتٌ كان به وكائن ويكونْ ولا ابتداءَ فشكلُ الكون منه كُثُونْ لذا تسمَّى بدهر لا انقضاءَ له وصل في فصل - هل يقوّم الصيد أو المثل؟: فمذهبنا قد تقدّم أن المثل يقوّم وبيَّنا ما هو المثل فقال بعضهم: يقوَّم الصيد وقال قوم: يقوّم المثل وهو قولنا وخالفناهم في المثل ما هو، وكذلك اختلفوا في تقدير الصيام بالطعام، وقد تقدّم مذهبنا فيه فقالت طائفة: لكل مدّ يوماً. وقال قوم: لكل مدّين يوماً. وصل في فصل - قتل الصيد خطأ: اختلف فقيل؛ فيه الجزاء. وقيل: لا شيء عليه فيه وبه أقول، فإن قتل الخطأ هو قتل الله ولا حكم على الله فإنه بالنسبة إلى الله مقصود القتل، وبالنسبة إلينا خطأ لظهور القتل على أيدينا وعدم القصد فيه، فالمقتول متعمد أي مقصود بالقتل غير مقصود بالقتل، فلهذا تصوّر الاختلاف لإطلاق الحكمين فيه، فمن راعى أنه قتله من كونه ظاهراً في مظهر القاتل ما أوجب الجزاء لأن تلك العين التي ظهر فيها أعطته الحكم عليه بأن لا جزاء لأنه قاصد للقتل، ومن راعى أنه القاتل من خلف حجاب الكون الظاهر ولكن ما أوقعه وظهر في الوجود إلاَّ على يد الظاهر أوجب الجزاء لأن الحكم لما ظهر والقصد غيب وما تعبدنا به فالقاتل إن عرف من نفسه أنه قتل غير قاصد فأوجب عليه ظاهر الشرع بالحكمين الجزاء جبراً كان ذلك له صدقة تطوّع بوجوب شرعيّ في أصل مجهول عند الحاكم، فجمع لهذا القاتل بين أجر التطوّع والواجب فأسقط عنه ما يسقطه الواجب والتطوّع معاً، وإن لم يره أحد مضى ولا شيء عليه. وصل في فصل - اختلافهم في الجماعة المحرمين اشتركوا في قتل صيد: اختلفوا إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فقيل: على كل واحد جزاء. وقيل: عليهم جزاء واحد، والذي أقول به إن عرف كل واحد من الشركاء أنه ضربه في مقتل كان على كل من ضربه في مقتل جزاء، ومن جرحه في غير مقتل فلا جزاء عليه وهو آثم حيث تعرّف بالأذى لما حرم عليه الجماعة هنا، إذ يأثم الإنسان بجميع ما كلف من أعضائه الثمانية، فعليه لكل عضو توبة من حيث ذلك العضو، ومن رأى التوبة من جانب من تاب إليه لا ما تاب منه فهو القائل بجزاء واحد، وفرّق بعضهم بين المحرمين يقتلون الصيد وبين المحلين يقتلون الصيد في الحرم فقال في المحرمين: على كل واحد منهم جزاء، وقال في المحلين: جزاء واحد. وصل في فصل - هل يكون أحد الحكمين قاتلاً للصيد؟: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز وأجازه قوم، فمن رأى أنه لا فاعل إلاَّ الله وهو الحاكم وهو الفاعل أجاز ذلك، ومن رأى أن الفعل للمخلوق لم يجز ذلك وبالأول أقول وأثبت القول الثاني على غير الوجه الذي يعتقده القائل به . وصل في فصل - اختلافهم في موضع الإطعام: فقيل: يطعم في الموضع الذي قتل فيه الصيد إن كان هناك طعام، أو في أقرب المواضع إليه إن لم يكن هناك ما يطعم. وقال ٥١٣ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره بعضهم: حيثما أطعم أجزأه وبه أقول لأن الله ما عيّن. وقال بعضهم: لا يطعم إلاَّ مساكين مكة من كان الله قبلته لم يخصّص الإطعام بموضع معین ومن كان قبلته البيت حدد. وصل في فصل - اختلافهم في الحال يقتل الصيد في الحرم بعد إجماعهم على أن المحرم إذا قتل الصيد أنّ عليه الجزاء: فقال قوم: عليه الجزاء. وقال قوم: لا شيء عليه وبه أقول. وصل في فصل - المحرم يقتل الصيد ويأكله: فمن قائل: عليه كفارة واحدة وبه أقول. وقيل: عليه كفارتان وبه قال عطاء. وفيه وجه عندي فإن الشرع اعتبره فما أطلق أكله إلاَّ لمن لم يعن عليه بشيء، فأحرى إذا كان هو القاتل فإن أكله يحرم عليه كما حرم عليه صيده كما حرم عليه قتله، فهذه ثلاثة حرم: صيد وقتل وأكل لما كان الآكل لنفسه سعى ومن حق نفسه عليه أنه لا يطعمها إلاّ ما لها حق فيه وما لاحق لها فيه فقد ظلمها فجوزي جزاء من ظلم نفسه . وصل في فصل - فدية الأذى: أجمع العلماء على أنها واجبة على من أماط الأذى من ضرورة وهو وجوب اللعنة على الذين يؤذون الله ورسوله، فوجب دفع الأذى حرمة للمحرم، ووجبت الكفارة حرمة للإحرام. الكلام في الله بما لا ينبغي أذى فوجبت إماطته حرمة للحق ولا فاعل إلاَّ الله فوجبت الكفارة وهي الستر لهذه النسبة بأن لا يضاف مثل هذا الفعل إلى الله تعالى وجلّ، والكفارات كلها ستر حيثما وقعت، واختلفوا فيمن أماط الأذى من غير ضرورة فقال قوم: عليه الفدية المنصوص عليها. وقال قوم: عليه دم وبه أقول فإنه غير متأذٍ في نفسه أي أنه ليس بذي ألم لذلك، ولذلك جعل محل الأذى الرأس المحسّ به وما جعله الشعر، فما ثم ضرورة توجب الحلق لما كان الإنسان مخلوقاً على الصورة وجبت إماطة الأذى عنه للنسبة عناية به، ووجبت الكفارة فيما أوجب الله عليه فعله أو أباحه له لئلا يشغله الإحساس بالأذى عن ذكر الله، وما شرع الحج إلاَّ لذكر الله فوجبت الكفارة حيث لم يصبر على الأذى، فما وفى الصورة حقّها، فإنه ورد أنه ما أحد أصبر على أذى من الله، وبهذا سمّي الصبور، وبعدم المؤاخذة مع الاقتدار سمّي الحليم. وصل في فصل: اختلافهم هل من شرط من وجبت عليه الفدية بإماطة الأذى أن يكون متعمداً أم الناسي والمتعمد سواء؟ فقال قوم: هما سواء. وقال آخرون: لا فدية على الناسي وبه أقول. والناسي هنا هو الناسي لإحرامه وكلاهما متعمد لإماطة الأذى، فإذا وجبت على المضطرّ وهو الذي قصد إزالتها لإزالة الأذى مع تذكره الإحرام فهي على الناسي أوجب، لأنه مأمور بالذكر الذي يختص بالإحرام، فإذا نسي الإحرام فما جاء بالذكر الذي للمحرم فاجتمع عليه إماطة الأذى ونسيان الإحرام فكانت الكفارة أوجب، وأصل ما ينبني عليه هذا الباب وجميع أفعال العبادات كلها علم إضافة الأفعال هل تضاف إلى الله وإلى العباد أو إلى الله وإلى العباد؟ فإن وجودها محقق ونسبتها غير محققة، فلنقل أولاً في ذلك قولاً إذا حققته ونظرت فيه نظر منصف عرفته أو قاربت فإني أفصل ولا أعين الأمر على ما هو في نفسه لما فيه من الضرر واختلاف الناس فيه، والخلاف لا يرتفع من العالم الفتوحات المکیة ج٢ - م٣٣ ٥١٤ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره بقولي، فإبقاؤه في العموم على إبهامه أولى، وعلماء رجالنا يفهمون ما أومي إليه فيها فأقول: إن الله قد قال؛ أنه ما خلق الله الخلق إلاَّ بالحق، وتكلم الناس في هذا الحق المخلوق به، وما صرّح أحد به ما هو إلاَّ أنهم أشاروا إلى أمور محتملة، فاعلم أن الحق المخلوق به والعالم المخلوق أمران محققان أنهما أمران عند الجميع، غير أنهما نظير الجوهر الهبائيّ والصورة، ومعلوم عند الجماعة أن الأفعال تصدر من الصورة، ولكن من هو الصورة؟ فهل العالم أو المخلوق به الذي هو الحقِ الذي قال الله فيه ﴿مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِاَلْحَقِّ﴾ [سورة الدخان: الآية ٣٩] و﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٥] فمن رأى أن الحق المخلوق به مظهر صور العالم ظهرت فيه بحسب ما تعطيه حقائق الصور على اختلافها بحسب الأفعال إلى الخلق، ومن رأى أن أعيان الممكنات التي هي العالم هو الجوهر الهبائيّ، وأن الحق المخلوق به هو الصورة في هذا العالم وتنوّعت أشكال صور لاختلاف أعيان العالم، فاختلفت عليه النعوت والألقاب، كما تنسب الأسماء الإلهية من اختلاف آثارها في العالم، فمن رأى هذا نسب الفعل إلى الله بصورة الصورة الظاهرة، ومن رأى أن ظهور الصورة لا يتمكن إلاَّ في الجوهر الهبائيّ. وأن الوجود لا يصحّ للجوهر الهبائيّ في عينه إلاَّ بحصول الصورة، فلا تعرف الصورة إلاّ بالجوهر الهبائيّ، ولا يوجد الجوهر الهبائيّ إلاّ بالصورة، نسب الأفعال إلى الله بوجه وإلى العباد بوجه، فعلق المحامد والحسن بما ينسب من الأفعال للحق، وعلّق المذام والقبح بما ينسب من الأفعال للعباد بالخلق الذي هو العالم لحكم الاشتراك العقليّ والتوقف في العلم بكل واحد منهما، وتوقف كمال الوجود على وجودهما، وقد رميت بك على الجادّة فهذا تفسير: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فنفى الرمي عمّن أثبته له، يقول الله في هذه الآية عين ما قلناه في هذه المسألة وذهبنا إليه ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤] وهذا قوله ﴿وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤] أي يبينه لنمشي عليه ﴿مَا مِن دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فمشينا عليه بحمد الله، فأثبت بهذه الآية أن أعيان العالم هو الجوهر البائيّ إلاَّ أنه لا يوجد إلاَّ بوجود الصورة، وكذلك أعيان العالم كما اتصفت بالوجود إلاَّ بظهور الحق فيها، فالحق المخلوق به لها كالصورة، وقد أعلمتك أن الفعل كله إنما يظهر صدوره من الصورة وهو القائل : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فكان الحق عين الصورة التي تشاهد الأعمال منها فتحقق ما ذكرناه، فإنه لا أوضح ممّا بين الله في هذه الآية وبيّناه نحن في شرحنا إياها على التفصيل: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٦] صراط الله، والصراط الذي عليه الرب، والصراط المضاف إلى الحقيقة في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَيطِى مُسْتَقِيمًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣] ولكل صراط حكم ليس للآخر فافهم والسلام. وأما ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٧] فهو الشرع. وصل في فصل - اختلافهم في توقيت الإطعام والصيام: اختلفوا في توقيت الإطعام ٥١٥ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره والصيام، فالأكثرون على أن يطعم ستة مساكين. وقال قوم: عشرة مساكين والصيام عشرة أيام. واختلفوا في كم يطعم كل مسكين فقال بعضهم: مدّين بمدّ النبيّ مّ لكل مسكين. وقال بعضهم: من البرّ نصف صاع ومن التمر والزبيب والشعير صاع. وأما قص الأظفار فقال قوم: ليس فيها شيء. وقال قوم: فيه دم. وفروع هذا الباب كثيرة جدّاً، فمن اعتبر الستة المساكين نظر إلى ما يطعم الصفات ممّا تطلب فوجدناها ستة كونية عن ستة إلهية، فما للإلهية من الحكم للكونية من الحكم وإطعامها ما تطلبه لبقاء حقيقتها فإنه لها كالغذاء للأجسام الطبيعية، فالمعلوم للعلم طعام فيه يتعلق، وكذلك الإرادة، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، وأما الحياة فليس لها مدخل في هذا الباب، فغاية حقيقتها الشرطية لا غير وهو باب آخر، ولما كانت الحضرة حضرتين كان من المجموع اثنا عشر وهو نهاية أسماء بسائط العدد الذي يعم الحضرتين، فإن العدد يدخل عليهما، ولهذا ورد تعدّد الصفات والأسماء المنسوبة إلى الله، وأما حكمه في الكون فلا يقدر أحد على إنكاره، كما أنها أيضاً نهاية انتهاء وزن الفعل الذي هو مركب من مائة وثمانين درجة، وسأبين حكمها إن شاء الله، فأما أوزان الفعل في الأسماء فهي اثنا عشر وزناً كل وزن يطلب ما لا يطلبه الآخر وهي محصورة في هذا العدد، كما نهاية أسماء العدد محصورة في الاثني عشر، فمن ذلك في تسكين عين الفعل ثلاثة، وفي فتحه ثلاثة، وفي ضمه ثلاثة، وفي كسره ثلاثة، فالمجموع اثنا عشر، فالتسكين مثل فعل كدعد، وفعل كقفل، وفعل كهند، والمفتوح العين فعل مثل جمل، وفعل مثل صرد، وفعل مثل عنب، والمضموم العين فعل مثل عضد، وفعل مثل عنق، وفعل لم يوجد له اسم على وزنه في اللسان، وعلّله أهل هذا الشأن بأنهم استثقلوا الخروج من الكسر إلى الضم، ومبنى كلامهم على التخفيف، وهذا التعليل عندنا ليس بشيء بسطناه في النسخة الأولى من هذا الكتاب، وقد مرّت بنا كلمة للعرب على وزن فعل بكسر فاء الفعل وضم عينه لا أذكرها الآن إلاَّ أنها لغة شاذة، والمكسور العين فعل مثل كتف، وفعل مثل إبل، ولم يوجد على وزن فعل سوى دئل وهو اسم دويبة تعرفها العرب. ثم إن الله أجرى حكمته في خلقه أن لا تأخذ العرب في أوزان الكلام إلاَّ هذه الأحرف الثلاثة: الفاء والعين واللام، ولها ثلاث مراتب في النشأة، وأخذوا من كل مرتبة حرفاً، أخذوا الفاء من حروف الشفتين عالم الملك والشهادة، وأخذوا العين من حروف الحلق عالم الغيب والملكوت، وأخذوا اللام من الوسط عالم البرزخ والجبروت، وهو من حروف اللسان الذي له العبارة والتصرّف في الكلام، فكان مجموع هذه الحروف التي جعلوها أصولاً في أوزان الكلام مائة وثمانين درجة وهو شطر الفلك الظاهر، وهو الذي يكون له الأثر أبداً في التكوين، والشطر الغائب لا أثر له إلاَّ حيث يظهر، وسبب ذلك أن أشعة أنوار الكواكب تتصل بالمحل العنصري وهو مطارح شعاعاتها، والعناصر قابلة للتكوين فيها، فإذا اتصلت بها سارع التعفين فيها لما في الأنوار من الحرارة، وفي ركن الماء والهواء من الرطوبة، فظهرت أعيان المكوّنات أنّ الله خمر طينة آدم بيده والتخمير ٥١٦ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره تعفين، وما غاب عن هذه الأنوار فلا أثر لها فيه، ألا ترى في كسوف الشمس إذا اتفق أن يكون بالليل لا حكم له عندنا لعدم مشاهدة الظاهر ظاهر كرة الأرض التي نحن عليها، فلا حكم له إلاَّ حيث يظهر بتقدير العزيز العليم، فإنه حيث يظهر يشهد ما حضر عنده فيؤثر فيه لشهوده عادة طبيعية أجراها الله، وهذا من أدل دليل على قول المعتزلي في ثبوت أعيان الممكنات في حال عدمها وأن لها شيئية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فيرانا سبحانه في حال عدمنا في شيئية ثبوتنا، كما يرانا في حال وجودنا لأنه تعالى ما في حقّه غيب، فكل حال له شهادة يعرفه صاحب الشهادة فيتجلى تعالى للأشياء التي يريد إيجادها في حال عدمها في اسمه النور تعالى فينفهق على تلك الأعيان أنوار هذا التجلي، فتستعدّ به لقبول الإيجاد استعداد الجنين في بطن أمّه في رابع الأشهر من حمله لنفخ الروح فيه، فيقول له عند هذا الاستعداد: كن فيكون من حينه من غير تثبط، فانظر إلى هذه الحكمة ما أجلاها. ثم إنه من تمام الحكمة أنه إذا كان في القابلات للتكوين من لا يقبله لحقيقة هو عليها إلاَّ بزيادة درجات وهو بين أصله وحقيقته فإنه يكرّر اللام من هذا الوزن إذا كانت حروف الوزن من نفس الكلمة ومن أصولها مثل جعفر وزنه فعلّل فكرّر واحداً من أصل الأوزان لأن حروف الموزون كلها أصول، فإن كان الحرف في الكلمة زائداً جئنا به على صورته ولم نعطه حرفاً من حروف الفعل فنقول في وزن مكسب مفعل، فالأصول أبداً هي التي تراعى في الأشياء، وهي التي لها الآثار فيها. وقال بعضهم: إن الجياد على أعراقها تجري. يقول: على أصولها. فمن كان أصله كريماً فلا بدّ أن يؤثر فيه أصله، وإن ظهر عنه لؤم فهو أمر عارض يرجع إلى أصله ولا بدّ في آخر الأمر، وكذلك اللئيم الأصل، وهذه مسألة قليل من يتفطن لها وهي: لماذا ترجع أصول الممكنات؟ هل أصله كريم فيكون واجب الوجود أصلها أو يكون أصلها لئيماً وهو الإمكان، فلا يزال الفقر والبخر واللؤم يصحبها، ويكون ما نسبت إليها من المحامد بحكم العرض، وهنا أسرار ودقائق وكلناك لنفسك في الاطلاع عليها، فإن ظهورها في العموم يتعذر، فتركنا علم ذلك لمن يطلعه الله عليه، فيقف على ما هو الأمر عليه في نفسه، وقد بقي من أمهات مسائل هذا الباب يسير نذكر اعتبارها في سرد أحاديث ما يتعلق بهذا الباب إن شاء الله تعالى. انتهى الجزء السبعون. (الجزء الحادي والسبعون) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ وصل في فصول - الأحاديث النبوية فيما يتعلق بهذا الباب: ولا أذكرها بجملتها وإنما أذكر منها ما تمسّ الحاجة إليه وبعد أن قد ذكرنا حجة رسول الله (ص8و من حديث جابر بن عبد الله فلنذكر في بقية هذا الباب ما تيسّر من الأخبار النبوية، فمن ذلك: حديث فضل الحج والعمرة: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة أنّ رسول الله وَالرَّ قال: ((العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا وَالحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ ٥١٧ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره الجَنَّةَ)) فالكفارة تعطي الستر والجنة تعطي الستر غير أن ستر العمرة لا يكون إلاَّ بين عمرتين، وستر الحج لم يشترط فيه ذلك إلاَّ أنه قيده بأنه يكون مبروراً والبرّ الإحسان والإحسان مشاهدة أو كالمشاهدة، فإنه قال رَّ في تفسير الإحسان: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)» فصارت الجنة عن حج مقيد بصفة برّ فقام البرّ للحج مقام العمرة الثانية للعمرة الأولى، والسبب في ذلك أن التكفير والجنة نتيجة، والنتيجة لا تكون عن واحد فإن ذلك لا يصحّ، وإنما تكون عن مقدمتين، فحصل التكفير عن عمرتين وحصلت الجنة عن حج مبرور أي يكون عن صاحب صفة برّ، فما أعجب مقاصد الشارع، فالعمرة الزيارة وهي زيارات أهل السعادة لله تعالى هنا بالقلوب والأعمال، وفي الدار الآخرة بالذوات والأعيان وبين الزيارتين حجب موانع بين الزائرين وبين أهليهم من أهل الجنان، وفي حالة الدنيا بين المعتمرين وبين غيرهم، فلا يدرك ما حصلوه في تلك الزيارة من الأسرار الإلهية والأنوار ما لو تجلّى بشيء منها لا يصار من ليس لهم هذا المقام لأحرقهم وذهب بوجودهم فكان ذلك الستر رحمة بهم. وقد عاينا ذلك في المعارف الإلهية مشاهدة حين زرناه بالقلوب والأعمال بمكة التي لا تصحّ العمرة إلا بها، وأما الزيارة من غير تسميتها بالعمرة فتكون لكل زائر حيث كان، وكذلك الحج فهي زيارة مخصوصة كما هو قصد مخصوص، ولما فيها من الشهود الذي يكون به عمارة القلوب تسمّى عمرة، فهذا معنى التكفير في هذا العمل الخاص، وقد يكون التكفير في غير هذا وهو أن يسترك عن الانتقام أن ينزل بك لما تلبست به من المخالفات، ومن الناس من يكون له التكفير ستراً من المخالفات أن تصيبه إذا توجهت عليه لتحل به لطلب النفس الشهوانية إياها فيكون معصوماً بهذا الستر فلا يكون للمخالفة عليه حكم، وهذان المعنيان خلاف الأول، ومن الناس من يجمع ذلك كله، وفي الدنيا من هذه الأحكام الثلاثة كلها، وفي الآخرة اثنان خاصة وهو الستر الأول والستر أن لا يصيبه الانتقام. وأمّا الستر عن المخالفات فلا يكون إلاَّ في الدنيا لوجود التكليف، والآخرة ليست بمحل للتكليف إلاَّ في يوم القيامة في موطن التمييز حين يدعون إلى السجود فهو دعاء تمييز لا دعاء تكليف إلاَّ الحديث الذي خرّجه الحميديّ في كتاب الموازنة ولم يثبت، ولما اقترن به الأمر أشبه التكليف فجوزوا بالسجود جزاء المكلفين كما تجيء الملائكة إليهم من عند الله بالأمر والنهي، وليس المراد به التكليف وهو قولهم للسعداء: ﴿أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ وهذا نهي ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣٠] وهذا أمر وليس بتكليف، كذلك إذا أمروا بالسجود إنما هو للتمييز والفرقان بين من سجد لله خالصاً وسجد اتقاء ورياء وسمعة . لاجتماعهم في السجود لله، فلذلك وقع الشبه لأنهم ما سجدوا ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩] كما أمروا، فميّز الله يوم القيامة بينهما، كما ميّز بين المجرمين، قال تعالى: ﴿وَأَمْتَزُوْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٥٩]. حديث ثان في الحثّ على المتابعة بين الحج والعمرة: لأن كل واحد منهما قصد زيارة بيت الله العتيق. خرّج النسائيّ عن عبد الله هو ابن مسعود قال: قال رسول الله وَل: ((تَابِعُوا ٥١٨ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره بَيْنَ الْحَجْ وَالعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ)). وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة، فجعل في الأول العمرة إلى العمرة، وكذلك الحج والبرّ، وهنا جعل الحج والعمرة مقدّمتين ليكون منهما أجر آخر ليس ما أعطاه الحديث الأول وهو نفي الفقر، فيحال بينك وبين عبوديتك إذا جمعت بين هاتين العبادتين، وما ثم إلاَّ عبد ورب، والعبد لا يتميز عن الرب إلاَّ بالافتقار، فإذا أذهب الله بفقره كساه حلة الصفة الربانية، فأعطاه أن يقول للشيء إذا أراده: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] وهذا سر وجود الغنى في الفقر، ولا يشعر به كل أحد، فإنه لا يقول لشيء كن فيكون حتى يشتهيه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣١] فما طلب إلاَّ ما ليس عنده ليكون عنده عن فقر لما طلب، لأن شهوته أفقرته إليه ودعته إلى طلبه ليس ذلك المشتهى طلبه، وعنده الصفة الربانية التي أوجبت له القوّة على إيجاد هذا المشتهى المطلوب فقال له: كن عن فقر بصفة إلهية فكان هذا المطلوب في عينه، فتناول منه ما لأجله طلب وجوده، وليس هو كذا في حق الحق لأن الله لم يطلب تكوين الموجودات لافتقاره إليها وإنما الأشياء في حال عدمها الإمكانيّ لها تطلب وجودها وهي مفتقرة بالذات إلى الله الذي هو الموجد لها لفقرها الذاتي وفي وجودها من الله، فقبل الحق سؤالها وأوجدها لها، ولأجل سؤالها لا من حاجة قامت به إليها لأنها مشهودة له تعالى في حال عدمها ووجودها، والعبد ليس كذلك فإنه فاقد لها حسّاً في حال عدمها، وإن كان غير فاقد لها علماً، إذ لولا علمه بها ما عين بالإيجاد شيئاً عن شيء ودون شيء، غير أن العبد مركب من ذاتين: من معنى وحسّ وهو كماله، فما لم يوجد الشيء المعلوم للحسّ فما كمل إدراكه لذلك الشيء بكمال ذاته، فإذا أدركه حسّاً بعد وجوده وقد كان أدركه علماً فكمل إدراكه للشيء بذاته، فتركيبه سبب فقره إلى هذا الذي أراد وجوده، وإمكانه سبب فقره إلى مرجحه. وأمّا الحق تعالى فليس بمركب بل هو واحد، فإدراكه للأشياء على ما هي الأشياء عليه من حقائقها في حال عدمها ووجودها إدراك واحد، فلهذا لم يكن في إيجاده الأشياء عن فقر كما كان لهذا العبد المخلوع عليه صفة الحق، وهذه مسألة لو ذهب عينك جزاء لتحصيلها لكان قليلاً في حقّها لأنها مزلة قدم زلّ فيها كثير من أهل طريقنا، والتحقوا فيها بمن ذمّ الله تعالى في كتابه من قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] وهذا سببه، فما وجد الممكن ولا وجدت المعرفة الحادثة إلاَّ لكمال رتبة الوجود، وكمال رتبة المعرفة لا لكمال الله بل هو الكامل في نفسه سواء وجد العالم أو لم يوجد، وعرف بالمعرفة المحدثة أو لم يعرف، كما أنه على الحقيقة لا يعرف ولا يعرف منه ممكن إلاَّ نفسه، وأما نفي الذنوب فإنها من حكم الاسم الآخر لأن ذلك من الأمر بمنزلة الذنب من الرأس متأخرة عنه لأن أصله طاعة فإنه ممتثل للتكوين إذ قيل له كن فما وجد إلاَّ مطيعاً، ثم عرض له بعد ذلك مخالفة الأمر المسمّى ذنباً فأشبه الذنب في التأخر فانتفى بالأصل لأنه أمر عارض والعرض لا بقاء له وإن كان له حكم في حال وجوده ولكن يزول، فهذا يدلّك على أن المآل إلى السعادة إن شاء الله ولو بعد حين. ٥١٩ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره ثم إن للذنب من معنى الذنب صفتين شريفتين إذا علمها الإنسان عرف منزلة الذنب عند الله، وذلك أن ذنب الدابة له صفتان شريفتان: ستر عورتها وبه تطرد الذباب عنها بتحريكها إياه، وكذلك الذنب فيه عفو الله ومغفرته، وشبه ذلك ما لا يشعر به مما يتضمنه من الأسماء الإلهية يطرد عن صاحبه أذى الانتقام والمؤاخذة وهما بمنزلة الذباب الذي يؤذي الدابة فلا يصيب الانتقام إلاَّ للأبتر الذي لا ذنب له، يقول تعالى: ﴿ إِنَّ شَائِشَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر: الآية ٣] أي لا عقب له أي لا يترك عقباً ينتفع به بعد موته كما قال عليه السلام: أو ولد صالح يدعو له ولداً كان أو سبطاً وذكراً أو أنثى يقول الله تعالى لمحمد ول#: إن الذي ألحق بك الشين هو الأبتر فلم يعقب وعقب الشيء مؤخره، ولهذا قلنا في الذنب إنه مؤخر لأنه في عقب الدابة وبعدمه يكون أبتر، فلو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم ولم يقل فيعاقبهم فغلب المغفرة وجعل لها الحكم، فأصل وجود الذنب بذاته لما يتضمنه من المغفرة والؤاخذة فيطلب تأثير الأسماء وليس أحد الاسمين المتقابلين في الحكم أولى من الآخرة لكن سبقت الرحمة لغضب في التجاري فلم تدع شيئاً إلاَّ وسعته رحمته . ومن رحمة الطبيب بالعليل صاحب الأكلة إدخال الألم عليه بقطع رجله، فافهم واجعل بالك، فمؤاخذات الحق عباده في الدنيا والآخرة تطهير ورحمة والتنبيه أيضاً على ذلك أن العقاب لا يكون إلاَّ في الذنب، والعقوبة لفظة تقتضي التأخير عن المتقدّم فهي تأتي عقيبه، فقد تجد العقوبة الذنب في المحل وقد لا تجده إما بأن يقلع عنه، وإما أن يكون الاسم العفوّ والغفور استعانا عليه الاسم الرحيم فزال، فترجع العقوبة خاسرة، ويزول عن المذنب اسم المذنب لأنه لا يسمّى مذنباً إلاّ في حال قيام الذنب به وهو المخالفة والغفران في نفس الذنب وما يأتي عقيبه لأنه غير متيقن بالمؤاخذة والانتقام عليه، فلا يأتي الغفران عقيبه، فلا يسمّى الغفران عقاباً، وجزاء الخير يسمّى ثواباً لثورانه وعجلته، فيكون في نفس الخير المستحق له لأنه من ثاب إلى الشيء إذا ثار إليه بالعجلة والسرعة ولهذا قال: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٣] وقال: ﴿يُسَرِعُونَ فِ الْخَّرَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] فجعل المسارعة في الخير وإليه ولا يسابق إليها إلاّ بالذنوب وطلب المغفرة فإنها لا ترد إلاَّ على ذنب، وإن كانت في وقت تستر العبد عن أن تصيبه الذنوب وهو المعصوم والمحفوظ فلها الحكمان في العبد: محوالذنب بالستر عن العقوبة، أو العصمة والحفظ، ولا ترد على تائب فإن التائب لا ذنب له إذ التوبة إزالته، فما ترد المغفرة إلاَّ على المذنبين في حال كونهم مذنبين غير تائبين فهناك يظهر حكمها، وهذا ذوق لم يطرق قلبك مثله قبل هذا، وهو من أسرار الله في عباده الخفية في حكم أسمائه الحسنى، لا يعقل ذلك إلاَّ أهل الله شهوداً، فمثل هذا يسمّى التضمين فإنه أمر بالمسابقة إلى المغفرة وما أمر بالمسابقة إلى الذنب. ولما كان العفو والغفران يطلب الذنب وهو مأمور بالمسابقة إلى المغفرة فهو مأمور بماله يكون ليظهر حكمها فما لا يتوصل إلى الواجب إلاَّ به فهو واجب، ولكن من حيث ما هو فعل لا من حيث ما هو حكم، وإنما أخفى ذكره هنا وذكر المغفرة لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا ٥٢٠ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٨] والأمر من أقسام الكلام، فما أمر بالذنوب وإنما أمر بالمسابقة والإسراع إلى الخير وفيه وإلى المغفرة فافهم. وأما تشبيهه بنفي الكير خبث الحديد والفضة والذهب وهو ما تعلق بهذه الأجسام في المعادن من أصل الطبيعة استعانوا بالنار على إزالة ذلك، واستعانوا على النار بإشعال الهواء، واستعانوا على تحريك الهواء بالكير، فما انتفى الخبث إلا عن مقدّمتين وهما: النار والهواء، فلولا وجود هاتين القوّتين العلمية والعملية ما وقع نفي هذا الخبث، وقد تقدّم الكلام في الحج المبرور، وإن كان له هنا معنى آخر ليس هو ذلك المعنى المتقدّم، ولكن يقع الاكتفاء بذلك الأول مخافة التطويل، فإن أسرار الله في الأشياء لا تنحصر، بل ينقدح في كل حال لأصحاب القلوب ما لا يعلمه إلاَّ الله والعامّة لا تعلم ذلك، ولهذا تقول الخواص من عباد الله: ما ثم تكرار للاتساع الإلهيّ وإنما الأمثال تحجب بصورها القلوب عن هذا الإدراك فتتخيل العامّة التكرار ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٧] فمن تحقق بوجود هذا الاسم الواسع لم يقل بالتكرار ﴿بَّ هُمْ فِى لَبْسٍ مِّنَ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥]. حديث ثالث في فضل إتيان البيت شرّفه الله: خرّج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّرَ: (مَنْ أَتَى هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسِقْ رَجَعَ كَيَوْم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) وفي لفظ البخاري عن رسول الله وَّرَ: ((مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسِقْ)) الحَديث. فاعلم أنه يوم خروج المولود من بطن أمّه خرج من الضيق إلى السعة بلا شك، ومن الظلمة إلى النور والسعة هي رحمة الله التي وسعت كل شيء، والضيق نقيض رحمة الله مع أن الرحمة وسعته حيث أوجدت عينه وجعلت له حكماً في نفوس العالم حسّاً ومعنى، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ١٣] والمولود على النقيض من الحق في هذه المسألة، فإن الحق لما كان له نعت لا شيء موجود إلا هو كان، ولا منازع ولا مدع مشاركة في أمر ولا موجب لغضب ولا استعطاف غنيّ عن العالمين، فكان بنفسه لنفسه في ابتهاج الأزل والتذاذ الكمال بالغنى الذاتي، فكان الله ولا شيء معه وهو على ما عليه كان، فلما أوجد العالم كانت هذه الحالة لهذا المولود، ولكن على النقيض زاحمه العالم في الوجود العيني وما قنع حتى زاحمه في الوحدة، وما قنع حتى نسب إليه ما لا يليق به، فوصف نفسه لهذا كله بالغضب على من نازعه في كل شيء ذكرناه، فكان مثل من خرج من السعة إلى الضيق ومن الفرح إلى الغم، فانتقم وعذب بصفة الغضب، وعفا وتجاوز بصفة الكرم، وحفظ وعصم بصفة الرحمة، فظهر الاستناد من الموجودات إلى الكثرة في العين الواحدة، فاستند هذا إلى غير ما استند هذا، فزال ابتهاج التوحيد والأحدية بالأسماء الحسنى، وبما نسب إليه من الوجوه المتعدّدة الأحكام، فلم يبق للاسم الواحد ابتهاج، فرجع الأمر إلى أحدية الألوهية وهي أحدية الكثرة لما تطلبه من الأسماء لبقاء مسمّى الأحدية فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحٌِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٣] ولم يتعرّض إلى ذكر النسب والأسماء والوجوه، فإن طلب الوحدة ينافي طلب الكثرة، فلا بدّ أن يكون هذا الأمر هكذا، فصير قاصد بيته لحج أو عمرة من أجل الله في حال من