Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٠، ٢١] يخرج طواف القدوم لؤلؤ المعارف في المناسك وطواف الوداع المرجان ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ فلطواف الزيارة وجه إلى طواف القدوم فقد يجزىء عنه، ووجه إلى طواف الوداع فقد يجزىء عنه، وقد قال العلماء بالقولين جميعاً، وسيأتي ذكرها في هذا الفصل إن شاء الله، وقد تقدّم الاعتبار في الطواف وما ينشأ منه، فطواف القادم كالعقل إذا أقبل على الله بالاستفادة، وطواف الوداع إذا أراد الخروج إلى النفس بالإفادة كالرسول وَلا يقبل على الروح الأمين عندما يلقي إليه من الوحي الإلهيّ، ثم الرسول يلقي إلى الخلق عند مفارقة الروح لتبليغ الرسالة، فالرسول بين طواف قدوم ووداع، وما بينهما طواف زيارة، وكانت ثلاثة أطواف لما قرّرناه أن ظهور العلوم لا يكون إلاَّ عن ثلاث مراتب فكرية كانت أو وهبية، وقد بيّنا لك أن البرزخ أبداً هو أقوى في الحكم لجمعه بين الطرفين، فيتصوّر بأيّ صورة شاء، ويقوم في حكم أيّ طرف أراد، ويجزىء عنهما فله الاقتدار التامّ، ويظهر سرّ ما قلنا في حكم ظاهر الشرع فيه. فمن ذلك أنهم أجمعوا على أن الواجب من هذه الأطواف الثلاثة الذي بقوته يفوت الحج هو طواف الإفاضة، فإن المعرّف إذا قدم مكة بعد الرمي وطواف الإفاضة أجزأه عن طواف القدوم وصحّ حجّه، وأن المودّع إذا طاف في زعمه طواف الوداع ولم يكن طاف طواف الإفاضة كان ذلك الطواف طواف إفاضة أجزأ عن طواف الوداع لأنه طواف بالبيت معمول به في وقت طواف الوجوب الذي هو الإفاضة، فقبله الله طواف إفاضة وأجزأ عن طواف الوداع، كما ذكرنا فيمن صام في رمضان متطوّعاً أن وجوب رمضان يردّه واجباً لحكم الوقت ولم تؤثر فيه النية، وجمهور العلماء على أنه لا يجزىء طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة، كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد، قال بعضهم: أجمعوا على أن طواف القدوم والوداع من سنة الحاج إلاّ الخائف فوات الحج فإنه يجزىء عنه طواف الإفاضة، واستحب بعض العلماء لمن جعل طواف الإفاضة يجزىء عن طواف القدوم أن يرمل فيه، وأمّا المكيّ فما عليه سوى طواف واحد، وأما المتمتع فإن لم يكن قارناً فعليه طوافان، وإن كان قارناً فطواف واحد هذا عندي، وقال قوم على القارن طوافان. انتهى الجزء السابع والستون. (الجزء الثامن والستون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ وصل في فصل - حكم السعي: فمن قائل: إنه واجب إن لم يسع كان عليه الحج. ومن قائل: إنه سنّة فإن رجع إلى بلده ولم يسع فعليه دم. ومن قائل: أنه تطوّع ولا شيء على تاركه لما كان الكمال غير محجور على النساء، وإن كانت المرأة أنقص درجة من الرجل فتلك درجة الإيجاد لأنها وجدت عنه وذلك لا يقدح في الكمال، فإن الرجل الذي هو آدم نسبته إلى ما خلق منه وهو التراب نسبة حوّاء إليه، ولم تمنع هذه النسبة الترابية لآدم عن الكمال الذي الفتوحات المکیة ج٢ - ٣١٣ ٤٨٢ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره شهد له به، وقد شهد رسول اللّه ◌َو بالكمال لمريم وآسية، فلما اعتبر الله هذا في المرأة جعل لها أصلاً في التشريع من حيث لم تقصد، فطافت بين الصفا والمروة هاجر أم إسماعيل عليه السلام وهرولت في بطن الوادي سبع مرات تنظر إلى من يقبل من أجل الماء لعطش قام بابنها إسماعيل فخافت عليه من الهلاك والحديث مشهور، فجعلها الله أعني جعل فعل هاجر من السعي بين الصفا والمروة وقرّره شرعاً من مناسك الحج، فمن رآه واجباً عظم فيه الحرمة ولم ير أنه يصحّ الحج بتركه، كذلك الخواطر النفسية إذا أثرت الشفقة والسعي في حق الغير أثر القبول في الجناب الإلهيّ فقال؛ ﴿يَأَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ﴾ [سورة الفجر: ٢٧، ٢٨] الذي خرجت منه إلى تدبير هذا البدن بالنفخ الإلهيّ، لأن الرجوع لا يكون إلاَّ لحال خرج منه وإلاَّ فما هو رجوع، فإنه ما قال لها أقبلي وإنما قال لها ارجعي، ولا يكون الأمر إلاَّ كذلك، فرجعوها كما لها لما قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكِرِ اللَّهِ ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] فوجب السعي لنداء الحق بالواسطة، فكيف وقد نادى الحق عباده في كتابه المنزّل علينا فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ اُلْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] فوجب السعي، غير أن الشريعة التي شرع الله في السعي إلى الجمعة أن يكون بالسكينة والوقار كالسعي في الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة بالسكينة، فإن النبيّ وَّ كان يقول للناس لما رآهم أسرعوا في الإفاضة من عرفات التي هي موقف حصول المعرفة بالله، فلما أفاضوا عن أمره إلى المزدلفة وهو مقام القربة والاجتماع بالمعروف فيها وهو تجلٍ خاص منه لقلوب عباده ولهذا سميت جمعاً، ومزدلفة من الزلفى وهو القرب فقال لهم رسول الله: السكينة السكينة، كما قال في السعي إلى الجمعة: لا تأتوها وأنتم تسعون أي مسرعون في السعي وانتوها وعليكم السكينة في سعيكم والوقار، فاجتمعت الجمعة وجمع في هذه الحقيقة الجمعية به تعالى في المقامين، وقوله: والوقار سعي في سكون وتهد مشي المثقل لأنه من الوقر وهو الثقل، فإن المعرفة بالله تعطي ذلك فإنه من عرفه شاهده ومن شاهده لم يغب، فإذا دعاه من مقام إلى مقام فهو لا يسرع إلاَّ من أجله وهو مشاهد له فإنه به يسعى فيمشي على ترسل مشي المثقل، فهذا معنى الوقار، فإنه لا يكون السكون في الأشياء إلاَّ عن هيبة وتعظيم لا عن إعياء وتعب، فإن السعي بالله لا تعب فيه ولا نصب. وصل في فصل - صفة السعي: قال جمهور علماء الشريعة: إن من سنّة السعي بين الصفا والمروة أن يدعو إذا رقي في الصفا مستقبل البيت ثم ينحدر فإذا وصل إلى الميل الأخضر وهو بطن الوادي رمل إلى أن يصل إلى الميل الثاني الأخضر وذلك كان حد الصعود إلى المروة وحد سعة الوادي، وإنما اليوم قد ارتدم بما جاءت به السيول، ولهذا جعل من جعل الميلين علامة لبطن الوادي ليكون حد الرمل المشروع في السعي، ثم يسعى من غير إسراع إذا جاز الميل الثاني على صورة ما انحدر من الصفا، فإذا وصل إلى المروة فعل في المروة مثل ما فعل في الصفا، ثم رجع يطلب الصفا من المروة فيكون حاله مثل الحال الأول في الرمل والهدوّ حتى يكمل سبع مرّات، وإنما يبدأ بالصفا لأن الله تهمّم بها في الذكر فبدأ ٤٨٣ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره بها، وقال رسول الله وَلَّ: ((أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)) فبدأ بالصفا واقترأ الآية ثم دعا بعدها وختم بالمروة لما كان الأول نظير الآخر وكان حكمهما على السواء ختم بها لأن بها تكمل السبعة، لأن الشيء المقابل هو من مقابله على خط السواء كما قال ◌َ لّ: ((لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَذْبِرُوهَا)) لأن استقبال الشيء واستدباره على خط واحد. وكذلك لما سكت إبليس في إتيانه العبد للإغواء عن الفوقية سكت عن التحت لأنه على خط استواء مع الفوق، لأنه لعنه الله رأى نزول الأنوار على العبد من فوقه فخاف من الاحتراق فلم يتعرّض في إتيانه إلى الفوق، ورأى التحت على خط استواء من الفوق وأن ذلك النور يتصل بالتحت للاستواء لم يأت من التحت والعلة واحدة. وقال عطاء: إن جهل فبدأ بالمروة أجزأ عنه. وقال بعضهم: إن بدأ بالمروة ألغى ذلك الشوط . وقد ذكرنا في حديث جابر المتقدم ما يدعو به إذا رقى على الصفا والمروة من فعله اليهود كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلة فلا يغفلها الساعي بين الصفا والمروة، فعندما يرقى في الصفا يعتبر اسمه من الأسف وهو حزنه على ما فاته من تضييع حقوق الله تعالى عليه، ولهذا يستقبل البيت بالدعاء والذكر ليذكره ذلك فيظهر عليه الحزن، فإذا وصل إلى المروة وهو موضع نائلة يأخذه من النيل وهو العطية فيحصل نائلة الأسف أي أجره ويفعل ذلك في السبعة الأشواط لأن الله أمتنّ عليه بسبع صفات ليتصرّف بها ويصرفها في أداء حقوق الله لا يضيع منها شيئاً فيأسف على ذلك فيجعل الله له أجره في اعتبار نائلة بالمروة إلى أن يفرغ، ثم أنه يرمل بين الميلين وهو بطن الوادي وبطون الأودية مساكن الشياطين ولهذا تكره الصلاة فيها، وقد ورد عن النبيّ وَّل﴿ لما نام في بطن الوادي عن وقت صلاة الصبح قال: ((ازتَفِعُوا فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ)) فإن فيه إصابتهم الفتنة فيرمل في بطن الوادي ليخلص معجلاً من الصفة الشيطانية والتخلص من صحبته فيها إذ كانت مقرّه كما يفعل في بطن محسر بمنى يسرع في الخروج منه لأنه واد من أودية النار التي خلق الشيطان منها، وكذلك الإسراع في بطن عرفة وهو وادي عرفة وهو موضع وقوف إبليس يوم عرفة بما وصفه الله فيه في ذلك اليوم من الذلة والصغار والبكاء لما يرى من رحمة الله وعفوه وحط خطايا الحاج من عباده. ثم إن السعي في هذا الموضع جمع الثلاثة الأحوال وهو الانحدار والترقي والاستواء وما ثم رابع، فحاز درجة الكمال في هذه العبادة أعطى ذلك الموضع وهو في كل حال منها سالك، فانحداره إلى الله وصعوده إلى الله واستواؤه مع الله، وهو في كل ذلك بالله لأنه عن أمر الله في الله، فالساعي بين الصفا والمروة من الله إلى الله مع الله بالله في الله عن أمر الله، فهو في كل حال مع الله لله، والصفا والمروة صفة جمادية مناسبة للحجارة التي ظهر بترتيبها شكل البيت المخصوص، فإنها بذلك الشكل أعطت اسم البيت، ولولا ذلك لم يوجد اسم البيت، وقد بيّنا لك أن الجمادات هي أعرف بالله وأعبد لله من سائر المولدات، وأنها خلقت في المعرفة لا عقل لها ولا شهوة ولا تصرّف إلاَّ إن صرّفت فهي مصرّفة بغيرها لا بنفسها، ولا مصرّف إلاَّ الله فهي مصرّفة بتصريف الله، والنبات وإن خلق في المعرفة مثلها فإنه نزل عن ٤٨٤ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره درجتها بالنموّ وطلب الرفعة عليها بنفسه حين كان من أهل التغذي وهو يعطي النموّ، وطلب الارتفاع والجماد ليس كذلك ليس له العلوّ في الحركة الطبيعية، لكن إذا رقى به إلى العلوّ وترك مع طبعه طلب السفل وهو حقيقة العبودية، والعلوّ نعت إلهيّ فإنه هو العليّ، فالحجر يهرب من مزاحمة الربوبية في العلوّ فيهبط من خشية الله، وبهذا أخبر الله عنه فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ لما ذكر الحجارة ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٤] فجعل هبوط الطبيعي من خشية فهو منشأ من الخشية لله والشهود له ذاتيّ و﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [سورة فاطر: الآية ٢٨] به فمن خشي فقد علم من يخشى، وهذا هو مذهب سهل بن عبد الله التستري، فلا أعلى في الإنسان من الصفة الجمادية، ثم بعدها النباتية، ثم بعدها الحيوانية، وهي أعظم تصريف في الجهات من النبات، ثم الإنسان الذي ادّعى الألوهة، فعلى قدر ما ارتفع عن درجة الجماد حصل له من تلك الرفعة صورة إلهية خرج بها عن أصله، فالحجارة عبيد محققون ما خرجوا عن أصولهم في نشأتهم، ثم إن الله جعل هذه الأحجار محلاً لإظهار المياه التي هي أصل حياة كل حيّ في العالم الطبيعيّ وهي معادن الحياة، وبالعلم يحيى الإنسان الميت بالجهل، فجمعت الأحجار بالخشية، وتفجر الأنهار منها بين العلم والحياة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٤] مع اتصافها بالقساوة وذلك لقوّتها في مقام العبودية، فلا تتزلزل عن ذاتها لأنها لا تحب مفارقة موطنها لما لها فيه من العلم والحياة اللتين هما من أشرف الصفات، فنال الساعي من الصفا إلى المروة وهما الحجارة ما تعطيه حقيقة الحجارة من الخشية والحياة والعلم بالله والثبات في مقامهم ذلك، فمن سعى ووجد مثل هذه الصفات في نفسه حال سعيه فقد سعى وحصل نتيجة سعيه فانصرف من مسعاه حيّ القلب بالله ذا خشية من الله عالماً بقدره وبماله ولله، وإن لم يكن كذلك فما سعى بين الصفا والمروة. وصل في فصل - شروطه: اتفق العلماء أن من شرطه الطهارة من الحيض، فأمّا الطهارة من الحدث فكلهم قالوا: ليس من شرطه الطهارة من الحدث إلاَّ الحسن. فاعلم أنه لما قرّرنا في فصل السعي ما قرّرنا وفي اعتباره الحجارة من حكم الصفا والمروة لذلك اتفقوا أنه لا يشترط الطهارة من الحدث في هذا النسك لأنه عبد محض فيها، ولم تصحّ له هذه العبودة إلاّ بحدثه، فلولا حدثه ما صحّت عبوديته، فإذا تطهر من حدثه خرج عن حقيقته وادّعى المشاركة في الربوبية بقدر ما خرج، فإن كان طهراً عاماً كالغسل كان أبعد له من حقيقته، وإن كان طهراً خاصاً كالوضوء فهو أقرب والأخذ بالمناسب أتم في الحقائق. وأمّا من يرى الطهارة في هذا النسك فإنه يقول: لا بدّ لكل موجود حيّ من نسبة فعل إليه على أيّ وجه كان، ولا أكثر محدث بقي على أصله أتم من الحجارة، ومع هذا فإن الله وصفها بالخشية وهو فعل نسب إليها أي قيل إنها تخشى، فينبغي أن تتطهر من هذه النسبة لا من الخشية لتكون الخشية من الله فيها، وكذلك التشقق نسب إليها لخروج المياه فلا بدّ من التطهير من هذه النسب، ولهذا نزع الحسن إلى اشتراط الطهارة في هذا الشك وهو حسن مثل ٤٨٥ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره اسمه أي هو مذهب حسن، فإن النبيّ وَّر كره أن يذكر الله إلاَّ على طهر أو قال: طهارة، ولا بدّ فيه من ذكر الله، فالقول بالطهارة أولى، والحسن عندنا من أئمة طريق الله جلّ جلاله، ومن أهل الأسرار والإشارات. وصل في فصل - ترتيبه: اتفق العلماء أن السعي ما يكون إلاَّ بعد الطواف بالبيت، وأنه من سعى قبل الطواف يرجع فيطوف وإن خرج عن مكة، فإن جهل ذلك حتى أصاب النساء في العمرة أو في الحج كان عليه حج قابل والهدي أو عمرة أخرى. وقال بعضهم: لا شيء عليه. وقال بعضهم: إن خرج عن مكة فليس عليه أن يعود وعليه دم وبه أقول. اعلم أن الله لما دعانا ما دعانا إلاَّ أن نقصد البيت فلا ينبغي أن نبدأ إذا وصلنا إليه بغير ما دعانا إليه، ولا نفعل شيئاً حتى نطوف به، فإذا قصدناه بالصفة التي أمرنا بها حينئذ تصرّفنا بعد ذلك على حدّ ما رسم لنا في سائر المناسك إن كنا عبيد اضطرار ووفينا بمقامنا من العبودية، وهكذا فعل المشرّع ◌َّ﴾ الذي قال لنا: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وقال الله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] وقال: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْسِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] وقال: ((مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)). فأبان بفعله وَّ عن مراد الله منّا في هذه العبادة هذا هو التحقيق، فإن اتسع العبد إدلالاً بالدال اليابسة وهو عندنا خروج عن الإذلال بالذال المعجمة من الذلة لما خلقه الله على الصورة وهي تقتضي العزّة أراد أن يكون له في الفعل اختيار، وبهذه الإرادة كلف ليصحّ ظهوره بالصورة إذا اختار لأنه علم أنه لا بدّ لها من الحكم في موطن ما فقدّم السعي وقال: وإن دعانا إلى بيته فلا بدّ من الوصول إليه والطواف به فإنه ما حجر علينا أن لا نمرّ بغير البيت في طريقنا، فلو حجر وقفنا عند تحجيره، فدلّ سكوته على ذلك أنه خيّرنا، إذ لا بدّ من الطواف بالبيت لأنه أمرنا بذلك فقال: ﴿وَلْبَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ اٌلْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج: الآية ٢٩] فجعلنا الحكم في تقديم السعي لمكان خلقنا على الصورة ليكون لها حكم الاختيار، والاختبار ووفاء بمقامها ومراعاة له، فإنه يقول عن نفسه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [سورة القصص: الآية ٦٨] ونحن على الصورة، فلا بدّ من هذه الحقيقة أن يكون لها أثر، ومع هذا فالأولى أن نصرف اختيار الصورة منه في غير هذا الموطن لما تقدم من بيان الشارع الذي هو العبد المحقق محمد ◌ّيلر، فلم يقدم السعي على الطواف ولا المروة على الصفا في السعي، وقال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٤] فلم يذم أدباً معنا لنتعلم بل نزّه نفسه بالغنى عمّا دعاهم إليه، وأنهم إن أجابوا لذلك فإن الخير الذي فيه عليهم يرجع والله غنيّ عنه، وبهذا وجد رخصة من قدم السعي ثم أتبعه بالحميد أي هو أهل الثناء بالمحامد في الأولى والآخرة، فله الحمد على كل حال، سواء تحرّكت يا هذا بالصورة فاخترت لما تعطيه قوّة الصورة أو تحرّكت عبداً مضطرّاً، فإن الحمد لله في كل ذلك، يقول الله بالحال: لولا صورتي ما اخترت ولم تكن مختاراً فصورتي هي التي كانت لها الخيرة لا لك إقامة عذر للعبد، وهذا من كرم الله فلا حرج، فلهذا لم يعلق به الذم ولا تعرّض لذكره ٤٨٦ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره في عدم الاقتداء والتأسي برسوله وَ ل8# فإنه ما حجر كما قلنا، وهذا تنبيه من الله غريب في الموقع حيث لم يذم ولا حمد بل جعله مسكوتاً عنه . وصل في فصل - ما يفعله الحاج في يوم التروية إذا كان طريقه على منى: يوم التروية هو يوم الخروج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة والمبيت فيه ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من اليوم التاسع الذي هو يوم عرفة تأسّياً برسول الله وَئية، وأجمع العلماء على أن ذلك ليس بشرط في صحة الحج، فإذا أصبح يوم عرفة غدا إلى عرفة ووقف بها لما وصل الحاج إلى البيت ونال من العلم بالله ما نال، ونال في المبايعة والمصافحة ليمين الله تعالى ما يجده أهل الله في ذلك، وحصل من المعارف الإلهية وطوافه بالبيت وسعيه وصلاته بمنى، أراد الله أن يميز له ما بين العلم الذي حصل له في الموضع المحرّم وبين المعرفة الإلهية التي يعطيه الله في الحل وهو عرفة، فإن معرفة الحل تعطي رفع التحجير عن العبد وهو في حال إحرامه محجور عليه لأنه محرم بالحج، فيجمع في عرفة بين معرفته بالله من حيث ما هو محرم، وبين معرفة الله من حيث ما هو في الحل، لأن معرفة الله في الحرم وهو محرم معرفة مناسبة النظير، فإنه بالإحرام محجور عليه وبالحرم محجور عليه، وهذا خلاف حكم عرفة، فإنه محرم في حل فهو في عرفة أبعد مناسبة وأشد مشقة لأنه تقابل ضد وتمييز، فإنه لم يحرم الحل بإحرام الحاج، ولم يحل الحاج من إحرام بإحلال الموضع، فلم يؤثر أحدهما في الآخر، فتميز العبد بالحجر لبقائه على إحرامه ليس فيه من الحق المختار شيء، وتميز الحق بالحل أنه غير محجور عليه فهو يفعل ما يريد لما يتوهمه الوهم بدليل العقل أن الحق يحكم على الفعل منه علمه به فما يبدل، وهذا نقيض الاختيار، فأشبه المحجور عليه فيحصل له في عرفة في الحل معرفة إزالة هذا التحجير الذي أثبته الوهم بدليل العقل، فإنه في هذا الموطن من العلم بالله ساوى الوهم العقل، فحجر على الله وجعلاه تحت حكم علمه في الشيء في مذهب من يرى أن العلم صفة زائدة على ذاته قائمة به تحكم على ذاته بحسب ما تعلقت به، فمن قال: إن علمه ذاته لا يلزمه هذا، وهذه معرفة بالله بديعة عجيبة لا يعرف قدرها إلاَّ من عرفها، فلما أراد الحاج حصول هذه المعرفة مرّ في طريقه بمنى وهو موضع الحج الأكبر وأراد أن يذوق طعمه قبل الوقوف بعرفة إذ كان مرجعه إليه يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر، فإنه في ذلك الزمان الأوّل يجتمع فيه من وقف بعرفة، ومن وقف بالمزدلفة فكان معظم الحاج بمنى فصلى بها وبات ليذوق ذلك في حكم النهار وحكم الليل، فيحصل بين الأمر النهاريّ والتجلّي الليليّ، وما يحصل في أوقات الصلوات من الأمر الخاص في هذا الموطن حتى يرى إذا رجع إليها بعد الوقوف هل يتساوى الذوق في ذلك أو يتغير عليه الحال التأثير عرفة والمزدلفة فيه، فكان مبيته وقعوده بمنى حالة اختيار وتمحيص ليكون من ذلك على علم في المآل، بخلاف المعرّف فإنه لا يحصل له ذلك، فلا يعرف هل يتغير حكم منى بعد عرفة عن حكمه قبل عرفة أم لا؟ فهذا كان سبب ذلك. وصل في فصل - الوقوف بعرفة: أمّا الوقوف بعرفة فإنهم أجمعوا على أنه ركن من ٤٨٧ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره أركان الحج، وأن من فاته فعليه الحج من قابل والهدي في قول أكثرهم، ونحن لا نقول بالهدي لمن فاته فإنه ليس بمتمتع لأنه ما حج مع عمرته في سنة واحدة، والسنة في يوم عرفة أن يدخلها قبل الزوال، فإذا زالت الشمس خطب الإمام الناس ثم جمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر ثم وقف حتى تغيب الشمس، هكذا فعل رسول الله وَّر، وإمامة الحج هي للسلطان الأعظم لا خلاف بينهم في ذلك، وأنه يصلي وراءه برّاً كان أو فاجراً، وقد قدمنا أنه برّ في وقت صلاته فما صليت إلاَّ خلف برّ ولا كان إمامك إلاَّ برّاً، فلا فائدة للفجور والفسق الذي يذكره علماء الرسوم في هذه المسألة، وقد قدمنا الكلام فيها، وأنّ من السنّة علينا في ذلك اليوم أن نأتي إلى المسجد مع الإمام للصلاة، ويعتبر في ذلك المشي بالله مع الله إلى الله في بيت المعرفة لأنه مسجد في عرفة وهو مسجد عبودية، ولا يصحّ أن يكون المسجد إلاَّ موطن عبودية، لأن السجود هو التطاطي وهو نزول من أعلى إلى أسفل، وبه سمّي الساجد ساجداً لنزوله من قيامه، فيعطيه مسجد عرفة المعرفة بنفسه ليكون له ذلك سلماً إلى معرفة ربه، فإنه من عرف نفسه عرف ربه الذي سجد له، والمعرفة تطلب في التعدّي أمراً واحداً فهو تعلّقه أي تعلّق علم العبد ومعرفته بأحدية الله خاصة، فلو لم يقل عرفة وقال ما يدل على العلم كما دلّ عرفة على العلم لم نجعل تعلّقه بالأحدية وكنّا نجعله بأمر آخر، فعلمنا أن الإنسان يطلب في معرفة نفسه شفعيتها من حيث أحديتها التي تمتاز بها معرفة أحدية الحق، إذ لا يعرف الواحد إلاّ من هو واحد، فبأحديتك في شفيعتك عرفت أحديته تعالى، فجاء في المعرفة باسم عرفة لأجل القصد بمعرفة أحدية الخالق لأنه لا أحدية له في غير الذات من المناسبات إلاَّ أحدية الخالق بمعنى الموجد، ولذلك تمدّح بها وجعلها فرقاناً بين من ادّعى الألوهية أو ادعيت فيه فقال: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧] فلو وقعت المشاركة في الخلق لما صحّ أن يتخذها تمدّحاً ولا دليلاً مع الاشتراك في الدلالة هذا لا تصحّ، فيعلم قطعاً أن الخالق صفة أحدية لله لا تصح لأحد غير الله، فلهذا كانت معرفة الله في عرفة معرفة أحدية، إذ المعرفة هذا نعتها في اللسان الذي خوطبنا به من الله، فإذا عرفت هذا فقد عرفت . وصل في فصل - الأذان: اعلم أن العلماء اختلفوا في وقت أذان المؤذن بعرفة الظهر والعصر، فقال بعضهم: يخطب الإمام حتى يمضي صدر من خطبته أو معظمها، ثم يؤذن المؤذن وهو يخطب. وقال قوم: يؤذن إذا أخذ في الخطبة الثانية. وقال قوم: إذا صعد الإمام المنبر أمر المؤذن بالأذان فأذن كالجمعة، فإذا فرغ المؤذن قام الإمام يخطب، وعلى هذا القول رأيت العمل اليوم وهو مذهب أبي حنيفة، والأول مذهب مالك والثاني قيل إنه مذهب الشافعيّ، وقد حكي عن مالك أنه قال كما قال أبو حنيفة، حكاه ابن نافع عن مالك، والحديث: (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ خَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ ثُمَّ أَقَامَ وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ وَلَمْ يَتَتَفَّلْ بَيْنَهُمَا» حقيقة الأذان الإعلام لا الذكر، وقد يكون إعلاماً بذكر لذكر أيضاً فكله ذكر إلاَّ الحيعلتين فإنه نداء بأمر إلى عبادة معينة، فمن راعى الجمع في عين الفرق جعل لهما أذاناً واحداً وإقامتين، ومن راعى الفرق بين الظهر والعصر جعل في الجمع حكم التفرقة فقال بأذانين وإقامتين، ولهذا ٤٨٨ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره وقع الخلاف، فقال قوم: بأذانين وإقامتين. وقال قوم: بأذان واحد وإقامتين، فمن راعى الصلاة جعله بعد الخطبة، ومن راعى سماع الخطبة جعله قبل الخطبة، ومن راعى كونه ذكر الله بصورة الأذان كالذي أمر أن يقول مثل ما يقول المؤذن على أنه ذاكر الله لا مؤذن، فإن القائل مثل المؤذن لا يقال فيه أنه مؤذن إنما هو ذاكر بصفة الأذان، فهذا يقول بالأذان في نفس الخطبة، ويكتفي بقرينة حال قصد الناس عرفة في ذلك اليوم ليس لهم شغل إلاَّ الاهتمام بالأفعال التي تلزمهم في ذلك اليوم، فمنها استماع الخطبة والصلاة فأغنى عن الأذان الذي هو الإعلام، إلاَّ أن يقصد إعلاماً بدخول وقت الصلاة لمن يجهل ذلك فيكون أذاناً بذكر، فإن الذكر في طريق الله لا يختص بالقول فقط، بل تصرّف العبد إذا رزق التوفيق في جميع حركاته لا يتحرك إلاَّ في طاعة الله تعالى من واجب أو مندوب إليه، ويسمّى ذلك ذكر الله أي لذكره في ذلك الفعلِ أنه لله بطريق القربة، سمّي ذكراً، قالت عائشة عن رسول الله وَيّ: ((أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) فعمّت جميع أحواله في يقظة ونوم وحركة وسكون، تريد أنه ما تصرّف ولا كان في حال من الأحوال إلاَّ في أمر مقرّب إلى الله لأنه جليس الذاكرين له، فجميع الطاعات كلها من فعل وترك إذا فعلت أو تركت لأجل الله فذلك من ذكر الله أي الله ذكر فيها، ومن أجله فعلت أو تركت على حكم ما شرع فيها، وهذا هو ذكر الموفقين من العلماء بالله . وأجمع العلماء على أن الإمام لو لم يخطب يوم عرفة قبل الصلاة أن صلاته جائزة بخلاف الجمعة، فهذا فرق بين الجمعة وبين الصلاة في عرفة، هذا هو ما فعل النبيّ وَّ وإنما خطب قبل الصلاة، كما أجمعوا على أن القراءة في هذه الصلاة سرّ لا جهر، بخلاف الجمعة فالخطيب في هذا اليوم مذكر الحق في قلب العبد وواعظه وجوارحه كالجماعة الحاضرين سماع تلك الخطبة، فهو يحرّضهم على طاعة الله، ويعرّفهم أن الله ما دعاهم إلى هذا الموطن للوقوف بين يديه إلاّ تذكرة لقيام الناس يوم القيامة لرب العالمين، ويعرّفهم أن الله يأتيهم في هذا اليوم، بخلاف إتيانه يوم القيامة فإن ذلك الإتيان إنما هو للفصل والقضاء وتميّز الفرق بعضها من بعض بسيماهم واليوم إتيانه للواقفين في هذا الموطن إتيان بمغفرة ورحمة وفضل وإنعام ينال ذلك الفضل الإلهيّ في هذا اليوم من هو أهله يعني المحرمين بالحج ومن ليس من أهله ممّن شاركهم في الوقوف والحضور في ذلك اليوم وليس بحاج، فحكمهم كالجليس مع القوم الذين لا يشقى جليسهم، قال تعالى للملائكة في أهل مجالس الذكر فيمن جاء لحاجة له لا للذكر أنهم القوم لا يشقى جليسهم، فعمّتهم مغفرة الله ورضوانه، وضاعف الله للمحرمين من حيث أنهم أهل ذلك الموقف ما تستحقه الأهلية، هذا كله وأمثاله يشعر العبد به نفسه، كما ينبغي للخطيب أن يذكر الناس بمثل هذا الفضل الإلهيّ لتكون عبادتهم في ذلك اليوم شكراً لله تعالى، وينسون ما هم فيه من الشعث والتعب في جنب ما حصل لهم من الله، ثم يقومون للصلاة بعد الفراغ من الخطبة فيصلون في ذلك الموطن صلاة من هو بعرفة في حال كونهم شعثاً غبراً عرايا من المخيط حاسرين عن رؤوسهم واقفين على أقدامهم بين يدي رب عظيم، فيصلون في ذلك اليوم جمعاً صلاة العارفين كما قلنا : [الوافر] ٤٨٩ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره ومَسْكَنَةٌ وذلِّ وافتقَارُ صلاةُ العارفين لها خُشُوعْ عليه في شهادته اضطرارُ وفاعِلُها وحيدٌ في شُهودٍ ولما كانت حالته في هذا اليوم خاصة به بينه وبين ربه في صلاته تعيّن عليه أن تكون قراءته سرّاً، وهو الذكر النفسيّ إشعاراً لتحققه بالحق في ذلك الموطن، فإنه إذا ذكره في نفسه والقرآن ذكر ذكره الحق في نفسه من حيث لا يشعر العبد بأن الله ذكره، فإن الله إذا ذكره في نفسه فذكره في حضرة أزلية لا حدوث فيها فكان للعبد بهذا الذكر قدم في الأزل حيث أحضره الحق في نفسه بالذكر، فإنه إذا ذكره في ملأ فقد ذكره في حضرة حدوث والحدوث صفة العبد، فما زاد منزلة بذلك إلاَّ كونه ذكراً خاصاً وموطن عرفة عظيم، فكانت القراءة فيه في الصلاة نفسية لتحصل هذه المنزلة في ذلك اليوم. وصل في فصل: فإن كان الإمام مكياً فاختلفوا هل يقصر أم لا هنا وبمنى وبالمزدلفة؟ فمن قائل: بالقصر ولا بدّ في هذه الأماكن كان مكياً أو لم يكن، وكان من أهل الموضع أو لم يكن. ومن قائل: لا يقصر إلاّ إن كان مسافراً، فمن راعى السفر أراد أن يناجي الحق تعالى في هذه الصلاة في مقام الوحدانية فيجعل للحق الركعة التي يناجيه منها من حيث أحديته، ويجعل لنفسه الركعة الثانية التي يناجيه فيها من حيث أحدية العبد التي بها عرف أحدية الحق في يوم عرفة لتعدّي هذا الفعل إلى أمر واحد، ومن راعى الإتمام جعل للحق ركعتين: الواحدة من حيث ذاته تعالى، والثانية من حيث ما هو معلوم لنا بنسبة خاصة تقضي بأن يوصف بأنه معلوم لنا، إذ قد كان غير موصوف بأنه معلوم، إذ لم يكن لنا وجود في أعياننا، فلم يكن ثم من يطلب منه أن يعرفه، ويجعل الركعتين الأخريين الواحدة منها لذات العبد من حيث عينه، والركعة الثانية من حيث إمكانه الذي يعطيه الافتقار إلى مرجحه في انتسابه إليه، وهذه معرفة لدليل والمشاهدة فإنها دليل أيضاً فإن المشاهدة طريق موصلة إلى العلم بالمشهود، والفكر طريق موصل إلى العلم بالله أيضاً من حيث استقلال العقل به وإن لم يشهد فهذا سرّ الإتمام في الصلاة والقصر لما يعطيه مكان عرفة من المعرفة بالله في الصلاة بهذا المكان. وصل في فصل - الجمعة بعرفة: اختلف العلماء في وجوب الجمعة ومتى تجب، فقيل : لا تجب الجمعة بعرفة. وقال آخرون ممّن قال بهذا القول إنه اشترط في وجوب الجمعة أن يكون هنالك من أهل عرفة أربعون رجلاً. ومن قائل: إذا كان أمير الحاج ممّن لا يفارق الصلاة بمنى ولا بعرفة صلَّى بهم فيهما الجمعة إذا صادفها. وقال قوم: إذا كان والي مكة يجمع بهم، والذي أقول به إنه يجمع بهم سواء كان مسافراً أو مقيماً وكثيرين أو قليلين ممّا ينطلق عليهم في اللسان اسم جماعة . واقعة وقعت لنا في ليلة كتابتي هذا الوجه وهي مناسبة لهذا الباب، كنت أرى فيما يراه النائم شخصاً من الملائكة قد ناولني قطعة من أرض متراصة الأجزء ما لها غبار، في عرض شبر وطول شبر وعمق لا نهاية له، فعندما تحصل في يدي أجدها قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَعْرَةٌ لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٠ ] إلى قوله - ٤٩٠ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] فكنت أتعجب ما كنت أقدر أن أنكر أنها عين هذه الآيات، ولا أنكر أنها قطعة أرض، وقيل لي هكذا أنزل القرآن أو أنزلت على محمد ، فكنت أرى رسول الله وَ لل ويقول لي: هكذا أنزلت عليّ فخذها ذوقاً وهكذا هو الأمر فهل تقدر على إنكار ما تجده من ذلك؟ قلت: لا، فكنت أحار في الأمر حتى قلت لغلبة الحال عليّ في ذلك: [السريع] كلي وبعضي وهي من جُمْلتي ما ثَمَّ إلَّ خَيْرةٌ عمَّتْ واللهِ ما ثَمَّ حديثٌ سوى هذا الذي قد شهدتْ مُقْلتي وذاك مجلاه وذي كِلَّتي فما أرى غيري وما هو أنا فقلت: هذا كشف مطابق للجمعة التي جاء بها جبريل عليه السلام إلى رسول الله وَليه في صورة مرآة مجلوّة وفيها نكتة وقال له: يا رسول الله هذه الجمعة وهذه النكتة الساعة التي فيها والحديث مشهور فانظر ما أعجب الأمور الإلهية وتجليها في القوالب الحسيّة، وهذا دليل على ارتباط الأمر بيننا وبين الحق: [مخلع البسيط] وكل ما تشهدون حقٌّ فالكلُّ حقٌّ والكلُّ خَلْقُ وما له في اللسان نُطْقُ يحوي على الأمر من قريب وكله في الوجود صِدقُ وكلُّه مثلُ ما تراه انتهى إمداد الواقعة الجامعة. فلنرجع ونقول: والله يقول الحق وهو يهدي السبيل : الحج نداء إلهيّ ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجّ﴾ [سورة الحج: الآية ٢٧] والجمعة نداء إلهيّ ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] فوقعت المناسبة، فالجماعة موجودة فوجبت إقامتها بعرفة ولا سبيل إلى تركها ولا سيما والحقائق تعضد ذلك، فما وجد كون من الأكوان إلاَّ عن جمع معقول، ولا ظهر كون في عين إلاَّ مجموعاً من حقائق تظهر ذلك ولم يصح وجود حادث شرعاً ولا عقلاً، وكل ما سوى الله حادث إلاَّ عن ذات ذات إرادة وعلم وقدرة وحياة عقلاً وذات إرادة وقول أمري شرعاً، ثم الوجه الآخر من الجمعية أن الحادث عن اقتدار إلهيّ وقبول إمكانيّ لا بدّ منهما من شرطها وجود حياة شرعاً تقول للشيء كن، فثبتت الجمعية شرعاً فى إيجاد الأكوان، وثبتت عقلاً كما قرّرنا، فالوحدة في الإيجاد والوجود والموجود لا يعقل ولا ينقل إلاَّ في لا إله إلاَّ هو، فهذه أحدية المرتبة وهي أحدية الكثرة فافهم، فإذا أطلقت الأحدية فلا تطلق عقلاً ونقلاً إلاَّ بإزاء أحدية المجموع مجموع نسب أو صفات، أو ما شئت على قدر ما أعطاه دليلك، ولكل نسبة أو صفة أحدية تمتاز بها عن غيرها في نفس الأمر، فمن أراد أن يميزها عند السامع أو المتعلم فما يقدر على ذلك إلاَّ بمجموع حقائق كل حقيقة معلومة عند السامع، وما في العلوم أعجب من هذا العلم حيث تعقل الأحدية في كل موجود، ولا يصحّ وجود موجود حادث إلاَّ بمجموع مجموعاً وهذه حيرة عظيمة: [مجزوء الخفيف] حَيْرةُ الأمر حَيْرةٌ وهي في الغَيْر غَيْرةٌ ٤٩١ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره ولذلك ما طلب الحق تعالى في الإيمان منّا إلاَّ توحيد الإله خاصة، وهو أن تعلم أنه ما ثم إلاَّ إله واحد لا إله إلاَّ هو، ثم قال: الرحمن الرحيم، فلم يكن ثم جمع يقتضي هذا الحكم، وهو أن يكون إلهاً إلاَّ هذا المسمّى بهذه الأسماء الحسنى المختلفة المعاني التي افتقر إليها الممكن في وجود عينه، وإذا كان الأمر على ما قرّرناه فلا واجب أوجب من إقامة الجمعة بعرفة إذا جاء وقتها وشرطها، فلا أدري في العالم أجهل ممّن قال: لا يصدر عن الواحد إلاَّ واحد مع قول صاحب هذا القول بالعلية، ومعقولية كون الشيء علة لشيء خلاف معقولية شيئيته والنسب من جملة وجوه الجمع، فما أبعد صاحب هذا القول من الحقائق ومن معرفة من له الأسماء الحسنى، ألا ترى أهل الشرائع وهم أهل الحق يقولون بنسبة الألوهة لهذا الموجد للممكن المألوه، ومعقول الألوهة ما هو معقول الذات، فالأحدية معقولة لا تتمكن العبارة عنها إلاَّ بمجموع مع كون العقل يعقلها وهي أحدية المجموع وآحاده، ألا ترى أن التجلّ الإلهيّ لا يصحّ في الأحدية أصلاً وما ثم غير الأحدية، وما يتعقل أثر عن واحد لا جمعية له، فيا ليت شعري كيف جهلت العقول ما هو أظهر من الشمس فيقول؛ ما صدر عن الواحد إلاَّ واحد، ويقول: إن الحق واحد من جميع الوجوه وهو يعلم أن النسب من بعض الوجوه، وأن الصفات في مذهب الآخر من بعض الوجوه، فأين الواحد من جميع الوجوه؟ فلا أعلم من الله بالله حيث لم يفرض الوحدة إلاَّ أحدية المجموع وهي أحدية الألوهة له تعالى فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَّهَ إِلَّا هُوِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٢ -٢٤] وهي تسعة وتسعون اسماً مائة إلاَّ واحداً، وكل اسمٍ واحد مدلوله ليس مدلول عين الاسم الآخر، وإن كان المسمّى بالكل واحداً فما عرف الله إلاّ الله: [البسيط] العينُ واحدةٌ والحکمُ مختلِفُ ما يعرف الله إلاَّ الله فاعترفوا هذا هو النَّهَرُ المنسابُ فاغترفوا فقُلْ لقوم أبوا إلاَّ عقولَهُمُ سوى دلائلِه فيما بدا فَقِفُوا ولا تقولُنَّ إن العقلَ ليس له إليه كشّفْ وما في الكشف منْصَرَفُ هنا ولا تبرحوا حتى يجوزَ بكم فمن طلب الواحد في عينه لم يحصل إلاَّ على الحيرة، فإنه لا يقدر على الانفكاك من الجمع والكثرة في الطالب والمطلوب، وكيف يقدر على نفي الكثرة وهو يحكم على نفسه بأنه طالب وعلى مطلوبه بأنه مطلوب، ويوم عرفة يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، وما عجله الحق في الدنيا لعباده إلاَّ لانقضاء أجله المحدود كما قال سبحانه وتعالى في الآخرة: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٣] ﴿وَمَا تُؤَخِّرُهُ: إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٤] ويوم عرفة يوم مغفرة عامة شاملة، فإذا اتفق أن يكون يوم جمعة ففضل على فضل، ومغفرة إلى مغفرة، وعيد إلى عيد، فالأولى والأحق بالإمام أن يقيم فيه الجمعة، فإنها أفضل صلاة مشروعة هي في موضع الأولى، فلها الأوّلية التي لا ثاني لها، ٤٩٢ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره فينبغي أن يقيمها من ثبتت له المغفرة الإلهية شرعاً، فطهر طهارة ظاهرة وباطنة، فهو المقدّس عن كل ذنب يحجب عن الله، ثم إنه موطن الغبرة والشعث والخشوع والابتهال والدعاء والتضرّع، فوجبت الجمعة فيه إن حضر يومها فيكون يوما عيد عيد عرفة وعيد الجمعة، فإن لم يقمها الإمام لم يحظ إلاَّ بعيد واحد، ولا یکون ذلك يوم جمعة أصلاً، بل يسلب عنه ذلك الحكم لعدم صلاة الجمعة فيه، وقد زال عنه اسمه الأوّل وهو العروبة فلا جمعة ولا عروبة، فإن اعتبرت الرتبة الباطنة فقد يرجع عليه اسمه الأوّل وهو العروبة لا غير، فتفطن لما ذكرته لك من روال اسم الجمعة عنه لأنه ما سمّي به إلاَّ لاجتماع الناس فيه على إمام واحد كما اجتمعنا في وجودنا على إله واحد، والله الهادي. انتهى الجزء الثامن والستون. وصل في فصل - توقيت الوقوف بعرفة في يومه وليلته: لم تختلف العلماء أن رسول الله وَير ما وقف إلاَّ بعد الزوال، وبعدما صلَّى الظهر والعصر ارتفع عن مصلاه ووقف داعياً إلى غروب الشمس، فلما غربت دفع إلى المزدلفة، وأجمعوا على أن من وقف بعرفة قبل الزوال أنه لا يعتد به إن فارق عرفة، وأنه إن لم يرجع ويقف بعد الزوال أو يقف من ليلته تلك قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج. اعلم أن العرب والزمان العربيّ في اصطلاحهم وما تواطؤوا عليه يتقدم ليله على نهاره جرياً على الأصل، فإن موجد الزمان وهو الله تعالى يقول: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ اٌلَّهَارَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] فجعل الليل أصلاً وسلخ منه النهار كما تسلخ الشاة من جلدها، فكان الظهور الليل والنهار مبطون فيه كجلد الشاة ظاهر كالستر عليها حتى تسلخ منه، فسلخ الشهادة من الغيب ووجودنا من العدم، فظهر علم العرب على العجم، فإن العجم الذين حسابهم بالشمس يقدّمون النهار على الليل ولهم وجه بهذه الآية وهو قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] وإذا حرف يدل على زمان الحال أو الاستقبال ولا يكون الموصوف بأنه مظلم إلاّ بوجود الليل في هذه الآية فكان النهار غطاء عليه، ثم سلخ منه أي أزيل؛ ﴿فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ﴾ أي ظهر الليل الذي حكمه الظلمة، فإذا الناس مظلمون الممكن وإن كان موجوداً فهو في حكم المعدوم، وأصدق بيت قالته العرب قول لبيد: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل). والباطل عدم، فظهر هذا الحكم الأعجمي في الشرع العربيّ في يوم عرفة، فإن العرب والشرع أخروا ليلة عرفة عن يومها كما فعلت الأعاجم أصحاب حساب الشمس فجعل الشرع العربي ليلة عرفة الليلة المتقبلة من يوم عرفة التي يكون صبيحتها يوم النحر وهو اليوم العاشر، وسائر الزمان عندهم الليلة لليوم الذي يكون صبيحتها، وعند الأعاجم ليلة الجمعة مثلاً الذي يكون يوم السبت صبيحتها، فاجتمع العرب والعجم في تأخير هذه الليلة عن يومها أعطى ذلك مقام المزدلفة المسمّى جمعاً، فإنه جمع فيه العرب والعجم على حكم واحد، فجعلوا ليلة عرفة ليوم عرفة المتقدّم لكون الشارع شرع أنه من أدرك الوقوف بعرفة ليلة جمع قبل الفجر فقد أدرك الحج والحج عرفة، وكل يوم كامل بليلته من غروب إلى غروب عند العرب ومن شروق إلى شروق عند العجم إلاّ يوم عرفة فإنه ثلاثة أرباع اليوم المعلوم إلاَّ ساعة وخمسة ٤٩٣ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره أسداس ساعة فإنه من زوال الشمس إلى طلوع الفجر خاصة، فقد نقص من زمان يوم عرفة عن اليوم المعلوم من طلوع الفجر إلى الزوال. وسبب ذلك أنه لما اعتبر في عرفة أنه مقام المعرفة بالله التي أوجبها علينا فكان ينبغي أن لا نسمّى عارفين بالله حتى نعلم ذاته وما يجب لها من كونها إلهاً، فإذا عرفناه على هذا الحد فقد عرفناه، فصارت المعرفة مقسمة نصفين: النصف الواحد معرفة الذات، والنصف الآخر معرفة كونه إلهاً، فلما بحثنا بالأدلة العقلية وأصغينا إلى الأدلة الشرعية أثبتنا وجود الذات وجهلنا حقيقتها وأثبتنا الألوهة لها وهو نصف المعرفة بكمالها والربع وجودها أعني وجود الذات المنسوبة إليها الألوهة، والربع الرابع معرفة حقيقتها، فلم نصل إلى معرفة حقيقتها ولا يمكن الوصول إلى ذلك، والزائد على الربع الذي جهلناه أيضاً هو جهلنا بنسبة ما نسبناه إليها من الأحكام، فإنا وإن كنا نعرف النسبة من كونها نسبة فقد نجهل النسبة الخاصة لجهلنا بالمنسوب إليه، فحصلت المعرفة من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جهلنا بالنسبة، ومن طلوع الشمس إلى الزوال وهو ربع اليوم جهلنا بالذات، فما أعطى عرفة من المعرفة بالله إلاَّ ما أعطاه زمانه فاعلم، فنقص العلم بها عن درجة العلم بكل معلوم، فمن لم نعلمه بحقيقته فما علمناه، فعلمنا بوجود الذات من أجل الاستناد لا بالذات، وعلمنا نسبة الألوهة لها لا كيفية النسبة وهو نصف المعرفة، وهذا النصف يتضمن ربعين: الربع الواحد العلم بصفات التنزيه والسلوب، والربع الآخر المعرفة بصفات الأفعال والنسب، فالحاصل بأيدينا ثلاثة أرباع المعرفة [ليس] إلاَّ والربع الواحد لا نعرفه أبداً، والذي ينظر من المعرفة المناسب لما زاد على الربع من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هو بمنزلة ما جهلنا من نسبة وصف ما وصف الحق به نفسه من صفة التشبيه، فلا ندري كيف ننسب إليه مع إيماننا به وإثباتنا له هذا الحكم مع جهلنا لكن على ما يعلمه الله من ذلك، فهذا في مقابلة الزائد على ربع اليوم، فلهذا نقص يوم عرفة عن سائر الأيام الزمانية، فتحقق صحة يوم عرفة أنه من الزوال إلى طلوع الفجر من ليلة عرفة. وصل في فصل - من دفع قبل الإمام من عرفة: اختلف علماء الإسلام فيمن وقف بعرفة بعد الزوال ثم دفع منها قبل الإمام وبعد الغيبوبة، فقيل: أجزأه لأنه جمع بعرفة بين الليل والنهار، فإن دفع قبل الغروب قيل: عليه دم، وقيل: لا شيء عليه وحجّه تام، والذي أقول به إنه لا شيء عليه وإن حجّه تام الأركان غير تام المناسك لأنه ترك الأفضل لا شك أنه من ترك شيئاً من اتباع الرسول وَلَه ممّا لم ينفرض عليه فإنه ينقص من محبة الله إياه على قدر ما نقص من اتباع الرسول، وأكذب نفسه في محبته لله لعدم إتمام الاتباع، وعند أهل طريق الله لو اتبعه في جميع أموره وأخلّ بالاتباع في أمر واحد مما لم ينفرض عليه بل خالف سنّة الاتباع في ذلك ممّا أبيح له الاتباع فيه أنه ما اتبعه قط وإنما اتبع هوى نفسه لا هو مع ارتفاع الأعذار الموجبة لعدم الاتباع هذا مقرّر عندنا، قال تعالى لمحمد وَالرّ: ﴿قُلّ﴾ يا محمد لأمتك: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَِّعُونِ﴾ فجعل الاتباع دليلاً، وما قال في شيء دون شيء ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة ٤٩٤ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره آل عمران: الآية ٣١] والله يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] وهو الاتباع، وقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ﴾ في دعواكم محبتي ﴿أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٠] وهو أني أحبكم إذا صدقتم في محبتي، وجعل الدليل على صدقهم حصول محبة الله إياهم، وحصول محبة الله إياهم دليل الاتباع وعلى قدر ما نقص ينقص، وعند أهل الله هو أمر لا يقبل النقص وأن العذر لا ينقصه فإنه في حبس الله عن الاتباع في أمر ما فالحق ينوب عنه عندي. حكاية: قال أبو يزيد في هذا الباب: كنت أظنّ في برّي بأمي أني ما أقوم فيه لهوى نفسي بل لتعظيم الشريعة حيث أمرتني ببرّها، فكنت أجد في نفسي لذّة عظيمة، كنت أتخيل أن تلك اللذة من تعظيم الحق عندي لا من موافقة نفسي، فقالت لي في ليلة باردة : اسقني يا أبا يزيد ماء، فثقل عليّ التحرّك لذلك فقلت: والله ما خفف عليّ ما كانت تكلفني فعله إلاّ الموافقة كان في نفسي من حيث لا أشعر فأبطل عمله وما سلم لها، قال أبو يزيد: فقمت بمجاهدة وجئت بالكوز إليها فوجدتها قد سارع إليها النوم ونامت، فوقفت بالكوز على رأسها حتى استيقظت فناولتها الكوز وقد بقي في أذن الكوز قطعة من جلد أصبعي لشدة البرد انقرضت فتألمت الوالدة لذلك، قال أبو يزيد: فرجعت إلى نفسي وقلت لها: حبط عملك في كونك كنت تدعين النشاط في عبادتك والاتباع أن ذلك من محبتك الله فإنه ما كلفك ولا ندبك وأوجب عليك إلاَّ ما هو محبوب له، وكل ما يأمر به المحبوب عند المحب محبوب، وممّا أمرك الله به يا نفسي البرّ بوالدتك والإحسان إليها، والمحب يفرح ويبادر لما يحبه حبيبه ورأيتك قد تكاسلت وتثاقلت وصعب عليك أمر الوالدة حين طلبت الماء فقمت بكسل وكراهة، فعلمت أنه كل ما نشطت فيه من أعمال البرّ وفعلته لا عن كسل ولا تثاقل بل عن فرح والتذاذ به، إنما كان ذلك لهوى كان لك فيه لا لأجل الله، إذ لو كان لله ما صعب عليك الإحسان لوالدتك وهو فعل يحبه الله منك وأمرك به وأنت تدعين حبّه، وأن حبّه أورثك النشاط واللذّة في عبادته فلم يسلم لنفسه هذا القدر، وكذلك غير أبي يزيد من أهل الله كان يحافظ على الصف الأوّل دائماً منذ سبعين سنة وهو يزعم أنه يفعل ذلك رغبة فيما رغبه الله فيه موافقة لله، فاتفق له عائق عن المشي إلى الصف الأوّل فخطر له خاطر أن الجماعة التي تصلي في الصف الأول إذا لم يروه يقولون: أين فلان؟ فبكى وقال لنفسه: خدعتني منذ سبعين سنة أتخيل أني الله وأنا في هواك وماذا عليك إذا فقدوك فتاب وما رئي بعد ذلك يلزم في المسجد مكاناً واحداً معيناً ولا مسجداً معيناً، فهكذا حاسب القوم نفوسهم، ومن كانت حالته هذه ما يستوي مع من هو فاقد لهذه الصفة كذلك من وقف مع الإمام لأنها عبادة يشترط فيها الإمام إلى أن يدفع معه ما يستوي في الاتباع مثل من دفع قبله . وصل في فصل - من وقف بعرنة من عرفة فإنه منها: اختلف العلماء فيمن وقف بعرنة بعرفة فإنه من عرفة فقيل: حجّه تام وعليه دم. وقال بعضهم: لا حج له عرنة من عرفة موقف إبليس، فإن إبليس يحجّ في كل سنة وذلك موقفه يبكي على ما فاته من طاعة ربه وهو مجبور في الإغواء، وإن كان من اختياره إبرار القسمة بربّه، فإنه وإن سبق له الشقاء فله شبهة يستند ٤٩٥ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره إليها في امتثاله أمر سيده بعد أن حقّت الكلمة كلمة العذاب عليه بقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦٣] واستفزز، وأجلب، وعدهم، فإنه يجد لذلك تنفيساً، ومع هذا فإنه يحزن لما يرى من المغفرة التي حصلت لأهل عرفة الشاملة لهم وهو فيها أعني بعرفة، فلا بدّ له عند نفسه من طرف منها يناله من عين المنة الإلهية ولو بعد حين هذا ظنّه بربه. وأما خروجه من جهنم فلا سبيل إليه لأنه وأتباعه من المشركين الذين هم أهل النار يملأ الله بهم جهنم ولا نقص فيها بعد ملئها فلا خروج، وأمر الله الحاج أن يرتفع عن موقف إبليس فإنه موقف البعد، فإبليس تحت حكم الاسم البعيد، وأهل عرفة تحت حكم الاسم القريب، فما برحوا من حكم الأسماء، فحجّ من وقف بعرنة لكونه من عرفات تام إلاّ أنه ناقص الفضيلة كما بيّنا في الدفع قبل الإمام، فعرنة موضع مكروه للوقوف به من أجل مشاركة الشيطان، ألا ترى النبيّ وَّوارتفع في ذلك عن بطن الوادي الذي فاتته فيه صلاة الصبح فعلّل وقال: ((إِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ)). لأنه هو الذي هدأ بلالاً حتى نام عن مراقبة الفجر، وقد ورد في الحديث : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَعْقِدُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيَلٌ طَوِيلٌ فَارْقُذْ)) الحديث، فَما أراد ◌َّه بارتفاعه عن بطن عرنة إلاَّ البعد من مجاورة الشيطان، ولو صلَّى في ذلك الموضع أجزأه أعني الموضع الذي أصابته فيه الفتنة ففارق الموضع مفارقة تنزيه لا مفارقة تحريم. ولما كان لإبليس طرف من المعرفة لذلك لم تطرده الملائكة عن عرنة بل وقف فيها، غير أن الناس انعزلوا عنه في ناحية منها لانعزال إمامهم، وعرفات كلها موقف وعرنة من عرفات، فأمرنا بالارتفاع عن بطن عرنة لما ذكرناه، ومن حمل هذا الأمر على الوجوب أبطل الحج، ولا تكون الإفاضة للحاج إلاَّ من بطن عرنة فإن حدّ المزدلفة حرف الوادي الذي هو عرنة، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَةٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٨] ولم يخص مكاناً من مكان بل الخروج عنها بالكلية إلى المزدلفة، وقد علمنا أن الله يغفر لأهل الموقف من الحاج وغيرهم ورحمة الله وسعت كل شيء، فالتقييد ما هو من صفة من له الوجود المطلق، فبرحمة الله يحيا ويرزق كل موجود سوى الله، فالرحمة شاملة وهي في كل موطن تعطى بحسب ذلك الموطن، فأثرها في النار بخلاف أثرها في الجنة، والله الموفق لا رب غيره. وصل في فصل - المزدلفة: أجمع العلماء على أنه من بات بالمزدلفة وصلَّى فيها المغرب والعشاء وصلَّى الصبح يوم النحر ووقف بعد الصلاة إلى أن أسفر ثم دفع إلى منى أن حجّه تام، واختلفوا هل الوقوف بها بعد صلاة الصبح والمبيت بها من سنن الحج أو فروضه؟ فقال جماعة: هو من فروض الحج ومن فاته فعليه الحج من قابل والهدي. وقال بعضهم: من فاته الوقوف بها والمبيت فعليه دم. وقال بعضهم: إن لم يصل بها الصبح فعليه دم المزدلفة اسم قرب والعمل فيها قربة فمن فاته صفة القرب في محل القرب فما حجّ، فإن الحج نشأة كاملة من هذه الأفعال كلها، فهي له كالصفات النفسية للموصوف إذا زال واحد منها بطل كون ذلك الموصوف، وهكذا كل عبادة تقوم من أشياء مختلفة بمجموعها تصحّ تلك العبادة وهي ٤٩٦ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره المعبر عنها بأركانها فتسمّى في العبادة ركناً، وتسمّى في الذوات والأعيان صفة نفسية، غير أن النشآت وإن كانت لها صفات نفسية هي التي تحفظ على ذلك الشيء عينه لها أيضاً لوازم وهي التي توجد في الحدود الرسمية وهي لا تنفك عن الموصوف بها، فمن يرى أن الموصوف لا ينفك عنها كالضحك للإنسان أشبهت الصفة النفسية قال: ببطلان الملزوم لعدم اللازم، ومن قال: يصحّ حدّ الشيء الذاتيّ دون هذا اللازم قال: لا يكون للشيء حكم البطلان مع ارتفاع اللازم في الذهن وإن لم يرتفع في الوجود. ولما سمّاه الله المشعر الحرام لنشعر بالقبول من الله في هذه العبادة بالعناية والمغفرة وضمان التبعات ووصفه بالحرمة لأنه في الحرم فيحرم فيه ما يحرم في الحرم كله فإنه من جملته فأمر بذكر الله فيه يعني بما ذكرناه، فإن الشيء لا يذكر بأن يسمّى وإنما يذكر بما يكون عليه من صفات المحمدة، فإن الأسماء في أصل الوضع إنما هي إعلام للمسمّى بها لا نعوت، فلا يذكر بالاسم العلم إلاَّ للتعريف لتعلم من هو المذكور بما ذكرته من المحامد أو غيرها . وصل في فصل - رمي الجمار: أما جمرة العقبة فموضع الاتفاق فيها أن ترمى من بعد طلوع الشمس إلى قريب من الاستواء بسبع حصيات يوم النحر لا يرمى في ذلك اليوم غيرها، واختلفوا في رميها قبل طلوع الفجر فقيل: لا يجوز عليه الإعادة يعني إعادة الرمي. وقيل: يجوز والمستحب بعد طلوع الشمس وبالأول أقول. وقال قوم: إن رماها قبل غروب الشمس يوم النحر أجزأه ولا شيء عليه. وقال بعضهم: أستحب لمن رماها قبل غروب الشمس يوم النحر أن يريق دماً، واختلفوا فيمن لم يرم حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد فقيل: عليه دم، وقيل: لا شيء عليه إن رماها من الليل وإن أخّرها إلى غد فعليه دم. وقال قوم: لا شيء عليه وإن أخرها إلى الغد. وأما الرعاء فرخص لهم رسول الله ◌َيّر فقال بعضهم: معنى الرخصة للرعاء إنما ذلك إذا مضى يوم النحر ورموا جمرة العقبة ثم كان اليوم الثالث وهو أول أيام النفر رخص لهم رسول الله هو أن يرموا في ذلك اليوم له ولليوم الذي بعده، فإن نفروا فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا. وقال بعضهم: معنى الرخصة عند العلماء هو جمع يومين في يوم واحد، إلاّ أن مالكاً، إنما يجمع عنده ما وجب فيجمع في اليوم الثالث فيرمي عن الثاني والثالث فإنه لا يعصى أحد عنده إلاّ بما وجب، ورخص كثير من العلماء في جمع اليومين في يوم واحد، سواء تقدّم ذلك اليوم الذي أضيف إليه غيره أو تأخر. واختلفوا فيمن قدّم من هذه الأفعال ما أخّره النبيّ وَّ بفعله أو من أخّر ما قدّمه النبيّ وَّ منها فقال بعضهم: من حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة فعليه الفدية. وقال آخرون: لا شيء عليه، وسيرد في سرد الأخبار النبوية الواردة في الحج إن شاء الله بعد هذا ما تقف عليه ويقع التنبيه على كل خبر بحسب ما يتضمنه. وقال بعضهم: إن حلق قبل أن يرمي وينحر فعليه دم وإن كان قارناً فعليه دمان. وقال بعضهم: عليه ثلاثة دماء: دمان للقران ودم للحلق ٤٩٧ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره قبل النحر، وأجمعوا على أنه من نحر قبل أن يرمي فلا شيء عليه، وأنه من قدّم الإفاضة قبل الرمي والحلق أنه يلزمه إعادة الطواف. وقال بعضهم: لا إعادة عليه. وقال الأوزاعيّ: إذا طاف الإفاضة قبل أن يرمي جمرة العقبة ثم واقع أهله فعليه دم. واتفقوا على أن جملة ما يرميه الحاج سبعون حصاة منها في يوم النحر سبعة، وأن من رمى هذه الجمرة أعني جمرة العقبة من أسفلها أو من أعلاها أو من وسطها أن ذلك كله واسع، والمختار منها فعل رسول الله وَلّ وهو بطن الوادي، وأجمعوا على أنه يعيد الرمي إذا لم تقع الحصاة في العقبة، وأنه يرمي في كل يوم من أيام التشريق ثلاث جمار بإحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع، وأنه يجوز أن يرمي منها يومين وينفر في الثالث، وقدّروها عندهم أن تكون مثل حصى الخذف، والسنّة في رمي الجمرات في أيام التشريق أن يرمي الأولى فيقف عندها ويدعو وكذلك الثانية ويطيل المقام ثم يرمي الثالثة ولا يقف عندها، والتكبير عندهم عند كل رمي جمرة حسن وأن يكون رمي أيام التشريق بعد الزوال، واختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق فقال جمهور العلماء: عليه إعادة الرمي بعد الزوال. وروي عن بعض علماء أهل البيت أنه قال: رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها، وأجمعوا على أن من لم يرم الجمار أيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرميها بعد، واختلفوا في الوجوب من ذلك بين الدم والكفارة فقال بعضهم: إن ترك رمي الجمار كلها أو بعضها أو واحدة منها فعليه دم. وقال بعضهم: إن تركها كلها كان عليه دم، وإن ترك جمرة واحدة فصاعداً كان عليه لكل جمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن يبلغ ذلك ما ترك الجميع إلاَّ جمرة العقبة فمن تركها فعليه دم. وقال بعضهم: عليه في الحصاة مدّ من طعام، وفي الحصاتين مدّان، وفي الثلاث دم. وقال الثوريّ مثله إلاّ أنه قال في الرابعة دم. ورخصت طائفة من التابعين في الحصاة الواحدة فقالت: ليس فيها شيء. وقال أهل الظاهر: لا شيء في ذلك وسأورد الأخبار فيما ذكرناه إن شاء الله، وجمهور العلماء على أن جمرة العقبة ليست من أركان الحج، وأما التحلل من الحج فهو تحللان: تحلل أكبر وهو طواف الإفاضة، وتحلل أصغر وهو رمي جمرة العقبة . اعتبار هذا الفصل: الجمرات الجماعات وكل جمرة جماعة أية جماعة كانت، ومنه الاستجمار في الطهارة، ولهذا استحبّ له أن يكون أكثر من واحد حتى يوجد فيه معنى الجماعة، ولا معنى لمن يرى الاستجمار بالحجر الواحد إذا كان له ثلاثة حروف، فإن العرب لا تقول في الحجر الواحد أنه جمرة، ويستحب أن يكون وتراً من ثلاث فصاعداً وأكثره سبع في العبادة لا في اللسان، فإن الجمرة الواحدة سبع حصيات، وكذلك الجمرة الزمانية التي تدل على خروج فصل شدة البرد كل جمرة في شباط سبعة أيام وهي ثلاث جمرات متصلة كل جمرة سبعة أيام، فتنقضي الجمرات بمضيّ أحد وعشرين يوماً من شباط مثل رمي الجمار إحدى وعشرين حصاة وهي ثلاثة جمرات، وكذلك الحضرة الإلهية تنطلق بإزاء ثلاثة معان : الذات والصفات والأفعال، ورمي الجمرات مثل الأدلة والبراهين على سلب كحضرة الذات، الفتوحات المكية ج٢ - م٣٢ ٤٩٨ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره أو إثبات كحضرة الصفات المعنوية، أو نسب أو إضافة كحضرة الأفعال، فدلائل الجمرة الأولى لمعرفة الذات، ولهذا نقف عندها لغموضها إشارة إلى الثبات فيها وهي ما يتعلق بها من السلوب، إذ لا يصحّ أن يعرف بطريق إثبات صفة معينة، ولا يصحّ أن يكون لها صفات نفسية متعدّدة بل صفة نفسه عينه لا أمر آخر، فلا بدّ أن تكون صفته النفسية الثبوتية واحدة وهي عينه لا غير، فهو مجهول العين معلوم بالافتقار إليه، وهذه هي معرفة أحديته تعالى، فيأتي خاطر الشبهة بالإمكان إلى هذه الذات فيرميه بحصاة الافتقار إلى المرجح وهو واجب الوجود لنفسه، ويأتي بصورة الدليل على ما يعطيه نظمه في موازين العقول. فهذه حصاة واحدة من الجمرة الأولى، فإذا رماه بها مكبراً أي يكبر عن هذه النسبة الإمكانية إليه فيأتيه في الثانية بأنه جوهر فيرميه بالحصاة الثانية وهو دليل الافتقار إلى التحيّز أو إلى الوجود بالغير، فيأتيه بالجسمية فيرميه بحصاة الافتقار إلى الأداة والتركيب والأبعاد فيأتيه بالعرضية فيرميه بحصاة الافتقار إلى المحل والحدوث بعد أن لم يكن، فيأتيه بالعلية فيرميه بالحصاة الخامسة وهي دليل مساوقة المعلول له في الوجود وهو كان ولا شيء معه، فيأتيه في الطبيعة فيرميه بالحصاة السادسة وهي دليل نسبة الكثرة إليه، وافتقار كل واحد من آحاد الطبيعة إلى الأمر الآخر في الاجتماع به إلى إيجاد الأجسام الطبيعية، فإن الطبيعة مجموع فاعلين ومنفعلين حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، ولا يصحّ اجتماعها لذاتها ولا افتراقها لذاتها، ولا وجود لها إلاَّ في عين الحار والبارد والرطب واليابس، فيأتيه في العدم وهو أن يقول له: إذا لم يكن هذا ولا هذا ويعدد ما تقدم فما ثم شيء فيرميه بالحصاة السابعة وهي دليل آثاره في الممكن والعدم لا أثر له، وقد ثبت بدليل افتقار الممكن في وجوده إلى مرجح ووجود موجود واجب الوجود لنفسه وهو هذا الذي أثبتناه مرجحاً، وانقضت الجمرة الأولى. ثم أتينا إلى الثانية وهي حضرة الصفات المعنوية وقال لك سلمنا إن ثم ذاتاً مرجحة للممكن، فمن قال: إن هذه الذات عالمة بما ظهر عنها فرميناه بالحصاة الأولى إن كان هذا هو الخاطر الأوّل الذي خطر لهذا الحاج المعنويّ، وقد يخطر له الطعن في صفة أخرى أوّلاً فيرميه بحسب ما يخطر له إلى تمام سبع صفات وهي: الحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام، وبعض أصحابنا لا يشترط هذه الثلاثة أعني السمع والبصر والكلام في الأدلة العقلية ويتلقاها من السمع إذا ثبت ويجعل مكانها ثلاثة أخرى وهي علم ما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه مع الأربعة التي هي: القدرة والإرادة والعلم والحياة، فهذه سبعة علوم، فورد الخاطر الشيطانيّ بشبهة لكل علم منها فيرميه هذا الحاج بحصاة كل دليل عقليّ على الميزان الصحيح في نظم الأدلة بحسب ما يقتضيه ويطيل التثبت في ذلك وهو الوقوف عند الجمرة الوسطى والدعاء عندها . ثم يأتي الجمرة الثالثة وهي حضرة الأفعال وهي سبع أيضاً فيقوم في خاطره أولاً المولدات وأنها قامت بأنفسها فيرميه بحصاة افتقارها من الوجه الخاص إلى الحق عزّ وجلّ، فإذا علم الخاطر الشيطانيّ أنه لا يرجع عن علمه بالافتقار أظهر له أن افتقاره إلى سبب آخر ٤٩٩ في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره غير الحق وهو العناصر، وقد رأينا من كان يعبدها بالموصل، وإذا خطر له ذلك فإمّا أن يتمكن منه بأن ينفي أثر الحق تعالى عنها فيها فإن لم يقدر فقصاراه أن يثبتها شركاً فيرميه بالحصاة الثانية فيريه في دلالتها أن العناصر مثل المولدات في الافتقار إلى غيرها وهو الله تعالى، لأن العارف أبداً إنما ينظر في كل ممكن ممكن الوجه الخاص الذي من الله إليه ما ينظر إلى السبب الذي أوقف الله وجوده عليه أو ربطه به على جهة العلية أو الشرط، هذا هو نظر أهل طريق الله من أصحابنا، وما رأيت أحداً من المتقدمين قبلنا ولا من أهل زماننا في علمي نبّه على إثبات هذا الوجه الخاص في كل ممكن مع كونهم لا يجهلونه، ولكن صدق الله في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ يعني الأسباب ﴿وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] يعني نسبته إلينا لا إلى السبب، فالحمد لله الذي فتح أبصارنا إلى إدراك هذا الوجه في كل ممكن، فإذا رماه بالحصاة الثانية كما ذكرناه أخطر له السبب الذي يتوقف وجود الأركان عليه وهو الفلك فقال: إن موجد هذه الأركان الفلك وصدقت فيما قلته فيرميه بالحصاة الثالثة وهي افتقار الفلك وهو الشكل إلى الله من الوجه الخاص كما ذكرنا فيصدّقه في الافتقار ويقول له : أنت غالط إنما كان افتقار الشكل إلى الجسم الذي لولاه ما ظهر الشكل، فيرميه بالحصاة الربعة وهو افتقار الجسم إلى الله من الوجه الخاص فيصدقه ويقول له: صحيح ما قلت من الافتقار القائم ولكن إلى جوهر الهباء الذي تسميه أهل النظر الهيولى الكل الذي لم تظهر صورة الجسم إلاَّ فيه، فيرميه بالحصاة الخامسة وهو دليل افتقار الهباء إلى الله كما ذكرنا قبله فيقول: بل افتقارها إلى النفس الكلية المعبر عنها في الشرع باللوح المحفوظ، فيرميه بالحصاة السادسة وهو دليل افتقار النفس الكلية إلى الله من الوجه الخاص أيضاً فيصدّقه في الافتقار ولكن يقول له: بل افتقارها إلى العقل الأول وهو القلم الأعلى الذي عنه انبعثت هذه النفس، فيرميه بالحصاة السابعة وهو دليل افتقار العقل الأول إلى الله وليس وراء الله مرمى فما يجد ما يقول له بعد الله فلذلك ما يقف عند جمرة العقبة وهي آخر الجمرات لأنه كما قلنا: وليس وراء الله مرمی . فهذا تحرير رمي جمرات العارفين بمنى موضع التمني وبلوغ الأمنية، فإنها أيام أكل وشرب وتمتع ونعيم، فهي جنة معجلة، وفيه إلقاء التفث والوسخ وإزالة الشعث من الحاج، ومن قوة التمني الذي سمّي به منى أنه يبلغ بصاحبه الذي هو معدوم ممّا تمناه مبلغ من عنده ما تمناه هذا المتمني بالفعل على أتم الوجوه مثل رب المال يفعل به أنواع الخير وينفقه في سبل البرّ ابتغاء فضل الله، فيتمنى العديم أن لو كان له مثله ليفعل فعله فهما في الأجر سواء بل هو أتم فإنه يحصل له الأجر التامّ على أكمل وجوهه من غير سؤال، فإن صاحب الفعل يسأل عنه من أين جمعه وهل أخلص في إخراجه؟ وبعد هذا التعب والمشقة يحصل على أجره. والمتمني يحصل على ذلك من غير سؤال ولا مشقة من بعد رمي الجمار يحلق رأسه أعني جمرة العقبة يوم النحر، وإنما سميتها جماراً وإن كانت جمرة واحدة في ذلك اليوم فإن كل واحدة من الحصى بإضافتها إلى الأخرى تسمّى جماعة فهي جمار بهذا النظر، كما تقول إذا اجتمع جوهران كانا جسمين أي ٥٠٠ في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره انطلق على كل واحد منهما باجتماعه مع الآخر جسم فهما جسمان بهذا النظر كما قال: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٤٩] وما خلق من كل شيء إلاَّ زوجاً واحداً ذكراً وأنثى مثلاً، فسمّاه زوجين بهذا الاعتبار الذي ذكرناه، لأن كل واحد بالنظر إلى نفسه دون أن ينضم إليه هذا الآخر لا يكون زوجاً، فإذا ضمّ إليه آخر انطلق على كل واحد منهما اسم الزوج فقيل فيها زوجان. ولما اعتبر الله هذا بالذكر لذلك قلنا نحن: ثم بعد رمي الجمار فسمينا جمرة العقبة جماراً إذا كانت عدّة حصيات، فما في كلامنا حشو لأنه لا تكرار في الوجود للاتساع الإلهيّ، فإذا رمى جمرة العقبة حلق رأسه وهو أولى من تقصير الشعر، فإنّ الشعور بالأمر ما هو عين حصول العلم به على التمام من التفصيل، وإنما يشعر العبد أن ثم أمراً ما فإذا حصله زال الشعور وكان علماً تامّاً بتفصيل ما شعر به، كمن يشعر بالتفصيل في المجمل قبل حصول العلم بتعيين تفصيله، فإلقاء الشعور هو إزالة الشعور بوجود العلم لأن الشعر سترة على الرأس، ثم يتطيب ليوجد منه رائحة ما انتقل إليه من تحليل ما كان حجر عليه كما تطيب لإحرامه حين أحرم ليوجد منه ريح ما انتقل إليه وجعله طيباً لأنه انتقال في الحالتين لخير مشروع مقرّب إلى الله تعالى، فإن الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً ليميز الله الخبيث من الطيب، فجعل الطيب في الحالين تنبيهاً على طيب الأفعال، ثم نحر أو ذبح قربانه ينوي بذلك تسريح روح هذا الحيوان من سجن هذا الهيكل الطبيعيّ المظلم إلى العالم الأعلى عالم الانفساح والخير، فإن الحيوانات كلها عندنا ذات أرواح وعقول تعقل عن الله ولهذا قال فيها تعالى: ﴿كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ [سورة النور: الآية ٤١] فسرّحنا أرواح هذه الحيوانات في هذا اليوم شكراً لله، كما خرجنا نحن فيه من حال التحجير وهو الإحرام الذي كنا عليه إلى الإحلال والتصرّف في المباحات المقربة إلى الله بحكم الاختيار، ثم أكلنا منها ليكون جزء منها عندنا لنشاهد ما هو عليه من الذكر المخصوص به ذوقاً، ولنجعله كالمساعد لنا فيما نرومه من الحركة في طاعة الله تعالى، إذ لا بدّ من الغذاء، فكان أخذ هذا النوع من الغذاء أولى. ثم نزلنا إلى البيت زائرين ربنا تعالى ليرانا محلين كما يرانا محرمين على جهة الشكر له، حيث سرّح أعياننا وأباح لنا التصرّف فيما كان حجره علينا فقبلنا يمينه على ذلك مبايعة وتحية ثم طفنا به سبعة أشواط وصلينا خلف مقام إبراهيم، وقد تقدّم الكلام في المراد بالطواف والصلاة في طواف القدوم، إلاّ أنه ما نبهنا على اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى لننال ما ناله من الخلة على قدر ما يعطيه حالنا، فإن الله أمرنا أن نتخذه مصلّى، ونبهنا على ما تأوّلناه صفة الصلاة على النبيّ وَ﴿ فقال لنا قولوا: ((اللَّهُمَّ صَلٌّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ)) وَالمُؤْمِنُونَ آلُهُ (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) وما اختص به إلاّ الخلة، فلما دعونا بها لرسول الله وَّ أجاب الله دعاءنا فيه لنتخذ عنده يداً بذلك، فصلَّى الله عنه علينا بذلك عشراً فقام تعالى عن نبيه وال بالمكافأة عناية منه به عليه السلام وتشريفاً لنا حيث لم تكمل المكافأة في ذلك لملك ولا غيره، فقال النبيّ وَل# عند ذلك لما حصلت الإجابة من الله فيما دعوناه فيه لنبيه وَل: ((لَوْ