Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
أن يقولوا فيها لا هي هو ولا هي غيره لما في التركيب من النقص، إذ لو فرض انفصال
المتصل لصحّ ولم يكن محالاً من وجه انفصاله، وإنما يستحيل ذلك إذا استحال لاتصافه
بالقدم الذي هو نفي الأولية، والقديم لا شك أنه يستحيل أن ينعدم بالبرهان العقليّ، فإذا
فرضنا عدم صفات المعاني التي بوجودها يكون كمال الموصوف ظهر نقص الموصوف، وإن
كان فرض محال لاستحالة عدم القديم والله يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ﴾ [سورة
الأنبياء: الآية ٢٢] وهذا بطريق فرض المحال والحق كامل الذات فاجعل بالك، يقول تعالى:
الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فهذا إحرام إلهيّ فإنه ذكر ثوبين ليسا بمخيطين، فألحق
سبحانه المحرم من الرجال بما وصف به نفسه ولم يفعل ذلك بالمرأة ولا أيضاً حجر ذلك
عليها فإنها قد تكمل في ذلك كما يكمل الرجال، فلو لبسته المرأة لكان أولى بها عندنا،
فالمحرم قد تلبس بصفة هي للحق معنوية، وفي الخلق حسيّة هي في الحق كبرياء وعظمة، وفي
الخلق رداء وإزار كما تلبس الصائم بصفة هي للحق، ولهذا جعل في قوعد الإسلام مجاوراً له،
وإن كان في الحقيقة وجود العظمة والكبرياء إنما محلهما ظاهر العبد لا قلبه، فقد تكون العظمة
والكبرياء حال الإنسان لا صفته ولو اتصف بها هلك جهلاً، وإذا كانتا حالاً له في موطنهما نجا
وسعد وشکر له ذلك.
فأول درجة هذه العبادة أن ألحق المتلبس بها من عباده بربه في التنزيه عن الاتصاف
بالتركيب، فتلبس بالكمال في أول قدم فيها ولهذا لا نجوّز نحن للمحرم أن يلبس شيئاً من
المخيط، ولا يغطي رأسه إلا لضرورة من أذى يلحقه لا يندفع ذلك الأذى إلا بلباس ما حجر
عليه، وأما إن فعله لغير أذى فما تلبس بالعبادة ولا حجّ ولا يفدي إلاَّ من لبس ذلك من أذى،
والأذى في الجناب الإلهيّ أن ينسب إلى التركيب لما فيه من النقص، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٧] فوصف نفسه بأنه يؤذى وجعل له هذا الأذى الاسم
الصبور، فلا أحد أصبر على أذى من الله لقدرته على الأخذ عليه فلا يؤاخذ ويمهل، فالعبد إذا
لم يقمه الله في مقام شهود العظمة التي هي الإزار وأقيم في مقام الإدلال فانبسط على الحق
وهذا موجود في الطريق، وقد وردت به الأخبار النبوية في عجوز موسى وغيره: لبس
السراويل ستر العورة التي هي محل السرّ الإلهيّ، وستر للأذى لأنهما محل خروج الأذى
أيضاً، فتأكد سترهما بما يناسبهما وهو السراويل، والسراويل أشدّ في الستر للعورة من الإزار
والقميص وغيره لأن الميل عن الاستقامة عيب، فينبغي ستر العيب ولهذا سميت عورة
لميلها، فإن لها درجة السرّ في الإيجاد الإلهيّ، وأنزلها الحق منزلة القلم الإلهيّ، كما أنزل
المرأة منزلة اللوح لرقم هذا القلم، فلما مالت عن هذه المرتبة العظمى والمكانة الزلفى إلى أن
تكون محلاً لوجود الروائح الكريهة الخارجة منهما من أذى الغائط والبول وجعلت نفسها
طريقاً لما تخرجه القوّة الدافعة من البدن سمّيت عورة وسترت لأنها ميل إلى عيب، فالتحقت
بعالم الغيب وانحجبت عن عالم الشهادة، فبالسراويل لا تشهد ولا تشهد، فالسراويل أستر في
حقّها، ولكن رجح الحق الإزار لأنه خلق العبد للتشبّه به لكونه خلقه على صورته.

٤٤٢
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وصل في فصل - لباس المحرم الخفين: فمن قائل وهو الأكثر: أن المحرم يلبس
الخفين إذا لم يجد النعلين وليقطعهما أسفل من الكعبين. ومن قائل: يلبسهما ولا يقطعهما،
وعلل عطاء قطعهما بأنه فساد والله لا يحب الفساد. ومطلق حديث ابن عباس: ((أَنَّ الخُفَّيْنِ
لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الثَّعْلَيْنِ)) عن رسول الله وَّه ولم يذكر قطعهما، وبه قال أحمد وعطاء القدم صفة
إلهية وصف الحق بها نفسه وليس كمثله شيء، فمن راعى التنزيه وأدركته الغيرة على الحق في
نزوله لما هو من وصف العبد المخلوق قال بلباس الخف غير المقطوع لأنه أعظم في الستر،
ومن راعى ظهور ما أظهره الحق لكون الحق أعرف بنفسه من عبده به ونزّه نفسه في مقام آخر
لم يرد أن يتحكم على الحق بعقله وقال: الرجوع إليه أولى من الغيرة عليه، فإن الحقيقة تعطي
أن يغار له لا عليه شرعاً، وما شرع لباس الخفين إلاَّ لمن لا يجد النعلين، والنعل واق غير
ساتر فقال بقطع الخفين وهو أولى .
وصل في فصل - من لبسهما مقطوعتين مع وجود النعلين: فمن قائل: عليه الفدية.
ومن قائل: لا فدية عليه لما اجتمع الخف مع النعل في الوقاية من أذى العالم الأسفل وزاد
الخف الوقاية من أذى العالم الأعلى من حيث ما هما عالم لمشترك الدلالة، والدلالة تقبل
الشبه وهو الأذى الذي يتعلق بها، ولهذا معرفة الله بطريق الخبر أعلى من المعرفة بالله من
طريق النظر، فإن طريق الخبر في معرفة الله إنما جاء بما ليست عليه ذاته تعالى في علم
الناظر، فالمعرفة بالأدلة العقلية سلبية، وبالأدلة الخبرية ثبوتية وسلبية في ثبوت، فلما كان
أكشف لم يرجح جانب الستر فجعل النعل في الإحرام هو الأصل، فإنه ما جاء اتخاذ النعل إلاَّ
للزينة والوقاية من الأذى الأرضي، فإذا علم عدل إلى الخف، فإذا زال اسم الخف بالقطع
ولم يلحق بدرجة النعل لستره ظاهر الرجل فهو لا خف ولا نعل فهو مسكوت عنه كمن يمشي
حافياً فإنه لا خلاف في صحة إحرامه وهو مسكوت عنه، وكل ما سكت عنه الشرع فهو
عافية، وقد جاء الأمر بالقطع فالتحق بالمنطوق عليه بكذا وهو حكم زائد صحيح يعطي ما لا
يعطي الإطلاق فتعين الأخذ به، فإنه ما قطعهما إلاَّ ليلحقهما بدرجة النعل، غير أن فيه ستر
أعلى الرجل ففارق النعل ولم يستر الساق ففارق الخف فهو لا خف ولا نعل، وهو قريب من
الخف وقريب من النعل، وجعلناه وقاية في الأعلى لوجود المسح على أعلى الخف، فلولا
اعتبار أذى في ذلك بوجه مّا ما مسح أعلى الخف في الوضوء لأن إحداث الطهارة مؤذن بعلة
وجودية يريد إزالتها بإحداث تلك الطهارة، والطهارة التي هي غير حادثة ما لها هذا الحكم
فإنه طاهر الأصل لا عن تطهير .
فالإنسان في هذه المسألة إذا كان عارفاً بحسب ما يقام فيه وما يكون مشهده، فإن أعطاه
شهوده أن يلبس مع وجود النعلين حذراً من أثر العلوّ في ظاهر قدمه عصم بلباسه قدمه من
ذلك الأثر، وإن كان عنده قوّة إلهية يدفع بها ذلك الأثر قبل أن ينزل به لبس النعلين ولم يجز
ل لباس المقطوعين، إذ كان الأصل في استعمال ذلك عدم النعلين فرجح الكشف والإعلان
على الستر والإسرار في معرفة الله في الملأ الأعلى، وهو علم التنزيه المشروع والمعقول،

٤٤٣
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
فإن التنزيه له درجات في العقل ما دونه تنزيه بتشبيه، وأعلاه عند العقل تنزيه بغير تشبيه، ولا
سبيل لمخلوق إليه إلاّ برد العلم فيه إلى الله تعالى، والتنزيه بغير التشبيه وردت به الشريعة أيضاً
وما وجد في العقل فغاية النظر العقلي في تنزيه الحق مثلاً عن الاستواء أنه انتقل عن شرح
الاستواء الجسماني عن العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالاستواء السلطاني الحادث
وهو الاستيلاء على المكان الإحاطي الأعظم أو على الملك، فما زال في تنزيهه من التشبيه،
فانتقل من التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخرٍ فوقه في الرتبة، فما بلغ العقل في
التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ألا تراهم
استشهدوا في التنزيه العقلي في الاستواء بقول الشاعر: [الرجز]
من غير سيف ودم مُهْرَاقٍ
قد استوى بِشْرٌ على العراقِ
وأين استواء بشر على العراق من استواء الحق على العرش؟ لقد خسر المبطلون، أين
هذا الروح من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فاستواء بشر من جملة الأشياء، لقد صدق أبو
سعيد الخرّاز وأمثاله حيث قالوا: لا يعرف الله إلاّ الله: [البسيط]
ولا الصبابةَ إلاَّ من يُعانيهَا
لا يعرف الشوقَ إلاَّ من يكابِدُهُ
وصل في فصل - اختلاف الناس في لباس المحرم المعصفر بعد اتفاقهم على أنه لا
يلبس المصبوغ بالورس ولا الزعفران: فقال بعضهم: لا بأس بلباس المعصفر فإنه ليس
بطيب. وقال قوم: هو طيب ففيه الفدية إن لبسه الطيب للمحرم عندنا وأعني التطيب لا وجود
الطيب عنده الذي يطيب به قبل عقد الإحرام واستصحبه غير جائز إلاّ إذا أراد الإحلال وقبل
أن يحل، فمن السنّة أن يتطيب ولا أقول في الأول والثاني إن تطيبه عليه السلام كان لحرمه
ولحله فإنه لم يرد ذلك عن رسول الله و80# وإنما ورد من قول عائشة، فتطرق إليه الاحتمال
بين أن يكون عن أمر فهمته من رسول الله وَلّ في ذلك فيما اقتضاه نظرها وفهمها، أو عن
نص صريح منه لها في ذلك، ورأيناه قد نهى عن الطيب زمان مدّة إقامته على الإحرام إلاَّ إذا
أراد الحل، فالعصفر وإن كان ليس طيباً حكمه حكم الطيب، فإن لبس الرداء المعصفر قبل
الإحرام عند الإحرام ولم يرد نص باجتنابه فله أن يبقى عليه أو يلبسه عند الإحلال وقبل
الإحلال ولا يلبسه ابتداء في زمان بقاء الإحرام، هذا هو الأظهر في هذه المسألة عندنا، إلاَّ أن
يرد نص جليّ في المعصفر في النهي عنه ابتداء وانتهاء وما بينهما فنقف عنده الصفرة من
الشيء الصفر وهو الخالي والخلي وبه سمّي صفر من الشهور في أول وضع هذا الاسم لخلوّ
الأرض فيه عن النبات في ذلك الوقت الموافق لوضع هذا الاسم، ولهذا جاز مع بعده لوجود
الربيع الذي أزال كون الأرض خالية منه في الهلال الأول المسمّى صفراً، فإن خلى العبد عن
نفسه في هذه العبادة فهو الذي جاز له لباس المعصفر، وإن خلى عن ربه فيها لم يجز له لباس
المعصفر ولهذا وجد الخلاف فيه .
وصل في فصل - اختلافهم في جواز الطيب للمحرم عند الإحرام وقبل أن يحرم لما يبقى
عليه من أثره بعد الإحرام: فكرهه قوم وأجازه قوم، وبإجازته أقول، بل هي السنة عندي بلا

٤٤٤
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
شك، أما قبل الإحرام فجائز، وأما إذا أحرم هل يغسل ذلك الطيب من أجل بقاء الرائحة أم
لا؟ هذا هو محل الخلاف الصحيح بين العلماء، رائحة الطيب يلتذّ بها صاحب الطبع السليم
ولا تستخبثها نفسه وهو الثناء على العبد بالنعوت الإلهية التي هي التخلق بالأسماء الحسنى لا
بمطلق الأسماء، وهو في هذه العبادة الأغلب عليه مقام العبودية لما فيها من التحجير ومن
الأفعال التي يجهل حكمتها النظر العقلي فكأنها مجرّد عبادة، فلا تقوم إلاَّ بأوصاف العبودة،
فمن رأى هذا منع من التخلق بالأسماء في هذه الحالة وفي ابتداء الدخول فيها لأنه لا يدخل
فيها باسم إلهيّ، فلا يتطيب عند الإحرام خوفاً من الرائحة الباقية مع الإحرام، وهو بمنزلة
حكم الخلق الإلهيّ في المتخلق إذا تخلق به، ومن رأى أنه يجوز له ذلك كان مشهده أنه ما ثم
خلق إلاَّ وقد اتصف به الله تعالى من أوصاف العباد من الفرح والضحك والتعجب وغير ذلك
بالتصريح كما بيّناه، وبغير التصريح مثل قوله: ﴿وَأَقْرَضُوْ اللَّهَ﴾ [سورة الحديد: الآية ١٨] ومثل قوله:
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥] وقوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] وأمثال
هذا، فمن كان هذا مشهده قال: لا يخلو الإنسان العبد عن نعت إلهيّ يكون عليه فأجاز له
ذلك، وإنما لم يحدث تطيباً في زمان بقاء الإحرام إلى أن يريد التحلل، فإنه في زمان بقاء
الإحرام تحت قهر اسم العبودة، فليس له أن يحدث ثناء إلهياً فيزيل عنه حكم ما يعطيه الاسم
الحاكم لتلك العبادة، فإنها لا تتصوّر عبادة إلاَّ بحكم هذا الاسم، فإذا زال لم يكن ثم من
يقيمها إلاَّ النائب الذي هو الفدية لا غير. وأمّا حكم الطيب للإحرام والإحلال فهو لسلطان
الاسم الأول، فإن الأول من كل شيء قويّ لا يغلب وصادق لا يكذب، فلم يكن لغيره من
الأسماء هذه القوّة فلم يقاومه منازع، فحقيقته الأولية فلا يكون وسطاً فحكم في أولية الإحرام
وفي آخرية الإحرام، وهو الذي فهمته عائشة من ذلك فقالت: ((طَيِّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّوْ لِحِلْهِ
وَلِحَرَمِهِ قَبْلَ وُجُودِ الإِخْرَامِ مِنْهُ وَالتَّخلِيلِ)) ولم تقل طيبته لآخر إحرامه حين أراد أن ينقضي
ويعقبه الإحلال، وإنما راعت الإحلال في آخر أفعال الحج وهو طواف الإفاضة، وكذلك
راعت الإحرام المستقبل ما غسل عنه طيباً .
وصل في فصل - مجامعة النساء: أجمع المسلمون على أن الوطء يحرم على المحرم
مطلقاً وبه أقول، غير أنه إذا وقع فعندنا فيه نظر في زمان وقوعه، فإن وقع منه بعد الوقوف
بعرفة أي بعد انقضاء زمان جواز الوقوف بعرفة من ليل أو نهار فالحج فاسد وليس بباطل لأنه
مأمور بإتمام المناسك مع الفساد ويحج بعد ذلك، وإن جامع قبل الوقوف بعرفة وبعد الإحرام
فالحكم فيه عند العلماء كحكمه بعد الوقوف يفسد ولا بدّ من غير خلاف أعرفه ولا أعرف لهم
دليلاً على ذلك، ونحن وإن قلنا بقولهم واتبعناهم في ذلك فإن النظر يقتضي إن وقع قبل
الوقوف أن يرفض ما مضى ويجدد الإحرام ويهدي، وإن كان بعد الوقوف فلا لأنه لم يبق
زمان للوقوف، وهنا بقي زمان للإحرام، لكن ما قال به أحد، فجرينا على ما أجمع عليه
العلماء مع أني لا أقدر على صرف هذا الحكم عن خاطري ولا أعمل عليه ولا أفتي به ولا
أجد دليلاً، وقد رفضت العمرة عائشة حين حاضت بعد التلبس بها وأحرمت بالحج فقد

٤٤٥
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
رفضت إحراماً، وفي أمر عائشة وشأنها عندي نظر هل أردفت على عمرتها؟ أو هل رفضتها
بالكلية؟ فإن أراد بالرفض ترك الإحرام بالعمرة، وأن وجود الحيض أثر في صحتها مع بقاء
زمان الإحرام، فالجماع مثله في الحكم وإن لم يرد بالرفض الخروج عن العمرة، وإنما أراد
إدخال الحج عليها فرفض أحدية العمرة لا اقترانها بالحج فهي على إحرامها في العمرة والحج
مردف عليها والجماع في الحج في الطريق لا شك أن الإنسان لما كان مصرّفاً تحت حكم
الأسماء الإلهية ومحلاً لظهور آثار سلطانها فيه ولكن يكون حكمها فيه بحسب ما يمكنها حال
الإنسان أو زمانه أو مكانه، والأحوال والأزمان تولى الأسماء الإلهية عليها، وإن كان كل حال
هي عليه أو دخول الإنسان في ظرفية زمان خاص أو ظرفية مكان ما هو إلاَّ عن حكم اسم
إلهيّ بذلك، فقد يتوجه على الإنسان أحكام أسماء إلهية كثيرة في آن واحد، ويقبل ذلك كله
بحاله لأنه قد يكون في أحوال مختلفة يطلب كل حال حكم اسم خاص فلا يتوجه عليه إلاَّ
ذلك الاسم الذي يطلبه ذلك الحال الخاص، ومع هذا كله فلا بدّ أن يكون الحاكم الأكبر
اسماً ما له المضاء فيه والرجوع إليه مع هذه المشاركة . .
ثم إني أبين لك مثالاً فيما ذكرناه وذلك أنّا نرى الإنسان يجتنب ما حرّم الله على عينه أن
ينظر إليه على انتهاكه حرمة ما حرم على أذنه من الإصغاء إلى الغيبة في حال انتهاكه حرمة ما حرم
عليه من جهة لسانه من كذب أو نميمة مع إعطاء صدقة فرض من زكاة أو ندب متطوّع بها من
جهة ما أمرت به يده المنفقة، وذلك كله في زمان واحد من شخص واحد الذي هو المخاطب
من الإنسان المصرّف جميع جوارحه القابل للأوامر الأسمائية في باطنه التي تحكم عليه وتمضي
تصريف الجوارح بأمره لها فيما يراها تتصرّف فيه وهو واحد في نفسه ذو آلات متعدّدة، فلولا
تعدّد هذه الآلات ما صحّ أن يحكم عليه إلاَّ اسم واحد، فوجود الكثرة التي سببها الآلات
أوجبت له مع أحديته في نفسه قبول اختلاف أحكام الأسماء الإلهية عليه، فيكون الإنسان
منصوراً من وجه مخذولاً في حين كونه منصوراً ولكن من وجه آخر، والعين واحدة المصرّفة
المكلفة وهي النفس الناطقة، ويكون عزيزاً بالمعز في حال كونه ذليلاً بالمذل، لشخص ذي عزّة
له عنده مكانة فلقيه فأعزّه فاعتزّ، وفي تلك الحال عينها سلّط عليه الاسم المذلّ شخصاً آخر لا
يعرفه فأذلّه، فذلّ من جهة هذا وعزّ من جهة هذا في الزمان الواحد وحكمهما في آن واحد،
والقابل لهذين الحكمين واحد العين .
فلهذا الذي مهدناه أمر المحرم إذا جامع أهله أن يمضي في مقام نسكه إلى أن يفرغ مع
فساده ولا يعتد به وعليه القضاء من قابل على صورة مخصوصة شرعها له الشارع، لأن
صاحب الوقت الذي هو المحرم عليه أفعالاً مخصوصة أوجبتها هذه العبادة التي تلبس بها هو
الحاكم الأكبر، واتفق أن هذا المحرم التفت بالاسم الخاذل إلى امرأته فجامعها في حال
إحرامه، فلما لم يكن الوقت له شرعاً وكان لغيره لم يقو قوّته فأفسد منه ما أفسد وبقي الحكم
لصاحب الوقت فأمره أن يمضي في نسكه مع فساده وعاقبه بتلك الالتفاتة إلى الخاذل حيث
أعانه عليه بنظره إلى امرأته واستحسانه لإيقاع ما حكم عليه به حاكم الوقت أن يعيد من قابل،

٤٤٦
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
فلو بطل وأزال حكمه عنه في ذلك الوقت ووقع الجماع بعد الإحرام وقبل الوقوف رفض ما
كان واستقبل الحج كما هو ولم يكن عليه إلاّ دم لا غير لما أبطل، فلما لم يزل حكمه منه
بذلك الفعل أمر بإتمام نسكه الذي نواه في عقده، وهو مأجور فيما فعل من تلك العبادة،
مأزور فيما أفسد منها في إتيانه ما حرّم عليه إتيانه كما قال تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ﴾ وهو النكاح
﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَيْجْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٧] .
خرّج أبو داود في المراسيل قال: حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية يعني ابن سلام أخبرني
يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم شك أبو توبة أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان
فسأل الرجل رسول الله ﴿ ﴿ فقال لهما: ((اقْضِيَا نُسكَكُمَا وَاهْدِيَا هَذياً ثُمَّ ارْجِعَا حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا
بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَتَفَرَّقَا وَلاَ يَرَى مِنْكُمَا وَاحِدٌ صَاحِبَهُ وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى
فَتُقْبِلانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَتَفَرَّقَا وَلاَ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ
فَأَخَرِمَا وَأَتَمَّا تُسكَكُمَا وَاهْدِيَا)). فهذا ترجمان الحق الذي هو الرسول قوّى الاسم الإلهيّ الذي
هو حاكم الوقت وصاحب الزمان فيما يريده من إتمام هذه العبادة مع ما طرأ فيها من
الإخلال، وذلك أن الاسم الحاكم لا يسمع المحكوم عليه خطابه إياه لأن الله أخذ بسمعه عنه
فقال لمن فتق الله سمعه لسماع كلامه وهو المعبر عنه بالرسول: بلغ لهذا المكلف عني أن
يمضي في فعله حتى يتم، وذكر له ما قال وبينه لهذا الشخص لأن الرسول ما ينطق عن الهوى
والمؤمن كثير بأخيه فقام الرسول مقام الحاجب المنفذ أوامر الملك صاحب الحكم هكذا هو
في الحكم العام.
وأمّا فى العالم الأخص فهو حكم نفس طبيعية على عقل إلهيّ رجع إليها من حيث علمه
بأن لها وجهاً خاصاً إلى خالقها فغاب عن التثبت في ذلك فيما أوصل إليه ترجمان الحق الذي هو
الرسول، فوافق النفس ما حكم به عليها الطبع فيما أمرت به، ولولا ذلك الوجه الخاص ما
انخدع العقل واتصف باللؤم الذي هو صفة الطبع بحكم الأصالة، وفي مثل هذا قلنا : [الطويل]
يعزُّ علينا أن تكون عقولُنا
بحكم نفوسٍ إِنَّ ذا لَعَظيمُ
إذا غلبَ الطَّبْعُ اللئيمُ نِجَارُه
على عقل شخصٍ إنه لَلَئيمُ
فالعقول وإن كانت عالية الأوج فإن الحضيض يقابل أوجه وهو موطن الطبع
النفسي، فهو ينظر إليها من أوجه فيراها في مقابلته على خط مستقيم لا اعوجاج فيه،
وذلك الخط هو الذي يكون عليه العروج من الحضيض إلى الأوج إذا زكّت النفس،
وعليه يكون نزول العقل إلى الحضيض من الأوج إذا خذل العقل، وإنما خذله استقامة
الخط فإنه على الاستقامة فطر، ثم إنه رأى النفس زكّت بعروجها عليه، فهذا الذي خدع
العقل من النفس فإنه لا حظ للعقل في الطبع وساعده على النزول قول الترجمان
رسول الله : لو دليتم بحبل لهبط على الله، والعقل مجبول على طلب الزيادة من
العلم بالله، فأراد في نزوله إلى الطبع على ذلك الخط من وجه ليرى هل نسبة الحق إلى

٤٤٧
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الحضيض نسبته إلى الأوج أم لا، فيريد علماً بالذوق بأنه على ذلك الحدّ أو ما هو عليه،
بل له نسبة أخرى فتحصل له الفائدة على كل حال، فلهذا القصد أيضاً أمر بإتمام نسكه
ولم يبطل عمله، ولا سيما وقد سمع أن أربعة أملاك التقوا، ملك كان يأتي من المغرب،
وآخر مقبل من المشرق، وآخر نازل من الفوق، وآخر صاعد من التحت، فسأل كل
واحد صاحبه من أين جئت؟ فكل قال: من عند الله، فلا بدّ للعقل مع شوقه لطلب
الزيادة من العلم أن يتحرك ليحصل هذا العلم بالله ذوقاً حالياً لا تقليد فيه ولا يتمكن له
ذلك وهو في أوجه إلاّ إن قنع بالتقليد، فنزل على ذلك الخط لطلب هذه المعارف، وفي
نزوله لا بدّ أن يرى موضع اجتماع الخطوط فيشاهد علوماً كثيرة، فهي زلة أوجبت علماً
فشفع ذلك العلم في صاحب هذه الزلة فجبر له نقصه، فلولا زلة هذا المجامع في الحج
ما عرفنا حكم الشرع فيه لو وقع هذا بعد موت المترجم وَلّ، فمن رحمة الله حصل
تقرير هذا العلم لنكون على بصيرة من ربنا في عباداتنا.
وصل في فصل - غسل المحرم بعد إحرامه: اتفقوا على أنه يجوز له غسل رأسه من
الجنابة، واختلفوا في كراهية غسله من غير الجنابة فقالوا: لا بأس بغسله وبه أقول، وكره
ذلك بعضهم لما كان الرأس محل القوى الإنسانية كلها ومجمع القوى الروحانية اعتبر فيه
الحكم دون غيره من الأعضاء لجمعيته، وله من الأسماء الإلهية الله لأنه الاسم المنعوت
الجامع، فحفظه متعين على المكلف لأنه لو اختلّ من قواه قوّة أدّى ذلك الاختلال إمّا إلى
فساد يمكن إصلاحه أو إلى فساد لا يمكن إصلاحه، وإمّا إلى فساد يكون فيه تلفه فيزول عن
إنسانيته ويرجع من جملة الحيوانات فيسقط عنه التكليف فتنقطع المناسبة بينه وبين الله، وأعني
مناسبة التقريب خاصة لا مناسبة الافتقار، لأن مناسبة الافتقار لا تزول عن الممكن أبداً لا في
حال عدمه ولا في حال وجوده، فإذا اغترب الإنسان عن موطن عبوديته فهي جنابته فيقال له :
ارجع إلى وطنك فلا قدم لك في الربوبية أصلاً من ذاتك، فإذا أراد الحق أن يمنحك منها ما
شاء نزل إليك ما أنت تصعد إليه لأنه يعلمك ويعلم محلك وأينك، وأنت لا تعرفه فأين تطلبه
فما خرجت عن عبوديتك إلاَّ لجهلك، ألا تراه سبحانه لما أراد أن يهبك من الربانية ما شاء
نزل إليك بأمر سمّاه شرعاً بوساطة رسول ملكيّ فملكك أموراً وجعل لك الحكم فيها على حدّ
ما رسم لك، فمن كونك حاكماً فيها هو القدر الذي أعطاك من الربوبية، وعلى قدر ما حدّ
لك ومنعك من تجاوزه هو ما أبقى عليك من العبودية: [مخلع البسيط]
وأنت في أنت مُسْتَعَارُ
فأنت مَلْكٌ وأنت عبدٌ
فلا احتكامٌ ولا افتقارُ
ولا وجودَ في غير عينٍ
فلا اضطرارّ ولا اختيارُ
قد حار مثلي من حِرْتُ فيه
ولا فرار ولا قَرارُ
ولا فَنَاءٌ ولا بقاءٌ
فوجب الغسل من الجنابة بالاتفاق لأنك عبد بالاتفاق ولست رباً بالاتفاق. وأمّا في غير
الجنابة : [السريع]

٤٤٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وحفظُها من أوجب الحُكْم
فحكمةُ الغُسْل لحفظ القُوَى
لأنها دلَّت على العِلْم
لا سيَّما وكونُها واجباً
بعينها وكلّ علم لها
فضَّلها اللَّهُ على خلقه
لذاتها كالكَيْف والكَمَّ
بما لها من جَوْدة الفَهْمِ
فمن راعى حفظ هذي القوى ممّا ينالها من الضرر لسدّ المسام وانعكاس الأبخرة المؤذية
لها المؤثرة فيها قال بالغسل، ومن غلب الحرمة لصغر الزمان في ذلك وندور الضرر ضعف عنده
الموجب فكره ذلك، ألا تراهم كيف اتفقوا في الجنابة لقوّة الموجب وإن كان الغسل بالماء
يزيده شعثاً فى تلبيد الرأس والله تعالى قد أمرنا بإلقاء التفث عنّا لما ذكرناه من حفظ القوى وما في
معناها، لأن الطهارة والنظافة مقصودة للشارع لأنه القدّوس وما له اسم یقابله فیکون له حکم،
ولما جهل علماء الرسوم حكمة هذه العبادة من حيث إنهم ليس لهم كشف إلهيّ من جانب الحق
جعلوا أكثر أفعالها تعبداً ونعم ما فعلوه، فإن هذا مذهبنا في جميع العبادات كلها مع عقلنا بعلل
بعضها من جهة الشرع بحكم التعريف أو بحكم الاستنباط عند أصحاب القياس، ومع هذا كله
فلا نخرجها عن أنها تعبد من الله، إذ كانت العلل غير مؤثرة في إيجاد الحكم مع وجود العلة
وكونها مقصودة، وهذا أقوى في تنزيه الجناب الإلهيّ إذا فهمت .
وصل في فصل - غسل المحرم رأسه بالخطميّ: أما غسل المحرم رأسه بالخطمي فإنهم
اتفقوا على منعه، فإن غسل به قال بعضهم: فيه الفداء. وقال بعضهم: إن غسل فلا شيء
عليه وبه أقول من غير منع منه ولا من غيره، إذ كل سبب موجب للنظافة ظاهراً وباطناً ينبغي
استعماله في كل حال، فإن الله جميل يحب الجمال، وما ورد كتاب ولا سنة ولا إجماع على
منع المحرم من غسل رأسه بشيء، ولما أمر الله تعالى الإنسان أن يدخل في الإحرام فيصير
حراماً بعدما كان حلالاً وصفه بصفة العزّة أن يصل إليه شيء من الأشياء التي كانت تصل إليه
قبل أن يتصف بهذه المنعة، إذ الأشياء تطلب الإنسان لأنها خلقت من أجله، فهي تطلبه
بالتسخير الذي خلقها الله عليه والإنسان مخلوق على الصورة، ومن حقيقة الصورة التي خلق
عليها العزّة أن تدرك أو تنال بأكثر الوجوه مثل قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ١٠٣] يعني في الدنيا ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣] مع
ثبوت الرؤية في الآخرة، فهذه عزّة إضافية لأنه حجر ثم أباح، فجعل لمن حصل الصورة
بخلقه عزّة وتحجيراً في عبادات من صوم وحج وصلاة أن يصل إليه بعض ما خلق من أجله،
فاعتزّ وامتنع عن بعض الأشياء ولم يمتنع عن أن يناله بعضها، كما لم يمنع من خلق على
صورته أن تناله التقوى منّا، والتقوى في المتقين من خلقه، فقوّى الشبهة في الشبه ليلحق
الأدلة بالشبه إذ الكل منه وإليه بل الكل عينه، فما حرمت عليه الأشياء على الحقيقة وإنما هو
الحرام على الأشياء لأنه ما خلق إلاَّ لربه، والأشياء خلقت له فهي تطلبه كما أنه يطلب ربه،
فامتناع في وقت كامتناع، ووصول في وقت كوصول، إن فهمت فقد بينت لك مرتبتك، قال
تعالى في حق الإنسان: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٣]،

٤٤٩
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وقال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٩] وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦].
وفي التوراة المنزّلة على موسى عليه السلام: يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك
وخلقتك من أجلي، فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك. فأبان سبحانه لك
عن مرتبتك لتعرف موطن ذلتك من موطن عزّتك، وأنت ما اعتززت ولا صرت حراماً على
الأشياء منك بل هو جعلك حراماً على الأشياء أن تنالك، فأمرك أن تحرم فدخلت في الإحرام
فصرت حراماً، وما جعل ذلك لك عن أمره سبحانه إلاَّ ليكون ذلك قربة إليه ومزيد مكانة عنده
تعالى، وحتى لا تنسى عبوديتك التي خلقت عليها بكونه تعالى جعلك مأموراً في هذه المنعة
دواء لك نافعاً يمنع من علة تطرأ عليك لعظيم مكانتك، فلا بدّ أن يؤثر فيك خلقك على
صورته عزّة في نفسك، فشرعها لك في طاعته بأمر أمرك فيه أن تكون حراماً لا احتجار عليك
بل احتجاراً لك، ألا ترى من خذله الله كيف اعتزّ على أمثاله بقوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سورة
النازعات: الآية ٢٤] هل جعله في ذلك إلاَّ علمه بمرتبته لا علمه بنفسه، فالإنسان عبد عيناً ورتبة
كما هو سيد عيناً لا رتبة، ولهذا إذا ادّعى الرتبة قصم وحرم، وإذا ادّعى العين عصم ورحم،
والإنسان واحد في الحقيقة غير أنه ما بين معتنى به وغير معتنى به فهذا اعتبار هذا الفصل،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الرابع والستون.
(الجزء الخامس والستون)
بِسْمِ أَلَهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
وصل في فصل - دخول المحرم الحمام: فمن الناس من كرهه. ومن الناس من قال: لا
بأس به وبه أقول. ليس في أحوال الدنيا من يدل على الآخرة بل على الله تعالى وعلى قدر
الإنسان مثل الحمام يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل الحمام بالشام: نعم البيت
بيت الحمام ينعم البدن ويزيل الدرن ويذكر الآخرة. ومن هذه آثاره في العبد لا يكره له
استعماله فإنه نعم الصاحب وبه سمّي، لأن الحمام من الحميم، والحميم الصاحب الشفيق،
قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَفِعِينَ وَلَا صَدِيِقٍ حَمِيمٍ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٠٠، ١٠١] أي شفيق، وسمّي
حميماً لحرارته واستعمل فيه الماء لما فيه من الرطوبة، فالحمام حار رطب طبع الحياة وبها
ينعم البدن وبالماء يزول الدرن، وبتجريد الداخل فيه عن لباسه وبقائه عرياناً لا شيء في يده
من جميع ما يملكه يذكر الآخرة والموت، وقيام الناس من قبورهم عراة حفاة لا يملكون
شيئاً، فدخول الحمام أدل على الآخرة من الموت، فإن الميت لا ينقلب إلى قبره حتى
يكسى، وداخل الحمام لا يدخل إليه حتى يعرّى والتجريد أدلّ. ثم إنه من دعاء النبيّ وَّر:
(«اللَّهُمَّ نَقْنِي مِنَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ كَمَا يُتَقَّى الثَّوْبُ مِنَ الدرَنِ»، وتنقية البدن من الدرن والوسخ
من أخص صفات الحمام ولأجله عمل، واعتبار الحمام بأحوال الآخرة مجاله رحب عظيم
الفائدة ما يعقله إلاَّ العلماء بالله .
الفتوحات المكية ج٢ - م٢٩

٤٥٠
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وصل في فصل - تحريم صيد البرّ على المحرم: اتفقوا على ذلك وهو اتفاق أهل الله
أيضاً في اعتباره ومعناه. قال بعضهم: الزاهد صيد الحق من الدنيا، والعارف صيد الحق من
الجنة، فمال الزاهد إلى قوله: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة القصص: الآية ٦٠] ومال العارف
إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه: الآية ٧٣] فالخلق صيد للحق صادهم من نفوسهم برّاً أو
بحراً، وسأبين ذلك إن شاء الله .
فاعلم أن الحق تعالى نصب حبالات صيد النفوس الشاردة عمّا خلقت له من عبادته،
ثم خدعهم بالحب الذي جعل لهم في تلك الحبالات أو الطعوم أو ذوات الأرواح المشبهة
لهم في الحياة، جعلها مقيدة في الحبالات من حيث لا يشعر الناظرون إليها، فمن الصيد من
أوقعه في الحبالة رؤية الجنس طمعاً في اللحوق بهم ليرى ما هم فيه فصار في قبضة الصائد
فقيده وهو كان المقصود لأنه مطلوب لعينه. ومن الصيد من أوقعه الطمع في تحصيل الحب
المبذور في الحبالة. ثم إن الصائد له تصافير يحكي بها أصوات الطير إذا سمعها الطائر نزل
فوقع في الحبالة فهو بمنزلة من سمع نداء الحق فأجاب، فهذا لم يصد بالإحسان، والآخر
أحسن إليه بالحب المبذور في الحبالة فأبصره فقاده الإحسان فرمى بنفسه عليه فصاده فلولا
الإحسان ما جاء إليه فمجيئه معلول، والبرّ هو المحسن والإحسان والحق غيور، فما أراد من
هذه الطائفة الخاصة الذين جعلهم الله حراماً ليكونوا له أن يجعلهم عبيد إحسان فيكونون
للإحسان لا له، ولهذا دعاهم شعثاً غبراً مجرّدين من المخيط ملبين لإجابته بالإهلال، كما
لجأ الطائر لصوت الصائد فحرم عليهم لمكانتهم صيد البرّ الذي هو الإحسان ما داموا حرماً
حلالاً في المكان الحلال والحرام، وسكاناً في الحرام وإن كانوا حلالاً أو حراماً فحيث ما
كانت الحرمة امتنع صيد الإحسان فإن الله من صفاته الغيرة، فلم يرد أن يدعو هذه الطائفة
المنعوتين بالإحرام من باب النعم والإحسان فيكونوا عبيد إحسان لا عبيد حقيقة، فإنه
استهضام بالجناب الإلهيّ فقال: من صحبك لغرض انقضت صحبته بانقضائه، وصحبة العبد
ربه ينبغي أن تكون ذاتية كما هي في نفس الأمر لأنه لا خروج للعبد عن قبضة سيده وإن أبق
في زعمه فما خرج عن ملكه وهو جاهل بملك سيده لأنه حيث ما مشى في ملكه مشى، فما
خرج عن ملك سيده ولا ملكه ﴿وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨٩] فلهذا
حرّم على الحاج صيد البرّ وهو قوله وَّرَ: ((أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ)). خطاباً منه
لعبيد الإحسان حيث جهلوا مقاديرهم، وما ينبغي لجلال الله من الانقياد بالطاعة إليه.
ولم يحرم صيد البحر على المحرم ما دام محرماً لأن صيد البحر صيد ماء وهو عنصر
الحياة الذي خلق الله منه كل شيء حيّ، والمطلوب بإقامة هذه العبادة وغيرها إنما هو حياة
القلوب كما قال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٢] في معرض الثناء بذلك،
فإذا كان المقصود حياة القلوب والجوارح بهذه العبادة وبالعبادات كلها ظاهرها وباطنها
فوقعت المناسبة بين ما طلب منه وبين الماء فلم يحرم صيده أن يتناوله، ولهذا جاء بلفظ البحر
لاتساعه فإنه يعمّ، وكذلك هو الأمر في نفسه فإنه ما من شيء من خلقه إلاّ وهو يسبح بحمده

٤٥١
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ولا يسبح إلاَّ حيّ، فسرت الحياة في جميع الموجودات فاتسع حكمها فناسب البحر في
الاتساع، فلهذا أضافه إلى البحر ولم يقل إلى الماء لمراعاة السعة التي في البحر، فصيد البحر
حلال للحلال والحرام.
وصل في فصل - صيد البرّ إذا صاده الحلال هل يأكل منه المحرم أم لا؟: فمن قائل:
يجوز له أكله على الإطلاق. ومن قائل: هو محرم عليه على الإطلاق. ومن قائل: إن لم
يصد من أجله ولا من أجل قوم محرمين جاز أكله، وإن صيد من أجل محرم فهو حرام على
المحرم. وأما مذهبنا في هذا فلم ينقدح لي فيه شيء ولا نرجح عندي فيه دليل إلاَّ أنه يغلب
على ظني الخبر الصحيح الوارد أنه إذا لم يكن للمحرم فيه تعمل فله أكله، وترجح أحد
احتمالي لفظة الصيد المحرم في الآية لأن الصيد المذكور قد يراد به الفعل وقد يراد به
المصيد، ولا أدري أيّ ذلك أراد الحق تعالى أو أراد الأمرين جميعاً الفعل والمصيد، فمن
يرى أنه الفعل لا المصيد فيقول بجواز أكله على الإطلاق، ولا معنى لقول من يقول: إن صيد
من أجله لأني ما خوطبت بنية غيري فإن أمرت أنا الحلال أو أشرت إليه أو نبهته أو أومأت إليه
في ذلك أو أعنته بشيء فلي فيه تعمل فيحرم عليّ ذلك وأنا آثم فيه، وهذا القول وإن كنت لم
أره لغيري ولكن هو من محتملات القول الثالث. وهو قوله: إن لم يصد من أجله قد يريد
بإشارته أو دلالته، وقد يريد أن الحلال نوى أن يصيد ما يأكله المحرم الحلال لا تحجير عليه
في تصرّفه فأشبه الحق في هذه الصفة، فإنّ رفع التحجير تنزيه عن التقييد فهي صفة إلهية،
وليس لأحد أن يمتنع بتقييده عن تصريف الحق له، إذ كان تقييده من تصريفه فله قبول ما
يصرّفه فيه كما قبل تقييده لا فرق، فهذه عبودية محضة خالصة حيث رآها في الحلال من كونه
غير محجور عليه ما حجر على المحرم، أعني رأى الصفة الإلهية التي ليس من شأنها أن تقبل
الاحتجار بل هو الفعال لما يريد، كما أنه تعالى أشبه المقيد المحرم في أمور أوجبها على
نفسه لعباده في غير موضع كما قال: ﴿وَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٠] فأدخل
نفسه معنا، وهذا من أصعب معارض الآية قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧]
فإنه ليس بمحل لفعله ووفاؤه بالعهد لمن وفى بعهده لا بدّ منه لصدقه في خبره فقد فعل ما
يريد، وليس بمحل لتعلق إرادته لأنه موجود، ولا ترجع إلى ذاته من فعله حال لم يكن
عليها، فهذا غاية الإشكال في العلم الإلهيّ، وإن تساهل الناس في ذلك فإنما ذلك لجهلهم
بمتعلق الإرادة، والقول الثالث أقرب الأقوال إلى الصحة لأنه أقرب إلى الجمع بين الأحاديث
الواردة في هذا الباب، وهذا النظر الذي لنا في هذه المسألة ما هو قول رابع فإنا ما قطعنا
بالحكم في ذلك لكن يغلب على ظني ترجيح القول الثالث على القولين وإن لم يكن بذاك
الصريح .
وصل في فصل - المحرم المضطرّ هل يأكل الميتة أو الصيد؟: فمن قائل: يأكل الميتة
والخنزير دون الصيد. ومن قائل: يصيد ويأكل وعليه الجزاء وبالأوّل أقول، فإن اضطرّ إلى
الصيد صاد وعليه الجزاء لأنه متعمد، فما خصّ الله مضطرّاً من غير مضطرّ كل مخلوق

٤٥٢
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الاضطرار يصحبه دائماً لأنه حقيقته، ومع اضطراره فقد كلفه، فالذي ينبغي له أن يقف عندما
كلف، فإن الاضطرار المطلق لا يرتفع عنه، وإنما يرتفع عنه اضطرار خاص إلى كذا، فجميع
حركات الكون من جهة الحقيقة اضطرارية مجبور فيها، وإن كان الاختيار في الكون موجوداً
نعرفه، ولكن ثم علم آخر علمنا به أن المختار مجبور في اختياره بل تعطى الحقائق أن لا
مختار لأنا رأينا الاختيار في المختار اضطرارياً أي لا بدّ أن يكون مختاراً، فالاضطرار أصل
ثابت لا يندفع يصحب الاختيار ولا يحكم على الاضطرار الاختيار، فالوجود كله في الجبر
الذاتيّ لا أنه مجبور بإجبار من غير، فإن المجبر للمجبور الذي لولا جبره لكان مختاراً مجبور
في اختياره لهذا المجبور: [السريع]
والأصلُ مجبورٌ فأين الخِياز
فالخلقُ مجبورٌ ولا سيَّما
في حالة الجَبْرِ وفي الاضطراز
بمالَهُ من ذَلَّةٍ وافتقاز
ما بين جبرٍ دائم واختيار
فكلُّ مخلوقٍ على شكْلِهِ
تَمَيَّز المخلوقُ عن أصله
فكن مع الحقُّ بأوصافه
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وصل في فصل - نكاح المحرم: فمن قائل: لا ينكح ولا ينكح فإن نكح فالنكاح باطل.
ومن قائل: لا بأس أن ينكح وينكح، والذي أقول به إنه مكروه غير محرّم والله أعلم الإحرام
عقد والنكاح عقد، فاشتركا في النسبة فجاز الوطء للمحرم حرام والعقد سبب مبيح للوطء
فحرم أو كره فإنه حمى والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وإنما اجتنبت الشبه خوفاً من
الوقوع في المحظور النكاح، والعقد لا يصحّ إلاّ بين اثنين لا يصحّ من واحد فحرم أو كره لأنا
مطلوبون بمعرفة الوحدة وإثبات الواحد والوحدانية ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٣]
فاعلم أنه لا إله إلاّ اللّه التجلي في الأحدية لا يصحّ لأن التجلي يطلب الاثنين ولا بدّ من
التجلي فلا بدّ من الاثنين، فعقد النكاح للمحرم جائز، فالعارف على قدر ما يقام فيه من
أحوال الشهود، قيل للجنيد وقد سُئِل عن المعرفة والعارف فقال: لون الماء لون إنائه فأثبت
الاثنين فلا بدّ منك ومنه ولا بدّ من التمييز فلا بدّ من الواحد. فإن قلت: ما في الوجود إلاَّ
واحد صدقت. وإن قلت: ما في الوجود إلاَّ اثنان صدقت. وإن قلت: ما في الإيجاد إلاَّ اثنان
صدقت فإنه عن ذات واحدة. وإن قلت: ما في الإيجاد إلاَّ واحد صدقت لأنه يستحيل تعلّق
قدرتين بمقدور، والتوحيد غيب والإثبات شهادة، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، فأثبت
الاثنينية بالنسبة إلى العالم وبالنسبة إلى الله عالم بالشهادة لا غير، إذ يستحيل أن يكون عنه
شيء غيباً خلافاً لمن يجعل العلة في الرؤية الوجود.
وصل في فصل - المحرمون: وهم ثلاثة: إمّا قارن، وإمّا مفرد بحج أو مفرد بعمرة وهو
المتمتع، فهذا الفصل يستدعي إيراد حجة الوداع، وبعد إيرادها تذكر ما يتعلق بأفعال هذه
العبادة من الأحكام على أسلوب ما مضى فنقول: حدثنا غير واحد إجازة وسماعاً عن ابن
صاعد العراوي عن عبد الغافر الفارسيّ عن الجلودي عن إبراهيم بن سفيان المروزيّ عن

٤٥٣
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
مسلم بن الحجاج القشيري عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جابر بن
عبد الله قال: إن رسول الله وَّر مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن
النبيّ وَلّ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمسون أن يأتموا برسول الله وَل ويعملوا مثل
عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت
إلى رسول الله ◌َّ كيف تصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلى
رسول الله وَّة في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى
مدّ بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل
ذلك ورسول الله وَل# بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل من شيء
عملنا به، فأهل بالتوحيد: لبيك اللهمّ لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك
والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون، فلم يردّ رسول الله وَ ر شيئاً منه ولزم
رسول الله وَّ تلبيته، قال جابر: لسنا ندري إلاَّ الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت
معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ
إِبْرَهِعَمَ مُصَلَى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول ولا أعلم
ذكره إلاَّ عن النبيّ وَ ل﴿ كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ يَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾.
ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى
البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبّره وقال: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له له الملك وله
الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلاَّ الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب
وحده، ثم دعا بين ذلك - قال مثل هذا ثلاث مرّات - ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه
في بطن الوادي أسرع حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على
الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم
أسق الهدي ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة
بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله أَلِعَامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله وَّ أصابعه
واحدة في الأخرى فقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد. وقدم عليّ من اليمن
بيدن النبيّ وَّ فوجد فاطمة ممّن حلّ ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت:
إني أمرت بهذا، قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله مل* محرّشاً على
فاطمة للذي صنعت مستفتياً رسول الله وَ ل# فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها
فقال: صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال قلت: اللهمّ إني أهل بما أهل به
رسول الله وَّل قال: فإن معي الهدي فلا تحل، قال: فکان جماعة البدن الذي قدم به عليّ
من اليمن والذي أتى به النّبيّ وَّ مائة قال: فحلّ الناس كلهم وقصروا إلاَّ النبيّ وَّه ومن كان
معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج فركب رسول الله وَل فصلّى
بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس فأمر بقبة من

٤٥٤
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله ( * ولا تشك قريش إلاّ أنه واقف عند المشعر الحرام
كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله ◌َ و حتى أتى عرفة فوجد القبة قد
ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له فأتى بطن الوادي
فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في
بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوع، وأن
أوّل دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا
الجاهلية موضوعة وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في
النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن
فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ
وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم
تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت، فقال بأصبعه
السبابة يرفعها إلى السماء ثم ينكبها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات، ثم أذن
فأقام فصلّى الظهر ثم أقام فصلّى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله وَ ل حتى
أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل
القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف
أسامة خلفه ودفع رسول الله بَّله وقد شنق للقصوى الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله
ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى
تصعد حتى أتى المزدلفة فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما
شيئاً، ثم اضطجع رسول الله وَ﴿ حتى طلع الفجر فصلَّى الفجر حين تبين له الصبح بأذان
وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبّره وهلّله
ووحّده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس
وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله وَّل مرّت ظعن يجرين فطفق
الفضل ينظر إليهنّ فوضع رسول الله وَّل يده على وجه الفضل فحوّل الفضل وجهه إلى الشق
الآخر ينظر فحوّل رسول الله و # يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من
الشق الآخر حتى أتى بطن محسر فحرّك ناقته قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك
على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل
حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً
وستين بدنة، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت
في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، وركب رسول الله وَلقر فأفاض إلى البيت
فصلَّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا يا بني عبد
المطلب فلولا أن يغلبنكم الناس على سقايتكم لترعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه. انتهى
حدیث جابر .

٤٥٥
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ثم نرجع فنقول: القارن من قرن بين صفات الربوبية وصفات العبودية في عمل من
الأعمال كالصوم، أو من قرن بين العبد والحق في أمر بحكم الاشتراك فيه على التساوي بأن
يكون لكل واحد من ذلك الأمر حظ مثل ما للآخر كانقسام الصلاة بين الله وبين عبده فهذا
أيضاً قران، وأمّا الإفراد فمثل قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٢٨] ومثل
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٤] ومثل قوله: ﴿كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [سورة
النساء: الآية ٧٨] وكقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] وما جاء من مثل هذا
ممّا انفرد به عبد دون رب أو انفرد به رب دون عبد، فمما انفرد به عبد دون رب قوله تعالى :
﴿أَنْتُمُ اٌلْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] وقوله تعالى لأبي يزيد: يا أبا يزيد تقرب إليّ بما
ليس لي: الذلّة والافتقار، فهذا معنى القران والإفراد في الحج، وسيأتي حكم ذلك في
التفصيل إن شاء الله تعالى.
وصل في فصل - المتمتع: والمتمتعون على نوعين: إمّا قارن وإما مفرد بعمرة.
واختلف علماء الإسلام في التمتع فمنهم من قال: أن يهل الرجل بالعمرة في أشهر الحج من
الميقات ممّن مسكنه خارج الحرم فكمل أفعال العمرة كلها ثم يحل منها ثم ينشىء الحج في
ذلك العام بعينه وفي تلك الأشهر من غير أن ينصرف إلى بلده. وقال بعضهم وهو الأحسن:
هو متمتع وإن عاد إلى بلده حج أو لم يحج فإن عليه هدي التمتع المنصوص عليه في قوله
تعالى: ﴿ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحْ نَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدَيَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦] فكان يقول: عمرة
في أشهر الحج متعة. وقال بعضهم: ولو اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى أتى الحج
وحج من عامه أنه متمتع. وذهب ابن الزبير إلى أن المتمتع الذي ذكره الله هو المحصر بمرض
أو عدوّ، وذلك إذا خرج الرجل حاجاً فحبسه عدو أو أمر تعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي
البيت ويطوف ويسعى ويحل ثم يتمتع وعليه بحجة إلى العام المقبل ثم يحج ويهدي، وعلى
ما قال ابن الزبير لا يكون التمتع المشهور إجماعاً. وقال أيضاً: إن المكيّ إذا تمتع من بلد غير
مكة كان عليه الهدي. واتفق العلماء على أن من لم يكن من حاضري المسجد الحرام فهو
متمتع، والذي أقول به أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنَّ أَهْلُمُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١٩٦] أنه يريد بذلك أي بهذه الإشارة بإجازة الصوم في أيام التشريق من أجل رجوعه
إلى بلده لا أن المكيّ ليس بمتمتع، فإنّ العلماء اختلفوا في المكيّ هل يقع منه التمتع أم لا
يقع؟ فمن قائل: إنه يقع منه التمتع، واتفقوا أنه ليس عليه دم وحجتهم الآية التي ذكرناها وهي
محتملة، وأن الدم يمكن أن يلزمه أو بدّله وهو الصوم بعد انقضاء أيام التشريق فإنه من
حاضري المسجد الحرام.
ثم ينبغي أن نذكر من أجل هذه الآية اختلافهم في حدّ حاضري المسجد الحرام فقال
بعضهم: حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وذي طوى وما كان مثل ذلك من مكة وقال
بعضهم: هم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة. وقال بعضهم: من كان بينه وبين مكة ليلة.
وقال بعضهم: من كان ساكن الحرم. وقال بعضهم: هم أهل مكة فقط. والذي أقول به :

٤٥٦
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
إنهم ساكنو الحرم ممّا ردّ الإعلام إلى البيت فإنه من لم يكن فيه فليس بحاضر بلا شك، فلو
قال تعالى في حاضر المسجد الحرام كنا نقول بما جاور الحرم لأن حاضر البلد ربضه الخارج
عن سورة امتدّ في المساحة ما امتدّ، وإنما علق سبحانه ما ذكره بحاضري المسجد الحرام
وهم الساكنون فيه، فمعنى التمتع تحلل المحرّم بين النسكين: العمرة والحج، وهذا عندي ما
يكون إلاَّ لمن لم يسق الهدي، فإن ساق الهدي وأحرم قارناً فإنه متمتع من غير إحلال فإنه
ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدي محله .
وبعد أن ذكرنا حكم التمتع فلنرجع إلى ما وضعنا عليه كتابنا هذا في هذه العبادات
فنقول: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤] إن أشهر الحج حضرة
إلهية انفردت بهذا الحكم، فأيّ عبد اتصف بصفة سيادة من تخلق إلهيّ، ثم عاد إلى صفة حق
عبودية، ثم رجع إلى صفة سيادته في حضرة واحدة فذلك هو المتمتع، فإن دخل في صفة
عبودية بصفة ربانية في حال اتصافه بذلك فهو القارن وهو متمتع، ومعنى التمتع أنه يلزمه
حكم الهدي، فإن كان له هدي وهو بهذه الحالة من الإفراد بالعمرة أو القران فذلك الهدي
كافية ولا يلزمه هدي ولا يفسخ جملة واحدة، وإن أفرد الحج ومعه هدي فلا فسخ، فإلى هنا
بمعنى مع، ولهذا يدخل القارن فيه لقوله: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦] أي
مع الحج، فتعم المفرد والقارن بالدلالة، فإن العمرة الزيارة، فإذا قصدت على التكرار وأقل
التكرار مرّة ثانية كانت الزيارة حجاً فدخلت العمرة في الحج أي يحرم بها في الوقت الذي
يحرم بالحج وأكّد ذلك رسول الله وَلَّه بأن جعل للقارن طوافاً واحداً وسعياً واحداً وهذا مقام
الاتحاد وهو التباس عبد بصفة رب، وإن كان المقصود العبد فهو التباس رب بصفة عبد، فإذا
حلّ المتمتع لأداء حق نفسه ثم ينشأ الحج فقد يكون تمتعه بصفة ربانية إن كان ممّن جعله الله
نوراً أو كان الحق سمعه بصره، فلا يتصرّف فيما يتصرّف فيه إلاَّ بصفة ربانية، والصفات
الإلهية على قسمين: صفة إلهية تقتضي التنزيه كالكبير والعليّ، وصفة إلهية تقتضي التشبيه
كالمتكبر والمتعالي، وما وصف الحق به نفسه ممّا يتصف به العبد، فمن جعل ذلك نزولاً من
الحق إلينا جعل الأصل للعبد، ومن جعل ذلك للحق صفة إلهية لا تعقل نسبتها إليه لجهلنا به
كان العبد في اتصافه بها يوصف بصفة ربانية في حال عبوديته، فيكون جميع صفات العبد التي
يقول فيها لا تقتضي التنزيه هي صفات الحق تعالى لا غيرها، غير أنها لما تلبس بها العبد
انطلق عليها لسان استحقاق للعبد والأمر على خلاف ذلك وهذا هو الذي يرتضيه المحققون
من أهل طريقنا على أنّه ما رأينا أحداً نصَّ عليه ولا حقّقه ولا أبداه مثل ما فعلنا نحن وهو
قريب إلى الأفهام إذا وقع الإنصاف، وذلك أن العبد ما استنبطه ولا وصف الحق به ابتداء من
نفسه، وإنما الحق وصف بذلك نفسه على ما بلغت رسله وما كشفه لأوليائه، ونحن ما كنّا
نعلم هذه الصفات إلاَّ لنا لا له بحكم الدليل العقلي، فلما جاءت الشرائع بذلك وقد كان هو
ولم نكن نحن علمنا أن هذه الصفات هي له بحكم الأصل، ثم سرى حكمها فينا منه فهي له
حقيقة وهي لنا مستعارة إذ كان ولا نحن، فالأمر فيها على ما مهدناه حين المأخذ قريب

٤٥٧
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
المتناول فلا يهولنك ذلك إذا كان الحق به متكلماً وأنت السامع. فإن قيل لك في ذلك شيء
فليكن جوابك للمتعرض أن تقول له: أنا ما قلته هو قال ذلك عن نفسه فهو أعلم بما نسبه إلى
نفسه ونحن مؤمنون به علی حدّ علمه فیه وهذه أسلم العقائد .
فمن كشف له الحق تعالى صورة تلك النسبة كان على علم من الله تعالى بها ذوقاً
وشرباً، ولولا هذا الامتزاج ما صحّ أن يكون الإنسان والحيوان من نطفة أمشاج، فأظهر الكل
بالكل وضرب الكل في الكل، فظهرنا به له ولنا فنحن به من وجه وما هو بنا لأنه الظاهر
ونحن على أصلنا، وإن كنّا أعطينا باستعدادنا في أعياننا أموراً لها سمّي بما يظنه المحجوب
أسماء لنا من: عرش، وكرسيّ، وعقل، ونفس، وطبيعة، وفلك، وجسم، وأرض، وسماء،
وماء، وهواء، ونار، وجماد، ونبات، وحيوان، وإنسان، وجانّ، كل ذلك لعين واحدة ليس
إلاَّ، فسبحان الأعلى المخصوص بالأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد علم من هو الأولى
بصفة الآخرة والأولى فهو: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة
الحديد: الآية ٣] والإنسان ظلوم بما غصب من هذه الصفات من حيث جعلها لنفسه حقيقة جهول
بمن هي له وبأنها غصب في يده، فمن أراد أن يزول عنه وصف الظلم والجهالة فليردّ الأمانة
إلى أهلها والأمر المغصوب إلى صاحبه، والأمر في ذلك هين جدّاً، والعامة تظن أن ذلك
صعب وليس كذلك.
وصل في فصل - الفسخ: وهو أن ينوي الحج وليس معه هدي، فيحوّل النية إلى العمرة
فيعتمر ويحل ثم ينشىء الحج. فمن قائل: بجوازه. ومن قائل: بوجوبه. ومن قائل: بأن
ذلك لا يجوز وبالوجوب أقول العمرة حج أصغر فجاز تحويل النية إليها، وكيف لا وقد
تضمن فعلها الحج الأكبر، فقام طواف الحج الأكبر، وسعيه للقارن مقام ما للعمرة من
الطواف والسعي وهما ركنان، فاندرجت العمرة التي هي الحج الأصغر في الحج الأكبر
وصارا عيناً واحدة فجاز الفسخ لعدم الهدي، فإن الهدية من القادم للذي قدم عليه معتادة، فإذا
لم يجىء بها كلف أن لا يدخل على من قصده بالنية الأولى حتى يتمتع ويهدي ولا بدّ، ولكن
لا يقدّم هديه حتى ينشىء نية أخرى بالقصد على حسب ما نواه، فإذا أحرم بالحج أي نوى
قصد الكبير سبحانه لا المتكبر الذي هو بمنزلة العمرة التي هي حج أصغر قدّم الهدي الذي
أوجبه التمتع إما نسيكة على ما تيسر وإما صوماً لمن قصده بتلك الزيارة فهي الهدية له فإن
الصوم له وهو الذي نزل عليه الحاج، فلذلك كان الصوم هدية لأنه يستحقها بل هي أليق به
من الهدي، فإنه لا يناله من الهدي إلاّ التقوى خاصة من المهدي والصوم كله هو له فهو أعظم
في الهدية، وإنما جعله الله لمن لم يجد هدياً لأن الهدي ينال الحق منه التقوى، وينال العبد
منه ما يكون له به التغذي وقوام نشأته، فراعى سبحانه منفعة العبد مع ما للحق فيه من نصيب
التقوى مع الوجود، فإذا لم يجد رفق به سبحانه فأوجب عليه الصوم إذ كان الصوم له ولم
يوجب عليه غير ذلك لأنه ليس له من عمل العباد إلاَّ الصوم فأقامه مقام الهدية بل هو أسنى،
وقنع منه بثلاثة أيام في الحج رفقاً به حتى يكون قد أتى إليه بشيء فيفرح القادم بتلك التقدمة

٤٥٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
التي قدّمها لربّه في هذا القدوم، فهذا من وجه رفق الله بعبده، وأخر السبعة إذا رجع إلى أهله
فهناك يأخذها منه فإنه في رجوعه أيضاً قادم عليه، فإن الحق مع أهله أينما كانوا فإذا رجع إلى
أهله وجد الحق معهم فصام هدية سبعة أيام فقبلها الحق منه في أهله أو حيثما ما كان فإن الله
مع عباده أينما كانوا، ومن رأى أن العين واحدة وإن اختلفت النسب لم ير أنه فسخ مع وجود
الفسخ مثل قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فنفى وأثبت كذلك هذا وما
فسخت إذ فسخته، فمن كان شهوده في نفسه الحج خاصة لم يحل له الأصغر والأكبر فلم
يفسخ وبقي على نيته الأولى لقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦] فهو بحسب
مشهده والأول أتمّ وهو القائل بالفسخ والتعدّي عن الفسخ فهو فاسخ لا فاسخ.
تفريع في التمتع: اختلف علماء الإسلام فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم حج
من عامه ذلك. فمن قائل: عمرته في الشهر الذي حلّ فيه فهذا متمتع عنده بلا شك فإن حل
في غير أشهر الحج عنده فليس بمتمتع، واشترط بعضهم أن يكون طوافه كله في أشهر الحج.
وقال بعضهم: إن طاف ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة في شوّال كان متمتعاً. وقال بعضهم:
من أهل بعمرة في غير أشهر الحج فسواء طاف في أشهر الحج أو لم يطف لا شيء عليه فإنه
ليس بمتمتع .
اعلم أنه لما كانت أسماء الحق منها ما يعطي الاشتراك ومنها ما لا يعطي الاشتراك،
والذي لا يعطي الاشتراك كالمعزّ والمذلّ، والذي يعطي الاشتراك كالعليم والخبير، فإذا كان
العبد تحت حكم اسم ما من الأسماء الإلهية التي تعطي الاشتراك فهو بمنزلة من أحرم بالعمرة
في غير أشهر الحج وعملها في أشهر الحج، فهل للاسم الأوّل فيه حكم إذا انتقل إلى الاسم
الآخر؟ فانظر إن كان أحدهما يتضمن الآخر في أمر ما كالخبير والعالم كان في عمله تحت
حكم الآخر لأنه صاحب الوقت وأنت أخيذه بأكثر ممّا أخذ منك الوقت الأوّل، وإن كان
مشهدك أول الإنشاء وأنه المؤثر ولولاه لم يصحّ حكم هذا الآخر كالنيّة في الصلاة ثم لا
يحضر في أثناء الصلاة فصحت الصلاة لحكم الأول وقوّته، فمن كان مشهده هذا نفى أن
يكون هذا متمتعاً فإنه بحكم الإنشاء لا بحكم الانتهاء فاعلم ذلك.
وأما أكثر شروط التمتع الذي يكون به المتمتع متمتعاً فهي عند بعضهم خمسة: منها أن
يجمع بين العمرة والحج في سفر واحد. الثاني: أن يكون ذلك في عام واحد. الثالث: أن
يفعل شيئاً من العمرة في أشهر الحج. الرابع: أن ينشىء الحج بعد الفراغ من العمرة وإحلاله
منها. الخامس: أن يكون وطنه غير مكة. أما الجمع في سفر واحد وذلك أن يدعوه اسمان
فما زاد أو اسم يتضمن اسمين فما زاد كما قدّمنا، فيجيب في ذلك السفر الواحد إليهما
بحسب ما دعوا إليه كالمغني إذا دعاه إليه فإنه يتضمن في المدعوّ حكم الاسم المعزّ فإنه إذا
استغنى اعتزّ والعزّة لا تكون إلاَّ من الاسم المعزّ، وما اعتزّ هنا إلاَّ بالاسم المغني لأنه أغناه
فأورثته صفة الغنى العزّة، فلولا أن المغني يتضمن الاسم المعزّ ما ظهرت العزّة في هذا الغني
بما استغنى به .

٤٥٩
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وأما العام الواحد فإنه كمال الزمان إذ العام فيه كمال الزمان لحصره الفصول، فكمال
الزمان هو بظهور الأبد الذي به كمل الدهر، فإن الأزل نفى الأولية، والأبد نفى الآخرية، فما
بقي طرفان فليس إلاَّ دهر واحد، إذ كان نسبة الأزل للحق نسبة الزمان للخلق في العامة بنسبة
الزمان الماضي فينا، فلهذا لا يعبر عن الفعل فيه إلاَّ بالماضي فيقولون: كان ذلك في الأزل،
وفعل ذلك في الأزل، وقد بيّنا حقيقة مدلول هذه اللفظة في كتابنا هذا وفي جزء لنا سميناه
الأزل.
وأما كونه أن يكون شيء من العمرة في أشهر الحج فهو أن يكون قصد الإنسان إلى ربه
من حيث ما يقتضيه حق الله عليه فيه ووفاء بحق العبودية، فللعمل وجه في هذا ووجه في
هذا، وأما أن ينشىء الحج بعد الفراغ من العمرة والإحلال منها فهو بمنزلة الإخلاص في
العبادة والخروج من حكم اسم إلهيّ مقابل لاسم إلهيّ لا يجتمعان كالضارّ والنافع والمعطي
والمانع. وأما الوطن أن يكون غير مكة فذلك بين فإن العبد مواطنه العبودية ولا يستطيع
الخروج من مواطنه إلاّ إذا دعاه الحق إليه فلو ضمّه معه موطن لما دعاه إليه .
وصل في فصل - في القران: فهو عندنا أن يهل بالعمرة والحج معاً، فإن أهل بالعمرة
ثم بعد ذلك أهل بالحج فهذا مردف وهو قارن أيضاً ولكن بحكم الاستدراك. فمن جمع بين
العمرة والحج في إحرام واحد فهو قران سواء قرن بالإنشاء أو بعده بزمان ما لم يطف بالبيت،
وقيل: ما لم يطف ويركع ويكره بعد الطواف وقبل الركوع، فإن ركع لزمه. ومن قائل له ذلك
بعد الركوع من الطواف وما بقي عليه شيء من عمل العمرة إلاّ إذا لم يبق عليه من أفعال
العمرة إلاَّ الحلاق، فإنهم اتفقوا على أنه ليس بقارن، وذلك كله عند بعضهم إن ساق الهدي
وبه أقول، فإن لم يسق معه هدياً فاختلفوا في حجه، وكذلك مفرد الحج سواء، فمن قائل :
ببطلان الحج ويجب عليه الفسخ ولا بدّ. ومن قائل: بجواز الفسخ لا بوجوبه. ومن قائل :
بمنعه وأنه يتم حجّه الذي نواه سواء ساق الهدي أم لم يسق، والقارن الذي يلزمه هدي التمتع
هو عند الجمهور من غير حاضري المسجد الحرام إلا ابن الماجشون فإن القارن عنده من أهل
مكة عليه الهدي. وأما الإفراد فهو ما تعرّى من هذه الصفات وهو الإهلال بالحج فقط ،
واختلف العلماء من الصحابة فيه إذا لم يكن له هدي وقد ذكرناه آنفاً في هذا الفصل .
وأما الذين أجازوا الحج لمن لم يسق الهدي وفي أصل الإهلال بالحج وإن ساق الهدي
أيّ أفضل؟ فمن قائل: الإفراد أفضل. ومن قائل القران. ومن قائل: التمتع. اعلم أن المحرم
لا يحرم، كما أن الموجود لا يوجد، وقد أحرم المردف قبل أن يردف، ثم أردف على إحرام
العمرة المتقدّم وأجزأه بلا خلاف، والإحرام ركن في كل واحد من العملين ربالاتفاق جوازه،
فيترجح قول من يقول: يطوف لهما طوافاً واحداً وسعياً واحداً وحلاقاً واحداً أو تقصيراً على
من لا يقول بذلك، قد تقدّم لك حكم تداخل الأسماء الإلهية في الحكم، وقد تقدّم لك انفراد
حكم الاسم الإلهيّ الذي لا يداخله حكم غيره في حكمه فلتنظره هنالك، فمن أفرد قال:
الأفعال كلها لله والعبد محل ظهورها، ومن قرن قال: الأفعال لله بوجه وتنسب إلى من تظهر

٤٦٠
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
منه بوجه يسمى ذلك كسباً عند بعض النظار وخلقاً عند آخرين، واتفق الكل على أن خلق
القدرة المقارنة لظهور الفعل من العبد لله وأنها ليست من كسب العبد ولا من خلقه.
واختلفوا هل لها أثر في المقدور أم لا؟ فمنهم من قال: لها أثر في المقدور ولا يكون
مفدورها إلاَّ عنها وما صحّ التكليف وتوجّه على العبد إذ لو لم يكن قادراً على الفعل لما كلف
و﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وهو ما يقدر على الإتيان به وقال في
أن القدرة لله التي في العبد ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧] والذي أعطاها
إنما هو القدرة التي خلق فيه فله الاقتدار بها على إيجاد ما طلب منه أن يأتي به من التكليف.
ومنهم من قال: ليس للقدرة الحادثة أثر خلق في المقدور الموجود من العبد، وليس للعبد في
الفعل الصادر منه إلاَّ الكسب وهو اختياره لذلك الفعل إذ لم يكن مضطرّاً ولا مجبوراً فيه.
وأما أهل الله الذين هم أهله فأعيان الأفعال الظاهرة من أعيان الخلق إنما هي نسب من
الظاهر في أعيان هذه الممكنات، وأن استعداد الممكنات أثرت في الظاهر في أعيان
الممكنات ما ظهر من الأفعال والعطاء بطريق الاستعداد لا يقال فيه أنه فعل من أفعال المستعد
لأنه لذاته اقتضاه، كما أعطى قيام العلم لمن قام به حكم العالم وكون العالم عالماً ليس فعلاً
البتة، فالاقتضاءات الذاتية العلية ليست أفعالاً منسوبة إلى من ظهرت عنه وإنما هي أحكام له،
فأفعال المكلفين فيما كلفوا به من الأفعال أو التروك مع علمنا بأن الظاهر الموجود هو الحق لا
غيره بمنزلة ما ذكرناه من محاورة الأسماء الإلهية ومجاراتها في ميادين المناظرة وتوجهانها
على المحل الموصوف بصفة ما بأحكام مختلفة وقهر بعضها بعضاً، كفاعل الفعل المسمّى
ذنباً ومعصية يتوجه عليه الاسم العفوّ والغفار والمنتقم والمعاقب، فلا بدّ أن ينفذ فيه أحد
أحكام هذه الأسماء، إذ لا يصحّ أن ينفذ فيه الجميع في وقت واحد، لأن المحل لا يقبله
للتقابل الذي بين هذه الأحكام، فقد ظهر قهر بعض الأسماء في الحكم لبعض والحضرة
الإلهية واحدة، فإذا علمت هذا هان عليك أن تنسب الأفعال كلها لله كما تنسب الأسماء
الحسنى كلها لله تعالى أو الرحمن مع أحدية العين واختلاف الحكم، فاعلم ذلك وخذه في
جميع ما يسمى فعلاً فتعرف عند ذلك من هو المكلف والمكلف وتنطق فيه بحسب مشهدك.
انتهى الجزء الخامس والستون.
(الجزء السادس والستون)
بِسْمِ الهِ الرَّحْمَنِ الرّحمةِ
وصل في فصل - الغسل للإحرام: فمن قائل: بوجوبه. ومن قائل: إن الوضوء يجزىء
عنه. ومن قائل: إنه سنّة مؤكدة آكد من غسل الجمعة .
اعلم أن الطهارة الباطنة في كل عبادة واجبة عند أهل الله إلاَّ من يرى أن المكلف إنما
هو الظاهر في مظهر ما من أعيان الممكنات فإنه يراه سنّة لا وجوباً، ومن يرى من أهل الله أن
الاستعداد الذي هو عليه عين المظهر كما أثر في الظاهر فيه أن يتميز عن ظهور آخر بأمر ما