Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
يوم في حقك، وصوم يوم في حق ربك، وبينهما فطر يوم فهو أعظم مجاهدة على النفس
وأعدل في الحكم، ويحصل له في مثل هذا الصوم حال الصلاة كحالة الضوء من نور
الشمس، فإن الصلاة نور والصبر ضياء وهو الصوم والصلاة عبادة مقسومة بين رب وعبد،
وكذلك صوم داود عليه السلام صوم يوم وفطر يوم، فتجمع ما بين ما هو لك وما هو لربك.
ولما رأى بعضهم أن حق الله أحق لم ير التساوي بين ما هو الله وما هو للعبد فصام يومين
وأفطر يوماً وهذا كان صوم مريم عليها السلام فإنها رأت أنّ للرجال عليها درجة فقالت: عسى
اجعل هذا اليوم الثاني في الصوم في مقابلة تلك الدرجة وكذلك كان، فإن النبيّ وَّر شهد لها
بالكمال كما شهد به للرجال. ولما رأت أن شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل الواحد
فقالت: صوم اليومين مني بمنزلة اليوم الواحد من الرجل فنالت مقام الرجال بذلك فساوت
داود في الفضيلة في الصوم، فهكذا من غلبت عليه نفسه فقد غلبت عليه ألوهيته، فينبغي أن
يعاملها بمثل ما عاملت به مريم نفسها في هذه الصورة حتى تلحق بعقلها، وهذه إشارة حسنة
لمن فهمها، فإنه إذا كان الكمال لها لحوقها بالرجال فالأكمل لها لحوقها بربها كعيسى ابن
مريم ولدها فإنه كان يصوم الدهر ولا يفطر، ويقوم الليل فلا ينام، وكان ظاهراً في العالم
باسم الدهر في نهاره وباسم القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم في ليله، فادّعي فيه الألوهية
فقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧٢] وما قيل ذلك في نبيّ قبله فإنه
غاية ما قيل في العزير أنه ابن الله ما قيل هو الله، فانظر ما أثرت هذه الصفة من خلف حجاب
الغيب في قلوب المحجوبين من أهل الكشف حتى قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَّ﴾
فنسبهم إلى الكفر في ذلك إقامة عذر لهم فإنهم ما أشركوا بل قالوا هو الله، والمشرك من
يجعل مع الله إلها آخر فهذا كافر لا مشرك فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ
اَلْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَّ﴾ فوصفهم بالستر، واتخذوا ناسوت عيسى مجلى، ونبّه عيسى على هذا
المقام فيما أخبر الله تعالى تثبيتاً لهم فيما قالوا فقال المسيح: ﴿يَنِيِّ إِسْرَِّيلَ أُعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ
وَرَبَّكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧٢] فقالوا كذلك نفعل فعبدوا الله فيه ثم قال لهم: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧٢] أي حرّم الله عليه كنفه الذي يستره والله قد
وصفهم بالستر حيث وصفهم بالكفر، فهي آية يعطي ظاهرها نفس ما يعطي ما هو عليه الأمر
في ذلك والتأويل فيها يلحق بالذم، فإن تفطنت لما ذكرناه وقعت في بحر عظيم لا ينجو من
غرق فيه أبداً فإنه بحر الأبدّ، فما أحكم كلام الله لمن نظر فيه واستبصر وكان من الله فيه على
بصيرة .
وصل في فصل - صوم المرأة التطوّع وزوجها حاضر: ذكر مسلم عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله وَالَ: ((لاَ تَصُومُ المَزْأَةُ وَبَعْلُّهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)) الحديث، الاتفاق على وجوب
صوم رمضان، ولهذا زاد أبو داود في هذا الحديث: ((غَيْرِ رَمَضَانَ)) فاعلم أن المرأة هي النفس
المؤمنة وبعلها المتحكم فيها إنما هو إيمانها بالشرع لا الشرع. ثم الشارع يشرع لإيمانها به ما
شاء أن يشرع، فلا تدخل في فعل ولا تشرع في عمل إلا بإذنه أي بحكمه، وقليل من عباد الله
الفتوحات المكية ج٢ - م٢٦

٤٠٢
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
من يفعل هذا، فتلحظ حكم الشرع في جميع أفعاله عند الشروع في الفعل، فلو أنهم فعلوا
ذلك لكان خيراً لهم ولهذا يفوتهم خير كثير وعلم كبير.
وصل في فصل - صوم المسافر: ثبت في الصحيحين مسلم والبخاري عن ابن عباس أن
رسول الله وَّ قال: (لَيْسَ مِنَ البِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ)) لفظة ((من)) في هذا الحديث من
رواية البخاريّ، فإن حديث مسلم ليس البر بغير من سمّى السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق
الرجال لما فيه من المشقة والجهد لأهل الثروة ولليسار فكيف حال الضعفاء؟ فمن أسفر له
عمله عن عامله صار عن صومه بمعزل وتركه للعامل فلا يدّعيه مع أنه صائم، وهذا هو الصوم
الذي لا يشوبه رياء عنده فإنه ليس من البرّ أو ليس البرّ أن يدّعي الإنسان فيما يعلم أنه ليس له
أنه له ولو كان بربّه متحققاً وهذه إشارة فقف عندها فقد طال الكلام في هذا الباب.
وصل في فصل - في عدد أيام الوجوب في الصوم: عدد أيام الوجوب في الصوم مائتا
يوم وستة وعشرون يوماً، والنذر لا ينضبط فنحصره وغايته سنة ينقص منها ستة أيام أو ثلاثة
أيام من أجل من يحرّم صوم أيام التشريق أو يومين وهو موضع الاتفاق يوم الأضحى ويوم
الفطر، وأقل النذر في الصوم يوم واحد، فإن نظرت إلى أقله قلت سبعة وعشرون يوماً ومائتان
وما عدا هذا العدد فليس بواجب منها لمن جامع في رمضان والظهار، وقتل الخطأ ستون
ستون ستون ومنها رمضان ثلاثون ومنها للفداء في الحجّ ثلاثة ولليمين ثلاثة وللتمتع عشرة
وللنذر واحد على الأقل، ومنها ما هو واجب مخيّر وموسّع ومعين بالزمان مضيق، فاعلم أنه
لو لم يكن بين الصوم وبين هذه الأفعال التي أوجبته أو الأفعال التي يكون عوضاً عنها مناسبة
ما صحّ أن يقوم مقامها وذلك من كل صوم يكون كفارة وهو قولنا الواجب المخيّر، فمنه ما
يحل به ما كان حرم عليه، ومنه ما يسقط به حق الله عليه، ومنه ما يسقط به حق الله وحق الغير
عليه، وقيل لي لما عرفت بهذه الأيام ووجوبها قد وكلناك إلى نفسك في استخراج هذه
المناسبات وما أنت وحدك بل كل من عرف بها حتى علمها حجر عليه أن يعلم بها إذا علمها
بأي طريق فهذا منعني من إيضاح هذه المناسبات، فالوقوف عند الأوامر الإلهية والإشارات
الربانية على أهل هذه الطريق واجب .
وصِل في فصلٍ - السواك للصائم: ثبت في الحسان عن عامر بن ربيعة أنه قال: ((رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ بَ لَ مَا لاَ أَخْصِي تَسَوَّكَ وَهُوَ صَائِمٌ)). فمن قائل به مطلقاً في سائر اليوم وبه أقول.
ومن قائل بكراهيته له من بعد الظهر، فمن راعى حكم الخلوف كرهه وهو ناقص النظر في
ذلك فإنه ثبت عن رسول الله وَل أنّ السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب فهو طاهر مطهر
يرضي الرب وينظف الأسنان من القلح والصفرة التي تطلع عليها. فإن البزار روى عن
رسول الله مَّ أنه قال لأصحابه: ((مَا لَكُمْ تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قلْحاً اسْتَاكُوا)» فذكر ما هو حظ البصر
وما تعرّض للشم والخلوف لا يزيله السواك فإنه تغير في المعدة يظهره التنفس، فصاحب هذا
النظر والذي يقول استنوق الجمل سواء، وإذا كان الخلوف من الصائم أطيب عند الله يوم
القيامة من ريح المسك فيوم القيامة تتغير رائحته برائحة المسك فما هو هناك خلوف، وما ورد

٤٠٣
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
عن النبيّ رَّ في حق الصائم نهي عن التسوّك في حال صومه أصلاً ولا كراهة بل هو أمر
مندوب إليه مرغب فيه مطلقاً من غير تقييد بزمان ولا حال، وهو أقرب إلى الوجوب منه إلى
الندب ممّا أكد فيه رسول الله وَلّ، وكان هذا الخبر جبراً لقلب الصائم لما ظهرت من فيه
رائحة يتأذى منها جليسه إذا كان غير مؤمن، وأما المتحلي بالإيمان حاشاه من التأذي فإنه من
الإيمان أن يعرف منزل الخلوف للصائم عند الله، فهو يستحسن للغرض النفسي ما يستقبحه
السليم النظر فكيف حال المؤمن إذا أحسّ بما يرضي الرب يلهج به فرحاً؟ وعندنا بالذوق
علامة إيمانه أن يدرك ذلك الخلوف مثل رائحة المسك هنا، فإذا ورد مثل هذا الخبر في
تشريف هذه الرائحة على أمثالها من الروائح باعتناء الله بها انجبر قلب الصائم ورغب في
الزيادة من الصوم وعلم أن الملائكة ورجال الله لا يتأذون في مجالسته من خلوف فمه، فإن
الملائكة تتأذى ممّا يتأذى منه بنو آدم، ورد ذلك في روائح الثوم وأمثاله لا في خلوف فم
الصائم، فإن تسوّك الصائم كان أعلى منزلة ممّن لم يتسوّك في أي وقت كان فإنه في زيادة
عمل يرضي الله وهو التسوّك.
واعلم أن الخلوف ليس للإنسان وإنما هو أمر تقتضيه الطبيعة للتعفين الذي يكون فيما
يبقى في المعدة من فضول الطعام ولم يحجبه بطعام جديد طيب الرائحة فيخرج النفس من
القلب فيمرّ على المعدة فيخرج بما يمرّ عليه من طيب وخبيث حسّاً كما يجده الملك معنى إذا
كذب العبد الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلاً من نتن ما جاء به يجد ذلك النتن من الكاذب
بالإدراك الشميّ أهل الروائح، فإن كان حاكماً وهو من أهل هذا المقام وله هذا الحال وشهد
عنده بالزور في حكومة تعين عليه أن لا يمضي الحكم للمشهود له وإن حكم له فإنه آثم عند
الله، وهذه مسألة عظيمة الفائدة لأهل الأذواق، فإن الحاكم وإن لم يحكم بعلمه فلا يجوز له
أن يخالف علمه أصلاً وذلك في الأموال. وأمّا في الأبشار فما يجب عليه إمضاء الحكم على
المحكوم عليه لأمر آخر لا أحتاج إلى بيانه ولما كان الصوم سبب الخلوف والصوم لله وجب
على المؤمن أن يحتمل ما يجده من خلوف فم الصائم وراعى الله تعالى الواجد لذلك بأن أمر
الصائم بتعجيل الفطر وتأخير السحور لإزالة الرائحة من أجل جلسائه وجعل له فرحة بالطبع
بفطره .
اعتبار آخر في المقابلة: أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور لتكون المناجاة في هاتين
الصلاتين بريح طيبة، إذ كان زمن الصوم قد انقضى فخلوفه بعد انقضاء زمن الصوم ما هو
خلوف الصائم، فإن خلوف الصائم إنما هو في حال صومه، ثم إن الله يقول في هذا الخبر
الذي أخبر رسول الله وَّرَ: ((أَنَّ طِيبَ خُلُوفِ فَمَ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّمَا ذلك في يوم القيامة)).
إذا اتفق للصائم أن لا يزيله فإن أزاله بسواك أو بما لا يفطر الصائم كان أطهر وأطيب، وانتقل
من طيب إلى طيب وأرضى الله، فإن الخلوف لا أثر له في الصوم. وقد ورد أنّ الله أحق من
تجمل له، ومن التجمل استعمال ما يطيب الروائح ويزيل ما فيها من الخبث فإن الله جميل
يحب الجمال، وكل شيء فجماله بما يناسبه وما يقتضيه ممّا يتنعم به المدرك من طريق ذلك

٤٠٤
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الإدراك عينه من سمع وبصر وشم وذوق ولمس بمسموع ومبصر ومشموم ومطعوم
وملموس .
ثم إنه قد ورد: ((صَلاةٌ بِسِواكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلاةٍ بِغَيْرِ سِواكٍ)) فمن باب الإشارة
صلاتك بربك أفضل من صلاتك بنفسك، فأشار إلى السوى والسبعون إشارة في اعتبار
الغالب في عمر الإنسان، فإن المسبعات كثيراً ما يعتبرها الشرع في البسائط والمركبات. وأما
طريقة تفسير هذا الحديث فكونه جمع بين طهارتين: الوضوء والسواك، والمقصود بالوضوء
هنا المضمضة وهي من فرائض الوضوء عندنا بالسنة والفم هو محل المناجاة، فإن الصلاة
محادثة مع الله نهاراً ومسامرة ليلاً، واختصاص سرّاً أي مساررة، وتبليغ جهراً للقائم والقاعد
والراقد على جنب، وإذا كنت من عالم الإشارة وصليت بسواك فلا تصل به إلاَّ من اسمه
السبوح القدّوس فإن القدّوس يعطي التسوّك، وإنما فرقنا في التعبير بين الإشارة والتحقيق لئلا
يتخيل من لا معرفة له بما آخذ أهل الله أنهم يرمون بالظواهر فينسبونهم إلى الباطنية وحاشاهم
من ذلك بل هم القائلون بالطرفين، كان شيخنا أبو مدين يذمّ الطرفين على الانفراد ويقول: إن
الجامع بين الطرفين هو الكامل في السنة والمعرفة، والاشتراك وقع في تلفظه بسواك، والكاف
في السواك أصلية من نفس الكلمة وهي في الاستثناء مضافة ما هي أصلية، ومن جعلها من
باب التحقيق نظر إلى كون إضافة المخاطب أمراً واحداً فجعلها أصلية في الإضافة كالكلمة
الواحدة، واعتبر التركيب فيها اعتبار تركيب الحروف في الكلمة، فلا يصحّ وجود إضافة مثل
هذا الخطاب إلاَّ بكاف الإضافة، كما لا يصحّ اسم السواك بغير كاف، فانظر ما أدق نظر أهل
الله هذا لو كان ذلك عن فكر، لقد كانوا يفضلون به غيرهم فكيف بمن ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ إِنْ
هُوَ إِلَّا وَحِىٌ يُوحَى عَلَّمَّهُمْ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣ - ٥] إن الله هو الرزاق والعلم رزق الأرواح
ذو القوّة المتين.
وصل في فصل - من فطر صائماً: لما ورد الخبر الذي خرّجه الترمذيّ عن زيد بن خالد
الجهني قال: قال رسول الله وَجَرَ: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْر
الصَّائِم شيء)». وقال فيه: حديث صحيح، فالصائم له أجر في فطره كما كان له في صومه،
فلمن فَطره أجر فطره لا أجر صومه فافهم. وعلمنا من هذا الخبر أن الفطر من تمام الصوم،
وأنه من أعان شخصاً على عمل كان مشاركاً له فيما يؤدّي إليه ذلك العمل من الخير لا مشاركة
توجب نقصاً بل هو على التمام لكل واحد من الشريكين كما جاء في الحديث: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً
حَسَنَةً)) الحديث، فجعل الفطر من تمام الصوم وأنه جزء منه، ومن تلبس بجزء من الشيء
المتناسب الأجزاء حصل له خير ذلك الشيء وإن لم يحصل ولا اتصف بذلك الأمر كله كما
اتصف به صاحبه كمن اتصف بجزء من أجزاء النبوّة فله أجر من ثبتت له النبوّة وفضلها من غير
أن يتلبس بها كلها فليس بنبيّ، ولهذا ورد: ((أَنَّهُ يَأْتِي يَومَ القِيَامَةِ نَاسٌ لَيسُوا بِأَنْبِيَاءَ يَغْبِطُهُم
الأَنْبِيَاءُ)) إذ كانت الأنبياء نالت هذه الفضيلة بما في النبوّة من الأثقال والمشاق، وهؤلاء بجزء
منها قد اتصفوا أو أكثر من جزء وتلبسوا به، وربما كان هذا الجزء منها وممّا لا مشقة فيه

٤٠٥
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ونالوا فضل من تلبس بها كلها كالفقير مع صاحب المال فيما يتمناه من فعل الخير إذا رأى
صاحب المال أو العلم يفعل في ذلك ما لا يتمكن للفقير فعله فهما في الأجر سواء وما اشتركا
إلاَّ في النية، وزاد عليه صاحب النيّة بسقوط الحساب والمسألة فيم أنفق وممّ اكتسب، فهؤلاء
هم الذين يغبطهم النبيون في ذلك المقام، ولكن في القيامة في الموقف لا في الجنة وهو قوله
تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اْلْأَكْبَرُ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٣] فإن الرسل تخاف على أممها لا
على أنفسها، والمؤمنون خائفون على أنفسهم لما ارتكبوه من المخالفات، وهؤلاء ما لهم أتباع
يخافون عليهم ولا ارتكبوا مخالفة توجب لهم الخوف فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وكذلك الأنبياء
يعطى لكل نبيّ أجر الأمّة التي بعث إليهم سواء آمنوا به أو كفروا، فإن نيّة كل نبيّ يودّ لو أنهم
آمنوا فتساوى الكل في أجر التمني ويتميز كل واحد عن صاحبه في الموقف بالاتباع، فالنبيّ يأتي
ومعه السواد الأعظم وأقل وأقل حتى يأتي نبيّ ومعه الرجلان والرجل، ويأتي النبيّ وليس معه
أحد، والكل في أجر التبليغ سواء وفي الأمنية، فمن فطر صائماً فقد اتصف بصفة إلهية وهي
اسمه الفاطر فإن الله فطر الصائم مع غروب الشمس سواء أكل أو لم يأكل أو شرب أو لم يشرب
فهو مفطر شرعاً، وأخرجه غروب الشمس من التلبس بالصوم وهذا فطره بما أطعمه، فلما
حصل في هذه الدرجة كان متخلقاً بما هو لله كما كان الصائم متلبساً في صومه بما هو الله من
التنزيه عن الطعام والشراب والصاحبة وكل وصف مفسد الصوم.
وصل في فصل - صوم الضيف: لما خرّج الترمذيّ عن عائشة أن رسول الله وَلتر قال:
((مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلاَ يَصُومَنَّ تَطَوُّعاً إِلَّ بِإِذْنِهِمْ))، علمنا أن الصوفية أضياف الله فإنهم سافروا
من حظوظ أنفسهم وجميع الأكوان إيثاراً للجناب الإلهيّ فنزلوا به، فلا يعملون عملاً إلاَّ بإذن
من نزلوا عليه وهو الله، فلا يتصرّفون ولا يسكنون ولا يتحرّكون إلاَّ عن أمر إلهيّ، ومن
ليست له هذه الصفة فهو في الطريق يمشي يقطع مناهل نفسه حتى يصل إلى ربّه فحينئذ يصح
أن يكون ضيفاً، وإذا أقام عنده ولا يرجع كان أهلاً لأن أهل القرآن وهو الجمع به تعالى هم
أهل الله وخاصته .
حكاية: كان شيخنا أبو مدين بالمغرب قد ترك الحرفة وجلس مع الله على ما يفتح الله
له، وكان على طريقة عجيبة مع الله في ذلك الجلوس فإنه ما كان يردّ شيئاً يؤتى إليه به مثل
الإمام عبد القادر الجيليّ سواء، غير أن عبد القادر كان أنهض في الظاهر لما يعطيه الشرف
فقيل له: يا أبا مدين لم لا تحترف أو لم لا تقول بالحرفة؟ فقال: أقول بها، فقيل له: فلم لا
تحترف؟ فقال: الضيف عندكم إذا نزل بقوم وعزم على الإقامة كم توقيت زمان وجوب
ضيافته عليهم؟ قالوا: ثلاثة أيام، قال: وبعد الثلاثة الأيام؟ قالوا: يحترف ولا يقعد عندهم
حتى يحرجهم، قال الشيخ: الله أكبر أنصفونا نحن أضياف ربنا تبارك وتعالى نزلنا عليه في
حضرته على وجه الإقامة عنده إلى الأبد فتعينت الضيافة، فإنه تعالى مادل على كريم خلق
لعبده إلاَّ كان هو أولى بالاتصاف به، قالوا: نعم، قال: وأيام ربنا كما قال: كل يوم كألف
سنة ممّا تعدّون، فضيافته بحسب أيامه، فإذا أقمنا عنده ثلاثة آلاف سنة وانقضت ولا نحترف

٤٠٦
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
يتوجّه اعتراضكم علينا ونحن نموت وتنقضي الدنيا ويبقى لنا فضلة عنده تعالى من ضيافتنا،
فاستحسن ذلك منه المعترض، فانظر في هذا النفس إن كنت منهم.
وصل في فصل - استيعاب الأيام السبعة بالصيام: لما ورد في الخبرِ الذي خرجه
الترمذي عن عائشة قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَصُومُ منَ الشَّهْرِ: السَّبْتَ وَالأَحَدَ والاثْنَيْن،
وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ: الثّلاثَاءَ وَالأَربِعَاءَ وَالخَمِيسَ)) علمنا أنه ◌َّ أراد أن يتلبس بعبادة الصوم في
كل يوم من أيام الجمعة إمّا امتناناً منه على ذلك اليوم، فإن الأيام تفتخر بعضها على بعض بما
يوقع العبد المعتبر فيها من الأعمال المقرّبة إلى الله من حيث إنها ظرف له، فيريد العبد
الصالح أن يجعل لكل يوم من أيام الجمعة وأيام الشهر وأيام السنة جميع ما يقدر عليه من
أفعال البرّ حتى يحمده كل يوم ويتجمل به عند الله ويشهد له، فإذا لم يقدر في اليوم الواحد أن
يجمع جميع الخيرات فيفعل فيه ما يقدر عليه، فإذا عاد عليه من الجمعة الأخرى عمل فيه ما
فاته فيه في الجمعة الأولى حتى يستوفي فيه جميع الخيرات التي يقدر عليها، وهكذا في أيام
الشهر وأيام السنة .
واعلم أن الشهور تتفاضل أيامها بحسب ما ينسب إليه، كما تتفاضل ساعات النهار
والليل بحسب ما ينسب إليه، فيأخذ الليل من النهار من ساعته، ويأخذ النهار من الليل
والتوقيت من حيث حركة اليوم الذي يعمّ الليل والنهار، كذلك أيام الشهور تتعين بقطع
الدراري في منازل الفلك الأقصى لا في الكواكب الثابتة التي تسمّى في العرف منازل، وللقمر
أيام معلومة في قطع الفلك، وللكاتب أيام أخر، وللزهرة كذلك، وللشمس كذلك، وللأحمر
كذلك، وللمشتري كذلك، وللمقاتل كذلك، فينبغي للعبد أن يراعي هذا كله في أعماله، فإنه
ما له من العمر بحيث أن يفي بذلك، فإن أكبر هذه الشهور لا يكون أكبر من نحو ثلاثين سنة
لا غير، وأمّا شهور الكواكب الثابتة في قطعها في فلك البروج فلا يحتاج إليه لأن الأعمار
تقصر عن ذلك لكن لها حكم في أهل جهنم، كما أنه لحركات الدراري حكم على من هو في
الدرك الأسفل من النار وهم المنافقون خاصة، والباطنية ما لهم في الدرك الأسفل منزل وأن
منزلهم الأعلى من جهنم والكفار لهم في كل موضع من جهنم منزل. وأمّا أهل الجنان فالدائر
عليهم فلك البروج ولا يقطع في شيء فلا تنتهي حركته بالرصد لأن الرصد لا يأخذه وهو
متماثل الأجزاء، فلهذا كانت السعادة لا نهاية لها، فظهر بها الخلود الدائم في النعيم المقيم
إلى ما لا يتناهى، والنار ما حكمها حكم أهل النعيم، فإن الدائر عليهم فلك المنازل
والدراري، وهذه الأفلاك تقطع في فلك متناهي المساحة، فلهذا يرجى لهم أن لا يتسرمد
عليهم العذاب مع كون النار دار ألم، والعذاب حكم زائد على كونها داراً، فإنا نعلم أن
خزنتها في نعيم دائم ما هم فيها بمعذبين مع كونهم ما هم منها بمخرجين لأنهم لها خلقوا
وهي دائمة والساكن فيها دائم لكونه مخلوقاً لها، فتحقق ما ختمنا به هذا الصوم من سبق
الرحمة وغلبتها صفة الغضب، والله أجلّ وأعلى أن لا يكون له في كل منزل تجلّ وهو تعالى
الخير المحض الذي لا شرّ فيه، والوجود الذي لا عدم يقابله، والوجود رحمة مطلقة في

٤٠٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الكون، والعذاب شيء يعرض لأمور تطرأ وتعرض، فهو عرض لعارض والعوارض لا تتصف
بالدوام ولو اتصفت ما كانت عوارض وما هو عارض قد لا يعرض، فلهذا يضعف القول بتسرمد
العذاب، فإن الرحمة شملت آدم بجملته وكان حاملاً لكل بنيه بالقوّة فعمّت الرحمة الجميع إذ لا
تحجير ولا كان يستحق أن يسمّى آدم مرحوماً وفيه من لا يقبل الرحمة والحق يقول: ﴿فَابَ عَلَيْهِ
وَهَدَى﴾ أي رجع عليه بالرحمة وبين له أنه رجع عليه بها فعمته، ولله الحمد والله عند حسن ظنّ
عبده به .
وصل في فصل - قيام رمضان: ليس لاسم إلهيّ حكم في شهر رمضان إلاَّ الاسم
الإلهيّ رمضان وفاطر السموات والأرض في كل عبد، سواء كان ممّن يجب عليه صوم
رمضان أم لا يجب عليه، إلاَّ عدّة من أيام أخر وذلك في كل فعل عبادة يقام فيها العبد، فمن
جملة أفعال البرّ فيه قيام ليله لمناجاة رمضان تبارك وتعالى، تارة على الكشف إذا كان
مواصلاً، وتارة من خلف حجاب الاسم الفاطر فإن الأسماء الإلهية يحجب بعضها بعضاً،
وإن كان لكل واحد من الحاجب والمحجوب سلطنة الوقت، فإن بعضها أولى بالحجابة من
بعض وذلك سار في جميع أحوال الخلق. ذكر أبو أحمد بن عديّ الجرجاني من حديث
عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن عائشة قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ شَدَّ
مِثْزَرَهُ فَلَمْ يَأْوِ إِلَى فِرَاشِهِ حَتَى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ)) وخرّج أيضاً مسلم عنها أنها قالت: ((كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ لِ﴿ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ تَعْنِي العَشْرَ الآخِرَ مِنَ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَنْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ المِثْزَرَ))
وقيام الليل عبارة عن الصلاة فيه، هذا هو المعروف من قيام الليل في العرف الشرعي،
والناس في مناجاة الحق فيه على قسمين: فمنهم من يناجيه بالاسم الممسك وهو أيضاً من
حجاب الاسم رمضان، ومنهم من يناجيه بالاسم الفاطر وهو أيضاً من حجابه، والناس على
اختلاف في أحوالهم : [البسيط]
ما زاحمَتْهُ على التكوين إخواني
لولا مزاحمةُ الرحمن أعمالي
وما له في وجود الكون من ثاني
يقول كُنْ وحصولُ الكون ليس لنا
هذا الصيامُ لنا فأين أعياني
فلي شهودٌ على التكليف آذاني
فالصومُ لي ولكم في الشرع قِسْمانِ
في الصوم ما هو في التحقيق من شاني
يقول صُمْ فإذا صُمْنَا يقول لنا
إن قلتّ لي لم أخاطِبْكم بما هو لي
أسْمَعْتني ثم بعد السمع تسلُبُني
إن كنت تسلبني عنه فشأنكمو
والاسم الفاطر على هذا في ليل شهر رمضان أقوى حكماً فينا من الممسك، فمن كان
حاله في إمساكه يطعمه ربه ويسقيه في مبيته في حال كونه ليس بآكل ولا شارب في ظاهره فهو
مفطر وإن كان صائماً وقد ذقت هذا، ومن هنا علمت أن قوله بََّ: ((لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ
يُطْعِمُنِي رَبِّ وَيَسْقِينِي)) أنه نفى أن تشبهه تلك الجماعة التي خاطبهم فلم يكن لهم هذه الحالة
إذ لو أراد الأمّة كلها ما ذقته وقد وجدته ذوقاً والحمد لله، وإن لم يكن ممّن يطعمه ربه ويسقيه
في حال وصال صومه فهو متطفل على من هذه صفته وهو كلابس ثوبي زور، ولذلك يكره له

٤٠٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الوصال إذا لم تكن له هذه الصفة حالاً يشهدها ذوقاً في نفسه ويظهر أثرها عليه في يقظته،
والله يحب الصدق في موطنه كما يحب الكذب في موطنه، وهذا ليس بموطن حب الكذب
فإن الله يكرهه في هذا الموطن. انتهى الجزء الستون.
(الجزء الحادي والستون)
بِسْمِ الَهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
[فصل - في ليلة القدر]*
فإذا ناجى الله العبد في هذا الزمان الخاص بالحال الإلهيّ الخاص فينبغي أن يحضر معه
الحضور التامّ الذي لا يلتفت معه إلى غيره بجمعيته، فيناجيه في كل حركة منه وسكون حسّاً
من حيث إنه هو الباطن ومعنى من حيث إنه هو الظاهر، إذ كان الحسّ ظاهراً والمعنى باطناً
فلا يقوم المعنى إلاَّ بين يدي الظاهر، فإنه لو قام بين يدي الباطن والمعنى باطن الحرف الذي
هو المحسوس والحسّ كان قيام الشيء بين يدي نفسه، والشيء لا يقوم بين يدي نفسه لأنه
قام للاستفادة والشيء لا يستفيد من نفسه نفسه، ألا ترى نزول الحق للتعليم والتعريف لنا وهو
العليم بكل شيء بما كان ويكون، ومع هذا أنبأ عن حقيقة لا نردّ تعليماً لنا بما هو الأمر عليه
وأن الحكم للأحوال، فأنزل نفسه منزلة المستفيد وجعل المفيد له من خطابه فقال :
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّى نَعْلَمَ الْمُجَِهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] مع أنه هو العالم بما يكون
منهم، ولكن الحال يمنع من إقامة الحجة له سبحانه علينا وقال: ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَرِّغَةُ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ١٤٩] فلم يبق بالابتلاء لأحد حجة على الله، فحسم بذلك الابتلاء احتمال قولهم لو
حكم بعلمه فيهم أن يقولوا: لو بلوتنا وجدتنا واقفين عند حدودك، وهذا يسمّى علم الخبرة
وهو الاسم الخبير في قوله تعالى: ﴿عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [سورة النساء: الآية ٣٥] فهذه رائحة إلهية في
الاستفادة للشيء من غيره لا من نفسه فنحن أولى بهذه الصفة، فلذلك جعلنا ظاهر العبد
يناجي الاسم الباطن، وباطن العبد يناجي الاسم الظاهر ويقوم بين يديه قيام مستفيد فيهبه ما
شاء أن يهبه، فإذا رأيت المستفيد قد استفاد في قيامه خرق العوائد المدركة بالحسّ المسماة
كرامات الأولياء في العموم وآيات الأنبياء الرسل عليهم السلام فذلك أعطية الاسم الظاهر،
وإذا رأيته قد استفاد علوماً وحكماً تحار العقول فيها أو تردّها أو تقبلها من حيث ما يدركها
بالقوّة المفكرة فذلك كله أعطية الاسم الباطن، فاجعل بالك لما نبهتك عليه ونصحتك لتعلم
من تناجي ولا تخلط فيخلط عليك فإن الله يقول: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام:
الآية ٩] وقال: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] ثم نفى المكر عنهم فقال؛
بل ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد: الآية ٤٢] يعني المكر المضاف إلى عباده والمكر المضاف
إليه سبحانه، والله سبحانه قد أمرني على لسان نبيه و لو بالنصيحة لله ولرسوله ولأئمة
(*) زيادة يقتضيها السياق.

٤٠٩
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
المسلمين وعامّتهم خطاباً عاماً، ثم خاطبني على الخصوص من غير واسطة غير مرّة بمكة
وبدمشق فقال لي: انصح عبادي في مبشرة أريتها فتعين علي الأمر أكثر ممّا تعين على غيري،
فالله يجعل ذلك لي من الله عناية وتشريفاً لا ابتلاء وتمحيصاً، فمن قام بين يدي الله تعالى بهذه
المعرفة فهو القائم وإن كان نائماً فإنه ما نام إلاَّ به، ومن لم يقم بين يديه بهذه المعرفة فهو نائم
وإن كان قائماً، فكن رقيباً عليه في قلبك فإنه الذي وسعه كما هو رقيب عليك، فإنك لا تعلم
مواقع آثاره فيك وفي غيرك إلاّ بالمراقبة. واعلم أن القائمين في شهر رمضان في قيامهم على
خاطرين: منهم القائم لرمضان، ومنهم القائم لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر والناس
فيها على خلاف، والقائم فيه لرمضان لا يتغير عليه الحال بزيادة ولا نقصان، والقائم لليلة
القدر يتغير عليه الحال بحسب مذهبه فيها .
واختلف الناس في ليلة القدر أعني في زمانها، فمنهم من قال: هي في السنة كلها تدور
وبه أقول فإني رأيتها في شعبان وفي شهر ربيع وفي شهر رمضان، وأكثر ما رأيتها في شهر
رمضان وفي العشر الآخر منه، ورأيتها مرّة في العشر الوسط من رمضان في غير ليلة وتر وفي
الوتر منها، فأنا على يقين من أنها تدور في السنة في وتر وشفع من الشهر الذي ترى فيه، فمن
قام من أجل ليلة القدر فقد قام لنفسه وإن كان قيامه لترغيب الحق في التماسها، ومن قام
لأجل الاسم الذي أقامه رمضان أو غيره فقيامه الله لا لنفسه وهو أتمّ والكل شرع، فمن الناس
عبيد ومنهم أجراء، ولأجل الإجارة نزلت الكتب الإلهية بها بين الأجير والمستأجر، فلو كانوا
عبيداً ما كتب الحق كتاباً لهم على نفسه فإن العبد لا يوقت على سيده إنما هو عامل في ملكه
ومتناول ما يحتاج إليه، فهؤلئك لهم أجرهم والعبيد لهم نورهم وهو سيدهم فإنه نور
السموات والأرض قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌّ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [سورة
الحديد: الآية ١٩] يعني الأجراء وهم الذين اشترى الحق منهم أنفسهم ونورهم وهم العبيد
والإماء، جعلنا الله وإياكم من أعلاهم مقاماً وأحبهم إليه إنه الوليّ المحسان.
واعلم أن ليلة القدر إذا صادفها الإنسان هي خير له فيما ينعم الله به عليه من ألف شهر
إن لو لم تكن إلاَّ واحدة في ألف شهر فكيف وهي في كل اثني عشر شهراً في كل سنة، هذا
معنى غريب لم يطرق أسماعكم إلاّ في هذا النص، ثم يتضمن معنى آخر وهو أنها خير من
ألف شهر من غير تحديد، وإن كان الزائد على ألف شهر غير محدود فلا يدري حيث ينتهي،
فما جعلها الله أنها تقاوم ألف شهر بل جعلها خيراً من ذلك أي أفضل من ذلك من غير
توقيت، فإذا نالها العبد كان كمن عاش في عبادة ربه مخلصاً أكثر من ألف شهر من غير توقيت
كمن يتعدّى العمر الطبيعيّ يقع في العمر المجهول وإن كان لا بدّ له من الموت، ولكن لا
يدري هل بعد تعدية العمر الطبيعيّ بنفس واحد وبآلاف من السنين، فهكذا ليلة القدر إذا لم
تكن محصورة كما قدّمنا .
واعلم أن الشهر هنا بالاعتبار الحقيقيّ هو العبد الكامل إذا مشى القمر الذي جعله الله
نوراً فأعطاه اسماً من أسمائه ليكون هو تعالى المراد لا جرم القمر، فالقمر من حيث جرمه

٤١٠
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
مظهر من مظاهر الحق في اسمه النور فيمشي في منازل عبده المحصورة في ثمانية وعشرين،
فإذا انتهى سمّي شهراً على الحقيقة لأنه قد استوفى السير واستأنف سيراً آخر هكذا من طريق
المعنى دائماً أبداً، فإن فعل الحق في الكائنات لا يتناهى فله الدوام بإبقاء الله تعالى، كما أن
العبد يمشيٍ في منازل الأسماء الإلهية وهي تسعة وتسعون، التاسع والتسعون منها الوسيلة
وليست إلاّ لمحمد وَل﴾، والثمانية والتسعون لنا كالثمانية والعشرين من المنازل للقمر،
ويسميه بعض الناس الإنسان المفرد، والعشرون خمس المائة لأنها في الأصل مائة اسم لكن
الواحد أخفاه للوترية فإن الله وتر يحب الوتر، فالذي أخفاه وتر والذي أظهره وتر أيضاً، وإنما
قلنا منبهين على منازل القمر ثمانياً وعشرين منزلة لأنها قامت من ضرب أربعة في سبعة،
ونشأة الإنسان قامت من أربعة أخلاط مضروبة في سبع صفات من حياة وعلم وإرادة وقدرة
وكلام وسمع وبصر، فكان من ضرب المجموع بعضه في بعضه الإنسان، ولم يكن له ظهور
إلاّ بالله من اسمه النور لأن النور له إظهار الأشياء وهو الظاهر بنفسه، فحكمه في الأشياء حكم
ذاتي، كذلك الشهر ما ظهر إلاَّ بسير القمر من حيث كونه نوراً في المنازل، قال تعالى:
﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٩] فإذا انتهى فيها سيره فهو الشهر المحقق وما عداه
ممّا سمّي شهراً فهو بحسب ما يصطلح عليه فلا منافرة، ولله تعالى في كل منزلة من العبد
ينزلها اسم النور حكم خاص قد ذكرناه في هذا الكتاب في نعت السالك الداخل والسالك
الخارج أيضاً، والفاصل بين السلوكين ليلة الإبدار وهي ليلة النصف من ثمانية وعشرين ليلة
الرابع عشر من الشهر المحقق وليلة السرار منه والنور فيه كامل أبداً فإن له وجهين والتجلي له
لازم لا ينفك عنه، فإما في الوجه الواحد وإما في الوجهين بزيادة ونقص في كل وجه، فله
الكمال من ذاته لا بدّ منه، وله الزيادة والنقص من كونه له وجهان، فكلما زاد من وجه نقص
من وجه آخر وهو هو لحكمة قدرها العزيز العليم : [الطويل]
وأنت لسانٌ فيه إن كنتَ تعْقِلُ
وفي كفَّتَيْ ميزاننا لك عبرةٌ
وأنتَ لما فيها تَميلُ وتَسْفُلُ
إذا رجَحَتْ إحداهما طاشَ أختُها
وجعل سبحانه إضافة الليل إلى القدر دون النهار، لأن الليل شبيه بالغيب والتقدير لا
يكون إلاَّ غيباً لأنه في نفس الإنسان، والنهار يعطي الظهور، فلو كان بالنهار لظهر الحكم في
غير محله ومناسبه، فإن الفعل في الظاهر لا يظهر إلاّ على صورة ما هو في النفس، فخرج من
غيب إلى شهادة بالنسبة إلى الله ومن عدم إلى وجود بالنسبة إلى الخلق فهي ليلة يفرق فيها كل
أمر حكيم فينزل الأمر إليها عيناً واحدة ثم يفرق فيها بحسب ما يعطيه من التفاصيل، كما تقول
في الكلام إنه واحد من كونه كلاماً، ثم يفرق في المتكلم به بحسب أحوال الذي يتكلم به
واستخبار وتقرير وتهديد وأمر ونهي وغير ذلك من أقسام الكلام مع وحدانيته، فهي ليلة
مقادير الأشياء والمقادير ما تطلب سوانا فلهذا أمرنا بطلب ليلة القدر وهو قوله العمليه:
((التَمِسُوهَا)) لِنَسْتَقْبِلَهَا كَمَا يُسْتَقْبَلُ القَادِمُ إِذَا جَاءَ مِنْ سَفَرِهِ وَالمُسَافِرُ إِذَا جَاءَ مِنْ سَفَرِهِ، فلا بدّ له
إذا كان له موجود من هدية لأهله الذين يستقبلونه فإذا استقبلوه واجتمعوا به دفع إليهم ما كان

٤١١
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
قد استعده به لهم فتلك المقادير فيهم وبذلك فليفرحوا، فمنهم من تكون هديته لقاء ربه،
ومنهم من تكون هديته التوفيق الإلهيّ والاعتصام وكل على حسب ما أراد المقدر أن يهبه
ويعطيه لا تحجير عليه في ذلك، وعلامتها محو الأنوار بنورها وجعلها دائرة منتقلة في الشهور
وفي أيام الأسبوع حتى يأخذ كل شهر من الشهور قسطه منها، وكذلك كل يوم من أيام
الأسبوع.
كما جعل رمضان يدور في الشهور الشمسية حتى يأخذ كل شهر من الشهور الشمسية
فضيلة رمضان فيعمّ فضل رمضان فصول السنة كلها، فلو كان صومنا المفروض بالشهور
الشمسية لما عمّ هذا التعميم وكذلك الحج سواء، وكذلك الزكاة فإن حولها ليس بمعين، إنما
ابتداؤه من وقت حصول المال عند المكلف، فما من يوم في السنة إلاَّ وهو رأس حول
لصاحب مال، فلا تنفك السنة إلاَّ وأيامها كلها محل للزكاة وهي الطهارة والبركة، فالناس
كلهم في بركة زكاة كل يوم يعمّ كل من زكّى فيه ومن لم يزك، وإنما محى نور الشمس من
جرم الشمس في صبيحة ليلتها إعلاماً بأن الليل زمان إتيانها والنهار زمان ظهور أحكامها فلهذا
تستقبل ليلاً تعظيماً لها، فمن فاته إدراكها ليلاً فليرقب الشمس، فإذا رأى العلامة دعا بما كان
يدعو به في الليلة لو عرفها، فإن محور نور الشمس لنورها كنور الكواكب مع ظهور الشمس
لا يبقى لها نور في العين، وبهذا يتقوّى مذهب من يجعل الفجر حمرة الشفق لقوله تعالى:
﴿هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [سورة القدر: الآية ٥] أي إلى مطلع الفجر، فذلك القدر هو الذي يتميز به
حد الليل من النهار الفجر الطالع ما هو ذلك الفجر في ليلة القدر من نور الشمس وإنما هو نور
ليلة القدر ظهر في حجم الشمس، كما أن نور القمر إنما هو نور الشمس ظهر في جرم القمر،
فلو كان نور القمر من ذاته لكان له شعاع كما هو للشمس، ولما كان مستعاراً من الشمس لم
يكن له شعاع، كذلك الشمس لها من نور ذاتها شعاع، فإذا محت ليلة القدر شعاع الشمس
بقيت الشمس كالقمر لها ضوء في الموجودات بغير شعاع مع وجود الضوء فذلك الضوء نور
ليلة القدر حتى تعلو قيد رمح أو أقل من ذلك فحينئذ يرجع إليها نورها فترى الشمس تطلع في
صبيحتها صبيحة ليلة القدر كأنها طاس ليس لها شعاع من وجود الضوء مثل طلوع القمر لا
شعاع له، وإنما ذكرت لك ذلك لتعلم بأيّ نور تستنير في صبيحة ليلة القدر، فتعلم أن الحكم
في الأنوار كلها لمن نور السموات والأرض وأنزل الأنوار ما يفتقر إلى مادّة وهو المصباح،
فإذا أنزل الحق نوره في التشبيه إلى مصباح وهو نور مفتقر إلى مادّة تمدّه وهي الدهن فما هو
أعلى منه من الأنوار أقرب إلى التشبيه وأعلى في التنزيه، وإنما أعلمنا الحق بذلك وجاء بكاف
الصفة في قوله: ﴿كِشْكَوْقٍ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] إلى آخر الآية إعلاماً أنه نور كل نور بل هو
كل نور، وشرع لنا طلب هذه الصفة فكان رَال# يقول: ((واجْعَلْنِي نُوراً)) وكذلك كان وَلَّ.
وصِل في فصل - التماسها مخافة الفوت: خرّج الترمذيّ عن أبي ذرّ قال: صُمْنَا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ بَ﴿ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ الَّيْلِ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ
بِنَا السَّادِسَةَ وَقَامَ بِنَا فِيِ الخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ الَلَيْلِ فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفْلْتَنَا بَقِيَةً

٤١٢
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
لَيْلَتِنَا هَذِهِ فَقَالَ: ((إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ)). ثُمَّ لم يُصَلِّ بِنَا حَتَى
بَقِيَ ثلاثٌ مِنَ الشَّهْرِ وَصَلَّى بِنَا فِي الْثَالِثَةِ وَدَعَا أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنا أَنْ يَفُوتَ
الفَلاحُ، قِيلَ: وَمَا الفلاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ. وقال: هذا حديث حسن صحيح. انظر ما أعجب
قول هذا الصاحب حيث سمّى السحور فلاحاً والفلاح البقاء، ينبّه أن الإنسان إنما هو في
الصوم بالعرض فإنه لا بقاء له فإن الصوم لله، ألا تراه يزول حكمه عن الصائمين بزوال الدنيا،
فهو في الآخرة يأكل ويشرب بما أسلف في أيام الصوم وهي الأيام الخالية يعني الماضية، قال
تعالى: ﴿كُوْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَأْ بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَلِيَةِ﴾ [سورة الحاقة: الآية ٢٤] أيام الصوم في الدنيا
والآخرة دار بقاء وأكلها دائم وظلّها والسحور أكلة غذاء، فنبّه أن الإنسان في بقائه آكل لا
صائم، فهو متغذّ بالذات صائم بالعرض فالغذاء باق فسمّاه فلاحاً أي بقاء وهو من السحر
والسحر له وجهان كما ذكرنا: وجه إلى الليل ووجه إلى النهار وهو الوقت الذي بين الفجرين،
كذلك الإنسان له البقاء الذي هو الفلاح وهو السحور في مقامه الذي هو فيه، فله وجه إلى
الواجب الوجود لنفسه ووجه إلى العدم لا ينفك عن ذلك في أيّ حالة كان من وجود أو عدم
ولذلك سمّي ممكناً ودخل في جملة الممكنات، فهذه الصفة له باقية وإن ظهر بنعت إلهيّ في
وقت فليس له فيه بقاء وإنما بقاؤه فيما قلناه .
ولهذا قال الصاحب لما اتصف في ليلته بالقيوم قال: تخوّفنا أن يفوتنا الفلاح وهو أن
ينقضي زمان الليل وما عرفنا نفوسنا إذ في معرفتنا بها معرفة ربنا لكنهم ما فاتهم الفلاح بحمد
الله بل أشهدهم الله نفوسهم بالغذاء ليشهدوا أن القيومية له ذاتية، وقيومية العبد إنما هي بإمداد
ما يتغذى به، ولهذا قال وَلَهُ: ((حَسْبُ ابنِ آدَمَ لْقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ)) فجعل القيومية للغذاء وإن
كان هو القائم بها فكأنه يقول؛ وإن تلبسنا بالتماس هذه الليلة من الاسم الوتر تعالى فلم يغننا
ذلك الالتماس عن حظوظ نفوسنا التي بها بقاؤنا وهو التغذي، فإن التماسنا لها إنما هو لما
ينالنا من خيرها في دار البقاء، فما التمسناها بالعبادة إلا لحظ نفسيّ نبقى به في الدار الآخرة
والسحور رب الوقت في الحال وهو سبب في بقاء الحياة الدنيا للعمل الصالح فتخوّفنا أن
يفوتنا حكمه، إذا كان ذلك الحكم عين طلبنا بالالتماس وإن اختلف الدار.
ثم جعلها ◌َّر في الوتر من الليالي دون الشفع لأنه انفرد بها الليل دون النهار فإنه وتر من
اليوم واليوم شفع، فإن اليوم عبارة عن ليل ونهار ولكن في تلك السنة لورود النص فإنها قد تكون
في الأشفاع إلاّ في تلك السنة لما ورد في الخبر من التماسها في الأوتار من العشر الآخر،
ولمعنى آخر أيضاً وهو أن الطلب إذا كان في ليالي وتر الشهر كان الوتر حافظاً لهذا العبد لما
تعطيه هذه الليلة من البركات والخير وهو في وتر من الزمان المذكر له وترية الحق، فيضيف
ذلك الخير إلى الله لا إلى الليلة وإن كانت سبباً في حصوله، ولكن عين شهود الوتر يحفظه من
نسبة الخير لغير الله مع ثبوت السبب عنده، فلو كانت في ليلة شفع وهي سبب لم يكن لهذا العبد
من يذكره تذكير حال في وقت التماسه إياها أو في شهوده إياها إذا عثر عليها، فكان محصلاً
للخير من يد غير أهله فيكون صاحب جهل وحجاب في أخذ ذلك الخير، فما كان يقاوم ما

٤١٣
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
حصل له فيها من الخير ما حصل له من الحرمان والجهل لحجابه عن معطي الخير، فلهذا أيضاً
جعلت في أوتار الليالي فافهم، وجعلت في العشر الآخر لأنها نور والنور شهادة وظهور فهو
بمنزلة النهار، إذ سمّي النهار لاتساع النور فيه، والنهار متأخر عن الليل لأنه مسلوخ منه، والعشر
الآخر متأخر عن العشر الأوسط والأول فكان ظهورها والتماسها في المناسب الأبعد، وما رأيت
أحداً رآها في العشر الأوّل ولا نقل إلينا وإنما تقع في العشر الوسط والآخر.
خرّج مسلم عن أبي سعيد قال: ((اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ
يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ)). وكذلك التجلي الإلهيّ ما ورد قط في خبر صحيح نبويّ ولا سقيم أن الله
يتجلّى في الثلث الأول من الليل، وقد ورد أنه يتجلى في الثلث الأوسط والآخر من الليل،
وليلة القدر إنما هي حكم تجلّ إلهيّ فكانت في الثلث الأوسط والآخر من الشهر ولم تكن في
الثلث الأول، فإن الأول أنت ولا بدّ، فالأولية لك في معرفتك ربك وأنت وهو لا تجتمعان،
كما أن الدليل والمدلول لا يجتمعان، فمن عرف نفسه عرف ربه فقدّمك فإنك الدليل،
فالأولية لك في المعرفة النظرية والكشفية، فإن معرفة الكشف لا تكون إلاَّ بعد رياضة
ومجاهدة، فلا بدّ من تقدّمك نظراً وكشفاً، كما أن علمه بك إنما هو من علمه به، فلو لم
يتصف بأنه عالم بنفسه ما علمك فتفطن في علم الله بك من أين هو فإنها مسألة دقيقة جدّاً
ذكرناها في كتابنا الموسوم بعقلة المستوفز وفي هذا الكتاب.
وصل في فصل - في التماسها في الجماعة بالقيام في شهر رمضان: خرّج أبو داود عن
مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴿ وَإِذَا نَاسٌ فِي
رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ هُؤْلاَءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلاءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ
وَأَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصِلِّي بِهِمْ وَهُمْ يَصَلُّونَ بِصَلاتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا)) .
فالجمعية فيها أحق للمناسبة فإن قدرها أعظم من ألف شهر لياليه وأيامه فلها مقام هذا الجمع
وأنزل الله فيها القرآن قرآناً أي مجموعاً، وأنزله بنون الجمع والعظمة فجمع في إنزاله فيها
جميع الأسماء بقوله: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر: الآية ١] وفيها ﴿نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ﴾ ما
نزل فيها واحد ﴿وَالرُّوحُ﴾ القائم فيهم مقام أبيّ في الجماعة التي يصلي بهم ﴿مِّن كُلِّ أَمِّ﴾
[سورة القدر: الآية ٤] وكل يقتضي جميع الأمور التي يريد الحق تنفيذها في خلقه و﴿حَّى مَطْلَعِ
اٌلْفَجْرِ﴾ [سورة القدر: الآية ٥] نهاية غاية فإنها تتضمن حرف إلى التي للغاية، ولا تكون نهاية إلاّ
عن ابتداء فكان جمعاً، فهذه الليلة ليلة جمع فلذلك قال رسول الله وَ له: ((أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا
صَنَعُوا))، يغبطهم لما ذكرناه.
والباعث لالتماسها أمور تقتضيها وهي البواعث على التماسها وهو عظم قدرها وعظم
من أنزلها، وحقارة من التمسها عند نفسه بالتماسها فإنه شاهد بالتماس لهذا الخبر العظيم
القدر على نفسه بافتقار عظيم يقابله، لأن العبد كلما أراد أن يتحقق بعبودية حقر قدره إلى أن
يلحق نفسه بالعدم الذي هو أصله ولا أحقر من العدم فلا أحقر من نفس المخلوق، فسمّي
أيضاً ليلة القدر لمعرفة أهل الحضور فيها بأقدارهم أعني بحقارتها، مع أن الخير الذي ينالونه

٤١٤
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
شرّ كالملتمسين في الإمكان والافتقار، وأفقر الموجودات من افتقر إلى مفتقر فلا أفقر من
الإنسان فإنه لا أعرف بالله منه لجمعيته وعقله ومعرفته بنفسه .
وصل في فصل - إلحاقها من قامها برسول الله في المغفرة: قال الله تعالى يخاطب
محمداً مَّ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] وذكر مسلم والنسائيّ
من حديث أبي هريرة أن رسول الله وٍَّ قال: ((مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ - وَفِي مسلم - فيوافقها إِيمَاناً
وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأْخَّرَ)). يقول: يستر عنه ذنبه حتى لا يخجل، وإن كان
ممّن قيل له افعل ما شئت فقد غفرت لك كما ورد في الصحيح فيكون قد ستر عنه خطاب
التحريم وأبيح له شرعاً فما تصرّف إلاَّ في مباح فإن الله لا يأمر بالفحشاء، فلولا عظم قدرها ما
ألحقها الله بصفة العلم الذي هو أشرف الصفات، ولهذا أمر تعالى نبيّه رَّ بطلب الزيادة منه،
ومعنى قولي: ألحقها الله لما ورد في الصحيح: ((أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبَّ يَغْفِرُ
الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ يَقُولُ اللَّهُ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: افْعَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)). وما ثم سبب
موجب لإباحة ما حرّم عليه فعله إلاّ العلم فلحق فضل ليلة القدر بمرتبة العلم فيما ذكرناه.
وقال ◌ََّ: ((مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ)) ذكره النسائي وأي خير أعظم من رفع التحجير فذلك
جنة معجلة .
وصل في فصل - الاعتكاف: الاعتكاف: الإقامة بمكان مخصوص، وفي الشرع على
عمل مخصوص بحال مخصوص على نية القربة إلى الله جلّ جلاله وهو مندوب إليه شرعاً
واجب بالنذر، وفي الاعتبار الإقامة مع الله على ما ينبغي لله إيثاراً لجناب الله، فإن أقام بالله فهو
أتَم من أن يقيم بنفسه، فأما العمل الذي يخصّه، فمن قائل: إن الصلاة وذكر الله وقراءة القرآن لا
غير ذلك من أعمال البرّ والقرب. ومن قائل: جميع أعمال البرّ المختصة بالآخرة، والذي
أذهب إليه أن له أن يفعل جميع أفعال البرّ التي لا تخرجه عن الإقامة بالموضع الذي أقام فيه،
فإن خرج فليس بمعتكف ولا يثبت فيه عندي الاشتراط، وقد ثبت عن عائشة أن السنة للمعتكف
أن لا يشهد جنازة ولا يعود مريضاً، فاعلم أن الإقامة مع الله إذا كانت بالله فله التصرّف في جميع
أعمال البرّ المختصة بمكانه الذي اعتكف فيه والخارجة عنه التي يخرجه فعلها عن مكانه فإن الله
يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] وإذا كانت الإقامة بنفسك لله فقد عينت
مكاناً لها فلتلزمها به حتى يتجلى لك في غير ما ألزمتها به فافهم.
وصل في فصل - المكان الذي يعتكف فيه: فمن قائل: لا يجوز الاعتكاف إلاَّ في
الثلاثة المساجد التي تشدّ الرحال إليها. ومن قائل: الاعتكاف عام في كل مسجد. ومن
قائل: لا اعتكاف إلاّ في مسجد تقام فيه الجمعة. ومن قائل: تعتكف المرأة في مسجد بيتها
ومن قائل يجوز الاعتكاف حيث شاء إلاَّ أنه إن اعتكف في غير مسجد جاز له مباشرة النساء
وإن اعتكف فليس له مباشرة النساء وبه أقول إلاَّ أني أزيد أنه إن نوى الاعتكاف في أيام تقام
فيها الجمعة فلا يعتكف إلاَّ في مكان يمكن له مع الإقامة فيه أن يقيم الجمعة سواء كان في
المسجد أو في مكان قريب من المسجد يجوز له إقامة الجمعة فيه.

٤١٥
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
اعلم أن المساجد بيوت الله مضافة إليه، فمن استلزم الإقامة فيها فلا ينبغي له أن يصرف
وجهه لغير رب البيت فإنه سوء أدب فإنه لا فائدة للاختصاص بإضافتها إلى الله إلاَّ أن لا
يخالطها شيء من حظوظ الطبع، ومن أقام مع الله في غير البيت الذي أضافه إلى نفسه جاز له
مباشرة أهله إلاَّ في حال صومه في اعتكافه إن كان صائماً، ومباشرة المرأة رجوع العقل من
حال العقل عن الله إلى مشاهدة النفس سواء جعلها دليلاً أو غير دليل، فإن جعلها دليلاً
فالدليل والمدلول لا يجتمعان، فلا تصحّ الإقامة مع الله وملابسة النفس وأعلى الرجوع إلى
النفس وملابستها أن لابسها دليل، وأما إن لم يلابسها دليل فلم يبق إلاَّ شهود الطبع، فلا
ينبغي للمعتكف أن يباشر النساء في مسجد كان أو في غير مسجد، ومن كان مشهده سريان
الحق في جميع الموجودات وأنه الظاهر في مظاهر الأعيان وأن باقتداره واستعداداتها كان
الوجود في الأعيان رأى أن ذلك نكاح، وأجاز مباشرة المعتكف المرأة إذا لم يكن في
مسجد، فإن هذا المشهد لا يصحّ فيه أن يكون للمسجد عين موجودة فإنه لا يرى في الأعيان
من هذه حالته إلاَّ الله، فلا مسجد أي لا موضع تواضع ولا تطأطؤ فافهم.
وصل في فصل - قضاء الاعتكاف: ذكر مسلم عن أبيّ بن كعب: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل
كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَسَافَرَ عَاماً فَلَمْ يَعْتَكِفْ فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ اعْتَكَفَ
عِشْرِينَ لَيْلَةَ)) الإقامة مع الله على الدوام هو طريق أهل الله، ولها الثناء العام، ولذلك صاحبها
الحمد لله على كل حال وهو ذكر الضرّاء وهو الذكر الأعمّ الأتمّ، فإنه إذا حمده العبد على
الضرّاء فكيف يكون مع السرّاء؟ فإن السرّاء من جملة أحوال العبد، وقد دخل تحت عموم
قوله: كل حال وهو الطرفان وما بينهما وحمد السرّاء مقيد فإن النبيّ وَّ كان يقول في
السرّاء: ((الحَمْدُ لِلَّهِ المُنْعِم الْمُفْضلِ)). فيقيده وهذا هو حمد أيضاً أعم من الأول وإن ظهر فيه
التقييد ولكن لا يفطن له كل أحد، فإن من نعم الله على عبده وإنعامه إن وفقه أن يقول عند
الضرّاء: الحمد لله على كل حال، فهذا من اسمه المنعم المفضل عليه بهذا القول، فإذا اتفق
أن ينقل الله من له صفة الإقامة معه على كل حال إلى من يرى الله بعد كل شيء فتزيله هذه
الحال عن الإقامة مع الله دائماً فيكون بمنزلة المسافر الذي يناقض الاعتكاف فيجب عليه
القضاء إذا رجع إلى حاله الأوّل، وصورة قضائه الإقامة مع الله الثابت بالدليل الشرعي فإنها
أيام أخر وهي العشر الوسط بين العشرين الآخر والأوّل، كذلك هي النعوت التي جاءت بها
الشريعة من صفات التشبيه بين الحسّ والعقل وهي حضرة الخيال، ففي هذه الحضرة يقضي
الاعتكاف، وفى العشر الآخر المتصلة به يعتكف على عادته بصفات التنزيه عقلاً وشرعاً من :
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١].
وصل في فصل - تعيين الوقت الذي يدخل فيه الذي يريد الاعتكاف إلى المكان الذي
يقيم فيه: خِرّج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ)). اعلم أن المعتكف وهو المقيم مع الله على جهة
القربة دائماً لا يصحّ له ذلك إلاّ بوجه خاص وهو أن يشهده في كل شيء، هذا هو الاعتكاف

٤١٦
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
(العام المطلق. وثم اعتكاف آخر مقيد يعتكف فيه العبد مع اسم ما إلهيّ يتجلّى له ذلك الاسم
بسلطانه فيدعوه إلى الإقامة معه .
واعتبار مكان الاعتكاف في المعاني هو المكانة وما ثم اسم إلهيّ إلا وهو بين اسمين
إلهيين، فإن الأمر الإلهيّ دوريّ ولهذا لا يتناهى أمر الله في الأشياء، فإن الدائرة لا أوّل لها
ولا آخر إلاَّ بحكم الفرض، ولهذا خرج العالم مستديراً على صورة الأمر الذي هو عليه في
نفسه حتى في الأشكال، فأول شكل قبل الجسم الكل الشكل المستدير وهو الفلك، ولما
كانت الأشياء الكائنة من الله عند حركات هذه الأفلاك بما قدّره العزيز العليم أعطت الحكمة
أن تكون على صورته في الشكل أو ما يقاربها، فما من حيوان ولا شجرة ولا ورقة ولا حجر
ولا جسم إلاَّ وفيه ميل إلى الاستدارة ولا بدّ منها، لكنها تدق في أشياء وتظهر بينة في أشياء،
واجعل بالك في كل ما خلق الله تعالى من جبل وشجر وجسم تر فيه انعطافاً إلى الاستدارة،
ولذلك كان الشكل الكريّ أفضل الأشكال.
ولما كان التجلّي الأعظم العام يشبه طلوع الشمس ومع التجلّي الشمسيّ يكون
الاعتكاف العام قيل للمعتكف بترجمان اسم ما إلهيّ: ادخل في اعتكافك في وقت ظهور
علامة التجلّي الأعظم وهو طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح ليقرب عليك الفتح ولا يقيدك هذا
الاسم الإلهيّ الذي أقمت معه أو تريد الإقامة معه عن التجلّي الأعظم الذي هو بمنزلة طلوع
الشمس فتجمع في اعتكافك بين التقييد والإطلاق، فإنه لو دخل المعتكف أول الليل بعدت
عليه المسافة الزمانية وطال المدى فربما نسي ما هو الأمر عليه فإن الإنسان مجبول على
النسيان. قال رسول الله وَله: ((فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِيَّتُهُ وَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيتُهُ)). وهذا
الحديث بشرى من النبيّ وَلّ للناس كافة، فإن آدم رحمه الله فرحمت ذرّيته كانوا حيثما كانوا،
جعل لهم رحمة تخصّهم بأيّ دار أنزلهم الله تعالى فإن الأمر إضافيّ، وأن الأصول تحكم على
الفروع، وهذا يدلك على أن هذه النفوس الإنسانية نتيجة عن هذه الأجسام العنصرية ومتولدة
عنها، فإنها ما ظهرت إلاَّ بعد تسوية هذه الأجسام واعتدال أخلاطها، فهي للنفوس المنفوخة
فيها من الروح المضاف إليه تعالى كالأماكن التي تطرح الشمس شعاعاتها عليها فتختلف آثارها
باختلاف القوابل، أين ضوء نور الشمس في الأجسام الكثيفة منه في الأجسام الصقيلة؟ فلهذا
تفاضلت النفوس لتفاضل الأمزجة، فترى نفساً سريعة القبول للفضائل والعلوم، ونفساً أخرى
في الضدّ منها وبينهما متوسطات فهكذا هو الأمر إن فهمت. قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ يعني
جسم الإنسان ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] ولهذا قلنا: إن النسيان في الإنسان
أمر طبيعيّ يقتضيه المزاج، كما أن التذكر أمر طبيعيّ أيضاً في هذا المزاج الخاص، وكذلك
جميع القوى التي تنسب إلى الإنسان، ألا تراه يقلّ فعل هذه القوى في أشخاص ويكثر في
أشخاص؟ فنبّه الشارع بدخول المعتكف مكان اعتكافه بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس.
وصل في فصل - إقامة المعتكف مع الله ما هي: اعلم أن الإقامة مع الله إنما هو أمر
معنويّ لا أمر حسيّ، فلا يقام مع الله إلاّ بالقلب كما لا يتوجه في الصلاة إلى الله إلاَّ بالقلب،

٤١٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وكما تتوجه بوجهك إلى المسماة قبلة وهي الكعبة كذلك يقام بالحسّ مع أفعال البرّ، وقد
يكون من أفعال البرّ ملاحظة النفس ليؤدّي إليها حقّها المشروع لها فإن لنفسك عليك حقاً،
وقد يؤثر نفسه على غيرها بإيصال الخير إليها، وهو الذي شرّعه الله لنا وما لنا طريق إلى الله
إلاَّ ما شرعه، ولهذا يكلف الإنسان نفسه بعض مصالحها ليعود خير ذلك إليها، كخروج
المعتكف إلى حاجة الإنسان وإقباله على ما كان من نسائه وأهله ليصلح بعض شأنه في حال
إقامته واعتكافه. ذكر مسلم عن عائشة أنها قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ
رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ)). وقال النسائي عنها قالت: ((كَانَّ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَأْتِيْنِي وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ فَيَتَّكِىءُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ وَأَنَا
فِي حُجْرَتِي وَسَائِرُهُ فِي الْمَسْجِدِ)). وفي هذا دليل لمن يقول بالحكم للأغلب، فإنه ما أخرجه
كون رأسه في غير المسجد عن الاعتكاف لأن الأكثر منه في المسجد فراعى حكم الأكثر في
الجرمية .
وصل في فصل - ما يكون عليه المعتكف في نهاره: ذكر أبو أحمد من حديث
عبد الله بن بديل بن ورقاء المكيّ عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن عمر: أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ
يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: ((اعْتَكِفْ وَصُمْ)).
اعتباره: أمر رسول الله وَلّ من أراد الإقامة مع الله أن يقيم معه بصفة هي الله وهي
الصوم ليكون مع الله بالله لله، فلا يرى منه شيء إلاَّ الله، وهذه حالة أهل الله. قيل
لرسول الله وَ﴾: مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذكر الله)) أي لتحققهم بالله يغيبون
به عنهم وعن عيون الخلق، فإذا رآهم الناس لم يروا غير الله فتذكرهم بالله رؤيتهم مثل
الآيات المذكرات، وهذا هو المقام الذي سأله رسول الله وَّر في دعائه: ((واجعلني نوراً))
فأجاب الله تعالى دعاءه فأخبرنا أنه بعثه إلى الناس ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ.
وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٥، ٤٦] فجعله نوراً كما سأل، فإن قوله لربه: ((واجْعَلْنِي
نُوراً)) فأكون بذاتي عين الاسم الإلهي النور، ومن كان الحق سمعه وبصره ولسانه ويده
ورجله ولا ينطق عن الهوى فما هو هو وما بقي لمن يراه ما يرى إلاَّ الله عرف ذلك
الرائي أو لم يعرفه، هكذا يشاهدونه أهل العلم بالله من المؤمنين الخلفاء يظهر في العالم
والسوقة بصفات من استخلفها قالت بلقيس في عرشها: ﴿كَأَنَّهُ هُوٌ﴾ [سورة النمل: الآية ٤٢]
وما كان إلاَّ هو ولكن حجبها بعد المسافة وحكم العادة وجهلها بقدر سليمان عليه السلام
عند ربه، فهذا حجبها أن تقول: هو هو فقالت: ﴿كَأَنَّهُ مُؤْ﴾ وأيّ مسافة أبعد من ليس
كمثله شيء ممّن مثله أشياء: قال الكامل وَ﴿: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)) عَنْ أَمْرِ اللَّهِ قيلَ لَهُ
قُلْ، فَقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [سورة الكهف: الآية ١١٠])) وبهذا علمنا أنه عن أمر الله
لأنه نقل الأمر لنا كما نقل المأمور، وكان هذا القول دواء للمرضِ الذي قام بمن عبد
عيسى عليه السلام من أمته فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة: الآية
١٧] وفاتهم علم كثير حيث قالوا: ابن مريم وما شعروا ولهذا قال الله تعالى في إقامة
الفتوحات المکیة ج٢ - م٢٧

٤١٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الحجة على من هذه صفته: ﴿قُلِّ سَمُّوهُمْ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣] فما يسمونهم إلاَّ بما
يعرفون به من الأسماء حتى يعقل عنهم ما يريدون، فإذا سمّوهم تبين في نفس الاسم أنه
ليس الذي طلب منهم الرسول المبعوث إليهم أن يعبدوه، وإنما قلنا هو هو لما يعطيه
الكشف الصحيح في الخصوص والإيمان الصريح في العموم كما ورد به الخبر النبويّ
الإلهيّ من أن الله إذا أحب عبده كان سمعه وبصره وذكر قواه وجوارحه، والإنسان ليس
غير هذه الأمور المذكورة الذي جعل الحق هويته عينها، فإن كنت مؤمناً عرفت بمن
أنت، وإن كنت صاحب شهود صحيح عرفت من شاهدت، وأكثر من هذا البيان النبويّ
عن الله ما يكون في قوّة الإنسان حتى يكون المؤمن صاحب حال عيان، فيعرف عند ذلك
من هو عين هذه الأكوان والأعيان.
وصل في فصل - زيارة المعتكف في معتكفه المقيم مع الله من حيث اسم ما تطلبه أسماء
أخر إلهية في أعيان أكوان ليظهر سلطانها فيه منازعة للاسم الذي هو مقيم معه: ذكر البخاري عن
صفية زوج النبيّ وََّ: ((أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهَ تَزُورُهُ فِي مُعْتَكَفِهِ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ
الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ بَهَ مَعَهَا يقلبها حَتَّى إِذَا
بَلَغْتِ بَابَ أُمّ سَلَمَةَ)) الحديث، فهذا اسم إلهيّ حرّك صفية لتزوره حتى يأخذ بوساطتها النبي وَةُ
من الإقامة مع الاسم الإلهي الذي أجاءها، فأقام رسول الله وَلّ مع هذا الاسم زمان حديثه
معها، ثم أخرجه من موضع جلوسه حين شيّعها وهو نوع سفر لا بل هو سفر بر الرجل بامرأته
تعظيماً لحرمتها وقصدها فإن السفر انتقال ولم ينتقل إلاّ بحكم ذلك الاسم علیه من مكانه، فإن
المعتكف إذا انتقل إلى حاجة الإنسان من وضوء وما لا بدّ منه فإن ذلك كله من حكم الاسم
الذي أقام معه في مدّة اعتكافه، وما من حركة يتحرّكها الإنسان في اعتكافه وغير اعتكافه إلاَّ عن
ورود اسم إلهيّ عليه، هذا مفروغ منه عندنا في الحقائق الإلهية، وأسماء الله لا تحصى كثرة،
وما من شأن المعتكف تشييع الزائر فما تحرّك لذلك إلاَّ لحكم الاسم الإلهيّ الذي حرّك الزائر
إليه، فالعين لا تعرف إلاَّ أنها زائرة لقضاء غرضها من نظر أو حديث، والعارف يشهد الأسماء
الإلهية ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، فالاسم الإلهيّ الذي حرّك صفية من وراء حجاب صفية
ومعه كان يتأدّب رسول الله وَل# وله قام وشيّع، وكان مطلب ذلك الاسم إظهار سلطانه فيه وقد
ظهر، وقد بيّنا ذلك في مجاراة الأسماء الإلهية في أوّل هذا الكتاب وفي عنقاء مغرب.
وصل في فصل - اعتكاف المستحاضة في المسجد: كذب النفس لعلة مشروعة ليس
بحيض ولذلك تصلي المستحاضة ولا تصلي الحائض. ورد عن عائشة على ما ذكره
البخاري: ((أَنَّهُ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ امْرَأَةٌ مُسْتَحاضةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ». الحديث، فمن وضع
الأشياء في مواضعها فقد أعطاها ما تستحقه عليه وهو حكيم وقته، فإن الحكمة تعطي وضع
كل شيء في موضعه ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٠] وما ثم شيء مطلق أصلاً لأنه لا
يقتضيه الإمكان ولا تعطيه أيضاً الحقائق فإن الإطلاق تقييد، فما من أمر إلاَّ وله موطن يقبله
وموطن يدفعه ولا يقبله لا بدّ من ذلك، كالأغذية الطبيعية للجسم الطبيعيّ ما من شيء يتغذّى

٤١٩
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
به إلاَّ وفيه مضرّة ومنفعة يعرف ذلك العالم بالطبيعة من حيث ما هي مدبرة للبدن وهو المسمّى
طبيباً ويعرفه الطبيعيّ مجملاً والتفصيل للطبيب، فما في العالم لسان حمد مطلق ولا لسان ذم
مطلق، والأصل الأسماء الإلهيّة المتقابلة فإن الله سمّى لنا نفسه بها من كونه متكلماً كما نزّه
وشبّه ووحّد وشرّك ونطق عباده بالصفتين ثم قال: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى
الْمُرْسَلِينَ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠ - ١٨٢] هذا آخر الجزء الحادي
والستين .
(الجزء الثاني والستون)
بِسْمِ الَّهِ الرَّغَنِ الرَّحْمَةِ
الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
[نظم: البسيط]
من عهد والدنا المنعوتِ بالناسي
الحجّ فرضٌ إلهيٍّ على الناس
فرضٌ علينا ولكنْ لا نقوم به
فإن حَرَمْتَ بإحرام تجرُّدكم
دَعَتْكَ حالتُه في كل منزلةٍ
فيه الإجابةُ للرحمن من کَثَبِ
فيه العباداتُ من صوم ومن صِلَّةٍ
وفي الطواف معانٍ ليس يشبهها
إني قتيلُ خَلَاخِیل کَلِفْتُ بها
وفي المحصَّب شرعُ الفرد ناسَبَهُ
الله خصَّصه في بطن عُزْنَتِهِ
وكن مع الفرق في جَمْعِ بمزدلف
من حجَّ الله لا بالله كان كمَنْ
في يوم غيم شديدِ الحرّ فاعتبروا
وكن إذا أنّت دَبَّرْتَ الأمورَ به
واحذَرْ شهودَ إسافٍ ثم نائلةٍ
وفي مِنّى فانحر القربانَ في صفةٍ
وَتْريَّةِ الذات لا شَفْعٌ يزلزلها
عِطْريَّة النَّشْر معسولٌ مقبَّلُها
مكلومةٍ بالذي نالته من صفتي
وواجبُ الفَرْضِ أن نُلْقِي على الرَّاسِ
عن كل حال بإعسار وإفلاسٍ
من المنازل بالعاري وبالكاسي
بنَعْت عبدٍ لدنيِّ وإلياسٍ
ومن صلاةٍ وحكمِ الجودِ والباسِ
إلاَّ تردُّدُ ربِّ الجَنّ والناسِ
عند الطوَاف وأقراطٍ ووَسْوَاسٍ
رَمْيُ الجِمَار لخنَّاس بوسواسٍ
يومَ الوقوف بإذلال وإبلاسٍ
فما عليك بذاك الفرقِ من باسٍ
سعى لظُلمته بضوء نِبْراسِ
فيما تَفُوه به للخلق أنفاسي
ما بين عقل إلهيٍّ وإحساسٍ
إذا سعيت كأسقُفُ وشمَّاسٍ
تُذْعَى بها عند ذاك النحر بالقاسي
مَصُونةٌ بين حُفّاظ وحُرَّاسٍ
محفوفةٍ ببَهَار الروض والآسٍ
وما يكون لذاك الكَلّم من آسي
اعلم أيّدك الله أن الحج في اللسان تكرار القصد إلى المقصود، والعمرة الزيارة، ولما
نسب الله تعالى البيت إليه بالإضافة في قوله لخليله إبراهيم عليه السلام: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِطَّيِفِينَ

٤٢٠
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وَالْقَآيِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة الحج: الآية ٢٦]. وأخبرنا أنه أوّل بيت وضعه للناس معبداً
فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكٌ مَّقَامُ إِنْزَهِيمٌ وَمَنْ
دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنَأُ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٦] جعله نظيراً ومثالاً لعرشه،
وجعل الطائفين به من البشر كالملائكة ﴿حَآَفِيْنَ مِنْ حَوّلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة
الزمر: الآية ٧٥] أي بالثناء على ربهم تبارك وتعالى، وثناؤنا على الله في طوافنا أعظم من ثناء
الملائكة عليه سبحانه بما لا يتقارب، ولكن ما كل طائف يتنبه إلى هذا الثناء الذي نريده،
وذلك أن العلماء بالله إذا قالوا: سبحان الله، أو الحمد لله، أو لا إله إلاَّ الله، إنما يقولونها
بجمعيتهم للحضرتين والصورتين فيذكرونه بكل جزء ذاكر الله في العالم وبذكر أسمائه إياه، ثم
إنهم ما يقصدون من هذه الكلمات إلاَّ ما نزل منها في القرآن لا الذكر الذي يذكرونه، فهم في
هذا الثناء نوّاب عن الحق يثنون عليه بكلامه الذي أنزله عليهم وهم أهل الله بنص
رسول الله وَهو فإنهم أهل القرآن، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فهم نائبون عنه في
الثناء عليه، فلم يشب ثناءهم استنباط نفسيّ ولا اختيار كونيّ ولا أحدثرا ثناء من عندهم، فما
سمع من ثنائهم إلاَّ كلامه الذي أثنى به على نفسه فهو ثناء إلهيّ قدّوس طاهر نزيه عن الشوب
الكوني، قال تعالى لنبيه وَله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] فأضاف الكلام
إلیه لا إلی نبيه گۆ.
ولما جعل الله تعالى قلب عبده بيتاً كريماً وحرماً عظيماً وذكر أنه وسعه حين لم يسعه
سماء ولا أرض، علمنا قطعاً أن قلب المؤمن أشرف من هذا البيت، وجعل الخواطر التي تمرّ
عليه كالطائفين، ولما كان في الطائفين من يعرف حرمة البيت فيعامله في الطواف به بما
يستحقه من التعظيم والإجلال، ومن الطائفين من لا يعرف ذلك فيطوفون به بقلوب غافلة
لاهية وألسنة بغير ذكر الله ناطقة بل ربما يطوفون بفضول من القول وزور، وكذلك الخواطر
التي تمرّ على قلب المؤمن منها مذموم ومنها محمود، وكما كتب الله طواف كل طائف
للطائف به على أيّ حالة كان وعفا عنه فيما كان منه، كذلك الخواطر المذمومة عفا الله عنها ما
لم يظهر حكمها على ظاهر الجوارح إلى الحسّ، وكما أن في البيت يمين الله للمبايعة الإلهية،
ففي قلب العبد الحق سبحانه من غير تشبيه ولا تكييف كما يليق بجلاله سبحانه حيث وسعه،
وأين مرتبة اليمين منه على الانفراد منه سبحانه، ففيه اليمين المسمّى كلتا يديه فهو أعظم علماً
وأكثر إحاطة، فإنه محل لجميع الصفات وارتفاعه بالمكانة عند الله لما أودع الله فيه من
المعرفة به .
ثم إن الله تعالى جعل لبيته أربعة أركان لسرّ إلهيّ وهي في الحقيقة ثلاثة أركان لأنه
شكل مكعب الركن الواحد الذي يلي الحجر كالحجر في الصورة مكعب الشكل، ولأجل
ذلك سمّي كعبة تشبيهاً بالكعب، فإذا اعتبرت الثلاثة الأركان جعلتها في القلب محل الخاطر
الإلهيّ، والركن الآخر ركن الخاطر الملكي، والركن الثالث ركن الخاطر النفسيّ، فالإلهي
ركن الحجر، والمكيّ الركن اليمنيّ، والنفسيّ المكعب الذي في الحجر لا غير، وليس