Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ليله يكتب له في اتصال طرفه الآخر من ليله بيومه، قال رسول الله وَله: ((مَنْ كَانَ مُواصِلاً
فَلْيُواصِلْ حَتَى السَّحَر)) وسيرد الكلام في الوصال والسحور في هذا الباب، فإن في هذا
الحديث أعني من كان مواصلاً إشعاراً بالترغيب في أكلة السحور، فالليل أيضاً في الوصال
محل للصوم ومحل للفطر، فصوم الليل على التخيير كصوم التطوّع في اليوم، والصوم الله في
الزمانين فإنه يتبع الصائم، ففي أي وقت انطلق عليك اسم صائم فإن الصوم الله وهو بالليل
أوجه لكونه أكثر نسبة إلى الغيب، والحق سبحانه غيب لنا من حيث وعدنا برؤيته وهو من
حيث أفعاله وآثاره مشهود لنا والحق على التحقيق غيب في شهود، وكذلك الصوم غيب في
شهود لأنه ترك والترك غير مرئيّ وكونه منوياً فهو مشهود، فإذا نواه في أيّ وقت نواه من
الليل، فلا ينبغي له أن يأكل بعد النيّة حتى تصحّ النّة مع الشروع، فكل ما صام فيه من الليل
كان بمنزلة صوم التطوّع حتى يطلع الفجر فيكون الحكم عند ذلك لصوم الفرض فيجمع بين
التطوّع والفرض فيكون له أجرهما.
ولما كان الصوم لله وأراد أن يتقرّب العبد بدخوله فيه واتصافه به إلى الله تعالى كان
الأولى أن يبيته من أول الثلث إلى آخر من الثلث الأول أو الأوسط، فإن الله يتجلى في ذلك
الوقتِ في نزوله إلى السماء الدنيا فيتقرّب العبد إليه بصفته وهو الصوم فإن الصوم لا يكون إلاّ
لله إلاَّ إذا اتصف به العبد وما لم يتصف به العبد لم يكن، ثم صوم يكون لله فإنه في هذا
الموطن كالقرى لنزول الحق إليه وعليه، ولما كان الصيام بهذه المثابة كما ذكرناه تولى الله
جزاءه بأنانيّته لم يجعل ذلك لغيره، كما كان الصيام من العبد لله من غير واسطة كان الجزاء
من الله للصائم من غير واسطة، ومن يلقى سيده بما يستحقه كان إقبال السيد على من هذا فعله
أتم إقبال لأن السيد ظهر في هذا الموطن ظهور مستفيد فقابله بنفسه ولم يكل كرامته لغيره
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧].
وصل في فصل - في وقت فطر الصائم: خرّج مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال:
((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي سَفَرِ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ: يَا فُلانُ انْزِلْ فَاجْدَحْ
لَنَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَخْ لَنَا، قَالَ: فَنَزَلَ فَجَدَحَ فَأَتَاهُ بِهِ
فَشَرِبَ النَّبِيُّ ◌َ ثُمَّ قَالَ: إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ هُهُنَا وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هُهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ))
فسواء أكل أو لم يأكل فإن الشرع أخبر أنه قد أفطر، أي إن ذلك ليس بوقت للصوم وأنه
بالغروب تولاه الاسم الفاطر، وإتيان الليل ظهور سلطان الغيب لا ظهور ما في الغيب فجاء
ليستر ما كانت شمس الحقيقة كشفته غيرة لعدم احترام المكاشفين لما عاينوه من شعائر الله
وحرماته، فإن البصر قد أدرك ما لو اعتبر في شيء منه ما وفى بما يجب عليه من التعظيم
الإلهيّ له فلما قلت الحرمة منهم ستره الليل غيرة فدخل في غيب الليل، غير أن الإنسان إذا
دخل في الغيب واتصف به أدرك ما فيه من علوم الأنوار لا من علوم الأسرار، وعلوم الأنوار
هو كل علم يتعلق به منافع الأكوان كلها، كما أن الليل إذا جاء ظهرت بمجيئه أنوار الكواكب
والله جعلها لنهتدي بها في ظلمات البرّ والبحر، وهما علم الإحسان وعلم الحياة وعلوم

٣٦٢
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الأسرار خفيت عن أبصار الناظرين وهي غيب الغيب، فصار الغيب على هذا فيه ما يدرك به
وفيه ما لا يدرك. ولما قال رَّمَ: ((فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)) فالأولى بالصائم أن يعجل الفطر عند
الغروب بعد صلاة المغرب فإنه أولى لأن الله جعل المغرب وتر صلاة النهار، فينبغي أن
يؤدّيها بالصفة التي كان عليها بالنهار وهو الإمساك عن الطعام والشراب، واستحب له إذا فرغ
من الفريضة أن يشرع في الإفطار ولو على شربة ماء أو تمر قبل النافلة فإن فاعل ذلك لا يزال
بخير، خرّج مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله وَّ﴿ قال: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا
الفِطْرَ)) فسمّى الأكل أو الشرب فطراً مع أنه قال عنه أنه أفطر بمجيء الليل وغروب الشمس،
فجمع بالأكل بين فطرين: فطر بالفعل وفطر بالحكم.
فمن قال بالمفهوم يرى أنه إذا لم يفطر بالأكل زال عنه الخير الذي كان يأتيه بالأكل لو أكل
معجلاً، فإنه إذا أخّر لم يحصل على ذلك الخير الذي أعطاه التعجيل وكان محروماً خاسراً في
صفقته، ثم إنه تفوته الفرحة التي للصائم عند فطره أي يفوته ذوقها وحلاوتها وهي لذة الخروج
من الجبر إلى الاختيار، ومن الحجر إلى السراح، ومن الضيق إلى السعة، وهو المقام المحمديّ
والبقاء في الحجر مقام يوسفيّ جاء الرسول ليوسف من العزيز بالخروج من السجن فقال
يوسف: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اٌلِنِسْوَةِ﴾ [سورة يوسف: الآية ٥٠] فلم يخرج واختار الإقامة
في السجن حتى يرجع إليه الرسول بالجواب، وإن كان مطابقاً لدخوله في السجن فإنه دخله عن
محبة واستصحبته تلك الحالة وهو قوله: ﴿رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ﴾ [سورة يوسف:
الآية ٣٣] فكانت محبة إضافة لم تكن محبة حقيقة. وقال رسول الله وَلجر: ((يَرْحَمُ اللَّهُ أَخِي
يُوسُفَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَأَجَبْتُ الدَّاعِي)) يقول: سارعت إلى الخروج من السجن لأن مقامه وَّر يعطي
السعة فإنه أرسله الله رحمة ومن كان رحمة لا يحتمل الضيق فلهذا قلنا بلذة فرحة فطر الصائم أنه
مقام محمديّ لا يوسفيّ، وإنما قلنا بتعجيل الصلاة فيفطر بعد المغرب وقبل التنفّل فإنه من فعل
رسول الله صَلّة، وإنما قدمناه على الفطر لأن الصلاة وإن كانت للعبد فإنها حق الله والفطر حق
نفسك، ورسول الله وَّل﴿ يقول للشخص الذي ماتت أمّه وعليها صوم وأراد أن يقضيه عنها فقال
له عليه السلام: ((أَرَأَنْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَحَقُّ اللهِ أَحَقُّ أَنْ
يُقْضَى)) فقدّم حق الله وجعله أحق بالقضاء من حق المخلوق.
وذكر مسلم عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين
رجلان من أصحاب محمد # أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار
ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا عبد الله بن
مسعود، قالت: كذلك كان يصنع رسول الله بَ﴾. ولما كان ◌َّر قد جعله الله أسوة يتأسى به
فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] فكان يفطر بأن
يشق أمعاءه بشيء من رطب أو تمر أو حسوات من ماء قبل أن يصلي المغرب وبعد الصلاة
كان يأكل ما قدّر له. قال أبو داود في سننه عن أنس بن مالك: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ﴿ كَانَ يُفْطِرُ
عَلىَ رطبات قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رطبات فَعَلَىْ تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا

٣٦٣
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
حَسَواتٍ مِنْ مَاءٍ)) فقدّم الرطب لأنه أحدث عهد بربه من التمر كما فعل ◌َّ في المطرحين نزل
برز بنفسه ◌َّله إليه وحسر الثوب عنه حتى أصابه المطر فسُئِل عن فعله ذلك فقال وَّلهُ: ((إنَّهُ
حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِهِ)).
وصل في فصل - صيام سر الشهر: اعلم أنه صوم يوم ورد به الأمر من النبي ◌َّ رويناه
من طريق أبي داود عن عبد الله بن العلاء عن المغيرة بن قرّة قال: قام معاوية في الناس يوم
مسحل الذي على باب حمص فقال: يا أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا وأنا متقدّم
بالصوم فمن أحب أن يفعل فليفعله قال: فقام إليه مالك بن هبيرة السبلي فقال: يا معاوية
أشيء سمعته من رسول الله ◌َّ أم شيء من رأيك؟ قال فقال: سمعته من رسول الله ورسله
يقول: ((صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ)) فاعلم أن السرّ ضدّ الشهرة وبها سمّي الشهر شهراً لاشتهاره
وتمييزه واعتناء المسلمين به وأصحاب تسيير الكواكب، فرغب في الصوم في حال السرّ
والإعلان .
واعلم أن سرّ الشهر هو الوقت الذي يكون فيه القمر في قبضة الشمس تحت شعاعها،
كذلك العبد إذا أقيم في مشهد من مشاهد القرب الذي تطلبه عيون الأكوان فيه فلا تبصره
وذلك مقام الأخفياء الأبرياء الذين لم يتميزوا في العامّة في هذه الدار تحققاً بصفة سيدهم
حيث لم يجعل سبيلاً إلى رؤيته في هذه الدار لحصول دعاوى الكون في المرتبة الإلهية
فقالوا: ينبغي أن لا نظهر إلاّ بظهور مولانا وذلك في الآخرة حيث يقول: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ﴾
[سورة غافر: الآية ١٦] فلا يجرأ أحد يدّعيه، فهناك تظهر هذه الطبقة أن الله أخفياء في عباده
وضنائن اكتنفهم في صونه فلما تشبهوا بسيدهم في هذه الصفة من الستر وعدم الظهور لزمهم
صوم سر الشهر، فإن الصوم صفة صمدانية فاتصفوا بصفة الحق في هذا التقريب كما اتصفوا
به في الإعلان في صوم الواحد كشهر رمضان فإنه ظهر هناك باسمه رمضان، وسمّي به الشهر
حجاباً عنه تعالى والعامة تقول: صمت رمضان، والعارف يقول: شهر رمضان معلناً فإن الله
قال لهم: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ وهو إعلان رمضان وشهرته ﴿فَلْيَصُمْةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٨٥] إلاّ المسافر فإن المسافر إليه يسافر ليشهده فما هو في حال شهود في وقت سفره،
والمريض مائل عن الحق لأن المرض النفسيّ ميل النفس إلى الكون فلم يشهد الشهر،
والحيض كذب النفس ولذلك هو أذى في المحل ينافي الطهارة التي توجب القرب وهو
الصدق .
ورد في الخبر الصحيح أن العبد إذا كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلاً من نتن ما
جاء به فجاء بالثلاثين الذي هو كمال عدّة الشهر القمريّ الذي استسر في شعاع الشمس فكانت
الحائض بعيدة من شهود الشهر لما ذكرناه، والحق سبحانه لا يقرّب عبده إلاَّ ليمنحه ويعطيه
ثم يبرزه إلى الناس قليلاً قليلاً لئلا يبهرهم بهاء نور ما أعطاه لضعف عيون بصائرهم رحمة
بالعامة، فلا يزال يظهر لهم قليلاً قليلاً فلا يبدي لهم من العلم بالله الذي أعطاه في حال ذلك
السرار إلاَّ قدر ما يعلم أنه لا يذهلهم إلى أن تعتاد عيون بصائرهم إلى أن يظهر لهم في صورة

٣٦٤
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
كمال الأعطية بالخلعة الإلهية وهو قوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠]
فذلك بمنزلة القمر ليلة البدر، فهو القدر الذي كان حصل له ليلة السرار في حضرة الغيب من
وجه باطنه، فإن ضوء البدر كان في السرار من الشمس في الوجه الذي ينظر إلى الشمس في
حين المسامتة والظاهر لا نور فيه، وفي ليلة الإبدار ينعكس الأمر فيكون الظهور بالاسم
الظاهر، وكذلك فعل الحق مع عامّة عباده احتجب عنهم غاية الحجاب كالسرار في القمر فلم
يدركوه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] رحمة بهم فلم يجدوا في أذهانهم
وز في طبقات أحوالهم ما يذهلهم فجاء سرّاً في رحمة حجاب هذه الآية، وهذا غاية نزول
الحق إلى عباده في مقام الرحمة لهم ثم استدرجهم قليلاً قليلاً بمثل ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الشورى: الآية ١١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ اللَّهُ الصََّمَدُ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ١، ٢] وقوله:
﴿الَّ يَغْلَ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] إلى أن تقوّت أنوار بصائرهم بالمعرفة بالله وأنسوا به
قليلاً قليلاً إلى أن يتجلى لهم في المعرفة التامة النزيهة التي لو تجلى لهم فيها في أوّل الحال
لهلكوا من ساعتهم فقال عزّ من قائل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فقبلوه
ولم ينفروا منه ونسوا حال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فكان بقاؤهم في ذلك المقام بقطع اليأس
لرفع المناسبة من جميع الوجوه .
ألا ترى أهل الميت تنقطع وحشتهم من ميتهم لأنهم لا يرجون لقاءه في الدنيا فلا يبقى
لهم حزن، وأهل الغائب ليس كذلك فإنهم لم ييأسوا من لقائه وكتبه وأخباره ترد عليهم مع
الآنآت إلى وقت اللقاء عند قدومه، فسبحان الحكيم الخبير يدبر الأمر يفصل الآيات لعلنا
نعقل عنه، فلمثل هذا وقع صيام سرّ الشهر، والشهر مثلاً مضروباً لمن يعقل عن الله، ففي
صيام سرّ الشهر مقام جمعية الهمة على الله حتى لا يرى غير الله وهو قوله وَّر: ((لِي وَقْتْ لاَ
يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي)) لأنه في تجلّ خاص به ولهذا أضافه إليه فقال: ربي ولم يقل: الله ولا
الرب. وممّا يؤيد قولنا أنه يريد بصوم السرّ من الشهر الجمعية تحضيضه وتحريضه على صوم
سرر شعبان وأن يقضيه من فاته فإن شعبان من التفريق ولهذا قيل: إنه ما سمّي هذا الشهر بلفظ
شعبان إلاَّ لتفرّق قبائل العرب فيه، وكذا قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُرْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ﴾ [سورة
الحجرات: الآية ١٣] فالشعوب في الأعاجم كالقبائل في العرب أي فرقكم شعوباً وميّز قبيلة من
قبيلة، وسمّيت المنية شعوباً لأنها تفرّق بين الميت وأهله، فكان صيام سرر شعبان آكد من
صيام سرر غيره من الشهور لما فيه من التفريق.
خرّج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله وَ لّ قال الرجل: ((هَلْ صُمْتَ مِنْ سررِ هَذَا الشَّهْرِ
شَيْئاً؟ قَالَ: لا ، فقال رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ)). وفي
طريق أخرى أيضاً لمسلم عن ابن عمر: ((هَلْ صُمْتَ مِنْ سرر شَعْبَانَ». وفي هذا الفصل علوم
وأسرار إلهية يعرفها من تحقق بما نبهنا عليه وأسعد الناس بذلك أهل الاعتبار من الذين
يراعون تسيير الشمس والقمر لحفظ أوقات العبادات، فإن معرفة منزلة القمر والشمس في
ضرب المثل من أعظم الدلائل على العلم الإلهيّ الذي يختص بالكون والإمداد الربانيّ

٣٦٥
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
والحفظ لبقاء أعيان الكائنات ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
[سورة ق: الآية ٣٧] أي حاضر فيما يلقي إليه المخبر فيمثله نصب عينيه فكأنه يشاهده فإنه خبر
صدق جاء به صادق أمين: [مخلع البسيط]
يُخبرُ عن كل ما يكونُ
جاء به صادقٌ أمينُ
من كل صعب وما يهونُ
في كل كَوْنٍ بكل وجهٍ
معنّى وما تُذْركُ العيونُ
ممّا تراه القلوبُ كشفاً
جاء به من رب الدار يعلمه بما أودع فيها من كل شيء مليح. قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ
فَضَلْتَهُ نَفْصِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٢] ﴿لِنَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عِلَّمَا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢].
وصل في فصل - في حكمة صوم أهل كل بلد برؤيتهم: خرّج مسلم في صحيحه عن
كريب أن أمّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها
واستهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر
فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة
الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه
ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية
وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله وَلير، فبدنك وقواك بلدك وأقليمك وعالمك رعيتك
وأنت مخاطب بالتصرّف فيهم بالقدر الذي حدّ لك الحق في شرعه وأنت الراعي المسؤول
عنهم لا غيرك فإن الله ما كلف أحداً إلاَّ بحاله ووسعه ما كلف أحداً بحال أحد ﴿ كُلُّ نَقٍِّ بِمَا
كَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣٨] ﴿كُلُّ نَفْسِ تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [سورة النحل: الآية ١١١]
﴿وَكُلَّ إِنَسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٣]، فإذا طلع هلال المعرفة في قلبك
من الاسم الإلهيّ رمضان فقد دعاك في ذلك الطلوع إلى الاتصاف بما هو له وهو الصوم
فأمرك بتقييد جوارحك كلها الظاهرة وتقييد قواك الباطنة، وأمرك بقيام ليله ورغبك فيه وهو
المحافظة على غيبه، وجعل لك فيه فطراً في أوّل الليل وأمرك بالتعجيل به وغذاء في آخره،
وأمرك بتأخير ذلك إلى أن يكون في التأخير بمنزلة من قال : هو النهار إلاَّ أنّ الشمس لم تطلع
وذلك لحكمة التحقق بالاسم الآخر في ليل رمضان كما كنت في يومه فإنك بين طرفي تحليل
وتحريم، فما خاطبك الحق إلاَّ منك ولا خاطبك إلاَّ بك، وهكذا مع كل مكلف في العالم
من ملك وجنّ وإنسان بل من كل مخلوق حال ذلك المخلوق ينزل الحكم عليه بصفة الكلام،
سواء ضمّ ذلك الكلام حروف هجاء أو لم تضمّه هو عين الكلام الإلهيّ في العالم أن الله قال
على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، ولقد أنطقني سبحانه في ذلك بما أنا ذاكره من الأبيات
إن شاء الله تعالى: [مخلع البسيط]
بغير حرفٍ من الهجاءِ
نادانيَ الحقَّ من سمائي

٣٦٦
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
بكل حرفٍ من الهجاءِ
ثم دعاني من أرضٍ كوني
فلا تعرِّج على سوائي
وقال لي كُلُّهُ كَلامي
فإنه غايةُ الشَّنَائي
ولا ترى أن ثَمَّ غيري
فلما علمت أنه لكل بلد رؤية وما وقف حكم بلد على بلد علمت أن الأمر شديد، وأن
كل نفس مطلوبة من الحق في نفسها ﴿ لَّا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٢٣] وأنّ
تقلب الإنسان في العبادة من وجه بذاته ومن وجه بربه ليس لغيره فيه مساغ ولا دخول، وأراني
ذلك في واقعة فاستيقظت من منامي وأنا أحرّك شفتيّ بهذه الأبيات التي ما سمعتها قبل هذا لا
مني ولا من غيري وهي هذه: [مخلع البسيط]
ولم يكن ذاك من كلامي
قال ليَ الحقُّ في منامي
وقتاً أناجيك في مَقَامي
وقتاً أناديك في عِبادي
في كَنَف الصون والذّمامِ
وأنت في الحالتين عندي
ومن زكاةٍ إلى صيامِ
فمن صلاةٍ إلى زكاةٍ
ومن حلالٍ إلى حرام
ومن حرام إلى حلالٍ
وأنت في ذا وذاك مني
كمثل مَقْصورةِ الخيام
فلو علم الإنسان من أيّ مقام ناداه الحق تعالى بالصيام في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ وأنه المخاطب في نفسه وحده بهذه الجمعية فإنه قال: يصبح على كل سلامى منكم
صدقة فجعل التكليف عامّاً في الإنسان الواحد، وإذا كان هذا في عروقه فأين أنت من
جوارحه من سمعه وبصره ولسانه ويده وبطنه ورجله وفرجه وقلبه الذين هم رؤساء ظاهره؟
وأن كل جارحة مخاطبة بصوم يخصّها من إمساكها فيما حجر عليها، ومنعت من التصرّف فيه
بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ واعلم أن الله ناداك من كونك مؤمناً من مقام الحكمة الجامعة
لتقف بتفصيل ما يخاطبك به على العلم بما أراده منك في هذه العبادة فقال: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ﴾ أي الإمساك عن كل ما حرّم عليكم فعله أو تركه ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾ يعني الصوم من حيث ما هو صوم، فإن كان أيضاً يعني به صوم رمضان بعينه كما
ذهب إليه بعضهم غير أن الذين قبلنا من أهل الكتاب زادوا فيه: إلى أن بلغوا به خمسين يوماً
وهو ممّا غيّروه، وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ أي فرض ﴿عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهم الذين هم
لكم سلف في هذا الحكم وأنتم لهم خلف ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٣] أي تتخذوا
الصوم وقاية فإن النبيّ وَّ أخبرنا أن الصوم جنة والجنة الوقاية، ولا يتخذوه وقاية إلاَّ إذا
جعلوه عبادة، فيكون الصوم للحق من وجه ما فيه من التنزيه، ويكون من وجه ما هو عبادة في
حق العبد جنة ووقاية من دعوى فيما هو الله لا له، فإن الصوم لا مثل له فهو لمن لا مثل له،
فالصوم لله ليس لك.
ثم قال: ﴿أَيَامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤] العامل فى الأيام كتب الأول بلا شك
فإنه ما عندنا بما كتب على من قبلنا هل كتب عليهم يوم واحد وهو عاشوراء أو كتب عليهم

٣٦٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
أيام؟ والذي كتب علينا إنما هو شهر والشهر إما تسعة وعشرون يوماً وإما ثلاثون يوماً بحسب
ما نرى الهلال، والأيام من ثلاثة إلى عشرة لا غير، فطابق لفظ القرآن ما أعلمنا به
رسول الله وَّير في عدد أيام الشهر فقال: الشهر هكذا وأشار بيده يعني عشرة أيام، ثم قال:
وهكذا يعني عشرة أيام وهكذا وعقد إبهامه في الثالثة يعني تسعة أيام، وفي المرّة الأخرى لم
يعقد الإبهام فأراد أيضاً عشرة أيام وذلك لما قال تعالى: ﴿أَيَّامًا فَعْدُودَاتٍ﴾ عدد الشارع أيام
الشهر بالعشرات حتى يصحّ ذكر الأيام موافقاً لكلام الله فإنه لو قال: ثلاثون يوماً لكان كما قال
في الإيلاء لعائشة: قد يكون الشهر تسعة وعشرين يوماً ولم يقل هكذا وهكذا كما قال في عدد
شهر رمضان، فعلمنا أنه أراد موافقة الحق تعالى فيما ذكر في كتابه .
ثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِذَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤]
فأتى بذكر الأيام أيضاً، وأشار إلى المخاطبين بقوله: ﴿مِنْكُم﴾ وهم الذين آمنوا ﴿تَرِيضًا﴾
يعني في حبس الحق ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وهم أهل السلوك في الطريق إلى الله في المقامات
والأحوال، والسفر من الإسفار وهو الظهور لأنه إنما سمّي السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق
الرجال فيه فأسفر لهم المقام والحال في هذا السلوك أن العمل ليس لهم وإن كانوا فيه، وإنما
الله هو العامل بهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية
١٧] ﴿فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤] يعني في وقت الحجاب فإنها أيام أخر حتى
يجد التكليف محلاً يقبله بالوجوب، وقد تقدّم الكلام في مثل هذا من هذا الباب فلينظر
هناك .
ثم قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَنْ
تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤] يقول: من يطيق الصوم قد خيرناه
بين الصوم والإطعام، فانتقل من وجوب معين إلى وجوب غير معين عند المكلف وإن كان
محصوراً، وقد علم الله ما يفعل المكلف من ذلك فألحقه بالتطوّع فإن كل واحد منهما غير
واجب بعينه، فأيّ شيء اختار كان تطوّعاً منه به إذ له أن يختار الآخر دونه، ثم رجح الله له
الصوم الذي هو له ليقوم به إذ صفة الصوم من حيث ما هي عبادة لا مثل له، فإن قلت :
فالإطعام صفته أيضاً فإنه المطعم. قلنا: لو ذكر الإطعام دون الفدية لكان ولما قرن بالإطعام
الفداء وأضافه إليه كان كأنه المكلف وجب عليه الصوم والله لا يجب عليه شيء في الأدب
الوضعيّ الحقيقيّ إلاَّ ما أوجبه على نفسه، ومن حصل تحت حكم الوجوب فهو مأسور تحت
سلطانه فتعين الفداء وكان الإطعام فراعى الله الصوم هناك فجعله خيراً له فإنه صفته، ألا تراه
يقول: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧] من أسر الهلاك ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قد
تكون إن هنا بمعنى ما يقول: ما كنتم تعلمون أن الصوم خير من الإطعام لولا ما أعلمتكم
ويكون معناها أيضاً إن كنتم تعلمون الأفضل فيما خيّرتكم فيه فقد أعلمتكم يعني مرتبة الصوم
ومرتبة الإطعام.
ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ يقول: شهر هذا الاسم الإلهيّ الذي هو رمضان فأضافه إلى

٣٦٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الله تعالى من اسمه رمضان وهو اسم غريب نادر ﴿الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ يقول: نزل
القرآن بصومه على التعيين دون غيره من الشهور ﴿هُدِّى﴾ أي بياناً ﴿لِلنَّاسِ﴾ والقرآن الجمع
فلهذا جمع بينك وبينه في الصفة الصمدانية وهي الصوم فما كان فيه من تنزيه فهو الله فإنه قال :
الصوم لي ومن كونه عبادة فهو لك هدى أي بياناً للناس على قدر طبقاتهم، وما رزقوا من
الفهم عنه فإن لكل شخص شرباً في هذه العبادة ﴿وَبَيِّنَةٍ﴾ فكل شخص على بينة تخصّه بقدر
ما فهم من خطاب الله في ذلك ﴿مِّنَ الْهُدَى﴾ وهو التبيان الإلهيّ ﴿ وَالْفُرْقَانَ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٨٥] فإنه جمعك أولاً معه في الصوم بالقرآن ثم فرّقك لتتميز عنه بالفرقان فأنت أنت وهو هو
في حكم ما ذكرناه من استعمالك فيما هو له وهو الصوم فهو له من باب التنزيه وهو لك عبادة
لا مثل لها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] يقول: فليمسك نفسه في
هذه الشهرة يعني ينزّهها بالذلة والافتقار حتى تعظم فرحته عند الفطر ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم
فَرِيضًا﴾ مائلاً والمرض الميل أو محبوساً فإن المريض في حبس الحق ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ سلوك
في الأسماء الإلهية علم ذوق أو مسافراً عنه إلى الأكوان ﴿فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ أخر أيام
معدودات لا يزاد فيها ولا ينقص منها ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ فيما خاطبكم به من الرفق
في التكليف ﴿ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] وهو ما يشق عليكم أكد بهذا
القول قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] فعرف اليسر هنا
بالألف واللام، يشير إلى اليسر المذكور المنكر في سورة ألم نشرح أي ذلك اليسر أردت
بكم وهو قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُبْرًا﴾ [سورة الشرح: الآية ٥] في عسر المرض يسر الإفطار ﴿فَإِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ﴾ عسر السفر ﴿يُتْرًّا﴾ يسر الإفطار أيضاً ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من المرض أو السفر ﴿فَأَنْصَبْ﴾
[سورة الشرح: الآية ٧] نفسك للعبادة وهو الصوم يقول: اقضه ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ﴾ [سورة الشرح:
الآية ٨] في المعونة.
كان شيخنا أبو مدين رحمه الله يقول في هذه الآية: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من الأكوان ﴿فَأَنْصَبْ﴾
قلبك لمشاهدة الرحمن ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب﴾ في الدوام. وإذا دخلت في عبادة فلا تحدّث نفسك
بالخروج منها وقل: ﴿يَلَيْتَهَا كَنَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [سورة الحاقة: الآية ٢٧].
﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ﴾ برؤية الهلال أو بتمام الثلاثين ﴿ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ﴾ تشهدوا له بالكبرياء
تفردوه به ولا تنازعوه فيه فإنه لا ينبغي إلاَّ له سبحانه فتكبروه عن صفة اليسر والعسر فإنه قال
في الإعادة وهو أهون عليه فهو أعلم بما قال، واحذر من تأويلك وحمله عليك فكبّره عن هذا
﴿عَلَى مَا هَدَنكُمْ﴾ أي وفقكم لمثل هذا وبين لكم ما تستحقونه ممّا يستحقه تعالى:
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فجعل ذلك نعمة يجب الشكر منا عليها لكوننا نقبل الزيادة والشكر
صفة إلهية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٨] فطلب منا بهذه الصفة الزيادة لكونه
شاكراً فإنه قال: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٧] فنبهنا بما هو مضمون الشكر
لنزيده في العمل .
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى﴾ لكونك حاجب الباب ﴿فَإِنِّ قَرِيبٌ﴾ بما شاركناهم فيه من

٣٦٩
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الشكر والصوم الذي هو لي فأمرناهم بالصوم وعرفناهم أنه لنا ما هو لهم فمن تلبس به تلبس
بما هو خاص لنا فكان من أهل الاختصاص مثل أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ﴿أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ على بصيرة ﴿إِذَا دَعَانٍ﴾ يقول: كما جعلناك تدعو الناس إلى الله على بصيرة
جعلنا الداعي الذي يدعونا إليه على بصيرة من إجابتنا إياه ما لم يقل لم يستجب لي ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ
لِى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] أي لما دعوتهم لي من طاعتي وعبادتي فإني ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فدعوتهم إلى ذلك على ألسنة رسلي وفي كتبي المنزلة
التي أرسلت رسلي بها إليهم، وأكّد ذلك بالسين أعني الاستجابة لما علم من إبايتنا وبعدنا عن
إجابته لي أي من أجلي لا تعملون ذلك رجاء تحصيل ما عندي فتكونون عبيد نعمة لا عبيدي
وهم عبيدي طوعاً وكرهاً لا انفكاك لهم من ذلك ﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى﴾ يصدّقوا بإجابتي إياهم إذا
دعوني وليكن إيمانهم بي لا بأنفسهم لأنه من آمن بنفسه لا بالله لم يستوعب إيمانه ما استحقه
فإذا آمن بي وفى الأمر حقّه فأعطى كل ذي حقّ حقّه وهذا هو الذي يصدّق بالأخبار كلها،
ومن آمن بنفسه فإنه مؤمن بما أعطاه دليله، والذي أمرته بالإيمان به متناقض الدلالة متردّد بين
تشبيه وتنزيه، فالذي يؤمن بنفسه يؤمن ببعض ويكفر ببعض تأويلاً لا ردّاً، فمن تأول فإيمانه
بعقله لا بي، ومن ادّعى في نفسه أنه أعلم بي مني فما عرفني ولا آمن بي فهو عبد يكذبني
فيما نسبته إلى نفسي بحسن عبارة، فإذا سُئِل يقول: أردت التنزيه وهذا من حيل النفوس بما
فيها من العزّة وطلب الاستقلال والخروج عن الاتباع ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦]
أي يسلكون طريق الرشد كما يفعل الموفقون الذين إذا رأوا سبيل الرشد اتخذوه سبيلاً فيمشي
بهم إلى السعادة الأبدية، فكانت إجابة الحق إياهم حين دعوه، ونهاية طريقهم إلى ما فرحت
به نفوسهم من تحليل ما كان حرم عليهم في حال صومهم من أول اليوم إلى آخره فقال:
﴿أُحِّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي الليلة التي انتهى صومكم إليها لا الليلة التي تصبحون
فيها صائمين فهي صفة تصحبكم إلى ليلة عيد الفطر، ولو كانت إضافة ليلة الصيام إلى
المستقبل لم تكن ليلة عيد الفطر فيها فإنك لا تصبح يوم العيد صائماً ولو صمت فيه لكنت
عاصياً ولا يلزم هذا في أول ليلة من رمضان فإن الأكل وأمثاله كان حلالاً قبل ذلك فما زال
مستصحب الحكم، فلهذا جعلناه للصوم الماضي ﴿الرَّفَثُ﴾ يعني الجماع ﴿إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾
[سورة البقرة: الآية ١٨٧] فجاء بالنساء ولم يقل الأزواج ولا غير ذلك، فإن في هذا الاسم معنى
ما في النساء وهو التأخير فقد كنّ أخرن عن هذا الحكم الذي هو الجماع زمان الصوم إلى
الليل فلما جاء الليل زال حكم التأخير بالإحلال فكأنه يقول: إلى ما أخّرتم عنه وأخرن عنه
من أزواجكم وما ملكت أيمانكم ممّن هو محل الوطء ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنّ﴾
[سورة البقرة: الآية ١٨٧] أي المناسبة بينكم صحيحة ما هي مثل ما تلبستم بنا في صومكم حيث
اتصفتم بصفة هي لي وهو الصوم فلستم لباساً لي في قولي وسعني قلب عبدي، ولست
لباساً لكم في قولي: ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤] فإن اللباس يحيط بالملبوس
به ويستره ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] من الخيانة
الفتوحات المكية ج٢ - م٢٤

٣٧٠
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
لشهادتي عليكم حين قبلتم الأمانة لما عرضتها عليكم فقلت في حاملها ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا
جَهُولًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] ظلوماً لنفسه بأن كلفها ما لا يدري علم الله فيه عند حمله
إياها، جهولاً بقدرها وما يتعلق من الذم به إذ أمن خان فيها، ولما كان الجهول ﴿أَعْمَى
وَأَضَلُ سَبِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٢] لا يدري كيف يضع رجله ولا يرى أين يضع رجله قال:
﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ لما حجر عليكم فيما حجره عليكم ﴿فَنَابَ
عَلَيْكُمْ﴾ أي رجع عليكم ﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾ أي بالقليل الذي أباحه لكم من زمان الإحلال الذي
هو الليل، وإنما جعله قليلاً لبقاء التحجير فيه في المباشرة للمعتكف في المساجد بلا
خلاف وفي غير المسجد بخلاف والمواصل ﴿فَلْقَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ وهو زمان الفطر في رمضان
﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ﴾ واطلبوا ما فرض الله من أجلكم حتى تعلموه فتعملوا به من
كل ما ذكره في هذه الآية ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ أمر بإعطاء ما عليك لنفسك من حق الأكل
والشرب ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ إقبال النهار ﴿مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ إدبار الليل ﴿مِنَ
اٌلْفَجْرِ ﴾ الانفجار الضوء في الأفق ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّتْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى
الْمَسَجِدِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] فأبقى تحجير الجماع على من هذه حالته، وكذلك فى الأكل
والشرب للذي ينوي الوصال في صومه.
يقول وَ﴿: ((مَنْ كَانَ مُوَاصِلاَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَر)). وهو اختلاط الضوء والظلمة،
يريد في وقت ظهور ذنب السرحان ما بين الفجرين المستطيل والمستطير، وواصل
رسول الله رَّ بأصحابه يومين ورأوا الهلال ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ التي أمركم أن تقفوا عندها
﴿فَلَا تَقْرَبُهَا﴾ لئلا تشرفوا على ما وراءها، وهنا علم غامض لا يعلمه إلاَّ من أعطيه ذوقاً
عناية إلهية كالخضر وغيره فربما تزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّبُ اللَّهُ
ءَايَتِهِ،﴾ أي دلائله ﴿لِلنَّاسِ﴾ إشارة فيتذكر بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]
يتخذون تلك الدلائل وقاية من التقليد والجهل، فإن المقلد ما هو على بينة من ربه وما هو
صاحب دلالة، وجعله بمعنى الترجي لأنه ما كل من رزق الدليل ووصل إلى المدلول وحصل
له العلم وفق لاستعمال ما علمه إن كان من العلوم التي غايتها العمل .
وصل في فصل - السحور: خرّج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله وَله: («تَسَخَّرُوا
فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةَ)) وأمر ◌َله بالسحور ورغب فيه بما ذكر. حديث ثان لمسلم: وخرّج
مسلم أيضاً عن عمرو بن العاص أن رسول الله بَّه قال: ((فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ
الْكِتَابِ أَكْلَةُ السُّحُورِ)). حديث ثالث للنسائي: خرّج النسائي عن العرباض بن سارية قال:
(سَمِغَتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ وَهُوَ يَدْعُو إِلَى السُّحُورِ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ فَقَالَ: هلمّوا إِلَى الغِذَاءِ
المُبَارَكِ)). حديث رابع للنسائي: وخرّج النسائي أيضاً عن عبد الله بن الحارث عن رجل من
أصحاب رسول الله وَ﴿ قال: ((دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَ ◌َّ وَهُوَ يَتَسَخَّرُ فَقَالَ: إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعَطَاكُمُ
اللَّهُ إِيَاهَا فَلاَ تَدَعُوهَا)). حديث خامسٍ لمسلم والبخاريّ: خرّج مسلم عن ابن عمر قال: ((كَانَ
لِرَسُوَلِ اللّهِ وَه مُؤَذِّنَانِ: بِلالْ وَابْنِ أُمّ مَكْتُومِ الأَعْمَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: إِنَّ بِلالاً يُؤَذْنُ بِليلٍ

٣٧١
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
فكلوا واشربوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْتَهُمَا إِلاَّ أَنْ يَنْزِلَ هُذَا وَيَرْقَى هَذا)) زاد
البخاري: ((فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذْنُ حَتَّى يَطْلعَ الْفَجْرُ يَغْنِي ابنَ أَمّ مَكْتُومٍ)) خرّجه البخاريّ من حديث
عائشة رضي الله عنها عن النبيّ وَّر.
حديث سادس لأبي داود: خرّج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال النبيّ وَّهِ: ((إِذَا سَمِعَ
أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ والإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلاَ يَضَعْهُ حَتَّى يقضِي حَاجَتَهُ مِنْهُ)). حديث سابعٍ للنسائي: خرّج
النسائي عن عاصم عن زِرِ قال: ((قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَّ سَاعَةٍ تَسَخَّرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لِ قَالَ: هُوَ
النَّهَارُ إِلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلِعْ)). حديث ثامن لمسلم: خرّج مسلم عن أنس قال: ((تَسَخَّرْنَا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً)). حديث
تاسع لمسلم: خرّج مسلم عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللهِ وَلّ: ((لاَ يَغُرَّنَكُمْ مِنْ
سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلالٍ وَلاَ بَيَاضُ الأَفْقِ الْمُسْتَطِيلِ هَكَذَا حَتَى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا)). وحكاه حماد بيده
يعني معترضاً.
فهذه أحاديث السحور قد ذكرتها ليقف من سمع كلامي في السحور عليها حتى يعلم أنا
ما خرجنا فيما نذهب إليه من الاعتبار عمّا أشار إليه ◌َّله قولاً وفعلاً، لأن سيد هذه الطائفة أبا
القاسم الجنيد يقول: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنّة، يقول رضي الله عنه: وإن كنّا أخذنا
علمنا عن الله ما أخذناه من الكتب ولا من أفواه الرجال فما علمنا الله تعالى علماً به نخالف ما
جاءت به الأنبياء صلوات الله عليهم من عند الله ممّا ذكرته من الأخبار ولا ما أنزله الله في
كتاب، بل هو عندنا كما أخبر الله عن عبده خضر أنه آتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه
علماً، وهذا هو علم الوهب الإلهيّ الذي أنتجه التقوى والعمل على الكتاب والسنّة الذي لو
عمل أهل الكتاب بما أنزل إليهم وأقاموا التوراة والإنجيل لأكلوا من فوقهم إشارة إلى هذا
المقام أعني علم الوهب ومن تحت أرجلهم إشارة إلى علم الكسب وهو العلم الذي يناله أهل
التقوى من هذه الأمّة فإنه علم كسب إذ كان نتيجة عمل وهو التقوى.
فاعلم أن السحور مشتق من السحر وهو اختلاط الضوء والظلمة يريد زمان أكلة السحور
فله وجه إلى النهار وله وجه إلى الليل، فبما له وجه إلى النهار سمّاه غذاء فرجح فيه حكم
النهار على حكم الليل كما عمل في الفطر فأمر بتعجيله فرجح فيه النهار أيضاً على الليل
بوجود آثار الشمس، فإنّ الأكل وقع فيه قبل زوال آثار النهار ودلائله، فإن النهار قد أدبر لأن
حقيقة النهار من طلوع حاجب الشمس الأول إلى غروب حاجب الشمس الآخر، فبمغيبه
يغيب قرص الشمس، وآثار النهار من أول الليل من مغيبه إلى مغيب البياض، وآثاره في آخر
الليل من طلوع الفجر الأول إلى طلوع الشمس إلاَّ أنه لا يمنع الأكل طلوع الفجر الأول
شرعاً، وفي الفجر الثاني خلاف، وموضع الإجماع الأحمر وما كان قبل ذلك فليس بسحر
وإنما هو ليل وبعده إنما هو نهار، وهكذا صفة الشبهة لها وجه إلى الحق ولها وجه إلى الباطل
في الأمور العقلية، وكذلك المتشابه له وجه إلى الحل وله وجه إلى الحرمة، ولهذا سمّي
الفجر الأول الكذاب وما هو كذاب وإنما أضيف الكذب إليه لأنه ربما يتوهم صاحب السحور

٣٧٢
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
أن الأكل محرم عنده وليس كذلك فإن علته ضرب الشمس أي طرح شعاعها على البحر فيأخذ
الضوء في الاستطالة، فإذا ارتفعت ذهب ذلك الضوء المنعكس من البحر إلى الأفق فجاءت
الظلمة وقرب بروز الشمس إلينا فظهر ضوءها في الأفق كالطائر الذي فتح جناحيه ولهذا سمّاه
مستطيراً، فلا يزال في زيادة إلى طلوع الشمس كذلك الحق والباطل.
فأما الزبد فيذهب جفاء، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث أي يثبت وهو الفجر الصادق وما
بينهما هو السحر، كما أن ما بين الوجهين اللذين يظهران في الشبهة هو العلم الصحيح يظهر
بها أنها شبهة فيتميز بعلمك بها الحق من الباطل، كما تميز بانتكاس الفجر الكذاب إلى
الأرض، والظلمة الظاهرة عند ذلك أن ذلك الفجر الأول لا يمنع من يريد الصوم من الأكل
ولهذا سمته العرب ذنب السرحان لأنه ليس في السباع أخبث منه ولا أكثر محالاً فإنه يظهر
الضعف ليحقر فيغفل عنه فينال مقصوده من الافتراس فإن ذنبه يشبه ذنب الكلب فيتخيل من لا
يعرفه أنه كلب فيأمن منه فهو شبيه المنافق، فأمر رسول الله و # في ذلك الوقت بأكلة السحور
وقال: ((إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا)) فأكد أمره بها بنهيه أن لا ندعها، فكما صرَّح بالأمر بها
صرَّح بالنهي عن تركها وأكد في وجوبها فأشبهت صلاة الوتر فإنها صلاة مأمور بها على طريق
القربة المأمور بها فهي سنّة مؤكدة وعند بعض علماء الشريعة واجبة، وأكلة السحور أشدّ في
التأكيد من الوتر في جنس الصلاة لما ورد في ذلك من التصريح بالنهي عن تركها وهو بمنزلة
البحث عن الشبهة حتى يعرف بذلك الحق من الباطل، فهذه هي البركة التي في أكلة السحور،
فإن البركة الزيادة فزادت على سائر الأكلات شمولها الأمر بها والنهي عن تركها، وليس ذلك
الحكم لغيرها من الأكلات.
ثم إن النبيّ وَّر جعلها فصلاً بين منزلة أهل الكتاب ومنزلتنا، فهي إما ممّن اختصنا بها
الحق على سائر الأمم من أهل الكتاب، وإما ممّن أمرنا بالمحافظة عليها حتى نتميز من أهل
الكتاب حيث أنزلت عليهم كما أنزلت علينا ففرّطوا في حقّها كما فعلوا في أشياء كثيرة وكلا
الوجهين سائغ، وهذا يعم تعجيل الفطر وتأخير السحور، فإن اعتبرنا أن أهل الكتاب هم
القائمون بكتابهم علمنا أن الله اختصنا بفضل تعجيل الفطر وتأخير السحور عليهم وأنه ما أنزل
ذلك عليهم فحرموا فضلها، وإن اعتبرنا أن أهل الكتاب هم الذين أنزل عليهم كتاب من الله
سواء عملوا به أو لم يعملوا تأكّد عندنا أن الله إنما أكد في ذلك حتى نتميز عن أهل الكتاب إذ
قد أمروا بذلك فأضاعوه بترك العمل. فمن رأى أكلة السحور بضم الهمزة اكتفى باللقمة
الواحدة ليقع الفرق بينه وبين أهل الكتاب وهو أقل ما يكون، ومن فتح الهمزة أراد الغذاء، ثم
من التأكيد فيها محافظة النبيّ وَلَّ عليها وعلى تأخيرها ودعاؤه إليها فسنّها قولاً وفعلاً فقال:
((هَلُمُوا إِلَى الْغِذَاءِ الْمُبَارَكِ)) كما قال: حيّ على الصلاة.
ثم إنه رّ من تأكيده في ذلك وتغليبه للأكل على تركه مع التحقق ببيان المانع وهو
الفجر الصادق أنك إذا سمعت النداء به إذا كان في البلد من يعلم أنه لا ينادي إلاَّ عند الطلوع
الذي به تصحّ الصلاة كابن أم مكتوم عند رسول الله وَّ فإذا سمع المتسحر ذلك وجب عليه

٣٧٣
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الترك فقيل له: إن سمعته والإناء في يدك وأنت تشرب فلا تقطع شربك من الماء مع هذا
التحقق حتى تقضي حاجتك منه كما قال حذيفة هو النهار إلاَّ أن الشمس لم تطلع، فجعل
الحكم لحال الوقت وهو الوجود، فكان الدفع أهون من الرفع، لأن المدفوع معدوم والذي
تريد رفعه موجود حاكم بالفعل وهو أنك آكل أو شارب، فالحكم لهُ حتى يرتفع بنفسه،
كذلك الاسم الحاكم في الوقت على العبد إذا طلبه اسم آخر لا حكم له عليه كان الأولى
بالعبد أن لا ينفصل من هذا الاسم الإلهيّ حتى لا يبقى له حكم عليه يطالبه به، فإذا فرغ من
حكمه تلقى بالأدب ذلك الاسم الإلهيّ الذي يطلبه أيضاً هكذا في الدنيا والآخرة، كشخص
حكم عليه اسم التوّاب عن فعل تقابلت فيه الأسماء الإلهية في حال الذنب فقال المنتقم: أنا
أولى به. وقال الراحم والغفار: أنا أولى به، فتقابلت الأسماء في حال العاصي أيّ اسم إلهي
يحكم عليه وفيه فوجدوا التوّاب فتقوّى الاسم الراحم على المنتقم وقال: هذا نائبي في
المحل فإنه لولا ما رحمته ما تاب، فدفع المنتقم عن طلبه وتسلمه الراحم وصار التواب يرجع
به إلى ربه من طاعة إلى طاعة بعدما كان يرجع به من معصية أو كفر إلى طاعة، فهذا التائب ما
ينعزل لأن التوبة قد لا تكون من ذنب بل يرجع إلى الله في كل حال في كل طاعة، فإن وجد
في المحل الاسم الخاذل وهو حكمه في العبد في حال وقوع المخالفة منه فحينئذ يكون تقابل
الأسماء المتقابلة أعظم وأشدّ فإن هذا الفعل يستدعيهما، وكان الخاذل بينه وبين هذه الأسماء
مواظبة من حيث لا يشعر بما فعله كل واحد منهما فيقول الراحم: إن الخاذل دعاني فهو
يساعدني على المنتقم، ويقول المنتقم: إنه دعاني فساعدني على الراحم فإذا أقبلا لا يريا منه
مساعدة لأحدهما، فإن كان الخذلان كفراً جاء الاسم العدل الحكم ليحكم بين الاسمين
المتقابلين الراحم وإخوانه والمنتقم وإخوانه فيقول: إن الله أمرني أن أحكم بينكما وهو قوله:
﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ﴾ [سورة الحجرات: الآية ٩] فيقول للطائفتين من الأسماء: ارقبوا هذا
العبد إلى آخر نفس فإن فارق هذا الجسم وهو على كفره فليتسلمه المنتقم وتتأخر أنت عنه أيها
الراحم وجماعتك، فيقول الراحم: سبقت الرحمة الغضب فأنا السابق فلا أتأخر، فيقول له
العدل: إنما يعتبر السبق في انتهاء المدى والمدى بعدما انتهى فاترك المنتقم إلى أن يستوفي
منه مقدار زمان المخالفة والخذلان فذلك انتهاء المدى، فإذا انتهى فلك تجديد المطالبة فيحكم
الله عند ذلك بما يشاء، فإن بعثني حاكماً حكمت بما يعطيه علمي، وإن ولي المفضل أو المنتقم
حكم أيضاً بحسب ما أذن له فيه فينفصلون على هذا الحدّ، وإن كان الخاذل في هذا المحل لم
يعط كفراً وأعطى معصية ووقع هذا التقابل بين الأسماء فجاء الحكم العدل وكلّم كل واحدة من
الطائفتين وسمع دعواهما وأن كل واحد منهما يدعي الحق له فيطلبهم بالبينة فيقول المنتقم: أي
بينة أوضح من وقوع الفعل أما تراه سكران إن كان يشرب الخمر؟ أو سارقاً أو قاتلاً أو ما كان من
أمور التعدّي، فيقول الحكم: هذه الأفعال وإن وقعت فهي موضع شبهة والحاكم لا يحكم إلاَّ
ببينة، فإن وقوع الشرب للخمر لا يؤذن بأنه ارتكب محرماً ربما غصّ بلقمة ربما هو مريض فما
استعمل إلاَّ ما يحل له استعماله، ربما قتل هذا قاتل أبيه أو أحداً ممّن هذا القاتل وليّه واعتدى

٣٧٤
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
عليه بمثل ما اعتدى لا أعلم ذلك إلاَّ بدليل فصورته صورة مخذول ولكن بهذه الشبهة، فيقول
خصمي: يسلم لي أن هذا متعدّ حدّ الله في شربه الخمر أو قتله أو ما كان من أفعال المعاصي في
ذلك الحال، فيقول الراحم: نعم صدق إلاَّ أنّ لي في المحل سلطاناً قوياً يشدّ مني وهو معي
على المنتقم، قال له الحاكم: ومن هو؟ قال الاسم المؤمن قد نزل عنده في دار الإيمان وهو
قلبه فله الأمان، قال: فادعه فجاء فقال: أنت في هذا المحل عابر سبيل أو هو محلك وملكك؟
فيقول: هو محلي وملكي وما عارضني في ملكي صاحب هذا الفعل الذي هو العاصي فجزاه الله
خيراً عني يستعملني في كل حال بما تعطيه حقيقتي وأنا محتاج إليه، فيقول للمنتقم: تأخّر عنه
حتى نشاور الاسم المريد الذي هو الحاجب الأقرب إلى الله فإن له المشيئة في هذا العبد وفي
هذا الحكم فلا يزال الأمر متوقفاً إلى انتهاء المدى وهو الأجل المسمّى الذي هو الموت، فإن
مات على المخالفة تسلمه المريد، وإن تاب عند الموت تأخر المنتقم عنه بالكلية وتسلمه الراحم
وأصحابه، فانتهاء المدى في العاصي إنما هو إلى زمن الموت وفي الكافر كما قرّرناه فاعلم
ذلك. انتهى الجزء الثامن والخمسون .
(الجزء التاسع والخمسون)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَدِ
وصل في فصل - صيام يوم الشك: خرّج الترمذيّ عن عمار بن ياسر قال: ((مَنْ صَامَ
الْيَوْمَ الَّذِي شكَ فِيهِ فَقَدْ عَصَىْ أَبَا الْقَاسِم)). قال: هذا حديث حسن صحيح. جمهور العلماء
على النهي عن صيام يوم الشك على أنّه من رمضان، واختلفوا في تحرّي صيامه تطوّعاً،
فمنهم من كرهه. ومنهم من أجازه. وأمّا حديث عمار عندي فما هو نص ولا مرفوع إلى
رسول الله وَلّ، بل هو يحتمل أن يكون عن نظر من عمار، ويحتمل أن يكون عن خبر عن
النبيّ بَّر. وقال بعضهم: إن صامه على أنه من رمضان ثم جاء الثبت أنه من رمضان أجزأه.
الاعتبار: لما كان الشك يتردّد بين أمرين من غير ترجيح أشبه حال العبد إذا كان الحق
سمعه وبصره، فإن نظر الناظر إلى كون الحق سمعه قال: إنه حق، وإن نظر إلى إضافة السمع
إلى العبد بالهاء من قوله سمعه قال: إنه عبد، وما ثم حالة ترجح أحد الناظرين على الآخر
فيسقطان، وإذا سقطا بقيا بحكم الأصل والأصل هو وجود عبد ورب، هذا هو الأصل
النظري والشرعي من وجه. وأمّا أصل الأصل المراعى قبل هذا الأصل بل الذي هذا الأصل
فرع عنه فهو وجود رب في عين عبد فهذا هو أصل الأصول الكشفي الشرعي من وجه،
فاعمل بحسب ما يتقوى عندك في ذلك وما هو مشربك فقف عنده حتى يتبين لك وجه الحق
في المسألة فتكون عند ذلك من أهل الكشف والوجود.
وصل في فصل - حكم الإفطار في التطوّع: حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس على
من دخل في صيام تطوّع فأفطر لعذر قضاء، واختلفوا إذا قطعه لغير عذر عامداً، فمن قائل:
عليه القضاء. ومن قائل: ليس عليه القضاء.

٣٧٥
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الاعتبار: إذا دخل في فعل بعبودية الاختيار فقد ألزم نفسه العبودية إذا رجع إلى أصله
في ذلك الإلزام فحكمه حكم عبودية الاضطرار فيلزمه في التطوّع ما يلزمه في الواجب، ومن
راعى كون الحق جعل هذا العبد مختاراً فقال: لا يرفع حكم الحق عني في هذا الفعل فإنه
يؤدي إلى منازعة الحق حيث يجعل الاختيار في موضع الاضطرار فيعامله معاملة الاختيار،
فإن شاء قضى اختياراً أيضاً وإن شاء لم يقض، وفي هذه المسألة طول في الاعتبار يكفي هذا
القدر منه في هذا الكتاب فإن التكليف يثبت عين العبد مضطرّاً كان أو مختاراً.
وصل في فصل - المتطوّع يفطر ناسياً: اختلف العلماء فيه، فطائفة قالت: عليه
القضاء. وقالت طائفة أخرى: لا قضاء عليه. وبترك القضاء أقول للخبر الوارد فيه.
الاعتبار: الناسي هو التارك لما اختار بعدما اختار، فإن كان عن هوى نفس فالقضاء
عليه، وإن كان عن شغل بمقام أو حال أو اسم إلهيّ فلا قضاء عليه، والقضاء هنا الحكم عليه
بحسب ما تطوّع به .
وصل في فصل - صوم يوم عاشوراء: اختلفوا أيّ يوم هو من المحرّم، فقيل: العاشر
وهو الصحيح وبه أقول. وقيل: التاسع.
الاعتبار: هنا حكم الاسم الأول والآخر، فمن أقيم في مقام أحدية ذاته صام العاشر
فإنه أول آحاد العقد. ومن أقيم في مقام الاسم الآخر الإلهيّ صام اليوم التاسع فإنه آخر بسائط
العدد. ولما كان الصوم أعني صوم عاشوراء مرغباً فيه وكان فرضه قبل فرض رمضان على
الاختلاف في فرضیته صحّ له مقام الوجوب وکان حکمه حکم الواجب، فمن صامه حصل له
قرب الواجب وقرب المندوب إليه فكان لصاحبه مشهدان وتجليان يعرفهما من ذاقهما من
حيث إنه صام يوم عاشوراء.
وصل في فضل صوم يوم عاشوراء: ذكر مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله وَّ قال في
صيام يوم عاشوراء: ((أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) فقامت حركة يومه في القوّة
مقام قوى أيام السنة كلها إذا عومل كل يوم بما يليق به من عبادة الصوم فحمل بقوّته عن الذي
صامه جميع ما أجرم في السنة التي قبله فلا يؤاخذ بشيء ممّا اجترح فيها في رمضان وغيره من
الأيام الفاضلة والليالي مع كون رمضان أفضل منه، وكذا يوم عرفة وليلة القدر ويوم الجمعة،
فمثله مثل الإمام إذا صلَّى بمن هو أفضل منه كابن عوف حين صلَّى برسول الله وَّ المقطوع
بفضله فإنه يحمل سهو المأموم مع كونه أفضل، فلا يستبعد أن يحمل صوم يوم عاشوراء
جرائم المجرم في أيام السنة كلها، ولو شاهدت الأمر أو كنت من أهل الكشف عرفت صحة
ما قلناه وما أراده الشارع والعارف إذا قال: أحتسب على الله فما يقولها عن حسن ظنّ بالله
وإنما هي لفظة أدب يستعملها مع الله مع أنه على علم من الله أنه يكفرها الله يقول الله: ﴿عَسَى
اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٢] وهو سبحانه يعلم ما يجريه في عباده ومع هذا جاء
بلفظ الترجي، والمخلوق أولى بهذه الصفة فإنها له حقيقة لو لم يعلمه الله، فإذا أعلمه الله بقي
على الأصل أدباً مع الله تعالى، ألا تراه وَلّ مع قطعه بأنه يموت فإن الله يقول له: ﴿إِنَّكَ مَّتُ

٣٧٦
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣٠] فكيف استثنى لما أتى البقيع ووقف على القبور وسلم عليهم
قال: ((وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ)). فاستثنى في أمر مقطوع به، وسواء كان الاستثناء في
الموت أو في الإيمان فإن كليهما مقطوع له بهما وذلك أدب إلهيّ فإن الله قال له: ﴿وَلَا نَقُولَنَ
◌ِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٣] فلما أتى في قوله لاحقون
باسم الفاعل استثنى امتثالاً لأمر الله تعالى.
وصل في فصل - من صامه من غير تبييت: ذكر البخاري عن سلمة بن الأكوع قال :
(أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ رَجُلاَ مِنْ أَسْلَمَ أَنْ يُنَادِي فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ وَمن لَمْ
يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَومُ عَاشُورَاءَ)» فجعل حكمه حكم من لم يبيت صوم من شك في
أول يوم من رمضان فأكل ثم ثبت أنه من رمضان فأمر بالإمساك والقضاء، وهذا حديث
صحيح وقال: فليتم بقية يومه ولم يسمه صائماً، فيقوّي هذا الحديث حديث القضاء الذي
ذكره أبو داود عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمّه أن أسلم أتت النبيّ وَّ فقال: ((صُمْتُمْ
يَوْمَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لاَ قَالَ: فَأَتِمُّوا بَقِيةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ) يعني يوم عاشوراء، وإن كان هذا
الحديث لم يلحقوه بالصحيح فراعى حرمة اليوم لما لله فيه من السرّ الذي يرفع فضله على
عباده، وظهر هنا فضل الإمساك عن الطعام والشراب وإن لم يكن صائماً وهو الجوع الذي
تشير إليه الصوفية في كلامها وفيه أقول: [الوافر]
تُنَازعني على أَجْر الصِّيامِ
أجوعُ ولا أصومُ فإنَّ نفسي
بإيجاب الصيام وبالقيام
فلو فَنِيَتْ أجيرتُها لقلنا
يكُنْ في نفسه هدفٌ لرامي
فإن العبدَ عبدُ الله ما لم
ولما أمر بقضائه أكّد تشبيهه برمضان لا بالنذر المعين إذا فات يومه فإنه لا يقضى، وإن
أمسك صاحبه بقية يومه إذا لم يبيت، ولما أمرنا بصيامه وحرّض في ذلك وكان قد أمرنا
بمخالفة أهل الكتاب اليهود والنصارى وذلك فيما شرعوه لأنفسهم ممّا لم يأذن به الله وبدّلوا
وغيّروا ولم يتميز عندنا ما شرّعوه لأنفسهم ممّا شرع لهم نبيهم فلذلك أمرنا بمخالفتهم إلاَّ
فيما قرّره النبيّ وَّ لنا ممّا كان شرعاً لهم، فعلمناه على القطع مثل رجم الثيب وإقامة الصلاة
لمن تذكر بعد نسيانه، فلما تعين علمنا به فإن الله تعالى يقول في الأنبياء: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى
اللّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] وقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الذِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [سورة
الشورى: الآية ١٣] الآية. وقال عليه الصلاة والسلام: ((نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ)). فكنى بنحن
عن نفسه وأمّته، فكنا أولى بموسى من اليهود لأنهم لم يؤمنوا بكل ما أتى به موسى، ولو آمنوا
بكل ما أتى به موسى لآمنوا بمحمد مر9َّ وبكتابه، ونحن أمرنا بالإيمان به وبما أنزل عليه، ثم
أخبر الحق عنّا بذلك وخبره صدق، فاستحال في أمّة محمد وَّر أن يؤمن المؤمن منهم ببعض
ويكفر ببعض، فهذه عناية إلهية حيث أخبرٍ بعصمتنا من ذلك فهي بشرى لنا، قال تعالى:
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّن رُسُلِه٤ِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٥] وممّا جاء به موسى صوم يوم عاشوراء فآمنا به وصمناه

٣٧٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
عن أمر رسول الله ◌َ﴿ فرضاً بخلاف عندنا، كما صامه موسى فرضاً، ثم أن الله فرض علينا
رمضان وخيّرنا في صوم عاشوراء فنصومه من طريق الأولوية فنجمع بين أجر الفريضة فيه
والنفل درجة زائدة على المؤمنين من قوم موسى عليه السلام.
ولما أمرنا ◌َّه بمخالفة اليهود أمرنا بأن نصوم يوماً قبل عاشوراء وهو التاسع ويوماً بعده
وهو الحادي عشر فقال لنا وَّرَ: ((صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا فِيهِ الْيَهُودَ صُومُوا قَبْلَهُ يَوْماً
وَبَعْدَهُ يَوماً)) ولم يقل خالفوا موسى فإن الله قد عصمنا من مخالفة الأنبياء بل أسقط الله عنّا
بعض شرائعهم كما أسقط عنّا بعض ما شرعه لنا، ونحن مؤمنون بكل ناسخ ومنسوخ في كل
شرع، ولا يلزم من الإيمان وجود العمل إلا أن يكون العمل مأموراً به، فبهذا القدر نخالف
اليهود، ولهذا توهم علماؤنا أن عاشوراء هو التاسع من المحرّم لا غير، وقد روينا في ذلك ما
يؤيّده ما قلناه من أنه اليوم العاشر، وهو أنا روينا من حديث أبي أحمد بن عديّ الجرجانيّ
الذي رواه من حديث ابن حييّ عن داود بن عليّ عن أبيه عن جدّه أن النبيّ عليه السلام قال:
(لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِل لأَصُومَنَّ يَوْماً قَبْلَهُ وَيَوْماً بَعْدَهُ)) .
والحديث الثاني وهو ما رواه مسلم من حديث الحكم بن الأعرج قال: انتهيتُ إِلَىِ ابنِ
عَبَّاسِ وَهُوَ مُتَوَسْدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ فَقُلْتُ لَّهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمٍ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ
يَا هَذَا هِلالَ المحرّمِ فَاعْدُذْ ثَمَاناً وَأَصْبِحْ الْيَومَ التَّاسِعَ صَائِماً، قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ مُحَمَّدْ رَة
يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. يعني لو عاش إلى العام القابل، يؤيد ما قلناه ما رواه أيضاً مسلم عن ابن
عباس قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ يَومٌ
تُعَظِّمُهُ اليَهُودُ والنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا كَانَ فِي الْعَامِ المُقْبِلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا
اليَومَ التَّاسِعَ))، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ العَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفَيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّر. فما صام التاسع على
أنه عاشوراء لو صامه وصام يوم عاشوراء بتحقيق يوم العاشر من المحرّم فلا ينبغي أن يقال
التاسع هو عاشوراء مع وجود هذه الأخبار، وقد ذكرنا حكمة يوم التاسع والعاشر في الاسم
الأول والاسم الآخر في هذا الفصل، وكذلك أيضاً أقول في صيام اليوم الذي بعد عاشوراء
حتى يعلم التناسب فيما أشرنا إليه من ذلك فنقول أيضاً: إنه ملحق بالاسم الأول كعاشوراء في
العاشر فإن العاشر أول العقد والحادي عشر أول تركيب الأعداد تركيب البسائط مع العقد،
فانظر حكمة الشارع في أمره بصوم يوم قبله ويوم بعده متصلاً به حتى لا تقول اليهود أن صومه
مقصود لنا فإنه يكره في الفرائض مثل هذا إلا أن يكون الإنسان على عمل يعمله فلا يبالي إلا
إن وقع التحجير، وقد نهينا أن نقدم رمضان بيوم أو يومين قصداً، إلاّ أن يكون في صيام
نصومه، ثم من الحكمة أن حرّم علينا صيام يوم الفطر حتى لا نصل صيام رمضان بصوم آخر
تمييزاً لحق الفرض من النفل خلاف اعتبار يوم الجمعة، وسيأتي الكلام في صومه إن شاء الله
تعالى في هذا الباب.
وصل - في فضل صوم يوم عرفة: ورد في الحديث الثابت عن رسول الله وَّر في صيام
يوم عرفة: ((أحتسب عَلَى اللَّه أَنْ يُكَفْرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)). خرّجه مسلم من

٣٧٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
حديث أبي قتادة، فمن صام هذا اليوم فإنه أخذ بحظ وافر ممّا أعطى الله نبيه وَّر في قوله:
﴿لَيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] فلم يزل رسول الله وَل عمره كله
في الحكم حكم الصائم يوم عرفة، وخصّه باسم عرفة لشرف لفظة المعرفة التي هي العلم،
لأن المعرفة في اللسان الذي بعث به نبينا ولم تتعدّى إلى مفعول واحد فلها الأحدية فهي اسم
شريف سمّى الله به العلم، فكأنّ المعرفة علم بالأحدية، والعلم قد يكون تعلقه بالأحدية
وغيرها بخلاف لفظ المعرفة فقد تميز اللفظان بما وضعا له، وقد ينوب العلم مناب المعرفة
في اللسان بالعمل، كذا ذكره النحاة واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا نَعْلَمُونَهُمَّ اللَّهُ
يَعْلَمُهُمَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٠] تأويله لا تعرفونهم فعدوا العلم إلى مفعول واحد للنيابة
والمعرفة ما لها حكم إلاَّ في الأحدية، وذهلوا عمّا نعلمه نحن، فإن العلم أيضاً، إنما طلب
الأحدية، ولهذا صحّ للمعرفة أن تكون من أسمائه لأن العمل هو الأصل، فإنه صفة الحق
ليست المعرفة صفته ولا له منها اسم عندنا في الشرع وإن جمعها، والعلم حدّ واحد لكن
المعرفة من أسماء العلم كما قلنا، والعارف من أسماء العالم فينا بالأحدية. وأما قولنا: إن
العلم إنما هو موضوع للأحدية مثل المعرفة ولهذا سمينا العلم معرفة لأنا إذا قلنا علمت زيداً
قائماً فلم يكن مطلوبنا زيداً لنفسه ولا مطلوبنا القيام لعينه، وإنما مطلوبنا نسبة قيام زيد وهو
مطلوب واحد فإنها نسبة واحدة معينة، وعلمنا زيداً وحده بالمعرفة والقيام وحده بالمعرفة
فنقول: عرفت زيداً وعرفت القيام، وهذا القدر غاب عن النحاة، وتخيّلوا أن تعلق العلم بنسبة
القيام إلى زيد هو عين تعلقه بزيد والقيام وهذا غلط فإنه لو لم يكن زيد معلوماً له والقيام أيضاً
معلوماً له قبل ذلك لما صحّ أن ينسب ما لا يعلمه إلى ما لا يعلمه لأنه لا يدري هل تصحّ تلك
النسبة أم لا، وهذا النوع من العلم يسمّى عند أصحاب ميزان المعاني التصوّر وهو معرفة
المفردات والتصديق وهو معرفة المركبات وهو نسبة مفرد إلى مفرد بطريق الإخبار بالواحد
عن الآخر، وهو عند النحويين المبتدأ والخبر، وعند غيرهم الموضوع والمحمول، ثم نرجع
إلى بابنا فنقول: فعلمنا شرف يوم عرفة من حيث اسمه لما وضع له من تعلقه بالأحدية إنما الله
إله واحد، والأحدية أشرف صفة الواحد من جميع الصفات وهي سارية في كل موجود،
ولولا أنها سارية في كل موجود ما صحّ أن نعرف أحدية الحق سبحانه، فما عرفه أحد إلاّ من
نفسه، ولا كان على أحديته دليل سوى أحديته من عرف نفسه عرف ربه، هكذا قال الله .
وقال أبو العتاهية : [المتقارب]
وفي كلِّ شيء له آيةٌ تدلُّ على أنه واحِدُ
والآية أحدية. كل شيء وهي التي يمتاز بها عن غيره من أمثاله، فالأحدية تسري في
كل شيء من قديم وحادث ومعدوم وموجود، ولا يشعر بسريانها كل أحد لشدّة وضوحها
وبيانها كالحياة عند أرباب الكشف والإيمان، فإنها سارية في كل شيء سواء ظهرت حياته
كالحيوان أو بطنت حياته كالنبات والجماد، فالله حيّ بغير منازع، وما من شيء ممّا سوى الله
إلاَّ وهو يسبح الله بحمده ولا يسبحه إلاّ من يعلمه، ومن شرط العالم أن يكون حياً، فلا بدّ أن

٣٧٩
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
يكون كل شيء حياً، ولما كانت الأحدية للمعرفة والأحدية لله تعالى في ذاته رجحنا صوم يوم
عرفة على فطره في غير عرفة، فإن كنّا في عرفة علمنا أن الصوم لله لا لنا، فرجحنا فطره على
صومه لشهود عرفة فافهم، فالصوم لله حقيقة والأحدية له حقيقة، فوقعت المناسبة بين الصوم
ويوم عرفة، فإن كل واحد لا مثل له، فإن صومه يفعل فيما بعده وليس ذلك لغيره في حق كل
أحد ويفعل فيما قبله لأنه زماني فيتقيد بالقبلية وبالبعدية، والمقصود أن فعله عام كصفة الحق
في إيجاد الممكنات عامّة لا تختص بممكن دون ممكن، وإن كان الأمر لله من قبل ومن بعد،
فجاء مبنياً غير مضاف لعدم تقييده عزّ وجلّ بالقبل والبعد، فهذا الذي ليوم عرفة ليس لغيره من
الأزمان فقد تميز على جنسه، وإن كان ثم أعمال هي أقوى منه في العمل ولكن ليست زمانية
أي ما هي لعين الزمان غاية عاشوراء أن يكفر السنة التي قبله فتعلقه بالواقع، وعرفة تعلقه
بالواقع، وغير الواقع فعاشوراء رافع وعرفة رافع ودافع، فجمع بين الرفع والدفع فناسب الحق
فإن الحق يتعلق بالموجود حفظاً وبالمعدوم إيجاداً، فكثرت المناسبة بين يوم عرفة وبين
الأسماء الإلهية فترجح صومه في غير عرفة وإن كان له هذا الحكم في عرفة إلاَّ أن فطره أعلى
في عرفة من صومه لما قلنا، وفي الحكم الظاهر للاتباع والاقتداء. قال في الاتباع: ﴿فَأَِّعُونِ
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] وقال في الاقتداء: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ
حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] وأفطر في هذا اليوم في عرفة، وإنما اختلف علماء الرسوم في
صومه في عرفة لا في غيرها لمظنة المشقة فيها والضعف عن الدعاء غالباً، والدعاء في هذا
اليوم هو المطلوب من الحاج، فإن أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة كالمسافر في رمضان في
فطره، فمن العلماء من اختار الفطر فيه للحاج وصيامه لغير الحاج للجمع بين الأثرين.
وقد قدمنا في أوّل الفصل الخبر المروي الصحيح في صيامه فنذكر أن النبيّ وَّ ر لم
يصمه بعرفة رحمة بالناس الذين تدركهم المشقة في صيامه كذا توهم علماء الرسوم والأمر
على ما قلناه، فإنه كان قادراً على صومه في نفسه وينهى أمّته عن صيامه بعرفة، ومثل هذا وقع
في الشرع كنكاح الهبة فهو له خاصة وهو حرام على الأمّة بلا خلاف، وكالوصال وإن جاز
فعلى كراهة. خرّج مسلم عن أم الفضل أن الناس تماروا عندها يوم عرفة في صيام
رسول الله وَلّ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن
وهو واقف على بعيره فشربه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية
١٠٧] فالرحمة هنا عندنا أن أعلمهم أن الفطر في يوم عرفة في عرفة هي السنة، وعند علماء
الرسوم طلب الرفق، والحجة لنا في قوله: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) فمنها عدم الصوم في ذلك
الموضع في ذلك اليوم، والأمر لا يتوقف في الأخذ به إذا ورد معرّى عمّا يخرجه عن الأخذ به .
وأمّا حديث النهي عن صيام يوم عرفة في عرفة ففي إسناده مهدي بن حرب الهجري
وليس بمعروف خرّجه النسائي من حديثه عن أبي هريرة قال: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهَلْ عَنْ صِيَامٍ
يَوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)) وأما حديث الترمذي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَّرَ: ((يَوْمُ عَرَفَةَ
وَيَؤُمُ النَّخْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلِ الإِسْلامِ وَهِيَ أَيَامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)). قال أبو عيسى: حديث

٣٨٠
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
عقبة حديث حسن صحيح، فكأنه يشير بهذا القول إلى ما قلناه، ويشير إلى مقام المعرفة
والعارف، فإن مقام المعرفة لا يعطي الصوم إذ يعرف العارف الصوم لمن هو، فكان يوم عيده
يوم حصوله في هذا المقام، وأيام العيد أيام سرور، فأراد أن يسري السرور ظاهراً وباطناً في
النفس الناطقة بترك الصوم وفي الحيوانية بالأكل والشرب، فجمع بين السرورين ولم يتعرض
لتحريم الصوم في هذا الحديث ولكن قرنه بالصوم المحرم وهو يوم النحر وبالصوم المكروه
وهو صوم أيام التشريق، وأنه وَ لّويرجح الأكل والشرب فيه في الظاهر، ولم يتعرّض للنهي
عن ذلك، وحرّمنا صيام يوم عيد الأضحى بخبر غير هذا سأورده إن شاء الله. ثم قوله وَلّ في
هذا الخبر أهل الإسلام ولم يقل أهل الإيمان دلّ على مراعاة الظاهر هنا، ولهذا قلنا: إنه
راعى النفس الحيوانية التي سرورها بالأكل والشرب في يوم عيدها فاعلم ذلك.
وصل - في فضل صيام السنة من شؤال: قد تقدّم ذكر الخلاف في وقتها، وفي هذا
الخبر عندي نظر لكون رسول الله # لم يثبت الهاء في العدد أعني في الستة فقال: وأتبعه
ستاً من شوّال وهو عربي والأيام مذكرة والصوم لا يكون إلاّ في اليوم وهو النهار فلا بدّ من
إثبات الهاء فيه، فهذا سبب كون الحديث منكر المتن مع صحة طريق الخبر، فيترجح عندي
أنه اعتبر في ذلك الوصال، فوصل صوم النهار بصوم الليل والليلة مقدّمة على النهار لأن النهار
مسلوخ منها، أو تكون لغة شاذة تكلم بها رسول الله وَّ# في مجلس كان فيه من هذه لغته،
ومع هذا فمن استطاع الوصال في هذه الأيام الستة فهو أولى عملاً، فظاهر لفظ الخبر
والوصال لم يقع النهي عنه نهي تحريم، وإنما راعى الشفقة والرحمة في ذلك بظاهر الناس
لئلا يتكلفوا الحرج والمشقة في ذلك، ولو كان حراماً ما واصل بهم وَ لّ، وقد ورد أنه وَلـ
قال: ((إِنَّ هَذَا الذِينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَقَالَ: مَنْ يُشَادَ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ)). وخرّج مسلم عن
أنس بن مالك: واصل رسول الله وَّل# في آخر شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه
ذلك فقال: لو مدّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمّقهم فمن لم يقدر أن يواصلها
كلها فليواصل حتى السحر في كل يوم فتدخل الليلة في الصوم كل ليلة ويكون حدّ السحر
الفطرها، فحدّ الغروب للنهار في حق من لا يواصل في الصحيح أنه عليه السلام قال: ((أَيُّكُمْ
أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَى السَّحَرِ)». خرّجه البخاري عن أبي سعيد.
وممّا يؤيّد قولنا أنه أراد الرحمة بالناس في ذلك ما خرّجه مسلم أيضاً عن عائشة قالت:
نَّهَاهُمُ النّبِيّ ◌ََّ عَنْ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي
أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِي وَيَسْقِينِي)). فكوشف ◌ََّ بحال تلك الجماعة التي خاطبهم أنهم ليست لهم
هذه الحال وأنه ما أراد بذلك أنه مختص به دون أمته، فإنا قد وجدناه ذوقاً من نفوسنا في
وصالنا فبتنا في حال الوصال، فأطعمنا ربنا وسقانا في مبيتنا ليلة وصالنا، فأصبحنا أقوياء لا
نشتهي طعاماً ورائحة الطعام الذي أكلناه الذي أطعمناه ربنا يشم منا ويتعجبون الناس من حسن
رائحته، فسألونا من أين لك هذه الرائحة في هذا الذي طعمت فما رأينا مثلها، فمنهم من
أخبرته بالحال، ومنهم من سكت عنه، فلو كان هذا خصوصاً برسول الله وَ له ما نلناه، فصح