Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وقد نزلت عن ذَّبْحِ كَبْشٍ لقربانِ
ولا شكَّ أن البُدْنَ أعظمُ قيمةً
شُخَيْصُ كَبِيشٍ عن خليفةِ رَحْمَانِ
فيا ليت شعري كيف نابَ بذاته
وصل في فصل - زكاة البقر: والاتفاق أيضاً من علماء الشريعة على الزكاة فيها .
الاعتبار في ذلك: يقول الله سبحانه في نفس الإنسان: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا﴾ [سورة
الشمس: الآية ٩] يعني النفس، ولما كانت المناسبة بين البقر والإنسان قوية عظيمة السلطان لذلك
حيي بها الميت لما ضرب ببعض البقر فجاء بالضرب إشارة إلى الصفة القهرية لما شمخت
نفس الإنسان أن تكون سبب حياته بقرة ولا سيما وقد ذبحت وزالت حياتها فحيي بحياتها هذا
الإنسان المضروب ببعضها وكان قد أبى لما عرضت عليه فضرب ببعضها فحيي بصفة قهرية
للأنفة التي جبل الله الإنسان عليها، وفعل الله ذلك ليعرفه أن الاشتراك بينه وبين الحيوان في
الحيوانية محقق بالحدّ والحقيقة، ولهذا هو كل حيوان جسم متغذّ حساس، فالإنسان وغيره
من الحيوان، وانفصل كل نوع من الحيوان عن غيره بفصله المقوّم لذاته الذي به سمّي هذا
إنساناً وهذا بقراً وهذا غنماً وغير ذلك من الأنواع، وما أبى الإنسان إلاَّ من حيث فصله المقوّم
وتخيّل أن حيوانيته مثل فصله المقوّم، فأعلمه الله بما وقع أن الحيوانية في الحيوان كله حقيقة
واحدة فأفاد، ما لم يكن عنده، وكذلك ذلك الميت ما حيي إلاّ بحياة حيوانية لا بحياة إنسانية
من حيث إنه ناطق، وكان كلام ذلك الميت مثل كلام البقرة في بني إسرائيل حيث قالت: ما
خلقت لهذا إنما خلقت للحرث. ولما قال النبيّ ◌َّ هذا الخبر الذي جرى في بني إسرائيل
قال الصحابة تعجباً لبقرة تكلم فقال رسول الله وَالر: ((آمنت بهذا)) وما رأوا أن الله قد قال ما
هو أعجب من هذا أن الجلود قالت: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢١]
وهنا علم غامض لمن كشف الله عن بصيرته، فوجبت الزكاة في البقرة كما ظهرت في النفس،
ثم مناسبة البرزخ بين البقرة والإنسان، فإن البقر بين الإبل والغنم في الحيوان المزكّى،
والإنسان بين الملك والحيوان، ثم البقرة التي ظهر الإحياء بموتها والضرب بها برزخية أيضاً
في سنّها ولونها فهي: ﴿لَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٨] فهذا مقام
برزخيّ، فهي لا بيضاء ولا سوداء بل صفراء، والصفرة لون برزخي بين البياض والسواد،
فتحقق ما أومأنا إليه في هذا الاعتبار فإنه يحتوي على معان جليلة وأسرار لا يعرفها إلاَّ أهل
النظر والاستبصار.
وصل في فصل - الحبوب والتمر: فقد عرفت أيضاً ما تجب الزكاة فيه من ذلك بالاتفاق .
الاعتبار في ذلك: النفس النباتية وهي التي تنمى بالغذاء فزكاتها في الإنسان بالصوم،
ولكن له شرط في طريق الله وهو أن الصائم إنما يمسك عن الأكل بالنهار، فليأخذ ما كان
يستحق أن يأكل بالنهار ويتصدق به ليخرج بذلك من البخل، فإذا لم يفعل ذلك عندنا
واستوفى في عشائه ما فاته بالنهار فما أمسك، وبهذا ينفصل صوم خواص أهل الله عن صوم
العامّة، وما تسحر رسول الله وَلجر إلاَّ رحمة بالعامّة حتى يجدوا ما يتأسوا به، فإن
رسول الله وَلّه يقول: ((مَنْ كَانَ مُواصِلاَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَر)) مع أنه رغب في تعجيل الفطر
الفتوحات المکبة ج٢ - م٢١

٣٢٢
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وتأخير السحور، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٧] وهذا
الاعتبار فيما يزكى من الحبوب وبالله التوفيق .
وصل: وأما التمر فهو أيضاً كما قلنا الزكاة فيه بالاتفاق وقد تقدّم ذلك.
وأما اعتبار التمر في الزكاة: فاعلم أن النبيّ ◌َّ جعل النخلة عمّة لنا وشبهها بالمؤمن حين
سأل الناس عنها، ووقع الناس في شجر البوادي، ووقع عند عبد الله بن عمر أنها النخلة أصاب
ما أراده رسول الله وَله، وبهذا الحديث يحتج على إباحة الحزورات التي تستعملها الناس،
فكما أن التمر تجب فيه الزكاة شرعاً كذلك المؤمن لما شارك الحق في هذا الاسم تعين للحق فيه
حق كما تعين في جميع الأسماء الحسنى يسمّى ذلك الحق زكاة فيزكي المؤمن هذه النسبة إليه
بالصدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله وإعطاء الأمان منه لكل خائف من جهته، فإذا صدق
في ذلك كله صدّقه الله تعالى لأنه لا يصدّق سبحانه إلاَّ الصادق، ولا يصدّقه تعالى إلاَّ من اسمه
المؤمن لا غير، فصدق العبد ردّ لاسم الله المؤمن عليه كرةّ صورة الناظر في المرآة على الناظر
ليصدقه سبحانه فيما صدق فيه هذا العبد فهذا زكاته من نسبة الإيمان إليه، فأعطى حق الله من
إيمانه بما صدق فيه من أقواله وأفعاله وأحواله، وتمّت أصناف ما يزكّى من الأموال المتفق عليها
ويلحق بها ما اختلف فيه، فإنه لا يخلو أن يكون ما اختلف فيه نباتاً أو حيواناً أو معدناً، وقد بيّنا
ذلك في المتفق عليه، فليحكم في المختلف فيه بذلك الحكم، وليعتبر فيه ما يليق بذلك الصنف
حتى لا يطول الكلام، ومذهبنا في هذا الكتاب الاقتصار والاختصار جهد الطاقة، فإن الكتاب
كبير يحتوي على ما لا بدّ منه في طريق الله من الأمّهات والأصول، فإن الأبناء والفروع تكاد لا
تنحصر بل لا تنحصر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وصل في فصل - الخرص: الاتفاق على إجازة الخرص فيما يخرص من النخيل وغير
ذلك وهو تقدير النصاب في ذلك حتى يقوم مقام الكيل.
الاعتبار في ذلك: هو موضع خطر يحتاج إلى معرفة وتحقيق في المقادير وبصيرة
حادّة، قال تعالى: ﴿قُئِلَ اٌلْخَرَّصُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ١٠] وهذه إشارة تلحق بالتفسير وإن لم
نرد بها التفسير ولكن لتقارب المعنى، والمكيل والموزون بمنزلة العلم، والخرص بمنزلة غلبة
الظنّ، والأصل العلم، ثم إنه إذا تعذر العلم حكمنا بغلبة الظنّ، وذلك لا يكون إلاَّ في
الأحكام الشرعية أعني في فروع الأحكام، فإن الحاكم لا يحكم إلاّ بشهادة الشاهد وهو ليس
قاطعاً فيما شهد به من ذلك، والأصل في الحكم المشروع غلبة الظنّ حتى في السعادة عند الله
فإن الله يقول: أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيراً، فحسن الظنّ بالله إذا غلب على العبد
أنتج له السعادة، كما أن سوء الظنّ بالله يرديه ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَزْدَنَّكُمْ﴾ [سورة
فصلت: الآية ٢٣] فما اختلف العلماء في حكم الحاكم بين الخصمين بغلبة الظنّ واختلفوا في
حكمه بعلمه، فكانت غلبة الظنّ في هذا النوع أصلاً متفقاً عليه يرجع إليه، وكان العلم في
ذلك مختلفاً فيه، والحق تعالى وإن لم يكن عنده إلاَّ العلم فإنه يحكم بالشهود، ولهذا جاء :
﴿قَلَ رَبِّ احْكُ بِالْحَقْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١١٢] أي بما شرعت لي وأرسلتني به، وفي هذا الطريق

٣٢٣
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
معرفة الله بالعقل بطريق الخرص، ولهذا تقبل الشبهة القادحة في الأدلة ومعرفة الله من طريق
الشرع المتواتر مقطوع بها لا تقدح فيها شبهة عند المؤمن أصلاً، وإن جهلت النسبة فالعلم
بالله من جهة الشرع وهو تعريف الحق عباده بما هو عليه فإنه أعلم بنفسه من عباده وبه، فإن
العلم به منه أن يعلم أنه جامع بين التنزيه والتشبيه، وهذا في الأدلة النظرية غير سائغ، أعني
الجمع بين الضدّين في المحكوم عليه ليس ذلك إلاَّ هنا خاصة، فلا يحكم عليه خلقه،
والعقل ونظره وفكره من خلقه، فكلامه في موجده بأنه ليس كذا أو هو كذا خرص بلا شك،
والخارص قد يصيب وقد يخطىء، والعلم بالله من حيث القطع أولى من العلم به من حيث
الخرص وإن كان الخرص لا بدّ منه في العلم بالله ابتداء .
وصل في فصل - ما أكل صاحب التمر والزرع من تمره وزرعه قبل الحصاد والجداد:
فمن قائل: يحسب ذلك عليه في النصاب. ومن قائل: لا يحسب عليه ويترك الخارص لرب
المال ما أكل هو وأهله ويأكل .
الاعتبار: ثمر الإنسان وزرعه أعماله، وأعماله واجبة ومندوب إليها ومباحة خاصة.
وأما المكروه والمحظور فلا دخول لهما هنا ولا سيما المحظور خاصة في الزكاة، وقد يدخل
في الزكاة بوجه خاص في فعل المحظور، وذلك أن المؤمن لا تخلص له معصية أصلاً من
غير أن تكون مشوبة بطاعة، وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فالطاعة التي تشوب
كل معصية هي الإيمان بها أنها معصية، وكما هي طاعة في عين معصية فهي قرب في عين
بعد، فذلك الإيمان هو زكاتها فيطهر المحظور بالإيمان فهو قوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٧٠] فإذا أعطى هذا القدر في عمل المعصية وقع الترجي للعبد من
الله في القبول وهو قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾
وهؤلاء منهم ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَتِهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٢] أي يرجع عليهم بالرحمة والقبول
والغفران وتبديل السيئات، فهذه عناية الزكاة أثرت في الحظر.
وأمّا في أعمال الطاعات فنصابها الذي تجب فيه الزكاة زكاتها المباح من عامله خاصة
وهو الذي يخصّ النفس، فإن الزكاة وإن كانت حق الله فما هي حق الله إلاّ من حيث إنه
شرعها فهي راجعة إلينا، فإن الله عين مصارفها بذكر الأصناف الذين يأخذونها، فتصدّق الله
على الإنسان بالمباح في الثمانية الأعضاء من جميع أعماله، فتلك الزكاة التي أعطاها الله من
جميع أعماله، وذلك لفقره ومسكنته وعمله وتألفه على طاعة ربه، واجتماعه من حيث إيمانه
عليها وفكاك رقبته من رق الواجبات في أوقات المباحات، وإن اندرجت فيها أعني الواجبات
لأنه يجب عليه اعتقاد المباح أنه مباح إلى غير ذلك، فمن حسبه عليه في النصاب فلكونه من
جملة ما شرع له لأن المباح مشروع كالواجب، فلهذا يتصرّف فيه تصرّف من أبيح له لا
تصرّف الطبع، ومن قال: لا يحسب عليه فلكونه وإن كان مباحاً إنما راعى سقوط التكليف
في المباح لأن المكلف لا يكون مخيراً، فإن التكليف مشقة والتخيير لا مشقة فيه وإن تضمن
الحيرة والتردّد.

٣٢٤
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل في فصل - وقت الزكاة: فجمهور العلماء في الصدر الأوّل مجمعون على وجوب
الزكاة في الذهب والفضة والماشية باشتراط الحول، وما خالف في ذلك أحد من الصدر
الأول فيما نقل إلينا إلاَّ ابن عباس ومعاوية لأنه لم يثبت عندهما في ذلك حديث صحيح ثابت
عن رسول الله وَّر، فاعلم أن الحول فيه كمال الزمان فأشبه كمال النصاب، فكما وجبت
بكمال النصاب وجبت بكمال الزمان، ومعنى كمال الزمان تعميمه للفصول الأربعة فيه، ولهذا
ينتظر بالعنين الحول الكامل حتى تمرّ عليه الفصول الأربعة فلا تغير في حاله شيئاً أي لا حكم
لها في عنته لعدم استعداده لتأثيرها، وكمال الإنسان إنما هو في عقله، فإذا كمل في عقله فقد
كمل حوله فوجب عليه إخراج الزكاة، وهي أن يعلم ما لله عليه من الحقوق فيجتهد في أداء
ذلك، ووقت الحبوب والتمر يوم حصاده وجده من غير اشتراط الحول إذ قد مرّ الحول على
الأصل، وهو ما للخريف والشتاء والربيع والصيف فيه من الأثر، فكأنه ما خرج عن حكم
الحول بهذا الاعتبار، فمن العبادات هي مرتبطة بالحول كالحج والصيام، وما ذكرناه من
صنف ما من أصناف المال المزكى، ومن العبادة الواجبة ما لا يرتبط بالحول كالصلاة
والعمرة، ونوافل الخيرات ما عدا الحج فإن واجبه ونافلته سواء في الحول.
وصل في فصل - زكاة المعدن: فمن العلماء من راعى فيه الحول مع النصاب تشبيهاً
بالذهب والفضة. ومنهم من راعى فيه النصاب دون الحول تشبيهاً بما تخرجه الأرض ممّا
تجب فيه الزكاة .
وصل الاعتبار في هذا: المعدن الطبيعة التي تتكوّن عنها الأجسام، ونفوس الأجسام
الجزئية والطبيعية أربع حقائق بتأليفها ظهر عالم الأجسام، وفي العلم الإلهي أن العالم ظهر
عن الله تعالى من كونه حياً عالماً مريداً قادراً لا غير، وكل اسم له حكم في العالم فداخل
تحت حيطة هذه الأربعة الأسماء الأمهات، فمن راعى النصاب دون الحول اعتبر هذا فإنه
فوق الزمان، فإذا تكوّن عن الإنسان ما يتكوّن عن الطبيعة فقد بلغ النصاب فوجبت الزكاة وهي
إلحاق ذلك بالأربع الصفات الثابتة في العلم الإلهي الذي لا يصحّ التكوين إلاّ بها، والطبيعة
آلة لا إله، ومن اعتبر الحول مع النصاب فإنه إذا تكوّن عن الإنسان ما يتكوّن عن العناصر لا
عن الطبيعة، والعناصر لا يتكوّن عنها شيء إلاَّ بمرور الأزمان عليها وهي حركات الأفلاك
التي فوقها، فزكاتها مقيدة بالزمان وهي إعطاء حق الله تعالى من ذلك التكوين بإضافته إلى
الوجه الخاص الإلهي الذي له في كل ممكن من غير نظر إلى سببه، وهذا هو عالم الخلق
والأمر والأول هو عالم الأمر خاصة فاعلم ذلك.
وصل في فصل - حول ربح المال: فطائفة رأت أن حوله يعتبر فيه من يوم استفيد سواء
كان الأصل نصاباً أو لم يكن وبه أقول. وطائفة قالت حول الربح هو حول الأصل أي إذا كمل
الأصل حولاً زكّي الربح معه، سواء كان الأصل نصاباً أو أقل من نصاب إذا بلغ الأصل مع ربحه
نصاباً، وانفرد بهذا مالك وأصحابه، وفرّقت طائفة بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول
نصاباً أو لا يكون فقالوا: إن كان نصاباً زكّي ربحه مع رأس المال وإن لم يكن نصاباً لم يزد.

٣٢٥
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل الاعتبار في هذا: الأعمال هي المال وربحها ما يكون عنها من الصور كالمصلي
أو الذاكر يخلق له من ذكره وصلاته ملك يستغفر له إلى يوم القيامة، فالصور التي تلبس
الأعمال هي أرباحها كمانع الزكاة يأتيه ماله الذي هو قدر الزكاة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوّق
به ويقال له هذا كنزك، والأعمال على قسمين: عمل روحاني وهو عمل القلوب، وعمل
طبيعيّ وهو عمل الأجسام وهي الأعمال المحسوسة، فما كان من عمل محسوس اعتبر فيه
الحول، وما كان من عمل معنوي لم يعتبر فيه الحول لأنه خارج عن حكم الزمان، ولا بدّ من
اعتبار النصاب في المعنى والحسّ، وقد تقدّم اعتبار النصاب وهو المقدار قبل هذا من هذا
الباب، وصورة الزكاة في ذلك الربح هو ما يعود منه على العامل من الخير من كونه موصوفاً
بصفات الدين لإعطائهم الزكاة من فقير ومسكين وغير ذلك وهو قول النبيّ وَّ فيما يخلق من
الأعمال من صور الأملاك أنه يستغفر له ذلك الملك إلى يوم القيامة، ولقد رأيت
رسول الله رَ﴾ وأنا بمكة في المنام وهو يقول ويشير إلى الكعبة: يا ساكني هذا البيت لا
تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت في أيّ وقت كان من ليل أو نهار أن يصلي في أيّ وقت شاء من
ليل أو نهار، فإن الله يخلق له من صلاته ملكاً يستغفر له إلى يوم القيامة. ومصداق بعض هذا
الخبر ما روي عن النبيّ وَّهِ أنه قال: ((يَا بَنِي عَبْد مَنَافِ لاَ تَمْتَعُوا أَحَداً طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى
فِي أَيِّ وَقْتِ شَاءَ مِنْ لِيْلِ أَوْ نَهَارٍ)) خرّجه النسائيّ في سننه والله أعلم.
وصل في فصل - حول الفوائد: وهو ما يستفاد من المال من غير ربحه فقال بعض
العلماء: إن العلماء أجمعوا على أن المال إذا كان أقل من نصاب واستفيد إليه مال آخر من
غير ربحه فكمل من مجموعهما نصاب أنه يستقبل به الحول من يوم كمل، واختلفوا إذا استفاد
مالاً وعنده نصاب مال آخر قد حال عليه الحول فقال بعضهم: يزكى المستفاد إن كان نصاباً
لحوله ولا يضم إلى المال الذي وجبت فيه الزكاة وبه أقول. وقال بعضهم: الفوائد كلها تزكى
لحول الأصل إذا كان الأصل نصاباً، وكذلك الربح عندهم.
وصل اعتبار هذا الفصل: من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها فقد استفاد
من عمل غيره ما لم يكن من عمله فيكون ربحه وإنما هو عمل، والحكم في ذلك في الاعتبار
على ما هو في الحكم الظاهر كما فصلناه في المذاهب على اختلافها فيما اختلفوا فيه
وإجماعها فيما أجمعوا عليه كما تقدّم في الفصول قبله من الاعتبار في ذلك سواء.
وصل في فصل - اعتبار حول نسل الغنم: من العلماء من قال: حول النسل هو حول
الأمّهات كانت الأمّهات نصاباً أو لم تكن. ومن قائل: لا يكون حول النسل حول الأمّهات إلاَّ
أن تكون الأمّهات نصاباً .
وصل الاعتبار في ذلك: ﴿أَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَنَهُمْ وَمَآ أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىٍَّ﴾ وهذا في:
﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم بِإِبِمَنٍ﴾ [سورة الطور: الآية ٢١] فهذه الذرية بمنزلة نوافل الخيرات،
والأمّهات مثل فرائض الخيرات، وكما يتقرّب بالفرائض كذلك يتقرّب بالنوافل. وقد وردت

٣٢٦
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
الأخبار بما تنتجه نوافل الخيرات من القرب الإلهي فجعل لها حكماً في نفسها، فهذا عب .
من أفرد نسل الغم بالحكم ومن ألحقها بالأمّهات كما ذكرنا في المذهبين، واعتباره أن نوع
الخيرات فرائض وكان حكمها حكم الفرائص فلهذا ضمت إليها، فإن صلاة التطوّع وهي
النافلة التي لا تجب على الإنسان ولا يعصي بتركها إذا شرع فيها في صلاة نافلة أو صياه:
حج فإنه يلزمه ما فيها من الفرائض، فالركوع والسجود والقيام في صلاة النافلة فريضة واجبة
عليه لا تصحّ أن تكون صلاة إلاَّ بهذه الأركان، ولهذا قال الله: أكملوا لعبدي فريضته من
تطوّعه، فيكمل فرض المفروض من فرض التطوّع كان العمل ما كان، فحق الله في نوافل
الخيرات ما تحوي عليه من الفرائض وهو زكاتها، وما في ذلك من الفضل يعود على عامله.
ولهذا يكون الحق سمعه وبصره في التقرّب بالنوافل.
وصل في فصل - فوائد الماشية: قد تقدم اعتبار مثله في فوائد الناضر فأغنى عن ذكره
في هذا الفصل وإنما جئنا به لننبّه عليه .
وصل في فصل - اعتبار حول الديون: فيمن يرى الزكاة فيه، فإن قوماً قالوا يستقبل به
الحول من اليوم الذي قبضه يعني الدين من غريمه، والذين يقولون في الدين الزكاة اختلفوا.
فمن قائل: يعتبر فيه من أول ما كان ديناً وإن مضى عليه حول زكّى زكاة حول، وإن مرّت عليه
أحوال زكّى لكل حول مرّ عليه زكاة فأنزله صاحب هذا المذهب منزلة المال الحاضر. ومن
قائل: يزكيه لعام واحد خاصة وإن أقام أحوالاً عند الذي عنده الدين فلا زكاة فيه إلاَّ هذا القدر
ولا أعرف له حجة في ذلك.
الاعتبار في هذا: الحج عن الميت ومن لا يستطيع كما ورد في النص: وصيام ولي
الميت عن الميت إذا مات وعليه صيام فرض رمضان فصار حقاً لله فيه على الوليّ الذي يحج
أو يصوم، فذلك الحق هو قدر الزكاة الذي في الدين وتبرأ ذمّة الذي عنده الدين، كما أن
الذي عنده الدين لا زكاة عليه فيما عنده لأنه ليس بمالك له، ومن يرى أنه لا زكاة عليه فيه من
دام عند المديون يرى أنه ﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣٩] وليس بيده مال يسعى
فيه بخير بل خيره منه كونه وسع على المديون بما أعطاه من المال، فعين هذا الفعل قام فيه
مقام الزكاة فأغنى عن أن يزكيه، وأيّ خير أعظم ممّن وسع على عباد الله، وقد قرّر العلماء أن
المقصود بالزكاة إنما هو سدّ الخلة، والذي يأخذ الدين لولا حاجته ما أخذه والذي يعطيه ذلك
قد سدّ منه تلك الخلة فأشبه الزكاة من هذا الوجه، فهذا اعتبار من لا يرى زكاة فيه حتى يقبضه
ويستقبل به الحول من يوم قبضه، وآية الديون على ما قلناه قوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ فَرْضَ
حَسَنًا﴾ [سورة الحديد: الآية ١٨] ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٥] ولمـ
كان في القرض سدّ الخلة لذلك قالت اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [سورة آل عمران: الآية
١٨١] أي من أجل فقره طلب القرض منّا، وغابوا عن الذي أراده الحق تعالى من ذلك من غاية
وصلته بخلقه كما جاء في الصحيح: ((جِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي)) وشبه ذلك والباب واحد، وقد تقدّه
الكلام في القرض في أوّل الباب.

٣٢٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وصل في فصل - حول العروض عند من أوجب الزكاة فيها: وقد تقدّم اعتبار الحول،
والذي أذهب إليه أنه لا زكاة فيها لعدم النص في ذلك وكأنه شرع زائد وهو القياس المرسل،
لا شرع مستنبط من شرع ثابت والله أعلم. فمن العلماء من اشترط مع العروض وجود
الناض، ومنهم من اعتبر فيه النصاب، ومنهم من لم يعتبر ذلك، وقال أكثر العلماء: المدير
وغير المدير حكمه واحد، وأنه من اشترى عرضاً وحال عليه الحول قوّمه وزكّاه، وقال قوم :
بل يزكي ثمنه وبه أقول لا قيمته .
وصل الاعتبار في هذا: العروض هو ما يعرض على الإنسان من أعمال البرّ ممّا لا نيّة
له في ذلك، أو يكون من الأعمال التي لا تشترط فيها النيّة وله الثواب عليها كما قال ◌َعليه :
((أسْلَّمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرِ)) أي لك ثوابه وإن لم يكن فعلك فيه عن شرع ثابت لكنه
مكارم خلق فصادف الحق فجوزي عليه، فلو لم يكن في ذلك العمل الذي عرض حق لله
لنسبة تعطيه ما صحّ أن يثني عليه فذلك زكاته من حيث لا يشعر.
وصل في فصل - تقدّم الزكاة قبل الحول: فمن العلماء من منع من ذلك، وبالمنع أقول
ظاهراً لا باطناً، ومنهم من جوّز ذلك.
الاعتبار: اعتبار التجويز: وقدّموا لأنفسكم ﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾
[سورة البقرة: الآية ١١٠] ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٣] و﴿أُوْلَئِكَ
يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] وقوله وَّلَه فيمن أتى بالشهادة قبل أن
يسألها فعظم ما فيها من الأجر على أجر من أتى بالشهادة بعد أن طولب بأدائها. وأمّا اعتبار
المنع فإن الحكم للوقت، فلا ينبغي أن يفعل فيه ما لا يقتضيه، وهنا دقائق من العلوم من
علوم الأسماء الإلهية، وهل يحكم اسم في وقت سلطنة اسم آخر مع بقاء حكم صاحب
الوقت؟ وهل يشتركان في الوقت الواحد فيكون الحكم لكل واحد من الأسماء حكم في
وقته؟ وهل حكم الوقت هو الحاكم على الاسم بأن جعله بحكم الاستعداد المحكوم فيه الذي
أعطاه الوقت؟ فما وقع حكم إلاَّ في وقته إلى مثل هذا فاعلمه، ويكفي هذا القدر من اعتبار
باب الزكاة والحمد لله. انتهى الجزء الخامس والخمسون.
(الجزء السادس والخمسون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
[نظم: السريع]
يا ضاحكاً في صورة الباكي
الصَّومُ إمساكٌ بلا رفعةٍ
وقد يكونان معاً عند مَنْ
أنت بنا المشكوُ والشاكِي
ورفعةٌ من غير إمساكِ
يُثْبتُ توحيداً بإشراكِ

٣٢٨
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
صِيدَتْ عقولٌ عن تصاريفها
صِيْدَتْ عقولٌ عن تصاريفها
فسلَّمتْ ماردَّ برهانها
جرى بها نجمُ الهدى سابحاً
لولاكِ يا نفسي لما كُنْتُه
صومي عن الكون ولا تفطري
وانوي بذاك الصَّوْمَ من حيث هو
في الصوم معنّى لو تدبَّرْتِهِ
لا مِثْلَ للصوم كذا قال لي
لأنه تَرّ فأين الذي
قد رجع الأمر إلى أصله
والصومُ إن فكّرْتِ في حُكْمِهِ
ثم أتى مِنْ عنده مخْبِرٌ
فالصومُ الله فلا تجهلي
الصومُ الله وأنتِ التي
أَنَّثَكِ الرحمنُ من أجل من
سبحانَ من سوّاكِ أهلاً له
فأنتِ كالأرض فراشٌ له
وصُنْعَةُ الله ترى عينُها
لما دعوتِ اللَّهَ من ذلَّة
والقلمُ الأرفعُ في لَوْحِهِ
فأنتِ عينُ الكل لا عينُه
إياكِ أن ترضِيْ بما تَرْتَضي
كوني على أصلك في كل ما
هذا هو العلم الذي جاءني
أنزله عن أمر علاَّمِهِ
والحمدُ لله الذي خصَّني
وخصَّني بصورةٍ لم يكن
بلا حِبَالاتِ وأشراكِ
بصارم للشرع بَتَّاكِ
وآمنت من غير إدراكِ
ما بين أملاك بأفلاكٍ
كأنه لولاك لولاك
بذا إلهُ الخَلْق أولاكِ
فإنه بالطّبْع غذَّاكِ
ما حلَّ مخلوقٌ بمغناك
شارِعُهُ فدبري ذاكٍ
عملْتِه أو أين دَغْوَاكِ
بذاك ربي قد تَوَلاكِ
وأصلٍ معناه بمعناكِ
عن صَوْمِكِ المشروع عرَّاكِ
وأنتِ مَجْلاه فإيَّاكِ
تموتُ جوعاً فاعلمي ذاكٍ
يظْهَرُ منك حين سوّاكِ
ولم يُنِلْ ذلك إلاكٍ
وعينُه المنعوتُ بالباكِي
بينكما فأين مَجْلاكِ
به تعالى بك لبَّاكِ
سَطَّرَ عنه وصفَكِ الزاكِي
أدناكِ من وجهِ وأقصاكٍ
من أجل ما يُزضيكِ إياكِ
يريد لا تَنْسَيْ فينساكِ
من قائل ليس بأفاكِ
ما بين زهَّادِ ونسَّاكِ
بعلم أضواءٍ وأَخْلاكِ
كمالُها إلاَّ بإيواكِ
اعلم أيّدك الله أن الصوم هو الإمساك والرفعة، يقال: صام النهار إذا ارتفع، قال امرؤ
القيس: إذا صام النهار وهجرا: أي ارتفع. ولما ارتفع الصوم عن سائر العبادات كلها في
الدرجة سمّي صوماً، ورفعه سبحانه بنفي المثلية عنه في العبادات كما سنذكره، وسلبه عن
عباده مع تعبّدهم به، وأضافه إليه سبحانه، وجعل جزاء من اتصف به بيده من إنايته، وألحقه

٣٢٩
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
بنفسه في نفي المثلية، وهو في الحقيقة ترك لا عمل، ونفي المثلية نعت سلبي فتقوّت
المناسبة بينه وبين الله، قال تعالى في حق نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية
١١] فنفى أن يكون له مثل، فهو سبحانه لا مثل له بالدلالة العقلية والشرعية. وخرّج النسائي
عن أبي أمامة قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهَرَ فَقُلْتُ: مُزْنِي بِأَمْرٍ آخُذَهُ عَنْكَ، قال: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ
فَإِنَّهُ لاَ مِثْلَ لَهُ)) فنفى أن يماثله عبادة من العبادات التي شرع لعباده. ومن عرف أنه وصفَ
سلبي إذ هو ترك المفطرات علم قطعاً أنه لا مثل له إذ لا عين له تتصف بالوجود الذي يعقل،
ولهذا قال الله تعالى: الصوم لي، فهو على الحقيقة لا عبادة ولا عمل، واسم العمل إذا أطلق
عليه فيه تجوّز، كإطلاق لفظة الموجود على الحق المعقول عندنا تجوّزاً، إذ من كان وجوده
عين ذاته لا تشبه نسبة الوجود إليه نسبة الوجود إلينا فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾.
إيراد حديث نبويّ إلهي: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: «قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلٍ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلَّ الصِّيَّامُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أجزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جنة
فَإِذَا كَانَ يَومُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفِثْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَسْخِبٍ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدْ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤْ
صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ رِيحِ
المِسْكِ) وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفَطره، وإذا لقي ربّه عزّ وجلّ فرح بصومه .
واعلم أنه لما نفى المثلية عن الصوم كما ثبت فيما تقدم من حديث النسائي والحق ليس كمثله
شيء لقي الصائم ربّه عزّ وجلّ بوصف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فرآه به
فكان هو الرائي المرئي، فلهذا قال ◌َّر: فرح بصومه ولم يقل فرح بلقاء ربّه، فإن الفرح لا يفرح
بنفسه بل يفرح به، ومن كان الحق بصره عند رؤيته ومشاهدته فما رأى نفسه إلاَّ برؤيته، ففرح
الصائم لحوقه بدرجة نفي المماثلة، وكان فرحه بالفطر في الدنيا من حيث إيصال حق النفس
الحيوانية التي تطلب الغذاء لذاتها، فلما رأى العارف افتقار نفسه الحيوانية النباتية إليه ورأى جوده
بما أوصل إليها من الغذاء أداء لحقها الذي أوجبه الله عليه قام في هذا المقام بصفة حق فأعطى بيد
الله كما يرى الحق عند لقائه بعين الله، فلهذا فرح بفطره كما فرح بصومه عند لقاء ربه .
بيان ما يتضمنه هذا الخبر: ولما كان العبد موصوفاً بأنه ذو صوم واستحق اسم الصائم
بهذه الصفة ثم بعد إثبات الصوم له سلبه الحق عنه وأضافه إلى نفسه فقال: إلاَّ الصيام فإنه لي
أي صفة الصمدانية وهي التنزيه عن الغذاء ليس إلاَّ لي، وإن وصفتك به فإنما وصفتك باعتبار
تقييد ما من تقييد التنزيه لا بإطلاق التنزيه الذي ينبغي لجلالي فقلت: وأنا أجزي به، فكان
الحق جزاء الصوم للصائم إذا انقلب إلى ربّه ولقيه بوصف، لا مثل له وهو الصوم إذ كان لا
يرى من ليس كمثله شيء إلاَّ من ليس كمثله شيء، كذا نصّ عليه أبو طالب المكي من سادات
أهل الذوق ﴿مَن ◌ُجِدَ فِى رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٥] ما أوجب هذه الآية في هذه
الحالة. ثم قوله: والصيام جنة وهي الوقاية مثل قوله: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] أي
اتخذوه وقاية وكونوا له أيضاً وقاية، فأقام الصوم مقامه في الوقاية وهو ليس كمثله شيء.
والصوم من العبادات لا مثل له. ولا يقال في الصوم ليس كمثله شيء فإن الشيء أمر ثبوتي أو

٣٣٠
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وجوديّ، والصوم ترك فهو معقول عدميّ ووصف سلبيّ، فهو لا مثل له لا أنه ليس كمثله
شيء، فهذا الفرق بين نعت الحق في نفي المثلية وبين وصف الصوم بها .
ثم إن الشارع نهى الصائم والنهي ترك ونعت سلبيّ فقال: لا يرفث ولا يسخب، فمـ
أمره بعمل بل نهاه أن يتصف بعمل ما. والصوم ترك فصحت المناسبة بين الصوم وبين ما نهي
عنه الصائم. ثم أمر أن يقول لمن سابه أو قاتله: إني صائم أي تارك لهذا العمل الذي عملته
أنت أيها المقاتل والساب في جانبي، فنزّه نفسه عن أمر ربّه عن هذا العمل، فهو مخبر أنه
تارك أي ليس عنده صفة سبّ ولا قتال لمن سابه وقاتله. ثم قال: والذي نفس محمد بيده
يقسم ◌َّ لخلوف فم الصائم وهو تغيّر رائحة فم الصائم التي لا توجد إلاَّ مع التنفس، وقد
تنفّس بهذا الكلام الطيب الذي أمر به وهو قوله: إني صائم، فهذه الكلمة وكل نفس الصائم
أطيب يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة المطففين: الآية ٦] عند الله فجاء بالاسم
الجامع المنعوت بالأسماء كلها فجاء باسم لا مثل له، إذ لم يتسم أحد بهذا الاسم إلاَّ الله
سبحانه فناسب كون الصوم لا مثل له. وقوله: من ريح المسك فإن ريح المسك أمر وجودي
يدركه الشامّ ويلتذّ به السليم المزاج المعتدل، فجعل الخلوف عند الله أطيب منه لأن نسبة
إدراك الروائح إلى الله لا تشبه إدراك الروائح بالمشامّ، فهو خلوف عندنا وعنده تعالى هذا
الخلوف فوق طيب المسك في الرائحة فإنه روح موصوف لا مثل لما وصف به فلا تشبه
الرائحة الرائحة، فإن رائحة الصائم عن تنفس ورائحة المسك لا عن تنفّس من المسك .
ولنا واقعة في مثل هذا: كنت عند موسى بن محمد القباب بالمنارة بحرم مكة بباب
الحزورة وكان يؤذّن بها وكان له طعام يتأذى برائحته كل من شمّه، وسمعت في الخبر النبوي
أن الملائكة تتأذى ممّا يتأذى منه بنو آدم ونهى أن تقرب المساجد برائحة الثوم والبصل
والكرّاث، فبت وأنا عازم أن أقول لذلك الرجل أن يزيل ذلك الطعام من المسجد لأجل
الملائكة، فرأيت الحق تعالى في النوم فقال لي عزّ وجلّ: لا تقل له عن الطعام فإن رائحته
عندنا ما هي مثل ما هي عندكم، فلما أصبح جاء على عادته إلينا فأخبرته بما جرى فبكى
وسجد لله شكراً ثم قال لي: يا سيدي ومع هذا فالأدب مع الشرع أولى فأزاله من المسجد
رحمه الله .
ولما كانت الروائح الكريهة الخبيثة تنفر عنها الأمزجة الطبيعية السليمة من إنسان وملك
لما يحسّونه من التأذي لعدم المناسبة فإن وجه الحق في الروائح الخبيثة لا يدركه إلاَّ الله
خاصة، ومن فيه مزاج القبول له من الحيوان أو الإنسان الذي له مزاج ذلك الحيوان لا ملك
ولهذا قال عند الله، فإن الصائم أيضاً من كونه إنساناً سليم المزاج يكره خلوف الصوم من
نفسه ومن غيره، وهل يتحقق أحد من المخلوقين السالمين المزاج بربه وقتاً ما أو في مشهد ما
فيدرك الروائح الخبيثة طيبة على الإطلاق ما سمعنا بهذا، وقولي على الإطلاق من أجل أن
بعض الأمزجة يتأذى بريح المسك والورد ولا سيما المحرور المزاج وما يتأذى منه فليس
بطيب عند صاحب ذلك المزاج فلهذا قلنا على الإطلاق، إذ الغالب على الأمزجة طيب

٣٣١
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
المسك والورد وأمثاله، والمتأذّي من هذه الروائح الطيبة مزاج غريب أي غير معتاد، ولا
أدري هل أعطى الله أحداً إدراك تساوي الروائح بحيث أن لا يكون عنده خبث رائحة أم لا؟
هذا ما ذقناه من أنفسنا ولا نقل إلينا أن أحداً أدرك ذلك بل المنقول عن الكمل من الناس وعن
الملائكة التأذي بهذه الروائح الخبيثة، وما انفرد بإدراك ذلك طيباً إلاَّ الحق هذا هو المنقول،
ولا أدري أيضاً شأن الحيوان من غير الإنسان في ذلك ما هو لأني ما أقامني الحق في صورة
حيوان غير إنسان كما أقامني في أوقات في صور ملائكته والله أعلم.
ثم إن الشرع قد نعت الصوم من طريق المعنى بالكمال الذي لا كمال فوقه حين أفرد له
الحق باباً خاصاً وسمّاه باسم خاص يطلب الكمال يقال له باب الريان منه يدخل الصائمون،
والريّ درجة الكمال في الشرب فإنه لا يقبل بعد الريّ الشارب شرباً أصلاً، ومهما قبل فما
ارتوى أرضاً كان أو غير أرض من أرضين الحيوانات. خرّج مسلم من حديث سهل بن سعد
قال: قال رسول الله وَ﴾: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابَاً يُقَالُ لَهُ الريان يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ
يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرِهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرِهم أُغْلِقَ فَلا يَدْخُلُ مِنْهُ
أحَدٌ)). ولم يقل ذلك في شيء من منهي العبادات ولا مأمورها إلاّ في الصوم، فبيّن بالريان
أنهم حازوا صفة كمال في العمل إذ قد اتصفوا بما لا مثل له كما تقدّم وما لا يماثل هو الكامل
على الحقيقة، والصائمون من العارفين هنا دخلوه، وهناك يدخلون منه على علم من الخلائق
أجمعين، فلنذكر إن شاء الله في هذا الباب أحكام الصوم المشروع وتوابعه ولواحقه وأنواعه
وواجبه ومندوبه، كما ذكرنا فيما تقدّم من أخواته من زكاة وصلاة في العموم والخصوص على
طبقاتهم في ذلك، وله عندنا مراتب أوّلها: الصوم العام المعروف الذي تعبدنا الله به وهو
الصوم الظاهر في الشاهد على تمام شروطه، فإذا فرغنا من الكلام على أحكام المسألة التي
نوردها في ذلك انتقلنا إلى الكلام بلسان الخواص وخلاصتهم على صوم النفس بما هي آمرة
للجوارح وهو إمساكها عمّا حجر عليها في مسألة مسألة وارتفاعها عن ذلك، وعلى صوم
القلب الموصوف بالسعة للنزول الإلهي حيث قال تعالى: وسعني قلب عبدي، فنتكلم على
صومه وهو إمساكه هذه السعة أن يعمرها أحد غير خالقه، فإن عمّرها أحد غير خالقه فقد أفطر
في الزمان الذي يجب أن يكون فيه صائماً إيثاراً لربّه مسألة مسألة، والكلام على جملة
المفطرات في نوع كل صوم على الاختصار والتقريب فإنه باب يطول، وسأورد في هذا الباب
من الأخبار النبوية ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
وصل في فصل - تقسيم الصوم: اعلم أن الصوم المشروع منه واجب ومنه مندوب إليه.
والواجب على ثلاثة أنواع: منه ما يجب بإيجاب الله تعالى إياه ابتداء وهو صوم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ
اُلَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] أي في صيامه ﴿فَمِذَةٌ مِّنْ أَنَامٍ أُخَرَّ﴾ [ سورة البقرة:
الآية ١٨٥] في حق المسافر أفطر أو لم يفطر عندنا وعند غيرنا إن أفطر، وفي حق المريض، ومنه
ما يجب لسبب موجب وهو صيام الكفارات، ومنه ما يجب من الله بما أوجبه الإنسان على نفسه
وهو غير مكروه وهو صوم النذر فإنه يستخرج به من البخيل، وما ثم واجب غير ما ذكرنا. وأما

٣٣٢
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
المندوب فمنه ما يتقيد بالزمان المرغب فيه كصوم الأيام البيض والاثنين والخميس وأشباه ذلك
من الأيام والشهور، ومنه ما يتقيد بالحال كصيام يوم وفطر يوم وهو أعدل الصوم، وكالصيام في
سبيل الله ومنه ما لا يتقيد بزمان وهو أن يصوم الإنسان متى شاء متطوّعاً بذلك.
وصل في فصل - الصوم الواجب الذي هو شهر رمضان لمن شهده: فلنقدم في ذلك
ذكر رمضان، وبعد هذا نتكلم في أحكام صومه. خرّج مسلم من حديث أبي هريرة أن
رسول الله وَ﴿ قال: ((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوابُ النَّارِ وَصُفْدَتِ
الشَّيَاطِينُ)) زاد النسائي في كتابه: ((وَنَادَى مُنَادٍ فِي كُلْ لَيْلَةٍ: يَا طَالِبَ الخَيْرِ هَلُمَّ وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ
أَمْسِكْ)) رواه النسائي عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبيّ وَّ عن النبيّ ◌ُ لّ لما كان
مجيء رمضان سبباً في الشروع في الصوم فتح الله أبواب الجنة والجنة الستر، فدخل الصوم
في عمل مستور لا يعلمه منه إلاّ الله تعالى لأنه ترك وليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو
يعمل بالجوارح، فهو مستور عن كل ما سوى الله لا يعلمه من الصائم إلاّ الله تعالى، والصائم
الذي سمّاه الشرع صائماً لا الجائع، وغلق الله أبواب النار فإذا غلقت أبواب النار عاد نفسها
عليها فتضاعف حرّها عليها وأكل بعضها بعضاً، كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق
أبواب نار طبيعته فوجد للصوم حرارة زائدة لعدم استعمال المرطبات ووجد ألم ذلك في باطنه
وتضاعفت شهوته للطعام الذي يتوهم الراحة بتحصيله، فتقوى نار شهوته بغلق باب تناول
الأطعمة والأشربة وصفدت الشياطين وهي صفة البعد فكان الصائم قريباً من الله بالصفة
الصمدانية، فإنه في عبادة لا مثل لها فقرب بها من صفة ليس كمثله شيء، ومن كانت هذه
صفته فقد صفدت الشياطين في حقّه، وقد ورد في الخبر: ((أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ
مَجْرَى الدَّمِ فَسُدُّوا مَجَارِيَهُ بِالجُوعِ وَالعَطَشِ)) أي هذه الأسباب معينة له على ما يريده من
الإنسان من التصرّف في الفضول وهو ما زاد على التصرّف المشروع.
ثم اعلم علمك الله من لدنه علماً وجعل لك في كل أمر حكمة وحكماً أن رمضان اسم
من أسماء الله تعالى وهو الصمد، ورد الخبر النبوي بذلك، روى أبو أحمد بن عديّ
الجرجانيّ من حديث نجيح أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَّ: ((لاَ تَقُولُوا رَمَضَان فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى)) وإن كان في هذا
الإسناد أبو معشر فإن علماء هذا الشأن قالوا فيه إنه مع ضعفه يكتب حديثه فاعتبروه رضي الله
عنهم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ولم يقل رمضان. وقال:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ولم يقل رمضان، فتقوّى بهذا حديث أبي معشر
مع قول العلماء فيه إنه يكتب حديثه مع ضعفه فزاد قوّة في هذا الحديث بما أيّده القرآن من
ذلك، فما فرض الله الصوم الذي لا مثل له ابتداء إلاَّ في شهر سمّاه سبحانه باسم من أسمائه،
فلا مثل له في الشهور لأنه ليس في أسماء شهور السنة من له اسم تسمّى الله به إلاَّ رمضان،
فجاء باسم خاص اختصّ به معين وليس كذلك في إضافة رجب، يقول النبيّ وَ ل﴿ فيه: ((أَنَّهُ
شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّم» فالكل شهور الله وما نعته هنا إلاَّ بالمحرم وهو أحد الشهور الحرم.

٣٣٣
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ثم إن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر في أفضل ليلة تسمّى ليلة القدر فأنزله فيه :
﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَاَلْفُرْقَانِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] من كونه رمضان. وأما
من كونه ليلة القدر فأنزله كتاباً مبيناً أي بيناً أنه كتاب، وبين كون الشيء كتاباً وقرآناً وفرقاناً
مراتب متميزة يعلمها العالمون بالله، فنهى رسول الله و # أن يقال رمضان لقوله: ليس كمثله
شيء، فلو قيل لكان مثلاً في هذا الاسم، فأضاف لفظ الشهر إليه حتى تنتفي عنه المثلية في
الشهور خاصة ويبقى ليس كمثله شيء على رتبته من كل وجه. وقد فرض الله صومه وندب
إلى قيامه وهو يتضمن صوماً وفطراً لأنه يتضمن ليلاً ونهاراً، واسم رمضان ينطلق عليه في
حال الصوم والإفطار حتى يتميز من رمضان الذي هو اسم الله تعالى، فإن الله تعالى له الصوم
الذي لا يقبل الفطر، ولنا الصوم الذي يقبل الفطر وينتهي إلى حدّ وهو إدبار النهار وإقبال
الليل وغروب الشمس، فكان إطلاقه على الحق لا يشبه إطلاقه على الخلق، وندب إلى القيام
في ليله لتجليه تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين، وإن كان التجلي الله في كل ليلة من
السنة، ولكن تجليه في رمضان في زمان فطر الصائمين ما هو مثل تجليه للمفطر من غير
صوم، لأن هذا وجود فطر عن ترك مشروع موصوف بأنه لا مثل له، وذلك الآخر لا يسمّى
مفطراً بل يسمّى آكلاً إذا كان الفطر الشق فهذا الأكل للصائم شق أمعائه بالطعام والشراب بعد
سدّها بالصوم حيث قال: ((سُدُّوا مَجَارِيَه بِالجُوعِ وَالعَطَشِ)) وكان القيام بالليل لأن القيام نتيجة
قوّة في المحل، وسبب قوى المحل الغذاء، وكَان بالليل لمناسبة الغيب، فإن القوّة عن الغذاء
غيب غير محسوس إنتاج القوّة عن الغذاء.
ولما شمل رمضان الصوم والفطر والقيام وعدم القيام لذلك ورد في الخبر: ((لاَ يَقُولَنَّ
أَحَدُكُمْ إِنِّي قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَصُمْتُهُ)) قال الراوي: فلا أدري أكره التزكية أو قال: لا بدّ من
نومة أو رقدة، فجعل الاستثناء في قيام ليله لا في صوم نهاره، خرّج هذا الحديث أبو داود عن
أبي بكرة عن رسول الله وَّر، فالفطر هنا هو الإدبار والإقبال والغروب سواء أكل أو لم يأكل،
فصوم شهر رمضان واجب على كل إنسان مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم غير مسافر، وهو
عين هذا الزمان المعلوم المشهور المعين من الشهور الاثني عشر شهراً الذي بين شعبان
وشوّال، والمعين من هذا الزمان صوم الأيام دون الليالي، وحدّ يوم الصوم من طلوع الفجر
إلى غروب الشمس، فهذا هو حدّ اليوم المشروع للصوم لا حدّ اليوم المعروف بالنهار فإن
ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها ولما اتصف من ليس كمثله شيء بالأوّل والآخر، كذلك
وصف الصوم الذي لا مثل له بأول وآخر، فأوّله الطلوع الفجريّ وآخره الغروب الشمسيّ،
فلم يجعل أوّله يشبه آخره لأنه اعتبر في أوّله ما لم يعتبر في آخريته ممّا هو موجود في آخريته
موصوف فيه الصائم بالإفطار، وفي أوّليته موصوف فيه بالصوم، ولا فرق بين الشفق في
الغروب والطلوع من حين الغروب إلى حين مغيب الشفق، أو من حين الانفجار إلى طلوع
الشمس، ولهذا عدل الشرع إلى لفظة الفجر لأن حكم انفجاره لوجود النهار حكم غروب
الشمس لإقبال الليل وحصوله، فكما علم بانفجار الصبح إقبال النهار، وإن لم تطلع الشمس

٣٣٤
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
كذلك عرفنا بغروب الشمس إقبال الليل وإن لم يغرب الشفق فانظر ما أحكم وضع الشريعة
في العالم، فالجامع بين الأوّل والآخر في الصوم وجود العلامة على إقبال زمان الصوم وزمان
الفطر وهو إدبار النهار، كما أن بالفجر إدبار الليل، فرمضان أعم من صيامه. وسيأتي الكلام
على الوصال في موضعه وهل صاحبه يسمّى صائماً أم لا؟
وبعد أن ذكرنا تحديد يوم الصوم سواء كان في شهر رمضان أو في غيره فلننظر في
تحديد الشهر، فأقل مسمّى الشهر تسعة وعشرون يوماً وأكثره ثلاثون يوماً، هذا هو الشهر
العربيّ القمريّ خاصة الذي كلفنا أن نعرفه وشهود العادين بالعلامة أيضاً، لكن أصحاب
العلامة يجعلون شهراً تسعة وعشرين وشهراً ثلاثين، والشرع تعبدنا في ذلك برؤية الهلال وفي
الغيم بأكبر المقدارين إلاَّ في شعبان إذا غمّ علينا هلال رمضان، فإن فيه خلافاً بين أن نمدّ
شعبان إلى أكثر المقدارين، وهو الذي ذهبت إليه الجماعة، وإما أن نردّه إلى أقل المقدارين
وهو تسعة وعشرون وهو مذهب الحنابلة ومن تابعهم، ومن خالف من غير هؤلاء لم يعتبر
أهل السنّة خلافه فإنهم شرعوا ما لم يأذن به الله، والذي أقول به أن يسأل أهل التسيير عن
منزلة القمر، فإن كان على درج الرؤية وغمّ علينا عملنا عليه، وإن كان على غير درج الرؤية
كملنا العدّة ثلاثین.
وأمّا الشهور التي لا تعدّ بالقمر فلها مقادير مخصوصة أقل مقاديرها ثمانية وعشرون
وهو المسمّى بالرومية فبراير، وأكثرها مقداراً ستة وثلاثون يوماً وهو المسمّى بالقبطية مسرى
وهو آخر شهور سنة القبط، ولا حاجة لنا بشهور الأعاجم فيما تعبدنا به من الصوم. فأما انتهاء
الثلاثين في ذلك فهو عدد المنازل والنازلين اللذين لا يخنسان وهما الشمس المشبهة بالروح
التي ظهرت به حياة الجسم للحسّ، والقمر المشبّه بالنفس لوجود الزيادة والنقص والكمال
الزيادي والنقصيّ، والمنازل مقدار المساحة التي يقطعها ما ذكرناه دائباً، فإن بالشهر ظهرت
بسائط الأعداد ومركباتها بحرف العطف من أحد وعشرين إلى تسعة وعشرين، وبغير حرف
العطف من أحد عشر إلى تسعة عشر، وحصر وجود الفردية في البسائط وهي الثلاثة، وفي
العقد وهي الثلاثون، ثم تكرار الفرد لكمال التثليث الذي عنه يكون الإنتاج في ثلاثة مواضع
وهي الثلاثة في البسائط، والثلاثة عشر في العدد الذي هو مركب بغير حرف عطف، والثلاثة
والعشرون بحرف العطف وانحصرت الأقسام.
ولما رأينا أن الروح يوجد فتكون الحياة ولا يكون هناك نقص ولا زيادة فلا يكون
للنفس عين موجودة لها حكم كموت الجنين في بطن أمّه فقد نفخ الروح فيه أو عند ولادته
لذلك كان الشهر قد يوجد من تسعة وعشرين يوماً، فإذا علمت هذا فقد علمت حكمة مقدار
الشهر العربيّ، وإذا عددناه بغير سير الهلال ونوينا شهراً مطلقاً في إيلاء أو نذر عملنا بالقدر
الأقل في ذلك ولم نعمل بالأكثر فإنا قد خرنا بالأقل حدّ الشهر ففرغنا، وإنما نعتبر القدر
الأكثر في الموضع الذي شرع لنا أن نعتبره وذلك في الغيم على مذهب أو يعطي ذلك رؤية
الهلال لقوله وَله: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ)).

٣٣٥
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وصل في فصل - إذا غَمَّ علينا في رؤية الهلال: اختلف العلماء إذا غمّ الهلال فقال
الأكثرون: تكمل العدة ثلاثين، فإن كان الذي غمّ هلال أول الشهر عدّ الشهر الذي قبله
ثلاثين، وكان أول رمضان الحادي والثلاثين، وإن كان الذي غمّ هلال آخر الشهر أعني شهر
رمضان صام الناس ثلاثين يوماً، ومن قائل: إن كان المغمى هلال أول الشهر صيم اليوم
الثاني وهو يوم الشك. ومن قائل في ذلك يرجع إلى الحساب بتسيير القمر والشمس وهو
مذهب ابن الشخير وبه أقول .
وصل اعتبار هذا: تقدّم حديث سبب الخلاف، خرّج مسلم عن ابن عمر: ((أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَهَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَقَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا - ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامِهُ فِي الثَّالِثَةِ -
وقال صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلَاثِين)). وقد ورد أيضاً من
حديث ابن عمر أنه قال وََّ: ((إِنَّا أُمَّةٌ أَمْتَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وهَكَذا -
وَعَقَدَ الإِبْهَامَ - والشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ ثَلاثِينَ)) فهذا الحديث الثاني رفع
الإشكال. وحديث: ((اقدروا)) من حمله على التضيّق ابتدأ بصوم رمضان من يوم الشك،
ومن حمله على التقدير حكم بالتيسير، وبه أقول.
اعلم أنه لا ترفع الأصوات إلاَّ بالرؤية، وبه سمّي هلالاً، فمتى ما طلع هلال المعرفة
في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهيّ رمضان وجب الصوم، ومتى طلع هلال المعرفة في
أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهيّ ﴿ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٦] وجب
الفطر على الأرواح من قوله ﴿ السَّمَوَتِ﴾ وعلى الأجسام من قوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ وطلع هنا أي
ظهر فإنه غارب يتلو الشمس، فإن غمّ على العارف ولم يره من أجل الحجاب الحائل من
عالم البرزخ فإن الغيم برزخيّ بين السماء والأرض فيقدر العارف لهلال المعرفة في قلبه
بحاله، وذلك أن ينظر في هلال عقله بتسييره في منازل سلوكه حالاً بعد حال ومقاماً بعد
مقام، فإن كان مقامه يعطي الكشف وأن النداء قد جاءه من خلف حجاب كما جاء: ﴿وَمَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] غير أن حجاب الطبيعة
قام له في ذلك الوقت في أمر من أموره من شغل الخاطر بمال أو أهل، وإن كان في الله
فيعمل بحساب ذلك، ويعامل اسم الله رمضان بما يليق به، وإن لم يشهده فإن الحال اقتضى
له ذلك، وإن لم يعطه الحال لصحة الحساب أخرجكم ذلك الاسم الإلهيّ إلى وقته.
وصل في فصل - اعتبار وقت الرؤية: اتفقوا على أنه إذا رئي من العشاء على أن الشهر
من اليوم الثاني، واختلفوا إذا رئي في سائر أوقات النهار أعني أول ما يرى، فأكثر العلماء على
أن القمر في أول وقت رئي من النهار أنه لليوم المستقبل كحكمه في موضع الاتفاق: ومن
قائل : إذا رئي قبل الزوال فهو الليلة الماضية، وإن رئي بعد الزوال فهو لليلة الآتية، وبه أقول.
وصل في الاعتبار فيه: حكم الاسم الإلهيّ في أي حال ظهر من الأحوال فالحكم له في
الحال بالتجلي، وفي الاستقبال بالأثر حتى يأتي حكم اسم آخر يزيل حكم الأول. وأما من
يعتبر الرؤية قبل الزوال وبعده فاعلم أن الاستواء هو المسمّى في الطريق موقف السواء وهو

٣٣٦
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الموقف الذي لا يتميز فيه سيد من عبد ولا عبد من سيد. فإن قلت فيه في تلك الحالة سيد
صدقت، وإن قلت فيه عبد صدقت، لأن لك شاهد حال في كل قول يشهد لك بصدق ما
تقول، فقل ما شئت فيه تصدق، وهو مثل قوله تعالى لنبيه وَ له: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فكونه رمى حق وكونه لم يرم حق، يقول تعالى:
كنت يده التي يبطش بها. فإن قلت: إن الرامي هو الله صدقت. وإن قلت: إن الرامي هو
محمد لو صدقت، هذا هو موقف السواء. فإن كنت في موقف أبي بكر الصدّيق ما رأيت
شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله فتكون ممّن رآه قبل الزوال فالحكم للماضي وأنت بالحال في أول
الشهر، وذلك اليوم هو أوله، وإن كنت عثمانيّ المشهد أو صاحب دليل فكر فتقول: ما رأيت
شيئاً إلاَّ رأيت الله بعده وهو الذي رآه بعد الزوال، فحكمه في المستقبل ووقته في الاستواء
وقت وجه الدليل له نسبة إلى الدليل ونسبة إلى المدلول، ثم يظهر الزوال وهو رجوع الظل
من خط الاستواء إلى الميل العينيّ فإنه راجع إلى العشيّ وهو طلب الليل.
وصل في فصل - اختلافهم في حصول العلم بالرؤية بطريق البصر: اختلف العلماء في
ذلك فكلهم قالوا: إن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم إلاَّ ابن أبي رباح فإنه
قال: لا يصوم إلاَّ برؤية غيره معه. واختلفوا هل يفطر برؤيته وحده؟ فمن قائل: لا يفطر.
ومن قائل: يفطر. وبه أقول. وكذلك يصوم لرؤيته وحده ولكن مع حصول العلم في
الرؤيتين. وأما حصول العلم بالرؤية من طريق الخبر فمن قائل: لا يصام ولا يفطر إلاّ
بشاهدين عدلين. ومن قائل: يصام بواحد ويفطر باثنين. ومن قائل: إن كانت السماء مغيمة
أعني في موضع الهلال قبل واحد وإن كانت مصحية لم يقبل إلاَّ الجمّ الغفير أو عدلان.
وكذلك في هلال الفطر فمن قائل: اثنان. ومن قائل: واحد.
وصل في الاعتبار في ذلك: فيما يراه أهل الله من التجلي في الأسماء الإلهية هل يقف
مع رؤيته أو يتوقف حتى يقوم له شاهد من كتاب أو سنّة؟ قال الجنيد: علمنا هذا مقيد
بالكتاب والسنة، يريد أنه نتيجة عن العمل عليهما وهو الذي أردناه بالشاهد وهما الشاهدان
العدلان. وقال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّيِّهِ،﴾ وهو صاحب الرؤية ﴿وَيَتْلُوُهُ شَاهِدٌ
مِّنْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٧] وهو ما ذكرناه من العمل على الخبر إمّا كتاب أو سنّة وهو الشاهد
الواحد، والشاهدان الكتاب والسنّة، وإنما احتجنا إلى العمل عليهما دون العثور على النقل
الذي يشهد لصاحب هذا المقام لأن ذلك يتعذر إلاَّ بخرق العادة وهو أن نعرف من هناك بآية
الدليل أو الخبر، وقد رأينا هذا لجماعة من أصحابنا يحتجون على مواجيدهم بالقرآن وما تقدّم
لهم به حفظ وبالسنّة، وقد روينا هذا عن أبي يزيد البسطاميّ، ومتى لم يعط ذلك لم يحكم
عليه بقبول ولا بردّ، كأهل الكتاب إذا أخبرونا عن كتابهم بأمر لا نصدّق ولا نكذب، بهذا
أمرنا رسول الله بَّ فنتركه موقوفاً. والذي أعرف من قول الجنيد لعلمي بالطريق أنه أراد أن
يفرّق بين ما يعطى لصاحب الخلوات والمجاهدة والرياضة على غير طريق الشرع، بل بما
تقتضيه النفوس من طريق العقل، وبين ما يظهر للعاملين على الطريقة المشروعة بالخلوات

٣٣٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
والرياضات، فيشهد له سلوكه على الطريقة المشروعة الإلهية بأن ذلك الظاهر له من عند الله
على طريق الكرامة به، فهذا معنى قول الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنّة، وفي رواية
مشيد أي هو نتيجة عن عمل مشروع إلهيّ ليفرّق بينه وبين ما يظهر لأرباب العقول أصحاب
النواميس الحكمية، والمعلوم واحد، والطريق مختلف، وصاحب الذوق يفرق بين الأمرين.
وصل في فصل - زمان الإمساك: اتفقوا على أن آخره غيبوبة الشمس. واختلفوا في
أوله، فمن قائل: الفجر الثاني وهو المستطير. ومن قائل: هو الفجر الأحمر الذي يكون بعد
الأبيض وهو قول حذيفة وابن مسعود، وهو نظير الشفق الأحمر الذي يكون في أول الليل.
والذي أقول به هو تبيّنه للناظر إليه حينئذ يحرم الأكل وهذا هو نص القرآن حتى يتبين لكم
الخيط الأبيض من الخيط الأسود يريد بياض الصبح وسواد الليل.
وصل الاعتبار في هذا: غيبوبة الشمس هي انقضاء مدة حكم الاسم الإلهيّ رمضان في
الصوم فإنه الذي شرع الصوم، فانتهاء مدة حكمه في الصوم هو مغيب الشمس، وإن كان اسم
رمضان كما هو لم يزل عن ولايته فإن له حكماً آخر فينا وهو القيام وتولّي الحكم في المحل
الذي كان موصوفاً بالصيام الاسم الذي هو ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٦]
ولكن بتولية اسم رمضان إياه فهو النائب عنه، كما أنه في الصوم رفيع الدرجات وممسك
السموات والأرض أن تزولا أو أن تقع على الأرض إلاَّ بإذنه، فأفطر الصائم وبقي حكمه
مستمرّاً في القيام إلى الحدّ الذي يحرّم فيه الأكل الاسم الإلهيّ رمضان، فتولى الاسم
الممسك ويبقى الاسم الفاطر والياً على المريض والمسافر والمرضع والحامل، وذلك الحدّ
هو الفجر الأبيض المستطير، وهو الأولى من الفجر الأحمر إلاَّ عند من يقول بفار التنور أنه
الفجر، كما أن الأخذ بالتواتر أولى من الأخذ بالخبر الواحد الصحيح والقرآن متواتر وهو
القائل: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] فإن
أصل الألوان البياض والسواد وما عداهما من الألوان فبرازخ بينهما تتولد من امتزاج البياض
والسواد، فتظهر الغبرة والحمرة والخضرة إلى غير ذلك من الألوان، فما قرب للبياض كانت
كمية البياض فيه أكثر من كمية السواد، وكذلك في الطرف الآخر.
وجاءت السنّة في حديث حذيفة بالحمرة دون البياض فقال: هو النهار إلا أن الشمس
لم تطلع وهو محتمل، والبياض المذكور في القرآن ليس بمحتمل، فرجحنا الأبيض على
الأحمر بوجهين قويين: القرآن وعدم الاحتمال واعتبارهما حكم الإيمان وهو الأبيض فإنه
مخلص لله غير ممتزج والأحمر للنظر الاجتهاديّ وهو حكم العقل، ونظر العقل ممتزج
بالحسّ من طريق الخيال لأنه يأخذ عن الفكر عن الخيال عن الحسّ إمّا بما يعطيه وإما بما
تعطيه القوّة المصوّرة وهو قاطع بما يعطيه إلاّ أنه تدخل عليه الشبهة القادحة، فلهذا أعطينا
الشفق الأحمر لنظر المجتهد، إذ الحمرة لون حدث من امتزاج البياض والسواد وهو امتزاج
خاص. وأمّا اعتبار التبين في قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ ولا يتبين حتى يكون
الفتوحات المكية ج٢ - م٢٢

٣٣٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الطلوع وإليه أذهب في الحكم فلم يحرم الأكل مع حصول الطلوع في نفس الأمر، لكن ما
حصل البيان عند الناظر كذلك الحق، وإن كان في نفس الأمر هو الظاهر في المظاهر الإمكانية
لكن لم يتبين ذلك لكل أحد، وكما عفا الشارع عن الآكل في أكله وأباح له الأكل مع تحقق
طلوع الفجر في نفس الأمر لكن ما تبين له كذلك ما وقع من العبد الذي لا يعرف أن الحق هو
الظاهر في المظاهر الإمكانية بأفعاله وأسمائه، لا يؤاخذ بها من جهل ذلك حتى يتبين له الحق
في ذلك فيكون على بصيرة في قوله: إذا أحببته كنت سمعه وبصره، فكان العبد مظهر الحق،
وقد ثبت أن الله قال على لسان عبده في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فنسب القول إليه
واللسان للعبد الذي هو محل القول، واللسان مظهر إمكانيّ، وكما يحرم على المكلف الأكل
عند ثبين الفجر كذلك يحرم على صاحب الشهود أن يعتقد أن ثم في الوجود غير الله فاعلاً بل
ولا مشهوداً، إذ كان قد عمّ في الحديث القوى والجوارح وما ثم إلاّ هذان.
وصل في فصل - ما يمسك عنه الصائم: أجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك عن
المطعوم والمشروب والجماع، وهذا القدر هو الذي ورد به نص الكتاب في قوله تعالى: ﴿فَالْتَنَ
بَبِشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ
اَلْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧].
وصل في الاعتبار في هذا: أما المطعوم فهو علم الذوق والشرب، فالصائم على صفة
لا مثل لها، ومن اتصف بما لا مثل له فحكمه أن لا مثل له، والذوق أول مبادي التجلي
الإلهيّ، فإذا دام فهو الشرب، والذوق نسبة تحدث عند الذائق إذا طعم المذوق، والصوم
ترك، والترك ما له صفة وجودية تحدث، فإن الترك ليس بشيء وجودي يحدث لأنه نعت
سلبي، والطعم يضادّه فلهذا حرم تناول المطعوم على الصائم لأنه يزيل حكم الصوم عنه.
وأما المشروب: فهو تجلّ وسط، والوسط محصور بين طرفين لمن هو وسط لهما،
والحصر يقضي بالتحديد في المحصور، والصوم صفة إلهية، والله لا يقتضي الحصر ولا
يتصف به ولا بالحدّ ولا يتميز بذلك عندنا فيناقض المشروب الصوم، فلهذا حرم على الصائم
المشروب، ثم إن المشروب لما كان تجلياً أذن بوجود الغير المتجلى له، والغير في الصائم لا
عين له لأن الصوم لله ليس لنا وأنا المنعوت به فقد أنزلني الحق بهذه الصفة منزلته والشيء لا
يتجلّى لنفسه فالصائم لا يتناول المشروب ويحرم عليه ذلك.
وأما الجماع: فهو لوجود اللذة بالشفعية، فكل واحد من الزوجين صاحب لذة فيه،
فكل واحد مثل للآخر في الجماع ولهذا سمّي جماعاً لاجتماع الزوجين، والصائم لا مثل له
لاتصافه بصفة لا مثل لها، فحرم الجماع على الصائم، هذا موضع الاجتماع على هذه الثلاثة
التي تبطل الصوم ولا يكون الموصوف بها أو بأحدها صائماً.
وصل في فصل ــ ما يدخل الجوف ممّا ليس بغذاء: اختلفوا فيما يدخل الجوف ممّا
ليس بغذاء كالحصى وغيره، وفيما يدخل الجوف من غير منفذ الطعام والشراب كالحقنة،

٣٣٩
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وفيما يرد باطن الأعضاء ولا يرد الجوف، مثل أن يرد الدماغ ولا يرد المعدة. فمن قائل: أن
ذلك يفطر. ومن قائل: لا يفطر.
وصل في فصل الاعتبار: مشاركة الحكماء أصحاب الأفكار أهل الله فيما يفتح لهم من
علم الكشف بالخلوة والرياضة من طريق النظر وأهل الله تعالى بهما من طريق الإيمان واجتمعا
في النتيجة، فمن فرّق من أصحابنا بينهما بالذوق وإن مدرك هذا غير مدرك هذا، وإن اشتركا
في الصورة قال: لا يفطر، ومن قال: المدرك واحد والطريق مختلف فذلك اعتبار من قال
يفطر، وأما اعتبار باطن الأعضاء ما عدا الجوف فهو أن يكون الصائم في حضرة إلهية فأقيم
في حضرة مثالية مثل قوله: ((اعبدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فهل لمن خرج من عباد الله في ذوقه عن
حكم التشبيه والتمثيل أن يؤثر فيه قول الشارع: ((اعبد الله كأنك تراه)» فيترك علمه وذوقه وينزل
إلى هذه المنزلة أدباً مع الشرع وحقيقة من الكشف فيكون قد أفطر، أو لا ينزل ويقول أنا
مجموع من حقائق مختلفة وفيّ ما يبقيني على ما أنا عليه، وفي ما تطلبه مشاهدة هذا التنزل
وهو كوني متخيلاً أو ذا خيال، فيعلم أن الحق قد طلب مني أن نشهده في هذه الحضرة من
هذه الحقيقة ومن كل حقيقة فيّ، فيتعين لهذا التجلي المثاليّ مني هذه الحقيقة التي تطلبه
وتبقى على ما أنا عليه من حقيقة أن لا خيال ولا تخيّل، فهذا اعتبار من يرى أنه لا يفطر ما يرد
باطن الأعضاء الخارجة عن المعدة.
وصل في فصل - القبلة للصائم: فمن علماء الشريعة من أجازها. ومنهم من كرهها على
الإطلاق. ومنهم من كرهها للشاب وأجازها للشيخ.
اعتبار هذا الفصل: هذه المسألة نقيض مسألة موسى عليه السلام فإنه طلب الرؤية بعدما
حصل له الكلام، فالمشاهدة والكلام لا يجتمعان في غير التجلي البرزخيّ وهو كان مقام
شهاب الدين عمر السهرورديّ الذي مات ببغداد رحمه الله، فإنه روى لي عنه من أثق بنقله من
أصحابه أنه قال باجتماع الرؤية والكلام، فمن هنا علمت أن مشهده برزخي لا بدّ من ذلك غير
ذلك لا يكون، والقبلة من الإقبال والقبول على الفهوانية من حضرة اللسن فإنه محل الكلام،
وكان الإقبال عليه أيضاً بالكلام المسموع إذ كان في المشاهدة المثالية، ومن كان فيها يتصوّر
منه طلب الإقبال على الفهوانية فإذا كلّمه لم يشهده، وهذا المقام الموسويّ ذقته في الموضع
الذي ذاقه موسى عليه السلام، غير أني ذقته في بلة في الرمل على قدر الكف، وذاقه موسى
عليه السلام في حاجته وهي طلبه النار لأهله ففرحت حيث كان ماء. وإنما قلنا إذا كلّمه لم
يشهده لأن النفس الطالبة تستفرغ لفهم الخطاب فتغيب عن المشاهدة فهو بمنزلة من يكره
القبلة إذ الصائم صاحب المشاهدة لأن الصوم لا مثل له والمشاهدة لا مثل لها. وأما من
أجازها فقال التجلّي مثالي فلا أبالي، فإن الذات من وراء ذلك التجلي، والتجلي لا يصحّ إلاّ
من مقام المتجلّى له. وأما لو كان التجلّي في غير مقام المتجلّ له لم يصحّ، طلب غير ما هو
فيه، لأن مشاهدة الحق فناء ومع الفناء لا يتصوّر طلب، فإن اللذة أقرب من طلب الكلام
لنفس المشاهد، ومع هذا فلا يلتذّ المشاهد في حال المشاهدة.

٣٤٠
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
قال أبو العباس السياري رحمه الله: ما التذّ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء
ليس فيها لذة. وأما من كرهها للشاب فاعتباره المبتدي في الطريق أجازها للشيخ واعتباره
المنتهي، فإن المنتهي لا يطلب الرجوع من المشاهدة إلى الكلام فيترك المشاهدة ويقبل على
الفهوانية إذ لا تصحّ الفهوانية إلاَّ مع الحجاب كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا
أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] والمنتهي يعرف ذلك فلا يفعله، وأما المبتدي وهو
الشاب فما عنده خبرة بالمقامات فإنه في مقام السلوك فلا يعرف منها إلاَّ ما ذاقه، والنهاية إنما
تكون في المشاهدة وهو يسمع بها من الأكابر فيتخيل أنه لا يفقد المشاهدة مع الكلام،
والمبتدي في مشاهدة مثالية فيقال له: ليس الأمر كما تزعم إن كلمك لم يشهدك وإن أشهدك
لم يكلمك ولهذا لم يجوّزها للشاب وأجازها للشيخ، لأن الشيخ لا يطلب الفهوانية إلاَّ إذا
كان وارثاً للرسول في التبليغ عن الله فيجوز له الإقبال على الفهوانية لفهم الخطاب.
وصل في فصل - الحجامة للصائم: فمن قائل: إنها تفطر والإمساك عنها واجب. ومن
قائل: إنها لا تفطر ولكنها تكره للصائم. ومن قائل: إنها غير مكروهة للصائم ولا تفطر.
وصل في اعتبار هذا الفصل: الاسم المحيي يرد على الاسم رمضان في حال حكمه في
الصائم في شهر رمضان، أو على الاسم الممسك الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ،
أو يمسك السماء أن تقع على الأرض إذ كانت الحياة الطبيعية في الأجسام بخار الدم الذي
يتولد من طبخ الكبد الذي هو بيت الدم للجسد، ثم يسري في العروق سريان الماء في
الطوارق لسقي البستان لحياة الشجر، فإذا طمي يخاف أن ينعكس فعله في البدن فيخرج
بالفصاد أو بالحجامة ليبقى منه قدر ما يكون به الحياة، فلهذا جعلنا الحكم للاسم المحيي أو
الممسك، فإن بالحياة تبقى سموات الأرواح وأرض الأجسام، وبه يكون حكم المحيي أقوى
ممّا هو بنفسهما اسمان إلهيان أخوان، فإذا وردا على اسم الله رمضان في حكم الصائم أو على
الاسم الإلهي الذي به أضاف الحق الصوم لنفسه في غير رمضان ووجدا في المنزل الأقرب
لهذا المحل الاسم الإلهي الضار والمميت استعانا بالاسم الإلهي النافع فصاروا ثلاثة أسماء
إلهية يطلبون دوام هذه العين القائمة فحرّكوه لطلب الحجامة فلم يفطر الصائم ولم يكره، فإن
بوجودها ثبت حكم الاسم الإلهي رمضان لها، ومن قال تكره ولا تفطر فوجه الكراهة في
الاعتبار أن الصائم موصوف بترك الغذاء لأنه حرم عليه الأكل والشرب، والغذاء سبب الحياة
للصائم، وقد أمر بتركه في حال صومه، وإزالة الدم إنما هو في هذه الحال بالحجامة من أجل
خوف الهلاك، فقام مقام الغذاء لطلب الحياة وهو ممنوع من الغذاء فكره له ذلك، وبهذا
الاعتبار وبالذي قبله يكون الحكم فيمن قال أنها تفطر والإمساك عنها واجب.
وصل في فصل - القيء والاستقاء: فمن قائل فيمن ذرعه القيء أنه لا يفطر الصائم وهم
الأكثرون. ومن قائل: أنه يفطر وهو ربيعة ومن تابعه، وكذلك الاستقاء الجماعة على أنه
مفطر إلاَّ طاووس فإنه قال: ليس بمفطر.
وصل في اعتبار هذا الفصل: المعدة خزانة الأغذية التي عنها تكون الحياة الطبيعية،