Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وأما اعتبار الثمانية في اثنتين فالثمانية الذات والصفات فتغيب الذات الكونية وصفاتها
في الذات الأحدية وتندرج أنوار صفاتها في صفاتها وهو قوله تعالى: كنت سمعه وبصره وذكر
جوارحه فلا تقع عين إلاَّ عليه ظاهراً وباطناً من عرف نفسه عرف ربه، فهكذا هو الأمر في
الباطن، وأما في الظاهر فما تقع العين إلاَّ على العبد، والحق مدرج في هذا الحق بضم الحاء
الكياني ما هو كاندراج العرض في المحل ولا كالمظروف في الظرف.
وأما اعتبار الست في اثنتين فهو قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية
١١٥] وقوله: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآءِهِم تُحِيطٌ﴾ [سورة البروج: الآية ٢٠] وأمّا اعتبار الأربعة في الثنتين فهو
قوله: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُو مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧]
وعلى كل طريق يأتي إليه منها ملك مقدس بيده السيف صلتاً، فإن كان المؤتى إليه من
العارفين لم يكن له ملك يحفظه بل هو إكسير وقفه من أي ناحية جاءه قبل منه وقلب جسده
ذهباً إبريزاً فيعود الآتي من الخاسرين .
وصل في فصل - في القراءة فيها: اختلف العلماء في القراءة فيها أعني في السر والجهر
بها. فمن قائل: يقرأ فيها سراً. ومن قائل: يقرأ فيها جهراً.
اعتبار هذا الفصل: إن كان كسوفه نفسياً أسرّ في مناجاته وذكر الله في نفسه، وإن كان
كسوفه في عقله جهر في قراءته وهو بحثه عن الأدلة الواضحة، وفيها الظاهرة الدلالة القريبة
المأخذ التي يشركه فيها العقلاء من حيث ما هم أهل فكر ونظر واستدلال، والآخرون أهل
كشف وتجلّ ينتجه الهمم إلى الرياضات وهي تهذيب الأخلاق والخلوات والمجاهدات
وتطويل المناجاة والتضرّع إلى الله تعالى فيها مشروع، وهو اعتبار طول القراءة في صلاة
الكسوف، فإنه روي أنه كان يقوم فيها بقدر سورة البقرة، والقيام الثاني ربما يكون على
النصف، والقيام الثالث على النصف من الثاني، وهكذا في القيام الرابع والخامس، وسبب
ذلك أن عالم الأرواح ما يتعبهم القيام ولا يدركهم ملل لأن النشأة نورية خارجة عن حكم
الأركان، وأما نشأة تقوم من العناصر تؤول إلى الاستحالات العبدية والقريبة فيعبر عن ذلك
بالنصب والتعب، وكلما نزل فيها من معدن إلى نبات إلى حيوان إلى إنسان كان التعب أقوى
في آخر الدرجات وهو الإنسان والنصب أعم فإنه سريع التغيّر فإن له الوهم، ولا شك أن
الأوهام تلعب بالعقول كتلاعب الأفعال بالأسماء.
وصل في فصل - الوقت الذي تصلى فيه: اختلف العلماء في الوقت الذي تصلى فيه
صلاة الكسوف، فمن قائل: تصلّ في جميع الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها وغير المنهيّ.
ومن قائل: لا تصلّى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. ومن قائل: تصلّى في الوقت الذي
تصلّى فيه النافلة. ومن قائل: تصلّى من الضحى إلى الزوال لا غير.
وصل الاعتبار: كما لا يتعين للكسوف وقت لا يتعين للصلاة له لأن الصلاة تابعة
للأحوال، وقد ثبت الأمر بالصلاة لها وما خصّ وقتاً من وقت وهي صلاة مأمور بها بخلاف

١٨٢
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
النافلة فإنها غير مأمور بها، فإن حملنا الصلاة على الدعاء دعونا في الوقت المنهي عن الصلاة
فيه وصلّينا في غيره من الأوقات وبه أقول .
وصل في فصل - الخطبة فيها: اختلف علماء الشريعة في ذلك، فمن قائل: إن الخطبة
من شرطها. ومن قائل: ليس في صلاة الكسوف خطبة، والذي أذهب إليه أنه يستحب للإمام
أن يخطب بالناس ليذكرهم ويحذرهم، فإن الكسوف من الآيات التي يخوف الله بها عباده.
وصل الاعتبار في هذا الفصل: الخطبة موعظة وذكرى والآية منبهة وذكرى، والكسوف
آية تخويف فوقعت المناسبة فترجح جانب من يقول باشتراط الخطبة، وقد ثبت أن النبيّ وعمالة
في ذلك اليوم ذكر الناس بعد الفراغ من الصلاة .
وصل في فصل - كسوف القمر: فمن قائل: يصلّى لكسوف القمر في جماعة كصلاة
كسوف الشمس. ومن قائل: لا يصلّى له في جماعة، واستحبّ صاحب هذا القول أن يصلى له
أفذاذ ركعتين ركعتين كسائر النوافل، والذي أذهب إليه الصلاة في الجماعة أولى إن قدر عليها .
اعتبار هذا الفصل: لما كان كسوف الشمس سببه القمر كان كسوف القمر كالعقوبة له
الكسوفه الشمس فتضمن كسوف القمر آيتين فكانت الصلاة له في الجماعة أولى، فإن شفاعة
الجماعة لها حرمة أكثر من حرمة الواحد، فالجمع لها ينبغي أن يكون آكد من الجمع بكسوف
الشمس وكسوف القمر نفسيّ كما قدمنا، والنفس أبداً هي المزاحمة للربوبية بخلاف العقل
فكان ذنبها أعظم وحالها أخطر، فاجتماع الشفعاء عند الشفاعة أولى من إتيانهم أفذاذاً، ومن
اعتبر في الكسوفات الخشوع كما ورد في الحديث الذي تقدّم كان منبهاً على الخشوع للمصلي
فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١، ٢]. وقال:
﴿وَإِنَّهَا﴾ يعني الصلاة ﴿لَكَبِيَرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٥] وخشوع كل خاشع على
قدر علمه بربه، وعلمه بربه على قدر تجلیه له.
وصل في فصل - صلاة الاستسقاء: فمن قائل: بصلاة الاستسقاء. ومن قائل: لا صلاة
فيه، والحجة لمن قال بالصلاة أنه من لم يذكر شيئاً فليس بحجة على من ذكر، وقد ثبت
أنه * خرج بالناس يستسقي فصلّى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة وحوّل رداءه ورفع يديه
واستسقى واستقبل القبلة، والعلماء مجمعون على أن الخروج إلى الاستسقاء والبروز عن
المصر والدعاء والتضرّع إلى الله تعالى في نزول المطر سنّة سنها رسول الله وَّر، واختلفوا في
الصلاة في الاستسقاء كما ذكرنا، والذي أقول به أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء،
والقائلون بأن الصلاة من سنته يقولون أيضاً أن الخطبة من سنته، وقد ثبت أنه ويّيّ صلَّى فيه
وخطب، واختلف القائلون بالخطبة هل هي قبل الصلاة أو بعدها؟ فاتفق القائلون بالصلاة أن
قراءتها جهر، واختلفوا هل يكبر فيها مثل تكبير العيدين أو مثل تكبير سائر الصلوات؟ ومن
السنّة في الاستسقاء استقبال القبلة واقفاً والدعاء ورفع اليدين وتحويل الرداء باتفاق، واختلفوا
في كيفية تحويل الرداء فقال قوم: يجعل الأعلى أسفل والأسفل أعلى. وقال قوم: يجعل
اليمين على الشمال والشمال على اليمين، والذي أقول به أن يجمع بين الثلاث الكيفيات

١٨٣
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الأعلى أسفل، واليمين على الشمال، والباطن ظاهراً، واختلفوا متى يحوّل ثوبه فقال قوم:
عند الفراغ من الخطبة. وقال قوم: إذا مضى صدر من الخطبة، والذي أذهب إليه أن وقت
التحويل وقت الدعاء فإنه سؤال بالحال في تحويل الحالة. واختلفوا في وقت الخروج إليه
فقيل: في وقت صلاة العيدين. وقيل: عند الزوال. وروى أبو داود: ((أَنَّ النَّبِيَّ بَِّ خَرَجَ إِلَى
الاسْتِسْقَاءِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ» .
وصل - الاعتبارات في جميع ما ذكرناه: اعتبار الاستسقاء: الاستسقاء طلب السقيا،
وقد يكون طالب السقيا لنفسه أو لغيره أو لهما بحسب ما تعطيه قرائن الأحوال، فأما أهل الله
المختصون به الذين شغلهم به عنهم وعرّفهم بأنهم إن قاموا فهم معه وهو معهم، وإن رحلهم
رحلوا به إليه، فلا يبالون في أي منزل أنزلهم، إذا كان الحق مشهودهم في كل حال، فإن
عاشوا في الدنيا فبه عيشهم، وإن انقلبوا إلى الأخرى فإليه انقلابهم، فلا أثر لفقد الأسباب
عندهم ولا لوجودها، فهؤلاء لا يستسقون في حق نفوسهم، إذ علموا أن الحياة تلزمهم لأنها
أشد افتقاراً إليهم منهم إليها، وفائدة الاستسقاء إبقاء الحياة الدنيا، فاستسقاء العلماء بالله في
الزيادة من العلم بالله كما قال الله لنبيه وَ ◌ّ حين أمره: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه:
الآية ١١٤] هذا الدعاء هو عين الاستسقاء، فإذا استسقى النبيّ وَّ ربه في إنزال المطر والعلماء
بالله لم يستسقوه في حق نفوسهم وإنما استسقوه في حق غيرهم ممّن لا يعرف الله معرفتهم
تخلّقاً بصفته تعالى حيث يقول كما ورد في الحديث الصحيح: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اسْتَسْقَيْتُكَ
عَبْدِي فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ))
فهذا الرب قد استسقى عبده في حق عبده لا في حق نفسه، فإنه يتعالى عن الحاجات، كذلك
استسقاء النبيّ والعلماء بالله إنما يقع منهم لحق الغير، فهم ألسنة أولئك المحجوبين بالحياة
الدنيا عن لزوم الحياة لهم حيث كانوا تخلقاً بالاستسقاء الإلهيّ، إذ الفقير المحقق من لا يقوم
به حاجة معينة فتملكه لعلمه بأنه عين الحاجة فلا تقيده حاجة فإن حاجة العالم إلى الله مطلقة
من غير تقييد، كما أن غناه سبحانه عن العالم مطلق من غير تقييد من حيث ذاته، فهم يقابلون
ذاتاً بذات، وينسبون إلى كل ذات ما تعطيها حقيقتها.
وما أحسن ما شرع في الأذان والإقامة في قوله: حيّ على الصلاة ولم يقل إلى الصلاة
فيقيده بالغاية، ومن كان معك فلا يكون غايتك ولا تقل حيّ كلمة إقبال، ولا يطلب الإقبال
إلاَّ من معرض وكل معرض فاقد، قلنا نعم لما كان العبد متحققاً بالله كان هو الناظر والمنظور
والشاهد والمشهود وغاب عين العبد ولم يبق إلاَّ الرب، وأراد الحق سبحانه أن يشهد العبد
عين عبوديته ليعرفه بما أنعم عليه به ممّا لم يعط ذلك لغيره من العبيد ولا يعرف ذلك حتى يرد
لنفسه ومشاهدة عينه مقارنة لمشاهدة ربه، ولم يجعل ذلك في شيء من عباداته إلاَّ في الصلاة
فقال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فلا بدّ للمصلي من أجل قسمه من الصلاة أن يقوم
فيه، إذ لا يتيق ذلك لقسم الذي للعبد من الصلاة أن يكون الله فقال له: حيّ على الصلاة أي
أقبل على الصلاة من أجل القسم الذي يخصك منها، فإعراضه إنما كان عن نفسه لا عن ربه،

١٨٤
١
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الأن العلم بالله أعطاه ذلك فقال له: أقبل على صلاتك لتشهدني وتشهد نفسك فتعرف ما لي
وما لك فتتصف بالحكمة وفصل الخطاب وترى ما أنت فيه، فلم يأت بإلى فإنها أداة تؤذن
بالفقد والأمر في نفسه ليس كذلك، فإذا كان الحق يستسقي عبده فالعبد أولى، وإذا كان الحق
ينوب عن عبده في استسقاء عبده يسقي عبده فالعبد أولى أن يستسقي ربه ليسقي عبده، وهو
: أولى بالنيابة عن مثله من الحق عنه إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١].
فمن الأدب مع الله الاستسقاء في حق الغير فإن أصحاب الأحوال محجوبون بالحال عن
العلم الصحيح، فصاحب الحال إذا لم يكن محفوظاً عليه أدبه لم يؤاخذ بسوء الأدب إذ كان
لسانه لسان الحال، وصاحب العلم مؤاخذ بأدنى شيء لأنه ظاهر في العالم بصورة الحق،
وكم بين من يظهر في وجوده بربه وبين من يظهر بحاله شتان بين المقامين، ويا بعد ما بين
المنزلتين شاهد العلم عدل وشاهد الحال فقير إلى من يزكيه في حاله ولا يزكيه إلاَّ صاحب
العلم. ولما كان العلم بهذه العزّة شرعت التزكية في حكم الشرع بغلبة الظنّ فيقول: أحسبه
كذا وأظنه كذا لأنه لا يعلم كل أحد ما منزلة ذلك المزكى عند الله فلا يزكي على الله أحداً،
وإذا افتقر صاحب الحال إلى التزكية بغلبة الظنّ فهو إلى العالم صاحب العلم أفقر وأفقر فإنه
مع من يزكيه، كلاهما محتاجان إلى صاحب العلم، العلم منجلي يظهر نفسه، والحال ملتبس
يحتاج إلى دليل يقوّيه لضعفه أن يلحق بدرجة الكمال، فصاحب الحال يطلب العلم،
وصاحب العلم لا يطلب الحال، أيّ عاقل يكون من يطلب الخروج من الوضوح إلى اللبس،
فإذا فهمت ما قرّرناه تعين عليك الاستسقاء فاشرع فيه .
وصل - اعتبار البروز إلى الاستسقاء: الاستسقاء له حالان: الحال الواحدة أن يكون
الإمام في حال أداء واجب فيطلب منه الاستسقاء فيستسقي على حالته تلك من غير تغيير ولا
خروج عنها ولا صلاة ولا تغيّر هيئة، بل يدعو الله ويتضرّع في ذلك، فحال هذا بمنزلة من
يكون حاضراً مع الله فيما أوجب الله عليه، فيتعرّض له في خاطره ما يؤديه إلى السؤال في أمر
لا يؤثر السؤال فيه في ذلك الواجب الذي هو بصدده، بل ربما هو مشروع فيه كمسألتنا، ألا
ترى أن الشارع قد شرع للمصلي أن يقول في جلوسه بين السجدتين: اللهمّ اغفر لي وارحمني
وارزقني واجبرني، فشرع له في الصلاة طلب الرزق والاستسقاء طلب الرزق، فليس لمن هذه
حالته أن يبرز إلى خارج المصر ولا يغيّر هيئته فإنه في أحسن الحالات وعلى أحسن الهيئات،
لأن أفضل الأمور أداء الواجبات .
دخل أعرابيّ على رسول الله وَّر يوم الجمعة من باب المسجد ورسول الله وَله يخطب
على المنبر خطبة الجمعة فشكا إليه الجدب فطلب منه أن يستسقي الله فاستسقى له ربه كما هو
على منبره، وفي نفس خطبته ما تغيّر عن حاله ولا أخّر ذلك إلى وقت آخر، وأما الحالة
الأخرى فهو أن لا يكون العبد في حال أداء واجب فيعرض له ما يؤديه إلى أن يطلب من ربه
ابتداء في حق نفسه أو غيره مما يحتاج أن يتأهب له أهبة جديدة على هيئة مخصوصة فيتأهب
لذلك الأمر ويؤدي بين يديه أمراً واجباً ليكون بحكم عبودية الاضطرار، فإن المضطرّ تجاب

١٨٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
دعوته بلا شك، كذلك العبد إذا لم يكن في حال أداء واجب وأراد الاستسقاء برز إلى المصلى
وجمع الناس وصلَّى ركعتين، فالشروع في تلك الصلاة عبودية اختيار وأداء ما فيها من قيام
وركوع وسجود وجلوس عبودية اضطرار، فإنه يجب عليه في الصلاة النافلة بحكم الشروع
الركوع والسجود وكل ما هو فرض في الصلاة، فإذا دعا عقيب عبودية الاضطرار فقمن أن
يستجاب له ويدخل في الهيئة الخاصة من رفع اليد وتحويل الرداء واستقبال القبلة والتضرّع إلى
الله والابتهال في حق المحتاجين إلى ذلك كائناً من كان. ولما ذكرناه وقع الخلاف في البروز
إلى الاستسقاء وقد برز رسول الله وَّة إلى خارج المدينة فاستسقى بصلاة وخطبة. واعتبار
البروز من المصر إلى خارجه خروج الإنسان من الركون إلى الأسباب إلى مقام التجريد
والفضاء، حتى لا يكون بينه وبين السماء الذي هو قبلة الدعاء حجاب سقف ولا غيره وهو
خروج من عالم ظاهره مع عالم باطنه في حال الافتقار إلى ربه بنية التخلق بربه في ذلك، أو
بنية الرحمة بالغير أو بنفسه، أو بمجموع ذلك كله.
وصل - الاعتبار في الوقت الذي يبرز: إن برز من ابتداء طلوع حاجب الشمس إلى
الزوال وذلك عندما يتجلّى الحق لقلب العبد التجلّي المشبّه بالشمس لشدّة الوضوح ورفع
اللبس وكشف المراتب والمنازل على ما هي عليه حتى يعلم ويرى أين يضع قدمه لئلا يهوي
أو يخطىء الطريق أو تؤذيه هو أم أفكار ردية ووساوس شيطانية، فإن الشمس تجلو كل ظلمة
وتكشف كل كربة، فإن لطلوعها شرع أهل الأسباب في طلب المعاش، والمستسقي طالب
عيش بلا شك، فما دام الحق يطلب العبد لنفسه لما ينقبض من الظل من طلوع الشمس إلى
الزوال ليكون طلبه للأشياء من الله بربه لا بنفسه، لذلك نبهه على ذلك بقبض الظل إلى حدّ
الزوال، فإذا قضيت حاجته التي سأل فيها فمن شأن صاحب هذا الحال إذا حصلت له حاجته
أنه يؤديها إلى المحتاج وقد انقبض ظله فأخذ الحق في الاحتجاب عن عبده ليبقى مع نفسه
فيما أعطاه في سؤاله ممّا تحتاج إليه نفسه فيشهده نفسه شيئاً فشيئاً، كما يمتد الظل ويظهر
بدلوك الشمس إلى حين الغروب، فإذا احتجب عنه بقي مع نفسه متفرّغاً إليها بما حصله وهو
المعبر عنه بالعشاء فينضم إلى وكره ويجمع أهله على مائدته بما اكتسبه في يومه، فلهذا كان
البروز إلى المصلّى من طلوع الشمس، فإن النبيّ ◌َّ لما برز إلى الاستسقاء خرج حين بدا
حاجب الشمس فاعتبرناه على ذلك الحدّ للمناسبة والمطابقة .
وصل - اعتبار الصلاة في الاستسقاء: لما شرع الله في الصلاة الدعاء بقوله: ﴿أَهْدِنَا
الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٦] والاستسقاء دعاء مخصوص، فأراد الحق أن يكون
ذلك الدعاء في مناجاة مخصوصة يدعو فيها بتحصيل قسمه المعنويّ من الهداية إلى الصراط
المستقيم صراط النبيين الذين هداهم الله تهمّماً بطلب الأول الذي فيه السعادة المخصوصة
بأهل الله، ثم بعد ذلك يستسقون في طلب ما يعمّ الجميع من الرزق المحسوس الذي يشترك
جميع الحيوانات وجميع الناس من طائع وعاص وسعيد وشقيّ فيه، فابتدأ بالصلاة ليقرع باب
التجلّي واستجابة الدعاء فيما يزلف عند الله، فيأتي طلب الرزق عقيب ذلك ضمناً ليرزق

١٨٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الكافر بعناية المؤمن والعاصي بعناية الطائع، فلهذا شرعت الصلاة في الاستسقاء، فعبودية
الاختيار قبل عبودية الاضطرار تأهب واستحضار وتزيين محل وتهيؤه وعبودية الاختيار عقيب
عبودية الاضطرار شكر وفرح وبشرى بحصول عبودية الاضطرار، فالأولى بمنزلة النافلة قبل
الفرض، والثانية بمنزلة النافلة بعد أداء الفرض لما بشّر رسول الله وَل# بأن الله قد غفر له ما
تقدّم من ذنبه وما تأخّر تنفل حتى تورمت قدماه، فسُئِل في ذلك فقال: ((أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً
شَكُوراً)) وعبادة الشكر عبادة مغفول عنها ولهذا قال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سورة
سبأ: الآية ١٣]. وما بأيدي الناس من عبادة الشكر على النعماء إلاَّ قولهم: الحمد لله والشكر لله
لفظ ما فيه كلفة، وأهل الله يزيدون على مثل هذا اللفظ العمل بالأبدان والتوجّه بالهمم قال:
﴿أَعْمَلُوْاْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سورة سبأ: الآية ١٣] ولم يقل قولوا، والأمة المحمدية أولى بهذه الصفة
من كل أمة إذا كانت ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠].
وصل - اعتبار التكبير فيها: من شبّهها بصلاة العيد الأول عيد فطر فهو خروج من حال
صيام والصيام يناسب الجدب فإن الصائم يعطش كما تعطش الأرض في حال الجدب. وعيد
الأضحى هو عند زمان الحج وأيام عشر الحج أيام ترك زينة ولهذا شرع للمحرم ترك الزينة،
وشرع لمن أراد أن يضحي إذا أهل هلال ذي الحجة أن لا يقص ظفراً ولا يأخذ من شعره،
ولما لم يكن زينة الأرض إلاَّ بالأزهار والأزهار لا تكون إلاَّ بالأمطار وهذه الأحوال تقتضي
عدم الزينة فأشبهت الأرض الجدبة التي لا زينة لها لعدم الزهر لعدم المطر، فأشبهت صلاة
الاستسقاء صلاة العيدين فكبّر فيها كما يكبّر في العيدين، وسيأتي اعتبار عدد التكبير في صلاة
العيدين، ومن حمل صلاة الاستسقاء على سائر أكثر السنن والنوافل وصلوات الفرائض لم يزد
على التكبير المعلوم شيئاً وهو أولى، فإن حالة الاستسقاء حالة واحدة ما هي مختلفة الأنواع،
فإن المقصود إنزال المطر فلا يزيد على تكبيرة الإحرام شيئاً لأنه ما ثم حالة تطلب تكبيرة
أخرى زائدة على تكبيرة الإحرام فيحرم على المصلي في الاستسقاء في تكبيرة الإحرام جميع
ما تلتذ به النفوس من الشهوات ويفتقر إلى ربه في تلك الحالة كما حرم على الأرض الجدبة
الماء الذي به حياتها وزينتها ونسمتها يناسب حال العبد بالإحرام حال الأرض فيما حرمت من
الخصب .
وصل - اعتبار الخطبة: في الاستسقاء الخطبة ثناء على الله بما هو أهله ليعطي ما هو
أهله فيثني عليه ثناء آخر بما يكون منه وهو الشكر على ما أنعم، والمصلي مثن على الله بما
هو أهله وعلى ما يكون منه، وهو القسم الواحد الذي لله من الصلاة، فالخطبة ينبغي أن تكون
في الاستسقاء، ومن رأى أن الصلاة ثناء على الله يقول: حصل المقصود فأغنى عن الخطبة
وتضاعف الثناء على الله أولى من الاقتصار على حال واحدة، فإن الخطبة تتضمن الثناء
والذكرى ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٥] والاستسقاء طلب منفعة بلا شك.
وصل - اعتبار متى يخطب: التشبّه بالنسبة لكونها سنّة أولى من التشبه بالفريضة، وقد
ورد عن النبيّ وَّهُ: ((أنْ لاَ تُشَبَّهَ صَلاةُ الْوِتْرِ بِصَلاَةِ المُغْرِبِ)» فيكره لمن أوتر بثلاثة أن يأتي بها

١٨٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
على صورة صلاة المغرب، فتشبيه الاستسقاء بالعيدين أولى فيخطب لها بعد الصلاة، إلاَّ أن
يرد نص صريح بأن النبيّ # خطب لها قبل الصلاة فيكون النص فيها، فلا تقاس على سنّة
ولا على فريضة، بل تكون هي أصلاً في نفسها يقيس عليها من يجيز القياس في دين الله، وإذا
كان العيد يخطب فيه بعد الصلاة مع المراد بالخطبة تذكير الناس وتعليمهم وهم لا يقيمون بل
يتصرف أكثرهم بتمام الصلاة، فالخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة أولى لأنهم لا ينصرفون
حتى يستسقي الإمام بهم فإنهم للاستسقاء خرجوا، والخطبة إنما تكون بعد الصلاة وبعد
الدعاء بالاستسقاء فلا ينصرف الناس فيحصل المقصود من الخطبة، ألا ترى إلى عبد
الملك بن مروان كيف اختطب في العيد قبل الصلاة فقيل له في المجلس في ذلك معيراً عليه
فعله وأن النبي ◌َّ ما اختطب في العيدين إلاّ بعد الصلاة، فقال عبد الملك: قد ترك ما
هنالك، يريد أن الناس قد تركوا الجلوس للخطبة، وكانت الصحابة لا ينصرفون من صلاة
العيد حتى يخطب رسول الله وَّية واتباع السنة أولى ولو لم يبق إلاَّ الإمام وحده لأنه لا يلزمه
أكثر من الاقتداء، ولا يعلل كذلك الإنسان إذا فرغ من مناجاة ربّه في صلاته يثني على الله في
نفسه فيما ينصرف إليه وذلك حتى لا يبرح مع الله في عموم أحواله، فإذا فعل ذلك كان بمنزلة
الخطبة بعد الصلاة، فلا يزال في شغله مع الله في كل حال والله الموفق لا رب غيره.
وصل - اعتبار في القراءة جهراً: يجهر المصلي بالقراءة في الاستسقاء ليسمع من وراءه
ليحول بينهم وبين وساوسهم بما يسمعونه من القرآن ليدبروا آياته ويشغلوا نفوسهم عن
وساوسها بالتفكّر في معاني القرآن وليثابوا من حيث سمعهم، فقد يكون حسن استماعهم
القراءة الإمام من الأسباب الموجبة لنزول المطر لكونهم أدوا واجباً بامتثالهم أمر الله بقوله :
﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤] والمطر من
رحمة الله وهم ما أخرجهم إلاَّ طلبتهم إياه من الله تعالى وقد وعد به لمن استمع القرآن، فإن
أفعال الترجّي من الله حكمها حكم الواجب، وأن الإمام إذا كرّر به في ملأ وهو الجماعة في
صلاته جهراً ودعائه فيذكره الله في ملأ خير منهم، فقد يكون في ذلك الملأ من يسأل الله
تعالى في قضاء حاجة ما توجّه إليه فيها هذا الإمام وجماعته فيمطرون بدعاء ذلك الملك، فإن
الملائكة تقول: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [سورة غافر: الآية ٧] فقدمت الرحمة
على العلم لموضع حاجة العباد إليها وأدباً مع الله، فإن الله قدمها في العطاء على العلم فقال:
﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] وقد ورد أن الله يقول
لعبده: ادعني بلسان لم تعصني به، وهو لسان أمثالي من العصاة فكيف بلسان الملائكة الذين
لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فالجهر بالقراءة فيها أولى، فإن رسول الله وَاليه
جهر بالقرآن فيها أعني في صلاة الاستسقاء.
وصل - اعتبار تحويل الرداء: إشارة إلى تحويل الحال الذي أخرجهم من الجدب إلى
الخصب، ومن حال شظف العيش إلى رغده، فإن ذلك من الفأل الحسن، كما تحوّل أهل
هذا المصر في خروجهم إلى الاستسقاء من حال البطر والأشر وكفران النعم إلى حال التوبة

١٨٨
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
والافتقار وإظهار الفاقة والمسكنة، فطلبوا التحويل بالتحويل، ولسان الأفعال أفصح من لسان
الأقوال، فإنهم القائلون بذلك الفعل أي: ربنا إنا هدنا إليك ورجعنا عمّا كنّا عليه من
مخالفتك، فإن التنعم بالنعم وما كنّا فيه من الخصب على جهة البطر أوجب لنا الجدب
والقحط ونرجو بكرمك أن توجب لنا الافتقار والذلّة والمسكنة والخشوع والخصب، فإن
الشيء لا يقابل إلاَّ بضدّه حتى ينتجه. فإن قلت: فقوله تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[سورة إبراهيم: الآية ٧] قلنا: الشاكر في حال شكره هو عين فقره إلى ما ليس عنده وهو الزيادة
التي تزاد له على النعمة التي يكون فيها وهي نعمة باطنة وهي توبته التي أعطاه الله في باطنه
وظاهره وهي نعمة توجب الشكر، والشكر يطلب المزيد فتعمّه النعمة ظاهراً بنزول المطر
وباطناً بالحمد على ما أنعم الله به عليهم: [البسيط]
منه عليَّ لهذا يطلب الشُّكْرَا
شكرٌ لنعمةِ ربي نعمةٌ أخرى
من الإله بها أَزْسَالُه تَشْرَى
فَقْري إليه وما عندي سوى نِعَم
هو الغنيُّ وفقري مِنَّة ظهرتٌ
منه عليَّ فنلت الزَّهْوَ والفخْرَا
على الوجود فلا أذرِي ولا أُدْرَى
بالفقر فخري وبالفاقات سلطنتي
ألا ترى التاجر رب المال الغزير والخير الكثير الذي لو قسم ماله عليه وعلى أهله
وأولاده وأتباعه طول أعمارهم لكفاهم وفضل عنهم، ومع هذا يخاطر بماله ونفسه في ركوب
البحار والسبل المخوفة في طلب زيادة درهم، فما أخرجه عن أهله وهوّن عليه مفارقة وطنه
وولده ودعته وأحوجه إلى ركوب هذه الأخطار إلاَّ فقره وتوهمه تحصيل هذا الدرهم الزائد
على ما عنده، وربما تلفت نفسه وماله بغرق أو قطاع طريق أو أسر المحقق عنده الحاصل في
أمر متوهم يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل، فإذا أراد من هذه حالته من التجار وتخرجه
فاقته ولا بدّ له من السفر فليحول نيّته إلى نيّة أخرى فينظر إلى الجهة التي يقصدها في سفره،
ويعلم أن الله قد سخّر عباده في قضاء حوائج بعضهم لبعض فيقول: إن البلد الفلاني يحتاجون
إلى كذا وكذا ويذكر السلع التي يطلبها أهل ذلك البلد يا رب، فإن قعدت أنا وغيري ولم
أحمل إليهم هذا الذي يحتاجون إليه كلفناهم التعب ومفارقة الأولاد بالوصول إلينا لتحصيل ما
يحتاجون إليه، فنحن نؤثر تعبنا على تعبهم، ونحمل إليهم ما يحتاجون إليه، ويكون ما يكسبه
من زيادة الدرهم تبعاً لهذه النية .
هكذا يكون متجر الموفقين الصادقين الذين قال رسول الله ◌ّ فيهم في الحديث
الصحيح: ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ يُخْشَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ)) فانظر ما أحسن
هذه النسبة بهذا التنبيه فإن النبيّ بَّه والأنبياء عليهم السلام جاؤوا من عند الله إلى عباد الله بما
يحتاجون إليه ممّا فيه سعادتهم فأجروا على ذلك الأجر التام، وهذا حال التاجر لمن عقل،
يقول تعالى: ﴿هَلْ أَثُلُّكُمْ عَلَى تِزَقِ شُحِكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الصف: الآية ١٠] مع حصول المشقة
في ذلك من مفارقة الأهل في دخوله في الإيمان دونهم ومفارقة الوطن بالهجرة إلى دار
الإسلام، فانظر ما أعجب كلام النبوّة، وهذا كله من تحويل الحالات لهذا يحول رداءه من

١٨٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
يستسقي، ومن لم يوفق إلى هذا النظر الذي له فيه الأجر التام والمعرفة الصحيحة أخرجه ما
يخرج الناس اليوم وهو الفقر الذي قام به لطلب تلك الزيادة المتوهمة التي يمكن أن تحصل
ويمكن أن لا تحصل، مع كثرة المال الذي يقع له به الغني لو استغنى، فلما لم يكن عنده غنى
في نفسه بما عنده وقام به الخوف على ماله والفقر إلى الزيادة خاطر بنفسه وماله وعمي عن
علمه بأن المسافر وماله عليّ قلت فأزعجه هذا الفقر المتوهم وحال بينه وبين أهله وولده
وأحبابه وهو على غاية من السرور والفرح بذلك السفر لتوهمه حصول الأرباح، فحال الشاكر
وفقره إلى طلب الزيادة أولى، فإن الزيادة محققة والربح هناك متوهم، فإن الله صادق في
أخباره، ثم إن الشاكر الذي له هذه الزيادة المحققة بشكره هو في أهله لا يفارق وطنه ولا أهله
ولا ولده ولا يغري بنفسه ولا يركب الأخطار ولا يتعب بدنه، ولو تصدّق بماله كله فهو كتاجر
باع بنسيئة فهو له مدخر يجده يوم فقره وحاجته عند الله، فإن رزقه الذي تقوم به نشأته وأرزاق
عياله لا بدّ منها يأتي بها الله كما قال لقمان: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ
صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَنِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٦] فهذا
تاجر باع بنسيئة إلى أجل وأجله زمان القيامة فهو حلول الأجل، فهذا يا أخي حكمة تحويل
الرداء .
وصل - اعتبار كيفية تحويله: وهو على ثلاث مراتب يجمعها كلها العالم إذا أراد أن
يخرج من الخلاف الذي بين علماء الشريعة، وهو أن يردّ ظاهره باطنه، وباطنه ظاهره، وأعلاه
أسفله، وأسفله أعلاه، والذي على يمينه على يساره، والذي على يساره على يمينه، وكل
ذلك تأكيد في الإشارة إلى تحويل الحالة التي هم عليها. فأما اعتبار ظاهر الرداء وباطنه فهو
تأثير أعمال ظاهره في باطنه أعني في قلبه بما تنتج له هذه الأعمال وأعمال باطنه أيضاً
المحمودة تظهر بالفعل على ظاهره مثل نيته أن يتصدّق فيتصدّق أو ينوي فعل خير ما فيفعله،
فما كان في باطنه قد ظهر بالفعل على ظاهره من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها، ومن عمل
صالحاً أثر له في نفسه وقلبه المحبة والطلب إلى الشروع في عمل آخر، ولا سيما إن أنتج له
ذلك العمل في الدنيا علماً في نفسه كما قال بَّ: ((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَكُنْ
يَعْلَمُ)) وقال تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩].
وأما تحويل أعلى الرداء وأسفله فهو إلحاق العالم الأعلى بالأسفل في التسخير،
وإلحاق العالم الأسفل بالأعلى في الطهارة والتقديس، فينزل الأعلى رحمة بالأسفل، ويرفع
الأسفل عناية إلى رتبة الأعلى في النسبة إلى الله تعالى والافتقار إليه، وأن الله كما توجّه إلى
أعلى الموجودات قدراً وهو القلم الإلهيّ والعقل الأول بما أعطاه من العلم والسعادة، كذلك
توجّه إلى أدنى الموجودات قدراً وأشقاهم وأخسّهم منزلة عند الله على حدّ واحد، فإن الله من
حيث ذاته ما فيه مفاضلة لأنه لا يتصف بالكل فيتحقق فيه البعض، وما من جوهر فرد من
العالم كله أعلاه وأسفله إلاَّ وهو مرتبط بحقيقة إلهية، ولا تفاضل في ذلك الجانب الأعز
الأحمى فهو مستو على عرشه الأعلى ولو دليتم بحبل لهبط على الله، اجتمع أربعة من

١٩٠
في المعارف/ الباب التاسع والسنون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الأملاك على الكعبة: واحد نازل من السماء، وآخر عرج من الأرض السفلى، والثالث جاء
من ناحية المشرف، والرابع من ناحية المغرب، فسأل كل واحد منهم صاحبه من أين جئت؟
فكلهم قالوا: من عند الله .
وروينا عن بعض شيوخنا حديثاً يرفعه أو يبلغ به رسول الله وَ ﴿ أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ فِي
السَّماءِ كَمَا هُوَ فِي الأَرَضِ وَإِنَّ الْمَلأَ الأَعْلَى يَطْلُبُونَهُ كَمَا تَطْلُبُونَهُ أَنْتُمْ» فساوى بين العالمين في
الطلب، ومعلوم ما بينهما من التفاوت في العرف، واتفق لي في هذا المشهد ذوقاً وذلك أني
حملت في يدي شيئاً محقراً بحيث يراه الناس ما كان يقتضيه منصبي في الدنيا وهو ذو رائحة
خبيثة من هذا السمك المالح فتخيّل أصحابي أني حملته مجاهدة لنفسي لعلو منصبي عندهم
عن حمل مثل ذلك وقالوا لشيخي ما قصر فلان في مجاهدته فقال: حتى نسأله بأي نية حمله،
فسألني الشيخ بحضور الجماعة وذكر لي ما ذكروه فقلت لهم: أخطأتم في التأويل عليّ والله
ما نويت شيئاً من ذلك ولكني رأيت الله على علو قدره ما نزّه نفسه عن خلق مثل هذا فأنزه
نفسي عن حمله، فشكرني الشيخ وتعجّب الأصحاب وهو من هذا الباب بل والله في حملي
إياه شرفي فإنه نظير القدرة في إيجاد عينه، ولا فرق عند العارفين بين العالي والدون المعتاد،
هذا خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، وأين إدراك الشم من الرائحتين؟ فلا
تنظروا في الأشياء المتفاضلة إلاَّ بارتباطها بالحقائق الإلهية، وإذا كان هذا نظركم فإنكم لا
تحقرون شيئاً من العالم، فلا تقس الله ولا تحمله على نفسك وخذ الأشياء على ما تعطيها
الحقائق .
وأمّا تحويل ما هو على اليمين إلى الشمال وبالعكس فاعتباره أن صفات السعداء في
الدعاء الخشوع والذلّة وهم أهل اليمين في الدنيا، فتتحوّل هذه الصفة على أهل الشمال في
الدار الآخرة، فكأن السعداء أخذوها منهم في الدنيا، قال تعالى في حق السعداء: ﴿الَّذِينَ
هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٢] وقال: ﴿خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٩٩]
وقال - أعني في عكس الصفة عليهم: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [سورة
النور: الآية ٣٧] وقال في حق الأشقياء في الدار الآخرة: ﴿خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ
خَفِيٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٥] وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَهُ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ ﴾ [سورة
الغاشية: الآية ٢ - ٤] وتحويل آخر وهو أن يتصف العبد السعيد في الآخرة بما يتصف به العبد
الشقيّ في الدنيا في الثروة والملك والسلطان، فينقلب إليه المؤمن في الآخرة ويتحوّل إليه
ويتحوّل عنه الكافر في الآخرة، فيظهر المؤمن في الآخرة بنعيم الكافر الشقيّ في الدنيا،
ويظهر الكافر المنعم في الدنيا في الآخرة بصفة الشقاء والبؤس الذي كان فيه المؤمن في
الدنيا، فهذا اعتبار اليمين والشمال في تحويل الرداء .
وصل ــ في اعتبار وقت التحويل وهو في الاستسقاء في أول الخطبة أو بعد مضيّ صدر
الخطبة: فاعلم أن اعتبار التحويل في أول الخطبة هو أن يكون الإنسان في حال نظره لربه
بربه، فينظر في أول الخطبة لربه بنفسه وهو قوله في أول الصلاة: حمدني عبدي، فلو كان

١٩١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
حال المصلي في وقت الحمد حال فناء بمشاهدة ربه أنه تعالى حمد نفسه على لسان عبده لم
يصدق من جميع الوجوه حمدني عبدي وهو الصادق سبحانه في قوله: حمدني عبدي، فلا بدّ
أن يكون العبد يشاهد نفسه في حمده ربه وهو صدق. ومن قال بعد مضيّ صدر من الخطبة
فهو إذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] فكان في أول الخطبة
يثني على ربّه بربه بحال فناء علمي ومشهد سنيّ بربّه عن نفسه فإنه بكلامه حمده، فلما أوقع
الخطاب كان ثناؤه بنفسه على ربّه فيحول عن حالته تلك في هذا الوقت، فهذا اعتبار تعيين
التحويل في أول الخطبة أو بعد مضيّ صدر الخطبة .
وصل - اعتبار استقبال القبلة: من كان وجهاً كله يستقبل ربّه بذاته كان رسول الله وله
يرى من خلفه كما يرى من أمامه فكان وجهاً كله، فينبغي للمستسقي ربّه أن يقبل على ربّه
بجميع ذاته فإنه ما فيه جزء محسوس أو معنوي ظاهر أو باطن إلاَّ وهو فقير محتاج إلى رحمة
الله به في استجلاب نعمه أو بقاء النعم عليه، ولهذا يجيب الله المضطرّ في الدعاء، فإنّ
المضطرّ هو الذي دعا ربّه عن ظهر فقر إليه، وما منع الناس الإجابة من الله في دعائهم إياه إلاّ
كونهم يدعونه عن ظهر غنى لالتفاتهم إلى الأسباب وهم لا يشعرون وينتجه عدم الإخلاص،
والمضطرّ المضمون له الإجابة مخلص مخلص ما عنده التفات إلى غير من توجّه إليه .
أخبرني الرشيد الفرغانيّ رحمه الله عن فخر الدين شيخه ابن خطيب الريّ عالم زمانه أن
السلطان حبسه وعزم على قتله وماله شفيع عنده مقبول قال: فطمعت أن أجمع همّي على الله
في أمري أن يخلصني من يد السلطان لما انقطعت بي الأسباب وحصل اليأس من كل ما سوى
الله، فما تخلّص لي ذلك لما يرد عليّ من الشبه النظرية في إثبات الله الذي ربطت معتقدي به
إلى أن جمعت همّتي وكليتي على الإله الذي تعتقده العامّة ورميت من نفسي نظري وأدلتي
ولم أجد في نفسي شبهة تقدح عندي فيه وأخلصت إليه التوجّه بكلي ودعوته في التخلّص فما
أصبح إلاَّ وقد أفرج الله عني وأخرجني من السجن، فهذا اعتبار استقبال القبلة فإن ذلك إشارة
إلى القبول .
وصل - اعتبار الوقوف عند الدعاء: القيام في الاستسقاء عند الدعاء مناسب لقيام الحق
بعباده فيما يحتاجون إليه فإنه طلب للرزق بإنزال المطر الذي تركن نفوسهم إليه ويستبشرون
بقول الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: الآية ٣٤] والنفوس كلها في مقام الأنوثة
لمن عقل، فإن كل منفعل فرتبته رتبة الأنثى وما ثم إلاَّ منفعل، والفعل مقسم على الحقيقة بين
الفاعل والمنفعل، فمن الفاعل الاقتدار، ومن المنفعل القبول للاقتدار فيه، وهنا سرّ يتضمن
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦]. فالذي يجعل الله الرزق على
يديه قائم على من يرزق بسببه فشرع القيام في الدعاء في الاستسقاء كأنه يقول بحال قيامه بين
يدي ربّه: ارزقنا ما نقوم به على عيالنا بما تنزله من الغيث علينا، فإنه السبب في وجود ما به
قوام أنفسنا ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التحريم: الآية ٨].
وصل - اعتبار الدعاء في هذا الباب: الدعاء مخ العبادة، وبالمخ تكون القوّة للأعضاء،

١٩٢٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
كذلك الدعاء مخ العبادة به تقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِ﴾ العبادة هنا عين الدعاء ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٠] وهو البعد عن
الله فإن جهنم سميت به لبعد قعرها .
وصل - اعتبار رفع الأيدي عند الدعاء: على الكيفيتين الأيدي محل القبض والعطاء،
فيها ما أخذ، وبها ما أعطى، فلها القبض بما تأخذ، والبسط بما تعطي، فيرفع العبد يديه
مبسوطتين ليجعل الله فيهما ما سأله من نعمه، فإن رفعها وجعل بطونها إلى الأرض فرفعها
تشهد العلو والرفعة ليدي ربي تعالى التي هي اليد العليا ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء،
ويجعل الداعي بطون يديه إلى الأرض في الاستسقاء أي أنزل علينا ممّا بيديك من الخير
والبركة ما تسدّ به فقرنا وفاقتنا التي علقتها بالأسباب فأوحدها إليك وفرغها بما تنزله من الغيث
من أجلها، فهذا وأشباهه اعتبار صلاة الاستسقاء وأحوال أهله وكون صلاتها ركعتين هو قول
الله ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةُ وَبَاطِنَةٌ﴾ [سورة لقمان: الآية ٢٠] فالركعة الواحدة للنعمة الظاهرة يسدّ
بها الخلل الظاهر، والركعة الثانية للنعمة الباطنة يسأل فيها ما يكون فيه غذاء الأرواح والقلوب
من العلوم والمعارف والتجلّ واليد النعمة. انتهى الجزء السادس والأربعون.
(الجزء السابع والأربعون)
بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
وصل في فصل - ركعتا تحية المسجد: اختلف علماء الشريعة في الركعتين لدخول
المسجد، فمن قائل: إنها سنّة. ومن قائل: بوجوبهما، والذي أذهب إليه وأقول به أن هاتين
الركعتين لا تجب على من دخل المسجد إلاّ إن أراد القعود في المسجد، فإن وقف ولا
يجلس أو عبر فيه ولم يقعد فهو مخيّر عندي إن شاء ركعهما وإن شاء لم يركعهما ولا حرج
عليه، ويأثم بتركهما إن قعد ولم يركعهما إلاّ أن يدخل في الوقت المنهي عن الصلاة فيه أو
يكون على غير طهارة .
وصل - في اعتبار هذا الفصل: لا يخلو هذا الداخل في المسجد أن يدخل في زمان
إباحة النافلة أو في زمان النهي عن صلاة النافلة، فإن دخل في زمان النهي فلا يركع فإنه ربما
يتخيل بعض الناس أن الأمر بتحية المسجد يعارض حديث النهي عن الصلاة في الأوقات
المنهي عن الصلاة فيها، فاعلم أن النهي لا يعارض به الأمر الثابت عند الفقهاء إلا عندنا فإن
لنا في ذلك نظراً، وهو أن النهي إذا ثبت والأمر إذا ثبت فإن رسول الله وَلو أمرنا إذا نهانا عن
أمر بامتثال ذلك النهي مطلقاً من غير تخصيص، وأن نجتنب كل منهي عنه يدخل تحت حكم
ذلك النهي، وقال في الأمر الثابت وَ ل ◌َ في هذا الحديث: ((وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا
اسْتَطَعْتُمْ)) فقد أمرنا بالصلاة عند دخول المسجد، ونهانا عن الصلاة في أوقات معينة، فقد
حصلنا بالنهي الثابت في حكم من لا يستطيع إتيان ما أمر به في هذه الحال لوجود النهي،
فانتفت الاستطاعة شرعاً كما تنتفي عقلاً، فإن رسول الله وَلي لم يقل: فافعلوا منه ما استطعتم

١٩٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الاستطاعة المشروعة ولا المعقولة فوجب العموم في ذلك فيقول: إن النهي المطلق منعني من
الإتيان بجميع ما يحويه هذا الأمر الوارد من الأزمنة، فلا أستطيع إتيان هذه الصلاة في هذا
الوقت المخصص بالنهي شرعاً فاعلم ذلك.
المسجد بيت الله، والكرسيّ تجليه لمن أراد أن يناجيه، فمن دخل عليه في بيته وجب
عليه أن يحييه بما أمره أن يحييه، فعلمنا رسول الله وَل كيف نحيي بيت ربنا فإنه يقول: ﴿فِى
بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِّ رِجَالٌ﴾ [سورة النور: ٣٦ - ٣٧]
يقول عبد الله بن عمر: لو كنت مسبحاً أتممت يعني متنفلاً، وسبحة الضحى صلاة الضحى
إذا دخلنا المسجد نسلم على الحاضرين فيه من الملأ الأعلى بقولنا: السلام عليكم إن كان
هنالك من البشر أحد من كان من صبي أو امرأة أو رجل، فإذا لم يكن أحد ممّن يسمّى إنساناً
فلا يخلو هذا الداخل إمّا أن يكون ممّن كشف الله عن بصره غطاء الحجاب المعتاد فيدرك من
فيه من الأرواح العاقلين من جن وملك فيسلم عليهم كما يسلم على من وجد فيه من البشر،
وإن لم يكن من أهل الكشف لمن فيه فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وينوي
كل صالح لله من جميع عباده من كل ما سوى الله، فيصيب ذلك السلام كل عبد صالح لله في
السماء والأرض، ولا يقل: السلام على الله فإن الله هو السلام، وليركع ركعتين بين يدي ربّه
عزّ وجلّ وليجعل الحق تعالى في قبلته، وتكون تلك الصلاة بما فيها من الركوع والسجود مثل
التحية التي تحيا بها ملوك الأعاجم إذا دخل عليهم أو ظهروا لرعاياهم، وقد مضى اعتبار
أحوال الركوع والقيام والجلوس والسجود فهاتان الركعتان سجود تحية، فإن كان دخوله في
غير وقت صلاة أعني دخل في الأوقات المنهي عن إيقاع الصلاة فيها فعندما يدخل المسجد
يقوم بين يدي ربّه عزّ وجلّ خاضعاً ذليلاً مراقباً ممتثلاً أمر سيده في نهيه عن الصلاة في ذلك
الوقت كما نهاه أن يقول في تحياته في الصلاة: السلام على الله، فإن رسم له سيده تعالى
بالقعود في بيته فليركع ركعتين شكراً لله تعالى على ذلك حيث أمره سيده بالقعود عنده في
بيته، فهاتان الركعتان في ذلك الوقت ركعتا شكر، ومن ركع قبل الجلوس وما في نيته أن
يجلس وهو وقت صلاة فتانك الركعتان تحية لله لدخوله عليه في بيته، ومن راعى من أهل الله
من العارفين دخوله على الحق في بيته ولم يخطر له خاطر التقييد بالأوقات كان ركوعه ركوع
تحية لدخوله، ومن كان حاله الحضور مع الله على الدوام ومناجاته في كل حال فليست بتحية
مطلقاً ولكنهما ركعتا شكر لله تعالى حيث جعله من المتقين بدخوله المسجد حيث قال:
المسجد بيت كل تقي، فأضافه إلى المتقين من عباده، وقد كان مضافاً إلى الله.
وصل في فصل - سجود التلاوة: اختلف علماء الشريعة في سجود التلاوة هل هو
واجب أو سنّة؟ فمن الناس من قال: إنه واجب. ومن الناس من قال: إنه سنّة وليس بواجب.
وصل الاعتبار في هذا الفصل: لما قال رسول الله ◌َّ في الخبر الثابت عنه أن الله عزّ
وجلّ يقول: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ)) ولم يذكر في المقسوم إلاَّ تلاوة
الفاتحة، ولم يتعرض للهيئات من قيام أو ركوع أو سجود أو جلوس، فلما لم يذكر إلاَّ التلاوة
الفتوحات المكية ج٢ - م١٣

١٩٤
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ومن القرآن فاتحة الكتاب من العبد لله تعالى ما فيها من تلاوة فاتحة الكتاب، وهذا الحديث
دليلنا على وجوب قراءة الفاتحة على المصلي، فسمينا التالي مصلياً أو مناجياً لله تعالى بما
يخصّ الله من الصفات وبما يخصّ العبد منها كشفاً محققاً في جميع القرآن المسمّى كلام الله،
فثم آية تخصّ جناب الحق فهي لله مخلصة، وثم آية تخصّ جناب العبد فهي له مخلصة، وثم
آية يقع فيها الاشتراك فهي بين الله وبين عبده، والعمل في ذلك كالعمل في الفاتحة المنصوص
عليها، فجاء في الذي يتلوه من كلامه تعالى مواضع ينبغي السجود فيها، فعين لنا الشارع ما
نسجد فيه ممّا لا نسجد فيه، فاشترط فيها من اشترط الطهارة والوقت للسجود والقبلة،
وسيأتي فصل ذلك كله، فنسجد فيما سجد فيه رسول الله وَ له ونترك فيما ترك، وإن كان
اللفظ بالأمر يقتضي السجود، ولكن لا نسجد لكون الشارع ما شرع السجود إلاّ في مواضع
مخصوصة معينة عيّنها لنا الشارع فعلاً وقولاً لا تتعدى ولا يزاد عليها، والخلاف في عددها
معلوم، والسجود المشروع في غير التلاوة مذكور كسجود الإنسان عند رؤية الآيات وكسجود
الشكر وغير ذلك، فلنذكر عدد عزائم السجود الوارد في القرآن ونجمع المختلف فيه إلى
المجمع عليه .
وصل - في ذكر سجود القرآن العزيز: اعلم أن سجدات القرآن العزيز من إحدى عشرة
سجدة إلى خمس عشرة سجدة، فمنها ما ورد بصيغة الخبر. ومنها ما ورد بصيغة الأمر
السجدة الأولى من ذلك في سورة الأعراف في خاتمتها، أما الأعراف فهو سور بين الجنة
والنار باطنه فيه الرحمة وهو ما يلي الجنة وظاهره من قبله العذاب وهو ما يلي النار منه، وعليه
رجال تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلم ترجح في الوزن كفة على كفة فلم تثقل موازينهم ولا
خفت، فإنه ما وضع الله لأحد منهم في ميزانه تلفظه بلا إله إلاَّ الله، فإنه ما ثم سيئة تعادلها إلاَّ
الشرك، وكما لا يجتمع الشرك والتوحيد في قلب شخص واحد، كذلك لا يدخل في الميزان
إلاَّ لصاحب السجلات لسبب آخر نذكره في هذا الكتاب أو قد ذكرناه في باب القيامة فيما
تقدم .
وأما خاتمة هذه السورة فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ اُلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ٢٠٤] وهذه الآية روينا أنها نزلت في القراءة في الصلاة والسجود ركن من أركان
الصلاة، وختم هذه السورة بذكر الملائكة وسجودهم الله فوصفهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ
رَّكَ﴾ وهم المقربون من الملائكة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ يقول: يذلّون ويخضعون له
﴿وَيُسَبِحُونَهُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٦] أي ينزهونه عن الصفات التي لا يليق به وهي التي تقربوا
بها إليه من الذلّ والخضوع، وصدقهم الله في هذه الآية في قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدَِ
وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] فأخبر الله عنهم بما أخبروه عن نفوسهم ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾
[سورة الأعراف: الآية ٢٠٦] وصفهم بالسجود له عزّ وجلّ مع هذه الأحوال المذكورة.
وقال الله تعالى لما ذكر النبيين عليهم السلام لمحمد ◌َّله وذكر أنه تعالى أتاهم الكتاب
والحكمة والنبوة قال له: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى الَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] وهم

١٩٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
بشر مثله، فما ظنك بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ وأيّ هدي
أعظم ممّا هدى الله تعالى به الملائكة فسجد هذا التالي في هذه السجدة اقتداء بسجود الملأ
الأعلى وبهديهم، فمن سجد فيها ولم يحصل له نفحة ممّا حصل للملائكة في سجودها من
حيث ملكيته الخاصة به فما سجدها، وهكذا في كل سجدة ترد. ورأى أصحاب الأعراف أن
موطن القيامة قد سجد فيه رسول الله وَّير عند ما طلب من ربّه فتح باب الشفاعة تعظيماً لله
وهيبة وإجلالاً وسمع الله يقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [سورة القلم: الآية ٤٢] بأمر الآخرة، تقول
العرب: كشفت الحرب عن ساقها وهو إذا حمي الوطيس واشتد الحرب وعظم الخطب
فعلموا أنه موطن سجود، فلما دعوا إلى السجود هنالك سجد أصحاب الأعراف امتثالاً لأمر
الله فرجحت كفة حسناتهم بهذه السجدة وثقلت فسعدوا لأنها سجدة تكليف مشروعة في ذلك
الموطن عن أمر إلهي فيدخلون الجنة .
وصل - السجدة الثانية: وهي سجود الظلال بالغدو والآصال مع سجود عام، وهذه
سجدة سورة الرعد وهي عند قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ
بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [سورة الرعد: الآية ١٥] وظلال الأرواح أجسادها، فأخبر الله تعالى أنه ﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ
مَنْ فِي السَّمَوَتِ﴾ وهم الأعلون ومن في الأرض وهم الأسفلون، عالم الأجساد الذين قاموا
بالنشأة العنصرية ﴿طَوْعًا﴾ للأرواح من حيث علمهم ومقامهم، وللأجسام من حيث ذواتهم
وأعيانهم، ﴿وَكَرْهًا﴾ [سورة الرعد: الآية ١٥] في الأرواح من حيث ذواتهم، وفي الأجسام من
حيث رياستهم وتقدمهم على أبناء جنسهم وهذا سجود إخبار، فتعين على العبد أن يصدق الله
في خبره عمّن ذكر فإنه من أهل الأرض بجسده ومن أهل السموات بعقله، فهو الملك البشري
والبشر الملكي فيسجد طائعاً لربه وكرهاً من تقييده بجهة خاصة لا يقتضيها علمه وإن كان
ساجداً في نفس الأمر سجوداً ذاتياً وإن لم يشعر بذلك فيوقعها عبادة فإن ذلك أنجى له، وذكر
الغدو والآصال لامتداد الظلال في هذه الأوقات، فجعل امتدادها سجوداً فهي في الغدو
تتقلص رجوعاً إلى أصلها الذي منه انبعثت وخوفاً على نفسها من الاحتراق فكأنها تقتصر على
ذاتها. وفي الآصال تمتد وتطول بالزيادات من إظهار نعم الله التي أسبغها عليها، والغدو
والآصال من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فأخرج حكم السجود في هذه الأوقات عن
حكم النافلة، وجعل حكمه حكم الفرائض أو المقضي من النوافل، فتعين على التالي في هذه
الآية السجود فيجازى من باب من صدق ربّه تعالى في خبره، فسجدة الأعراف سجدة اقتداء
بهدي الملائكة، وهذه سجدة تصديق بتحقيق .
وصل - السجدة الثالثة: سجود العالم الأعلى والأدنى في مقام الذلّة والخوف سجود
هذه السجدة عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٥٠] فذكر الملائكة والظلال
وسجدوا في الأعراف سجود اختيار لما يقتضيه جلال الله، وهنا أثنى الله عزّ وجلّ عليهم بأنهم
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فسجدوا شكراً لله لما أثنى الله عزّ وجلّ عليهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون،
فسجدوا شكراً لله لما أثنى الله عزّ وجلّ عليهم بما وفّقهم إليه من امتثال أوامره، فسجدها العبد

١٩٦
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
رغبة في أن يكون ممّن أثنى الله عليه بما أثنى على ملائكته، فهي للعبد سجود ذلّة وخضوع،
فإنه يقول: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٨] الضمير في ظلاله يعود على الشيء
المخلوق، وقد قلنا: إن الأجساد ظلال الأرواح فلا تتحرك إلاَّ بتحريك الأرواح إياها تحريكاً
ذاتياً. ثم قال: ﴿عَنِ اَلْيَمِينِ وَالشَّمَآَيِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٨] أي أذلاء، فهو
سجود ذلّة وخضوع، فمن سجد هذه السجدة ولم يشاهد سجود ظلّه في اليمين إذا وقع له
التجّي في الشمائل ولا شاهد سجود ظلّه في الشمائل إذا وقع له التجلّ في اليمين ولم يحصل
له التأثير في عالم الكونِ خاصة فإن الآثار في حضرة العين سهلة الوجود، وما تظهر الرجال
أصحاب القوّة واليمين إلاَّ في تأثيرهم في الكون، فهذا من خصوص سجود هذه السجدة.
وصل - السجدة الرابعة: سجود العلماء بما أودع الله في كلامهم من علوم الأسرار
والأذواق وهو سجود تسليم وبكاء وخشوع ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ مُبَشِرًا وَنَذِيرًا
وَقُرْءَانَا فَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ نَزِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٥، ١٠٦] يقول: ﴿وَبِالْحَقِّ
أَنْزَلْنَهُ﴾ لتحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾ لذاته ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ﴾
خطاب لمن أنزل عليه تبياناً لكل شيء ﴿إِلَّا مُبَشْرًا﴾ تبشر قوماً برحمة منه ورضوان وجنات لهم
فيها نعيم مقيم، وتبشر قوماً بعذاب أليم ﴿وَنَذِيرًا﴾ معلماً بمن تبشره وبما تبشر ﴿وَقُرْءَانًا﴾ وكلاماً
جامعاً لأمور شتى ﴿فَرَقْنَهُ﴾ أي فصلناه آيات بينات في سور منزلات ﴿لِنَقْرَمُ﴾ أي تجمعه
وتجمع عليه الناس ﴿عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ تؤدة مرتلاً ﴿ وَنَزَّلْنَهُ﴾ عمّا يجب له من التعظيم إلى
مخاطبة من لا يعرف قدره ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] ﴿قُلْ﴾ يا أيها النبيّ
﴿ءَامِنُواْ بِهِ﴾ صدقوا به ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ﴾ أو تردوه ولا تصدقوا به ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أعطوا
العلامات التي تعطي اليقين والطمأنينة في الأشياء ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ ممّن تقدمه من أمثاله ﴿إِذَا
يُتْلَى﴾ تتبع آياته بعضها بعضاً بالمناسبة التي بين الآية والآية ﴿يَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [سورة
الإسراء: الآية ١٠٧] يقعون على وجوههم مطأطئين أذلاء، والسجود التطاطي، أسجد البعير إذا
طأطأه ليركبه ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَا﴾ أي وعده صدق وكلامه حق ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.
[سورة الإسراء: الآية ١٠٨] واقعاً كما وعد الوعد، يستعمل في الخير والشر، والوعيد في الشرّ
خاصة، فالوعد في الخير من الله لا بدّ منه، والوعيد قد يعفو ويتجاوز فإنه من صفة الكريم
عند العرب، وممّا تمدح به الأعراب سادتها وكبراءها يقول شاعرهم: [الطويل]
...-
لمُخْلِفُ إيعادي ومنْجِزُ مَوْعِدِي
وإني إذا أوعدتُه أو وَعَدْتُهُ
﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ على ما فرط منهم ممّا لا يستدركونه ولو عفى عنه فالكتابة
على المحو ما تقوم في الصفا كالكتابة على غير المحو ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [سورة الإسراء: الآية
١٠٩] أي ذلّة، والخشوع لا يكون أبداً من الخاشع إلاَّ عن تجلّ، ولا بدّ إما على الظاهر وإما
على الباطن أو عليهما معاً، فهذه السجدة سجدة زيادة في الخشوع، والخشوع كما قلنا لا
يكون إلاَّ عن تجلّ إلهيّ، فزيادة الخشوع دليل على زيادة التجلّ، فهذا يسمّى سجود التجلّي
فافهم .

١٩٧
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل - السجدة الخامسة: وهي سجود الإنعام العام الرحماني عن الدلالات وهي في
سورة مريم عند قوله: ﴿إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَئِكِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٥٨] وهي
سجدة النبيين المنعم عليهم، فهذا بكاء فرح وسرور وآيات قبول ورضى، فإن الله قرن هذا
السجود بآيات الرحمن، والرحمة لا تقتضي القهر والعظمة وإنما تقتضي اللطف والعطف
الإلهيّ فدمعت عيونهم فرحاً بما بشّرهم الله من هذه الآيات، فالصورة صورة بكاء لجريان
الدموع، والدموع دموع فرح لا دموع ترح وكمد وحزن، لأن مقام الاسم الرحمن لا يقتضيه،
وفي هذه السورة في قوله: ﴿يَوَمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ [سورة مريم: الآية ٨٥] فرح أبو يزيد
وطار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر وقال: يا عجباً كيف يحشر إليه من هو جليسه فإن الله
يقول: أنا جليس من ذكرني والمتقي ذاكر لله ذكر حذر، فلما حشر إلى الرحمن وهو مقام
الأمان ممّا كان فيه من الحذر فرح بذلك واستبشر وكان دمع أبي يزيد دمع فرح كيف حشر منه
إليه حين حشر غيره إلى الحجاب.
وأما قوله في هذه السورة عن إبراهيم الخليل في قوله: ﴿إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِّنَ
الرَّحْمَنِ﴾ [سورة مريم: الآية ٤٥] فقرن العذاب بالاسم الرحمن ولا يقتضيه هنا في الظاهر، فاعلم
أنه أشار له إلى الاسم الذي هو أبوه معه في الحال فإنه مع الرحمن بلا شك لحصول العافية
والخير والرزق والصحة الذي هو فيه وعليه، والمعنى الآخر في مساق هذا الاسم مع العذاب
مثل رحمة الطبيب بصاحب الأكلة فهو يعذبه في الوقت بقطع العضو الذي فيه الأكلة رحمة به
حتى يحيا، ومن رحمته نصب الحدود في الدنيا لتكون لهم طهارة إلى الأخرى، وهكذا في
كل دار إن نظرت بعين التحقيق فاعلم ذلك، فمن سجد هذه السجدة ولم ير النعيم في العذاب
فما سجدها كما قال القائل : [الوافر]
ولكني أريدك للعقَابِ
أريدكَ لا أريدكَ للثّوابِ
وكُلّ مآربى قد نِلْتُ منها
سوى مَلْذُوذٍ وَجْدي بالعذابِ
وأما رابعة العدوية فضرب رأسها ركن جدار فأدماه فقيل: ما تحسين بالألم؟ فقالت:
شغلي بموافقة مراده فيما جرى شغلني عن الإحساس بما ترون من شاهد الحالة.
وصل - السجدة السادسة: وهي سجود المعادن والنبات سجود المشيئة والحيوان
وبعض البشر وعمار الأفلاك والأركان سجود مشاهدة واعتبار، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ
لَلَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِّ وَكَثِرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة الحج: الآية ١٨] فذكر سبحانه كل شيء في هذه الآية ولم يبعض إلاَّ الناس فإنه قال:
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِّ﴾ وجعل ذلك من مشيئته، فيبادر العبد بالسجود في هذه الآية ليكون من
الكثير الذي يسجد لله لا من الكثير الذي حقّ عليه العذاب، فإذا رأى هذا العبد أن الله تعالى
قد وفّقه للسجود ولم يحل بينه وبين السجود علم أنه من أهل العناية الذين التحقوا بمن لم
يبعض سجودهم ممّن في السموات ومن في الأرض، والشمس في غروبها، والقمر في

١٩٨
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومه
محاقه، والنجوم في مواقعها، والجبال في إسكانها، والشجر في إقامتها على سوقهـ
والدواب في تسخيرها، وبعض الناس ممّن له الشهود، فمن سجد هذه السجدة من أهل ،
ولم يشهد كل عالم فيه ممّن ذكر ويشهد سجود بعضه من كله ومن بقي منه ولم يسجد فم
سجدها .
وصل - السجدة السابعة: وهي سجدة الفلاح والإيمان عن خضوع وذلّة وافتقار وهي
في آخر الحج في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَعْبُدُواْ زَّكُمْ وَأَفْعَِْ
اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٧] فهذا سجود الفلاح وهو البقاء والغر.
والنجاة، فكان فعل الخير بمبادرته للسجود عندما سمع هذه الآية تتلى سبباً لإيمانه، إذ كـ ـ
الله قد آيه بالمؤمنين في هذه الآية وأمرهم بالركوع والسجود له، فالتحق بالملائكة في كونه.
يفعلون ما يؤمرون، فسجد العبد فأفلح وهي سجدة خلاف، فمن سجد هذه السجدة وــ
يعرف نسبة البقاء الإلهيّ والإبقاء ولم يفرق بين من هو باق ببقائه ومن هو باق بإبقائه وف.
فامتاز بعلامته ممّن انحاز وجاز ونجا عندما التجا وقال بالتثبّت في بعض الأمور وفي بعضه
بالنجا فما سجد هذه السجدة .
وصل - السجدة الثامنة: وهو سجدة النفور والإنكار عند أهل الاعتراف، قال تعالى
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٠.
لما قيل لهم: اسجدوا للرحمن فسجدها المؤمن عندما يتلو ليمتاز بها عن الكافر المنكر لاسمه
الرحمن، فهذه تسمى سجدة الامتياز والله يقول: ﴿وَأَمْتَلُواْ الْيَّوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٥٩.
فيقع الامتياز بين المنكرين للاسم الرحمن وبين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم
عند التلاوة، وزادهم هذا الاسم نفوراً لجهلهم به، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [سورة الفرقان: الآية
٦٠] على طريق الاستفهام، فهذا سجود إنعام لا سجود قهر، فإن الكفار أخطؤوا حيث رأوا أن
الرحمن يناقض التكليف ورأوا أن الأمر بالسجود تكليف، فلا ينبغي أن يكون السجود لمن هو
هذا الاسم الرحمن لما فيه من المبالغة في الرحمة، فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر ربمـ
سارع الكافر إلى السجود خوفاً كما صدر من الجبار عند رسول الله صل# من رؤساء الجاهلية
حيث قال له: يا محمد اتل عليّ ممّا جئت به حتى أسمع فتلا عليه ﴿حمّ﴾ السجدة فلما وصل
إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةُ مِثْلَ صَِفَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١٣]
وهما من العرب وحديثهما مشهور عندهم بالحجاز، فلما سمع هذه الآية ارتعدت فرائصه
واصفرّ لونه وضرط من شدّة ما سمع ومعرفته بذلك وقال: هذا كلام جبار. فما زادهم نفوراً إلاّ
اقتران التكليف بالاسم الرحمن، فإن الرحمن من عصاه عفا عنه وتجاوز فلا يكلفه ابتداء، فلو
علم هذا الجاهل أن أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف وإنما يناقض المؤاخذة
ويزيد في الجزاء الحسنى لبادر إلى ذلك كما بادر المؤمن، فمن سجد هذه السجدة ولم يفرق بين
العلم والخبرة وهو علم الأذواق ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١].
وصل - السجدة التاسعة: وهي سجدة السرّ الخفي عن النبأ اليقين، وموضع السجود من

١٩٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
هذه السورة مختلف فيه فقيل عند قوله: ﴿تُعْلِنُونَ﴾ [سورة النمل: الآية ٢٥] وقيل عند قوله:
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة النمل: الآية ٢٦] فهذا هو سجود توحيد العظمة إن سجد في العظيم
وإن سجد في قوله: ﴿أَلَّ يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا
تُعْلِنُونَ﴾ [سورة النمل: الآية ٢٥] يقول: إن الشمس التي يسجدون لها وإن اعتقدوا أنها تعلم ما
يعلنون فالسجود لمن يعلم ما يخفون وما يعلنون أولى، ثم إنهم يسجدون للشمس لكونها
تخرج لهم بحرارتها ما خبأت الأرض من النبات فقال الله لهم: ينبغي لكم أن تسجدوا للذي
يخرج الخبء في السموات وهو إخراجه ما ظهر من الكواكب بعد أفولها وخبئها ثم يظهرها
طالعة من ذلك الخبء، وفي الأرض ما يخرجه من نباتها، فالشمس ليس لها ذلك، بل
بظهورها يكون خبء ما في السموات من الكواكب، فالله أولى بأن يسجد له من سجودكم
للشمس فإن حكمها عند الله كحكم الكواكب في الأفول والطلوع، فطلوعها من الخبء الذي
يخرجه الله في السماء مثل سائر الكواكب فهذا سجود الرجحان، فإن الدليل هنا في جناب الله
رجح منه في الدلالة على ألوهة الشمس حين اتخذتموها إلهاً لما ذكرناه، فمن سجد هذه
السجدة ولم يقف على لغات البهائم ولا علم منطق الطير ولم ينكح جميع الكواكب وحروف
النطق بحيث يلتذّ بها التذاذه بالكواعب.
وصل - السجدة العاشرة: وهي سجدة التذكّر والذكر بتسبيح وتواضع عن دلالات
منصوبة سجود عقل واستبصار، وهذه سجدة ﴿الَّ تَنزِيلُ﴾ التي إلى جانب سورة لقمان
نحكيم ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّعُواْ بِحَمْدِ رَيِّهِمْ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة السجدة: الآية ١٥] إن حرف تحقيق وتنكير يقول: إن الذي يصدق بآياتنا أنها
يات نصبن لها دلالات على وجودنا وصدق إرسالنا ما هي عن همم النفوس عند جمعيتها هم
الذين إذا ذكروا بها، والتذكّر لا يكون إلاَّ عن علم غفل عنه أو نسيان من عاقل ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
◌ُلُواْ الْأَلْبَبٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٩] يقول: إنها مدركة بالنظر العقلي أنها دلالات على ما نصبناها
عليه، فإذا ذكروا بها وقعوا على وجوههم أي حرصوا على معرفة ذواتهم، فنزّهوا ربهم بما
ـزه به نفسه على ألسنة رسله ولم يعطهم العلم الأنفة عن ذلك، فمن سجد هذه السجدة ولم
يقف على مدارك عقله ولم يفرق بين ما يعطيه نظره وبين ما يعطيه إيمانه فينزّه ربّه إيماناً لا
عقلاً، ويأخذ العلم والحكمة حيث وجدها، ولا ينظر إلى المحل الذي جاء بها، وأن العاقل
يعرف الرجال بالحق وغير العاقل يعرف الحق بالرجال وهذا من أكبر أغاليط النظر، فإن
معنى الذي يندرج في اللفظ الذي يقصد به المتكلم إيضاح أمر هو في الحق المطلوب يقبله
ـجاهل من الرسول إذا جاء به ويحيله ويردّه من الوارث والوليّ إذا جاء به، فلو قبل العلم
ـات العلم لكان ممّن تذكر فإن الله تعالى يقول في حق ما أنزل من القرآن أن رسول الله وعلاجية
يخاطب به ثلاث طبقات من الناس فهو في حق طائفة بلاغ يسمعون حروفه إيماناً بها أنها من
عند الله لا يعرفون غير ذلك، وطائفة تلاه عليها ليدبروا آياته أي يتفكروا فيها حتى يعلموا أن
لآتي بها لم يأت بها من نفسه بل هي من عند مرسله سبحانه، وليتذكر أرباب العقول ما كانوا

٢٠٠
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
قد علموه قبل أي ما جاؤوا بما تحيله الأدلة الغامض إدراكها فإنها لب الدلالات وهم أهل
الكشف والجمع والوجود، فمن لم يحصل ما ذكرناه في سجوده هذه السجدة فما سجد.
وصل - السجدة الحادية عشرة: وهي لنا سجدة شكر في حضرة الأنوار، ولصاحبها
سجدة توبة لا من حوبة وليست من عزائم السجود وهذه سجدة سورة ﴿صَّ﴾ في قوله: ﴿وَظَنَّ
دَاوُدُ أَنَّمَا فَثَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [سورة ص: الآية ٢٤] فسجدها توبة وشكراً معاً،
والظنّ على بابه يقول ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾ إنما اختبرناه فإن الفتنة في اللسان الاختبار، تقول العرب:
فتنت الفضة على النار أي اختبرتها فطلب طلباً مؤكداً الستر من ربه، فإن الاستفعال يؤذن
بالتأكيد ووقع خاضعاً ورجع إلى الله فيما طلب عنه لا لحوله وقوّته، وهذا دليل على أنه كان
عنده من القوّة ما يستتر به فلم يفعل ورجع إلى الله في ذلك، ويؤيّد هذا قول الله له ﴿ وَلَا تَشَِّعِ
اُلْهَوَى﴾ [سورة ص: الآية ٢٦] فلو لم يكن في قوّته التحكّم به فيما يريده ما نهي عنه، فقضينا
حاجته فيما رجع إلينا فيه وسترناه عن الأغيار في حضرتنا فجهل قدره مع تصريحنا بخلافته عنّا
في الحكم في عبادي والتحكّم والتصريف، ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى﴾ ممّا هو له منّا لا
يرجع من ذلك إلى الأكوان والأغيار شيء ﴿ وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [سورة ص: الآية ٢٥] وخاتمة حسنة
أي مشهود لأن الحسنة والحسنى من الإحسان وهو مقام الشهود الذي يعطي الحقائق على ما
هي عليه، فإن رسول الله ◌َّ فسّر الإحسان لجبريل عليه السلام بما أشرنا إليه، فمن سجد
هذا السجود وهو سجود الإنابة وفي السجود فيها خلاف، فإذا سجدها الإنسان ولم يجد فيها
ما وجد داود عليه السلام من التقريب الإلهيّ وعلم خاتمة أمره وبماذا يختم له ونهاية مقامه
ومنزلته عند ربه في الدار الآخرة هذا إذا سجدها سجود داود، وإذا سجدها سجود
رسول الله وسية ولم يجد الزيادة في جميع أحواله في كل حال بما يليق به من علم وعمل في
كل دار بما يليق بتلك الدار فإن الزيادات في الدار بحسب ما وضعت لها، فالدنيا دار تكليف
وعمل، والآخرة دار جزاء، والدنيا أيضاً دار جزاء لمن عقل عن الله، هذا رسول الله وَليل لما
غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر زاد في عبادته ربه فقام حتى تورمت قدماه شكراً لله على
ذلك، وهذا جزاء العبد على المغفرة فهي دار جزاء، فيوم الدين هو يوم الدنيا والآخرة،
فوضع الحدود جزاء، وجازى أهل الشقاء بما عملوه من مكارم الأخلاق في الدنيا ما أنعم به
عليهم من النعم حتى انقلبوا إلى الآخرة وقد جنوا ثمر خيرهم في الدنيا، فلو لم تكن الدنيا
أيضاً دار جزاء ما كان هذا، فمن لم يدرك في سجوده أمثال هذه العلوم فلم يسجد .
وصل - السجدة الثانية عشرة: وهي سجدة الاجتهاد وبذل المجهود فيما ينبغي لجلال
الله من التعظيم والالتذاذ به وهي في ﴿حمّ﴾ السجدة، وفي موضع سجودها خلاف، فقيل
عند قوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣٧] فمن سجد هنا جعلها سجدة
شرط، ومن سجدها عند قوله: ﴿لَا يَسَْمُونَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣٨] كانت عنده سجدة نشاط
ومحبة لما كانت حاجة الخلق إلى الليل ليسكنوا فيه ويتخذوه لباساً يحول بينهم وبين أعين
الناظرين، وإلى النهار ليتسببوا فيه في تحصيل أقواتهم، ورأوا أن الشمس يكون النهار بطلوعها