Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وأما صاحب الكشف فهو على علم عين والمؤمن على بصيرة، ومن استثنى العصر دون
الصبح رأى أنه لا يستقبل الغيب إلاَّ بعبودية الاضطرار لأنّ الغيب الأصل وهو هوية الحق ولا
يفارق الغيب الهوية، قال: والصبح خروج من الغيب إلى الشهادة فلا أبالي بالشهادة على أية
حالة كنت من العبودية من اضطرار أو اختيار، لأن الفرض الوقوف في العبودية، وأن الشهادة
محل الدعوى لأنه محل الحركة والمعاش ورؤية الأغيار وحجابيات الأفعال، ومن استثنى
الصبح دون العصر قال: أريد أن استقبل الاسم الظاهر بعبودية الاضطرار ولا أبالي باستقبال
الليل بأي عبودية استقبلته بعبودية الاضطرار ولا بعبودية الاختيار، ولهذا تنفّل بعد العصر
رسول الله وَّيّ وما تنفل بعد الصبح فقط، وذلك أن هذا الذي مذهبه التنفل بعد العصر إن شاء
يقول الليل له الغيب وله الاسم الباطن وله من القوّة بحيث أنه يجعلني مضطرّاً شئت أم أبيت،
وليس النهار كذلك فإن استقبلته بعبودية الاختيار فهو يحكم عليّ سلطانه ويردّني مضطرّاً،
فكل طائفة راعت أمراً ما في الاعتبار في الصلوات التي لا ترى إعادتها إذا صلتها، وقد تقدّم
معرفة المنفرد والجماعة.
فصل بل وصل فيمن أولى بالإمامة: قال رسول الله وَلَ: ((يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابٍ
اللَّهِ)) فقالت طائفة: أفقههم لا أقرأهم، فهذه مسألة خلاف بين أصحاب هذا القول وبين
رسول الله ﴾، فإني سألت القائمين بهذا المذهب هل بلغكم هذا الحديث؟ فاعترفوا فقالوا:
رويناء وعلمناه وبقول رسول الله - أقول ولا حجة للقائلين بخلاف ما قاله ولا سيما
رسول اللّه ◌ُ ﴾ يقول في هذا الحديث: ((فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَواءَ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» . ففرّق
بين الفقيه والقارىء، وأعطى الإمامة للقارىء ما لم يتساويا في القراءة، فإن تساويا لم يكن
أحدهما أولى بالإمامة من الآخر، فوجب تقديم العالم الأعلم بالسنّة وهو الأفقه، ثم قال عليه
السلام: ((فَإِنْ كَانُوا فِي العِلْم بِالسُّنَّةِ سَواءَ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةَ، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَواءٌ فَأَقْدَمُهُمْ
إِسْلاماَ، وَلاَ يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ وَلاَ يُقْعَدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)) وهو حديث متفق
على صحته وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح الذي يعوّل عليه وأمّا تأويل المخالف للنص بأن
لأقرأ كان في ذلك الزمان الأفقه فقد ردّ هذا التأويل قوله وَ الرَ: ((فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ)).
واعلم أن كلام الله لا ينبغي أن يقدّم عليه شيء أصلاً بوجه من الوجوه، فإن الخاص إن
تقدّمه من هو دونه فليس بخاص، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وهم الذين يقرؤون
حروفه من عجم وعرب، وقد صحّت لهم الأهلية الإلهية والخصوصية، فإذا انضاف إلى ذلك
المعرفة بمعانيه فهو فضل في الأهلية والخصوصية لا من حيث القرآن بل من حيث العلم
بمعانيه، فإن انضاف إلى ذينك إلى حفظه والعلم بمعانيه العمل به فنور على نور على نور،
فالقارىء مالك البستان، والعالم كالعارف بأنواع فواكه البستان وتطعيمه ومنافع فواكهه،
والعامل كالآكل من البستان، فمن حفظ القرآن وعلمه وعمل به كان كصاحب البستان علم ما
في بستانه وما يصلحه وما يفسده وأكل منه، ومثل العالم العامل الذي لا يحفظ القرآن كمثل
العالم بأنواع الفواكه وتطعيماتها وغراستها والآكل الفاكهة من بستان غيره، ومثل العامل كمثل

١٠٢
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الآكل من بستان غيره فصاحب البستان أفضل الجماعة الذين لا بستان لهم فإن الباقي يفتقرون
إليه .
وصل في اعتبار ذلك: الأحق بالإمامة من كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه وسائر
قواه، فإن كانوا في هذه الحالة سواء فأعلمهم بما تستحقه الربوبية، فإن كانوا في العلم بذلك
سواء فأعرفهم بالعبودية ولوازمها، وليس وراء معرفة العبودية حال يرتضي يقوم مقامه أو يكون
فوقه لأنهم لذلك خلقوا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية
٥٦] والإمامة على الحقيقة إنما هي لله الحق تعالى جلّ جلاله، وأصحاب هذه الأحوال إنما
هم نوابه وخلفاؤه، ولهذا وصفهم بصفاته بل جعل عينه عين صفاتهم فهو الإمام لا هم، قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠] وقال تعالى: ﴿مَّن يُطِيع
الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] وقال: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾
[سورة النساء: الآية ٥٩] أي أصحاب الأمر، وأصحاب الأمر على الحقيقة هم الذين لا يقف
لأمرهم شيء لأنهم بالله يأمرون كما به يسمعون كما به يبصرون، فإذا قالوا لشيء كن فإنه
يكون لأنهم به يتكلمون فهذا معنى: ﴿وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] في الاعتبار،
ولهذا كانت طاعة السلطان واجبة، فإن السلطان بمنزلة أمر الله المشروع من أطاعه نجا ومن
عصاه هلك .
فصل بل وصل في إمامة الصبي غير البالغ: إذا كان قارئاً اختلفوا في إمامة الصبي غير
البالغ إذا كان قارئاً، فأجاز ذلك قوم مطلقاً، ومنع من ذلك قوم مطلقاً، وأجازه قوم في النفل
دون الفريضة، اعتبار الأمر في ذلك يقال: صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه لما كان الصبي يميل
إلى حكم الطبيعة ونيل أغراضه سمّي صبياً أي مائلاً إلى شهواته، وهو غير البالغ حد العقل
الذي يوجب التكليف، وكانت الطبيعة في الرتبة دون العقل فلم يصحّ لها التقدم ولا لمن مال
إليها، وإن كان مائلاً إليها بحق فإن لها مقام التأخر فلا بدّ أن يتأخر، والمتأخر لا يكون إماماً
مقدماً فإنه نقيض حكم ما هو فيه، فمن راعى هذا الاعتبار لم يجز إمامة الصبي وإن كان
قارئاً، ومن راعى كونه حاملاً للقرآن جعل الإمامة للقرآن لا للصبي، وكانت إمامة الصبي في
حكم التبعية لأجل القرآن فأجاز إمامة الصبي قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ [سورة مريم:
الآية ١٢] يعني حكم الإمامة، وقالوا: ﴿ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِِّ عَبْدُ اللَّهِ ءَ اتَنِىَ
اُلْكِتَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٢٩] وهو مقام الإمامة مع تسميته صبياً، ومن جعل عبودية
الصبي عبودية اختيار لسقوط التكليف عنه ورأى أن النافلة عبادة اختيار أجاز صلاة الصبي
إماماً في النفل دون الفرض للمناسبة في الاختيار.
فصل بل وصل في إمامة الفاسق: فردّها قوم بإطلاق، وأجازها قوم بإطلاق، وفرّق قوم
بين الفاسق المقطوع بفسقه وبين المظنون فسقه، فلم يجيزوا الإمامة للمقطوع بفسقه وأن
المصلي وراءه يعيد، واستحبوا الإعادة لمن صلّى خلف المظنون فسقه في الوقت، وفرقوا
ايضاً بين من يكون فسقه بتأويل وبين من يكون بغير تأويل، فأجازوا الصلاة خلف المتأول

١٠٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ولم يجيزوها لغير المتأول، وبالإجازة على الإطلاق أقول: فإن المؤمن ليس بفاسق أصلاً إذ
لا يقاوم الإيمان شيء مع وجوده في محل العاصي.
الاعتبار في ذلك: الفاسق مَن خرج عن أصله الحقيقي وهو كونه عبداً لأنه لهذا
خلق، فإنه لا بدّ أن يكون عبداً لله أو عبداً لهواه فما برح من الرق، فلم يبق خروجه إلاَّ
عن الإضافة التي أمر أن ينضاف إليها فتجوز إمامته لأنّ الموفق من عباد الله يأثم بهذا
الفاسق فإنه يراه قائماً بعبوديته في حق هواه الذي فيه شقاؤه، فيتعلم منه استيفاء حق
العبودية التي أمره الله أن يكون بها عبداً له فيقول: أنا أولى بهذه الصفة في حق الله من
هذا العبد في حق هواه، فلما رأينا أولياء الله يأتمون به وينفعهم ذلك عند الله ويكون هذا
الاقتداء سبباً في نجاتهم صحّت إمامته، وقد صلَّى عبد الله بن عمر خلف الحجاج وكان
من الفساق بلا خلاف المتأولين بخلاف، فكل من آمن بالله وقال بتوحيد الله في ألوهته
فالله أجل أن يسمي هذا فاسقاً حقيقة مطلقاً وإن سمّي لغة لخروجه عن أمر معين وإن
قلَّ، والمعاصي لا تؤثر في الإمامة ما دام لا يسمّى كافراً.
وأمّا الفسق المظنون فبعيد من المؤمن إساءة الظنّ بحيث أن يعتقد فسوق زيد بالظنّ لا
يقع في ذلك مؤمن مرضي الإيمان عند الله، وهذا كله في الأحوال الظاهرة. وأمّا الباطنة
فذلك إلى الله أو من أعلمه الله، ثم يرتقي العارف بالنظر في الفسوق ممّا يذمّه الشرع إلى ما
تعطيه اللغة ولكن في الاعتبار لا في الحكم الظاهر، وهو إذا خرج الإنسان عن إنسانيته
بخروجه عن حكم طبيعته عليه إلى عالم تقديسه من الأرواح العلا فهل تصحّ له إمامة هنالك أم
لا؟ فمن أصحابنا من قال: تصحّ إمامته بالعالم الأعلى على الإطلاق وهو مذهبنا، ومن
أصحابنا من قال: لا يؤمّ إذا خرج عن حكم طبيعته إلاَّ بالأرواح المفارقة للأجسام الطبيعية من
الجنّ والإنس، وسبب اختلافهم أن كل صاحب كشف أخبر عمّا رأى في كشفه في ذلك
الوقت، والمكاشف قد يطلع وقتاً على الأمر من جميع جهاته، وقد يطلع على بعض وجوهه
ويستر الله عنه ما شاء من وجوه ذلك الأمر، فيحكم المكاشف على الكل فيكون صحيح
الكشف مخطئاً في تعميم الحكم، ثم يرى أنه من حيث روحه من جملة الأرواح الملكية
فيقول: وإن خرجت عن طبيعتي فلم أخرج عن ملكيتي لما فيّ من عالم الأمر، فيطلب النفوذ
والخروج أيضاً عن روحه كما خرج عن طبيعته، فيخرج بسرّه الرباني فتقوم له الأسماء الإلهية
فيؤم بها نحو خالقه وهو يقدمها، فكل اسم له حقيقة وهذا العبد مجموع تلك الحقائق كلها
فتصحّ له الإمامة في ذلك الموطن مع خروجه عن طبيعته وروحه، وما من موطن يخرج عنه
إلاَّ ويلحقه فيه ذم من طائفة لأن تلك الطائفة ترى في هذا العبد أنه متعبد بمجموعه وهو
الصحيح فتسميه فاسقاً ولكن يعذر فإن السلوك يعطي التحليل حتى ينتهي فإذا انتهى يتركب
طوراً بعد طور كما يتحلل حتى يكمل فيزول عنه اسم الفسوق في كل عالم، فهذا اعتبار إمامة
الفاسق .
فصل بل وصل في إمامة المرأة: فمن الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال

١٠٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
والنساء وبه أقول: ومنهم من منع إمامتها على الإطلاق. ومنهم من أجاز إمامتها بالنساء دون
الرجال .
الاعتبار في ذلك: شهد رسول الله ومحلول لبعض النساء بالكمال كما شهد لبعض الرجال
وإن كانوا أكثر من النساء في الكمال وهو النبوّة والنبوّة إمامة فصحّت إمامة المرأة والأصل
إجازة إمامتها، فمن ادّعى منع ذلك من غير دليل فلا يسمع له، ولا نص للمانع في ذلك
وحجته في منع ذلك يدخل معه فيها ويشرك فتسقط الحجة فيبقى الأصل بإجازة إمامتها. اعلم
أن الإنسان عالم في نفسه كبير من جهة المعنى وإن كان صغير الحجم ولهذا يقول: ﴿إِيَّاكَ
نعبدَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] بنون الجمع، وجعل جوارحه وقواه الظاهرة والباطنة منقادة لما
يحكم فيها المقدمون عليها وهو: العقل، والنفس، والهوى، وكل واحد منهم قد يؤم
بالجماعة في وقت ما، فالطاعات كلها المقرّبة للعقل والمباحات للنفس والمخالفات للهوى
وقد قيل للعقل: إذا سئمت النفس من اتباعك في الأمور المقربة واقتدائها بك في وقت
إمامتك وتقدمت هي في المباحات وأمت بك فاتبعها وصل خلفها حافظاً لها لئلا يخدعها
الهوى، فإن الهوى يتبعها في ذلك الحال عسى يوقع بها في محظور، ففي مثل هذا الموطن
تجوز إمامة النفس وهي إمامة المرأة، وإمامة العقل بمنزلة إمامة الرجل المسلم البالغ العالم الولد
الحلال، وإمامة الهوى بمنزلة إمامة المنافق والكافر والفاسق، وإمامة النفس بمنزلة إمامة المرأة .
فصل بل وصل في إمامة ولد الزنى: اختلفوا في إمامة ولد الزنى، فمن مجيز إمامته،
ومن مانع من ذلك .
الاعتبار في ذلك: ولد الزنى هو العلم الصحيح عن قصد فاسد غير مرضيّ عند الله فهو
نتيجة صادقة عن مقدّمة فاسدة، فالإنسان وإن طلب العلم لغير الله فحصوله أولى من الجهل،
فإنه إذا حصل قد يرزق صاحبه التوفيق فيعلم كيف يعبد ربّه فتجوز إمامة ولد الزنى وهو
الاقتداء بفتوى العالم الذي ابتغى بعلمه الرياء والسمعة ليقال. فأصل طلبه غير مشروع،
وحصول عينه في وجود هذا الشخص فضيلة .
فصل بل وصل في إمامة الأعرابيّ: اختلفوا في إمامة الأعرابي، فمن مجيز إمامته، ومن
مانع من ذلك .
الاعتبار في ذلك: الجاهل بما ينبغي للإمام أن يعلمه لا يصلح للإمامة لأن الإمام يقتدى به
وهو لا يعلم ولا يتعلم، فلا تجوز إمامة من هذه صفته لأنه لا يعلم ما يجب عليه ممّا لا يجب،
فالمقتدى به ضال وليس هو بمنزلة صلاة المفترض خلف المتنفل، فإن الإمام إذا تنفل وخالف
المأموم في نيته فما خالفه فيما هو فرض في الصلاة نافلة كانت أو فريضة لأنها تشتمل على
فروض وسنن، فأركانها فروض كلها وسننها كذلك في النافلة والفريضة، فما فعل المتنفل الذي
هو الإمام في صلاته إلاَّ ما تفرض عليه أن يفعله من أركان صلاته من ركوع وسجود وغير ذلك
وكذلك سننها، والمفترض مقتد به في هذه الأفعال التي هي فرض عليهما فعلها، فما اقتدى الذي
نوى الفرض خلف المتنفل إلاَّ بما هو فرض على المتنفل فاعلم ذلك .

١٠٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فصل بل وصل في إمامة الأعمى: فمن مجيزٍ إمامة الأعمى، ومن مانع إمامته والله
أعلم .
اعتبار ذلك: الأعمى هو الحائر الذي هو في محل النظر لم يترجح عنده شيء وليس
بواقف فيكون شاكاً والأصل حكم الفطرة التي ولد عليها فهو مؤمن في حال نظره وحيرته ما
لم يقف أو يرجح فتجوز إمامته بأصل الفطرة لاستنابة رسول الله عليه ابن أم مكتوم على
المدينة يصلي بالناس وهو أعمى.
فصل بل وصل في إمامة المفضول: اختلف العلماء في إمامة المفضول، فمنهم من
أجازها، ومنهم من منع من ذلك. صلَّى رسول الله وَ# خلف عبد الرحمن بن عوف بلا خلاف
وقضى ما فاته وقال : أحسنتم.
اعتبار ذلك: الفاضل يصلي خلف المفضول ليرقي همته ويرغبه في طلب الأنفس
والأعلى سياسة وحسن تربية فإنه داع إلى الله تعالى على بصيرة أن الله يفتح للكبير بصدق
توجه الصغير، فالصغير مفيد الكبير وإمامه من حيث لا يشعر وكم من مريد صادق وقعت له
واقعة وهو معتنى به فعرضها على الشيخ وقد كان الشيخ ما عنده معنى تلك الواقعة، وقد
استفرغت همّة المريد وقطعت أن واقعته لا يعرف حل إشكالها إلاَّ هذا الشيخ ففتح الله على
ذلك الشيخ فيها بهمة ذلك المريد وصدقه فيه عناية من الله بالمريد، وينتفع الشيخ تبعاً وإن
كان الشيخ أعلى منه في المقام، ولكن ليس من شرط كل مقام إذا دخله الإنسان ذوقاً أن يحيط
بجميع ما يتضمنه من جهة التفصيل، فإنا نعلم قطعاً أنا نجتمع مع الأنبياء عليهم السلام في
مقامات وبيننا وبينهم في العلم بأسرارها بون بعيد يكون عندهم ما ليس عندنا وإن شملهم
المقام، فهذه إمامة المفضول فافهم ولا تغالط نفسك فتقول: أنا شيخ هذا فأنا أعلم منه بما
تطلبه التربية، وقد لا تكون أعلم منه بما تنتجه، وقد رأينا ذلك معاينة في حق أشخاص
والحمد لله. انتهى الجزء الأربعون.
(الجزء الحادي والأربعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
فصل بل وصل في حكم الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة هل يقول آمين أم لا يقولها :
اختلف العلماء في ذلك، فمن قائل: يؤمن. ومن قائل: لا يؤمن.
وصل في الاعتبار في ذلك: إن جعل الإنسان نفسه أجنبية عنه فإنه يخاطبها مخاطبة
الأجنبي يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسَّوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] وهذا
يجده كل إنسان ذوقاً تقتضيه نشأته، ورسول الله وَلا يقول للإنسان المكلف: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ
حَقّاً)) فأضاف النفس إليه والشيء لا يضاف إلى ذاته، فجهل النفس غير الإنسان وأوجب لها عليه
حقاً تطلبه منه، فإن كان هو التالي فلا لنفسه عند فراغ الفاتحة آمين، وإن كانت النفس التالية فلا
بدّ أن يقول هو آمين والإنسان واحد العين كثير بالقوى ويؤيده قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾

١٠٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
[سورة فاطر: الآية ٣٢] وبادرني عبدي بنفسه في القاتل نفسه فمن كان هذا مشهده قال: يؤمن الإمام
والمنفرد. ومن رأى أن الإمام عين واحدة أو يرى أنه قال بربه في قوله: بي يسمع وبي يبصر وبي
يتكلم، وقد كان الشيخ أبو مدين ببجاية يقول: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الباء عليه مكتوبة يشير إلى
هذا المقام وهي تسمّى بيا الإضافة مثل قوله أيضاً، فمن كان مشهده هذا يقول: لا يؤمن الإمام
والتأمين أولى بكل وجه فإن المكلف مأمور إذا دعا أن يبدأ بنفسه، وقوله آمين دعاء يقول: اللهم
أمنا بالخير وبما قصدناك فيه والإنسان بحكم حاله ومشهده، وفي الحديث الثابت: ((إِذَا أَمَّنَ
الإِمَامُ فَأَمِّنُوا)) والحديث الآخر: ((فَإِذَا قَالَ الإِمَامُ: وَلاَ الضَّالْيْنَ، فَقُولُوا: آمِين)).
فصل بل وصل متى يكبر الإمام: فمن قائل: بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف. ومن
قائل: قبل أن يتم الإقامة. ومن قائل: بعد قول المؤذن: قد قامت الصلاة، وبالتخيير أقول في
ذلك .
الاعتبار: الإقامة للقيام بين يدي الله تعالى فإنه يقول: حيّ على الصلاة، واستواء
الصفوف مثل صفوف الملائكة عند الله تعالى الذين أقسم بهم في قوله: ﴿ وَالَّذَفَّتِ صَفًا﴾
[سورة الصافات: الآية ١] وهي إشارة إلى إقامة العدل فإن الإنسان بروحه ملك مدبر لما ولاه الله
عليه من هذه النشأة الذي أشار إليه بالبلد الأمين لكونه أماً جامعة مثل مكة التي هي أم القرى
والفاتحة أم الكتاب، فلا بدّ من فروض الأحكام لإقامة العدل في العبادات التي خوطب بها
جماعة الجوارح، فاجتماع الهم على ذلك واجب ظاهراً وباطناً، فمن رأى مثل هذا يكبّر بعد
الإقامة واستواء الصفوف كأنه يقول: الله أكبر من أن يتقيد تكبيره بمثل هذه الصفة لإحاطته
إطلاقاً بكل حال ووجه، فإنه أعطى كل شيء خلقه فإنه على صراط مستقيم، فلما كلّف عباده
بالمشي على صراط خاص عينه لهم كان من عدل إليه سعد، ومن عدل عنه شقي، ومن راعى
المسارعة إلى الخيرات والسباق إلى المناجاة كبّر عند سماعه حيّ على الصلاة في الإقامة إلاّ
أن يكون هو المقيم فلا يتمكن له حتى يفرغ من لا إله إلاَّ الله وحينئذ يكبّر، وإنما قلنا يبادر
بالتكبير الإقامة وهو قول المؤذن: قد قامت الصلاة ليصدق المؤذن في قوله: قد قامت الصلاة
لأنه جاء بلفظ الفعل الماضي فيبني صلاته على قاعدة صدق فيفوز في الثواب بـ ﴿فِي جَنَّتٍ
وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٤، ٥٥] أي في ستور من علوم جارية
واسعة، كلما قلت هذا جاء غيره لأن النهر جار على الدوام بالأمثال.
واعلم أن أول إقامة الصلاة تكبيرة الإحرام كعجب الذنب من إقامة النشأة، فإذا قال
المؤذن: قد قامت الصلاة قبل تكبيرة الإمام لم يصدق وتجوز في الكلام وعلم الأذواق
والأسرار لا يحمل التجوّز في الكلام فإنه على الحقيقة والكشف يعمل وروح الإنسان ما هو
بيده، فلو قبض الإمام وقد قال المؤذن: قد قامت الصلاة ولم يكبّر الإمام لعلمنا أنه قبض
مكذباً ولا ينفعه هنا قوله {وَ﴾: ((إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي صَلاَةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ)) ونحن في هذا
الموطن بحكم الصلاة المنتظرة بالألف واللام، ولا نشك أن العارفين في حركاتهم وسكناتهم
في صلاة ومناجاة، ولكن المطلوب منه في هذه الحالة الصلاة المشروع لنا إقامة نشأتها من

١٠٧
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
تكبيرة الإحرام إلى التسليم وما بينهما ترتيب أعضاء نشأتها حتى تقوم خلقاً سوياً يشهدها
ببصره من أنشأها، ولا سيما من أنشأها بربه فإنها تخرج من أكمل النشآت ليس للنفس فيها
حظ، فهذه صلاة إلهية لا كونية، ومن جعل الإقامة من المؤذن أو من نفسه من نفس إقامة
نشأة الصلاة كبّر بعد الإقامة وتكون الصلاة مشتركة في نشأتها إلاَّ في حق المقيم بنفسه لا
بالمؤذن، فإنه لا فرق في أول إنشاء صورة الصلاة عنده من الإقامة إلاّ أن يكون المقيم الذي
هو المؤذن والإمام يتصرفان بربهما على قدم فنائهما عن أنفسهما، فقد تكون نشأة الصلاة نشأة
إلهية ولكن لا تقوى في الصورة قوّة الواحد لأن مزاج كل واحد من الشخصين يفارق الآخر
والحق ما يتجلى إلا بحسب القابل.
اعلم أن العبد يقيم سرّه بين يدي ربّه في كل حال فهو مصلّ في كل حال، ففي أي
وقت كبّر من هذه الأوقات التي وقع فيها الخلاف بين علماء الرسوم فقد أصاب فإن الصلاة قد
قامت، فإن الله قرّر حكم المجتهد شرعاً منه كلفنا به، ويخرج قوله: حيّ على الصلاة في
الإقامة خطاباً للجوارح لتصرفها في غير تلك الأفعال الخاصة بهذه الحالة، وخطاباً للروح بل
للكل بالخروج من حال هو فيه إلى حال أخرى أي أقبل عليها، وإن كنت في صلاة فتكون
من: ﴿الَِّينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآِعُونَ وَالَّذِينَ فِ أَفَوَلِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ لِلِسَآَبِلِ وَالْمَعْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدّينِ
وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِم ◌ُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَلِّنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِعُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَ وَرَّهَ ذَلِكَ فَأَقْلَكَ هُمُ الْعَادُونَ وَلَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَّتَئِمْ وَعَهْدِ رَعُونَ وَالَِّينَ هُمْ
بِشَهَدَتِهِمْ قَاِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ بُهَافِظُونَ﴾ [سورة المعارج: ٢٣ - ٣٤].
فصل بل وصل في الفتح على الإمام: اختلف العلماء في الفتح على الإمام فمن قائل :
بالفتح عليه. ومن قائل: لا يفتح عليه ويركع حيث ارتج عليه. ومن قائل: لا يفتح عليه إلاّ
إذا استطعم. ومن قائل: لا يفتح عليه إلاّ في الفاتحة وصاحب هذا القول يقول: من فتح عليه
في السورة فقد بطلت صلاة الفاتح.
وصل الاعتبار: من قال بالخاطر الأوّل قال: لا يفتح على الإمام وكذلك من قال
بالوقت ومن قال بمراعاة الأنفاس. وأما من قال بما سبقت به السابقة في أوّل الشروع وراعى
ذلك الخاطر وجعل الحكم له فإن نوى عندما شرع قراءة سورة أو آيات معلومات ثم ارتجّ
عليه فله أن يتم ما نوى، فيستطعم المأموم فيطعم المأموم ويفتح عليه إذا ارتجَ عليه. وقد سأل
النبيّ وَّر عن أبيّ حين أرتج عليه يقول له: ((لِمَ لَمْ تَفْتَحْ عَلَيَّ؟)) لأن أبياً كان حافظاً للقرآن،
فراعى القصد الأوّل بالقراءة فأراد تمامه، والإرتاج على العبد في الصلاة من أدلّ دليل على
وجود عين العبد، وأعني بوجود عينه ثبوته لأن ذلك ليس من صفات الحق، فإن صلَّى بربه
فينبغي للمصلي أن يكون مع الحق بحسب الوقت، فلا ينظر إلى ماضٍ ولا إلى مستقبل، فلا
يستفتح ولا يفتح عليه ولكن يركع حيث انتهى به ربه من كلامه فذلك الّذي تيسّر له من القرآن،
قال تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَبَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] وقد فعل فلا ينبغي أن يكون
لمخلوق في الصلاة أثر ينسب إليه وهو مذهب عليّ بن أبي طالب والجواز مذهب ابن عمر .

١٠٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فصل بل وصل في موضع الإمام: اختلف العلماء في موضع الإمام، فمن قائل: بأنه
يجوز أن يكون أرفع من موضع المأمومين. ومن قائل: بالمنع من ذلك، وقوم استحبّوا من
ذلك اليسير، ومذهبنا أيّ شيء كان من ذلك جاز، وارتفاع موضع الإمام أولى لأجل الاقتداء
به على التعيين .
وصل الاعتبار في ذلك: المناسبات في الأمور أولى من عدم المناسبات، ومرتبة الإمامة
على من مرتبة المأموم، فينبغي أن يكون في تلك المرتبة الأفضل والأعلى، وينبغي أن يكون
في موضعه أرفع لأنه في مقام الاقتداء به، فلا بدّ أن يكون له الشرف على المأموم فإنه موضع
للمأموم ولهذا سمّي إماماً فله حالتان وحالتان، فالحالتان الأوليان أن يكون إماماً مأموماً معاً
في حال واحدة فيقتدي بأضعف المأمومين في صلاته فهو مأموم، ويقتدي به المأموم في
ركوعه وسجوده وجميع أفعاله فهو إمام. والحالتان الأخريان: حالة يسمّى بها مصلياً فهو مع
ربّه في هذه الحالة وهو إمام لغيره فله حالة أخرى فمن راعى كونه مصلياً منع أن يكون له
شفوف على المصلين وإن كثروا فإنهم أئمة بعضهم لبعض من الإمام إلى آخر الصفوف، ومن
راعى كونه إماماً كان أولى أن يكون موضعه أرفع من المأموم فهو بحسب مشهده.
فصل بل وصل في نية الإمام الإمامة: اختلف العلماء هل يجب للإمام أن ينوي الإمامة
أم لا؟ فمن قائل: بوجوبها. ومن قائل: بأنها لا تجب وبه أقول وإن نوى فهو أولى.
وصل الاعتبار: ينبغي للمصلي أن يكون له شغل بربه لا بغير ربه، فإن الصلاة قسّمها الله
بينه وبين المصلي فليس له أن ينوي الإمامة، ومن رأى أن قوله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين
عبدي نصفين من غير نظر إلى التفصيل الوارد بعد هذا القول في قراءة أمّ القرآن أدخل حكم
رعاية المأموم في هذا القول أي المصلي إذا كان إماماً أو مأموماً فإن الصلاة مقسومة بيني وبين
عبدي نصفين فينوي التوجّه إليّ، وينوي التوجّه إلى القبلة، وينوي القربة بهذه العبادة إليّ،
وينوي الإمامة بالمأمومين، وينوي المأموم بهذه العبادة القربة إليّ، وينوي الائتمام بالإمام، وكل
مصلّ بحسب ما يقع له ويشهده الحق في مناجاته .
فصل بل وصل في مقام المأموم من الإمام: لا يخلو المأموم إمّا أن يكون واحداً أو اثنين
أو أكثر من اثنين، ولا يخلو إما أن يكون رجلاً أو رجلين أو امرأة أو صبياً، فأما المأموم إذا
كان رجلاً بالغاً واحداً فإنه يقيمه عن يمينه، فإن كان صبياً أقامه عن يمينه مثل الرجل وقيل عن
يساره ليمتاز حكم الصبي من حكم الرجل، فإن كان رجلين أقام أحدهما عن يمينه والآخر عن
يساره وإن شاء أقامهما خلفه، وإن كان رجلاً وصبياً فحكمهما مثل حكم الرجلين، فإن كان
امرأة كانت خلف الإمام إذا انفردت، فإن كان معها رجل واحد فالرجل عن يمين الإمام
والمرأة خلفه، وإن كان أكثر من واحد مع وجود المرأة أقام الرجال خلفه والمرأة أو النساء
خلف الرجال .
وصل الاعتبار: ورد في الأخبار الندب إلى التخلق بأخلاق الله، قال عليه السلام: ((مَا
كَانَ اللَّهُ لِيَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذَهُ مِنْكُمْ)) وما من وصف وصف الحق به نفسه إلا وقد ندبنا إلى

١٠٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الاتصاف به، وهذا معنى التخلق والاقتداء والائتمام وهذه الإمامة عينها، فالإمام على الحقيقة
هو الله تعالى والمأموم المخلوقون، فلا يخلو الإمام أن ينظر نفسه واحداً من حيث أحديته
وهو ما يختص به ويتميز عن كل من سواه مع الحق، أو ينظر نفسه مع الحق من حيث
شفعيته، أو ينظر مع الحق من حيث فرديته وهو الثلاثة أعني ثالث اثنين، أو ينظر نفسه من
حيث إنه لم يكمل كما كمل غيره، أو ينظر نفسه مع الحق من كونه مائلاً إلى طبيعته وهو
الصبي من صبا إذا مال، أو ينظر نفسه مع الحق من كونه مائلاً إلى طبيعته لا من حيث عقله
فيكون بمنزلة المرأة، فلا يخلو إمّا أن يستحضر عقله مع طبيعته والحق تعالى في هذه الأحوال
كلها إمام، فاليمين للقوّة وكلتا يديه يمين للقربة وإسقاط الحول والقوّة والخلف للاقتداء
والاتباع، فانظر أيها المصلي بأي حال حضرت في صلاتك ممّا ذكرناه، فقم به في المقام
الذي بيناه من الإمام تكن قد أتيت بالصلاة المشروعة، ولكن مشهودك الحق وإمامك من
حيث ما وصفه الشارع لا من حيث ما دلّ عليه دليل العقل حتى تكون ذا دين في عقلك
وعقدك عملك، وإن لم تفعل انتقص من عبادتك على قدر ما أدخلت فيها من عقلك من حيث
فكرك ونظرك .
فصل بل وصل في الصفوف
وصل فيمن صلَّى خلف الصف وحده: أجمع العلماء على أن الصف الأوّل مرغب فيه
وكذلك التراص وتسوية الصف إلاَّ من شذّ في ذلك فقال: من قدر على الصف الأول ولم
يصلّ فيه بطلت صلاته، وكذلك التراص وتسوية الصفوف إذا لم يوجد بطلت الصلاة، ولما
ثبت الأمر بذلك حمله بعض الناس على الندب وحمله بعض على الوجوب وهو الذي ذكرناه
من أنه تبطل الصلاة بعدم هذه الصفة، والذي أقول به إن الصلاة صحيحة وهم عصاة، أمّا
الصف الأوّل فورد الحديث الصحيح عن رسول الله وَّر في المسابقة إليه، ثم إنه قال فيه: ثم
لم يجدوا إلاَّ أن يستهموا عليه لاستهموا عليه يريد الاقتراع، وأما التسوية فإنهم دعوا إلى حال
واحدة مع الحق وهي الصلاة، فساوى في هذه الدعوة بين عباده فلتكن صفتهم فيها إذا أقبلوا
إلى ما دعاهم إليه تسوية الصفوف، لأن الداعي ما دعا الجماعة إلاَّ ليناجيهم من حيث إنهم
جماعة على السواء لا يخصّ واحد دون آخر فيجب أن يكونوا على السواء، والاعتدال في
الصف لا يتأخر واحد من الصف ولا يتقدّم بشيء منه يؤدّي إلى اعوجاجه فإنهم يناجون من
هذه الحيثية، وينبغي أن تكون الصور الباطنة والهمم من المصلين متساوية في نسبة التوجّه إلى
الله تعالى والإخلاص له في تلك العبادة التي دعاهم إليها من حيث ما هم مصلون، وأن الله
لما اصطفى منهم واحداً سمّاه إماماً ليناجيه عن الجماعة بما يحب أن يهبه للجماعة، وجعله
كالترجمان بين يديه وبين أيديهم مقبلاً على ربهم، فيجب على الجماعة السكوت والإنصات
والانتظار لما يرد عليهم من سيدهم بوساطة ذلك الإمام، ولهذا جاء في حديث جابر: ((إنّ
قراءة الإمام كافية عن الجماعة)) فإنه الذي قدّمه الحق للمناجاة، فلما كان الإمام هو المقصود

١١٠
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
في النيابة عن الجماعة وأمر الشرع أن يأتموا به في كل ما يفعله ممّا شرع له فعله وجب عليهم
الإنصات والاقتداء بكل ما يفعله الإمام في صلاته.
وأما التراص في الصف فهو أن لا يكون بين الإنسان وبين الذي يليه خلل من أوّل الصف
إلى آخره، وسبب ذلك أن الشياطين تسدّ ذلك الخلل بأنفسها وهم في محل القربة من الله
تعالى، فينبغي أن يكونوا في القرب بعضهم من بعض بحيث أن لا يبقى بينهم خلل يؤدّي إلى
بعد كل واحد من صاحبه، فتكون المعاملة فيما بينهم من أجل الخلل نقيض ما دعوا إليه من صفة
القربة فيتخلل تلك الخلل والفرج البعداء من الله لمناسبة البعد الذي بين الرجلين في الصف في
الصلاة فينقصهم من رحمة القرب الذي للمصلي في الصف بقدر الخلل وبمرتبة ذلك الشيطان
من البعد عن الله، فإذا لزقت المناكب بعضها ببعض انسدّ الخلل ولم تجد صفة البعد عن الله
محلاً تقوم به لأن الشيطان الذي هو محل البعد عن الله ليس هناك، وإنما تفرح الشياطين بخلل
الصف وتدخل فيه لما ترى من شمول الرحمة التي يعطي الله للمصلين فتزاحمهم في تلك الفرج
لينالهم من تلك الرحمة شيء بحكم المجاورة من عين المنّة لمعرفتهم بأنهم البعداء عن الله وما
هم هؤلاء الشياطين الذين يوسوسون في الصلاة فإن أولئك محلهم القلوب، فهم على أبواب
القلوب مع الملائكة تلقي إلى النفس وتنكت في القلب ما يشغله عمّا دعى إليه .
ومن جملة ما تلقي إليه أن لا يسدّ الخلل الذي بينه وبين صاحبه لوجهين: الوجه
الواحد: ليتصف بالمخالفة فيؤدّيه إلى البعد عن الله فإن الشيطان إنما كان بعده عن الله
لمخالفته لأمر الله. والوجه الثاني: في حق أصحابهم من الشياطين ليتخللوا ذلك الخلل
فتصيبهم رحمة المصلين فيناجي الإمام ربه ويناجيه، ولهذا شرع كناية الجمع في مناجاة
الصلاة، وأن لا يخصّ الإمام نفسه في الدعاء دونهم فإنه لسان الجماعة، فالمكاشف يشهد
هذا كله ويأخذ عن الله ممّا يعطيه بوساطة هذا الإمام ما يأتي به الله، وسواء كان ذلك الإمام قد
وفى حق ما دعي إليه من الحضور مع الله أم لا فيتلقاه كل من هذه صفته من الله فيسعد الإمام
بمثل هذا المأموم.
وأمّا غير المكاشف وغير الحاضر في الصلاة بقلبه إذا اجتمع هو والإمام في عدم
الحضور كان الإمام من الأئمة المضلين، فإن حضر الجماعة مع الله ما عدا الإمام كان الإمام
ضالاً وحده وإن سعد فيمن خلفه، وإن حضر الإمام وحده ولم تحضر قلوب الجماعة في
تلك الصلاة شفع الإمام في الجماعة كلها فإنه العين المقصودة من الجماعة فقد حصل
المقصود، ولهذا ينبغي أن يختار للإمامة أهل الدين والخير والمشتغلين بالله وإن كانوا قليلين
من العلم فهم أولى بالإمامة من العلماء الغافلين، لأن المراد من المصلي الحضور مع الله فلا
يحتاج من العلم المصلي من حيث ما هو مصلّ إلاَّ أن يعرف أنه بين يدي ربه يناجيه بما يسّر
الله له من تلاوة كتابه لا غير ذلك، فلا يبالي بما نقصه من العلم في حال صلاته، حتى أن
المصلي لو أحضر في مناجاته مبايعة ومسائل طلاق ونكاح لم يكن بينه وبين الغافل عن صلاته
فرق، وإنما يكون مع الله من حيث ما هو بين يديه في عبادة خاصة دعاه إليها يحرم عليه فيها

١١١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
في باطنه ما حرم عليه في ظاهره، فكما لا ينبغي أن يلتفت بوجهه التفاتاً يخرجه عن القبلة،
كذلك لا ينظر بقلبه إلى غير من يناجيه وهو الله، وكما لا يشتغل بلسانه بسوى كلام ربه أو
ذكره الذي شرع له لا يصحّ فيها شيء من كلام الناس، كذلك يحرم عليه في باطنه كلامه
النفسيّ مع من يشاريه أو يبايعه أو يتحدّث معه في باطنه في نفس صلاته من أهل وولد وإخوان
وسلطان سواء، فلهذا لا يشترط في الإمام كثرة العلم وإنما الغرض ما يليق بهذه الحالة، فإن
اتفق أن يكون من هذه حالته من الدين والمراقبة والحياء من الله كثير العلم راسخاً سيداً كان
الأولى بالتقدّم فإنه الأفضل ممّن ليس له ذلك.
فالصفوف إنما شرعت في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوفه بين يدي الله يوم القيامة في
ذلك الموطن المهول، والشفعاء من الأنبياء والمؤمنين والملائكة بمنزلة الأئمة في الصلاة
يتقدّمون الصفوف، فكم شخص يكون هنا مأموماً من أهل الصفوف يكون غداً إماماً أمام
الصفوف، ويكون إمامه الذي كان في الدنيا يصلي به مأموماً غداً، فيا لها من حسرة وصفوفهم
في الصلاة كصفوف الملائكة عند الله كما قال تعالى: ﴿وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفًا﴾ [سورة الفجر: الآية
٢٢] وقال: ﴿وَاَلْمَلَتِكَةُ صَغَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [سورة النبأ: الآية ٣٨] وهو الإمام
النائب عن الجماعة، وأمرنا الحق أن نصف في الصلاة كما تصف الملائكة يتراصون في
الصف، وإن كانت الملائكة لا يلزم من خلل صفها لو اتفق أن يدخلها خلل أعني ملائكة
السماء دخول الشياطين لأن السماء ليست بمحل للشياطين ولا بمكان، وإنما يتراصون
لتناسب الأنوار حتى يتصل بعضها ببعض فتنزل متصلة إلى صفوف المصلين فتعمهم تلك
الأنوار، فإن كان في صف للمصلين خلل دخلت فيه الشياطين أحرقتهم تلك الأنوار، وكذلك
يكونون في الكثيب في الزورالعام يصفون كما يصفون في الصلاة فمن دخله خلل في صفه هنا
وكان قادراً على سدّه بنفسه فلم يفعل حرم هنالك في ذلك الموطن بركته، وإن لم يقدر على
سدّه عمته البركة هناك، وكل مصلّ بين رجلين فإنه ينضم إلى أحدهما ثم يجذب الآخر إليه
فإن انجذب إليه كان وإلاَّ كان الإثم على ذلك، ويكون الواحد الذي ينضم إليه هو الذي يلي
جانب الإمام ولا بدّ، فإن كان في الصف الأوّل نقص وهو يراه وهو قادر على الوصول إليه
ولا يمشي إلى الصف الأوّل حتى يتمّه أعني يسدّ الخلل الذي فيه لم ينفعه تراصه في الصف
الذي هو فيه جملة واحدة فإنه ما تعين عليه إلا الأوّل فاعلم.
فصل بل وصل في المصلي خلف الصف وحده: اختلف الناس فيه، فمن قائل بصحة
صلاته. ومن قائل بأنها لا تصح، والذي أذهب إليه في حكم من هذه حالته فإنه لا يخلو إما
أن يجد سبيلاً إلى الدخول في الصف أو لا يجد، فإن لم يجد فليشر إلى رجل من أهل الصف
أن يختلج إليه، فإن لم يختلج إليه لجهله بما له في ذلك عند الله من الأجر فإن صلاة هذا
الرجل صحيحة فإنه قد اتقى الله ما استطاع ولا يستطيع في هذه الحالة أكثر من هذا، فإن قدر
على شيء ممّا ذكرناه ولم يفعل فصلاته فاسدة، فإنّ النبيّ عليه السلام أمر من كان صلَّى خلف
الصف وحده أن يعيد وهو حديث وابصة بن معبد.

١١٢
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
اعتبار ذلك في النفس: القربات إلى الله لا تعلم إلاَّ من عند الله ليس للعقل فيها حكم
بوجه من الوجوه، فإذا شرع الشارع القربات فهي على حدّ ما شرع، وما منع من ذلك أن
يكون قربة فليس للعقل أن يجعلها قربة. ثم نرجع إلى مسألتنا فلا يخلو هذا المصلي وحده
خلف الصف مع القدرة على ما قلناه، إمّا أن يكون من أهل الاجتهاد ويكون حكمه بإجازة
ذلك الفعل وصحة صلاته عن اجتهاد أو لا يكون عن اجتهاد، فإن كان عن اجتهاد فالصلاة
صحيحة، وإن لم يكن عن اجتهاد وكان مقلداً لمجتهد في ذلك بعد سؤاله إياه فصلاته
صحيحة، وإن فعل ذلك لا عن اجتهاد ولا عن سؤال فصلاته فاسدة وهكذا في جميع القربات
المشروعة، كما صحّت صلاة الإمام بين يدي الجماعة في غير صف صحّت صلاة من هو
خلف الصف وحده، فإن لطيفة الإنسان واحدة العين، ولا تصف صفوف الجوارح عند
الصلاة، ولا ينبغي أن يكون إمامها فإنها لا تقبل الجهة فما صلت إلا وحدها، وظاهر الإنسان
جماعة فهو في نفسه صف وحده، فإن كل جزء منه مكلف بالعبادة والصلاة ولا ينفصل بعضه
عن بعضه فهو صف وحده، فإن اشتغل ببعض جوارحه فيما ليس من الصلاة كان له ذلك
الاشتغال في صف ذاته كالخلل الداخل في الصف، فبطريق الاعتبار ما صلَّى الإنسان من
حيث جملته إلاَّ في صف، ومن حيث لطيفته وحده، فإنها لا تقبل الصفوف لعدم التحيّز،
وهذا على مذهب من يقول إنها غير متحيزة. وأمّا من قال بتحيّزها التحقت بجملة ذات
المصلي، فما صلَّى من هو في صف ومن هو في غير صف إلاَّ في صف من ذاته، وبهذا أجاز
من أجاز الصلاة خلف الصف وحده، وقد بيّنا مذهبنا في ذلك بطريقة تعضدها أصول الشرع.
فصل بل وصل في الرجل أو المكلف يريد الصلاة فيسمع الإقامة هل يسرع في المشي
إلى المسجد مخافة أن يفوته جزء من الصلاة أم لا؟: فمن قائل: لا يجوز الإسراع بل يأتي
وعليه السكينة والوقار وبه أقول. ومن قائل: يجوز الإسراع حرصاً على الخير وأكره له ذلك.
وصل اعتبار ذلك: المسارعة إلى الخيرات مشروعة والسكينة مشروعة والوقار والجمع
بينهما أن تكون المسارعة بالتأهب المعتاد قبل دخول وقتها فيأتيها بسكينة ووقار فيجمع بين
المسارعة والسكينة، وإنما أمر العبد بالمسارعة إلى الخيرات لتصرفه في المباحات لا غير،
فمن كانت حالته أن لا يتصرف في مباح فهو في خير على كل حال، ولذلك ورد ما يدل على
الحالين معاً فقيل: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٣] وهي العبادة هنا
من سارع إليها فقد سارع إلى المغفرة، وقال في الحالة الأخرى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَّرَتِ﴾
[سورة المؤمنون: الآية ٦١] فجعل المسارعة فيها وفي الأولى إليها فإنها ما هي نائبة عنه، وهنا وجه
أيضاً وذلك أن المغفرة لا تصحّ إلاّ بعد حصول فعل الخير الموجب لها، فنحن نسارع في
الخيرات إلى المغفرة فكان المسارع فيه غير المسارع إليه، فالعبد إذا كان تصرفه في غير
المباح فلا بدّ أن يكون في مندوب أو واجب، فإن كان في مندوب واستشعر بحصول وقت
واجب سارع إليه في مندوبه بإقامة أسبابه التي لا يصحّ ذلك الواجب إلاَّ بها، ومعنى المسارعة
هنا المبادرة إلى الأفعال التي هي شرط في صحة ذلك الواجب.

١١٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فمن رأى الجماعة واجبة ومن قال بإتمام الصف ووجوبه وهو في خير فإنه آت إلى
الصلاة مثلاً فيسمع الإقامة فأمره الشارع أن يأتي إليه وعليه وقار وسكينة، وسبب ذلك أن
الحق لا يتقيد بالأحوال، وأن الآتي إلى الصلاة في صلاة ما دام يأتي إليها أو ينتظرها فنفس
الإسراع المشروع قد حصل، وأما الإسراع بالحركة فإنه يقتضي سوء الأدب وتقييد الحق
ولهذا قال رسول الله ◌َّ للذي دبّ وهو راكع حتى دخل الصف وهو أبو بكرة: ((زَادَكَ اللَّهُ
حِرْصاً وَلاَ تَعُذْ)) يعني إلى إسراع الحركة، وما قال له زادك الله إسراعاً فإن الحرص أوجب له
الإسراع فنبهه رسول الله ◌َ﴿ على أن الحرص على الخير هو المطلوب وهو الإسراع
المطلوب لله من العبد لا حركة الإقدام فإن ذلك يؤذن بتحديد الله والله مع العبد حیث کان.
وقد وقع لك التفريط أولاً بتأخرك فهنالك كان ينبغي لك الإسراع بالتأهّب، كما حكي عن
بعضهم أنه ما دخل عليه منذ أربعين سنة وقت صلاة إلاَّ وهو في المسجد. وحكي عن آخر أنه
بقي كذا سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام.
وقوله: بوقار يشير أن العبد ينبغي له أن يعامل الله في نفسه بما يستحقه من الجلال
والهيبة والحياء، فإن هذه الأحوال تؤثر ثقلاً في الجوارح وتثبت الموازنة حركته مع الله أن يقع
منه كما أمره الله بخضوع وخشوع وهو السكينة المطلوبة كما قال: لو خشع قلبه لخشعت
جوارحه يعني لسرى ذلك في جوارحه فإن السرعة بالإقدام لا تكون إلاّ ممّن همّته متعلقة
بالجهة التي يسارع إليها من أجل الله لا بالله، وينبغي للعبد أن تكون همته متعلقة بالله فيكون
المشهود له الحق تعالى، ومن كان بهذه المثابة كانت حالته الهيبة والسكون ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا
هَمْسًا﴾ [سورة طه: الآية ١٠٨] قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ هذا مع
الاسم الرحمن فكيف بمن لا يعرف أي اسم إلهي يمشي إليه أو يمشي به، فمن كان حاله في
الوقت ما يمشي إليه ويقصده أجاز الإسراع، ومن كان حاله مشاهدة من يقصد به قال: لا
يجوز فإنه تضييع للوقت، والشارع إنما يراعي وارد الوقت، ووقت الآتي إلى الصلاة مشاهدة
المقصود بها، فشرع له السكينة والوقار في الإتيان دون سرعة الأقدام إعظاماً لحرمة الوقت
واستيفاء لحقه .
فصل بل وصل متى ينبغي للمأموم أن يقوم إلى الصلاة إذا كان في المسجد ينتظر
الصلاة؟: فمن قائل: في أول الإقامة. ومن قائل: عند قوله: حيّ على الصلاة. ومن قائل:
عند قوله: حيّ على الفلاح. ومن قائل: حتى يرى الإمام وهو الأولى عندي. ومن قائل: لا
توقيت في ذلك، وقد ورد عن رسول الله وَّرَ: ((لاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي)) فإن صحّ هذا الحديث
وجب العمل به ولا يعدل عنه. وأمّا مذهبنا في ذلك إن لم يصحّ هذا الحديث المسارعة في
أول الإقامة، ثم إن عندنا ولو صحّ الحديث فإن هذا الحديث عندي إذا صحّ فحكم النبي عليه
السلام في هذه المسألة في الانتظار إليه ولا نقوم حتى نراه كما أمر ما هو كحالنا اليوم، فإن
زمان وجود النبي كان الأمر جائزاً أن ينسخ وأن يتجدد حكم آخر، فكان ينبغي أن لا يقوموا
لقول المؤذن حتى يروا النبي ◌ُّه خرج إلى الصلاة، فيعلمون عند ذلك أنه ما حدث أمر برفع
الفتوحات المكية ج٢ - م٨

١١٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
حكم ما دعوا إليه بخلاف اليوم فإنّ حكم القيام إلى الصلاة باق فيقوم إذا سمع المؤذن يقيم
مسارعاً، وإن اتفق أن يغلط المؤذن بأن يسمع حسّاً فيتخيل أنه الإمام فيقيم والإمام ما خرج
فما على من قام بأس في ذلك بل له أجر الإسراع إلى الخير ويرجع إلى مكانه إلى أن يخرج
الإمام فإنه على يقين من بقاء حكم الصلاة.
الاعتبار: المقيم للصلاة هو حاجب الحق الذي يدعو الخلق إلى الدخول على الله بهذه
الحالة والصفة التي دعاهم وشرع لهم أن يدخلوا عليه فيها فيسارعون في القيام بأدب وسكون
كما ذكرنا وحضور لما يستقبلونه، واستحضار لما ينادونه به من قراءة وذكر وتكبير وتسبيح
ودعاء معين عينه لهم لا يتعدونه في تلك الحالة، فإذا فرغوا منها بالسلام دعوا بما شاؤوا
ولكن ممّا يرضي الله لا يدعون على مسلم ولا بقطيعة رحم.
فصل بل وصل فيمن أحرم خلف الصف خوفاً أن يفوته الركوع مع الإمام ثم دب وهو
راكع حتى دخل في الصف: فمن الناس من كرهه. ومنهم من أجازه. ومنهم من فرّق بين
المنفرد والجماعة في ذلك فكرهه للمنفرد وأجازه للجماعة.
وصل الاعتبار: الركوع هو الخضوع لله تعالى والمبادرة إليه أولى، غير أن مشيه راكعاً
حتى يدخل في الصف هو الذي ينبغي أن يكون متعلق الكراهة أو الجواز، فمن رأى سدّ
الخلل واجباً أو الصلاة خلف الصف لا تجزىء مشى على حاله حتى يدخل في الصف، فإن
الشارع ما أبطل صلاة أبي بكرة بذلك ودعا له ونهاه أن لا يعود فعلم أنه نهي كراهة. فإن
قالوا: قضية في عين. قلنا: ونهيه أن لا يعود قضية في عين لأنه المخاطب أن لا يعود ولم ينه
غيره عن ذلك، ولكن بقرينة الحال علمنا أن المراد بذلك المصلي كان من كان أن يكون في
حال صلاته على حد ما أمر به، فكل ما هو من تمام الصلاة جاز التعمل إلى تحصيله في
الصلاة ويتعلق بهذا مسائل على هذه القاعدة .
فصل بل وصل فيما يتبع فيه المأموم الإمام: لا خلاف بين العلماء في وجوب اتباعه
فيما نص الشارع عليه من أقوال وأفعال، واختلفوا في قوله: سمع الله لمن حمده، فمن الناس
من قال: بأنه لا يجب عليه أن يقولها مع الإمام. ومنهم من أجاز له أن يقولها والأول أولى
عندي للحديث الوارد.
وصل الاعتبار: لما أنزل الإمام نائباً عن الحق في حق من يقتدي به صح له أن يقول:
سمع الله لمن حمده فهو ترجمان عن الحق للمأمومين يعرفهم بأنّ الله يقول ذلك حين حمدوه
في تلاوتهم وتسبيحهم في ركوعهم فهو مخبر عمّن استخلفه، ولو أقام الله الإمام مقامه في
الحال لقال: سمعت لمن حمدني، فأثبت بقوله: سمع الله لمن حمده عين العبد. واعلم أنه
ما عبده إلاَّ من كونه إلهاً لا من حيث ذاته خلافاً لقول رابعة العدوية. فإن قيل: فما تصنع في
مثل قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ [سورة المجادلة: الآية ١] وهو كلام الله لعبده
عليه السلام، ولم يقل: سمعت يريد ما ذكرنا وما يدريك لعل قوله: سمع الله لمن حمده مثل

١١٥
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
هذا ولا سيما والنبي عليه السلام يقول: إن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده،
قلنا: أما الآية فقد تكون تعريفاً من جبريل الروح الأمين بأمر الله أن يقول له مثل هذا أي قل له
يا جبريل: قد سمع الله، كما قيل لمحمد: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٦] وهو بشر
فإن الحق لا يكون بشراً، وهكذا جميع ما في كلام الله من مثل هذا، فإن أضفته ولا بدّ إلى
الحق فليكن الكلام لله من مرتبة خاصة إخباراً عن مرتبة أخرى خاصة إن شئت عبرت عنها
بالذات وإن شئت عبرت عنها باسم إلهي فيقول الحق من كونه متكلماً: يا محمد قد سمع
الله، فيريد بالله هنا الاسم السميع أو العليم على مذهب من يرى أن سمعه علمه، والأول على
من يرى أن سمعه حقيقة أخرى لا يقال هي هو ولا هي غيره، وعلى الذي قيل الأول من يرى
أن سمعه ذاته وهكذا سائر ما ينسب إليه من الصفات، فللمأموم أن يقول: سمع الله لمن
حمده على هذا التفسير كله وإن ورد ذلك في حق الإمام، فما ورد المنع منه في حق المأموم
ولا في الحق المنفرد، ولا سيما والإنسان إمام جماعة ذاته، وما من جزء فيه إلاَّ وهو حامد
لله، فيعرف لسانه سائر ذاته بأن الله قد سمع لمن حمده، ولا سيما من كشف له عن تسبيح كل
شيء بحمده .
الفصل الآخر في الائتمام: الائتمام لا يصحّ إلاَّ مع العلم من المأموم فيما يأتم به من
أفعال الإمام ظاهراً وباطناً والعامّة بل أكثر الناس لا يعلمون من الإمام إلاّ الحركات الظاهرة
من قيام وركوع ورفع وسجود وجلوس وتكبير وتسليم، والنية غيب من عمل القلب لا يطلع
عليها المأموم، فما كلفه الله أن يأتم به فيما لا يعلمه منه ولهذا قال عليه السلام: ((إِنَّمَا جُعِلَ
الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّروا وَلاَ تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ولاَ تَرْكَعُوا حَتَّى
يَرْكَعَ، وإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا
وَلاَ تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ)) وما تعرض للنية ولا لما غاب عن علم المأموم فذكر الأفعال الظاهرة
التي يتعلق بإدراكها الحسّ، ولا سيما وقد ثبت أن الصلاة الواحدة لا تقام في اليوم مرتين،
وأن أحد الصلاتين من المصلي وحده ثم يدرك الجماعة فيصلي معها أنها له نافلة فقد خالف
الإمام في النية بالنص، ثم إن للمأموم بهذا الحديث أن يقول: سمع الله لمن حمده، ثم
يقول: ربنا ولك الحمد للائتمام بإمامه فإنه قد ثبت أن النبي ◌َّ قال في صلاته وهو إمام:
((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)).
الفصل الآخر في الائتمام بصلاة القاعد: اتفق العلماء من أصحاب المذاهب وغيرهم أنه
ليس للصحيح أن يصلي قاعداً فرضاً إذا كان منفرداً أو إماماً، واختلفوا في المأموم إذا كان
صحيحاً فصلّى خلف إمام مريض يصلي ذلك الإمام المريض قاعداً على ثلاثة أقوال: فمن
قائل: إنه يصلي خلفه قاعداً وبه أقول. ومن قائل: إنهم يصلون خلفه قياماً. ومن قائل: لا
تجوز إمامته إذا صلَّى قاعداً. وأماإن صلّوا خلفه قياماً أو قعوداً بطلت صلاتهم. وقد ذكر
بعض رواة مالك عن مالك قال: لا يؤم الناس أحد قاعداً فإن أمّهم قاعداً بطلت صلاتهم
وصلاته فإن النبي ◌َّ﴿ قال: ((لاَ يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي قَاعِداً) وهذا الحديث ضعيف جداً لأنّ في

١١٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
طريقه جابر بن يزيد الجعفي وليس بحجة ومع ضعفه فالحديث مرسل والصحيح الثابت إمامة
القاعد .
وصل الاعتبار في ذلك: الإمام على الحقيقة من نواصي الخلق بيده، فلا يخلو المصلي
المأموم أن يرى الإمام نائباً عن الحق كما جعله ول# أو يراه مأموماً مثله، فإن رآه إماماً فله
الائتمام به على أي حال كان، وإن رآه مأموماً مثله جعل الحق إمامه وصلَّى قاعداً لأمره واَية
بذلك، فإن هذا هو إمامه شرعاً، ومن جعل الحق في قبلته وواجهه غاب عنه إمامه بلا شك،
وقد اختلفت حالة الإمام بالمرض من حال المأموم والمأموم إذا كان مريضاً صلَّى خلف القائم
للعذر وقد مضى اعتبار النيّة في الإمام والمأموم، وقد أمر الإمام أن يقتدي بصلاة المريض في
التخفيف به ولا يشقّ عليه وكل واحد منهما قد أمر بالاقتداء بالآخر وعيّن الشارع فيما ذا، فلا
ينبغي العدول عمّا عيّنه الشارع من ذلك لمن أراد اتباع السنّة والوقوف عند حكم الله ورسوله،
وإذا كان الإمام على الحقيقة هو الله وهو سبحانه لا يغفل عن حالات عبده في حركاته
وسكناته ولا يشغله عن مراقبته شيء فإنه قال عن نفسه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ زَّقِيبًا﴾ [سورة
الأحزاب: الآية ٥٢] فينبغي للمأموم الذي هو العبد أن يقتدي به في المراقبة والحضور فلا يغفل
عن سيده في صلاته ولا يشغله شيء عن مراقبته في صلاته حتى يصحّ له أن يكون مؤتماً به في
مثل هذا الوصف من المراقبة وعدم الغفلة فاعلم ذلك .
فصل بل وصل في وقت تكبيرة الإحرام للمأموم: فمن قائل: يكبّر بعد فراغ الإمام من
تكبيرة الإحرام استحساناً وإن كبّر معه أجزأه. ومن قائل: لا يجزيه أن يكبّر معه وبالأول أقول
أن يكبّر بعد الفراغ لا يجزيه غير ذلك. ومن قائل: لا يجزيه أن يكبّر قبل الإمام. ومن قائل:
إن كبّر قبل الإمام أجزأه. ومن قائل: إن كبّر مع تكبير الإمام وفرغ بفراغ الإمام أجزأه، وإن
فرغ المأموم من تكبيره قبل فراغ الإمام لم يجزه الإحرام للمأموم، أما أن يعتبر فيه كونه مصلياً
فقط فيجزي قبل الإمام ومعه وبعده، وإن اعتبر كونه مصلياً ومأموماً لم يجزه أن يكبّر قبل
الإمام فإن النبيّ وَّهِ يقول: (وَلاَ تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ)) فنهى، فإن علم أنه نهي كراهة أجزأه قبل
الإمام ومعه، وإن علم أنه نهي تحريم لم يجزه.
وصل الاعتبار في ذلك: ورد في الخبر: ((أن العبد يقول في حال من الأحوال: الله
أكبر، فيقول الله: أنا أكبر، يقول العبد: لا إله إلاَّ أنت، يقول: لا إله إلاَّ أنا، يقول العبد: لا
إله إلاّ الله له الملك وله الحمد، يقول الله: لا إله إلاَّ أنا لي الملك ولي الحمد يصدق عبده)) .
ومن هنا كان اسمه المؤمن وأمثاله، فإذا كان الحق لا يقول شيئاً من ذلك حتى يقول العبد
فالعبد أولى بالاتباع، فليس للمأموم أن يسبق إمامه بشيء من أفعال الصلاة ولا من أقوالها
حتى في قراءة الفاتحة ليس له أن يشرع فيها إذا جهر بها حتى يفرغ منها أو يتبع سكتات الإمام
فيها فيقرأ ما فرغ الإمام منها في سكتة الإمام، وفي صلاة السرّ يقرأها بحسب ما يغلب على
ظنّه إلاَّ في الصلاة بعد الجلسة الوسطى فإنه يقرأها ابتداء.

١١٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فصل بل وصل فيمن رفع رأسه قبل الإمام: فمن قائل: إنه أساء ويرجع وصحت
صلاته. ومن قائل : صلاته تبطل .
وصل الاعتبار: الإمام الحق والقيومية صفته، فلا يجوز للمأموم أن يرفع قبل إمامه وأن
صلاته تبطل فإنه في حال لا يصحّ فيها أن يكون مأموماً لمثله ولا للحق، فإن قيومية الحق به
في رفعه من الركوع تسبق قيوميته، إذ كل ما يقام فيه العبد إنما هو عن صفة إلهية ظلّها هو
الذي يظهر في العبد والظل تبع بلا شك، والعبد ظل لقول السلطان ظل الله في الأرض،
وإنما ورد هذا في الرفع لأن طلب العلو بل العلو له سبحانه بالاستحقاق، وإنما الذي ينبغي
للمأموم الاقتداء بالإمام في كل خفض ورفع، فأما الخفض فربما تطلب النفس فيه للتخيّل
الفاسد الذي يطرأ من الجاهل، فاعلم أن الحق وصف نفسه بالنزول فيسبق المأموم بخفضه
نزول الحق إليه قبل نزوله وهويه إلى السجود، فلا ينحط إلى السجود حتى يسبقه إمامه فإنه إن
لم يكن يجد الحق في سجوده فلمن ينزل هذا العبد المصلي وينحط بفعله ذلك فلا ينحط إلاَّ
للإله الذي وصف نفسه بالنزول من علوه إلى عبده فيقول العبد: يا رب هذه صفتي فأنا أحق
بها وإنما ضرورة الدعوى رفعتني عن مقام الانحطاط لكونك أخبرت أنك خلقتني على
الصورة فشمخت نفسي على من نزل عن هذه الدرجة التي خصصتني بها ثم مننت عليّ بأن
نزلت إليّ، فمن كان هذا مشهده ومشربه اقتدى بالإمام في جميع الأحوال والأحكام.
فصل بل وصل فيما يحمله الإمام عن المأموم: اتفق علماؤنا على أنه لا يحمل الإمام عن
المأموم شيئاً من فرائض الصلاة ما عدا القراءة فإنهم اختلفوا في ذلك. فمن قائل: إن المأموم
يقرأ مع الإمام فيما أسرّ به ولا يقرأ معه فيما جهر به. ومن قائل: لا يقرأ معه أصلاً. ومن قائل:
يقرأ معه فيما أسرّ أم الكتاب وغيرها وفيما جهر أم الكتاب فقط وبه أقول. وبعضهم فرّق في
الجهر بين من يسمع قراءة الإمام وبين من لا يسمع فأوجب على المأموم القراءة إذا لم يسمع
ونهاه عنها إذا سمع، والذي أذهب إليه بعد وجوب قراءة الفاتحة على كل مصلّ من إمام وغير
إمام أنه إن قرأ في نفسه كان أفضل إلاَّ أن يكون بحيث يسمع الإمام، فالإنصات والاستماع لقراءة
الإمام واجب لأمر الله الوارد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [سورة
الأعراف: الآية ٢٠٤] وما خصّ حال صلاة من غيرها والقرآن مقطوع به عند الجميع، وإذا لم
يسمع إن لم يقرأ المأموم أعنى غير الفاتحة أجزأته صلاته إلا فاتحة الكتاب كما قلنا فإنه لا بدّ
منها لكل مصلّ، فإن الله قسّم الصلاة بينه وبين عبده وما ذكر إلاَّ الفاتحة لا غير، فمن لم يقرأها
فما صلَّى الصلاة المشروعة التي قسّمها الله بينه وبين عبده ولكن يتبع المأموم بقراءة الفاتحة
سكتات الإمام فيجمع بين الآية والخبر، وإن لم يسكت الإمام ويكره له ذلك فليقرأها المأموم في
نفسه بحيث أن لا يسمعه الإمام آية آية حتى يفرغ منها ولا يجهر على الإمام بقراءته .
وصل الاعتبار في ذلك: لما احتوت الصلاة على أركان وهي فروض الأعيان لم تجز
فيها نفس عن نفس شيئاً، وكل ما ليس بفرض ويجبره سجود السهو فإن الإمام يحمله عن

١١٨
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
المأموم، ومعناه أن المأموم إذا نقصه أو زاد لم يسجد لسهوه وذلك أن الفروض حقوق الله
فحق الله أحق بالقضاء، وما عدا الفروض وإن كانت حقاً من حيث ما هي مشروعة وهي على
قسمين: منها ما جعل لها بدل وهو سجود السهو وهي الأفعال التي للشرع بها اعتناء من حيث
ما فيها من الإنعام الذي يقرب من إنعام الفرائض بالشبه ولهذا جعل لها بدل، ومنها ما هي
حقوق للعبد ممّا رغب فيها، فإن شاء عمل بها وإن شاء تركها وما جعل لها بدل، فإن عمل
بها كان له ثواب، وإن لم يفعلها لم يكن عليه حرج، ولم يحصل له ذلك الثواب الذي يحصل
من فعلها كرفع الأيدي في كل خفض ورفع عمداً، فإن كان في نفسه الرفع أو من مذهبه لما
اقتضاه دليله فلم يفعل نسياناً وسهواً فإنه يسجد لسهوه لا لرفع اليدين، فإنّ السجود ما شرعه
الله إلاَّ للسهو هنا لا للمسهو عنه، بدليل أنه لو تركه عمداً أو عن اجتهاد لم يسجد له، بخلاف
ما جعل له بدل وليس بفرض فإن الصلاة تبطل بتركه عمداً أو بفعل ما لم يشرع له فعله عمداً،
وفرق بين الجلسة الوسطى وبين جلسة الاستراحة والجلسة التي بين السجدتين في كل ركعة
والجلسة الأخيرة، وحكم ذلك كله مختلف، واعتباره في العماء وفي العرش وفي السماء
الدنيا وفي الأرض عند جلوس العبد في مجلسه، فالعماء للجلوس بين السجدتين، والعرش
للجلسة الأخيرة، والسماء للجلسة الوسطى، ومع جلوسي في الأرض حيث كنت من
مجالسي لجلوس الاستراحة، وأما من جلس في وتر من صلاته فما حكمه حكم الجلسة
الوسطى فإنه لم يشرع له تركها، وجلسة الاستراحة شرع له فعلها، فلو تعمد جلوس
الاستراحة فقد تعمد ما شرع له ولم تبطل صلاته، وإن جلس في وتر من صلاته ناسياً وهو
يريد القيام سجد لسهوه لا لجلوسه وله أجر الجلوس وأجر ما سها عنه لسجود السهو الذي هو
ترغيم للشيطان، وله أجر من أنكى في عدوّ الله وفي عدوّه فإن الله يقول: ﴿وَلَا يَطَعُونَ مَوِْئًا
يَغِيُطُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُرٍ ثَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية
١٢٠] والشيطان من الكفار لقول الله فيه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٤] وسيأتي ما
يليق بهذا كله في السهو من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
فصل بل وصل في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام في الصحة والبطلان: اختلف
العلماء هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة وبه أقول وإن اقتدى به فيما أمر أن يقتدي به فيه
بصحة صلاة الإمام أو لا؟ فمن الناس من رأى أنها مرتبطة. ومنهم من لم ير أنها مرتبطة،
ولهذا اختلفوا في الإمام إذا صلَّى وهو جنب وعلموا بذلك بعد الصلاة، فمن يرى الارتباط
قال: صلاتهم فاسدة، ومن لم ير الارتباط قال: صلاتهم صحيحة وهو الذي أذهب إليه.
وفرّق قوم بين أن يكون الإمام عالماً بجنابته أو ناسياً فقالوا: إن كان عالماً فسدت صلاتهم،
وإن كان ناسياً لم تفسد صلاتهم.
وصل الاعتبار في ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وما في
وسع الإنسان أن يعلم ما في نفس غيره ولا يحيط علماً بأحوال غيره، فكل مصلّ إنما هو على
حسب حاله مع الله، ولهذا ما أمره الشرع في الائتمام بإمامه إلاَّ فيما يشاهده من الإمام من رفع

١١٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وخفض، فإن كوشف بحال الإمام كان حكمه بحسب كشفه، فإذا علم أن الإمام على غير
طهارة فليس له أن يقتدي به من وقت علمه وصحّ له ما مضى من صلاته معه قبل علمه، ولا
اعتبار في ذلك لنسيان الإمام أو عمده، فإن الإمام عنده من وقت علمه في غير صلاة شرعاً،
وما أمره الله أن يرتبط أعني أن يقتدي إلاَّ بالمصلي، فإن كان الإمام ناسياً لجنابته أو حدثه فهو
مصلّ شرعاً، وصلاة المأموم صحيحة شرعاً وائتمامه بمن هو مصلّ شرعاً، وإن علم المأموم
أن الإمام على غير طهارة فإن تمكّن للمأموم أن يعلمه بحدثه في نفس صلاته أعلمه بحيث أن
لا تبطل صلاة المأموم بذلك الإعلام فإن الله يقول: ﴿وَلَا نُطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٣]
وإن لم يتمكن صلَّى لنفسه، فإذا فرغ من صلاته أعلمه بحدثه سواء فرغ الإمام أو لم يفرغ،
فإن تذكر الإمام أو قلّده تتطهر، وإن لم يتذكر ولم يقلده فهو بحسب ما يقتضيه علمه ومذهبه
في ذلك وصلاة المأموم صحيحة. انتهى الجزء الحادي والأربعون بانتهاء السفر السادس من
هذه النسخة والحمد لله .
[السفر السابع]
(الجزء الثاني والأربعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَدِ
وصل في فصول الجمعة
فصل بل وصل في الخلاف في وجوبها: اختلف العلماء في وجوب الجمعة. فمن
قائل: إنها من فروض الأعيان. ومن قائل: إنها من فروض الكفاية. ومن قائل: إنها سنّة .
وصل في الاعتبار: ليس لهذه الصلاة قدم في توحيد الذات ولا نتيجة في حال العالم
بها العامل لكن لها العلم بأحدية الكثرة، وكذلك من يرى أن الذات اقتضت لنفسها وجود
العالم فلا ينتج هذا العلم ما يرد من الله على قلب العبد ولا في تجليه في هذه الصلاة، وذلك
أنها مبنية في وجودها وحقيقتها على الزائد على الواحد فهي من حضرة الأسماء الإلهية، فإن
وقوعها لا يصحّ من المنفرد بخلاف الصلوات كلها فإنها تصحّ من المنفرد، وكل صلاة ما عدا
الجمعة تعطي ما تعطي الجمعة من حيث ما هي صلاة من تكبيرة الإحرام إلى التسليم منها،
وتعطي ما لا تعطيه الجمعة من العلم بأحدية الحق التي لها الغنى على الإطلاق، ومن العلم
برجوع النسب أو الصفات إلى عين واحدة فاعلم ذلك .
وصل في فصل فيمن تجب عليه الجمعة: اتفق العلماء على أنها تجب على من تجب
عليه الصلوات المفروضة، ثم زادوا أربعة شروط: اثنان متفق عليهما واثنان مختلف فيهما،
فالمتفق عليهما: الذكورة والصحة وأنها لا تجب على المرأة والمريض، والاثنان المختلف
فيهما: المسافر والعبد، فمن قائل: إن الجمعة تجب على المسافر وبه أقول وتجب على العبد
فللعبد أن يتأهب فإن منعه سيّده فيكون السيد من الذين يصدّون عن سبيل الله، ومن قائل: إنه

١٢٠
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
لا تجب عليهما وقد ورد خبر متكلم فيه أن الجمعة واجبة إلاَّ على أربعة: عبد مملوك، أو
امرأة، أو صبيّ، أو مريض. وفي رواية أخرى: إلاَّ خمسة وذكر المسافر.
وصل في اعتبار ذلك: لما كان من شرطها ما زاد على الواحد وأنها لا تصحّ بوجود
الواحد، فاعلم أن العقل قد علم أن الله أحدية ذاتية لا نسبة بينها وبين طلب الممكنات وقد
ذكرناها والعاقل يعلمها، فمن المحال أن يعقل العقل وجود العالم من هذه الأحدية، فوجب
عليه بصلاة الجمعة أن يرجع إلى النظر فيما يطلبه الممكن من وجود من له هذه الأحدية فنظر
فيه من كونه إلهاً يطلب المألوه، فهذه معرفة أخرى لا تصحّ إلاَّ بالجماعة وهو تركيب الأدلة
وترتيبها فوجبت صلاة الجمعة على العقل الموصوف به العاقل، ولما كانت المرأة ناقصة عقل
ودين فالعقل الذي نقص منها هو عقل هذه الأحدية الذاتية، فوجبت الجمعة على الرجل وهو
الجمع بين العلم بتلك الأحدية وبين العلم بكونه إلهاً، ونقص عقل المرأة عن علم تلك
الأحدية فلم يجب عليها أن تجمع بينها وبين العلم بالله من كونه إلهاً .
وأما العبد الذي يسقط عنه وجوب الجمعة عند من يقول به وهو العبد المستحضر لجبر
الله له في اختياره فإن الحقيقة تعطي أن العبد مجبور في اختياره، فلما لم يتمكن له أن يجمع
بين الحرية والعبودة لم تجب عليه الجمعة، وكل من ذكرناه ونذكر أنه لا تجب عليه الجمعة
أنه إذا حضرها صلاها، كذلك إذا حضرت مواطن الاعتبارات المانعة للمذكورين من الوجوب
أنها لا تجب عليه فإن فني عنها بحال يخالفها وجبت الجمعة أي وجب عليه علم ما لم يكن
يجب عليه علمه كمريم وآسية اللتين حصل لهما درجة الكمال فتعين عليهما علم الأحدية
الذاتية، وعلم الأحدية الإلهية التي هي أحدية الكثرة.
وأمّا المريض وهو الذي لا يقول بالأسباب ولا يعلم حكمتها فلم يحصل له مقام
الصحة حيث فاته من العلم بالله قدر ما تعطيه حكم الأسباب، ومن لم يعط حاله هذا العلم
ويقدح في تجريده ويخاف عليه لم يجب عليه أن يجمع بين العلم بحكم الأسباب وبين العلم
بتجريد التوحيد عنها.
وأمّا المسافر فإن حاله يقتضي أن لا تجب عليه الجمعة فإنه ما بين ابتداء الغاية وانتهاء
الغاية فهو بين من وإلى فلا تعطي حالته أن يجمع بين من وإلى التي تطلبها لا من التي هي في
إلى إلى إلى أخرى، فإن إلى تلك غابت فيها من، ولولا إلى الأخرى ما عرفت أن في نفس
إلى الأولى من، فما نهاية إلاَّ ولها بداية ولا ينعكس، فلا تجب عليه الجمعة من حيث ما هو
عين من الأولى، والذي نقول بوجوبها عليه إنما هو مع من التي تتضمنها إلى الأولى وإلى
الثانية والثالثة وكذا إلى ما لا نهاية له، فلولا المنازل في الطريق والمقامات ما عقل لمن غاية،
فإلى تطلب من ومن لا تطلب إلى.
وأما الصبي فهو المائل إلى طبيعته لا يعرف غيرها. ولا يصحّ كونه صبياً إلاَّ بهذه
الصفة، فمن المحال أن يرفع رأسه إلى معرفة حقيقته التي يصحّ له بالعلم بها الجمعة، فلهذا
اعتبرنا أن الصبيّ لا تجب عليه الجمعة .