Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
التشهد جماعة من علماء الرسوم ممّن لا علم له بعلوم الأذواق ومواقع اختلاف خطاب
رسول الله ◌َية، ولم يأت في هذا اللسان في نعت التحيات بحرف عطف، وقال فيه سلام
بالتنكير وهو تشهد ابن عباس، وذلك أنه راعى خصوص حال كل مصلّ، فإن أسماء الله مثل
الممكنات لا نهاية لها، وكل ممكن له خصوص وصف فله من الله اسم خاص به من ذلك
الاسم خصّ بالوصف الذي يتميز به عن كل ممكن، وهذا من أشرف علوم أهل الله، وهو
مذكور في قوله في دعائه وَّرَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً
مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمٍ غَيْبِكَ)) وأما أسماء الإحصاء فتسعة وتسعون، مائة إلاَّ
واحد، ولم يصحّ في تعيينها على الجملة نص ولا روي عن النبي وَّ أنه قال هي هذه، فما
جاء ابن عباس بتنكير السلام إلاَّ ليأخذ كل مصلّ من الاسم الذي يلقى إليه ويناجي الحق فيه
وهو المسلم على نبيّ الله منا رَّ وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وكذلك اختص بعدم
تكرار لفظ الشهادة فتركها فلم يشهد له بعبودية ولا رسالة بشهادة مستأنفة، بل شهادته بالتوحيد
أغنت، واكتفى بالواو لما فيها من قوّة الاشتراك وذلك مثل قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ وَالْمَلَبِّكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] ولم يعطف بذكر الشهادة تشريفاً لهم، وإن
كان قد فصّلهم عن شهادته لنفسه بذكره لا إله إلا هو وأسقط هنا لفظ العبودية لتضمن الرسالة
إياها .
فصل بل وصل في الصلاة على رسول الله وَّة في التشهد في الصلاة: اختلفوا في
الصلاة على النبيّ ◌َّ في التشهد، فمن قائل: إنها فرض وبه أقول. ومن قائل: إنها ليست
بفرض. وكذلك اختلفوا في التعوّذ من الأربع المأمور بها في التشهد وهو أن يتعوّذ من عذاب
القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات. فمن قائل :
بوجوبها. ومن قائل: بمنع وجوبها وبوجوبها أقول، ولو لم يأمر بالتعوّذ منها لكان الاقتداء
برسول الله وَ﴿ أولى، إذ كان التعوّذ منها من فعله لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] وقوله وَرَ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)» فكيف وقد
انضاف إلى فعله أمره أمته بذلك، فالصلاة على النبيّ في الصلاة وغيرها دعاء من العبد
المصلي لمحمد رَّ بظهر الغيب، وقد ورد في الصحيح عنه وَّرَ: «أَنَّهُ مَنْ دَعَا بِظَهْرِ الغَيْبِ
قَالَ لَهُ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلِهِ)) وفي رواية: ((ولك بمثليه)) فشرع ذلك رسول الله بَّ وأمر بها الله
في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦] ليعود هذا
الخير من الملك على المصلى عليه من أمّته وَّجله، وأمر بالسلام عليه بقوله: ﴿وَسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا﴾ فأكّده بالمصدر، فقد يحتمل أن يريد بذلك السلام المذكور في التشهد، ويحتمل أن
يريد به السلام من الصلاة أي إذا فرغتم من الصلاة على النبيّ (* فسلّموا من صلاتكم
تسليماً، وبهذا الاحتمال تعلق من رأى وجوبها في الصلاة.
وأمّا الاستعاذة من عذاب القبر فإن القبر أوّل منزل من منازل الآخرة فيسأل الله أن لا
يتلقاه في أوّل قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربه. وأمّا الاستعاذة من عذاب جهنم فإنها
الفتوحات المكية ج٢ - م٦

٨٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الاستعاذة من البعد، فإن جهنم معناه البعيدة القعر والمصلي في حال القربة وهو قريب من
الانفصال من هذه الحالة المقرّبة فاستعاذ بالله أن لا يكون انفصاله إلى حال تبعده من الله بل
إلى قرب من حالة دينية أخرى. وأما الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال فلما يظهره في دعواه
الألوهية وما يخيله من الأمور الخارقة للعادة من إحياء الموتى وغير ذلك ممّا ثبتت الروايات
بنقله وجعل ذلك آيات له على صدق دعواه وهي مسألة في غاية الإشكال لأنها تقدح فيما قرّره
أهل الكلام في العلم بالنبوّات فيبطل بهذه الفتنة كل دليل قرّروه، وأي فتنة أعظم من فتنة تقدح
في الدليل الذي أوجب السعادة، للعباد، فالله يجعلنا من أهل الكشف والوجود، ويجمع بنا
بين الطرفين المعقول والمشهود. وأما فتنة المحيا والممات: ففتنة المحيا ففتنة الدجال وكل
ما يفتن الإنسان عن دينه الذي فيه سعادته. وأما الممات: فمنها ما يكون في حال النزع
والسياق من رؤية الشياطين الذين يتصوّرون له على صورة ما سلف من آبائه وأقاربه وإخوانه
فيقولون له: مت نصرانياً أو يهودياً أو مجوسياً أو معطلاً ليحولوا بينه وبين الإسلام. ومنها ما
يكون في حال سؤاله في القبر وهي حين يقول الملك له: ما تقول في هذا الرجل؟ ويشير إلى
النبي ◌َّ، فإذا لم ير الميت تعظيم الملك للرسول وَطر لأنّ المراد الفتنة ليتميز الصادق
الإيمان من الكافر والمرتاب، فأما المؤمن يقول: هو محمد رسول الله وَلإر جاءنا بالبينات
والهدى فآمنا وصدّقنا. وأما المنافق أو المرتاب وهو الذي يشك في نبوّة النبيّ ◌َّ أنها من
عند الله ويجعل ذلك من القوى الروحانية وغيرها، ثم يرى عدم تعظيم الملك للرسول بهذا
السؤال وهو قولهم: ما تقول في هذا الرجل ولم يقولوا: ما تقول في رسول الله وَيؤ؟ فيقول
المرتاب: لو كان لهذا القدر الذي كان يدعيه في رسالته لم يكن هذا الملك يكني عنه بمثل
هذه الكناية فيقول عند ذلك: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت مثل ما قالوه، فيشقى
بذلك شقاء عظيماً لم يكن يتخيله، فهذا من فتنة الممات والقبر فاعلم ذلك، وقد فرغ التشهد
على التقريب والاختصار.
فصل بل وصل في التسليم من الصلاة: اختلفوا في التسليم من الصلاة، فمنهم من قال
بوجوبه وبه أقول. ومنهم من قال: ليس بواجب التسليم من الصلاة. واختلف القائلون
بوجوبه. فمن قائل: الواجب من ذلك على المنفرد والإمام تسليمة واحدة. ومنهم من قال :
اثنتين. ومن قائل: أن الإمام يسلم واحدة والمأموم يسلم اثنتين. وقد قيل عن صاحب هذا
القول: إن المأموم يسلم ثلاثاً: الواحدة للتحليل، والثانية للإمام، والثالثة لمن هو عن يمينه،
والذي يقتضيه النظر إذا لم يكن هناك نص يوقف عنده لا في التوقيت ولا في التحجير أن يزاد
على الثالثة تسليمة رابعة للمأموم إن كان على يساره أحد، وللإمام تسليمتان أو ثلاثة من أجل
التحليل إن كان الناس عن يمينه ويساره، فإن لم يكن عن يساره أحد فيسلم اثنتين واحدة
للتحليل والثانية لمن هو عن يمينه، والثابت عن رسول الله (803# أنه كان يسلم تسليمتين، وما
في الحديث ما يقتضي أن الخروج من الصلاة يكون بعد التسليم.
واعلم أن السلام لا يصحّ من المصلي إلاَّ أن يكون المصلي في حال صلاته مناجياً ربه

٨٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
غائباً عن كل ما سوى الله من الأكوان والحاضرين معه، فإذا أراد الخروج من الصلاة والانتقال
من تلك الحالة إلى حالة مشاهدة الأكوان والجماعة سلم عليهم سلام القادم لغيبته عنهم في
صلاته عند ربه، فإن كان المصلي لم يزل مع الأكوان والجماعة إن كان في جماعة فكيف
يسلم عليهم من هذه حالته فإنه ما برح عندهم؟ فهلا استحيى هذا المصلي حيث يرى بسلامه
من صلاته أنه كان عند الله في تلك الحالة؟ فسلام العارف من الصلاة لانتقاله من حال إلى
حال فيسلم تسليمتين: تسليمة على من ينتقل عنه، وتسليمة على من قدم عليه إلاَّ أن يكون
عند الله في صلاته فلا يسلم على من انتقل عنه لأن الله هو السلام فلا يسلم عليه.
فصل بل وصل فيما يقول الذي يرفع رأسه من الركوع وفي الركوع: يقول العارف
الجامع لأكمل الصلوات: إذا رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده نيابة عن ربه سبحانه
ومترجماً عنه فإنه من كلام ربه تبارك وتعالى، ثم يسكت ثم يقول يردّ على نفسه بلسانه: اللهم
ربنا ولك الحمد وذلك أنه ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله وَ﴾: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)) فإن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن
حمده، فلهذا يستحب للمنفرد أن يسكت سكتة يفصل بها بين قوله: سمع الله لمن حمده،
وبين قوله: اللهم ربنا ولك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما
شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا
معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ. كما أنه يقول في حال ركوعه بعد قوله فيه:
سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات إن كان منفرداً أو مأموماً، وإن كان إماماً فإنه يقولها
خمس مرات ليدرك المأموم أنه يقولها ثلاثاً، ثم يقول بعد هذا التسبيح: اللهم لك ركعت
وبك آمنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي.
اعلم أن العبد إذا ركع فقد أعلمتك أنه في حال برزخيّ بين القيام والسجود، فيقول
العارف بعد تسبيحه ربه بالتعظيم كما أوردناه يقول: اللهم لك ركعت أي من أجل عزّك
وعلوّك في كبريائك خضعت تعظيماً لك يقول لقيوميتك التي لا تنبغي إلاَّ لك فإني لما قمت
بين يديك لم أقم إلاَّ امتثالاً لأمرك حيث قلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٨] فقمت وأنا
أخصع في ركوعي من خاطر ربما خطر لي في حال قيامي أني قمت لنفسي فأعترف بين يديك
بركوعي أني لك ركعت وبك آمنت، يقول: بسببك أي بتأييدك صدّقت لا بحولي ولا بقوّتي
أي لا حول لي ولا قوّة إلاَّ بك، إذ كانت القلوب بيدك التي هي محل الإيمان، ولك أسلمت
أي من أجلك كان انقيادي، ولولاك ما تغيرت أحوالي معك في عباداتي فإنك الذي شرعت
لي ذلك على لسان رسولك فعلاً وقولاً وَّل، فصلّى وذكر ثم أمرنا فقال: ((صَلُوا كَمَا
رَأَيْتُمُونِي أُصَلِي)) وأنت القائل: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ﴾ [سورة النجم: الآية ٣] فعلمنا أنه مأمور بأن
يأمرنا فذلك أمرك لا أمره فإنك القائل: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠].
ثم يقول: خشع لك سمعي فيما كلمتني به في حال مناجاتي إياك بكلامك. ثم يقول:
وبصري بواو التشريك. وما ثم إلاّ الخشوع فكأنه يقول: وخشع لك بصري حياء منك لعلمي

٨٤
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
بأنك تراني في حال ركوعي بين يديك، فإنك في قبلتي كما أخبرني رسولك ◌َّ فأمرني أن
أجعلك مشهوداً في صلاتي كأني أراك، بل يا ربي وإن مثلت في نفسي أني أراك فما أقدر أن
أنكر علمي أنك تراني، وما سبب الحياء مني إلاَّ علمي بأنك تراني لا بأني أراك، فإنه لا
يعزب عنك مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض، يا من يدرك الأبصار ولا تدركه
الأبصار، ويقول: ومخي، وعظمي، وعصبي، فإنك جعلت في كل ما ذكرت قوّة يكون بها
قوام نشأتي وثبات هيكلي لتحصل نفسي بهذه القوى لبقاء هذه الصورة المكلفة ما أمرتها به أن
تحصله من المعرفة بك، فربما خطر لمخي وعظمي وعصبي الموصوفين بالخشوع لك لما
كانت أسباباً لما ذكرناه فيدركها لذلك عجب وزهو، فوجب على كل واحدة من هؤلاء أن
يخشع لك بتبرّيه من الحول والقوّة في السببية بأنك أنت الذي تحفظ عليّ قوام نشأتي لتحصيل
معارفي، فإذا رفع العارف رأسه من الركوع يقول نيابة عن ربّه سمع نفسه خطاب ربه: سمع
الله لمن حمده في قوله في حال ركوعه: سبحان ربي العظيم، وكل حمد وثناء حمده به وأثنى
عليه به من أول شروعه في صلاته ثم يرد بربه على ربه بحضور نفسه من كونها بربه بتأييده
إياها في حولها وقوّتها فيقول: اللهم ربنا فيحذف حرف النداء لأن المصلي في حال قرب
والندا يؤذن بالبعد وأبقى المنادي وهو لبقاء نفسه في جواب ربه فيقول: لك الحمد أي الثناء
التام بما هو لك ومنك، فلا حامد ولا محمود إلاَّ أنت، ولك عواقب كل مثن في العالم وكل
مثنى عليه وهو قوله: ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من
شيء بعد يقول كل جزء من العالم العلويّ والسفليّ وما بينهما وما في الإمكان من الممكنات
ممّا توجده ويبقى في العدم عيناً ثابتة كل جزء منه معلوم بحكم الوجود والتقدير له ثناء خاص
عليك من حيث عينه وإفراده وجمعه بغيره في قليل الجمع وكثيره: أحمدك بلسانه وبلسان كل
حامد من حمدك لنفسك وحمد من سواك لك، فيكون لهذا الحامد بهذه الألسنة جميع ما
يستدعيه من التجلي الإلهي ومن الأجور المحسوسة لأجل طبيعته وتركيبه، فإنه حمده لساناً
وقلباً ظاهراً وباطناً. وقوله: أحق ما قال العبد أي أوجب ما يقوله عبد مثلي ولي أمثال لسيد
مثلك ولا مثل لك وكلنا لك عبد يقول: أنوب عن أمثالي وهم جميع الممكنات موجودها
ومعدومها ممن يقول بك في علمه عن حضور، وممّن يقول بنفسه عن غيبة، فأنوب عنهم في
حمدك لمعرفتي بك التي منحتني وجهلهم بما ينبغي لجلالك لا مانع لما أعطيت من
الاستعداد لقبول تجلّ مخصوص وعلوم مخصوصة، ولا معطي لما منعت وإذا لم تعط
استعداداً عاماً فما ثم سيد غيرك يعطي ما لم تعطه أنت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ أي من
كان له حظ في الدنيا من سلطان وجاه ومال وتحكم بغيرك في علمه لا في نفس الأمر لم ينفعه
ذلك عندك في الآخرة عند كشف الغطاء.
فصل بل وصل في السجود في الصلاة: فإذا سجد وسبّح بربّه الأعلى وبحمده كما تقدّم
يقول في سجوده بعد تسبيحه: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي
للذي خلقه وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي

٨٥
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وأمامي نوراً؛ وخلفي
نوراً، وفوقي نوراً وتحتي نوراً، واجعل لي نوراً، واجعلني نوراً، يقول العارف: سجد وجهي
أي حقيقتي، فإن وجه الشيء حقيقته للذي خلقه أي قدّره من اسمه المدبر، وأوجده من اسمه
القادر البارىء المصور، وشق سمعه بما أسمعه في ﴿ كُنْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٧] وأخذ الميثاق
ثم التكليف، وبصره بما أدركه ليعتبر في المبصرات فإن ذلك في حق هذه النشأة وأمثالها كما
فطر السموات والأرض وفتقهما بعد رتقهما ليتميزا، فيظهر المؤثر والمؤثر فيه لوجود التكوين
﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] إثباتاً للأعيان ليصحّ قوله: ﴿لَقَوْمِ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣] ثم دعا بالنور في كل عضو نور السموات والأرض الذي مثله
بالمصباح في الزجاجة، مقام الصفا في المشكاة، مقام الستر من الأهواء، فلم تصبه مقالات
القائلين فيه بأفكارهم الموقد بالزيت المضيء بالمقاربة وهو حكم الإمداد من الشجرة وهي
الممد لا شرقية ولا غربية في مقام الاعتدال لا تميل عن عرض إلى شرق فيحاط بها علماً،
ولا إلى غرب فلا تعلم رتبتها، نور على نور وجود على وجود، وجود جود عيني على وجود
مفتقر، ثم دعا بجعل النور في كل عضو والنفور هو النور، وكل عضو فله دعوى بما خلقه الله
عليه من القوّة التي ركبها فيه وفطره عليها .
ولما علم ذلك رسول الله # دعا أن يجعل الله فيه علماً وهدى منفر الظلمة دعوى كل
مدع من عالمه هذا ربط هذا الدعاء وآخر ما قال: اجعلني نوراً يقول: اجعلني أنت فإنه نور
السموات والأرض، فهناك قال الحق تعالى: كنت سمعه وبصره ورجله ويده ولسانه عندما
يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش ويسعى، يقول: اجعلني نوراً يهتدي بي كل من رآني في ظلمات
بر ظاهره وبحر نفسه وباطنه، فأعطاه القرآن وأعطانا الفهم فيه، فإن هذه المنحة من أعلى
المنح في رتبة هي أسنى المراتب، ومعناه غيبني عني وكن أنت بوجودي فيرى بصري كل
شيء بك ويسمع سمعي كل مسموع بك فإن نور كل عضو إدراكه، وهكذا جميع ما فصله
ولكن بنور يقع به التمييز بين الأنوار ولذلك نكره في كل عضو وفي نفسه وذاته، فيتميز نور
الشمال من نور اليمين، ونور الفوق من نور التحت، وكذلك أنوار القوى والجوار، ثم أقمني
بعد هذا في عين الجمع والوجود فتتحد الأنوار بأحدية العين، فإن لم أكن هناك فبجعلك إياي
نوراً، وإن كنت هناك فيجعلك في نوراً أهتدي به في ظلمات كوني .
فصل بل وصل فيما يقول المصلي بين السجدتين في الصلاة من الدعاء: يقول المصلي
إذا جلس بين السجدتين في الصلاة: اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واجبرني واهدني
وعافني واعف عني، يقول العارف: استرني واستر من أجلي، استرني من المخالفات حتى لا
تعرف مكاني فتقصدني نفسك عني، إذ قد قلت إن سبحاتك محرقة أعيان كل موصوف
بالوجود وإن كان وجودك، ولكن كما أثر في الممكن صفة الوجود ولم يكن بالوجود
موصوفاً، كذلك أثر نسبته إلى الممكن إن قيل فيه بوجود وإن كان مقیداً بالحدوث حادث،
ولكن الحضرة الإلهية موصوفة بالغيرة على وجودها من أجل دعوى هذا المدعي، فلو لم

٨٦
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
تصدر منه الدعوى لما تسلط عليه، فلا بدّ إذا ارتفعت الحجب أن تحرق سبحات ما أدركه
البصر من الخلق يعني الطبيعي، فإن عالم الأمر أنوار قلما يحترق بل يندرج في النور الأعظم،
فإن عالم الأمر ما عنده دعوى فيحترق عالم الخلق فيصير رماداً فما ألحقه بالعدم فبقي رماداً لا
دعوى له، فإذن ما أعدمت سوى الدعوى بإحالة العين التي أعطى استعدادها الدعوى إلى عين
ما لها دعوى .
وقوله: وارحمني برحمة الوجوب التي لا تحصل إلاَّ بعد رحمة الامتنان بما أعطيتني
من التوفيق لتحصيل رحمة الوجوب حتى أكون كل شيء وسعته رحمتك، فيطلب العارف
رحمة الامتنان في عين الوجوب بالتوفيق للعمل الصالح الموجب لرحمة الاختصاص فيريد
أخذها من عين المنة التي يطلبها إبليس وأشياعه من الجن والإنس مع وصف هذا العارف
بالعصمة والحفظ عن المخالفة والخذلان الموجب للحرمان. ثم يقول: وارزقني يعني من
غذاء المعارف الذي يحيا به قلبي كما رزقتني من غذاء الجسوم بما أبقيت به جسدي الطبيعي
وهيكلي. ثم يقول: واجبرني الجبر لا يكون إلاّ بعد كسر وهو المهيض في اللسان والمهيض
هو المكسور بعد جبر وهو كسر العارفين، فإن العبد مكسور في الأصل بإمكانه فجبره إنما هو
بأن ألحقه بالوجوب ولكن بغيره، فلما أوجده بهذا الجبر كسرته المعرفة بنفسه وبربه فردته إلى
إمكانه، فهذا كسر بعد جبر، والجبر لا يكون إلاَّ عن كسر، فلهذا قلنا: هو المهيض في
اللسان، كما أيضاً يقول: واجبرني يعني أوقفني على جبري في اختياري، فإن العبد مجبور
في اختياره ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة التكوير: الآية ٢٩] يقول الله: أنا مع
المنكسرة قلوبهم من أجلي، ثم يقول: واهدني بين لي ما نتقي ووفقني للبيان في الترجمة
عنك لعبادتك بما تهبني من جوامع الكلم ليصح ورثي من رسولك وَلَه فإنه قال ◌َله:
(ُعْطِيتُ سِتّاً لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيِّ قَبْلِي) وَذَكَرَ مِنْها فَقَالَ: ((وَأَوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم)) ثم يقول: وعافني
من أمراض القلوب التي هي أغراضها لا من أمراض الجسوم فإنك في غاية القرب عند من
أمرضت جسمه، فإنك قلت لي في الخبر الصحيح الذي بلغه إلى رسولك وَ ل عنك أنك
قلت: مرضت فلم تعدني، فأقول لك: وكيف تمرض وأنت رب العالمين، فقال وَّ: ((إِنَّكَ
تَقُولُ مجيباً لي إِنَّ عَبْدِي فُلاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ عُذْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ وَمَنْ أَنْتَ عِنْدَهُ
سُبْحَانَكَ فَمَا شَقِيَ وَمَا أَمْرَضْتَ عَبْدَكَ إِلَّ لِتَعُودَهُ وَتَكُونَ عِنْدَهُ، فمن أراد أن يجدك فَلْيَعُدِ
المرضى سبحانك تسبيحاً لا ينبغي إلاَّ لك))، ثم يقول: واعف عني، يقول: كثر خيرك لي
وقّل بلاءك عني أي قّل ما ينبغي أن يقلّل وكثّر ما ينبغي أن يكثر، وليس إلاَّ عفوك عن
خطيئتي التي طلبت منك أن تسترني عنها حتى لا تصيبني فأتصف بها، والعفو من الأضداد
يطلق بإزاء الكثرة والقلة فنب عني يا رب فإني لا أستطيع التحرك إلى ما أمرتني بعمله لزمانتي
مع إرادة التحرّك.
فصل بل وصل في القنوت في الصلاة: اختلفوا في القنوت، فمن قائل: إنه مستحب في
صلاة الصبح. ومن قائل: إنه سنّة. ومن قائل: إنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح وإنما

٨٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
موضعه الوتر. ومن قائل: يقنت في كل صلاة. ومن قائل: لا قنوت إلا في رمضان. ومن
قائل: لا قنوت إلاَّ في النصف الآخر من رمضان. ومن قائل: في النصف الأوّل من رمضان
وهو دعاء يدعو به المصلي، ومنهم من يراه قبل الركوع، ومنهم من يراه بعد الركوع، ومن
الناس من لا يرى القنوت إلاَّ في حال الشدة وبه أقول وهو مستحب عندي، وقد روي في صفة
قنوت الوتر دعاء خاص، وقد روي في قنوت الصبح دعاء خاص لم يثبت، فليدع من يرى
القنوت بأيّ شيء شاء بحسب حاله غير أنه يجتنب السب واللعنة في القنوت، وليدع بخير الدنيا
والآخرة وما يزلف عند الله مثل ما ثبت في قنوت الوتر من قولهِ بَّرَ: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ،
وَعَافِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِيَ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ
تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لاَ يُذَلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلاَ يَضِلُّ مَنْ هَدَيْتَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ)).
فهذا تعليم من النبي ◌َّيّ كيف ندعو الله في قنوتنا وفي كل دعاء. فالعارف ينظر فيما
علم أن يدعو به أو بما يشبهه فهو يطلب من الله أن يهديه فيمن هداه، فإن وقف مع صفة اللفظ
فهو يطلب في المستقبل أن يكون في الماضين، والمستقبل لا يكون في الماضي إلا أن
يجمعهما وجه فينظر العارف فيجد أن الجامع بين الماضي والمستقبل إنما هو العدم، إذ كان
الوجود لا يصحّ إلاَّ للحال، والوجود لا يكون إلاَّالله، فإن وجود الحال وجود ذاتيّ لا يصحّ
فيه العدم وله الدوام وبهذا وصفه أهل العربية فقالوا في تقسيم الأفعال: إن فعل الحال يسمّى
الدائم وهو موجود بين طرفي عدم لا يمكن فيهما وجود أصلاً وهو الماضي والمستقبل، وهو
عين العبد فهو الموصوف بالعدم فقيده بالماضي وهو العدم وبالمستقبل وهو عدم، فاهدني
للمستقبل وهديت للماضي والعدم لا يقع فيه تمييز فلهذا شرع له أن يقول: اهدني فيمن
هديت وأمثاله، فإذا حصلت الهداية وهي عين وجود الحال والحال ظرف محقق ولهذا جاء
بفي فقال فيمن، والعدم لا يكون ظرفاً لأن المعدوم لا شيء، والعدم عبارة عن لا شيء ولا
شيء لا يكون ظرفاً لغير شيء، فالمفهوم من قوله: اهدني فيمن هديت وأمثاله بقوّة ما تعطيه
في أي إذا كسوتني وجود الهداية والتولّي، وما وقع السؤال فيه فليكن في الحال الذي له
الدوام، فلا يوصف بالماضي فيلحق بالعدم، ولا بالمستقبل ولا يكون له وجود والحق منزه
عن التقييد في أفعاله بالزمان، والعبد الذي هو المخلوق في الماضي موصوف بليس، وفي
المستقبل موصوف بليس، وفي حال اتصافه بالوجود من حيث ذاته موصوف بليس، فكما أن
ليس له حقيقة لا ينفك عنها بل هي عينه كذلك أيس الذي هو الوجود هو للحق سبحانه حقيقة
لا يوصف بنقيضه بل الوجود عينه، وإن سلب عن نفسه الفعل وأضافه إلى السبب فإن ذلك
غير مؤثر في وجوده للحق لما تحققنا من أن العبد عدم والعدم لا ينسب إليه شيء وفي ذلك
قلنا : [الوافر ]
بتحقيقي فقُلْ لي ما أقولُ
تقول بهم وتَعْتِبُهم وماذا
أقول بهم فقُلْ لي ما تقولُ
أقولُ بهم وهل علموا بأني
إذا عبدٌ تحقَّق إذ يقولُ
بأني قائلٌ وهو المَقُولُ

٨٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فقل بي ما تقول وما نقولُ
أأغْتِبُ مثله والعدلُ نعتي
يقول الله على لسان فرعون: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النازعات: الآية ٢٤] وهو سبحانه
الأعلى حقيقة فإنّ الله هو ربنا الأعلى ﴿فَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَ﴾
[سورة النازعات: ٢٥، ٢٦] العبرة في ذلك للعالم، فإن الله وصف العلماء بالخشية فقال: ﴿إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ [سورة فاطر: الآية ٢٨] فيعتبر العالم كما أخبر الله من أين أخذ فرعون
وهذه صفة الحق ظهرت بلسان فرعون، فعلم أنه ما قالها نيابة عن الحق كما يقول المصلي:
سمع الله لمن حمده، فلما غاب عن النيابة في ذلك القول طلبت الصفة موصوفها فرجعت إلى
الحق جلّ جلاله وبقي فرعون معرّى عنها على أنه ما لبسها قط عند نفسه، فإن الله قد طبع
على كل قلب متكبر جبار أن يدخله كبرياء، إذ لا ينبغي ذلك الوصف إلاَّ لمن لا يتقيد فهو
الأعلى عن التقييد، فكان الجزاء لفرعون لغيبته عن هذا المقام أن ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾
أي أوقفه على تقييده أنه ليس له هذا الوصف، فالأولى للماضي وهي كلمة: ﴿مَا عَلِّمْتُ
لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرِى﴾ [سورة القصص: الآية ٣٨] والآخرة للمستقبل وهي كلمة: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ
اَلْأَعْلَى﴾ وهما عندنا أن الله أخذه نكال الآخرة والأولى. في الأولى: فاطلع بما أعلمه الله في
أخذه ذلك عن الإطلاق الذي ادّعاه بالتقييد الذي هو النكال فإن النكل في اللسان هو القيد،
ولما رأينا الله قد عبّر بالنكال عرفنا أن النقيض هو الذي سلبه وهو الإطلاق، ففي موطن يقول
سبحانه: ﴿أَدْعُونِيّ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٠] وفي موطن يعرّفنا بأنه قد قضى القضية، وما يبدّل
القول لديه وما سبق العلم به فهو كائن ولا ينجي حذر من قدر، وفي ذلك قلت بيتين فيهما
رمز حسن وهما : [الطويل]
وإن أنا لم أَذْعُ يقول ألا تدعُو
إذا قلتُ يا أَللَّهُ قال لما تدعو
وخُصْصَ بالراحات من لا له سَمْعُ
فقد فاز باللَّذات من كان أخرساً
فينبغي للعبد إذا قرأ القرآن أو تكلم بما تكلم به أو كلّمه غيره أو سمع من سمع بأي لسان
كان يتكلم فإنه ليس في العالم صمت أصلاً فإن الصمت عدم والكلام على الدوام، إذ فائدة
الكلام الإفهام بالمقاصد للسامعين والأحوال مفهمة وهي الكلام ولا يخلو موجود أن يكون على
احال ما، فحاله هو عين كلامه لأنه المفهم الذي ينظر إليه ما هو عليه في وقته، فلا لسان أفصح
من لسان الأحوال، وقرائن الأحوال تفيد العلوم التي تجيء بطريق العبارات، والعبارات من
جملة الأحوال عندنا، فانطلق في الاصطلاح اسم الكلام على العبارات، والعارفون بالله عندهم
الوجود كله كلمات الله لا تنفد أبداً، فافهم ما ينبغي للعبد أن يعرف من ذلك إذا سمع كلاماً أو
إتكلم هو أن يفرّق ما بين ما هو العبد فيه نائب عن الله وما هو الله فيه مترجم عن العبد ويميز ذلك
بالصفة، فإن الصفة تطلب موصوفها فإنه لا يقبلها إلاَّ من هي له، فإذا تضمن الكلام صفة لا
تنبغي إلاَّ للعبد فالعبد صاحبها وإن وصف الحق بها نفسه، وإذا تضمن الكلام صفة لا تنبغي إلاَّ
الله فالله صاحبها، وإن وصف العبد بها نفسه فهكذا تعتبر الكلام كله ممّن وقع سواء كان
بالعبارات أو بالأحوال فهذا معنى قوله: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْثَقَ﴾ وهو العالم. وقوله في ذا

٨٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
إشارة إلى ما تقدّم في القصة والذي تقدّم في القصة قوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ و﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ
اَلْآَخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي هذه الدعوى أوجبت هذا الأخذ، وأن الصفة طلبت موصوفها وهو الله وبقي
فرعون عرياً عنها فلم يكن له من يحميه عن الأخذ، يقول الله عن نفسه: جعت فلم تطعمني نيابة
عن عبد جاع فلم تطعمه فطلبت الصفة موصوفها وهو العبد فهكذا فهم العارفون الحقائق .
فصول بل وصول في أفعال الصلاة
فصل بل وصل في رفع الأيدي في الصلاة: اختلف العلماء في رفع الأيدي في الصلاة
أعني في حكمها، وفي المواضع التي يرفعها فيها، وفي حدّ الرفع فيها إلى أين ينتهي بها، فأمّا
الحكم: فمن قائل: إن رفع اليدين سنّة في الصلاة. ومن قائل: إنه فرض وهؤلاء انقسموا
أقساماً: فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة الإحرام فقط. ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح
وعند الانحطاط إلى الركوع وعند الرفع من الركوع. ومنهم من أوجب ذلك في هذين
الموضعين وعند السجود. وأما المواضع التي ترفع فيها الأيدي في الصلاة فمن قائل: عند
تكبيرة الإحرام فقط. ومن قائل: عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع.
ومن قائل: يرفعها عند السجود وعند الرفع من السجود وهو حديث وائل بن حجر. ومن
قائل: إذا قام من الركعتين وهو رواية مالك بن الحويرث عن النبيّ وَلّر، وأما أنا فرأيت
رسول الله ◌ّ في رؤيا مبشّرة فأمرني أن أرفع يدي في الصلاة عند تكبيرة الإحرام وعند
الركوع وعند الرفع من الركوع. وأمّا الحدّ الذي ترفع إليه اليدان: فمن قائل: إلى المنكبين.
ومن قائل: إلى الأذنين. ومن قائل: إلى الصدر، ولكل قائل حديث مرويّ أثبتها إلى
المنكبين، وحديث الأذنين أثبت من حديث الصدر، والذي أذهب إليه في هذه المسألة أن
الأحاديث المروية في ذلك إنما هي في حكاية فعله بَير. ما روي أنه أمر بذلك وقد قال:
((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)» ومعلوم أنّ الصلاة تحوي على فرائض وسنن، فلا يفهم من هذا
الحديث أن أفعال الصلاة فرض جميعها لمعارضة الإجماع لهذا المفهوم، فلنصلها ونرفع
أيدينا في علم الشارع من غير تعيين فرض أو سنّة، كما أحرم علي بن أبي طالب بإحرام
النبيّ مَّ حين لم يعلم بما أحرم وأقرّه على ذلك رسول الله وَل وما أنكر عليه، فنرفع أيدينا
في الصلاة على حكم الشرع فيها فنقبلها على ذلك الحكم.
وأمّا الحدّ فمذهبي فيه أنه بفعله يقتضي التخيير، فإن الأحاديث وردت بحدود مختلفة
فعلية، فأية حالة فعل المصلي أجزأته فرضاً كان أو سنّة والأولى الرفع إلى الأذنين، ولكن
ينبغي أن يكون رفعهما على الصدر إلى حذو المنكبين إلى الأذنين فيجمع بين الثلاثة
الأحوال، وكذلك المواضع تعمّها كلها عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من
الركوع وعند السجود وعند الرفع من السجود وعند القيام من الركعتين فإنّ ذلك لا يضرّه فإنه
قد ورد، وما ورد أن ذلك يبطل الصلاة فما ورد ما يعارض ذلك، وغاية المفهوم من حديث
ابن مسعود والبراء بن عازب أنه كان عليه السلام يرفع يديه عند الإحرام مرّة واحدة لا يزيد

٩٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
عليها أي أنه رفع مرّة واحدة لم يصنع ذلك مرّتين عند الإحرام، ويحتمل أن يريدا بقولهما لا
يزيد عليها أي لا يرفعهما مرّة أخرى في باقي الصلاة فما هو نص، وقد ثبتت الزيادة برفعه عند
الركوع وعند الرفع منه وغير ذلك، والزيادة من العدل الثقة مقبولة فالأولى رفعهما في جميع
المواطن التي جاءت الرواية بالرفع فيها .
وأما اعتبار العارف في ذلك فإن رفع الأيدي يؤذن بأن الذي حصل فيها قد سقط عند
رفعها فكان الحق يقول له معلماً: إذا وقفت بين يديّ فقف فقيراً محتاجاً لا تملك شيئاً وكل
شيء ملكتك إياه فارم به وقف صفر اليدين واجعله خلف ظهرك فإني في قبلتك، ولهذا
يستقبل بكفيه قبلته قائمة ليعلم أنه صفر اليدين مما كان فيهما، ثم إنه إذا حطهما رجعت بطون
الأكف تنظر إلى خلف وهو موضع ما رمته من يدها، ثم إن الله يعطيه في كل حال من
الأحوال أحوال الصلاة ما يقتضيه جزاء ذلك الفعل، فإذا ملكه تركه وأعلم الحق برفع يديه أنه
قد تركه في الموضع الذي ينبغي له أن يتركه، وقد توجّه طالباً فقيراً صفر اليدين إلى الوهب
الإلهيّ فيعطيه أيضاً فيرفع يديه وهي خالية، هكذا في جميع المواطن التي علمه
رسول الله # أن يرفع فيها يديه، وقد يرفعها من باب الحول والقوّة إذ كانت محل القدرة
الأيدي فيرفع يديه إلى الله معترفاً أن الاقتدار لك لا لي، وأن يديّ خالية من الاقتدار، فمن
رفعها إلى الصدر اعتبر كون الحق في قبلته، ومن رفعها إلى الأذنين اعتبر كون الحق فوقه من
قوله: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٨] في كل خفض ورفع يفعل ذلك يقول
بذلك الرفع من يديه أن لا حول لي ولا قوّة في كل خفض ورفع، وأن القوّة لك لا إله إلاَّ
أنت. انتهى الجزء التاسع والثلاثون.
(الجزء الأربعون)
بِسْمِ اللهِ الرَّمِ الرَّحَمَةِ
فصل بل وصل في الركوع وفي الاعتدال من الركوع: اختلف العلماء في الركوع وفي
الاعتدال من الركوع. فمن قائل: إنه غير واجب. ومن قائل: بوجوبه.
الاعتبار في ذلك الخضوع واجب في كل حال إلى الله تعالى باطناً وظاهراً، فإذا اتفق أن
يقام العبد في موطن يكون الأولى فيه ظهور عزّة الإيمان وجبروته وعظمته لعزّ المؤمن وعظمته
وجبروته، فيظهر في المؤمن من الأنفة والجبروت ما يناقض الخضوع، ففي ذلك الموطن لا
يكون الخضوع واجباً بل ربما الأولى إظهار صفة ما يقتضيه ذلك الموطن، قال تعالى: ﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] هذا
موطن يجب أن تكون المعاملة فيه كما ذكر. وقال في الموطن الآخر: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
اَلْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٣]. فهو من باب إظهار عزّة الإيمان بعزّ
المؤمن، وثبت أن رسول الله وَلّ قال في غزوة وقد تراءى الجمعان: «مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ
بِحَقْهِ؟ فَأَخَذَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَمَشَى بِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ خُيَلاَءَ مُظْهِر الإِعْجَابِ والتَّبَخْتُرِ فَقَالَ رَسُولُ

٩١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
اللَّهِ وََّ: هَذَهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فِي هَذَا المَوْطِنِ))، فإذا علمت أن للمواطن أحكاماً
فافعل بمقتضاها تكن حكيماً، ثبت أن رسول الله وَّر قال للرجل الذي علمه فروض الصلاة:
((ارْكَعْ حَتَى تَطْمَئِنَّ رَاكعاً وَارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ وَاقِفاً)) فالواجب اعتقاد كونه فرضاً .
فصل بل وصل في هيئة الجلوس: فمن قائل: يفضي بأليتيه إلى الأرض وينصب رجله
اليمنى ويثني اليسرى والرجل والمرأة في ذلك على السواء. وقال آخرون: ينصب الرجل
اليمنى ويقعد على اليسرى، وفرّق آخرون بين الجلسة الوسطى والآخرة فقال في الوسطى :
ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى، وقال في الجلسة الآخرة: يفضي بأليته إلى الأرض
وينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى، وكل قائل له مستند إلى حديث فما فعل من ذلك أجزأه.
الاعتبار في ذلك: الجلوس في الصلاة جلوس العبد بين يدي السيد وليس له أن يجلس
إلاَّ أن يأمره سيده وقد أمر المصلي بالجلوس في الصلاة، وقال رسول الله وَله: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ
أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ العَبْدُ)) فأحسن الحالات في الجلوس في الصلاة هو الجلوس الذي يكون
فيه أقرب إلى الوقوف بين يدي سيده، هذا إذا كان حال العارف حال ما ينبغي أن يكون عليه
العبد من حيث ما هو عبد، وإن كان العارف في محل النظر في أصل معرفته بنفسه ليعرف ربه
فالأولى في جلوسه أن يفضي بأليته إلى الأرض في آخر جلوسه ولا بدّ فإنه أقرب إلى النظر
في ذاته، بخلاف الجلسة الوسطى فإن جلوسه فيها عارض عرض له من الحق أجلسه أي ردّه
في النظر إلى نفسه لمعرفة يريد تحصيلها فيكون كالمستوفز لأنه مدعوّ إلى الوقوف وهي
الركعة الثالثة، والطمأنينة في الركوع والسجود وأحوال الانتقالات كلها في أحوال الصلاة
المراد بها الثبات لتحقيق ما يتجلى له فيها، لأنه إذا أسرع بأدنى ما ينطلق عليه اسم راكع يفوته
علم كبير لا يناله إلاَّ من ثبت، فلهذا أمر بالطمأنينة في هذه المواطن فإن العجلة من الشيطان
إلاَّ في خمس وهي مذكورة في بابها، فالمسارعات إلى الخيرات مشروع يعد الثبات
والاطمئنان في الخير الذي أنت فيه فلا مناقضة بين الطمأنينة والمسارعة .
فصل بل وصل في الجلسة الوسطى والأخيرة : اختلف العلماء في الجلسة الوسطى
والأخيرة، فقائل في الوسطى إنها سنّة وليست بفرض، وشذّ قوم فقالوا: إنها فرض، والأصل
الذي أعتمد عليه في أفعال الصلاة كلها أن لا تحمل أفعاله بَّر على الوجوب حتى يدل الدليل
على ذلك، وأمّا الجلسة الأخيرة فبعكس الوسطى والأكثرون أنها فرض، وشذّ قوم فقالوا:
إنها ليست بفرض. ومن قائل: إن الجلستين سنّة وهو أضعف الأقوال، وبقي الجلوس في
وتر من الصلاة يذكر بعد هذا إن شاء الله في فصله.
الاعتبار في ذلك: أمّا الجلسة الوسطى فإنها كما قلنا عارض عرض لأجل القيام بعدها
إلى الركعة الثالثة والعارض لا يتنزل منزلة الفرض، ولهذا سجد من سها عنه، وفرّق بينه وبين
الركن إذا فاته ولم يقترن بالجلسة الوسطى أمر فيحمل على الوجوب، وإنما هو أمر عارض
عرض للمصلي في مناجاته من التجليات البرزخيات دعاه أن يسلم عليه لما شرع فيه من
التحيات، فلما رأى أن ذلك المقام يدعوه إلى التحية تعين عليه أن يجلس له كما يفرض عليه

٩٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
في الجلسة الآخرة التي هي فرض، والحكمة في ذلك المشهودة أن أصل الصلاة يقتضي
الشفعية للقسمة المذكورة فيها بين الله وبين العبد، فأقلها ركعتان إلاّ الوتر فإن له خصوص
وصف أذكره في الوتر إذا جاء إن شاء الله، ولما ثبت عين الشفع بوجود الركعتين فتميز الرب
من العبد فقد حصل المقصود فلا بدّ من الجلوس كما يكون في صلاة الصبح، وفي الصلاة
الليلية مثنى مثنى، وفي صلاة السفر. وقول الراوي في أوّل فرض الصلاة إنها فرضت ركعتين
ثم زيد في صلاة الحضر وأقرّت في السفر على الأصل فلما عرض لهذا الشفع في الصلاة
الثلاثية والرباعية أن الشيئين إذا تألّفا صحّ على كل واحد منهما اسم الشيئين، ومن الناس من
قال: كانا شيئاً واحداً، وقد تألّف بوجود الركعتين الأوليين نسبة شيئية الصلاة للعبد، ونفى
نسبة شيئية الصلاة للرب فإنه قال عن نفسه: إنه يصلي علينا، فكانت الركعتان في الرباعية
لهذا، ولما أراد أن يفصل بين الشيئيتين الأوليين والأخريين ليتميزا فصل بينهما بالجلسة وهذا
هو العارض الذي عرض له حتى جلس، فإن فاته سجد له ولم يأت به كما يأتي بالركن إذا
فاته .
وأمّا وقوع الجلوس بعد الثنتين في المغرب فلأمر آخر خلاف هذا وما هي بجلسة
وسطى لأنه ليس بعدها ركعتان فهي في الثلثين وفي الرباعية في النصف، وذلك أن ينبّه بأن
الشيئين إذا تألفا كانا شيئاً واحداً، فذلك الواحد هو عين الركعة الثالثة من المغرب، يشير بأن
هاتين الركعتين المقسمتين بين عبد ورب هي في المعنى واحدة، لأن المعنى الواحد يتضمن
الثاني من جميع وجوهه وليس الآخر كذلك، لأن الآخر يتضمنه من وجه ولا يتضمنه من
وجه، فمن الوجه الذي يتضمنه ظهرت للرباعية ركعتان بعد الجلسة الوسطى الركعة الواحدة
للواحد لتضمنه معنى الآخر، والأخرى للآخر لتضمنه معنى الأول، ويبقى الوجه الواحد الذي
لا أخ له بمنزلة الوتر الذي زادنا الله إلى صلاتنا وهو ركعة واحدة لا ثاني لها، وهو الوجه
الذي ينفرد به الحق عنا من حيث ذاته، وصورة ذلك في المعارف أن العبد يطلب الواجب
الوجود لنفسه لأنه ممكن فلا بدّ له من مرجح، فالعبد يتضمن الرب بوجوده بلا شك، فركعة
المغرب اكتفي بها لأنها تتضمن الثانية، ووجود الواجب لنفسه له وجه لتضمن الممكن وهو
وجه كونه إلهاً قادراً مريداً، فقد تكون ركعة المغرب إلهية من هذا الوجه، وله سبحانه وجه
أيضاً إلى نفسه لا يتضمن وجود الممكن جملة واحدة وهو الغنى الذي له على الإطلاق، فهو
بالنظر إليه سبحانه لا يلزم من النظر فيه من حكم ذاته وجود العالم، ولا بدّ إلاَّ أن ننظر فيه من
حيث ما يطلبه الممكن، فتظهر النسب عند ذلك وكونه قادراً فيطلب المقدور ومريداً فيطلب
المراد .
فالوتر المفروض المراد له هو الوجه الذي للحق من حيث ما لا يطلب الأكوان ولا
تطلبه الأكوان إذا لم ننظر في ذواتها، قال الله عزّ وجلّ: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل
عمران: الآية ٩٧] والعالمون هنا هو الدلالات على الله فهو يقول في هذه الآية إنه غنيّ عن
الدلالات عليه، فرفع أن يكون بينه وبين العالم نسبة ووجه يربطه بالعالم من حيث ذلك الوجه

٩٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الذي هو منه غنيّ عن العالمين وهو الذي تسميه أهل النظر وجه الدليل، يقول الحق: ما ثم
دليل عليّ فيكون له وجه يربطني به فأكون مقيداً به وأنا الغنيّ العزيز الذي لا تقيدني الوجوه
ولا تدل عليّ أدلة المحدثات، فدليل الحق على الحق وجود الحق في عين وجود الممكن
للممكن من حيث ما هو وجوده وجود عين الحق لا من حيث إنه موجود عن الحق أو مفتقر
إلى الحق، فإن الممكن لا يفتقر إلاَّ لأمر ممكن، يعني أنه يمكن أن يحصل له ويمكن أن لا
يحصل، والافتقار إلى الممكن من الممكن محال، والافتقار إلى الواجب بنفسه من الممكن
في غير ممكن محال، فلا افتقار لممكن ولا لواجب أصلاً، فالواجب الوجود غنيّ على
الإطلاق، والممكن ليس بفقير لممكن على الإطلاق ولا لغير ممكن. فإن تحصيل ما ليس
بممكن لممكن محال، فالحق لا يحصل منه في العبد شيء ولا للعبد منه شيء، فالظاهر من
الممكنات وأعيانها وجود الحق والممكنات باقية على أصلها من الإمكان لا تبرح أبداً، فمعنى
الاستفادة هي دلالة الحق بوجوده عليها لا دلالتها عليه فإنها لا تدل عليه أبداً، فالناظر في هذه
المسألة يتوهم أن الكون دليل على الله لكونه ينظر في نفسه فيستدل، وما علم أن كونه ينظر
راجع إلى حكم كونه متصفاً بالوجود، فالوجود هو الناظر وهو الحق، فلو لم تتصف ذاته
بالوجود فبماذا كان ينظر؟ فما نظر إلاَّ الحق في الحق فأنتج له الحق نفسه فقال: عرفت الله
بالله وهو مذهب الجماعة إذا ضربت الواحد في الواحد كان الخارج واحداً فافهم.
فصل بل وصل في التكتيف في الصلاة: اختلف العلماء في وضع إحدى اليدين على
الأخرى في الصلاة، فكرهها قوم في الفرض وأجازها في النفل، ورأى قوم أنها من سنن
الصلاة، وهذا الفعل مرويّ عن رسول الله وَّر، كما روي في صفة صلاته أيضاً أنه لم يفعل
ذلك، وقد ثبت أيضاً أن الناس كانوا يؤمرون بذلك.
اعتبار ذلك عند أهل الله: تختلف أحوال المصلي بين يدي ربّه عزّ وجلّ في قيامه
بحسب اختلاف ما يناجيه به، فإن اقتضى ما يناجيه به التكتيف تكتف، وإن اقتضى السدل
وهو إرسال اليدين أرسلهما، كما أنه إذا اقتضت الآية الاستغفار استغفر، وإذا اقتضت الدعاء
سأل، وإذا اقتضت تعظيم الجناب العالي عظم، وإذا اقتضت السرور سرّ، وإذا اقتضت
الخشوع خشع، فهو بحسب ما يناجيه به، فلذلك ما ينبغي أن يقيد المصلي في مناجاته بصفة
خاصة، ولهذا قال بالتخيير في هذه المسألة من قال وكل هذه الهيئات جائزة وحسنة.
فصل بل وصل في الانتهاض من وتر صلاته: ذهبت طائفة أن المصلي إذا كان في وتر من
صلاته أن لا ينهض حتى يستوي قاعداً واختار آخرون أن لا يقعد وإن انتهض من سجوده نفسه .
اعتبار أهل الله في ذلك المصلي بحسب ما يدعوه الحق إليه: فإن دعاه وهو في حال
سجوده إلى القعود قعد ثم ينهض، وإن دعاه إلى النهوض نهض فهو بحسب ما يلقى إليه في
نفسه، وقد تقدّم الكلام في الجلوس في الصلاة قبل هذا فالتجر على ذلك الاعتبار. وأما
الجلوس بين السجدتين فهو ليجمع في سجوده بين السجود عن قيام والسجود عن قعود، فمن
السجود عن الجلوس يقف منه على أسرار نزول الحق من العرش الذي استوى عليه سبحانه

٩٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
بالاسم الرحمن إلى السماء الدنيا، فيكون العبد في حال جلوسه بين السجدتين يناجي الرحمن
من حيث إنه استوى على العرش، وفي سجوده من جلوسه يناجي الحق بالاسم الرب من حيث
نزوله إلى عباده في الثلث الباقي من الليل، فيتجلى له من هذه الأحوال ما يكون له به مزيد علوم
ممّا تعطيه ما تتضمنه هذه الأحوال من الذكر والدعاء والهيئات كل على حسب شربه .
فصل بل وصل فيما يضع في الأرض إذا هوى إلى السجود: اختلف الناس فيما يضع
المصلي في الأرض إذا هوى إلى السجود، هل يضع يديه قبل ركبتيه أم لا؟ فذهب طائفة إلى
وضع اليدين قبل الركبتين، وذهب قوم إلى وضع الركبتين قبل اليدين .
اعتبار أهل الله في ذلك: اليدان محل الاقتدار والركبتان محل الاعتماد، فمن اعتمد
على ربه مع الاقتدار الذي يجده من نفسه كالحلم مع القدرة قال بوضع الركبتين قبل اليدينٍ،
ومن رأى أن اليدين محل العطاء والكرم ورأى قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾
[سورة المجادلة: الآية ١٢] قدّم اليدين على الركبتين. ثم إن المعطي لا يخلو من إحدى حالتين:
إما أن يعطي وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمل الحياة، وإما أن يعطي وهو من الثقة بالله
والاعتماد على الله بحيث أن لا يخطر له الفقر والحاجة ببال لعلمه بأن الله أعلم بمصالحه،
فمن كانت هذه حالته قدّم ركبتيه على يديه، ومن كانت حركاته الشحّ يجاهد نفسه خشي الفقر
وبذل المجهود من نفسه في العطاء قدّم يديه على ركبتيه، والساجد أي حال قدّم من هاتين
الحالتين فإن الأخرى تحصل له في سجوده ولا بدّ، فمن اعتمد وتوكّل حصل له صفة الجود
والإيثار وجميع مراتب الكرم والعطاء، ومن أعطى الله عن جبن وفزع أثمر له ذلك العطاء بهذه
الحال التوكل والاعتماد على الله، والذي رجح الشارع تقديم اليدين.
فصل بل وصل في السجود على سبعة أعظم: اتفق العلماء رضي الله عنهم على أنه من
سجد على الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين فقد تمّ سجوده، واختلفوا إذا سجد على
وجهه ونقصه عضو من تلك الأعضاء هل تبطل صلاته أم لا؟ فمن قائل: تبطل. ومن قائل:
لا تبطل. ولم يختلفوا أنّ من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه، واختلفوا فيمن
سجد على جبهته دون أنفه أو على أنفه دون جبهته، فمن قائل: إن من سجد على جبهته دون
أنفه جاز، وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز. ومن قائل: إنه يجوز أن يسجد على أنفه
دون جبهته وعلى جبهته دون أنفه. ومن قائل: إنه لا يجوز إلاَّ أن يسجد عليهما معاً.
والاعتبار في ذلك: السبع الصفات ترجع إليها جميع الأسماء الإلهية وتتضمنها وهي:
الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، فلو نقص منها صفة أو
نسبة على الاختلاف الذي ينافي كونها نسباً أو صفات فقد بطل الجميع أي لم يصحّ كون الحق
إلهاً، وهذا اعتبار الذي لا يجيز الصلاة إلاَّ بالسجود على السبعة الأعضاء فإنها للحضرة
الإلهية بمنزلة الأعضاء لهذا الساجد، والذي يقول: إن الوجه لا بدّ منه بالاتفاق كالحياة من
هذه الصفات التي هي شرط في وجود ما بقي من الصفات السبع أو النسب على الاختلاف
الذي بيّنا فمن عالم يقول: إن السمع والبصر راجعان إلى العلم وإن العلم يغني عنهما، وإنهما

٩٥
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
للعلم مرتبتان عينهما المسموع والمبصر، فهما من العلم تعلق خاص، قال بجواز الصلاة إذا
نقص عضو من هذه الأعضاء مع سجود الوجه كالحياة.
ولما كانت الحياة تقتضي الشرف والعزّة لنفسها على سائر الصفات والأسماء لكون هذه
الصفات في وجودها مشروطة بوجود الحياة، وكانت العزّة والحياة مرتبطتين كالشيء الواحد
مثل ارتباط الجبهة والأنف في كونهما عظماً واحداً وإن كانت الصورة مختلفة فمن قال: إن
المقصود الوجه وأدنى ما ينطلق عليه اسم الوجه يقع به الاجتزاء أجاز السجود على الأنف
دون الجبهة وعلى الجبهة دون الأنف كالذي يرى أن الذات هي المطلوبة الجامعة، ومن نظر
إلى صورة الأنف وصورة الجبهة ونظر إلى الأولى باسم الوجه فغلب الجبهة وأن الأنف وإن
كان مع الجبهة عظماً واحداً لم يجز السجود على الأنف دون الجبهة لأنه ليس بعظم خالص
بل هو للعضلية أقرب منه إلى العظمية فتميز عن الجبهة فكانت الجبهة المعتبرة في السجود
كذلك الحياة هي المعتبرة في الصفات، وأن العزّة وإن كانت لها بالإحاطة فإن العلم له
الإحاطة أيضاً فاشتركا فلم ير للعزّة أثراً في هذا الأمر. ومن قال: لا بدّ أن يكون وجه الحق
منيع الحمى عزيزاً لا يغالب قال بالسجود على الجبهة والأنف معاً. ولما كان الأنف في
الحسّ محل التنفس والتنفس هو الحياة الحيوانية كانت نسبته إلى الحياة أقرب النسب،
وبوجود هذه السبعة تمّ نظام العالم وكان مألوهاً مربوباً، ولم يبق في الإمكان حقيقة إمكانية
تطلب أمراً زائداً على هذه السبعة، فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه ليس في الوجود
أكمل من الحق، وكماله في ألوهته بهذه الصفات المنسوبة إليه سبحانه، فلو انعدمت صفة
واحدة من هذه الصفة أو نسبة لم تصحّ المرتبة التي أوجدت العالم ولم يكن للعالم وجود وقد
وجد، فالمرتبة موجودة، فالكمال حاصل والارتباط معقول، ولو ارتفع السبب لارتفعٍ
المسبّب، ولو زال المسبّب من العقل لم يجد السبب، من يظهر فيه أثره فيزول كونه سبباً
وكونه سبباً إنما هو لذاته فينعدم السبب لانعدام المسبّب من كونه سبباً لا غير لا من حيث
العين المنسوب إليها السببية فإن الله غنيّ عن العالمين من ذاته، وكلامنا إنما هو من كونه إلهاً،
فكلامنا في المرتبة لا في العين، كما نتكلم في السلطان من كونه سلطاناً لا من كونه إنساناً،
ولا فائدة في الكلام إلاّ في حقائق المراتب لأن بها يعقل التفاضل بين الأعيان، يقول أبو
طالب المكيّ رحمه الله: إن الأفلاك تدور بأنفاس العالم وإذا أعطى الأمر ما في قوّته بحيث لا
يبقى عنده شيء يعطيه هلك من كونه معطياً، والمعتبر في بقاء العالم إنما هو عين جوهره
الذي أظهرت كونه صورة ما، فالصور لا يلزم من انعدام شيء منها انعدام العالم من حيث
جوهريته إلاّ أن لا تكون الصورة أصلاً فيعدم العالم من حيث جوهره لانعدام جميع الصور،
ويتعلق بهذا الباب مسائل من الإلهيات كثيرة .
فصل بل وصل في الإقعاء: أريد أن أعطي أصلاً في هذه المسألة يسري في جميع
مسائل الشرع فنقول: إن الشارع إذا أتى بلفظ ما فإنه يحمل ذلك اللفظ على ما هو المفهوم منه
بالمصطلح عليه في لغة العرب، إلى أن يخصّص الشارع ذلك اللفظ بوصف خاص يخرجه

٩٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
بذلك الوصف عن مفهوم اللسان المصطلح عليه، فإذا عيّن الشارع ما أراده بذلك اللفظ صار
ذلك الوصف بذلك اللفظ أصلاً، فمتى ورد اللفظ به من الشارع فإنه يحمل على المفهوم منه
في الشرع حتى يدل دليل آخر من الشرع أو من قرائن الأحوال أنه يريد بذلك اللفظ المفهوم
منه في اللغة أو أمراً آخر بعينه أيضاً، هذا مطرد في جميع ما يتلفظ به الشارع، ومثاله لفظة
الوضوء والصلاة والصيام والحج والزكاة وأمثال هذا، ثم نرجع إلى ما نحن بسبيله فأقول: إن
الإقعاء المفهوم منه في اللغة إقعاء الكلب والقرد، وصفته أن يجلس الرجل على أليتيه يفضي
بهما إلى الأرض في الصلاة ناصباً فخذيه فهذه صفة الإقعاء إقعاء الكلب والسبع، ولا خلاف
أذكر بين العلماء أن هذه الهيئة ليست من صفات الصلاة، وقد ورد النهي عن الإقعاء في
الصلاة فنحن نحمله على الإقعاء المعروف في اللسان، فإن خصّصه الشرع بهيئة مخصوصة
تخرجه عن المفهوم منه في اللسان منطوق بها وقفنا عندها، ونعلم أن تلك الهيئة هي التي نهي
عنها فقالت طائفة: إن الإقعاء المنهيّ عنه هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين وأن
يجلس على صدور قدميه. وروي عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك لأنه كان يشتكي قدميه.
والثابت عن ابن عمر أن قعود الرجل على صدور قدميه ليس من سنّة الصلاة. وكان ابن عباس
يقول: الإقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هي سنّة نبيكم وَّل .
الاعتبار في ذلك: هيئة الإقعاء هيئة المستوفز المحتفز، وهكذا ينبغي أن يكون العبد مع
الله في أحواله، ولهذا قال ابن عباس: الإقعاء سنّة نبيكم وَّ، فإن العبد ينبغي أن يكون على
هيئة الاحتفاز من أجل ورود أوامر سيده عليه لا يغفل مراقباً لها، حتى إذا وردت عليه وجدته
متهيئاً لقبول ما جاءته به فسارع إلى امتثالها، ولهذه الحالة أثنى على من هذه صفته بقوله
تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِيعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] فيهم. قال: ﴿وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٢] وكل من يطلب المسارعة في الأمور يكون حاله اليقظة
والحضور والانتباه والاستيفاز والاحتفاز فاعلم ذلك، فيخرج النهي عن الإقعاء في الصلاة أن
لا يفعل من حيث التشبه بالكلاب والسباع في ذلك، وليفعل ذلك من حيث أنه مشروع على
الهيئة المعقولة المنقولة في الموطن المنقولة إلينا فإنه من صفة الإقعاء اللغويّ أن تكون يداه في
الأرض كما يقعى الكلب، وليس هذا في الهيئة المشروعة في الإقعاء فهذا قد ذكرنا من أفعال
الصلاة وأقوالها ما يجري مجرى الأصول لما يتفرع منها .
فصل بل وصل في ذكر الأحوال في الصلاة: وبعد أن ذكرنا أكثر الأقوال والأفعال في
الصلاة، فلننتقل إلى الأحوال مثل صلاة الجماعة وحكمها وشروط الإمامة ومن أولى
بالتقديم، وأحكام الإمام الخاصة به، ومقام الإمام من المأموم وأحكامهم الخاصة بهم، وما
يتبع المأموم فيه الإمام ممّا ليس يتبعه فيه وصفة الاتباع، وما يحمله الإمام عن المأموم
والأشياء التي بها إذا فسدت صلاة الإمام تعدّت إلى المأموم على حسب ما فصلته الأئمة من
علماء الشريعة واختلاف العلماء في ذلك، ونذكر اعتبارات ذلك كله عند العلماء بالله بحسب
ما يقتضيه الطريق إلى الله في أعمال القلوب والأسرار، فإن هذا الطريق عند أصحاب الذوق ما

٩٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
هو طريق نقل، فلنذكر أوّلاً قبل ذكر هذه الأحوال حديثين ممّا يتعلق بأقوال الصلاة وأفعالها
التي في الفصل قبل هذا فهما كالخاتمة له، وإنما جعلتهما في فصل الأحوال لحاجة في نفس
يعقوب قضاها ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٨]
الحديث الواحد في تعليم النبيّ 18َ الصلاة للرجل الذي سأله أن يعلمه كيف يصلي.
والحديث الثاني في صفة صلاة رسول الله وَ لل تسليماً.
أما الحديث الأول: فهو حديث البخاري عن أبي هريرة وذكر حديث الرجل الذي دخل
المسجد وصلَّى فقال له رسول الله وَّة: «ارْجِعْ فَصَلْ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلْمْنِي يَا
رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ
فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَغْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَّاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ
قَائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَئِكَ
كُلّها)» وله في طريق أخرى: ((ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِي قَائِماً)) يعني من السجدة الثانية. وقال
عليّ بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع في هذا الحديث أن الرجل قال للنبيّ وَّ: لا أَذْرِي مَا
عِبْتَ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: ((إِنَّهُ لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَه اللَّهُ،
وَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ اللَّهَ وَيَحْمِدُهُ
وَيُمَجِّدُهُ وَيَقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ وَتَيَسِّرَ، ثُمَّ يُكَبْرُ وَيَرْكَعُ فَيَضَعُ كَفَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى
تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِي، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَيَسْتَوِي قَائماً حَتَّى يَأْخُذَ كُلُّ عَظُم
مَأْخَذَهُ وَيُقِيمُ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْجُدُ وَيُمَكْن وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ
وَتَسْتَرْخِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَسْتَوِي قَاعِداً عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمُ صُلْبَه)) فوصف الصلاة هكذا
حتى فرغ ثم قال: ((لاَ تَتِمُّ صَلاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ)). خرّجه النسائيّ وهذا أبين. وقال
النسائيّ في طريق آخر عن رفاعة أيضاً: ((فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُكَ، وَإِن انْتَقَصْتَ مِنْهَا
شَيْئاً انْتُقِصَ مِنْ صَلاَئِكَ وَلَمْ تَذْهَبْ كُلَّهَا)) وقال في أوّله: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا
أَمَرَكَ اللَّهُ ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ ثُمَّ كَبِّزْ)) قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث ثابت.
الحديث الثاني: وأما الحديث الثاني فهو الذي خرّجه أبو داود في صفة صلاة
رسول اللّه ◌َ﴾ عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعديّ في عشرة من
أصحاب النبيّ وَلّ منهم أبو قتادة قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله وَّل قالوا: فلم
فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: ((كَانَ
رَسُولُ اللَّه ◌ِيَّ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ
عَظُمْ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلاً، ثُمَّ يَقْرَأْ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ
وَيَضْعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ فلا يَنْصُبُ رَأْسَهُ وَلاَ يَقْنَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ : سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلاً، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى
الأَرْضِ فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ
رِجْلَيْهِ إِذَا سَجَدَ وَيَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرِ، ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى
الفتوحات المكية ج٢ - م٧

٩٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ إِلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الأُخْرَى مِثْلَ ذَلكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبِّرَ
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتَتَاحِ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلكَ فِي بَقِيَّةِ صَلاَتِهِ
حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ اَلْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرْكاً عَلَى شِقْهِ الأَيْسَرِ))
قالوا: صدقت هكذا كان يصلي وَلّ. وقال أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي في هذا
الحديث: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ اعْتَدَلَ قَائِماً وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيّ بِهِمَا
مَنْكِبَيْهِ وَقَالَ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ اغْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ مُعْتَدِلاً وَكَذَلِكَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
وَزَادَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ)). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهذا ابتداء فصول الأحوال إن
شاء الله نذكرها فصلاً فصلاً .
فصول الأحوال
فصل بل وصل في ذكر ما وقع من الاختلاف في صلاة الجماعة: واختلفوا في صلاة
الجماعة هل هي واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة فمن قائل: إنها سنّة. ومن قائل :
إنها فرض على الكفاية. ومن قائل: إنها فرض متعين على كل مكلف.
الاعتبار في ذلك: لما شرع الله للمصلي أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥]
بنون الجمع دلّ على أنه مطلوب بكل جزء منه بالصلاة معاً في حال واحد، ولهذا سمّيت
التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام أي يحرم على العبد في صلاته أن يتصرّف بعضو من أعضائه
فيما ليس من الصلاة، وكل ما أبيح له من الفعل فيها فهو من الصلاة، ولكن لا من صلاة كل
مصلّ إلاَّ لمصلُ عرض له في صلاته من ذلك شيء ففعله وهي أمور منصوصة عليها، وكل
فعل يجوز أن يفعل في الصلاة فهو صلاة لأن الشارع عينها فلا تبطل الصلاة بفعل شيء منها،
فحضور جماعة العبد مع الله تعالى في الصلاة واجب بلا شك، فعلى كل عضو من أعضائه
في الصلاة صلاة، وأقل ما ينطلق عليه اسم الجماعة اثنان يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين
عبدي نصفين. ووصف نفسه بأنه يصلي علينا، وقد أدخل نفسه مع العبد في الصلاة، وكل
يصلي مع ربّه بلا شك فهو في جماعة بلا شك ويكون الحق إماماً والعبد مأموماً لأنه هو الذي
يقيمه ويقعده، ويكون العبد إماماً في المناجاة، فإن الله جعل ابتداء القول إليه فما ثم مصلّ
فذاً، فإن غاب عن الحضور مع الله في هذه الصلاة فقد انفرد في هذه العبادة بنفسه دون ربه،
وهذا هو الفذ في الاعتبار وهو على هذا، وإن كان في جماعة من عالمه فهو في حكم الفذ،
والفذ الآخر أن يفرد الصلاة للرب لغلبة مشاهدته إياه وفنائه عن نفسه، فلا يشهد نفسه مصلياً
مع شهود وقوع الصلاة منه بربه فهذا أيضاً يلحق بصلاة الفذ، فإذا كوشف العبد على كل جزء
منه في صلاته أنه مسبح بحمد ربّه في صلاته وكل جزء فإن عن نفسه بشهوده فهو من حيث ما
هو مجموع في جماعة فله أجر الجماعة وله أجر الفذّ بكل جزء منه بالغاً ما بلغت أجزاؤه، فإن
شئت قلت: إنه صلَّى فذاً، وإن شئت قلت: إنه صلَّى في جماعة والحق الإمام.
ثم إن من العارفين من يقيمه الحق في مقام الإمامة ويكون الحق مأموماً وذلك مثل

٩٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
قوله وَلِّ: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)) فهو يجري معك ما دمت تجري معه وهو قوله تعالى
من هذا الباب: ﴿فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] وقوله: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في
نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)). فهذا معنى الإمام والمأموم، فهو سبحانه
قدمك في هذا الموضع وأمثاله، ومثل: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦]
ومثل إمامته بك ﴿ فَلَيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [البقرة: ١٨٦] في دعائه إياهم ثم يدعونه اقتداء بدعائه فيجيبهم
بإجابتهم إياه، فانظر ما أكرم هذا الرب مع الغنى المطلق الذي وصف به نفسه كيف ربط نفسه
بعبده في جميع ما أمره به من العبادة، ذلك هو الفضل المبين.
فصل بل وصل فيمن صلَّى وحده ثم أدرك الجماعة أو صلَّى في جماعة ثم إنه أدرك
جماعة أخرى: اعلم أنه من صلَّى ثم أتى المسجد فلا يخلو من أحد وجهين، إمّا أن صلَّى
منفرداً أو في جماعة، فإن كان صلَّى منفرداً يعيد معهم كل الصلوات إلاَّ المغرب فقط، وقالت
طائفة: يعيد إلاَّ المغرب والعصر، وقالت طائفة: إلاَّ المغرب والصبح. ومن قائل: إلاَّ الصبح
والعصر، وقالت طائفة: يعيد الصلوات كلها. وأما إذا صلَّى في جماعة فهل يعيد في جماعة
أخرى، فمن قائل: يعيد. ومن قائل: لا يعيد، وأما مذهبنا في مثل هذه المسألة أن الجماعة
فرض إذا قدر عليها فإن لم يقدر عليها فيصلي منفرداً، فإن أدرك الجماعة ولو كان صلَّى في
جماعة فإنه يصلي مع الجماعة إذا أدركها إجابة لندائه في الإقامة حيّ على الصلاة وهي له نافلة
في الحالتين، وله أجر الجماعة إذا لم يقدر عليها .
وصل في اعتبار ذلك في النفس: لما عيّن الشارع المناجاة للصلاة وقال رسول الله وَال
الحديث وفيه: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ)) إِعلاماً بأنه من أهل مشاهدة الحق فيها على
وجه أتم من مشاهدة الأتباع في قوله في الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، وما خصّ عبادة
من عبادة والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] وهم الذين يكثرون الرجوع
إليه سبحانه في كل حال يرضيه، ولا حال أشرف من الصلاة لجمعها بين الشهود والمناجاة،
وقال: ﴿وَيُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] والطهارة من شروط الصلاة، والمحب يتمنى
ويشتهي أنه لا يزال في مشاهدة محبوبه على الدوام ومناجاته، فكيف إذا دعاه الحبيب إلى
ذلك بقوله: حيّ على الصلاة، قد قامت الصلاة، فبالضرورة يبادر ويسابق إلى ما دعاه ليلتذّ
بشهوده ومناجاته، فيرى من هذا حاله إعادة الصلوات في الجماعة متى أقيمت ودعي إليها وإن
كان قد صلَّى منفرداً أو في جماعة، وقد بيّنا معنى الفذ والجماعة في الفصل الذي قبل هذا.
وأمّا من ذهب إلى أنه لا يعيد الصلاة فهم العارفون، كما أن الذين يرون الإعادة هم
المحبون، وذلك أن العارفين علموا أن الإعادة محال، وأن التجلي الذي كان له في صلاته
غير التجلي الذي يكون له في الصلاة الأخرى إلى ما لا يتناهى، فلما استحال عنده التكرار
والإعادة للاتساع الإلهي لم تصحّ عنده الإعادة، فالمحب يصلي معيداً وهو لا يعلم، والعارف
يصلّي لا على جهة الإعادة وهو يعرف، فالعلم أشرف المقامات، والحب أشرف الأحوال،
والجامع بين المقامين المحبة والمعرفة يقول بالإعادة للتجلي وبعدم الإعادة للمتجلى له، فله

١٠٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومهـ
الأوّلية في كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً. وأمّا من لا يرى إعادة المغرب فإن المغرب وترية
العبد والوتر الليلي وترية الحق، فإن وتر الليل ركعة واحدة، والأحدية له تعالى وجلّ ووترية
المغرب ثلاث ركعات فجمع بين الشفع والوتر وهو أوّل الأفراد، وأن الله وتر يحب الوتر.
فلا يرى العبد ربّه من حيث شفعيته وإنما يراه من حيث وترية الفردية، ولله وترية الفردية في
كونه إلهاً، ووترية الأحدية من كونه ذاتاً.
وإذا رأى العبد ربه من حيث وتريته الإلهية الفردية من تلك الوترية الإلهية الفردية يرى
وترية الذات الأحدية لا من جهة وترية العبد الفردية فلم ير الله إلاّ بالله، فلو أعاد المغرب
لصارت وترية العبد شفعاً فلم يكن يرى ربه وتراً أبداً فقال بترك الإعادة للمغرب دون غيره
من الصلوات. ومن قال: بإعادة المغرب قال: يعيدها بوترية الفردانية الإلهية لا بوتريته فتبقى
وتريته على فرديتها لا تصير شفعاً بإعادة صلاة المغرب، فإن الحق متميز عن الخلق بلا شك
من كل وجه. وأمّا من لم ير إعادة الصبح فإن الصبح الأوّل عين الفرض، وكذلك العصر
والصبح الثاني والعصر الثاني هما نافلة، والإنسان في أداء الفرض عبد محض عبودية
اضطرار، وهو في النفل عبد اختيار وعبودية الاضطرار أشرف في حقّه من عبودية الاختيار
لأن له في عبودية الاختيار الامتنان بالاسترقاق، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُوْ
عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٧].
ولما شبه الحق رؤية العباد إياه برؤيتهم الشمس صار للشمس عندهم مزيد رتبة ولا
سيما للمحبين لكون الحبيب ضرب برؤيتها المثل في رؤيته في التشبيه، فهم إذا رأوها كأنهم
يرون الله لأن رؤيتهم إياها تذكرهم ما وعدهم الله به من رؤيته، فيريدون أن لا تطلع الشمس
عليهم إلاَّ وهم موصوفون بعبودية الاضطرار، ولا تغرب عليهم الشمس إلاَّ وهم أيضاً في
عبودية الاضطرار، كما يريدون رؤية الله في حال الاضطرار والعبودية المحضة، فإن لذتها أتمّ
وأحلى، كما أن رؤيتها أعمّ وأجلى، ولتكون الشمس في غروبها وطلوعها تقول لربها:
تركناهم عبيد اضطرار وأتيناهم وهم عبيد اضطرار، كما تقول الملائكة الذين يعرجون في
صلاة الصبح وصلاة العصر فيسألهم الحق جلّ جلاله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟
فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، فلا تنصرف عنهم الملائكة الذين كانوا
معهم ولا تأتيهم الملائكة الأخر إلاّ عند شروعهم في الصلاة، سواء قاموا إليها في أول الوقت
أو في آخره، كل إنسان لا تنصرف عنه ملائكته إلا كما قلنا، ولهذا عند أهل الإيمان وأهل
الكشف أن المصلي إذا أراد أن يكبّر تكبيرة الإحرام في صلاة الصبح والعصر يقول: وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، لأنهم في ذلك الوقت تنصرف عنهم الملائكة الذين كانوا فيهم،
وترد عليهم الملائكة الذين يأتون إليهم، وهم عند إتيانهم يسلمون على العبد وعند انصرافهم
يسلمون أيضاً، والله قد أمرنا بقوله: ﴿وَإِذَا حُِّيْثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [سورة
النساء: الآية ٨٦! فوجب على كل مؤمن عند حق إيمانه وحقيقته أن يرد في ذلك الوقت السلام
عليهم والأوهر طعن في إيمانه إن حضر مع هذا الخبر وتذكره في ذلك الوقت .