Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
وغفلوا عن أقدام المتجسدين من الأرواح، فأزال الله سبحانه هذا التوهّم من القائل به بما
نسب إلى نفسه من الهرولة التي هي الإسراع في المشي مع تقدّم وصف القدم، فألحق بمن
يمشي على رجلين لا بمن يمشي على البطن مع التحقق بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة
الشورى: الآية ١١] لا بدّ من ذلك فلا نصفه ولا ننسب إليه إلاَّ ما نسبه إلى نفسه أو وصف نفسه
به، فما نسب الهرولة إليه إلاَّ ليعلم أنه أراد القدم الذي يقبل صفة السعي وحكمه على ما يليق
بجلاله لأنه المجهول الذي لا يعرف ولا يقال هو النكرة التي لا تتعرّف، قال تعالى: ﴿وَلَا
يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١١٠] وما نقول أراد بنسبة القدم ما عينته المنزّهة على زعمها
واقتصرت عليه فجاء بالهرولة لإثبات القدمية وأقامه مقام الخف للقدم في إزالة الاشتراك
المتوهم فانتقل التنزيه إلى الهرولة من القدم، وقد كان القائل بالتنزيه مشتغلاً بتنزيه القدم، فلما
جاءت بالهرولة انتقل التنزيه إليها، كما انتقل حكم طهارة القدم إلى الخف فنزّه العبد ربّه عن
الهرولة المعتادة في العرف وأنها على حسب ما يليق بجلاله سبحانه فإنه لا يقدر أن لا يصفه
بها إذا كان الحق أعلم بنفسه وقد أثبت لنفسه هذه الصفة، فمن ردّ نسبتها إليه فليس بمؤمن،
ولكن الذي يجب عليه أن يردّ العلم بها إلى الله أعني علم النسبة. وأمّا معقولية الهرولة فما
خاطب أهل اللسان إلاَّ بما يعقلونه، فالهرولة معقولة وصورة النسبة مجهولة، وكذلك جميع
ما وصف به نفسه ممّا توصف به المحدثات، وليس الغرض ممّا ذكرنا إلا جواز انتقال الطهارة
من محل إلى محل آخر بضرب من المناسبة والشبه، وإنما قلنا الجواز لا بالوجوب فإن
الوجوب يناقض الجواز، ولصاحب الخف أن يجرّد خفّه ويغسل رجليه شرعاً أو يمسحها
بالماء على ما يقتضيه مذهبه في ذلك ولا مانع له من ذلك، وكذلك هذا العاقل قد يبقى على
تنزيهه للقدم ولا ينتقل إلى الهرولة ويزيلها عن هذه القدم بحكم ما يسبق إلى الفهم، إذ أبين
أن القدم ما تشبه نسبتها إلى الحق نسبة أقدامنا إلينا من كل الوجوه، فلهذا لم يتعلق الوجوب
بالمسح وكان حكمه الجواز.
وصل: وأمّا من أجازه سفراً ومنعه في الحضر فذلك إذا كان التنزيه عملاً فلا أثر له إلاَّ
في المتعلم السامع القابل، فيسافر التنزيه من العالم المعلم إلى المتعلم على راحلة التلفظ
والكلام بعبارة أو إشارة من المعلم إلى المتعلم.
وصل: وأمّا من منع جوازه على الإطلاق فإن حقيقة التنزيه إنما هي لله سبحانه فإنه
المنزه لذاته والعبد لا يكون منزّهاً أبداً ولا يصحّ، وإن تنزّه عن شيء ما لم يتنزّه عن شيء آخر
فمن حقيقته أنه لا يقبل التنزيه على الإطلاق، وإذا كان بهذه الصفة لا يجوز تنزيهه فإنه خلاف
العلم، والأمور العارضة لا أثر لها في الحقائق، فإن قبول العبد لآثار التنزيه يدل على عدم
التنزيه عن قبول الآثار فيه، فهذا وجه منع جواز المسح على الخف وما في معناه على
الإطلاق إن فهمت .
وصل وتتميم: وأمّا الإشارة بالخفين فإن المراد بهما النشأتان: نشأة الجسم، ونشأة
الروح، ولكل نشأة ما يليق بها من الطهارة فافهم.

٥٢٢
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
باب تحديد محل المسح من الخف وما في معناه
اختلف علماء الشريعة في تحديد المسح على الخف، فمن قائل: إن القدر الواجب من
ذلك مسح أعلى الخف وما زاد على ذلك فمستحب وهو مسح أسفل الخف، يقول عليّ بن
أبي طالب رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد
رأيت رسول الله ◌َّه يمسح أعلى الخف. ومن قائل: بوجوب مسح ظهورهما وبطونهما.
ومن قائل: بوجوب مسح ظهورهما فقط ولا يستحب صاحب هذا القول مسح بطونهما. ومن
قائل: إن الواجب مسح باطن الخف ومسح الأعلى مستحب وهو قول أشهب.
وصل في حكم الباطن في ذلك: اعلم أن التنزيه المعبر عنه هنا بطهارة المسح متعلقه إمّا
الحق كما قدمنا، وإمّا العبد الذي نزّهه، والقسمة منحصرة فما ثم إلاَّ عبد ورب وخالق
ومخلوق، ولنا في هذه المسألة لفظة أعلى وأسفل، وصفة العلو لله تعالى لأنه رفيع الدرجات
لذاته قال تعالى: ﴿سَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] وما في القرآن أقرب نسبة إلى
مسح أعلى الخف من هذه الآية. والسفل لنا، وكذلك أيضاً ظاهر الخف وباطنه أعني هاتين
اللفظتين قد يكون الحق له حكم الظاهر والباطن، وقد يكون حكم الظاهر له في خرق
العوائد، وحكم الباطن له في نفس العوائد وهي أكثر الآيات الدالة على الله ﴿لَقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
[سورة الجاثية: الآية ٥] فتارة يعلق التنزيه بالأعلى سبحانه وتعالى حقيقة وهو حد الواجب من
ذلك. ويستحب إطلاق التنزيه على العبد من حيث إن عمله لذلك يعود عليه، وهذا على
مذهب من يرى أن الواجب مسح أعلى الخف ويستحب مسح أسفله.
وتارة يعلق التنزيه بالحق سبحانه ظاهراً وباطناً، وهو الذي لا يرى في الوجود إلاَّ الله
لغلبة سلطان المشاهدة والتجليات عليه فيرى الحق ظاهراً وباطناً، فلا يقع منه تنزيه إلاَّ على
الحق سبحانه، والتنزيه نسبة عدمية لا وجودية، وهو الذي يوجب مسح ظهور الخفين
وبطونهما، وتارة يعلق التنزيه بالله تعالى لكماله في ذاته، ولا يستحب تنزيه الخلق للنقص
الذاتيّ الذي هو له فيقع في الكذب إن نزهه، فيرى أنه لو تنزّه الممكن يوماً ما من جهة ما
لصفة كمال هو عليها لكان من حيث تلك الصفة غنياً عن الله ومقاوماً له، ومحال على الخلق
أن يكونوا على صفة يكون لهم بها الغنى عن الله فإنهم من جميع الوجوه فقراء إلى الله ﴿وَاللَّهُ
هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فمنع من استحباب مسح أسفل الخف وقال: ما ثم منزّه
إلاَّ الله العليّ الظاهر إلى عباده بنعوت الجلال، وهذا كما قلنا مذهب من يرى مسح أعلى
الخف ولا يستحب مسح أسفله.
وتارة يعلّق التنزيه أعني وجوبه من اسمه الباطن ويقول: إن الباطن محل يبعد العثور
على ما يستحقه من نعوت الجلال لبطونه، فيكون الواجب تنزيه الحق في اسمه الباطن من أثر
الحجاب الذي حكم عليه أن يكون باطناً لا يدرك، والله أعلى وأجل أن يحوطه حجاب،
فوجب تنزيهه من حيث اسمه الباطن، فهذا وجه من أوجب مسح الباطن من الخف كأشهب،
واستحبّ مسح أعلاه وهو الاسم الظاهر فيقول: واستحبّ تنزيه الحق في اسمه الظاهر وهو

٥٢٣
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
تجليه في الصورة لعباده فينزهه عن التقييد بها، ولكن التنزيه الذي لا يخرجه عن العلم أنه عيّن
تلك الصورة فإنه أعلم بنفسه من العقل به ومن كل عالم سواه به، وقد قال عن نفسه إنه هو
الذي يتجلّى لعباده في تلك الصورة كما ذكره مسلم في صحيحه، فيكون تنزيهه عند ذلك أنه
لا يتقيد بصورة أي لا تقيده صورة بل يتجلّى في أيّ صورة يظهر بها لعباده، ومن هذه الحقيقة
التي هو عليها في نفسه ذكر لنا في خلقنا بعد تسويتنا وتعديلنا في أيّ صورة ما شاء ركبنا، كما
إنه في أي صورة شاء تجلّى لعباده، وهنا سرّ إلهيّ نبّهك عليه لتعرفه به، فنزّهه صاحب هذا
المذهب في ظهوره استحباباً عن دوام التجلّي في تلك الصورة بالإقامة فيها في عينك فافهم
فهذا حكم الباطن في تحديد المحل.
باب في نوع محل المسح وهو ما يستر به الرجل من خف أو جورب
اعلم أن القائلين بالمسح على الخفين متفقون على المسح عليهما بلا شك، واختلفوا
في المسح على الجوربين، فمن قائل: بالمنع على الإطلاق. ومن قائل: بالجواز على
الإطلاق. ومن قائل: بالجواز إذا كان على صفة خاصة. فأما أن يكون من الكثافة والثخانة
بحيث أن لا يصل ماء المسح إلى الرجل أو يكون مبطناً بجلد يجوز المشي فيه أي يمكن
المشي فيه .
وصل حكمه في الباطن: فأما حكم الباطن في ذلك فقد تقدّم في الخف وبقي حكم
الجورب، فالمقرّر أن الجورب مثل الخفّ في الصفة الحجابية فإن العبد حجاب دون خالقه،
ولهذا ورد: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)). فإنه الدليل عليه، والدليل والمدلول وإن ارتبطا
بالوجه الخاص فهما ضدّان لا يجتمعان، وقد قلنا فيما تقدم أن الخف هو أدلّ على الرجل في
إزالة الاشتراك من لفظة الرجل التي تطلق عليه وكذلك الهرولة وقد مضى ذلك، إلاَّ أن
الجورب وإن ستر الرجل لا يقوى قوّة الخف للتخلّل الذي فيه، فإن الماء ينفذ ويتخلل مسامه
سريعاً، والخف ليس كذلك، وحكمه في الباطن أن من العباد عباد الله من يكون في الدلالة
على الله أقوى من غيره فهو بمنزلة الجورب، كما ثبت في الأثر عن الله في صفة أولياء الله :
حدثني غير واحد عمّن حدّثه يبلغ به النبيّ وَّرَ: أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ
أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ)) ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب
حلية الأولياء له، وذلك لما قلناه ممّا يرى عليهم من قوّة الدلالة على الله تعالى من الاستهتار
بذكره سبحانه، وما هم عليه من الذلّة والطاعة والافتقار مع الأنفاس إلى الله، فإذا أراد الناس
أن ينزهوهم لم يتمكن لهم تنزيههم إلاَّ بتنزيه الله، فإنهم ما يذكرونهم إلاّ بالله لما تعطيهم
أحوالهم الصادقة مع الله، فإن كان الخف مبطناً بجلد فهو الملامي الذي يستر نفسه، وحاله
مع الله عن العالم السفليّ أن يدركوا مرتبة ولايته عند الله كما يستتر الجورب عن الأرض أن
تدركه وتصيبه بالجلد الذي حال بين الأرض وبينه، وهو الصفة التي استتر بها هذا الملامي من
المباحات عن العالم الأسفل المحجوب فلم يدركوا منه إلاَّ تلك الصفة التي لم يتميز بها عن

٥٢٤
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
عامّة المؤمنين وهو من خلف تلك الصفة في مقام الولاية مع الله، وبقي أعلى الجورب من
جانب الأعلى مع الله سبحانه بلا حائل بينه وبين ربّه عزّ وجلّ، وقد فتحت لك باب الاعتبار
شرعاً وهو الجواز من الصورة التي ظهر حكمها في الحسّ إلى ما يناسبه في ذاتك، أو في
جناب الحق ممّا يدل على الحق، وهذا معنى الاعتبار فإنه من عبرت الوادي إذا قطعته
و جزته .
باب في صفة الممسوح عليه
أجمع من يقول بجواز المسح على جواز المسح على الخف الصحيح واختلفوا في
المخرق، فمن قائل: بجوازه إذا كان الخرق يسيراً من غير حدّ. ومن قائل: بتحديد الخرق
اليسير بثلاثة أصابع. ومن قائل: بجوازه ما دام ينطلق عليه اسم الخف وإن تفاحش خرقه وهو
الأوجه عندي. ومن قائل: بمنع المسح إذا كان الخرق في مقدّم الخف وإن كان يسيراً،
والذي أقول به إن هذه المسألة لا أصل لها ولا نص فيها في كتاب ولا سنّة فكان الأولى
إهمالها وأن لا نشتغل بها، وأن الحق في ذلك إذ وقد وقع في ذلك من الخلاف بين علماء
الشريعة ما أحوجنا إلى الكلام فيها، وأن الحق في ذلك عندنا إنما هو مع من قال يجوز ما دام
يسمّى خفاً.
وصل في حكم الباطن في ذلك: وهو أن نقول: إنما سمّى الخف خفاً من الخفاء لأنه
يستر الرجل مطلقاً، فإذا انخرق وظهر من الرجل شيء مسح على ما ظهر منه ومسح على
الخف وذلك ما دام يسمّى خفاً لا بدّ من هذا الشرط، وفيه سرّ عجيب للفطن المصيب أن
الخافي هو الظاهر أيضاً يقول امرؤ القيس: خفاهنّ من أنفاقهنّ. أي أبرزهنّ وأظهرهنّ. وإنما
قلنا بمسح ما ظهر لأنا قد أمرنا في كتاب الله بمسح الأرجل فإذا ظهر مسحناه. وأمّا في الباطن
فظاهر الشريعة ستر على حقيقة حكم التوحيد بنسبة كل شيء إلى الله، فالطهارة في الشريعة
متعلقها وهي أن يصحبها التوحيد بأن تراها حكم الله في خلقه لا حكم المخلوق مثل
السياسات الحكمية، فالشرع حكم الله لا حكم العقل كما يراه بعضهم، فطهارة الشريعة رؤيتها
من الله الواحد الحق، ولهذا لا ينبغي لنا أن نطعن في حكم مجتهد، لأن الشرع الذي هو
حكم الله قد قرّر ذلك الحكم فهو شرع الله بتقريره إياه، وهي مسألة يقع في محظورها
أصحاب المذاهب كلهم لعدم استحضارهم لما نبهنا عليه مع كونهم عالمين به ولكنهم غفلوا
عن استحضاره فأساؤوا الأدب مع الله في ذلك حين فاز بذلك الأدباء من عباد الله، فمن خطأ
مجتهداً بعينه فقد خطأ الحق فيما قرّره حكماً، فإذا انخرق الشرع فظهر في مسألة ما حكم من
أحكام التوحيد ممّا تزيل حكم الشرع مطلقاً انتقل الحكم لطهارة ذلك التوحيد المؤثر في إزالة
حكم الشريعة، كمن ينسب الأفعال كلها إلى الله من جميع الوجوه فلا يبالي فيما يظهر عليه
من مخالفة أو موافقة، فمثل هذا التوحيد يجب التنزيه منه لظهور هذا الأثر فإنه خرق للشريعة
ورفع لحكم الله.، كما لا يجوز المسح مع زوال اسم الخف، فإن كان الخرق يبقي اسم

٥٢٥
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
الخف عليه كان الحكم كما قرّرناه من المسح على الخف ومسح ما ظهر من الرجل وهو أن
يبين في ذلك التوحيد المعين في هذه المسألة الوجه المشروع وهو أن نقول؛ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦] فالأعمال خلق الله مع كونها منسوبة إلينا فلم ينسبها من جميع
الوجوه فلم يؤثر في المسح ويكون الحكم في ذلك كما قررناه، وأهل طريقنا اختلفوا في هذه
المسألة اختلافاً كثيراً على صورة ما اختلف فيه أهل المسح على الخف سواء، فأما من حدّه
بثلاثة أصابع فراعى ظهور التوحيد في ثلاث منازل وهو حكم الشرع في الإنسان في معناه وفي
حسّه وفي خياله، فإذا عمّ التوحيد هذه الثلاثة لم يجز الأخذ به، وانتقل إلى مسح الرجل أو
غسله كما ينتقل تنزيه الإنسان نفسه عن مثل هذا التوحيد حيث أزال حكم الشرع منه فحكم
حكم من زال عنه اسم الخف.
باب في توقيت المسح
اختلف في ذلك، فمن قائل: بالتوقيت فيه ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة
للمقيم. ومن قائل: بأن لا توقيت وليمسح ما بدا له ما لم يقم مانع كالجنابة .
وصل حكمه في الباطن: فأمّا الحكم في ذلك في الباطن على مذهب القائل بالتوقيت،
فقد قرّرنا في المسح على الخف في باب العالم والمتعلم أن ذلك سفر حيث انتقل الأمر من
المعلم إلى المتعلم، وقد كان رسول الله وَلو إذا علّم الناس شرائعهم كرّر الكلمة ثلاث مرات
حتى تفهم عنه لأنه مأمور بالبيان والإبلاغ، هذا معنى مسح المسافر ثلاثاً. وأما توقيت
الحاضر بيوم وليلة فإنه ليس له في نفسه إلا قيام ذلك الأمر فيعلمه فلا يعيد عليه لنفسه لأنه قد
ظهر له وهو من نفسه على يقين وما هو على يقين من قبول غيره لذلك عند التعليم فيكرّره
ثلاث مرّات ليتيقن أن قد فهم عنه، ومن لم يقل بالتحديد نظر إلى فطر المتعلمين، فمنهم من
يفهم بأوّل مرّة، ومنهم من لا يفهم إلاّ بعد تفصيل وتكرار المرّة بعد المرّة حتى يفهم، فلا
يوقت عدداً بعينه في حال تعليمه غيره الذي هو بمنزلة السفر، ولا ينظره في نفسه الذي هو
بمنزلة الحضر، فإنه في نفسه قد يمكن أن يتصوّر فيما ظهر له أنه ربما يكون شبهة فيحقق
النظر فيه مراراً فلا توقيت. وأما حكم الجنابة في إزالة الخف فالجنابة هي الغربة والجنيب
الغريب، فإذا وقع في القلب أمر غريب يقدح في الشرع جرّد النظر في ذلك بالعقل دون
الاستدلال بالشرع، مثل أن يخطر له خاطر البرهميّ المنكر للشريعة فلا يقبل دليل الشرع على
إبطال هذا القول الذي خطر له فإنه محل النزاع، فلا بدّ أن ينزع من الاستدلال بالشرع إلى
الاستدلال بما تعطيه أدلة النظر، وسواء وقع ذلك له كالحضر أو لغيره كالسفر، كما أن الجنب
سواء كان مسافراً أو حاضراً لا بدّ من إزالة الخف.
باب في شرط المسح على الخفين
فمن قائل: إن من شرط المسح أن يكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء. ومن قائل:
إنه ليس من شرطه إلاَّ طهارتهما من النجاسة وبه أقول والقول الأوّل أحوط. وبقي شرط آخر

٥٢٦
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
أن لا يكون خف على خف، فمن قائل: بجواز المسح عليهما وبه أقول. ومن قائل: بالمنع
وهكذا حكم الجرموق.
وصل في حكم الباطن في ذلك: وأما حكم الباطن في ذلك فإن الطهر المعقول في
الباطن هو التنزيه كما قرّرناه عقلاً وشرعاً، وهذه الطهارة الخاصة للرجلين طهارة شرعية وقد
وصف نفسه تعالى بأنّ له الهرولة لمن أقبل إليه يسعى والسعي والهرولة من صفات الأرجل،
فمن نزّه الحق عن الهرولة فقد أكذب الحق فيما وصف به نفسه، وإن كان العقل لا يقبل من
حيث دليله هذه النسبة إليه تعالى والإيمان يقبلها وينفي التشبيه بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وبالدليل النظريّ، ولا تتأوّل الهرولة الإلهية بتضعيف الإقبال
الإلهيّ على العبد وتأكيده ولا غير ذلك من ضروب التأويلات المنزهة، وإنما تأوّل ذلك من
تأوّله من العقلاء بتضاعف الإقبال الإلهيّ بجزيل الثواب على العبد إذا أتى إلى ربّه يسعى
بالعبادات التي فيها المشي، كالسعي إلى المساجد، والسعي في الطواف، وإلى الطواف،
وإلى الحج، وإلى عيادة المرضى، وإلى قضاء حوائج الناس، وتشييع الجنائز، وكل عبادة
فيها سعي قرب محلها أو بعد، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن بَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] فطهر الوضوء وصف الحق بأنه يهرول،
والطهر الذي هو النظافة هو تنزيه الحق أن لا يرفع عنه ما وصف به نفسه.
وأمّا ما لم يصف به نفسه ممّا هو من نعوت الممكنات فتنزيهه عن أن يوصف بشيء من
ذلك هو للعقل، فالعقل تحت حكم الشرع إذا نطق الشرع في صفات الحق بما نطق، فليس له
ردّ ذلك إن كان مؤمناً، ويكون المنطوق والموصوف بتلك الصفة قابلاً أي جائز القبول أو
مجهول القبول، فيلزم العقل قبول الوصف المشروع وإن جهل قبول الموصوف له. ولهذا
ذهبنا في طهر الرجلين إلى الطهر اللغويّ الذي هو النظافة والتنزيه من النجاسة، فلا يلزمنا
شيء ممّا يتفرّع من هذه المسألة من المسائل على مذهب القائلين بطهر الوضوء. وأمّا إذا لبس
خفاً على خف فهو وصف الحق نفسه بالهرولة فإن الهرولة صفة للسعي والسعي صفة للرجل،
فقد يكون السعي بهرولة وقد لا يكون، وإذا كان هذا فالهرولة من صفات السعي، فبين
الهرولة وبين القدم أمر آخر وهو السعي فهو كالخف على الخف، وقد تقدّم الكلام عليه
فافهم .
باب في معرفة ناقض طهارة المسح على الخف
الاتفاق على أن نواقضها نواقض الوضوء كلها، وسيأتي بابه في هذا الباب فيما بعد.
اختلف العلماء في نزع الخف هل هو ناقض للطهارة أم لا؟ فمن قائل: إنّ الطهارة تبطل
ويستأنف الوضوء. ومن قائل: تبطل طهارة القدمين خاصة فيغسلهما ولا بدّ على ما تقدّم من
الاختلاف في الموالاة. ومن قائل: لا يؤثر نزع الخف في طهارة القدم وبه أقول وإن استأنف
الوضوء فهو أحوط ولا يؤثر في طهارته كلها إلاَّ أن يحدث ما ينقض كما سيأتي.

٥٢٧
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
وصل في حكم الباطن في ذلك: أمّا حكم الباطن فيمن قال تبطل الطهارة كلها فهو
سريان التنزيه في الموصوف، فإذا قبل تنزيهاً بعينه قبل سائر ما يعقل فيه التنزيه، كذلك إن
بطل تنزيه ما في حق الموصوف سرى البطلان في النعوت كلها نعوت التنزيه، ومن قال:
تبطل طهارة الرجل خاصة هو أن يزيل الشرع عن الحق وصفاً ما على التعيين فلا يلزم منه إزالة
كل وصف يقتضي التشبيه فإن الله سبحانه نزّه نفسه أن يلد وما نزّه نفسه عن أن يتردّد في الأمر
يريد فعله، ولا نزّه نفسه عن التدبّر، ولا نزّه نفسه عن الغضب، ومن قائل بأنه على طهره وإن
نزع الخف لا حكم له ولا تأثير في الطهارة التي كان موصوفاً بها في حال لبسه خفّه، يقول:
وإن نزّه الحق نفسه عن أن يلد فالوصف له باق فإنه قال: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لََّصْطَفَى
مِنَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ [سورة الزمر: الآية٤] فأبقى الأمر على حكمه بقوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ﴾ وهذا
مثل قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٨] وقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾.
[سورة ق: الآية ٢٩] وهذا ردّ على من يقول: إن الإله لذاته أوجد الممكن لا لنسبة إرادة ولا سبق
علم، والصحيح ما قاله الشارع، وإن لم تكن تلك النسبة أمراً وجودياً زائداً فاعلم ذلك.
أبواب المياه
قد تقدم الكلام في أوّل الباب في الفرق بين ماء الغيث وماء العيون وبيّنا من ذلك ما فيه
غنية، فلنذكر في هذه الأبواب حكم ما نزعت إليه علماء الشريعة في الظاهر بما يناسبه من
طهارة الباطن.
باب في مطلق المياه
أجمع العلماء على أن جميع المياه طاهرة في نفسها مطهرة غيرها إلاَّ ماء البحر فإن فيه
خلافاً، وكذلك أيضاً اتفقوا على أن ما يغيّر الماء ممّا لا ينفك عنه غالباً أنه لا يسلب عنه صفة
التطهير إلاَّ الماء الآجن، فإن ابن سيرين خالف فيه والذي أذهب إليه أن كل ما ينطلق عليه
اسم الماء مطلقاً فإنه طاهر مطهر سواء كان ماء البحر أو الآجن، واتفقوا أيضاً على أن الماء
الذي غيّرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه أو كل هذه الأوصاف أنه لا تجوز به الطهارة، فإن
لم يتغير الماء ولا واحد من أوصافه بقي على أصله من الطهارة والتطهير ولم يؤثر ما وقع فيه
من النجاسة، إلاَّ أني أعرف في هذه المسألة خلافاً في قليل الماء يقع فيه قليل النجاسة بحيث
أن لا يتغير من أوصافه شيء.
وصل حكم الباطن في ذلك: فأمّا حكم الباطن فيما ذكرناه فاعلم أن الماء هو الحياة
التي تحيا بها القلوب فيحصل به الطهارة لكل قلب من الجهل، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا
فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُ فِ اَلُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٌ مِّنْهَا﴾ [سورة
الأنعام: الآية ١٢٢] هذا ضرب مثل في الكفر والإيمان والعلم والجهل. وأمّا ماء البحر الذي وقع
فيه الخلاف الشاذ فكونه مخلوقاً من صفة الغضب والغضب يكون عنه الطرد والبعد في حق
المغضوب عليه والطهارة مؤدّية إلى القرب والوصلة، فهذا سبب الخلاف في الباطن. وأمّا

٥٢٨
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
العلة في الظاهر فتغير الطعم، فمن رأى أن الغضب لله يؤدي إلى القرب من الله والوصلة به
رأى الوضوء بماء البحر وإليه أذهب، ومن اتسع في علم التوحيد ولم يلزم الأدب الشرعيّ فلم
يغضب الله ولا لنفسه لم ير الوضوء بماء البحر لأنه مخلوق من الغضب فيخاف أن يؤثر فيه
غضباً فتقوم به صفة الغضب وحاله لا تعطي ذلك، فإن التوحيد يمنعه من الغضب لأنه في
نظره ما ثم من يغضب عليه لأحدية العين عنده في جميع الأفعال المنسوبة إلى العالم، إذ لو
كان عنده مغضوب عليه لم يكن توحيد، فإن موجب الغضب إنما هو الفعل ولا فاعل إلاَّ الله،
وهذه المسألة من أشكل المسائل عند القوم وإن كانت عندنا هيئة الخطب لمعرفتنا بمواضع
الأدب الإلهيّ الذي شرعه لنا. ثم التخلّق بالأخلاق الإلهية ومنها: الغضب الذي وصف به
نفسه في كتابه فقال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٣] وقوله في آية
اللعان: ﴿وَاَلْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهآ﴾ [سورة النور: الآية ٩] وقد جاءت السنّة بأن الله يغضب يوم
القيامة غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، فهذا الذي لا يغضب لا يرى إلاَّ الله
فيحكم عليه حاله وهذا مقام الحيرة، فالويل له إن غضب هنا، والويل له إن لم يغضب في
الآخرة، فهو محجوج بكل حال دنيا وآخرة، والغضب لله أسلم وأنجى وأحسن بالإنسان فإنّ
فيه لزوم الأدب المشروع.
ولما كان الغضب في أصل جبلة الإنسان كالجبن والحرص والشره بين الحق له
مصارف إذا وقع من العبد واتصف به وللتسليم محال ومواضع قد شرعت التزم بها الأدباء
حالاً وغاب عنها أصحاب الأحوال، ولعدم التسليم محال ومواضع قد شرعت، فالأديب هو
الواقف من غير حكم حتى يحكم الشارع الحق ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٨٧]
فإذا حكم وقف الأديب حيث حكم لا يزيد ولا ينقص، والغضب صفة باطنة في الإنسان قد
يكون لها أثر في الظاهر وقد لا يكون، فإن الحال أغلب والأحوال يعلو بعضها على بعض في
القهر والغلبة على من قامت بهم، فإن جمع بين وجود الرحمة على المغضوب عليه في قلبه
وحكم الغضب لله في حسّه وظاهره فإن أهل طريق الله نظروا أيّ الطريقين أعلى وأحق، فمنا
من قال: بأنّ الغضب القائم بالنفس أعلى، ومنّا من قال: وجود الرحمة في القلب وإرسال
حكم الغضب لله في الظاهر أعلى وليس بيد العبد فيه شيء، وإنما العبد مصرّف فهو بحسب
ما يقام فيه ويرد به، وما للإنسان في تركه وعدم تركه للشيء فعل، بل هو مجبور في اختياره
إذا كان مؤمناً فإنا قيدنا الغضب أن يكون لله. وأما الغضب لغير الله فالطبع البشريّ يقتضي
الغضب والرضى، يقول رسول الله وَله: (إِنَّمَا أَنا بشرٌ أَغْضبُ كَمَا يغضب البَشَرُ وَأَرْضَى كَمَا
يَرْضَى البَشَرُ)) الحديث، وقد عملنا به حالاً وخلقاً لله الحمد على ذلك.
وأما حكم الماء الآجن في الباطن دون غيره مما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً فاعلم
أن الله سبحانه ما نزه الماء عن شيء يتغير به مما لا ينفك عنه غالباً إلا الماء الآجن فقال تعالى
في صفة أهل الجنة الموصوفة بالطهارة: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ [سورة محمد: الآية ١٥]
يقال: أسن الماء وأجن إذا تغيّر وهو الماء المخزون في الصهاريج وكل ماء مخزون يتغير

٥٢٩
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
بطول المكث، فإذا عرض للعلم الذي به حياة القلوب من المزاج الطبيعيّ أمر أثر فيه كالعلم
بأن الله رحيم، فإذا رأى رحمته بعباد الله كما يراها من نفسه من الرقة والشفقة التي يجد ألمها
في نفسه فيطلب العبد إزالة ذلك الألم الذي يجده في نفسه برحمة هذا الذي أدركته الرحمة
عليه من المخلوقين، قام له قيام الرقة به وحمل ذلك على رحمة الله، فتغيرت عنده رحمة الله
بالقياس على رحمته، فلم ينبغ له أن يطهر نفسه لعبادة ربّه بمثل هذه الرحمة الإلهية وقد
تغيّرت عنده، وعلة ذلك أن الحق ما وصف نفسه بالرقة في رحمته، فالحق يقول لك هنا: لا
تجعل طبيعتك حاكمة على حياتك الإلهية، ومن يرى الوضوء بالماء الآجن لم يفرّق فإن الحق
قد وصف نفسه في مواضع بما يقتضيه الطبع البشريّ، فيجري الكل مجرى واحداً، والأولى
ما ذكرناه أوّلاً أن لا نزيد على حكم الله شيئاً فيما ذكر عن نفسه.
وأما حكم الباطن في العلم القليل إذا وردت عليه الشبه المضلة وأثرت فيه التغيّر فإنه لا
يجوز له استعمال ذلك العلم فإنه غير واثق به وإن كان عارفاً بأن لذلك العلم وجهاً إلى الحق
ولكن ليس في قوّته لضعف علمه معرفة تعيين ذلك الوجه، فيعدل عند ذلك إلى العلم الذي
يستهلك الشبه وهو العلم الذي يأخذه عن الإيمان من طريق الشرع والعمل به، فإنه العلم
الواسع الذي لا يقبل الشبه لأنه يقلب عينها بالوجه الحق الذي تحمله فيصرفها في موضعها
فتكون علماً بعدما كانت بكونها شبهة جهلاً، فإنّ نور الإيمان تندرج فيه أنوار العلوم اندراج
أنوار الكواكب في نور الشمس، وطريقه واضحة أيضاً في رجوع الشبه علماً لأنه يزيل حكمها
ويريه نور الإيمان وجه الحق فيها فيراها عدماً والعدم لا أثر له ولا تأثير في الوجود فاعلم
ذلك. واعلم أن نور الإيمان هنا عبارة عن أمر الشرع أي الزم ما قلت لك وأمرتك به سواء
وجدت عليه دليلاً عقلياً أو لم تجد، كالإيمان في الجناب الإلهيّ بالهرولة والضحك والتبشّش
والتعجّب من غير تكييف ولا تشبيه مع معقولية ذلك من اللسان لكن نجهل النسبة لاستنادنا
إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وهي أعني هذه الآية أصل في
التنزيه لأهله وأصل في التشبيه لأهله.
باب في الماء تخالطه النجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه
اختلف علماء الشريعة في الماء تخالطه النجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه، فمن قائل: إنه
طاهر مطهر سواء كان قليلاً أو كثيراً وبه أقول إلاَّ أني أقول: إنه مطهر غير طاهر في نفسه لأنا
نعلم قطعاً أن النجاسة خالطته لكن الشرع عفا عنها ولا أعرف هذا القول لأحد وهو معقول،
وما عندنا من الشرع دليلٍ أنه طاهر في نفسه لكنه طهور، وإن احتجوا علينا بأن
رسول الله ﴿وقال: ((خَلَقَ اللَّهُ المَاءَ طَهُوراً لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)) قلنا: ما قال إنه طاهر في نفسه،
وإنما قال فيه: إنه طهور والطهور هو الماء والتراب الذي يطهر غيره، فإنا كما قلنا نعلم قطعاً
أن الماء حامل النجاسة عقلاً، ولكن الشارع ما جعل لها أثراً في طهارة الإنسان به ولا سمّاه
نجساً، فقد يريد الشارع التعريف بحقيقة الأمر وهو أن الماء في نفسه طاهر بكل وجه أبداً لم
الفتوحات المكية ١٦ - م٣٤

٥٣٠
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
يحكم عليه بنجاسة أي أن النجاسة ليست بصفة له وإنما أجزاء النجس تجاور أجزاءه، فلما
عسر الفصل بين أجزاء البول مثلاً وبين أجزاء الماء وكثرت أجزاء النجاسة على أجزاء الماء
فغيّرت أحد أوصافه منع من الوضوء به شرعاً على الحدّ المعتبر في الشرع.
وإذا غلبت أجزاء الماء على أجزاء النجاسة فلم يتغيّر أحد أوصافه لم يعتبرها الشارع ولا
جعل لها حكماً في الطهارة بها، فإنا نعلم قطعاً أنّ المتطهر استعمل الماء والنجاسة معاً في
طهارته الشرعية، والحكم للشرع في استعمال الأشياء لا للعقل، ولم يرد شرع قط بأنه طاهر
ليست فيه نجاسة إلاَّ باعتبار ما ذكرناه من عدم تداخل الجواهر وهو أمر معقول فما بقي إلاّ
تجاورها، فاعتبر الشرع تلك المجاورة في موضع ولم يعتبرها في موضع، فلذلك لم يجز
الطهارة به في الموضع الذي اعتبرها، وأجاز الطهارة به في الموضع الذي لم يعتبرها ولم يقل
فيه إنه ليس فيه نجاسة، فالحكم في الماء على ما ذكرناه على أربع مراتب: إذا خالطته النجاسة
أو لم تخالطه حكم بأنه طاهر مطهر، وحكم بأنه طاهر غير مطهر، وحكم بأنه غير مطهر ولا
طاهر، وحكم بأنه مطهر غير طاهر. فالطاهر المطهر هو الماء الذي لم تخالطه نجاسة.
والطاهر غير المطهر هو الماء الذي يخالطه ما ليس بنجس بحيث أن يزيل عنه اسم الماء
المطلق مثل ماء الزعفران وغيره. وحكم بأنه غير طاهر ولا مطهر وهو الماء الذي غيّرت
النجاسة أحد أوصافه وصاحب هذا الحكم يردّ الحديث الذي احتجّ به علينا فإن الشارع قال:
لا ينجسه شيء فكيف اعتبره هذا المحتج به هنا ولم يعتبره في الوجه الذي ذهبنا إليه في أنه
مطهر غير طاهر ويلزمه ذلك ضرورة وليس عنده دليل شرعيّ يردّه. والحكم الرابع مطهر غير
طاهر وهو الفصل الذي نحن بسبيله فإنه الماء الذي خالطته النجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه.
ومن قائل: بالفرق بين القليل والكثير فقالوا: إن كان كثيراً لم ينجس، وإن كان قليلاً
كان نجساً ولم يحد فيه حداً بل قال: بأنه ينجس ولو لم يتغير أحد أوصافه. ثم اختلف هؤلاء
في الحدّ بين القليل والكثير والخلاف في نفس الحد مشهور في المذاهب لا في نص الشرع
الصحيح، فإن الأحاديث في ذلك قد تكلم فيها مثل حديث القلتين وحديث الأربعين قلة، ثم
الخلاف بينهم في حد القلة، ويتفرّع على هذا الباب مسائل كثيرة، مثل ورود الماء على
النجاسة، وورود النجاسة على الماء، والبول في الماء الدائم وغير ذلك، وللناس في ذلك
مذاهب كثيرة ليس هذا الكتاب موضعها، فإنا ما قصدنا استقصاء جميع ما يتعلق من الأحكام
بهذه الطهارة من جهة تفريع المسائل، وإنما القصد الأمّهات منها لأجل الاعتبار فيها بحكم
الباطن، فجرّدنا في هذا الباب نحواً من ثمانين باباً نذكرها إن شاء الله كلها باباً باباً، وهكذا
أفعل إن شاء الله في سائر العبادات التي عزمنا على ذكرها في هذا الكتاب من صلاة وزكاة
وصيام وحج، والله المؤيد لا رب غيره.
وصل في حكم الباطن: وأما حكم الباطن فيما ذكرناه في هذا الباب وهو الماء الذي
تخالطه النجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه فهو العلم الإلهيّ الذي يقتضي التنزيه عن صفات

٥٣١
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
البشر، فإذا خالطه من علم الصفات التي تتوهم منها المناسبة بينه وبين خلقه فوقع في نفس
العالم به من ذلك نوع تشويش فاستهلك ذلك القدر من العلم بالصفات التي يقع بها الاشتراك
في العلم الذي يقتضي التنزيه من جهة دليل العقل ومن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى:
الآية ١١] في دليل السمع فيبقى العلم بالله على أصله من طهارة التنزيه عقلاً وشرعاً، مع كوننا
نصفه بمثل هذه الصفات التي توهم التشبيه فإنه ما غيّرت أوصافه تعالى، فيثبت كل ذلك له مع
تحقق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾.
وأما حكم القليل والكثير في ذلك واختلاف الناس في النجاسة إن كان الماء قليلاً فالقلة
والكثرة في الماء الطهور هو راجع إلى الأدلة الحاصلة عند العالم بالله، فإن كان صاحب دليل
واحد وطرأت عليه في علمه بتنزيه الحق في أيّ وجه كان شبهة أثرت في دليله زال كونه علماً كما
زال كون هذا الماء طاهراً مطهراً وإن كان صاحب أدلة كثيرة على مدلول واحد فإن الشبهة
تستهلك فيه، فإنها إذا قدحت في دليل منها لم يلتفت إليها واعتمد على باقي أدلته فلم تؤثر هذه
الشبهة في علمه وإنما أثرت في دليل خاص لا في جميع أدلته، فهذا معنى الكثرة في الماء الذي
لا تغيّر النجاسة حكمه. وأمّا من قال بترك الحدّ في ذلك وأن الماء يفسد فإنه يعتبر أحدية العين
لا أحدية الدليل فيقول: إن العلم تقدح فيه هذه الشبهة في زمان تصوّره إياها والزمان دقيق،
فربما مات في ذلك الزمان وهو غير مستحضر سائر الأدلة لضيق الزمان فيفسد عنده، وفي هذا
الباب تفريع كثير لا يحتاج إلى إيراده وهذا القدر قد وقع به الاكتفاء في المطلوب.
باب الماء يخالطه شيء طاهر ممّا ينفك عنه غالباً متى غيّر أحد أوصافه الثلاثة
أما الماء الذي يخالطه شيء طاهر ممّا ينفك عنه غالباً متى غيّر أحد أوصافه الثلاثة فإنه
طاهر غير مطهر عند الجميع إلاَّ بعض الأئمة فإنه عنده مطهر ما لم يكن التغيّر عن طبخ .
وصل حكم الباطن: فأما حكم الباطن في ذلك فهو أن العلم بالله من حيث العقل الذي
حصل له من طريق الفكر إذا خالطه وصف شرعيّ ممّا جاء الشرع به فإن ذلك العلم بالله طاهر
في نفسه غير مطهر لما دل عليه من صفة التشبيه كقولهم في صفة كلام الله إنه كسلسلة على
صفوان فأتى بكاف الصفة والشرع كله ظاهر مقبول ما جاء به فلم يقدر العقل ينفك عن دليله
في نفي التشبيه، وسلّم للشرع ما جاء به من غير تأويل، ومن رأى أنه مطهر على أصله ما لم
يطبخ فأراد بالطبخ الأمر الطبيعيّ وهو أن يأخذ ذلك الوصف من الشارع الذي هو مخبر عن
الله وأخذه عن فهمه ونظره بضرب قياس على نفسه من حيث إمكانه وطبيعته فهو طاهر غير
مطهر فاعلم ذلك .
باب في الماء المستعمل في الطهارة
الماء المستعمل في الطهارة اختلف فيه علماء الشريعة على ثلاثة مذاهب، فمن قائل :
لا تجوز الطهارة به. ومن قائل: تجوز الطهارة به وبه أقول. ومن قائل: بكراهة الطهارة به
ولا يجوز التيمم بجوده. وقول رابع شاذ وهو أنه نجس.

٥٣٢
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
وصل حكم الباطن في ذلك: فأمّا حكم الباطن فيه فاعلم أن سبب هذا الخلاف هو أنه
لا يخلو أن ينطلق على ذلك الماء اسم الماء المطلق أو لا ينطلق، فمن رأى أنه ينطلق قال
بجواز الطهارة به. ومن رأى أنه قد أثّر في إطلاقه استعماله لم يجز ذلك أو كرهه على قدر ما
يقوى عنده. وأمّا من قال بنجاسته فقول غير معتبر وإن كان القائل به من المعتبرين وهو أبو
يوسف، فاعلم أن العلم بتوحيد الله هو الطهور على الإطلاق فإذا استعملته في أحدية الأفعال
ثم بعد هذا الاستعمال رددته إلى توحيد الذات اختلف العلماء بالله بمثل هذا الاختلاف في
الماء المستعمل، فمن العارفين من قال: إن هذا التوحيد لا يقبل الحق من حيث ذاته فلا
يستعمل بعد ذلك في العلم بالذات، ومن العارفين من قال يقبله لأنا ما أثبتنا عيناً زائدة
والنسب ليست بأمر وجوديّ فتؤثر في توحيد الذات فبقي العلم بالتوحيد على أصله من
الطهارة. وأما من قال: بأنه نجس فإن التوحيد المطلق لا ينبغي إلاَّ لله تعالى، فإذا استعملت
هذا التوحيد في أحدية كل أحد التي بها يقع له التمييز عن غيره فقد صار لها حكم الكون
الممكن فهذا معنى النجاسة، فلا ينبغي أن ينسب إلى الله مثل هذا التوحيد لأن تمييزه في
أحديته عن خلقه ليس عن اشتراك كما تتميز الممكنات بعضها عن بعض بخصوص وصفها
وهي أحديتها .
باب في طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام
اتفق العلماء بالشريعة على طهارة أسار المسلمين وبهيمة الأنعام واختلفوا فيما عدا
ذلك، فمن قائل: بطهارة كل حيوان، ومن قائل: استثنى واختلف أهل الاستثناء خلافاً كثيراً.
وصل حكم الباطن في ذلك: فأما حكم الباطن في ذلك فإن سؤر المؤمن وكل حيوان
فهو طاهر، فإن الإيمان والحياة عين الطهارة في الحيّ والمؤمن، إذ بالحياة كان التسبيح من
الحيّ الله تعالى، وإذ بالإيمان كان قبول ما يرد به الشرع ممّا يحيله العقل أو لا يحيله من
المؤمن بلا شك، وقال رسول الله وَّ: (مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فما بقي للعبد من العلم
بعد معرفته بنفسه الذي هو سؤره وكل حيوان فإنه مشارك للإنسان المؤمن في الدلالة، فسؤره
مثل ذلك بذلك القدر ممّا بقي يعرف ربّه. وأمّا أصحاب الخلاف في الاستثناء فما نظروا في
المؤمن ولا في الحيوان من كونه حيواناً ولا مؤمناً فهو بحسب ما نظر فيه هذا المستثنى
ويجري معه الحكم والتفصيل فيه يطول، وإنما اشترطنا المؤمن دون الإنسان وحده إذ كان
الإيمان يعطي من المعرفة بالله ما يعطيه الحيوان والإنسان وزيادة ممّا لا يدركه الإنسان من
حيث إنسانيته ولا حيوانيته بل من كونه مؤمناً، فلهذا قلنا سؤر المؤمن فإنه أتم في المعرفة .
باب في الطهارة بالأسآر
اختلف العلماء بالشريعة في الطهارة بالأسآر على خمسة أقوال، فمن قائل: إنها طاهرة
بإطلاق وبه نقول. ومن قائل: إنه لا يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة. ومن قائل: إنه
يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تكن جنباً أو حائضاً. ومن قائل: لا يجوز لكل

٥٣٣
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
واحد منهما أن يتطهر بفضل طهور صاحبه ولكن يشرعان معاً. ومن قائل: إنه لا يجوز أصلاً.
ومن قائل: يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تخل به.
وصل حكم الباطن في ذلك: فأما حكم الباطن في ذلك فاعلم أن الرجل يزيد على
المرأة درجة فإذا اتخذا دليلاً على العلم بالله من حيث ما هما رجل وامرأة لا غير، فمن رأى
أن لزيادة الدرجة في الدلالة فضلاً على من ليس لها تلك الدرجة نقصه من العام بذلك القدر،
فمن لم يجز الطهارة بذلك. قال: إنما يدل من كونه رجلاً وامرأة أي من كونهما فاعلاً
ومنفعلاً على علم خاص في الإله، وهو العلم بالمؤثر والمؤثر فيه، وهذا يوجد في كل فاعل
ومنفعل، فلا يجوز أن يوجد مثل هذا في العلم بالله ولا يتطهر به القلب من الجهل بالله، ومن
أجازه قال: جلّ المعرفة بالله أن يكون خالقنا وخالق الممكنات كلها، وإذا ثبت افتقارنا إليه
وغناه عنّا فلا نبالي بما فاتنا من العلم به، فهذان قولان بالجواز وبعدم الجواز، وبهذا الاعتبار
نأخذ ما بقي من الأقسام مثل الشروع معاً، غير أن في الشروع معاً زيادة في المعرفة وهي عدم
التقييد بالزمان وهو حال الوقوف على وجه الدليل، وهو أيضاً كالنظر في دلالتهما من حيث ما
يشتركان فيه وليس إلاَّ الإنسانية، ومثل طهارة المرأة بفضل الرجل فإنه يعطى في الدلالة ما
تعطى المرأة وزيادة، ومثل طهور الرجل بفضل المرأة ما لم تكن جنباً بالتغرّب عن موطن
الأنوثة وهو منفعل فقد اشترك مع الأنثى التي انفعلت عنه فإنه منفعل عن موجده، ومن تغرّب
عن موطن الأنوثة من تشبيهها بالرجل فإن ذلك يقدح في أنوثتها أو حائضاً وهي صفة تمنع من
مناجاة الحق في الصلاة، والمطلوب من العلم بالله القربة، والحال في الحيض البعد من الله
من حيث تناجيه، فالمعرفة بهذه الصفة تكون معرفة حجابية من الاسم البعيد. وأما قول
القائل: ما لم تخل به فإن لم تخل به جازت الطهارة وإن خلت به لم تجز، فاعلم أن العالم
بالله كما يعلم أن ذاته منفعلة في وجود عينها عن الله، ولا يعرف أنه يرضي الله ويغضبه بأفعاله
إذ قد وقع التكليف، فما عرفه معرفة تامة فقد خلي بالمعرفة وهذا يقدح في طهارة تلك
المعرفة، وإذا عثر على أن له أثراً في ذلك الجناب مثل قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] فأعطى الدعاء من الداعي في نفس المدعو الإجابة، ولا معنى
للانفعال إلاَّ مثل هذا فهذا حقيقة قوله ما لم تخل به .
باب الوضوء بنبيذ التمر
اختلف علماء الشريعة في الوضوء بنبيذ التمر، فأجاز الوضوء به بعضهم، ومنع به
الوضوء أكثر العلماء، وبالمنع أقول لعدم صحة الخبر النبويّ فيه الذي اتخذوه دليلاً، ولو صحّ
الحديث لم يكن قوله نصاً في الوضوء به فإنه قال ◌َله: ((فِيهِ تَمْرَةٌ طَيْبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ)) أي جمع
النبيذ بين التمر والماء فسمّي نبيذاً فكان الماء طهوراً قبل الامتزاج، وإن صحّ قوله فيه شراب
طهور لم يكن نصاً في الوضوء به ولا بد، فقد يمكن أن يطهر به الثوب من النجاسة فإن الله ما
شرع لنا في الطهارة للصلاة عند عدم الماء إلاَّ التيمم بالتراب خاصة.

٥٣٤
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
وصل حكم الباطن في ذلك: وأما حكم الباطن في ذلك فإن الواقف في معرفته بالله
على الدليل المشروع الذي هو فرع في الدلالة عن الدليل العقلي الذي هو الأصل، وليس عند
صاحب الدليل المشروع علم بما ثبت به كون الشرع دليلاً في العلم بالإله فضعف في الدلالة
وإن سمّاه ماء طهوراً وتمرة طيبة فذلك لامتزاج الدليلين، والمقلد لا يقدر على الفصل بين
الدليلين، فمن حيث يتضمن ذلك الامتزاج الدليل العقليّ يجوز الأخذ به في الدلالة فيجيز
الوضوء بنبيذ التمر، ومن حيث الجهل بما فيه من تضمنه الدلالة العقلية لا يجوز الأخذ به
وهو على غير بصيرة في ثبوت هذا الفرع فلم يجز الوضوء بنبيذ التمر فإنه سمّاه شراباً وأزال
عنه اسم الماء، فافهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
أبواب نواقض الوضوء
حكم ذلك في الباطن أعني ناقض الوضوء أنه كل ما يقدح في الأدلة العقلية والأدلة
الشرعية في المعرفة بالله. أما في العقلية فمن الشبه الواردة. وأما في الشرعية فمن ضعف
الطريق الموصل إليها وهو عدم الثقة بالرواة أو غرائب المتون فإن ذلك ممّا يضعف به الخبر،
فكل ما يخرجك عن العلم بالله وبتوحيده وبأسمائه الحسنى وما يجب لله أن يكون عليه وما
يجوز وما يستحيل عليه عقلاً إلاَّ أن يرد به خبر متواتر في كتاب أو سنّة فإن ذلك كله ناقض
لطهارة القلب بمعرفة الله وتوحيده وأسمائه، فلنذكرها مفصلة كما وردت في الوضوء الظاهر
إن شاء الله .
باب انتقاض الوضوء بما يخرج من الجسد من النجس
اختلف علماء الشريعة في انتقاض الوضوء بما يخرج من الجسد من النجس على ثلاثة
مذاهب، فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أيّ موضع خرج وعلى أيّ وجه خرج وبين
هؤلاء اختلاف في أمور، واعتبر قوم المخرجين القبل والدبر من أيّ شيء خرج وعلى أيّ
وجه خرج من صحة ومرض، واعتبر آخرون الخارج والمخرج وصفة الخروج وبه أقول.
وصل حكم الباطن في ذلك: فأمّا حكم هذه المذاهب في المعاني في الباطن فمن اعتبر
الخارج وحده وهو الذي ينظر في اللفظ الخارج من الإنسان فهو الذي يؤثر في طهارة إيمانه
مثل أن يقول في يمينه: برئت من الإسلام إن كان كذا وكذا، أو ما كان إلاَّ كذا وكذا، فإن هذا
وإن صدق في يمينه وبر ولم يحنث فإنه لا يرجع إلى الإسلام سالماً، كذا قال وَ لّ. ومثل من
يتكلم بالكلمة من سخط الله ليضحك بها الناس ما يظنّ أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار
سبعين خريفاً ولا يراعى من خرجت منه من مؤمن وكافر، ومن اعتبر المخرجين فهو المنافق
والمرتاب فكل ما خرج منهما لا ينفعهما في الآخرة، فإن الخارج قد يكون نجساً كالكفر من
التلفظ به، وقد يكون غير نجس کالإيمان، وما كان مثل هذا من المخرجين المنافق
والمرتاب، لأن المخرجين خبيثان لم ينفع ما ليس بنجس كظهور الإيمان وما في القلب منه
شيء وهو قوله تعالى عنهم حيث قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ وهو كخروج الطاهر أعني الذي ليس

٥٣٥
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
بنجس ﴿وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١٥٠] وهو كخروج ما هو نجس فقال تعالى
فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٥١] حقاً فآثر في الطهارة، وأمّا من اعتبر الخارج
والمخرجين وصفة الخروج فقد عرفت الخارج والمخرجين وما بقي إلاَّ صفة الخروج، فصفة
الخروج في الطهارة كالخروج على صفة المرض كالمقلد في الكفر أو الصحة وهو العالم
بالحق الصحيح ويجحده فلا يؤمن، قال تعالى في مثل هؤلاء الذين عرفوا الحق وجحدوا بما
دلّهم عليه: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ثم ذكر العلة فقال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُواْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة النمل: الآية ١٤]. انتهى الجزء الثاني والثلاثون.
(الجزء الثالث والثلاثون)
بِسْمِ اَلَّهِ الََّنِ الرّحمَدِ
باب حكم النوم في نقض الوضوء
اختلف العلماء في النوم على ثلاثة مذاهب، فمن قائل: إنه حدث فأوجبوا الوضوء في
قليله وكثيره. ومن قائل: إنه ليس بحدث فلم يوجب منه وضوء إلاَّ إن تيقن بالحدث،
فالناقض للوضوء هو الحدث لا النوم، وإن شك في الحدث فالشك غير مؤثر في الطهارة فإن
الشرع لم يعتبر الشك في هذا الموضع وبه أقول. ومن قائل: بالفرق بين النوم القليل الخفيف
كالسنة فلم يوجب منه وضوء، وبين الكثير المستثقل فأوجب منه الوضوء.
وصل حكمه في الباطن: اعلم أن القلب له حالة غفلة فذلك النوم القليل وحالة موت
ونوم عن التيقظ والانتباه لما كلّفه الله به من النظر والاستدلال والذكر والتذكّر، وهاتان
الحالتان مزيلتان طهارة القلب التي هي العلم بالله، ولنا في ذلك ما ينبّه الغافل والسالك:
[مجزوء الكامل]
دُ وأنت تُدْعَى فانتبهْ
يا نائماً كم ذا الرِّقَا
ـك بمادعا لونمْتَ بة
كان الإلهُ يقوم عن
عمّا دعاك ومنْتَبة
لكنَّ قلبك غافلٌ
يُزْديك مهما متَّ بِه
في عالم الكونِ الذي
ـرك إنَّ زادك مُشتَّيِةْ
فانظز لنفسك قبل سيـ
باب الحكم في لمس النساء
اختلف علماء الشريعة في لمس النساء باليد أو بغير ذلك من الأعضاء الحسّاسة، فمن
قائل: إنه من لمس امرأته دون حجاب أو قبلها على غير حجاب فعليه الوضوء سواء التذّ أو لم
يلتذّ، واختلف قول صاحب هذا المذهب في الملموس، فمرّة سوّى بينهما في إيجاب
الوضوء، ومرّة فرّق بينهما، وفرّق أيضاً صاحب هذا القول بين أن يلمس ذوات المحارم
والزوجة. ومن قائل: بإيجاب الوضوء من اللمس إذا قارنته اللذة، وعند أصحاب هذا القول

٥٣٦
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
تفصيل كثير. ومن قائل: بأن لمس النساء لا ينقض الوضوء وبه أقول، والاحتياط أن يتوضأ
للخلاف الذي في هذه المسألة اللامس والملموس.
وصل حكم اللمس في الباطن: فأمّا حكم اللمس في القلب فالنساء عبارة وكناية عن
الشهوات، فإذا لمست الشهوة القلب ولمسها والتبس بها والتبست به وحالت بينه وبين ما
يجب عليه من مراقبة الله فيها فقد انتقض وضوءه، وإن لم تحل بينه وبين مراقبة الله فيها فهو
على طهارته فإن طهارة القلب الحضور مع الله، ولا يبالي في متعلق الشهوة من حرام أو حلال
إذا اعتقد التحريم في الحرام والتحليل في الحلال فلا تؤثر في طهارته، فإذا اعتقد التحريم في
الحلال المنصوص عليه بالحل أو التحليل المنصوص عليه بالتحريم من أجل الشهوة بالنظر
إلى الرجوع في ذلك إلى قول إمام يرى ذلك مع علمه أن الشارع قرّر حكم المجتهد وقرّر
قبول عمل القلب له إذا عمل به وقد كان قبل الشهوة يعرف ذلك القول ولا يعمل عليه ولا
يقول به، وإنما رجع إليه بسبب لمس الشهوة قلبه، فمثل هذا تؤثر في طهارته، فعليه الوضوء
بلا خلاف عند أهل القلوب، وأمّا في الظاهر فلنا في هذه المسألة نظر وقد تصدّعنا فيها مع
علماء الرسوم.
باب في لمس الذكر
اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب، فمن قائل: لا وضوء عليه وبه أقول والاحتياط
الوضوء في كل مسألة مختلف فيها، فإن الاحتياط النزوح إلى موطن الإجماع والاتفاق مهما
قدر على ذلك. ومن قائل: فيه الوضوء وقوم فرّقوا بين مسّه بحال لذة أو باطن اليد وبين من
مسّه بظاهر كفّه ولغير لذّة وفصلوا في ذلك.
وصل حكم ذلك في الباطن: اعلم أن الله ما جعل سبب إيجاد الكائنات الممكنات
سبحانه وتعالى إلاّ الإرادة والأمر الإلهيّ، ولأجل هذا أخذ من أخذ الإرادة في حدّ الأمر، قال
الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فأتى في
الإرادة والأمر ولم يذكر معنى ثالثاً يسمّى القدرة فيخرّج قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة الحشر: الآية ٦] على أنه عين قوله للأشياء ﴿كُنْ﴾ إذا أراد تكوينها، ولا شك أن اليد محل
القدرة، ولما كان النكاح سبب ظهور المولدات فمن نسب القدرة إليه في إيجاد العين الممكنة
التي ظهرت وهو مس الذكر باليد فلا يخلو إمّا أن يغفل عن الاقتدار الإلهيّ في قول: ﴿كُنْ﴾
أو لا يغفل، فإن غفل انتقضت طهارته حيث نسب وجود الولد للنكاح، وإن لم يغفل بقي
على طهارته .
باب الوضوء مما مست النار
اختلف أصحاب رسول الله وَّل﴿ في الوضوء ممّا مسّت النار وما عدا الصدر الأوّل فلم
يختلفوا في أنّ ذلك لا يوجب الوضوء إلاّ في لحوم الإبل، وبالوضوء من لحوم الإبل أقول
تعبّداً وهو عبادة مستقلة مع كونه ما انتقضت طهارته بأكل لحوم الإبل، فالصلاة بالوضوء

٥٣٧
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
المتقدّم جائزة وهو عاص إن لم يتوضأ من لحوم الإبل، وهذا القول ما قال به أحد فيما أعلم
قبلنا وإن نوى فيه رفع المانع فهو أحوط، واختلف الأئمة في الوضوء من لحوم الإبل، فمن
قائل: بإيجاب الوضوء منه. ومن قائل: لا يجب.
وصل حكم الباطن في ذلك: النار الذي يجد الإنسان في نفسه وهي التي تنضج كبده
هي ممّا يجري عليه من الأمور التي لا توافق غرضه الطبيعيّ، فإن تلقاها بالتسليم والرضى أو
الصبر مع الله فيها كما تسمّى الله تعالى بالصبور لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة
الأحزاب: الآية ٥٧] وأمهلهم ولم يؤاخذهم، وقول رسول الله وَله: ((لَيْسَ شَخْصٌ أَضْبَرَ عَلَى
أَذِى مِنَ الله حِلْماً منه)) وإذا كان العبد بهذه المثابة لم تؤثر في طهارته فإن تسخط وأثر فيه ولا
سيما لحوم الإبل فإن الشارع سمّاها شياطين، فتلك لمة الشيطان في القلب فانتقضت طهارته
لأن محل اللمة القلب كما يطهر منها بلمة الملك، وإنما لحوم الإبل بلمة الشيطان لأن
الشيطان خلق من مارج من نار، والمارج لهب النار، والشارع كما قلنا سمّى الإبل شياطين
ونهى عن الصلاة في معاطنها وما علّل إلاَّ بكونها شياطين وهم البعداء، والصلاة حال قربة
ومناجاة، فاعتبرنا في الباطن حكم الوضوء من لحوم الإبل ونقض الطهارة بهذا، ولو كانت
لمته بخير فإنه أضمر في ذلك الخير شرّاً لا يتفطن له إلاَّ العالم المحقق العارف بالأمور الإلهية
كيف ترد على القلوب.
باب الضحك في الصلاة من نواقض الوضوء
أعلم أن الضحك في الصلاة أوجب منه الوضوء بعضهم ومنعه بعضهم وبالمنع أقول.
وصل حكم الباطن فيه: إنّ الإنسان في صلاته تختلف عليه الأحوال مع الله في تلاوته
إذا كان من أهل الله ممّن يتدبر القرآن، فآية تحزنه فيبكي، وآية تسرّه فيضحك، وآية تبهته فلا
يضحك ولا يبكي، وآية تفيده علماً، وآية تجعله مستغفراً وداعياً فطهارته باقية على أصلها،
وقد رأينا من أحواله دائماً الضحك في صلاة وغير صلاة كالسلاويّ وأمثاله نفعنا الله به،
وكأبي يزيد طيفور بن عيسى بن شروشان البسطامي روى عنه أبو موسى الديبلي أنه قال:
ضحكت زماناً وبكيت زماناً وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي. وأمّا إذا غفل عن تلاوته وتدبّرها
ومناجاة ربّه بزكائه ولهوه وأمثال ذلك ممّا يخرجه عن الحضور مع الله في صلاته، فهذا
ضحكه في الباطن في الصلاة في مذهب من يقول بنقض طهارته، ومن هذه حاله فقد انتقضت
طهارته ووجب عليه استئناف طهارة قلبه مرة أخرى.
باب الوضوء من حمل الميت
قالت به طائفة من العلماء، ومنع أكثر العلماء من ذلك وبالمنع أقول.
وصل حكم الباطن فيه: أمّا حكم الباطن في ذلك فإنه يتعلق بعلم المناسبة، فلا يجتمع
شيء مع شيء إلاّ لمناسبة بينهما. قال أبو حامد الغزاليّ: رأى بعض أهل هذا الشأن بالحرم
غراباً وحمامة ورأى أن المناسبة بينهما تبعد فتعجب وما عرف سبب أنس كل واحد منهما

٥٣٨
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
بصاحبه فأشار إليهما فدرجا فإذا بكل واحد منهما عرج فعرف أن العرج جمع بينهما، وكان
رجل من التجار يقول لشيخنا أبي مدين: أريد منك إذا رأيت فقيراً يحتاج إلى شيء تعرّفني
حتى يكون ذلك على يديّ، فجاءه يوماً فقير عريان يحتاج إلى ثوب وكان مقام الشيخ وحاله
في ذلك عدم الاعتماد على غير الله في جميع أموره في حق نفسه وفي حق غيره، فإن الشيوخ
قد أجمعوا على أنه من صحّ توكله في نفسه صحّ توكله في غيره، فتذكر أبو مدين رغبة التاجر
فخرج مع الفقير إلى دكان التاجر ليأخذ منه ثوباً فماشاه إنسان أنكره الشيخ فسأله عن دينه فإذا
هو مشرك، فعرف المناسبة وتاب إلى الله من ذلك الخاطر، فالتفت فإذا بالرجل قد فارقه ولم
يعرف حيث ذهب، فلما أخبرت بحكايته وأنا أعرف بلادنا ما في بلاد الإسلام منها دينان أصلاً
فعلمت أن الله أرسل إليه من خاطره ذلك شخصاً ينبهه، فإن الله علمنا منه أن يخلق من أنفاس
العالم خلقاً، فكذلك من هذا الباب من حمل ميتاً فلمناسبة بينهما وهو الموت فإما موت عن
الأكوان وإما موت عن الحق، فالميت عن الحق يتوضأ، والميت عن الأكوان باق على
وضوئه .
باب نقض الوضوء من زوال العقل
اتفق علماء الشريعة أن زوال العقل ينقض الطهارة.
وصل حكم الباطن فيه: أن العقل إذا كان المزيل لحكمه في الإلهيات النص المتواتر من
الشرع الذي لا يدخله احتمال ولا إشكال فيه فهو على أكمل الطهارة، لأن طهارة الإيمان مع
وجود النص تعطي العلم الحق والكشف، وإذا زال عقله بشبهة فقد انتقضت طهارته،
ويستأنف النظر في دليل آخر أو في إزالة تلك الشبهة .
أبواب الأفعال التي تشترط هذه الطهارة في فعلها
اتفق العلماء على أن الوضوء شرط من شروط الصلاة، واختلفوا هل هو شرط صحة أو
شرط وجوب؟ وأعني بالوضوء الطهارة المشروعة وهي عندنا شرط وجوب، والطهارة عندنا
عبادة مستقلة، وقد تكون شرطاً في عبادة أخرى شرط صحة أو شرط وجوب، وقد تكون
مستحبة وسنّة في عبادة أخرى.
وصل حكم الباطن في ذلك: طهارة القلب شرط في مناجاة الحق أو مشاهدته شرط
وجوب وشرط صحة معاً، وسبب ذلك أننا في موطن التكليف ويطلب الإيمان منّا بالله وبما
جاء من عنده وبالرسول والرسل، وهذه إشارة أن الأمر ليس بمقصور إلاَّ أنه عال وأعلى
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٦] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَتِ﴾ [سورة غافر: الآية ١٥]
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٦] وتارة يكون العلم شرطاً في صحة الإيمان
وشرط وجوب فيه، وتارة يكون الإيمان شرطاً في صحة علم الكشف وشرط وجوب فيه، إلاَّ
أن الإيمان فيه طهارة للقلب من الحجاب، والعلم طهارة للقلب من الجهل والشك والنفاق،
فطهر قلبك بالطهارتين، تسم بذلك في العالمين، وتحوز به علم القبضتين، فإن الله قد أوجب

٥٣٩
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
الإيمان علينا بنفسه ومن نفسه أسماؤه ﴿ وَمَلَبِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٥] مع
علمنا بأن الله فضّل بعضهم على بعض رسلاً وأنبياء، ثم نهانا أن نفضل بين الأنبياء قياساً أو
نظراً فإن العبد لا يحكم على الله بشيء.
باب الطهارة لصلاة الجنائز ولسجود التلاوة
اختلف أهل العلم رضي الله عنهم في الطهارة للصلاة على الجنائز ولسجود التلاوة،
فمن قائل: إنها شرط من شروطها. ومن قائل: ليست بشرط وبه أقول.
وصل في حكم الباطن في ذلك: أما حكم الباطن في ذلك كله فإنا نقول : كل عمل مشروع
لا تتقدّمه طهارة الإيمان لا يصحّ ذلك العمل بفقده فيجب وجود الإيمان في كل عمل مشروع،
فمن قال: لا يجب الوضوء لصلاة الجنازة وسجود التلاوة لم ير استحضار للموتى والسجود
للتلاوة لا في الإيمان في الدعاء، واكتفى بالإيمان الأصليّ عن استحضاره عند الشروع في
الفعل، وهذا سبب عدم الإجابة، ومن رأى أن الطهارة شرط كانت الإجابة ولا بدّ فيما يدعو نية .
باب الطهارة لمس المصحف
اختلف أهل العلم في الطهارة هل هي شرط في مس المصحف أم لا؟ فأوجبها قوم
ومنعها قوم، وبالمنع أقول إلاَّ أن فعلها بالطهارة أفضل أعني مس المصحف.
وصل في حكم الباطن في ذلك: هل يحترم الدليل لاحترام المدلول؟ فعندنا نعم يحترم
الدليل لاحترام المدلول، وعند غيرنا لا يلزم فإن الدليل يضاد المدلول فلا يجتمعان، فإن
احترم الدليل فلأمر آخر لا لكونه دليلاً على محترم، والمصحف دليل على كلام الله وقد أمرنا
باحترامه ومسّه على الطهارة من احترامه، فاعلم أنا قد نأخذ العالم دليلاً على الله ونذهل عمّا
يتضمن مسمّى العالم من محمود ومذموم، وقد نأخذ فرعون وأمثاله من المتكبرين دليلاً على
وجود الصانع لأنه صنعة واتفق أن عينته في الدلالة على الخصوص ولا يجب احترامه بل
يجب مقته وعدم حرمته، وقد نأخذ موسى عليه السلام من حيث إنه صنعته دليلاً على وجود
الصانع، واتفق أن عينته في الدلالة على الخصوص، وقد وجب علينا احترامه وتعظيمه من
وجه آخر لا من وجه كونه دليلاً، فلهذا عظمنا المصحف لكون الشارع أمرنا باحترامه وتعظيمه
لا لكونه دليلاً، ثم له حرمة أخرى لكونه دليلاً وبه نعلّل احترامه في وقت ما فإنه نقول فيه إنه
كلام الله وإنّ كنا نحن الکاتبین له بأيدينا .
باب إيجاب الوضوء على الجنب عند إرادة
النوم أو معاودة الجماع أو الأكل أو الشرب
اختلف علماء الشريعة فيما ذكرناه في هذه الترجمة، فمن قائل: بإيجابه. ومن قائل :
باستحبابه وبه أقول .
وصل حكم الباطن في ذلك: وأما حكم الباطن في ذلك إحضار النية للذي انتقضت
طهارته الشرعية لشهوة أغفلته عن رؤية الحق عند استحكامها، فإذا أراد أن ينام نوى في النوم

٥٤٠
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
إعطاء حق العين فتلك طهارة الجنب إذا أراد أن ينام، فإن الجنابة نقضت طهارته وهي الغربة
عن موطن الإيمان الذي كان يجب عليه الحضور معه لولا استحكام سلطان الشهوة الذي أفناه
عن نفسه وعن كل ما سواه، وكذلك إذا أراد أن يعاود الجماع ينوي الولد المؤمن لكثرة أتباع
رسول الله * وليكثر الذاكرين الله بهذا الجماع، وكذلك إذا أراد أن يأكل أو يشرب ينوي
إعطاء النفس حقّها وهذه النيّة فيما ذكرناه هي طهارة لكل ذلك.
باب الوضوء للطواف
اعلم أن الوضوء للطواف اشترطه قوم ولم يشترطه قوم وبه أقول وإن كان الطواف
بالطهارة أفضل.
وصل حكم الباطن في ذلك: وذلك أنه من رأى أن الطواف بالبيت لكونه منسوباً إلى الله
كالعرش المنسوب إلى استواء الرحمن ورأى الملائكة حافّين به وهم المطهرون الكرام البررة
اشترط الوضوء في الطواف بكعبة قلبه الذي وسع الحق جلّ جلاله يقول تعالى: ما وسعني
أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي، وهو نزوله في تجليه تعالى إلى قلب عبده، وقد بيّناه
في مواقع النجوم في منزل التنزّل الذاتيّ من فلك القلب، ومن رأى أن الحق لا يتقيد بما
أضاف إليه وإنما قصد بذلك التشريف منفعة المكلف لم يشترط الطهارة للطواف. وأما في
القلب فعدم اشتراط الطهارة في وقت نظر العقل في إثبات الشرع في المعرفة الأولى إمّا ابتداء
وإمّا إذا نزل إليها بالتعليم لمن أراد أن يعرف الله بالأدلة النظرية .
باب الوضوء لقراءة القرآن
اختلف العلماء في الوضوء لقراءة القرآن، فمن قائل: إنه تجوز قراءة القرآن لمن هو
على غير طهارة وبه أقول. ومن قائل: لا يجوز أن يقرأ القرآن إلاَّ على وضوء وهو الأفضل
بلا خلاف، وكذلك كل ما ذكرناه ممّا يجوز فعله عندنا وعند غيرنا على غير وضوء أن
الأفضل أن لا يفعل شيئاً من ذلك إلاَّ على وضوء.
وصل حكم الباطن في ذلك: أما حكم الباطن في ذلك فإن قارىء القرآن نائب الحق
سبحانه في الترجمة عنه بكلامه ومن صفاته سبحانه القدّوس ومعناه الطاهر، فينبغي للعبد إذا
ناب مناب الحق في كلامه بتلاوته أن يكون مقدّساً أي طاهراً في ظاهره بالوضوء المشروع، وفي
باطنه بالإيمان والحضور والتدبّر وشبه ذلك، وأن يقدّم تلاوة الحق عليه ابتداء ثم يتلوه مترجماً
عن الحق ما تلاه عليه وكلّمه به، فإما يترجم في تلاوته تلك للحاضر عنده ليذكره، وإما أن
يترجم بلسانه ليسمعه فيحصل الآخر للسمع كما لو كان المصحف بيده يتلو فيه أخذ البصر حقّه
من النظر إلى كلام الله من حيث ما هو مكتوب، كما أخذه السمع من حيث ما هو اللسان ناطق به
مصوّت، وكذلك لو ألقى المصحف في حجره ومشى بيده على الحروف لأخذت هذه الأعضاء
حّها من ذلك، وهكذا كان يتلو شيخنا أبو عبد الله ابن المجاهد، وأبو عبد الله ابن قيسوم،
وأبو الحجاج الشبربلي لم أر من أشياخنا من يحافظ على مثل هذه التلاوة إلاَّ هؤلاء الثلاثة.