Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
في المعارف/ الباب الرابع والخمسون في معرفة الإشارات
الدعوى والدعوى عين المرض، وقد ثبت عند المحققين أنه ما فى الوجود إلاّ الله، ونحن
وإن كنّا موجودين فإنما كان وجودنا به، ومن كان وجوده بغيره فهو في حكم العدم، والإشارة
قد ثبتت وظهر حكمها فلا بدّ من بيان ما هو المراد بها .
فاعلم أن الله عزّ وجلّ لما خلق الخلق خلق الإنسان أطواراً فمنا العالم والجاهل، ومنّا
المنصف والمعاند، ومنّا القاهر ومنّا المقهور، ومنّا الحاكم ومنّا المحكوم، ومنّا المتحكم
ومنّا المتحكم فيه، ومنّا الرئيس والمرؤوس، ومنّا الأمير والمأمور، ومنّا الملك والسوقة،
ومنّا الحاسد والمحسود، وما خلق الله أشق ولا أشدّ من علماء الرسوم على أهل الله
المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهيّ الذين منحهم أسراره في خلقه،
وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام.
ولما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم كما ذكرناه عدل أصحابنا
إلى الإشارات كما عدلت مريم عليها السلام من أجل أهل الإفك والإلحاد إلى الإشارة،
فكلامهم رضي الله عنهم في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
إشارات وإن كان ذلك حقيقة وتفسيراً لمعانيه النافعة، ورد ذلك كله إلى نفوسهم مع تقريرهم
إياه في العموم وفيما نزل فيه، كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل ذلك الكتاب بلسانهم فعمّ به
سبحانه عندهم الوجهين كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة
فصلت: الآية ٥٣] يعني الآيات المنزّلة في الآفاق وفي أنفسهم، فكل آية منزّلة لها وجهان: وجه
يرونه في نفوسهم، ووجه آخر يرونه فيما خرج عنهم، فيسمّون ما يرونه في نفوسهم إشارة
ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك ولا يقولون في ذلك إنه تفسير وقاية لشرهم وتشنيعهم
في ذلك بالكفر عليه وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق واقتدوا في ذلك بسنن الهدى، فإنّ
الله كان قادراً على تنصيص ما تأوّله أهل الله في كتابه، ومع ذلك فما فعل بل أدرج في تلك
الكلمات الإلهية التي نزلت بلسان العامّة علوم معاني الاختصاص التي فهمها عباده حين فتح
لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم.
ولو كان علماء الرسوم ينصفون لاعتبروا في نفوسهم إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة
التي يسلمونها فيما بينهم فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك ويعلو بعضهم على بعض في الكلام
في معنى تلك الآية، ويقرّ القاصر بفضل غير القاصر فيها وكلهم في مجرى واحد، ومع هذا
الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك ينكرون على أهل الله إذا جاؤوا بشيء ممّا يغمض عن
إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء وأن العلم لا يحصل إلاَّ بالقلم المعتاد
في العرف، وصدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلاَّ بالتعلّم وهو الإعلام الرحماني
الربانيّ، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَنَ مِنْ عَلَقِ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ نَّمَ
اُلْإِنَسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: الآيات ١ - ٥] فإنه القائل: ﴿ أَخْرَجَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا
تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة النحل: الآية ٧٨] وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: ٣ -
٤] فهو سبحانه معلم الإنسان، فلا نشك أنّ أهل الله هم ورثة الرسل عليهم السلام والله يقول

٤٢٢
في المعارف / الباب الرابع والخمسون في معرفة الإشارات
في حق الرسول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١٣] وقال في حق عيسى:
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤٨] وقال في حق خضر
صاحب موسى عليه السلام: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٩٦] فصدق علماء
الرسوم عندنا فيما قالوا إن العلم لا يكون إلاَّ بالتعلّم، وأخطؤوا في اعتقادهم أنّ الله لا يعلم
من ليس بنبيّ ولا رسول يقول الله: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٩] وهي
العلم وجاء بمن وهي نكرة ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة وآثروا جانب
الخلق على جانب الحق وتعوّدوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم
ورأوا في زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به عن العامة حجبهم ذلك عن أن
يعلموا أنّ لله عباداً تولى الله تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله وهو
العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن، فإنّ
الذين قالوا: إنّ الله لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفي العلم عنه بها وإنما قصدوا بذلك أنه
تعالى لا يتجدد له علم بشيء بل علمها مندرجة في علمه بالكليات فأثبتوا له العلم سبحانه
مع كونهم غير مؤمنين، وقصدوا تنزيهه سبحانه في ذلك وإن أخطؤوا في التعبير عن ذلك،
فتولى الله بعنايته لبعض عباده تعليمهم بنفسه بإلهامه وإفهامه إياهم ﴿فَمَهَا تُرَهَا وَتَقْوَنِهَا ﴾
[سورة الشمس: الآية ٨] في أثر قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٧] فبيّن لها الفجور من
التقوى إلهاماً من الله لها لتجتنب الفجور وتعمل بالتقوى كما كان أصل ﴿تَنزِيلُ الْكِتَبِ﴾ [سورة
السجدة: الآية ٢] من الله على أنبيائه كان تنزيل الفهم من الله على قلوب بعض المؤمنين به،
فالأنبياء عليهم السلام ما قالت على الله ما لم يقل لها ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من
أفكارها ولا تعملت فيه بل جاءت به من عند الله كما قال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة
فصلت: الآية ٤٢] وقال فيه إنه: ﴿لَّا يَأْنِهِ اٌلْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢].
وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند الله لا من فكر الإنسان ورؤيته وعلماء الرسوم
يعلمون ذلك فينبغي أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه وبيان ما أنزل الله فيه من علماء
الرسوم، فيكون شرحه أيضاً تنزيلاً من عند الله على قلوب أهل الله كما كان الأصل، وكذا قال
عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا الباب ما هو إلاَّ فهم يؤتيه الله من شاء من عباده في
هذا القرآن، فجعل ذلك عطاء من الله يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله، فأهل الله أولى به
من غيرهم، فلما رأى أهل الله أن الله قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء
الرسوم وأعطاهم التحكّم في الخلق بما يفتون به وألحقهم بالذين ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٧] وهم في إنكارهم على أهل الله ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
صُنْعًا﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٤] سلم أهل الله لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا وصانوا
عنهم أنفسهم بتسميتهم الحقائق إشارات فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات، فإذا كان في
غد يوم القيامة يكون الأمر في الكل كما قال القائل: [الرجز]
أَفَرَسُ تحتَكَ أم حمارُ
سوف ترى إذا انجلى الغبار

٤٢٣
في المعارف / الباب الرابع والخمسون في معرفة الإشارات
كما يتميز المحقق من أهل الله من المدّعي في الأهلية غداً يوم القيامة قال بعضهم:
[الوافر ]
تبيَّنَ من بكى ممَّن تباكَى
إذا اشتبكَتْ دموعٌ في خدودٍ
أين عالم الرسوم من قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حين أخبر عن نفسه أنه لو
تكلم في الفاتحة من القرآن لحمل منها سبعين وقراً هل هذا إلاَّ من الفهم الذي أعطاه الله في
القرآن، فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسوم، فإن الله يقول فيهم
﴿لَيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الذِينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢]
فأقامهم مقام الرسول في التفقّه في الدين والإنذار وهو الذي يدعو إلى الله على بصيرة كما
يدعو رسول الله وَلّ على بصيرة لا على غلبة ظنّ كما يحكم عالم الرسوم، فشتان بين من هو
فيما يفتي به ويقوله على بصيرة منه في دعائه إلى الله وهو على بينة من ربه، وبين من يفتي في
دين الله بغلبة ظنّه .
ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أنه يجهل من يقول: فهمني ربي ويرى
أنه أفضل منه وأنه صاحب العلم إذ يقول من هو من أهل الله: إن الله ألقى في سرّي مراده بهذا
الحكم في هذه الآية، أو يقول: رأيت رسول الله وَّر في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر
المروي عنه وبحكمه عنده. قال أبو يزيد البسطاميّ رضي الله عنه في هذا المقام وصحته
يخاطب علماء الرسوم: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا
يموت. يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان وأين هو؟ قالوا:
مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات. وكان الشيخ أبو مدين رحمه الله إذا قيل له: قال فلان
عن فلان عن فلان يقول: ما نريد نأكل قديداً هاتوا ائتوني بلحم طريّ يرفع همم أصحابه، هذا
قول فلان أيّ شيء قلت أنت ما خصّك الله به من عطاياه من علمه اللدني أي حدثوا عن ربكم
واتركوا فلاناً وفلاناً فإن أولئك أكلوه لحماً طرياً، والواهب لم يمت وهو أقرب إليكم من حبل
الوريد والفيض الإلهيّ والمبشرات ما سدّ بابها وهي من أجزاء النبوّة والطريق واضحة والباب
مفتوح والعمل مشروع والله يهرول لتلقي من أتى إليه يسعى ﴿مَا يَكُنُ مِن ◌َّجْوَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ
رَابِعُهُمْ﴾ و﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] فمن كان معك بهذه المثابة من القرب
مع دعواك العلم بذلك والإيمان به لم تترك الأخذ عنه والحديث معه وتأخذ عن غيره ولا
تأخذ عنه، فتكون حديث عهد بربك يكون المطر فوق رتبتك حيث برز إليه رسول الله وعليه :-
بنفسه حين نزل وحسر عن رأسه حتى أصابه الماء فقيل له في ذلك فقال: إنه حديث عهد بربّه
تعليماً لنا وتنبيهاً .
ثم لتعلم أن أصحابنا ما اصطلحوا على ما جاؤوا به في شرح كتاب الله بالإشارة دون
غيرها من الألفاظ إلاّ بتعليم إلهيّ جهله علماء الرسوم، وذلك أن الإشارة لا تكون إلاَّ بقصد
المشير بذلك أنه يشير لا من جهة المشار إليه، وإذا سألتهم عن شرح مرادهم بالإشارة أجروها
عند السائل من علماء الرسوم مجرى الغالب، مثال ذلك الإنسان يكون في أمر ضاق به صدره

٤٢٤
في المعارف/ الباب الخامس والخمسون في معرفة الخواطر الشيطانية
وهو مفكر فيه فينادي رجل رجلاً آخر اسمه فرج فيقول: يا فرج فيسمعه هذا الشخص الذي
ضاق صدره فيستبشر ويقول: جاء فرج الله إن شاء الله يعني من هذا الضيق الذي هو فيه
وينشرح صدره كما فعل رسول الله وّر في مصالحة المشركين لما صدّوه عن البيت فجاء
رجل من المشركين اسمه سهيل فقال رسول الله وَالر: ((سهل الأمر)) أخذه فألاً، فكان كما
تفاءل به رسول الله وَ ﴿ فانتظم الأمر على يد سهيل، وما كان أبوه قصد ذلك حين سمّاه به
وإنما جعله له اسماً علماً يعرف به من غيره وإن كان ما قصد أبوه تحسين اسم ابنه إلاّ لخير .
ولما رأى أهل الله أنه قد اعتبر الإشارة استعملوها فيما بينهم ولكنهم بيّنوا معناها ومحلها
ووقتها فلا يستعملونها فيما بينهم ولا في أنفسهم إلاَّ عند مجالسة من ليس من جنسهم أو لأمر
يقوم في نفوسهم، واصطلح أهل الله على ألفاظ لا يعرفها سواهم إلاَّ منهم، وسلكوا طريقة
فيها لا يعرفها غيرهم، كما سلكت العرب في كلامها من التشبيهات والاستعارات ليفهم
بعضهم عن بعض، فإذا خلوا بأبناء جنسهم تكلموا بما هو الأمر عليه بالنص الصريح، وإذا
حضر معهم من ليس منهم تكلموا بينهم بالألفاظ التي اصطلحوا عليها، فلا يعرف الجليس
الأجنبي ما هم فيه ولا ما يقولون.
ومن أعجب الأشياء في هذه الطريقة ولا يوجد إلاَّ فيها أنه ما من طائفة تحمل علماً من
المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعاليم والمتكلمين والفلاسفة إلاَّ ولهم اصطلاح
لا يعلمه الدخيل فيهم إلاَّ بتوقيف من الشيخ أو من أهله لا بدّ من ذلك إلاَّ أهل هذه الطريقة
خاصة إذا دخلها المريد الصادق وبهذا يعرف صدقه عندهم وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه،
فإذا فتح الله له عين فهمه وأخذ عن ربه في أول ذوقه وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه
ولم يعلم أن قوماً من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة، فإذا قعد معهم وتكلموا
باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم أو من أخذها عنهم فهم هذا المريد
الصادق جميع ما يتكلمون به حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح ويشاركهم في الكلام بها
معهم ولا يستغرب ذلك من نفسه بل يجد علم ذلك ضرورياً لا يقدر على دفعه وكأنه ما زال
يعلمه ولا يدري كيف حصل له، والدخيل من غير هذه الطائفة لا يجد ذلك إلاَّ بموقف، فهذا
معنى الإشارة عند القوم ولا يتكلمون بها إلاَّ عند حضور الغير أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا
غير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والخمسون
في معرفة الخواطر الشيطانية
[نظم: الهزج]
ـذي فيها من الحِكَم
لَوَ أَنَّ الله يُفْهِمُنا الــ
مجال الفكر والهِمَم
رأيتُ الأمرَ يَعلو عن
إليك جوامعُ الكَلِـمِ
يَدِقُ فليس تُظْهِره

٤٢٥
في المعارف / الباب الخامس والخمسون في معرفة الخواطر الشيطانية
الخواطر أربعة لا خامس لها: خاطر رباني، وخاطر ملكي، وخاطر نفسي، وخاطر
شيطاني، ولا خامس هناك. وقد ذكرنا معرفة الخواطر في هذا الكتاب وفي بعض كتبنا،
فلنذكر في هذا الباب الخاطر الشيطاني خاصة .
اعلم أن الشياطين قسمان: قسم معنويّ وقسم حسيّ، ثم القسم الحسيّ من ذلك على
قسمين: شيطانيّ إنسيّ وشيطانيّ جني. يقول الله عزّ وجلّ: ﴿شَيَطِينَ اُلْإِسِ وَأَلْجِنِّ يُوحِى
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوْرَأْ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: الآية
١١٢] فجعلهم أهل افتراء على الله. وحدث فيما بينهما في الإنسان شيطان معنوي وذلك أن
شيطان الجنّ والإنس إذا ألقى من ألقى منهم في قلب الإنسان أمراً ما يبعده عن الله به، فقد
يلقي أمراً خاصاً وهو خصوص مسألة بعينها، وقد يلقي أمراً عاماً ويتركه، فإن كان أمراً عاماً
فتح له في ذلك طريقاً إلى أمور لا يفطن لها الجنيّ ولا الإنسيّ تتفقه فيه النفس وتستنبط من
تلك الشبه أموراً إذا تكلم بها تعلم إبليس الغواية، فتلك الوجوه التي تتفتح له في ذلك
الأسلوب العام الذي ألقاه إليه أولاً شيطان الإنس أو شيطان الجنّ تسمى الشياطين المعنوية،
لأن كل واحد من شياطين الإنس والجنّ يجهلون ذلك وما قصدوه على التعيين، وإنما أرادوا
بالقصد الأوّل فتح هذا الباب عليه لأنهم علموا أن في قوّته وفطنته أن يدقق النظر فيه، فينقدح
له من المعاني المهلكة ما لا يقدر على ردّها بعد ذلك، وسبب ذلك الأصل الأول فإنه اتخذه
أصلاً صحيحاً وعوّل عليه فلا يزال التفقّه فيه يسرقه حتى خرج به عن ذلك الأصل وعلى هذا
جرى أهل البدع والأهواء، فإن الشياطين ألقت إليهم أصلاً صحيحاً لا يشكون فيه، ثم طرأت
عليهم التلبيسات من عدم الفهم حتى ضلّوا فينسب ذلك إلى الشيطان بحكم الأصل، ولو
علموا أنّ الشيطان في تلك المسائل تلميذ له يتعلم منه، وأكثر ما ظهر ذلك في الشيعة ولا
سيما في الإمامية منهم، فدخلت عليهم شياطين الجنّ أولاً بحب أهل البيت واستفراغ الحب
فيهم، ورأوا أن ذلك من أسنى القربات إلى الله وكذلك هو لو وقفوا ولا يزيدون عليه إلاَّ أنهم
تعدّوا من حبّ أهل البيت إلى طريقين: منهم من تعدّى إلى بغض الصحابة وسبّهم حيث لم
يقدموهم وتخيّلوا أن أهل البيت أولى بهذه المناصب الدنيوية فكان منهم ما قد عرف واستفاض،
وطائفة زادت إلى سب الصحابة القدح في رسول الله وَّ وفي جبريل عليه السلام وفي الله جلّ
جلاله حيث لم ينصوا على رتبتهم وتقديمهم في الخلافة للناس حتى أنشد بعضهم: ما كان من
بعث الأمين أميناً وهذا كله واقع من أصل صحيح وهو حب أهل البيت أنتج في نظرهم فاسداً
فضلوا وأضلّوا. فانظر ما أدّى إليه الغلوّ في الدين. أخرجهم عن الحد فانعكس أمرهم إلى الضد
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ
ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧٧].
وطائفة ألقت إليهم الشياطين أصلاً صحيحاً لا يشكون فيه أن النبي وَ لّ قال: ((مَنْ سَنَّ
سُنَّةً حَسَنَةٌ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا))، ثم تركتهم بعدما حببت إليهم العمل على هذا،
فجعل بعض الناس لحرصه على الخير يتفقه لكونه يريد تحصيل أجور من عمل بها، فإذا سنّ

٤٢٦
في المعارف / الباب الخامس والخمسون في معرفة الخواطر الشيطانية
سنّة حسنة يخاف إذا نسبها إلى نفسه لا تقبل منه فيضع لأجل قبولها حديثاً عن رسول الله الخ
في ذلك ويتأوّل أن ذلك داخل في حكم قوله: من سنّ سنّة حسنة فأجاز الكذب على
رسول الله مل وأن يقول عليه وَله ما لم يقله ولا فاه به لسانه ويرى أن ذلك خير فإن الأصول
تعضده، فإذا أخطر له الملك قوله وََّ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
وأخطر له أيضاً قوله وَلّ: (لَيْسَ كَذِبٌ عَلَيَّ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) يتأوّل ذلك كله بإلقاء الشيطان في خاطره فيقول له: إنما ذلك إذا دعا إلى
ضلالة وأنا ما سننت إلاَّ خيراً فهو مأجور بالضرورة من كونه سنّ سنّة حسنة، ومأزور من كونه
كذب على رسول الله وَّ وقال عنه إنه صرّح بما لم يقله وَلَ* وكذلك إن كان من أهل
الخلوات والرياضات واستعجل الرياسة من قبل أن يفتح الله عليه باباً من أبواب عبوديته فيلزم
طريق الصدق ولا يقف مع رسول الله وَّ مثل ما وقف الأول، وأنه يجري إلى الافتراء على
الله فينسب ذلك الذي سنّه إلى الله تعالى ويتأوّل أنه لا فاعل إلاَّ الله وأنه تعالى المنطق عباده
ويصير من وقته لذلك أشعرياً مجبوراً ويقول هذا كله خير فإني ما قصدت إلاَّ أن أعضد تلك
السنّة الحسنة، فلم أر أشد في تقويتها من أني أسندها إلى الله تعالى كما هي في نفس الأمر
خلق الله تعالى أجراها الله على لساني، هذا كله يحدث به نفسه لا يقول ذلك لأحد، فإذا كان
مع الناس يريهم أن ذلك جاءه من عند الله كما يجيء لأولياء الله على تلك الطريق، فإذا أخطر
له الملك قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَخْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ
أُوُجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٣] يتأوّل ذلك مع
نفسه ويقول: ما أنا مخاطب بهذه الآية وإنما خوطب بها أهل الدعوى الذين ينسبون الفعل إلى
أنفسهم فإنه قال: افترى فنسب فعل الافتراء إلى هذا القائل، وأنا أقول: إن الأفعال كلها لله
تعالى لا إليّ فهو الذي قال على لساني ألا ترى النبيّ وَّل قال في الصلاة إن الله قال على لسان
عبده: سمع الله لمن حمده فكذلك هذا، ثم قال: أو قال أوحي إليّ فأضاف القول إليه
وكذلك قوله إليّ ومن أنا حتى أقول إليّ إذ الله هو المتكلم وهو السميع، ثم قال: سأنزل مثل
ما أنزل الله، وما أقول أنا ذلك بل الإنزال كله من الله، فإذا تفقه في نفسه في هذا كله افترى
على الله كذباً وزيّن له سوء عمله فرآه حسناً. فهذا أصل صحيح لهاتين الطائفتين قد ألقاه
الشيطان إليهما وتركه عندهما وبقي يتفقّه فى ذلك فقهاً نفسياً.
فإن لم يكن الإنسان على بصيرة وتمييز من خواطره حتى يفرق بين إلقاء الشيطان وإن
كان خيراً، وبين إلقاء الملك والنفس ويميز بينهما ميزاً صحيحاً وإلاَّ فلا يفعل فإنه لا يفلح أبداً
فإن الشيطان لا يأتي إلى كل طائفة إلاَّ بما هو الغالب عليها، وليس غرضه من الصالحين إلاَّ
أن يجهلوه في الأخذ عنه، فإذا جهلوه ونسبوا ذلك إلى الله ولم يعرفوا على أي طريق وصل
إليهم كأنه قنع منهم بهذا القدر من الجهل وعرف أنهم تحت سلطانه فلا يزال يستدرجه في
خيريته حتى يتمكن منه في تصديق خواطره وأنها من الله فيسلخه من دينه كما تنسلخ الحية من
جلدها. ألا ترى صورة الجلد المسلوخ منها على صورة الحية؟ كذلك هذا الأمر.

٤٢٧
في المعارف / الباب الخامس والخمسون في معرفة الخواطر الشيطانية
جاء إبليس إلى عيسى عليه السلام في صورة شخص شيخ في ظاهر الحسّ لأن الشيطان
ليس له إلى باطن الأنبياء عليهم السلام من سبيل، فخواطر الأنبياء عليهم السلام كلها إما ربانية
أو ملكية أو نفسية لا حظّ للشيطان في قلوبهم، ومن يحفظ من الأولياء في علم الله يكون بهذه
المثابة في العصمة ممّا يلقي لا في العصمة من وصوله إليه، فالوليّ المعتنى به على علامة من
الله فيما يلقي إليه الشيطان، وسبب ذلك أنه ليس بمشرع والأنبياء مشرعون فلذلك عصمت
بواطنهم فقال لعيسى عليه السلام: يا عيسى قل لا إله إلا الله ورضي منه أن يطيع أمره في هذا
القدر، فقال عيسى عليه السلام: أقولها لا لقولك لا إله إلاَّ الله فرجع خاسئاً.
ومن هنا تعلم الفرق بين العلم بالشيء وبين الإيمان به، وأن السعادة في الإيمان وهو أن
تقول ما تعلمه. وما قلته لقول رسولك الأول الذي هو موسى عليه السلام لقول هذا الرسول
الثاني الذي هو محمد وَال# لا لعلمك ولا للقول الأول، فحينئذ لك يشهد بالإيمان ومآلك
السعادة، وإذ قلت ذلك لا لقوله وأظهرت أنك قلت ذلك لقوله كنت منافقاً قال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٤] يريد أهل الكتاب حيث قالوا ما قالوه لأمر نبيهم
عيسى أو موسى أو من كان من أهل الإيمان بذلك من الكتب المتقدمة ولهذا قال لهم: ﴿يَأَيُهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ ثم قال لهم: آمنوا بأنبيائي قولوا لا إله إلاَّ الله لقول محمد وَلَّه لا لعلمكم بذلك
ولا لإيمانكم بنبيكم الأول فتجمعوا بين الإيمانين فيكون لكم أجران فيقنع الشيطان من
الإنسان أن يلبس عليه بهذا القدر، فلا يفرق بين ما هو من عند الله من حيث ما هو من عند
الله، ولا بين طريق الملك والنفس والشيطان، فالله يجعل لك علامة تعرف بها مراتب
خواطرك، وممّا تعرف به الخواطر الشيطانية وإن كانت في الطاعة بعدم الثبوت على الأمر
الواحد وسرعة الاستبدال من خاطر بأمر ما إلى خاطر بأمر آخر فإنه حريص وهو مخلوق من
لهب النار ولهب النار سريع الحركة، فأصل إبليس عدم البقاء على حالة واحدة في أصل نشأته
فهو بحكم أصله، والإنسان له الثبوت فإنه من التراب فله البرد واليبس فهو ثابت في شغله،
وكذلك الخواطر النفسية ثابتة ما لم يزلزلها الملك أو الشيطان.
ومتعلق أصل الخواطر الشيطانية إنما هو المحظور فعلاً كان أو تركاً، ثم يليه المكروه فعلاً
كان أو تركاً، فالأول في العامة والثاني في العباد من العامة، وقد يتعلق بالمباح في حق المبتدي
من أهل طريق الله، ويأتي بالمندوب في حق المتوسطين من أهل الله أصحاب السماع، فإنه
يستدرج كل طائفة من حيث ما هو الغالب عليها، فإنه عالم بمواقع المكر والاستدراج، ويأتي
العارفين بالواجبات فلا يزال بهم حتى نووا مع الله فعل أمر ما من الطاعات، وهو في نفس الأمر
عهد يعهده مع الله، فإذا استوثق منه في ذلك وعزم وما بقي إلاَّ الفعل أقام له عبادة أخرى أفضل
منها شرعاً، فيرى العارف أن يقطع زمانه بالأولى فيترك الأول ويشرع في الثاني فيفرح إبليس
حيث جعله ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، والعارف لا خبر له بذلك، فلو عرف من أول أن ذلك
من الشيطان عرف كيف يرده وكيف يأخذه كما فعل عيسى عليه السلام، وكل متمكن من أهل الله
من ورثة الأنبياء فيراها مع كونها حسنة هي خواطر شيطانية .

٤٢٨
في المعارف/ الباب السادس والخمسون في معرفة الاستقراء وصحته من سقمه
وكذا جاء للمنافق من أهل الكتاب قال له: ألم تعلم أن نبيك قد بشّر بهذا الرجل وقد
علمت أنه هو والنبوة تجمعهما فقل له: إنك رسول الله لقول نبيّك لا لقوله ولا فرق بينهما،
فيقول المنافق عند ذلك: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [سورة المنافقون: الآية ١] فأكذبهم الله فقال تعالى:
﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ على ما قرّرهم الشيطان فقال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ
إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [ سورة المنافقون: الآية ١] في أنهم قالوا ذلك لقولك
لا في قولهم إنك رسول الله، ولو أراد ذلك كان نفياً لرسالته وَالر، فقد أعلمتك بمداخل
الشيطان إلى نفوس العالم لتحذره وتسأل الله أن يعطيك علامة تعرفه بها، وقد أعطاك الله في
العامة ميزان الشريعة، وميّز لك بين فرائضه ومندوباته ومباحه ومحظوره ومكروهه، ونصّ
على ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله.
فإذا خطر لك خاطر في محظور أو مكروه فتعلم أنه من الشيطان بلا شك، وإذا خطر
لك خاطر في مباح فتعلم أنه من النفس بلا شك، فخاطر الشيطان بالمحظور والمكروه اجتنبه
فعلاً كان أو تركاً، والمباح أنت مخيّر فيه، فإن غلب عليك طلب الأرباح فاجتنب المباح
واشتغل بالواجب أو المندوب، غير أنك إذا تصرّفت في المباح فتصرف فيه على حضور أنه
مباح، وأن الشارع لولا ما أباحه لك ما تصرّفت فيه فتكون مأجوراً في مباحك لا من حيث
كونه مباحاً إلاَّ من حيث إيمانك به أنه شرع من عند الله، فإن الحكم لا ينتقل بعد موت
رسول الله وَّ ر، فإن الحكم هو عين الشرع وقد سدّ ذلك الباب، فالمباح مباح لا يكون واجباً
ولا محظوراً أبداً، وكذلك كل واحد من الأحكام، وإن خطر لك خاطر في فرض فقم إليه بلا
شك فإنه من الملك، وإذا خطر لك خاطر في مندوب فاحفظ أول الخاطر فإنه قد يكون من
إبليس فاثبت عليه، فإذا خطر لك أن تتركه لمندوب آخر هو أعلى منه وأولى فلا تعدل عن
الأول واثبت عليه واحفظ الثاني وافعل الأول ولا بدّ، فإذا فرغت منه اشرع في الثاني فافعله
أيضاً فإن الشيطان يرجع خاسئاً بلا شك حيث لم يتفق له مقصوده، وبهذا الدواء يذهب مرض
الشيطان من نفسك، وتكون عمريّ المقام ما يلقاك الشيطان في فج إلاَّ سلك فجاً غير فجك
إذا عاملته بمثل هذا فحافظ على ما نبهتك عليه فإن الله قد أثنى على الذين ﴿يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ
وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] ويكفي هذا القدر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والخمسون
في معرفة الاستقراء وصحته من سقمه
[نظم : الوافر ]
يلازمه القويُّ من الرجالِ
للاستقراءِ حدٍّ في المعاني
فصورتُه كمنزلة الظُّلالِ
له حُكْمٌ ولا يعطيك علماً
وأين العينُ من شخص المثالِ
مزاحَمَةُ الدليل يقوم فيها
مُنَازِلَةُ الظنون وإنَّ منها
لمُعْطيك النزولَ إلى سَفَالٍ

۔
٤٢٩
.في المعارف / الباب السادس والخمسون في معرفة الاستقراء وصحته من سقمه
فما عَيْنُ الغزالةِ كالغزالِ
فلا تحكُمْ بالاستقراء قطعاً
فما حكم التَّضمُّر كالهزالِ
وإن ظَهَرَتْ بالاستقرا علومٌ
خرّج مسلم في صحيحه أن الله يقول: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون،
وبقي أرحم الراحمين. فسمّى نفسه عزّ وجلّ: ﴿أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٤]. وقال:
إنه ﴿خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٥]. وقال في الصحيح: ((أَنَا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ
بِي خَيْراً)). فإذا استقرأنا الوجود أن الكرام الأصول لا يصدر منهم إلاَّ مكارم الأخلاق من
الإحسان للمحسن، والتجاوز عن المسيء، والعفو عن الزلّة، وإقالة العثرة، وقبول المعذرة،
والصفح عن الجاني، وأمثال هذا ممّا هو من مكارم الأخلاق واستقرأنا ذلك فوجدناه لا
يخطىء يقول شاعر العرب في ذلك: إن الجياد على أعراقها تجري. والحق أولى بصفة مكارم
الأخلاق من المخلوقين، فهنا تكون صحة الاستقراء في الإلهيات، وأما سقم الاستقراء فلا
يصحّ في العقائد فإن مبناها على الأدلة الواضحة، فإنه لو استقرأنا كل من ظهرت منه صنعة
وجدناه جسماً ونقول: إن العالم صنعة الحق وفعله، وقد تتبعنا الصناع فما وجدنا صانعاً إلاَّ ذا
جسم، فالحق جسم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وتتبعنا الأدلة في المحدثات فما وجدنا عالماً لنفسه، وإنما الدليل يعطي أن لا يكون
عالم إلاَّ بصفة زائدة على ذاته تسمى علماً، وحكمها فيمن قامت به أن يكون عالماً وقد علمنا
أن الحق عالم، فلا بدّ أن يكون له علم ويكون ذلك العلم صفة زائدة على ذاته قائمة به، كلا
بل هو الله العالم الحيّ القادر القاهر الخبير كل ذلك لنفسه لا بأمر زائد على ذاته، إذ لو كان
ذلك بأمر زائد على نفسه وهي صفات كما لا يكون كمال الذات إلاَّ بها فيكون كماله بزائد
على ذاته وتتصف ذاته بالنقص إذا لم يقم به هذا الزائد، فهذا من الاستقراء وهذا الذي دعا
المتكلمين أن يقولوا في صفات الحق لا هي هو ولا هي غيره، وفيما ذكرناه ضرب من
الاستقراء الذي لا يليق بالجناب العالي، ثم إنه لما استشعر القائلون بالزائد سلكوا في العبارة
عن ذلك مسلكاً آخر فقالوا: ما عقلناه بالاستقراء وإنما قلنا: أعطى الدليل أنه لا يكون عالم
إلاَّ من قام به العلم، ولا بدّ أن يكون أمراً زائداً على ذات العالم لأنه من صفات المعاني يقدر
رفعه مع بقاء الذات، فلما أعطاه الدليل ذلك طردناه شاهداً وغائباً يعني في الحق والخلق،
وهذا هرب منهم وعدول عن عين الصواب، ثم إنهم أكّدوا ذلك بقولهم: ما ذكرناه عنهم أن
صفاته لا هي هو ولا هي غيره، وحدّوا الغيرين بحدّ يمنعه غيرهم، وإذا سألتهم: هل هي أمر
زائد؟ اعترفوا بأنها أمر زائد وهذا هو عين الاستقراء، فلهذا قلنا: إن الاستقراء في العلم بالله
لا يصحّ، وإن الاستقراء على الحقيقة لا يفيد علماً وإنما أثبتناه في مكارم الأخلاق شرعاً
وعرفاً لا عقلاً، فإن العقل يدل عليه سبحانه أنه فعال لما يريد لا يقاس بالمخلوق ولا يقاس
المخلوق عليه. وإنما الأدلة الشرعية أتت بأمور تقرّر عندنا منها أنه يعامل عباده بالإحسان
وعلى قدر ظنّهم به، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٧]
في الطرفين للوازم قرّرها الشارع.

٤٣٠
في المعارف / الباب السادس والخمسون في معرفة الاستقراء وصحته من سقمه
قال رسول الله وَّل18 في شأن النائم عن الصلاة إذا استيقظ أو الناسي إذا تذكر وقد خرج
وقت الصلاة فيصليها هل يثبتها دائماً في كل يوم في ذلك الوقت؟ فلما سُئِل رسول الله وَله
عن ذلك قال رسول الله وَّرَ: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذَه مِنْكُمْ)) فبيّن أنه سبحانه ما
يحمد خُلقاً من مكارم الأخلاق إلاَّ والحق تعالى أولى به بأن يعامل به خلقه، ولا يذم شيئاً من
سفساف الأخلاق إلاَّ وكان الجناب الإلهي أبعد منه، ففي مثل هذا الفن يسوغ الاستقراء بهذه
الدلالات الشرعية وأما غير ذلك فلا يكون، فقد أبنت لك صحة الاستقراء من سقمه في
المعاملات، وأما الاستقراء في التجليات فرأينا أن الهيولى الصناعية تقبل بعض الصور لا
كلها، فوجدنا الخشب يقبل صورة الكرسي والمنبر والتخت والباب ولم نره يقبل صورة
القميص ولا الرداء ولا السراويل، ورأينا الشقة تقبل ذلك ولا تقبل صورة السكين والسيف،
ثم رأينا الماء يقبل صورة لون الأوعية وما يتجلى فيها من المتلونات فيتصف بالزرقة والبياض
والحمرة. سُئِل الجنيد رحمه الله عن المعرفة والعارف فقال: لون الماء لون إنائه .
ثم استقرأنا عالم الأركان كلها والأفلاك فوجدنا كل ركن منها وكل فلك يقبل صوراً
مخصوصة وبعضها أكثر قبولاً من بعض. ثم نظرنا في الهيولى الكل فوجدناها تقبل جميع
صور الأجسام والأشكال، فنظرنا في الأمور فرأيناها كلما لطفت قبلت الصور الكثيرة، فنظرنا
في الأرواح فوجدناها أقبل للتشكّل في الصور من سائر ما ذكرناه، ثم نظرنا في الخيال
فوجدناه يقبل ما له صورة ويصوّر ما ليست له صورة فكان أوسع من الأرواح في التنوّع في
الصور، ثم جئنا إلى الغيب في التجليات فوجدنا الأمر أوسع ممّا ذكرناه ورأيناه قد جعل ذلك
أسماء كل اسم منها يقبل صوراً لا نهاية لها في التجليات، وعلمنا أن الحق وراء ذلك كله ﴿لَّا
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٣] فجاء في عدم
الإدراك بالاسم اللطيف إذ كانت اللطافة مما ينبو الحسّ عن إدراكها فتعقل ولا تشهد فتسمى
في وصفه الذي تنزّه أن يدرك فيه باللطيف الخبير أي تلطف عن إدراك المحدثات، ومع هذا
فإنه يعلم ويعقل أن ثَم أمراً يستند إليه فأتى بالاسم الخبير على وزن فعيل وفعيل يرد بمعنى
المفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح وهو المراد هنا والأوجه، وقد يرد
بمعنى الفاعل كعليم بمعنى عالم، وقد يكون أيضاً هو المراد هنا ولكنه يبعد، فإن دلالة مساق
الآية لا تعطي ذلك فإن مساقها في إدراك الأبصار لا في إدراك البصائر، فإن الله قد ندبنا إلى
التوصّل بالعلم به فقال: فاعلم أنه لا إله إلاَّ الله، ولا يعلم حتى ننظر في الأدلة فيؤذّينا النظر
فيها إلى العلم به على قدر ما تعطينا القوّة في ذلك، فلهذا رجحنا خبير هنا بمعنى المفعول أي
إن الله يعلم ويعقل ولا تدركه الأبصار، فهذا القدر مما يتعلق بهذا الباب من الاستقراء.
وأما كونه لا يفيد العلم في هذا الموطن فإنه ما من أصل ذكرناه يقبل صوراً ما إلاَّ
يجوز بل يقع، وقد وقع أنه يتكرر في تلك الصور مراتب عديدة، وهذا قد ورد في
الأخبار أن جبريل عليه السلام نزل مراراً على صورة دحية الكلبي، ولما لم يصحّ عندنا

في المعارف / الباب السابع والخمسون في معرفة تحصيل علم الإلهام بنوع ما من أنواع الاستدلال ومعرفة النفس ٤٣١
في التجلي الإلهي أن يتكرر تجلّ إلهيّ لشخص واحد مرتين ولا يظهر في صورة واحدة
لشخصين علمنا أن الاستقراء لا يفيد علماً، فإن جناب التجلّي لا يقبل التكرار، فخرج
عن حكم الاستقراء من وجه عدم التكرار، ولحق به من حيث التحوّل في الصور، وقد
ورد التحوّل في حديث مسلم في حديث الشفاعة من كتاب الإيمان، فلا يعوّل على
الاستقراء في شيء من الأشياء لا في الأحوال ولا في المقامات ولا في المنازل ولا في
المنازلات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والخمسون
في معرفة تحصيل علم الإلهام بنوع ما من أنواع الاستدلال ومعرفة النفس
[نظم: البسيط]
لا تحكمنَّ بإلهام تَجِدْهُ فقد
واجعل شريعتَك المُثلى مصحَّحَةً
له الإساءةُ والحسنى معاً فكما
فاحذره إنَّ له في كل طائفة
لا تطلبنَّ من الإلهام صورتَه
في شكله وعلى ترتيب صورته
يكون في غير ما يرضاه واهِبُهُ
فإنها ثمَرٌ يجنيه كاسِبُهُ
تَعْلَى طرائقُه تَرْدَى مذاهبُهُ
حكماً إذا جُهِلَتْ فينا مكاسِبُهُ
فإن وسواسَ إبليسٍ يصاحِبُهُ
وإن تميَّز فالمعنى يقاربُهُ
قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنِهَا فَأَنْهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [سورة الشمس: ٧ - ٨] من قوله أيضاً
﴿ كُلَّا تُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٠] فجعل
النفس محلاً قابلاً لما تلهمه من الفجور والتقوى، فتميز الفجور فتجتنبه. والتقوى فتسلك
طريقه، ومن وجه آخر تطلبه الآية وهو أنه بما ألهمها عراها أن يكون لها في الفجور والتقوى
كسب أو تعمل وإنما هي محل لظهور الفعل فجوراً كان أو تقوى شرعاً، فهي برزخ وسط بين
هدين الحكمين، ولم ينسب سبحانه إلى نفسه خاطر المباح ولا إلهامه فيها به، وسبب ذلك أن
المباح داتيّ لها، فبنفس ما خلق عينها ظهر عين المباح، فهو من صفاتها النفسية التي لا تعقل
النفس إلاّ به فهو على الحقيقة أعني خاطر المباح نعت خاص كالضحك للإنسان، وإن لم يكن
من الفصول المقوّمة فهو حد لازم رسميّ، فإن من خاصية النفس دفع المضار واستجلاب
المنافع، وهذا لا يوجد في أقسام أحكام الشرع إلاَّ في قسم المباح خاصة فإنه الذي يستوي فعله
وتركه فلا أجر فيه ولا وزر شرعاً وهو قوله: ﴿وَمَا سَوَّنِهَا﴾ من التسوية وهو الاعتدال في الشيء
﴿فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٧] يمتن بذلك على الإنسان، وما في أقسام أحكام الشريعة
قسم يقتضي العدل ويعطي الاعتدال إلاَّ قسم المباح فهي تطلبه بذاتها وخاصيتها، فلذلك لم
يصفها بأنها ملهمة فيه، وما ذكر سبحانه من الملهم لها بالفجور والتقوى فأضمر الفاعل
فالظاهر أن الضمير المضمر يعود على المضمر في سوّاها وهو الله تعالى.
ومن نظر في قول رسول اللّه ◌ِ وَّر: ((إِنَّ لِلْمَلَكِ فِي الإِنْسَانِ لَمَّةٌ وَلِلشّيْطَانِ لَمَّةٌ)). يعني

٤٣٢ في المعارف / الباب السابع والخمسون في معرفة تحصيل علم الإلهام بنوع ما من أنواع الاستدلال ومعرفة النفس
بالطاعة وهي التقوى والمعصية وهي الفجور فيكون الضمير في ألهمها للملك في التقوى
وللشيطان في الفجور، ولم يجمعهما في ضمير واحد لبعد المناسبة بينهما وكل بقضاء الله
وقدره، ولا يصحّ أن يقال في هذا الموضع: إن الله هو الملهم بالتقوى وإن الشيطان هو
الملهم بالفجور لما في هذا من الجهل وسوء الأدب لما في ذلك من غلبة أحد الخاطرين
والفجورِ أغلب من التقوى. وأيضاً لقوله تعالى: ﴿َّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ
فَن نَّفْسِكٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩] فإنه في تلك الآية ظاهر الاسم والسيئة فيها ما هي شرعاً
فتكون فجوراً وإنما هي ممّا يسوءه ولا يوافق غرضه وهو في الظاهر قولهم: فإنهم كانوا
يتطيرون به وَّوَ أعني الكافرين فأمره سبحانه أن يقول: ﴿كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا
يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي ما يحدث فيهم من الكوائن، يقول الله عنهم أنهم يقولون ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ
حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] أي ما يسوءهم ﴿مِنْ عِندِكَ
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] وهو قوله: ﴿طَيِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل: الآية ٤٧]
فالفاعل في ألهمها مضمر، فإن كان الله هنا في الضمير هو الملهم بالتقوى والشيطان هو
الملهم بالفجور فقد جمع الله والشيطان ضمير واحد وهذا غاية في سوء الأدب مع الله، وما
أحسن ما جاء بالواو العاطفة في قوله: ﴿ وَتَقْوَئِهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٧] فتعالى الله الملك
القدوس أن يجتمع مع المطرود من رحمة الله في ضمير مع احتمال الأمر في ذلك، وقد قال
رسول الله وَرُ: ((بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ)) لما سمعه قد جمع بين الله تعالى ورسوله بَّر في ضمير
واحد فقال: ومن يعصهما وما قال ذلك رسول الله وَّل# إذ جمع بين الله وبين نفسه في ضمير
واحد إلاَّ بوحي من الله وهو قوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠]
وقال: ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣] ونحن يلزمنا ملازمة الأدب فيما لم نؤمر به ولا
نهينا عنه، كما فعل رسول الله وَّلَفي قوله: ((بِتْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ)).
وكذلك لا يترجح أن ننسب الإلهام بالفجور إلى الله، فلم يبق بعد هذا الاستقصاء أن
يكون الضمير في ألهمها بالفجور إلا الشيطان وبالواو بالتقوى إلاّ الملك، فمقابلة مخلوق
بمخلوق أولى من مقابلة مخلوق بخالق. وفي قول رسول الله وَ له: بئسَ الخَطِيب كفاية لمن
أنار الله بصيرته فقد أعلمك برتبة نفسك وأنها ليست بأمارة بالسوء من حيث ذاتها، وإنما
ينسب إليها ذلك من حيث إنها قابلة لإلهام الشيطان بالفجور ولجهلها بالحكم المشروع في
ذلك كنفس أمرت صاحبها بارتكاب أمر لم تعلم تحريمه في الشرع، أو قامت عندها شبهة
بإباحة ذلك فيراه من مذهبه التحريم فيقول: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ﴾ [سورة يوسف: الآية ٥٣]
كشرب النبيذ بين محلله ومحرّمه، ونكاح الربيبة التي لم يجتمع فيها الشرطان، ومثل هذا في
الشريعة كثير، وكلا المذهبين شرع مقرّر صحيح إذا كانا عن اجتهاد، مع أن أحدهما أخطأ
دليل الشارع الذي حكم به في تلك المسألة أو لو حكم فيها، والمجتهدان مأجوران، وقد
يكون في المسألة أحد المجتهدين مصيباً، وقد يكون كل واحد منهما مخطئاً، فإن الحكم في
تلك المسألة شرعاً ليس بمنحصر. ثم إن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ فما هو

في المعارف / الباب السابع والخمسون في معرفة تحصيل علم الإلهام بنوع ما من أنواع الاستدلال ومعرفة النفس ٤٣٣
حكم الله عليها بذلك، وإنما الله حكى ما قالته امرأة العزيز في مجلس العزيز، وهل أصابت
في هذه الإضافة أو لم تصب هذا حكم آخر مسكوت عنه، بل الذي هو لها أنها لوّامة نفسها
إذا قبلت من الشيطان ما يأمرها به، فهذا الإخبار عن النفس أنها أمارة بالسوء، ما هو حكم الله
عليها ولا من قول يوسف عليه السلام، فبطل التمسّك بهذه الآية لما دلّ عليه الظاهر، والدليل
إذا دخله الاحتمال سقط الاحتجاج به .
وأما قوله تعالى في هذا المقام: ﴿كُلَّا تُمِّدُّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَيِّكَ﴾ [سورة الإسراء:
الآية ٢٠] فهو إبانة عن حقيقة صحيحة بما هو الأمر عليه في نفسه من أنه لا حول ولا قوّة إلاَّ
بالله. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٠] أي ممنوعاً يقول: إن الله
يعطي على الدوام والمحال تقبل على قدر حقائق استعداداتها، كما تقول: إن الشمس تنبسط
أنوارها على الموجودات وما تبخل بنورها على أحد وتقبل المحال ذلك النور على قدر
استعدادها وكل محل يضيف الأثر إلى الشمس ويغفل عن استعداده، فالشخص المبرود يلتذ
بحرارتها، والجسم المحرور يتألم بحرارتها، والنور من حيث ذاته واحد، وكل واحد من
الشخصين يتألم بما به يتنعم صاحبه، فلو كان ذلك للنور وحده لأعطى حقيقة واحدة وكذلك
أعطى ما في قوّته غير أنه للقابل حكم في ذلك ولا بدّ، فإن النتيجة لا تكون إلاَّ عن مقدمتين
فيسود وجه القصار الذي يبيض الثوب، فإن استعداد الثوب تعطي الشمس فيه التبيض، ووجه
القصار تعطي الشمس فيه السواد، وكذلك النفخة الواحدة من النافخ وهي الهواء تطفىء
السراج وتشعل النار الذي في الحشيش والهواء في نفسه واحد، فترد الآية من كتاب الله واحدة
العين على الأسماع، فسامع يفهم منها أمراً واحداً، وسامع آخر لا يفهم منها ذلك الأمر ويفهم
منها أمراً آخر، وآخر يفهم منها أموراً كثيرة، ولهذا يستشهد كل واحد من الناظرين فيها بها
لاختلاف استعداد الأفهام.
وهكذا في التجليات الإلهية، فالمتجلي من حيث هو في نفسه واحد العين، واختلفت
التجليات أعني صورها بحسب استعدادات المتجلي لهم، وكذلك في العطايا الإلهية سواء،
فإذا فهمت هذا علمت أن عطاء الله ليس بممنوع إلاَّ أنك تحب أن يعطيك ما لا يقبله
استعدادك وتنسب المنع إليه فيما طلبته منه ولم تجعل بالك إلى الاستعداد فقد يستعد الشخص
للسؤال وما عنده استعداد لقبول ما سأل فيه، فلو أعطيه بدلاً من المنع ويقول: إن الله على كل
شيء قدير ويصدق في ذلك ولكنك تغفل عن ترتيب الحكمة الإلهية في العالم وما تعطيه
حقائق الأشياء والكل من عند الله فمنعه عطاء وعطاؤه منع، ولكن بقي لك أن تعلم لكذا ومن
كذا، فقد عرفتك بالنفس وأنها المحرّكة للجوارح بما يغلب عليها، إما من ذاتها أو ممّا تقبله
من الملك أو الشيطان فيما يلهمها به، فعلم الإلهام هو أن تعلم أن الله ألهمك بما أوقره في
نفسك، ولكن بقي عليك أن تنظر على يدي من ألهمك وعلى أيّ طريق جاءك ذلك الإلهام
من ملك أو شيطان، وما يخرج من قبيل الأمر والنهي المشروع فهو العلم اللدنيّ ما هو
الإلهام، فالعلم بالطاعة إلهاميّ، والعلم بنتائج الطاعة لدنيّ، ففرّق ما بين العلم اللدني
الفتوحات المكية ج١ - م٢٨

٤٣٤
في المعارف/ الباب الثامن والخمسون في معرفة أسرار أهل الإلهام المستدلين ... الخ
والإلهام، فالإلهام عارض طارىء يزول ويجيء غيره، والعلم اللدنيّ ثابت لا يبرح، فمنه ما
يكون في أصل الخلقة والجبلة كعلم الحيوانات والأطفال الصغار ببعض منافعهم ومضارّهم
فهو علم ضروريّ لا إلهام.
وأما قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة النحل: الآية ٦٨] فإنه يريد في أصل نشأتها فطرها
الله على ذلك، والإلهام هو ما يلهمه العبد من الأمور التي لم يكن يعرفها قبل ذلك، والعلم
اللدنيّ الذي لا يكون في أصل الخلقة فهو العلم الذي تنتجه الأعمال، فيرحم الله بعض عباده
بأن يوفقه لعمل صالح فيعمل به فيورثه الله من ذلك علماً من لدنه لم يكن يعلمه قبل ذلك،
ولا يلزم من العلم اللدنيّ أن يكون في مادة، والإلهام لا يكون إلاَّ في موادّ، والعلم يصيب
ولا بدّ، والإلهام قد يصيب وقد يخطىء، فالمصيب منه يسمّى علم الإلهام، وما يخطىء منه
يسمّى إلهاماً لا علماً أي لا علم إلهام، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والخمسون
في معرفة أسرار أهل الإلهام المستدلين ومعرفة
علم إلهيّ فاض على القلب ففرّق خواطره وشتتها
[نظم: الوافر]
تحقّقُه فأنت به سعيدُ
إذا أعطاكَ بالإلهام علماً
قويٌّ في مبانيه سَديدُ
كمثل النحلِ مختلفُ المعاني
وأنت لحالها أبداً شهيدُ
فتلقى طيباً عن طِيْبِ أصلٍ
لها من فعلها قَصْرٌ مَشِيدُ
وفي الأشجار والشُّمِّ الرواسي
وأنت السيِّدُ النَّذْبُ الجَلِيدُ
فلا تُعْجِزْكَ للعلياء نَحْلٌ
كمالُكَ في منازلك القُصُودُ
فمنك القصدُ خيراً واختياراً
كمثلك أنك الخلقُ الجديدُ
فحقِّقْ والْتَمِسْ علماً وحيداً
اعلم أيّدك الله بروح منه أن الله عزّ وجلّ أمرنا بالعلم بوحدانيته في ألوهيته، غير أن
النفوس لما سمعت ذلك منه مع كونها قد نظرت بفكرها ودلّت على وجود الحق بالأدلة
العقلية بل بضرورة العقل بعلم وجود الباري تعالى، ثم دلّت على توحيد هذا الموجود الذي
خلقها، وأنه من المحال أن يوجد واجباً الوجود لنفسه ولا ينبغي أن يكون إلاَّ واحداً، ثم
استدلوا على ما ينبغي أن يكون عليه من هو واجب الوجود لنفسه من النسب التي ظهر عنه بها
ما ظهر من الممكنات ودلّ على إمكان الرسالة، ثم جاء الرسول وأظهر من الدلائل على
صدقه أنه رسول من الله إلينا، فعرفنا بالأدلة العقلية أنه رسول الله فلم نشك، وقام لنا الدليل
العقليّ على صدق ما يخبر به فيما ينسب إليه ورآه قد أتى في أخباره عنه تعالى بنسب وأمور
كان الدليل العقليّ يحيلها ويرمي بها، فتوقف العقل وأتهم معرفته وقدح في دليله هذا الإنباء
الإلهيّ بما ينسبه لنفسه ولا يقدر على تكذيب المخبر.

٤٣٥
في المعارف / الباب الثامن والخمسون في معرفة أسرار أهل الإلهام المستدلين ... الخ
ثم كان من بعض ما قال له هذا الشارع: اعرف ربك، وهذا العاقل لو لم يعلم ربّه الذي
هو الأصل المعوّل عليه ما صدق هذا الرسول، فلا بدّ أن يكون العلم الذي طلب منه الرسول
أن يعلم به ربّه غير العلم الذي أعطاه دليله وهو أن يتعمل في تحصيل علم من الله بالله، يقبل
به على بصيرة هذه الأمور التي نسبها الله إلى نفسه ووصف نفسه بها التي أحالها العقل بدليله
فانقدح له بتصديقه الرسول أن ثم وراء العقل وما يعطيه بفكره أمراً آخر يعطي من العلم بالله ما
لا تعطيه الأدلة العقلية بل يحيله قولاً واحداً، فإذا علمه بهذه القوّة التي عرف أنها وراء طور
العقل هل يبقى له الحكم فيما كان يحيله العقل من حيث فكره أولاً على ما كان عليه أم لا
يبقى، فإن لم يبق له الحكم بأن ذلك محال فلا بدّ أن يعثر على الوجه الذي وقع له منه الغلط
بلا شك، وأن ذلك الذي اتخذه دليلاً على إحالة ذلك على الله لم يكن دليلاً في نفس الأمر،
وإذا كان هذا فما ذلك الأمر مما هو وراء طور العقل، فإن العقل قد يصيب وقد يخطىء، وإن
بقي للعقل بعد كشفه وتحقيقه لصحة هذا الأمر الذي نسبه الله لنفسه ووصف به نفسه وقبلته
عقول الأنبياء وقبله عقل هذا المكاشف بلا شك ولا ريب، ومع هذا فإنه يحكم على الله بأن
ذلك الأمر محال عقلاً من حيث فكره لا من حيث قبوله، وحينئذ يصحّ أن يكون ذلك المقام
وراء طور العقل من جهة أخذه عن الفكر لا من جهة أخذه عن الله .
هذا ومن أعجب الأمور عندنا أن يكون الإنسان يقلّد فكره ونظره وهو محدث مثله،
وقوّة من قوى الإنسان التي خلقها الله فيه وجعل تلك القوّة خديمة للعقل ويقلدها العقل فيما
تعطيه هذه القوّة ويعلم أنها لا تتعدى مرتبتها وأنها تعجز في نفسها عن أن يكون لها حكم قوّة
أخرى، مثل القوّة الحافظة والمصوّرة والمتخيلة، والقوى التي هي الحواس من لمس وطعم
وشم وسمع وبصر، ومع هذا القصور كله يقلدها العقل في معرفة ربّه، ولا يقلد ربه فيما يخبر
به عن نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله وَلّ، فهذا من أعجب ما طرأ في العالم من الغلط،
وكل صاحب فكر تحت حكم هذا الغلط بلا شك إلاَّ من نور الله بصيرته فعرف أن الله قد
أعطى كل شيء خلقه فأعطى السمع خلقه فلا يتعدى إدراكه، وجعل العقل فقيراً إليه يستمد
منه معرفة الأصوات وتقطيع الحروف وتغيير الألفاظ وتنوّع اللغات، فيفرّق بين صوت الطير،
وهبوب الرياح، وصرير الباب، وخرير الماء، وصياح الإنسان، ويعار الشاة، وثؤاج
الكباش، وخوار البقر، ورغاء الإبل، وما أشبه هذه الأصوات كلها، وليس في قوّة العقل من
حيث ذاته إدراك شيء من هذا ما لم يوصله إليه السمع، وكذلك القوّة البصرية جعل الله العقل
فقيراً إليها فيما توصله إليه من المبصرات، فلا يعرف الخضرة ولا الصفرة ولا الزرقة ولا
البياض ولا السواد ولا ما بينهما من الألوان ما لم ينعم البصر على العقل بها، وهكذا جميع
القوى المعروفة بالحواس، ثم إن الخيال فقير إلى هذه الحواس، فلا يتخيل أصلاً إلاَّ ما تعطيه
هذه القوى، ثم إن القوة الحافظة إن لم تمسك على الخيال ما حصل عنده من هذه القوى لا
يبقى في الخيال منها شيء فهو فقير إلى الحواس وإلى القوّة الحافظة.
ثم إن القوّة الحافظة قد تطرأ عليها موانع تحول بينها وبين الخيال فيفوت الخيال أمور

٤٣٦
في المعارف / الباب الثامن والخمسون في معرفة أسرار أهل الإلهام المستدلين ... الخ
كثيرة من أجل ما طرأ على القوّة الحافظة من الضعف لوجود المانع فافتقر إلى القوّة المذكرة
فتذكره ما غاب عنه فهي معينة للقوّة الحافظة على ذلك. ثم إن القوّة المفكرة إذا جاءت إلى
الخيال افتقرت إلى القوّة المصوّرة لتركب بها ممّا ضبطه الخيال من الأمور صورة دليل على
أمر ما، وبرهان تستبد فيه إلى المحسوسات أو الضرورات وهي أمور مركوزة في الجبلة، فإذا
تصوّر الفكر ذلك الدليل حينئذ يأخذه العقل منه فيحكم به على المدلول، وما من قوّة إلاَّ ولها
موانع وأغاليط فيحتاج إلى فصلها من الصحيح الثابت، فانظر يا أخي ما أفقر العقل حيث لا
يعرف شيئاً ممّا ذكرناه إلاّ بوساطة هذه القوى وفيها من العلل ما فيها، فإذا اتفق للعقل أن
يحصل شيئاً من هذه الأمور بهذه الطرق ثم أخبره الله بأمر ما توقف في قبوله وقال: إن الفكر
يردّه، فما أجهل هذ العقل بقدر ربّه كيف قلّد فكره وجرّح ربه، فقد علمنا أن العقل ما عنده
شيء من حيث نفسه، وأن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول، فإذا
كان بهذه المثابة فقبوله من ربه لما يخبر به عن نفسه تعالى أولى من قبوله من فكره، وقد
عرف أن فكره مقلد لخياله، وأن خياله مقلد لحواسه، ومع تقليده فهو غير قويّ على إمساك
ما عنده ما لم تساعده على ذلك القوّة الحافظة والمذكرة، ومع هذه المعرفة بأن القوى لا
تتعدى خلقها وما تعطيه حقيقتها وأنه بالنظر إلى ذاته لا علم عنده إلا الضروريات التي فطر
عليها لا يقبل قول من يقول له: إن ثم قوّة أخرى وراءك تعطيك خلاف ما أعطتك القوّة
المفكرة نالها أهل الله من الملائكة والأنبياء والأولياء ونطقت بها الكتب المنزلة فاقبل منها هذه
الأخبار الإلهية فتقليد الحق أولى، وقد رأيت عقول الأنبياء على كثرتهم والأولياء قد قبلتها
وآمنت بها وصدقتها، ورأت أن تقليدها ربها في معرفة نفسه أولى من تقليد أفكارها. فما لك
أيها العاقل المنكر لها لا تقبلها ممّن جاء بها ولا سيما عقول تقول إنها في محل الإيمان بالله
ورسله و کتبه .
ولما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالى أن الله قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته
بأدلتها النظرية، علمت أن ثم علماً آخر بالله لا تصل إليه من طريق الفكر، فاستعملت
الرياضات والخلوات والمجاهدات وقطع العلائق والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل
وتقديس القلب عن شوائب الأفكار إذ كان متعلق الأفكار الأكوان، واتخذت هذه الطريقة من
الأنبياء والرسل، وسمعت أن الحق جلّ جلاله ينزل إلى عباده ويستعطفهم، فعلمت أن الطريق
إليه من جهته أقرب إليه من الطريق من فكرها ولا سيّما أهل الإيمان، وقد سمعت قوله
تعالى: مَنْ أتاني يسعى أتيته هرولة. وأن قلبه وسع جلال الله وعظمته، فتوجه إليه بكله
وانقطع من كل ما يأخذ عنه من هذه القوى، فعند هذا التوجّه أفاض الله عليه من نوره علماً
إلهياً عرّفه بأن الله تعالى من طريق المشاهدة والتجلي لا يقبله كون ولا يردّه ولذلك قال: إن
في ذلك يشير إلى العلم بالله من حيث المشاهدة لذكرى لمن كان له قلب ولم يقل غير ذلك
فإن القلب معلوم بالتقليب في الأحوال دائماً فهو لا يبقى على حالة واحدة، فكذلك التجليات
الإلهية، فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها فإن العقل يقيد وغيره من القوى إلاَّ القلب فإنه

٤٣٧
في المعارف / الباب الثامن والخمسون في معرفة أسرار أهل الإلهام المستدلين ... الخ
لا يتقيد وهو سريع التقلّب في كل حال، ولذا قال الشارع: إن القلب بين أصبعين من أصابع
الرحمن يقلبه كيف يشاء فهو يتقلب بتقلب التجليات والعقل ليس كذلك، فالقلب هو القوّة
التي وراء طور العقل، فلو أراد الحق فى هذه الآية بالقلب أنه العقل ما قال لمن كان له قلب
فإن كل إنسان له عقل، وما كل إنسان يعطى هذه القوّة التي وراء طور العقل المسمّاة قلباً في
هذه الآية فلذلك قال: لمن كان له قلب، فالتقليب في القلب نظير التحوّل الإلهيّ في الصور،
فلا تكون معرفة الحق من الحق إلاَّ بالقلب لا بالعقل، ثم يقبلها العقل من القلب كما يقبل من
الفكر، فلا يسعه سبحانه إلاَّ أن يقلب ما عندك، ومعنى قلب ما عندك هو أنك علقت المعرفة
به عزّ وجلّ وضبطت عندك في علمك أمراً ما، وأعلى أمر ضبطته في علمك به أنه لا ينضبط
سبحانه ولا يتقيد ولا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فلا ينضبط مضبوط لتميزه عمّا ينضبط، فقد
انضبط ما لا ينضبط مثل قولك: العجز عن درك الإدراك إدراك.
والحق إنما وسعه القلب، ومعنى ذلك أن لا يحكم على الحق تعالى بأنه لا يقبل ولا
يقبل، فإن ذات الحق وأنيته مجهولة عند الكون، ولا سيما وقد أخبر جلّ جلاله عن نفسه
بالنقيضين في الكتاب والسنّة، فشبّه في موضع ونزّه في موضع بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾
[سورة الشورى: الآية ١١] وشبّه بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فتفرّقت
خواطر التشبيه وتشتتت خواطر التنزيه، فإن المنزّه على الحقيقة قد قيّده وحصره في تنزيهه
وأخلى عنه التشبيه، والمشبه أيضاً قيّده وحصره في التشبيه وأخلى عنه التنزيه والحق في
الجمع بالقول بحكم الطائفتين، فلا ينزّه تنزيهاً يخرج عن التشبيه، ولا يشبه تشبيهاً يخرج عن
التنزيه، فلا تطلق ولا تقيد لتميزه عن التقييد، ولو تميّز بقيد في إطلاقه ولو تقيّد في إطلاقه لم
يكن هو، فهو المقيد بما قيّد به نفسه من صفات الجلال، وهو المطلق بما سمّى به نفسه من
أسماء الكمال، وهو الواحد الحق الجليّ الخفيّ لا إله إلاَّ هو العليّ العظيم.
وصل: وأمّا أسرار أهل الإلهام المستدلين فلا تتجاوز سدرة المنتهى فإن إليها تنتهي
أعمال بني آدم ونهاية كل أمر إلى ما منه بدأ، فإن قال لك عارف ممّن لا علم له بهذا الأمر:
إن الكرسيّ موضع القدمين، فقل له ذلك عالم الخلق والأمر والتكليف إنما انقسم من السدرة
فإنه قطع أربع مراتب والسدرة هي المرتبة الخامسة، فنزل من قلم، إلى لوح، إلى عرش، إلى
كرسيّ، إلى سدرة، فظهر الواجب من القلم، والمندوب من اللوح، والمحظور من العرش،
والمكروه من الكرسيّ، والمباح من السدرة، والمباح قسم النفس وإليها تنتهي نفوس عالم
السعادة، ولأصولها وهي الزقوم تنتهي نفوس أهل الشقاء، وقد بينّاها في كتاب التنزلات
الوصلية في باب يوم الاثنين.
وإذا ظهرت قسمة الأحكام من السدرة فإذا صعدت الأعمال التي لا تخلو من أحد هذه
الأحكام لا بدّ أن تكون نهايتها إلى الموضع الذي منه ظهرت، إذ لا تعرف من كونها منقسمة
إلى السدرة، ثم يكون من العقل الذي هو القلم نظر إلى الأعمال المفروضة فيمدّها بحسب ما
يرى فيها، ويكون من اللوح نظر إلى الأعمال المندوب إليها فيمدّها بحسب ما يرى فيها،

٤٣٨
في المعارف / الباب التاسع والخمسون في معرفة الزمان الموجود والمقدّر
ويكون من العرش نظر إلى المحظورات وهو مستوى الرحمن فلا ينظرها إلاَّ بعين الرحمة،
ولهذا يكون مآل أصحابها إلى الرحمة، ويكون من الكرسيّ نظر إلى الأعمال المكروهة فينظر
إليها بحسب ما يرى فيها وهو تحت حيطة العرش، والعرش مستوى الرحمن، والكرسي
موضع القدمين، فيسرع العفو والتجاوز عن أصحاب المكروه من الأعمال، ولهذا يؤجر
تاركها ولا يؤاخذ فاعلها فـ ﴿كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ﴾ [سورة المطففين: الآية ١٨] ويدخل فيهم
العصاة أهل الكبائر والصغائر، وأما ﴿كِنَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِينٍ﴾ [سورة المطففين: الآية ٧]. وفيه
أصول السدرة التي هي شجرة الزقوم، فهناك تنتهي أعمال الفجار في أسفل سافلين، فإن
رحمهم الرحمن من عرش الرحمانية بالنظرة التي ذكرناها جعل لهم نعيماً في منزلهم فلا
يموتون فيه ولا يحيون فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في
حال نومه من السرور، وربما يكون في فراشه مريضاً ذا بؤس وفقر ويرى نفسه في المنام ذا
سلطان ونعمة وملك، فإن نظرت إلى النائم من حيث ما يراه في منامه ويلتذ به قلت إنه في
نعيم وصدقت، وإن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن ومرضه وبؤسه وفقره
وكلومه قلت: إنه في عذاب هكذا يكون أهل النار ﴿ثُمَّ لَا يَعُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَ﴾ [سورة الأعلى: الآية
١٣] أي لا يستيقظ أبداً من نومته، فتلك الرحمة التي يرحم الله بها أهل النار الذين هم أهلها
وأمثالها، كالمحرور منهم يتنعم بالزمهرير، والمقرور منهم يجعل في الحرور، وقد يكون
عذابهم توهم وقوع العذاب بهم وذلك كله بعد قوله: ﴿لَا يُفَتَُّ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة
الزخرف: الآية ٧٥] ذلك زمان عذابهم وأخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمة التي سبقت
الغضب الإلهيّ، فإذا اطلع أهل الجنان في هذه الحالة على أهل النار ورأوا منازلهم في النار
وما أعد الله فيها وما هي عليه من قبح المنظر قالوا معذبون، وإذا كوشفوا على الحسن
المعنويّ الإلهيّ في خلق ذلك المسمّى قبحاً ورأوا ما هم فيه في نومتهم وعلموا أحوال
أمزجتهم قالوا منعمون، فسبحان القادر على ما يشاء لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم، فقد فهمت
قول الله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِهَا وَلَا يَحْيَى﴾ وقول رسول الله وَّرَ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا
فَإِنَّهُمْ لاَ يَمُوتُونَ فِيهَا وَلاَ يَحْيَوْنَ))، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب التاسع والخمسون
في معرفة الزمان الموجود والمقدّر
[نظم: البسيط]
إنّ الزمانَ إذا حقَّقْتَ حاصِلَهُ
مثلُ الطبيعة في التأثير قوَّتُه
به تعيَّنَتِ الأشيا وليس له
العقلُ يعجز عن إدراك صورَته
لولا التنزُّهُ ما سمّى الإلهُ به
محقّقٌ فهو بالأوهام معلُومُ
والعينُ منها ومنه فيه معدومُ
عينٌ یکون علیه منه تَخکیمُ
لذا نقول بأن الدَّهْرَ مَوْهُومُ
وجودَه فله في القلب تعظيمُ

٤٣٩
في المعارف / الباب التاسع والخمسون في معرفة الزمان الموجود والمقدّر
فحكمُه أزليٍّ وهو محكومُ
أصلُ الزمان إذا أَنْصَفْتَ من أزل
في غير جسم بوهم فيه تَجْسیمُ
مثلُ الخلاء امتدادٌ ما له طَرَفْ
اعلم أوّلاً أن الله تعالى هو الأول الذي لا أولية لشيء قبله، ولا أولية لشيء يكون قائماً
به أو غير قائم به معه، فهو الواحد سبحانه في أوليته، فلا شيء واجب الوجود لنفسه إلاَّ هو،
فهو الغنيّ بذاته على الإطلاق عن العالمين، قال تعالى: ﴿اَللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ٩٧] بالدليل العقليّ والشرعيّ، فوجود العالم لا يخلو إما أن يكون وجوده عن الله لنفسه
سبحانه أو لأمر زائد ما هو نفسه، إذ لو كان نفسه لم يكن زائداً، ولو كان نفسه أيضاً لكان
مركباً في نفسه، وكانت الأولية لذلك الأمر الزائد، وقد فرضنا أنه لا أولية لشيء معه ولا
قبله، فإذا لم يكن ذلك الأمر الزائد نفسه فلا يخلو إما أن يكون وجوداً أو لا وجوداً، محال أن
يكون لا وجود فإن لا وجود لا يصحّ أن يكون له أثر إيجاد فيما هو موصوف بأن لا وجود
وهو العالم، فليس أحدهما بأولى بتأثير الإيجاد من الآخر إذ كلاهما أن لا وجود، فإن لا
وجود لا أثر له لأنه عدم، ومحال أن يكون وجوداً فإنه لا يخلو عند ذلك إما أن يكون وجوده
لنفسه أو لا يكون، محال أن يكون وجوده لنفسه فإنه قد قام الدليل على إحالة أن يكون في
الوجود اثنان واجبا الوجود لأنفسهما فلم يبق إلاَّ أن يكون وجوده بغيره، ولا معنى لإمكان
العالم إلاَّ أن وجوده بغيره فهو العالم إذن أو من العالم، ولو كان وجود العالم عن الله لنسبة ما
لولاها ما وجد العالم تسمّى تلك النسبة إرادة أو مشيئة أو علماً أو ما شئت ممّا يطلبه وجود
الممكن، فيكون الحق تعالى بلا شك لا يفعل شيئاً إلاَّ بتلك النسبة، ولا معنى للافتقار إلاَّ
هذا وهو محال على الله، فإن الله له الغنى على الإطلاق فهو كما قال: ﴿غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾.
فإن قيل: إنّ المراد بالنسبة عين ذاته. قلنا: فالشيء لا يكون مفتقراً إلى نفسه فإنه غني
لنفسه، فيكون الشيء الواحد فقيراً من حيث ما هو غني كل ذلك لنفسه وهو محال وقد نفینا
الأمر الزائد، فاقتضى ذلك أن يكون وجود العالم من حيث ما هو موجود بغيره مرتبطاً
بالواجب الوجود لنفسه وإن عين الممكن محل تأثير الواجب الوجود لنفسه بالإيجاد ولا يعقل
إلاَّ هكذا، فمشيئته وإرادته وعلمه وقدرته ذاته تعالى الله أن يتكثر في ذاته ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [سورة
الإسراء: الآية ٤] بل له الوحدة المطلقة وهو الواحد الأحد ﴿اَللَّهُ الصََّمَدُ لَمْ يَلِدْ﴾ [سورة
الإخلاص: الآية ٢، ٣] فيكون مقدّمة ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ فيكون نتيجة ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوْا أَحَدٌ﴾
[سورة الإخلاص: الآية ٤] فيكون به وجود العالم نتيجة عن مقدمتين عن الحق والكفؤ تعالى الله،
وبهذا وصف نفسه سبحانه في كتابه لما سئل النبيّ وَّر عن صفة ربه فنزلت سورة الإخلاص،
تخلصت من الاشتراك مع غيره تعالى الله في تلك النعوت المقدسة والأوصاف، فما من شيء
نفاه في هذه السورة ولا أثبته إلاّ وذلك المنفيّ أو المثبت مقالة في الله لبعض الناس.
وبعد أن بينًا لك ما ينبغي أن يكون عليه من نحن مفتقرون إليه وهو الله سبحانه، فلنبين
ما بوّبنا عليه. فاعلم أن نسبة الأزل إلى الله نسبة الزمان إلينا، ونسبة لأزل نعت سلبيّ لا عين
له، فلا يكون عن هذه الحقيقة وجود، فيكون الزمان للممكن نسبة متوهمة الوجود لا

٤٤٠
في المعارف / الباب التاسع والخمسون في معرفة الزمان الموجود والمقدّر
موجودة، لأن كلّ شيء تفرضه يصحّ عنه السؤال بمتى ومتى سؤال عن زمان، فلا بدّ أن يكون
الزمان أمراً متوهماً لا وجوداً، ولهذا أطلقه الحق على نفسِه في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٠] و﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٤] وفي السنّة
تقرير قول السائل: أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ ولو كان الزمان أمراً وجودياً في نفسه ما
صحّ تنزيه الحق عن التقييد، إذ كان حكم الزمان يقيده، فعرفنا أن هذه الصيغ ما تحتها أمر
وجوديّ. ثم نقول: إن لفظة الزمان اختل الناس في معقولها ومدلولها، فالحكماء تطلقه بإزاء
أمور مختلفة وأكثرهم على أنه مدّة متوهمة تقطعها حركات الأفلاك، والمتكلمون يطلقونه
بإزاء أمر آخر وهو مقارنة حادث لحادث يسأل عنه بمتى والعرب تطلقه وتريد به الليل والنهار
وهو مطلوبنا في هذا الباب، والليل والنهار فصلا اليوم، فمن طلوع الشمس إلى غروبها يسمّى
نهاراً، ومن غروب الشمس إلى طلوعها يسمّى ليلاً، وهذه العين المفصلة تسمى يوماً، وأظهر
هذا اليوم وجود الحركة الكبرى، وما في الوجود العينيّ إلاَّ وجود المتحرّك لا غير وما هو
عين الزمان، فرجع محصول ذلك إلى أن الزمان أمر متوهم لا حقيقة له.
وإذا تقرّر هذا فاليوم المعقول المقدر هو المعبر عنه بالزمان الموجود، وبه تظهر
الجمعات والشهور والسنون والدهور وتسمّى أيام، وتقدّر بهذا اليوم الأصغر المعتاد الذي
فصّله الليل والنهار، فالزمان المقدّر هو ما زاد على هذا اليوم الأصغر الذي تقدّر به سائر الأيام
الكبار، فيقال: ﴿فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [سورة السجدة: الآية ٥] وقال: ﴿في
يَوْمٍ كَانَ مِقُدَارُمُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ﴾ [سورة المعارج: الآية ٤]. وقال عليه السلام في أيام الدجال: ((يَوْمٌ
كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ)) فقد يكون هذا لشدة الهول فرفع
الإشكال، ظاهر إتمام الحديث في قول عائشة: ((فَكَيْفَ يُفْعَلُ فِي الصَّلاَةِ فِي ذُلِكَ اليَوْمِ؟ قالَ:
يقْدرُ لَهَا)) فلولا أنّ الأمر في حركات الأفلاك على ما هو عليه باق ما اختلّ ما صح أن يقدر
لذلك بالساعات التي يعمل صورتها أهل هذا العلم، فيعلمون بها الأوقات في أيام الغيم إذ لا
ظهور للشمس، فيكون في أول خروج الدجال تكثر الغيوم وتتوالى بحيث أن يستوي في رأي
العين وجود الليل والنهار وهو من الأشكال الغريبة التي تحدث في آخر الزمان، فيحول ذلك
الغيم المتراكم بيننا وبين السماء والحركات كما هي، فتظهر الحركات في الصنائع العملية التي
عملها أهل صنعة العلماء بالهيئة ومجاري النجوم فيقدرون بها الليل والنهار وساعات الصلوات
بلا شك، ولو كان ذلك اليوم الذي هو كسنة يوماً واحداً لم يلزمنا أن نقدر للصلوات، فإنا
ننتظر زوال الشمس فما لم تزل لا نصلي الظهر المشروع، ولو أقامت لا تزول ما مقداره
عشرون ألف سنة لم يكلفنا الله غير ذلك.
فلما قرّر الشارع العبادة بالتقدير عرفنا أن حركات الأفلاك على بابها لم يختل نظامها،
فقد أعلمتك ما هو الزمان وما معنى نسبة الوجود إليه ونسبة التقدير، فالأيام كثيرة ومنها كبير
وصغير، فأصغرها الزمن الفرد وعليه يخرج كل يوم هو في شأن، فسمّى الزمن الفرد يوماً لأن
الشأن يحدث فيه فهو أصغر الأزمان وأدقّها ولا حدّ لأكبرها يوقف عنده وبينهما أيام متوسطة