Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ في المعارف/ الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم قرّره على شرع منسوخ عنده في هذه الملة وهو الصادق في دعواه وَّر أنه بعث إلى الناس كافّة كما ذكر الله تعالى فيه، فعمت رسالته جميع الخلق، وروح هذا التعريف أنه كل من أدركه زمانه وبلغت إليه دعوته لم يتعبده الله إلاَّ بشرعه، فإنا نعلم قطعاً أنه ربَّ ما شافَهَ جميع الناس بالخطاب في زمانه فما هو إلاّ الوجه الذي ذكرنا، وهذا الراهب من العيسويين الذين ورثوا عيسى عليه السلام إلى زمان بعثة محمد وَل﴿ فلما بعث محمد ثُمَّ تعبّد الله هذا الراهب بشرعه وَّلّ وعلمه من لدنه علماً بالرحمة التي آتاه من عنده، كان ورثه أيضاً حالة عيسوية من محمد ◌ّ فلم يزل عيسوياً في الشريعتين. ألا ترى هذا الراهب قد أخبر بنزول عيسى عليه السلام وأخبر أنه إذا نزل يقتل الخنزير ويكسر الصليب، أتراه بقي على تحليل لحم الخنزير؟ فلم يزل هذا الراهب عيسوياً في الشريعتين فله الأجر مرتين: أجر اتباعه نبيه، وأجر اتباعه محمداً وَّر، وهو في انتظار عيسى إلى أن ينزل، وهؤلاء الصحابة قد رأوه مع نضلة، وما سألوه عن حاله في الإسلام والإيمان ولا بما يتعبد نفسه من الشرائع لأنّ النبيّ بَّ ما أمرهم بسؤال مثله، فعلمنا قطعاً أنّ النبيّ وَّة لا يقرّ أحداً على الشرك، وعلم أن لله عباداً يتولى الحق تعليمهم من لدنه علم ما أنزله على محمد مرَّه رحمة منه وفضلاً ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ١١٣] ولو كان ممّن يؤدّي الجزية لقلنا إن الشرع المحمدي قد قرّر له دينه ما دام يعطي الجزية، وهذه مسألة دقيقة في عموم رسالته، وأنه بظهوره لم يبق شرع إلاَّ ما شرعه، ومما شرع تقريرهم على شرعهم ما داموا يعطون الجزية إذا كانوا من أهل الكتاب، وكم لله تعالى من هؤلاء العباد في الأرض، فأصل العيسويين كما قررناه تجريد التوحيد من الصور الظاهرة في الأمّة العيسوية، والمثل التي لهم في الكنائس من أجل أنهم على شريعة محمد ول#، ولكن الروحانية الحالية التي هم عليها عيسوية في النصارى وموسوية في اليهود من مشكاة محمد وَلّم من قوله اليه : ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) والله في قبلة المصلي، وأن العبد إذا صلَّى استقبل ربّه، ومن كل ما ورد في الله من أمثال هذه النسب. وليس للعيسوي من هذه الأمّة من الكرامات المشي في الهواء ولكن لهم المشي على الماء، والمحمدي يمشي في الهواء بحكم التبعية فإن النبيّ وَّ ليلة أسري به وكان محمولاً قال في عيسى عليه السلام: ((لَو ازْدَادَ يَقِيناً لَمَشَى فِي الهَوَاءِ)) ولا شك أن عيسى عليه السلام أقوى في اليقين منّا بما لا يتقارب فإنه من أولي العزم من الرسل، ونحن نمشي في الهواء بلا شك، وقد رأينا خلقاً كثيراً ممّن يمشي في الهواء في حال مشيهم في الهواء، فعلمنا قطعاً أن مشينا في الهواء إنما هو بحكم صدق التبعية لا بزيادة اليقين على يقين عيسى عليه السلام، قد علم كل منّا مشربه بحكم التبعية لمحمد ◌َّ من الوجه الخاص الذي له هذا المقام لا من قوّة اليقين كما قلنا الذي كنّا نفضل به عيسى عليه السلام حاشى الله أن نقول بهذا، كما أن أمّة عيسى يمشون على الماء بحكم التبعية لا بمساواة يقينهم يقين عيسى عليه السلام، فنحن مع الرسل في خرق العوائد الذين اختصوا بها من الله، وظهر أمثالها علينا بحكم التبعية كما مثلناه ٣٤٢ في المعارف / الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم في كتاب اليقين لنا أن لمماليك الخواص الذين يمسكون نعال أستاذيهم من الأمراء إذا دخلوا على السلطان وبقي بعض الأمراء خارج الباب حين لم يؤذن لهم في الدخول أترى المماليك الداخلين مع أستاذيهم أرفع منصباً من الأمراء الذين ما أذن لهم؟ فهل دخلوا إلاَّ بحكم التبعية الأستاذيهم؟ بل كل شخص على رتبته، فالأمراء متميزون على الأمراء، والمماليك متميزون على المماليك في جنسهم، كذلك نحن مع الأنبياء فيما يكون للأتباع من خرق العوائد. ثم إن النبيّ ◌َّ ما مشى في الهواء إلاَّ محمولاً على البراق كالراكب وعلى الرفرف كالمحمول في المحفة، فأظهر البراق والرفرف صورة المقام الذي هو عليه في نفسه بأنه محمول في نفسه ونسبة أيضاً إلهية من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] ومن قوله: ﴿وَيَّلُ عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [سورة الحاقة: الآية ١٧] فالعرش محمول فهذا حمل كرامة بالحاملين، وحال راحة ومجد وعزّ للمحمولين، وقد قرّرنا لك في غير موضع أن المحمول أعلى من غير المحمول في هذا المقام وأمثاله، وأنه لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ممّا اختصّ به الحملة وإن كان جميع الخلق محمولين، ولكن لم يكشف ذلك الحمل لكل أحد، وإن كان الحمل على مراتب حمل عن عجز وحمل عن حقيقة كحمل الأثقال وحمل عن شرف ومجد، فالعناية بهذه الطائفة أن يكونوا محمولين ظاهراً كما هو الأمر في نفسه باطناً لتبريهم من الدعوى كما قررناه في بابه . وللعيسويين همة فعالة ودعاء مقبول وكلمة مسموعة، ومن علامة العيسويين إذا أردت أن تعرفهم فتنظر كل شخص فيه رحمة بالعالم وشفقة عليه كان من كان، وعلى أي دين كان، وبأية نحلة ظهر، وتسليم لله فيهم لا ينطقون بما تضيق الصدور له في حق الخلق أجمعين عند خطابهم عباد الله، ومن علامتهم أنهم ينظرون من كل شيء أحسنه ولا يجري على ألسنتهم إلاَّ الخير، واشتركت في ذلك الطبقة الأولى والثانية، فالأولى: مثل ما روي عن عيسى عليه السلام أنه رأى خنزيراً فقال له: انج بسلام، فقيل له في ذلك فقال: أعوّد لساني قول الخير. وأمّا الثانية: فإنّ النبيّ وَّ قال في الميتة حين مرّ عليها: ما أحسن بياض أسنانها، وقال من كان معه: ما أنتن ريحها. وأن النبيّ وَّر وإن كان قد أمر بقتل الحيات على وجه خاص وأخبر أن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية ومع هذا فإنه كان بالغار في منى وقد نزلت عليه سورة والمرسلات، وبالمرسلات يعرف الغار إلى الآن دخلته تبركاً فخرجت حية وابتدر الصحابة إلى قتلها فأعجزهم فقال رسول الله وَرَ: ((إِنَّ اللَّهَ وَقَاها شَرَّكُم كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا)). فسمّاه شرّاً مع كونه مأموراً به مثل قوله تعالى في القصاص: ﴿وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَيِئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٠] فسمّى القصاص سيئة وندب إلى العفو فما وقعت عينه وَ ◌ّر إلاَّ على أحسن ما كان في الميتة، فهكذا أولياء الله لا ينظرون من كل منظور إلاَّ أحسن ما فيه وهم العمي عن مساوي الخلق لا عن المساوي لأنهم مأمورون باجتنابها، كما هم صمّ عن سماع الفحشاء، كما هم البكم عن التلفظ بالسوء من القول وإن كان مباحاً في بعض المواطن، هكذا عرفناهم فسبحان من اصطفاهم واجتباهم وهداهم إلى صراط مستقيم ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَهُدَ هُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠]. ٣٤٣ في المعارف / الباب السابع والثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم فهذا مقام عيسى عليه السلام في محمد وَل# لأنه تقدّمه بالزمان ونقلت عنه هذه الأحوال، قال تعالى لنبيه وَل حين ذكر في القرآن من ذكر من النبيين وعيسى في جملة من ذكر عليهم السلام: ﴿أُوْنَيِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ وإن كان مقام الرسالة يقتضي تبيين الحسن من القبيح ليعلم كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤] فإن بيَّن السوء في حق شخص فبوحي من الله كما قال في شخص: بئس ابن العشيرة والخضر قتل الغلام وقال فيه طبع كافراً وأخبر لو تركه بما يكون منه من السوء في حق أبويه وقال: ما فعلت ذلك عن أمري. فالذي للرجال من ذواتهم القول الحسن والنظر إلى الحسن والإصغاء بالسمع إلى الحسن، فإن ظهر منهم وقتاً ما خلاف هذا من نبيّ أو وليّ مرجوم فذلك عن أمر إلهيّ ما هو لسانهم، فهذا قد ذكرنا من أحوال العيسويين ما يسره الله على لساني، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم فاعلم أيّدك الله بروح القدس أن : [البسيط] القطبُ من ثبتَتْ في الأمر أقدامُهْ والعيسويُّ الذي يوماً له رفِعَتْ وجاءه من أبيه كلٌّ رائحةٍ له الحياةُ فيحيي من يشاء بها فلو تراه وقد جاءته آيتُه مواجهاً بلسان أنت قلتَ لهم جوابه قيل ما قد قيل فاغفُ ولا صلَّى عليه إلهُ الخلق من رجلٍ والعيسويُّ الذي يُبْديه قدَّامُه بين النبيين في الأشهاد أعلامُهْ كالمسك في شمّها بالوحي أعلامُه فلا يموتُ ولا تفنيه أيامُهْ تسعى لتَظْهَرَ في الأكوان أحکامُه بأنك الله وهو الله علاَّمُهْ تنظُرْ لجرم الذي أرداه إجرامُه أعطى وأعطى الذي أعطاه إكرامُه اعلم أيّدك الله بروح القدس أنا قد عرفناك أنّ العيسوي من الأقطاب هو الذي جمع له الميراثان: الميراث الروحاني الذي يقع به الانفعال، والميراث المحمدي، ولكن من ذوق عيسى عليه السلام لا بدّ من ذلك، وقد بيّنا مقاماتهم وأحوالهم، فلنذكر في هذا الباب نبذاً من أسرارهم، فمنها: أنهم إذا أرادوا أن يعطوا حالاً من الأحوال التي هم عليها وهي تحت سلطانهم لما يرون في ذلك الشخص من الاستعداد إمّا بالكشف وإمّا بالتعريف الإلهيّ، فيلمسون ذلك الشخص، أو يعانقونه، أو يقبلونه، أو يعطونه ثوباً من لباسهم، أو يقولون له : ابسط ثوبك ثم يغرفون له ممّا يريدون أن يعطوه، والحاضر ينظر أنهم يغرفون في الهواء ويجعلونه في ثوبه على قدر ما يحدّ لهم من الغرفات ثم يقولون له: ضم ثوبك مجموع الأطراف إلى صدرك أو البسه على قدر الحال التي يحبّون أن يهبوه إياها، فأيّ شيء فعلوا من ذلك سرى ذلك الحال في ذلك الشخص المأمور المراد به من وقته لا يتأخر، وقد رأينا ذلك ٣٤٤ في المعارف / الباب السابع والثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم لبعض شيوخنا جاء لأقوام من العامة فيقول لي: هذا شخص عنده استعداد فيقرب منه فإذا لمسه أو ضرّبه بصدره في ظهره قاصداً أن يهبه ما أراد سرى فيه ذلك الحال من ساعته وخرج ممّا كان فيه وانقطع إلى ربّه، وكان أيضاً له هذه الحال مكي الواسطي المدفون بمكة تلميذ أزدشير كان إذا أخذه الحال يقول لمن يكون حاضراً معه: عانقني أو تعرف الحاضر أمره، فإذا رآه متلبساً بحاله عانقه فيسري ذلك الحال في هذا الشخص ويتلبس به . شكى جابر بن عبد الله لرسول الله و38َّ أنه لا يثبت على ظهر الفرس فضرب في صدره بيده فما سقط عن ظهر فرس بعد. ونخس رسول الله ## مركوباً كان تحت بعض أصحابه بطيئاً يمشي به في آخر الناس فلما نخسه لم يقدر صاحبه على إمساكه وكان يتقدّم على جميع الركاب. وركب رسول الله ◌َو فرساً بطيئاً لأبي طلحة يوم أغير على سرح رسول الله وَل فقال رسول الله وَل# في حق ذلك الفرس: إن وجدناه لبحراً، فما سبق بعد ذلك. وشكى لرسول الله وَ لو أبو هريرة أنه ينسى ما يسمعه من رسول الله وَله فقال له: ((يَا أَبَا هُرَيْرَة ابْسطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطَ أَبُو هُرَيْرَةَ رِدَاءَهُ فَاغْتَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ غَرْفَةً مِنَ الهَوَاءِ أَوْ ثَلاَثَ غَرِفَاتٍ وَأَلْقَاهَا فِي رِدَاءِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ لَهُ: ضُمَّ رِدَاءَكَ إِلَى صَدْرِكَ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ فَمَا نَسِيَ بَعْدَ ذُلِكَ شَيْئاً يَسْمَعُهُ)). وهذا كله من هذا المقام. فانظر في سرّ هذا الأمر أنه ما ظهر شيء من ذلك إلاَّ بحركة محسوسة لإثبات الأسباب التي وضعها الله ليعلم أن الأمر الإلهيّ لا ينخرم وأنه في نفسه على هذا الحدّ، فيعرف العارف من ذلك نسب الأسماء الإلهية وما ارتبط بها من وجود الكائنات، وأنّ ذلك تقتضيه الحضرة الإلهية لذاتها، فتصرف العالم المحقق بهذه الأمور والتنبيهات الإلهية على أنّ الحكمة فيما ظهر وأنّ ذلك لا يتبدّل، وأنّ الأسباب لا ترفع أبداً، وكل من زعم أنه رفع سبباً بغير سبب فما عنده علم لا بما رفع به ولا بما رفع، فلم يمنح عبد شيئاً أفضل من العلم والعمل به، وهذه أحوال الأدباء من عباد الله تعالى. ومن أسرارهم أيضاً أنهم يتكلمون في فصول البلاغة في النطق ويعلمون إعجاز القرآن ولم يعلم منهم ولا حصل لهم من العلم بلسان العرب، والتحقّق به على الطريقة المعهودة من قراءة كتب الأدب ما يعلم أنهم حصل لهم ذلك من هذه الجهة، بل كان ذلك لهم من الهبات الإلهية بطريق خاص يعرفونه من نفوسهم إذا أعطوا العبارة عن الذي يرد عليهم في بواطنهم من الحقائق وهم أميون، وإن أحسنوا الكتابة من طريق النقش ولكن هم عوام الناس، فينطقون بما هو خارج في المعتاد عن قوتهم إذ لم يكونوا من العرب، وإن كانوا من العرب فلم يكونوا إلاَّ بالنسب لا باللسان فيعرف الإعجاز فيه منه، فمن هنالك يعرف إعجاز القرآن وذلك قول الحق. قيل لي في بعض الوقائع: أتعرف ما هو إعجاز القرآن؟ قلت: لا. قال: كونه إخباراً عن حق التزم الحق يكن كلامك معجزاً، فإن المعارض للقرآن أوّل ما يكذب فيه أنه يجعله من الله وليس من الله فيقول على الله ما لا يعلم فلا يثمر ولا يثبت، فإن الباطل زهوق لا ثبات له. ثم يخبر في كلامه عن أمور مناسبة للسورة التي يريد معارضتها بأمور تناسبها في الألفاظ ممّا لم يقع ولا كانت فهي باطل والباطل عدم والعدم لا يقاوم الوجود، والقرآن إخبار عن أمر وجودي حق في نفس الأمر، ٣٤٥ في المعارف / الباب السابع والثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم فلا بدّ أن يعجز المعارض عن الإتيان بمثله، فمن التزم الحق في أفعاله وأقواله وأحواله فقد امتاز عن أهل زمانه وعن كل من لم يسلك مسلكه فأعجز من أراد التصوّر على مقامه من غير حق . ومن أسرارهم أيضاً علم الطبائع وتأليفها وتحليلها ومنافع العقاقير يعلم ذلك منها كشفاً. خرج شيخنا أبو عبد الله الغزال كان بالمرية رحمه الله في حال سلوكه من مجلس شيخه أبي العباس بن العريف وكان ابن العريف أديب زمانه فهو بالأحرش بطريق الصماد حية إذ رأى أعشاب ذلك المرج كلها تخاطبه بمنافعها فتقول له الشجرة أو النجم: خذني فإني أنفع لكذا وأدفع من المضار كذا حتى ذهل وبقي حائراً من نداء كل شجرة منها تحبباً له وتقرّباً منه، فرجع إلى الشيخ وعرّفه بذلك فقال له الشيخ: ما لهذا خدمتنا أين كان منك الضارّ النافع حين قالت لك الأشجار أنها نافعة ضارة، فقال: يا سيدي التوبة، قال له الشيخ: إن الله فتنك واختبرك فإني ما دللتك إلاَّ على الله لا على غيره، فمن صدق توبتك أن ترجع إلى ذلك الموضع فلا تكلمك تلك الأشجار التي كلمتك إن كنت صادقاً في توبتك، فرجع أبو عبد الله الغزال إلى الموضع فما سمع شيئاً ممّا كان قد سمعه، فسجد لله شكراً ورجع إلى الشيخ فعرفه فقال الشيخ: الحمد لله الذي اختارك لنفسه ولم يدفعك إلى كون مثلك من أكوانه تشرف به وهو على الحقيقة يشرف بك، فانظر همته رضي الله عنه. وإذا علم أسرار الطبائع ووقف على حقائقها علم من الأسماء الإلهية التي علمها الله آدم عليه السلام نصفها وهي علوم عجيبة، لما أطلعنا الله عليها من هذه الطريقة رأينا أمراً هائلاً، وعلمنا من سرّ الله في خلقه، وكيف سرّ الاقتدار الإلهي في كل شيء، فلا شيء ينفع إلاَّ به، ولا يضر إلاَّ به، ولا ينطق إلاَّ به، ولا يتحرك إلاَّ به، وحجب العالم بالصور فنسبوا كل ذلك إلى أنفسهم وإلى الأشياء والله يقول: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] وكلامه حق وهو خبر، ومثل هذه الأخبار لا يدخلها النسخ، فلا فقر إلاَّ إلى الله، ففي هذه الآية تسمّى الله بكل شيء يفتقر إليه، ومن هذا الباب يكون الفقير من يفتقر إلى كل شيء ولا يفتقر إليه شيء، فيتناول الأسباب على أوضاعها الحكمية لا يخل بشيء منها، وهذا الذوق عزيز ما رأينا أحداً عليه فيمن رأيناه، ولا نقل إلينا سماعاً لا في المتقدّم ولا في المتأخر، لكن رأينا ونقل إلينا عن جماعة إثبات الأسباب وليس من هذا الباب، فإن الذي نذكره ونطلبه سريان الألوهية في الأسباب أو تجليات الحق خلف حجاب الأسباب في أعيان الأسباب أو سريان الأسباب في الألوهية، هذا هو الذي لم نجد له ذائقاً إلاَّ قول الله تعالى، فهي الآية اليتيمة في القرآن لا يعرف قدرها إذ لا قيمة لها، وكل ما لا قيمة له ثبت بالضرورة أنه مجهول القدر ولو اعتقدت فيه النفاسة . ومن أسرارهم أيضاً معرفة النشأتين فى الدنيا، وهى النشأة الطبيعية والنشأة الروحانية وما أصلهما، ومعرفة النشأتين في الدار الآخرة الطبيعية والروحانية وما أصلهما، ومعرفة النشأتين: نشأة الدنيا ونشأة الآخرة فهي ستة علوم لا بدّ من معرفتها . ٣٤٦ في المعارف/ الباب الثامن والثلاثون في معرفة من اطلع على المقام المحمديّ ولم ينله من الأقطاب ومن أسرارهم أنه ما منهم شخص كمل له هذا المقام إلاَّ ويوهب ستمائة قوّة إلهية ورثها من جدّه الأقرب لأبيه فيفعل بها بحسب ما تعطيه، فإن شاء أخفاها وإن شاء أظهرها، والإخفاء أعلى، فإن العبودة إنما تأخذ من القوى ما تستعين بها على أداء حق أوامر سيدها لثبوت حكم عبوديتها، وكل قوّة تخرجه عن هذا الباب بالقصد فليس هو مطلوباً لرجال الله فإنهم لا يزاحمون ذا القوّة المتين، فإنّ الله ما طلب منهم أن يطلبوا العون منه إلاّ في عبادته، لا أن يظهروا بها ملوكاً أرباباً كما زعمت طائفة من أهل الكتاب ممّن اتخذوا عيسى رباً قالوا: إن محمداً يطلب منّا أن نعبده كما عبدنا عيسى فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦٤]. ومن أسرارهم أيضاً أنهم لا يتعدّون في معارجهم من حيث أبيهم السماء الثانية إلاَّ أن يتوجهوا إلى الجدّ الأقرب، فربما ينتهي بعضهم إلى السدرة المنتهى وهي المرتبة التي تنتهي إليها أعمال العباد لا تتعداها، ومن هناك يقبلها الحق وهي برزخها إلى يوم القيامة الذي يموت فيه صاحب ذلك العمل، ويكفي هذا القدر من علم أسرار هذه الجماعة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء العشرون. (الجزء الحادي والعشرون) بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ الباب الثامن والثلاثون في معرفة من اطلع على المقام المحمديّ ولم ينله من الأقطاب [نظم: الكامل] بين النبوّة والولاية فارقٌ يعنولها الفلكُ المحيطُ بسرِّه إن النبوّةً والرسالة كانتا لكنْ لها الشرفُ الأتمُّ الأعْظَمُ وكذلك القلمُ العليُّ الأفخَمُ وقد انتهت ولها السبيلُ الأقْوَمُ في ذاته فله البقاءُ الأدْوَمُ وأقام بيتاً للولاية مُحكَماً فيكون عند بلوغه يتهَدَّمُ لا تطلبَنْهُ نهايةً يسعى لها فهو الوليُّ فَقَهْرُه متحكُمُ صفةُ الدوام لذاته نَفْسِيَّةٌ يأوي إليه نبيُّه ورسولُه والعالمُ الأعلى ومن هو أقدَمُ ثبت أن رسول الله وَّ﴿ه قال: ((إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ فَلاَ رَسُولَ بَعْدِي وَلاَ نَبِيَّ)) الحديث بكماله. فهذا الحديث من أشد ما جرعت الأولياء مرارته فإنه قاطع للوصلة بين الإنسان وبين عبوديته. وإذا انقطعت الوصلة بين الإنسان وبين عبوديته من أكمل الوجوه انقطعت الوصلة بين الإنسان وبين الله، فإن العبد على قدر ما يخرج به عن عبوديته ينقصه من تقريبه من سيده لأنه يزاحمه في أسمائه، وأقل المزاحمة الاسمية، فأبقى علينا اسم الولي وهو في المعارف / الباب الثامن والثلاثون في معرفة من اطلع على المقام المحمديّ ولم ينله من الأقطاب ٣٤٧ من أسمائه سبحانه، وكان هذا الاسم قد نزعه من رسوله وخلع عليه وسمّاه بالعبد والرسول ولا يليق بالله أن يسمّى بالرسول، فهذا الاسم من خصائص العبودية التي لا تصح أن تكون للرب، وسبب إطلاق هذا الاسم وجود الرسالة والرسالة قد انقطعت فارتفع حكم هذا الاسم بارتفاعها من حيث نسبتها بها من الله . ولما علم رسول الله وَلّ أن في أمّته من يجرع مثل هذا الكأس وعلم ما يطرأ عليهم في نفوسهم من الألم لذلك رحمهم فجعل لهم نصيباً ليكونوا بذلك عبيد العبيد فقال للصحابة: (لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)) فأمرهم بالتبليغ، كما أمرِه الله بالتبليغ لينطلق عليهم أسماء الرسل التي هيَ مخصوصة بالعبيد، وقال وَّ: ((رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا)) يعني حرفاً حرفاً، وهذا لا يكون إلاَّ لمن بلغ الوحي من قرآن أو سنة بلفظه الذي جاء به، وهذا لا يكون إلاَّ لنقلة الوحي من المقرئين والمحدثين ليس للفقهاء ولا لمن نقل الحديث على المعنى كما يراه سفيان الثوريّ وغيره نصيب ولا حظ فيه، فإن الناقل على المعنى إنما نقل إلينا فهمه في ذلك الحديث النبويّ، ومن نقل إلينا فهمه فإنما هو رسول نفسه ولا يحشر يوم القيامة فيمن بلغ الوحي كما سمعه وأدّى الرسالة، كما يحشر المقرىء والمحدث الناقل لفظ الرسول عينه في صف الرسل عليهم السلام، فالصحابة إذا نقلوا الوحي على لفظه فهم رسل رسول الله وَلَه والتابعون رسل الصحابة وهكذا الأمر جيلاً بعد جيل إلى يوم القيامة، فإن شئنا قلنا في المبلغ إلينا إنه رسول الله، وإن شئنا أضفناه لمن بلغ عنه، وإنما جوّزنا حذف الوسائط لأن رسول الله كان يخبره جبريل عليه السلام وملك من الملائكة، ولا نقول فيه رسول جبريل وإنما نقول فيه رسول الله كما قال الله تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢٩] وقال عزّ وجلّ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَباً أَحَدٍ مِّن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٠] مع قوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ الزُُّعُ الْأَمِينُّ عَلَى قَلِكَ﴾ [سورة الشعراء: الآيتان ١٩٤،١٩٣] ومع هذا فما أضافه الله إلاَّ إلى نفسه، فهذا القدر بقي لهم من العبودية وهو خير عظيم امتنّ به عليهم ومهما لم ينقله الشخص بسنده متصلاً غير منقطع فليس له هذا المقام ولا شمّ له رائحة، وكان من الأولياء المزاحمين الحق في الاسم الوليّ، فنقصه من عبوديته بقدر هذا الاسم، فلهذا اسم المحدث بفتح الدال أولى به من اسم الوليّ، فإن مقام الرسالة لا يناله أحد بعد رسول الله # إلاَّ بقدر ما بيناه فهو الذي أبقاه الحق تعالى علينا. ومن هنا تعرف مقام شرف العبودية وشرف المحدثين نقلة الوحي بالرواية، ولهذا اشتدّ علينا غلق هذا الباب، وعلمنا أن الله قد طردنا من حال العبودية الاختصاصية التي كان ينبغي لنا أن نكون عليها. وأمّا النبوّة فقد بيّناها لك فيما تقدم في باب معرفة الأفراد وهم أصحاب الركاب . ثم إنه تعالى من باب طردنا من العبودة ومقامها قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. ومن نحن حتى تقع القسمة بيننا وبينه وهو السيد الفاعل المحرك الذي يقوّلنا ٣٤٨ في المعارف / الباب الثامن والثلاثون في معرفة من اطلع على المقام المحمديّ ولم ينله من الأقطاب في قولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] وأمثال ذلك ممّا أضافه إلينا، وقد علمنا أن نواصينا بيده في قيامنا وركوعنا وسجودنا وجلوسنا وفي نطقنا. يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ اَلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٢] يقول الله: حمدني عبدي تفضّلاً منه، فإنه من قوّله بهذه اللفظة وما قدّره حتى يقول السيد: قال عبدي، وقلت له: هذا حجاب مسدل فينبغي للعبد أن يعرف أن لله مكراً خفياً في عباده، وكل أحد يمكر به على قدر علمه بربّه، فيأخذ هذا التكريم الإلهي ابتداء من الله مدرجاً في نعمة، فإذا صلَّى وتلا وقال: الحمد لله يقولها حكاية من حيث ما هو مأمور بها لتصحّ عبوديته في صلاته، ولا ينتظر الجواب ولا يقول ليجاب بل يشتغل بما كلّفه سيده به من العمل حتى يكون ذلك الجواب والإنعام من السيد لا من كونه قال: فإن القائل على الحقيقة خالق القول فيه فنسلم من هذا المكر وإن كان منزلة رفيعة ولكن بالنظر إلى من هو في غير هذه المنزلة ممّن نزل عنها، فما ورثنا من رسول الله وَلّر من هذا المقام الذي أغلق بابه دوننا إلاَّ ما ذكرناه من عناية الحق بمن كشف له عن ذلك ورزقه علم نقل الوحي بالرواية من كتاب وسنة، فما أشرف مقام أهل الرواية من المقرئين والمحدثين جعلنا الله ممّن اختص بنقله من قرآن وسنّة، فإن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، والحديث مثل القرآن بالنص فإنه وَّه ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآيتان ٣، ٤]. وممّن تحقق بهذا المقام معنا أبو يزيد البسطامي كشف له منه بعد السؤال والتضرّع قدر خرق الإبرة فأراد أن يضع قدمه فيه فاحترق فعلم أنه لا ينال ذوقاً وهو كمال العبودة، وقد حصل لنا منه وَلّ شعرة وهذا كثير لمن عرف فما عند الخلق منه إلاَّ ظلَّه، ولما أطلعني الله عليه لم يكن عن سؤال وإنما كان عن عناية من الله، ثم إنه أيّدني فيه بالأدب رزقاً من لدنه وعناية من الله بي فلم يصدر مني هناك ما صدر من أبي يزيد بل اطلعت عليه وجاء الأمر بالرقي في سلمه فعلمت أنّ ذلك خطاب ابتلاء وأمر ابتلاء لا خطاب تشريف، على أنه قد يكون بعض الابتلاء تشريفاً فتوقفت وسألت الحجاب فعلم ما أردت فوضع الحجاب بيني وبين المقام وشكر لي ذلك فمنحني منه الشعرة التي ذكرناها اختصاصاً إلهياً، فشكرت الله على الاختصاص بتلك الشعرة غير طالب بالشكر الزيادة، وكيف أطلب الزيادة من ذلك وأنا أسأل الحجاب الذي هو من كمال العبودية؟ فسرت فيّ العبودة وظهر سلطانها وحيل بيني وبين مرتبة السيادة لله الحمد على ذلك وكم طلبت إليها وما أجبت، ـحدا إن شاء الله أكون في الآخرة عبداً محضاً خالصاً، ولو ملكني جميع العالم ما ملكت منه إلاَّ عبوديته خاصة، حتى يقوم بذاتي جميع عبودية العالم، وللناس في هذا مراتب. فالذي ينبغي للعبد أن لا يزيد على هذا الاسم غيره، فإن أطلق الله ألسنة الخلق عليه بأنه وليّ الله ورأى أن الله قد أطلق عليه اسماً أطلقه تعالى على نفسه فلا يسمعه ممّن يسميه به إلاّ على أنه بمعنى المفعول لا بمعنى الفاعل حتى يشم فيه رائحة العبودية، فإن بنية فعيل قد تكون بمعنى الفاعل، وإنما قلنا هذا من أجل ما أمرنا أن نتخذه سبحانه وكيلاً فيما هو له ممّا نحن في المعارف / الباب الثامن والثلاثون في معرفة من اطلع على المقام المحمديّ ولم ينله من الأقطاب ٣٤٩ مستخلفون فيه، فإن في مثل هذا مكراً خفياً فتحفظ منه، ويكفي من التنبيه الإلهيّ العاصم من المكر كونك مأموراً بذلك فامتثل أمره واتخذه وكيلاً لا تدعي الملك فإنّ الله تولاك فإنه قال : ﴿ وَهُوَ يَتَوَّلَّى الصَّلِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٦] واسم الصالح من خصائص العبودية ولهذا وصف محمد رَّ نفسه بالصلاح فإنه ادَّعى حالة لا تكون إلاّ للعبيد الكمَّل، فمنهم من شهد له بها الحق عزّ وجلّ بشرى من الله فقال في عبده يحيى عليه السلام: ﴿َبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١١٢]. وقال في نبيه عيسى عليه السلام: ﴿وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤٦]. وقال في إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِنَّهُ فِىِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٣٠]. من أجل الثلاثة الأمور التي صدرت منه في الدنيا وهي قوله عن زوجته سارة إنها أخته بتأويل. وقوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ٨٩]، اعتذاراً. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٦٣] إقامة حجة، فبهذه الثلاثة يعتذر يوم القيامة للناس إذا سألوه أن يسأل ربه فتح باب الشفاعة فلهذا ذكر صلاحه في الآخرة إذ لم يؤاخذه بذلك كما قال الله تعالى لمحمد بَله: ﴿لِغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢]. وقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٣] فقدم البشرى قبل العتاب، وهذه الآية عندنا بشرى خاصة ما فيها عتاب بل هو استفهام لمن أنصف وأعطى أهل العلم حقّهم. وأما سليمان وأمثاله عليهم السلام فأخبرنا الحق أنه قال: ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادَِ الضَّالِحِينَ﴾ [سورة النمل: الآية ١٩] وإن كانوا صالحين في نفس الأمر عند الله فهم بين سائل في الصلاح ومشهود له به مع كونه نعتاً عبودياً لا يليق بالله، فما ظنك بالاسم الوليّ الذي قد تسمى الله به بمعنى الفاعل، فينبغي أن لا ينطلق ذلك الاسم على العبد وإن أطلقه الحق عليه فذلك إليه تعالى، ويلزم الإنسان عبوديته، وما يختص به من الأسماء التي لم تنطلق قط على الحق لفظاً فيما أنزله على نبيه و له، فلما أنزل الله تعالى على عبده محمد وَ ل هذه الآية ليعرف الناس بها فكأن الله حكى عن نبيّه وَّ ما لا بدّ له أن يقوله ويتلفظ به فجعله تعالى قرآناً يتلى، إذ كان ذلك من خصائص العبيد في نفس الأمر فقال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِغِىَ اَللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ اُلْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَى الصَّلِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٦] فشهد له بالصلاح إذا كان الحق حاكياً في هذه الآية، وإن كان آمراً فيكون من المشهودين لهم بالصلاح، فعرفنا أن الله تولاه وأخبرنا أن الله يتولّى الصالحين، فشهد لنفسه بالصلاح بالوجه الذي ذكرناه ولم ينقل ذلك عن غيره بل نقل ما يقاربه من قول عيسى عليه السلام: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّوَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [سورة مريم: الآيات ٣٠ - ٣٣] يقول الله تعالى: ﴿ِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] أي فكذلك أنت فكان من فضله نيل مثل هذا المقام، فاحفظ يا وليّ نفسك في التخلّق بأسماء الله الحسنى فإن العلماء لم يختلفوا في التخلّق بها، فإذا وفقت للتخلّق بها فلا تغب في ذلك عن شهود آثارها فيك ولتكن فيها ومعها ٣٥٠ في المعارف/ الباب التاسع والثلاثون في معرفة المنزل الذي يحط إليه الوليّ ... الخ بحكم النيابة عنها فتكون مثل اسم الرسول، لا تشارك الحق في إطلاق اسم عليك من أسمائه بذلك المعنى والزم الأدب ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١١٤] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والثلاثون في معرفة المنزل الذي يحط إليه الوليّ إذا طرده الحق تعالى من جواره [نظم: الوافر] عُروجْ وارتقاءٌ في عُلُوْ إذا حطّ الوليُّ فليس إلاَّ ففي عين النَّوَى عينُ الدنوِ فإن الحقَّ لا تقْبِيدَ فيه سموّ في سموُ في سُمُؤْ فحال المجتبى في كل حالٍ ولا تأثيرَ فيه للعُلُوْ فلا حكمٌ عليه بكل وجهٍ اعلم أيّدك الله بروح منه أن الله تعالى يقول لإبليس: اسجد لآدم، فظهر الأمر فيه وقال لآدم وحوّاء: ﴿ وَلَ نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩] فظهر النهي فيهما، والتكليف مقسم بين أمر ونهي وهما محمولان على الوجوب حتى تخرجهما عن مقام الوجوب قرينة حال وإن كان مذهبنا فيهما التوقيف فتعين امتثال الأمر والنهي، وهذا أول أمر ظهر في العالم الطبيعيّ، وأول نهي، وقد أعلمناك أن الخاطر الأول وأن جميع الأوليات لا تكون إلاَّ ربانية ولهذا تصدق ولا تخطىء أبداً ويقطع به صاحبه فسلطانه قوي. ولما كان هذا أول أمر ونهي لذلك وقعت العقوبة عند المخالفة ولم يمهل. فإذا جاءت الأوامر بالوسائط لم تقو قوّة الأول وهي الأوامر الواردة إلينا على ألسنة الرسل وهي على قسمين: إما ثوان وهو ما يلقي الله إلى نبيه في نفسه من غير واسطة الملك فيصل إلينا الأمر الإلهيّ وقد جاز على حضرة كونية فاكتسب منها حالة لم يكن عليها، فإنّ الأسماء الإلهية تلقته في هذه الحضرة الكونية فشاركته بأحكامها في حكمه، وإما أن ينزل عليه بذلك الأمر الملك فيكون الأمر الإلهي قد جاز على حضرتين من الكون جبريل وأي ملك كان وأي نبيّ كان، فيكون فعله وأثره في القوّة دون الأول والثاني، فلذلك لم تقع المؤاخذة معجلة، فإما إمهال إلى الآخرة وإما غفران فلا يؤاخذ بذلك أبداً، وفعل الله ذلك رحمة بعباده. كما أنه تعالى خصّ النهي بآدم وحوّاء، والنهي ليس بتكليف عمليّ فإنه يتضمن أمراً عدمياً وهو لا تفعل، ومن حقيقة الممكن أنه لا يفعل فكأنه قيل له: لا تفارق أصلك والأمر ليس كذلك فإنه يتضمن أمراً وجودياً وهو أن يفعل فكأنه قيل له: اخرج عن أصلك فالأمر أشق على النفس من النهي إذ كلّف الخروج عن أصله، فلو أن إبليس لما عصى ولم يسجد لم يقل ما قال من التكبّر والفضلية التي نسبها إلى نفسه على غيره فخرج عن عبوديته بقدر ذلك فحلّت به عقوبة الله وكانت العقوبة لآدم وحوّاء لما تكلفا الخروج عن أصلهما وهو الترك وهو أمر عدميّ بالأكل وهو أمر وجوديّ، فشرّك الله بين إبليس وآدم وحوّاء في ضمير واحد وهو ٣٥١ في المعارف/ الباب التاسع والثلاثون في معرفة المنزل الذي يحط إليه الوليّ ... الخ كان أشدّ العقوبة على آدم فقيل لهم: اهبطوا بضمير الجماعة، ولم يكن الهبوط عقوبة لآدم وحوّاء وإنما كان عقوبة لإبليس، فإن آدم أهبط لصدق الوعد بأن يجعل في الأرض خليفة بعدما تاب عليه واجتباه وتلقى الكلمات من ربّه بالاعتراف، فاعترافه عليه السلام في مقابلة كلام إبليس: ﴿أَنَّأْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢] فعرّفنا الحق بمقام الاعتراف عند الله وما ينتجه من السعادة لنتخذه طريقاً في مخالفتنا، وعزّفنا بدعوى إبليس ومقالته لنحذر من مثلها عند مخالفتنا، وأهبطت حوّاء للتناسل، وأهبط إبليس للإغواء، فكان هبوط آدم وحوّاء هبوط كرامة، وهبوط إبليس هبوط خذلان وعقوبة واكتساب أوزار، فإنّ معصيته كانت لا تقتضي تأبيد الشقاء فإنه لم يشرك بل افتخر بما خلقه الله عليه وكتبه شقياً ودار الشقاء مخصوصة بأهل الشرك فأنزله الله إلى الأرض ليسنّ الشرك بالوسوسة في قلوب العباد، فإذا أشركوا وتبرأ إبليس من المشرك ومن الشرك لم ينفعه تبريه منه فإنه هو الذي قال له اكفر كما أخبر الله تعالى، فحار عليه وزر كل مشرك في العالم وإن كان موحداً، فإنه من سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، فإن الشخص الطبيعيّ كإبليس وبني آدم لا بدّ أن يتصوّر في نفسه مثال ما يريد أن يبرزه . فما سنّ الشرك ووسوس به حتى تصوّره في نفسه على الصورة التي إذا حصلت في نفس المشرك زالت عنه صورة التوحيد، فإذا تصوّرها في نفسه بهذه الصورة فقد خرج التوحيد عن تصوّره في نفسه ضرورة، فإن الشريك متصوّر له في نفسه إلى جانب الحق الذي في نفسه متخيلاً، أعني من العلم بوجوده فما تركه في نفسه وحده، فكان إبليس مشركاً في نفسه بلا شك ولا ريب، ولا بدّ أن يحفظ في نفسه بقاء صورة الشريك ليمدّ بها المشركين مع الأنفاس، فإنه خائف منهم أن تزول عنهم صفة الشرك فيوحدوا الله فيسعدوا، فلا يزال إبليس يحفظ صورة الشرك في نفسه ويراقب بها قلوب المشركين الكائنين في الوقت شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، ويردّ بها الموحّدين في المستقبل إلى الشرك ممّن ليس بمشرك، فلا ينفك إبليس دائماً على الشرك، فبذلك أشقاه الله لأنه لا يقدر أن يتصوّر التوحيد نفساً واحداً لملازمته هذه الصفة وحرصه على بقائها في نفس المشرك، فإنها لو ذهبت من نفسه لم يجد المشرك من يحدّثه في نفسه بالشرك فيذهب الشرك عنه ويكون إبليس لا يتصوّر الشريك لأنه قد زالت عن نفسه صورة الشريك فيكون لا يعلم أن ذلك المشرك قد زال عن إشراكه، فدلّ أن الشريك يستصحب إبليس دائماً، فهو أوّل مشرك بالله وأوّل من سنّ الشرك، وهو أشقى العالمين، فلذلك يطمع في الرحمة من عين المنة، ولهذا قلنا: إن العقوبة في حق آدم إنما كانت في جمعه مع إبليس في الضمير حيث خاطبهم الحق بالهبوط بالكلام الذي يليق بجلاله . ولكن لا بدّ أن يكون في الكلام الصفة التي يقتضيها لفظ الضمير فإن صورة اللفظ يطلب المعنى الخاص، وهذه طريقة لم تجعل العلماء بالها من ذلك، وإنما ذكرنا مسألة آدم تأنيساً لأهل الله تعالى إذا زلّوا فحطّوا عن مقامهم أن ذلك الانحطاط لا يقضي بشقائهم ولا بدّ ٣٥٢ في المعارف/ الباب التاسع والثلاثون في معرفة المنزل الذي يحط إليه الوليّ ... الخ بل يكون هبوطهم كهبوط آدم، فإن الله لا يتحيّز ولا يتقيد، وإذا كان الأمر على هذا الحدّ وكان الله بهذه الصفة من عدم التقييد فيكون عين هبوط الوليّ عند الزلة، وما قام به من الذلّة والحياء والانكسار فيها عين الترقي إلى أعلى ممّا كان فيه لأن علوه بالمعرفة والحال، وقد يزيد من العلم بالله ما لم يكن عنده ومن الحال وهو الذلّة والانكسار ما لم يكن عليهما، وهذا هو عين الترقّي إلى مقام أشرف، فإذا فقد الإنسان هذه الحالة في زلته ولم يندم ولا انكسر ولا ذلّ ولا خاف مقام ربّه فليس من أهل هذه الطريقة بل ذلك جليس إبليس بل إبليس أحسن حالاً منه لأنه يقول لمن يطيعه في الكفر: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِنْكَ إِنَّّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الحشر: الآية ١٦]. ونحن إنما نتكلم على زلات أهل الله إذا وقعت منهم قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٥] وقال رسول الله بَّرَ: ((النَّدَمُ تَوْبَةٌ)) وإنما الإنسان الوليّ إذا كان في المقام الذي كان والحال التي كان عليها ملتذاً بها فلذَّته إنما كانت بحاله فإن الله يتعالى أن يلتذ به، فلما زلّ وعرته حالة الذلّة والانكسار زالت ضرورة الحالة التي كان يلتذ بوجودها وهي حالة الطاعة والموافقة فلما فقدها تخيل أنه انحط من عين الله، وإنما تلك الحالة لما زالت عنه انحط عنها إذ كانت حالة تقتضي الرفعة، وهو الآن في معراج الذلة والندم والافتقار والانكسار والاعتراف والأدب مع الله تعالى والحياء منه، فهو يترقى في هذا المعراج فيجد هذا العبد في غاية هذا المعراج حالة أشرف من الحالة التي كان عليها، فعند ذلك يعلم أنه ما انحط وأنه ترقى من حيث لا يشعر أنه في ترق، وأخفى الله ذلك عن أوليائه لئلا يجترؤوا عليه في المخالفات، كما أخفى الاستدراج فيمن أشقاه الله فقال: ﴿سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٢] فهم كما قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَهُمْ يَخْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٤] كذلك أخفى سبحانه تقريبه وعنايته فيمن أسعده الله بما شغله الله به من البكاء على ذنبه ومشاهدته زلته ونظره إليها في كتابه وذهل عن أن ذلك الندم يعطيه الترقي عند الله، فإنه ما بشرّه بقبول التوبة فهو متحقق وقوع الزلّة حاكم عليه الانكسار والحياء ممّا وقع فيه وإن لم يؤاخذه الله بذلك الذنب فكان الاستدراج حاصلاً في الخير والشرّ وفي السعداء والأشقياء. ولقيت بمدينة فاس رجلاً عليه كآبة كأنه يخدم في الأتون فسألت أبا العباس الحصار وكان من كبار الشيوخ عنه فإني رأيته يجالسه ويحن إليه فقال لي: هذا رجل كان في مقام فانحط عنه فكان في هذا المقام، وكان من الحياء والانكسار بحالة أوجبت عليه السكوت عن كلام الخلق، فما زلت ألاطفه بمثل هذه الأدوية وأزيل عنه مرض تلك الزلة بمثل هذا العلاج وكان قد مكّنني من نفسه، فلم أزل به حتى سرى ذلك الدواء في أعضائه فأطلق محياه وفتح له في عين قلبه باب إلى قبوله ومع هذا فكان الحياء يستلزمه. وكذلك ينبغي أن تكون زلات الأكابر غالباً نزولهم إلى المباحات لا غير وفي حكم النادر تقع منهم الكبائر، قيل لأبي يزيد البسطامي رضي الله عنه: أيعصي العارف؟ فقال: وكان أمر الله قدراً مقدوراً يريد أن معصيتهم بحكم القدر النافذ فيهم لا أنهم يقصدون انتهاك حرمات الله، هم بحمد الله إذا كانوا أولياء عند ٣٥٣ في المعارف / الباب التاسع والثلاثون في معرفة المنزل الذي يحط إليه الوليّ ... الخ الله تعالى وجلّ معصومون في هذا المقام فلا تصدر منهم معصية أصلاً انتهاكاً لحرمة الله كمعاصي الغير، فإن الإيمان المكتوب في القلوب يمنع من ذلك، فمنهم من يعصي غفلة، ومنهم من يخالف على حضور عن كشف إلهيّ قد عرّفه الله فيه ما قدره عليه قبل وقوعه فهو على بصيرة من أمره وبينة من ربّه وهذه الحالة بمنزلة البشرى في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَلِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] فقد أعلمه بالذنوب الواقعة المغفورة فلا حكم لها ولا لسلطانها فيه، فإنه إذا جاء وقت ظهورها يكون في صحبتها الاسم الغفار فتنزل بالعبد ويحجب الغفار حكمها فتكون بمنزلة من يلقى في النار ولا يحترق كإبراهيم عليه السلام فكان في النار ولا حكم لها فيه بالحجاب الذي هو المانع، كذلك زلة العارف صاحب مقام الكشف للأقدار تجل به النازلة وحكمها بمعزل عنها فلا تؤثر في مقامه، بخلاف من تحلّ فيه وهو على غير بينة ولا بصيرة بما قدر عليه، فهذا يستلزمه الحياء والندم والذلّة وذلك ليس كذلك، وهنا أسرار إلهية لا يسعنا التعبير عنها . وبعد أن فهمناك مراتبهم في هذا المقام وفرقنا لك بين معصية العارفين وبين معاصي العامّة من علماء الرسوم ومقلديهم، فاعلم أنه حكي عن بعضهم أنه قال: اقعد على البساط يريد بساط العبادة، وإياك والانبساط أي التزم ما تعطيه حقيقة العبودة من حيث إنها مكلفة بأمور حدّها له سيدها، فإنه لولا تلك الأمور لاقتضى مقامها الإدلال والفخر والزهو من أجل مقام من هو عبد له ومنزلته كما زها يوماً عتبة الغلام وافتخر فقيل له: ما هذا الزهو الذي نراه في شمائلك ممّا لم يكن يعرف قبل ذلك منك؟ فقال: وكيف لا أزهو وقد أصبح لي مولىٍ وأصبحت له عبداً فما قبض العبيد من الإدلال وأن يكونوا في الدنيا مثل ما هم في الآخرة إلاّ التكليف فهم في شغل بأوامر سيدهم إلى أن يفرغوا منها، فإذا لم يبق لهم شغل قاموا في مقام الإدلال الذي تقتضيه العبودية وذلك لا يكون إلاَّ في الدار الآخرة، فإن التكليف لهم مع الأنفاس في الدار الدنيا، فكل صاحب إدلال في هذه الدار فقد نقص من المعرفة بالله على قدر إدلاله، ولا يبلغ درجة غيره ممّن ليس له إدلال أبداً فإنه فاتته أنفاس كثيرة في حال إدلاله غاب عمّا يجب عليه فيها من التكليف الذي يناقض الاشتغال به الإدلال، فليست الدنيا بدار إدلال، ألا ترى عبد القادر الجيلي مع إدلاله لما حضرته الوفاة وبقي عليه من أنفاسه في هذه الدار ذلك القدر الزماني وضع خدّه في الأرض واعترف بأن الذي هو فيه الآن هو الحق الذي ينبغي أن يكون العبد عليه في هذه الدار، وسبب ذلك أنه كان في أوقات صاحب إدلال لما كان الحق يعرفه به من حوادث الأكوان، وعصم الله أبا السعود تلميذه من ذلك الإدلال فلازم العبودية المكلفة مع الأنفاس إلى حين موته، فما حكي أنه تغيّر عليه الحال عند موته كما تغيّر على شيخه عبد القادر، وحكى لنا الثقة عندنا قال: سمعته يقول: طريق عبد القادر في طرق الأولياء غريب، وطريقنا في طرق عبد القادر غريب، رضي الله عن جميعهم ونفعنا بهم، والله يعصمنا من المخالفات وإن كانت قدّرت علينا، فالله أسأل أن يجعلنا في ارتكابها على بصيرة حتى يكون لنا بها ارتقاء درجات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الفتوحات المكية ج ١ -٢٣٩ ٣٥٤ في المعارف / الباب الأربعون في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه وغرائبه وأقطابه الباب الأربعون في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه وغرائبه وأقطابه نظم يتضمن ما ترجمنا عليه : [الطويل] مجاورُ علمِ الكونِ علمٌ إلهيُّ وما هوَ من عِلْمِ البَرَازخِ خالِصٌ له في العُلَى وجَهٌ غريبٌّ محقّقٌ وليس الذي يدريه مَلْكٌ مخلَّصْ ولكنها الأعيانُ لما تألَّفَتْ فقل فيه ما تهواه يقبَلْه أصلُه فما هو محكومٌ وليس بحاكم تنزّه عن حصر الجهات ضياؤه فسبحانَ من أخفى عن العين ذاتَه نراه إذا كنّا وما هو عينُه تجلّى لرأي العين في كل صورة يقول الذي يُعْطَاه كَشْفٌ حقيقيٍّ وما هو علويُّ وما هو سُفْلِيُّ وفي السفل وجه بالحقائق عُلْويُّ ولا هو جنيٍّ ولا هو إنْسِيُّ بدا لك شكلٌ مستفاد كِيَانيُّ فلستَ تراه وهو للعين مرئيُّ فما هو غيبيٍّ وما هو حِسِيُّ فلا هو شرقيٍّ ولا هو غربيُّ ويسري مثالٌ منه فينا اتِّصاليُّ ولكنه كشفٌ صحيحٌ خياليُّ فذلك مقصودي بقولي مثاليُّ اعلم أيّدك الله بروح القدس أن هذا المنزل منزل الكمال وهو مجاور منزل الجلال والجمال، هو من أجل المنازل والنازل فيه أتم نازل. اعلم أن خرق العوائد على ثلاثة أقسام: قسم منها يرجع إلى ما يدركه البصر أو بعض القوى على حسب ما يظهر لتلك القوّة ممّا ارتبطت في العادة بإدراكه وهو في نفسه على غير ما أدركته تلك القوّة مثل قوله تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَسْعَى﴾ [سورة طه: الآية ٦٦] وهذا القسم داخل تحت قدرة البشر وهو على قسمين: منه ما يرجع إلى قوّة نفسية، ومنه ما يرجع إلى خواص أسماء إذا تلفظ بتلك الأسماء ظهرت تلك الصور في عين الرائي أو في سمعه خيالاً، وما ثم في نفس الأمر أعني في المحسوس شيء من صورة مرئية ولا مسموعة وهو فعل الساحر وهو على علم أنه ما ثمّ شيء ممّا وقع في الأعين والأسماع. والقسم الآخر الذي هو قوّة نفسية يكون عنها فيما تراه العين أو أيّ إدراك كان ما كان من الأمر الذي ظهر عن خواص الأسماء، والفرق بينهما أن الذي يفعله بطريق الأسماء وهو الساحر يعلم أنه ما ثمّ شيء من خارج وإنما لها سلطان على خيال الحاضرين فتخطف أبصار الناظرين فيرى صوراً في خياله كما يرى النائم في نومه، وما ثمَّ في الخارج شيء ممّا يدركه، وهذا القسم الآخر الذي للقوّة النفسية منهم من يعلم أنه ما ثم شيء في الخارج، ومنهم من لا يعلم ذلك فيعتقد أن الأمر كما رآه. ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب مقامات الأولياء في باب الكرامات منه أن عليماً الأسود وكان من أكابر أهل الطريق أن بعض الصالحين اجتمع به في قصة أذّته إلى أن ضرب عليم الأسود إلى أسطوانة كانت قائمة في المسجد من رخام فإذا هي كلها ذهب فنظر إليها في المعارف/ الباب الأربعون في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه وغرائبه وأقطابه ٣٥٥ الرجل أسطوانة ذهب فتعجب فقال له: يا هذا إن الأعيان لا تنقلب ولكن هكذا تراها لحقيقتك بربك وهي غير ذلك، فخرج من كلامه فيما يظهر لمن لا علم له بالأشياء ببادي الرأي أو من أول نظر أن الأسطوانة حجر كما كانت وليست ذهباً إلاَّ في عين الرائي، ثم إن الرجل أبصرها بعد ذلك حجراً كما كانت أول مرة، قال تعالى في عصا موسى عليه السلام: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ [سورة طه: الآية ١٧. ١٨] ثم قال: ﴿أَلْقِهَا يَمُوسَى ... فَأَلْقَنْهَا ﴾ [سورة ظُه: الآيتان ١٩ و٢٠] من يده في الأرض ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [سورة طُه: الآية ٢٠] فلما خاف موسى عليه السلام منها على مجرى العادة في النفوس أنها تخاف من الحيات إذا فاجأتها لما قرن الله بها من الضرر لبني آدم وما علم موسى مراد الله في ذلك ولو علمه ما خاف فقال الله تعالى له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرَتَهَا الْأُوْلَى﴾ [سورة طه: الآية ٢١] أي ترجع عصا كما كانت أو ترجع تراها عصا كما كانت، فالآية محتملة فإن الضمير الذي في قوله عزّ وجلّ : ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾ إذا لم تكن عصا في حال كونها في نظر موسى حية لم يجد الضمير على من يعود، كما أن الإنسان إذا عوّدك أمراً ما وهو أنه كان يحسن إليك ثم أساء إليك فتقول له: قد تغيرت سيرتك معي ما أنت هو ذاك الذي كان يحسن إليّ ومعلوم أنه هو، فيقال له: سيعود معك إلى سيرته الأولى من الإحسان إليك وهو في صورته ما تغيّر ولكن تغيّر عليك فعله معك . وقدّم الله هذا لموسى عليه السلام توطئة لما سبق في علمه سبحانه أن السحرة تظهر لعينه مثل هذا فيكون عنده علم من ذلك حتى لا يذهل ولا يخاف إذا وقع منهم عند إلقائهم حبالهم وعصيهم، وخيّل إلى موسى أنها تسعى يقول له: فلا تخف إذا رأيت ذلك منهم يقوّي جأشه، فلما وقع من السحرة ما وقع ممّا ذكر الله لنا في كتابه وامتلأ الوادي من حبالهم وعصيهم ورآها موسى فيما خيّل له حيات تسعى ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةٌ مُوسَى﴾ [سورة طه: الآية ٦٧] فلم يكن نسبة الخوف إليه في هذا الوقت نسبة الخوف الأول، فإنّ الخوف الأول كان من الحية فولّى مدبراً ولم يعقب حتى أخبره الله تعالى، وكان هذا الخوف الآخر الذي ظهر منه للسحرة على الحاضرين لئلا تظهر عليه السحرة بالحجة فيلتبس الأمر على الناس ولهذا قال الله له: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [سورة طه: الآية ٦٨] ولما ظهر للسحرة خوف موسى ممّا رآه وما علموا متعلق هذا الخوف أي شيء هو علموا أنه ليس عند موسى من علم السحر شيء فإن الساحر لا يخاف ممّا يفعله لعلمه أنه لا حقيقة له من خارج وأنه ليس كما يظهر لأعين الناظرين، فأمر الله موسى أن يلقي عصاه وأخبر أنها تلقف ما صنعوا، فلما ألقى موسى عصاه فكانت حية علمت السحرة بأجمعها مما علمت من خوف موسى أنه لو كان ذلك منه وكان ساحراً ما خاف ورأوا عصاه حية حقيقة علموا عند ذلك أنه أمر غيب من الله الذي يدعوهم إلى الإيمان به وما عنده من علم السحر خبر، فتلقفت تلك الحيّة جميع ما كان في الوادي من الحبال والعصيّ أي تلقفت صور الحيّات منها فبدت حبالاً وعصياً كما هي وأخذ الله بأبصارهم عن ذلك فإنّ الله يقول: ﴿فَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ [سورة طه: ٦٩] وما صنعوا الحبال ولا العصيّ وإنما ٣٥٦ في المعارف / الباب الأربعون في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه وغرائبه وأقطابه صنعوا في أعين الناظرين صور الحيات وهي التي تلقفت عصا موسى فتنبه لما ذكرت لك، فإن المفسرين ذهلوا عن هذا الإدراك في أخبار الله تعالى فإنه ما قال تلقف حبالهم وعصيهم فكانت الآية عند السحرة خوف موسى وأخذ صور الحيات من الحبال والعصيّ، وعلموا أن الذي جاء به موسى من عند الله، فآمنوا بما جاء به موسى عن آخرهم وخرّوا سجداً عند هذه الآية وقالوا: ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى﴾ [سورة طه: ٧٠] حتى يرتفع الالتباس، فإنهم لو وقفوا على العالمين لقال فرعون: أنا رب العالمين إياي عنوا، فزادوا رب موسى وهرون أي الذي يدعو إليه موسى وهرون فارتفع الإشكال فتوعدهم فرعون بالعذاب فآثروا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة وكان من كلامهم ما قصّ الله علينا . وأمّا العامة فنسبوا ما جاء به موسى إلى أنه من قبيل ما جاءت به السحرة إلاَّ أنه أقوى منهم وأعلم بالسحر بالتلقف الذي ظهر من حية عصا موسى عليه السلام فقالوا: هذا سحر عظيم، ولم تكن آية موسى عند السحرة إلاَّ خوفه وأخذ صور الحيات من الحبال والعصيّ خاصة، فمثل هذا خارج عن قوّة النفس وعن خواص الأسماء لوجود الخوف الذي ظهر من موسى في أول مرة فكان الفعل من الله، ولما واقع السحرة اللبس على أعين الناظرين بتصيير الحبال والعصيّ حيات في نظرهم أراد الحق أن يأتيهم من بابهم الذي يعرفونه كما قال تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٩] فإن الله يراعي في الأمور المناسبات، فجعل العصا حية كحيات عصيهم في عموم الناس، ولبس على السحرة بما أظهر من خوف موسى فتخيّلوا أنه خاف من الحيات وكان موسى في نفس الأمر غير خائف من الحيات لما تقدّم له في ذلك من الله في الفعل الأول حين قال له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَّخَفْ﴾ [سورة طُه: ٢١] فنهاه عن الخوف منها وأعلمه أن ذلك آية له، فكان خوفه الثاني على الناس لئلا يلتبس عليهم الدليل والشبهة والسحرة تظنّ أنه خاف من الحيات فلبس الله عليهم خوفه كما لبسوا على الناس، وهذا غاية الاستقصاء الإلهيّ في المناسبات في هذا الموطن لأن السحرة لو علمت أن خوف موسى من الغلبة بالحجة لما سارعت إلى الإيمان. ثم إنه كان لحية موسى التلقف ولم يكن لحياتهم تلقف ولا أثر لأنها حبال وعصيّ في نفس الأمر، فهذا المنزل الذي ذكرناه في هذا الباب أنه مجاور لعلم جزئيّ من علوم الكون هو هذا العلم الجزئي علم المعجزات لأنه ليس عن قوّة نفسية ولا عن خواص أسماء، فإن موسى عليه السلام لو كان انفعال العصا حية عن قوّة همية أو عن أسماء أعطيها ما ولّى مدبراً ولم يعقب خوفاً، فعلمنا أن ثمَّ أموراً تختصّ بجانب الحق في علمه لا يعرفها من ظهرت على يده تلك الصورة، فهذا المنزل مجاور لما جاءت به الأنبياء من كونه ليس عن حيلة ولم يكن مثل معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن الأنبياء لا علم لهم بذلك، وهؤلاء ظهر ذلك عنهم بهمتهم أو قوّة نفسهم أو صدقهم قل كيف شئت، فلهذا اختصّت باسم الكرامات ولم تسمَّ معجزات ولا سمّيت سحراً، فإن المعجزة ما يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها إمّا صرفاً وإمّا أن تكون في المعارف / الباب الأربعون في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه وغرائبه وأقطابه ٣٥٧ ليست من مقدورات البشر العدم قوّة النفس وخواص الأسماء وتظهر على أيديهم، وأن السحر هو الذي يظهر فيه وجه إلى الحق وهو في نفس الأمر ليس حقاً مشتق من السحر الزماني وهو اختلاط الضوء والظلمة، فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح، وهو ليس بنهار لعدم طلوع الشمس للأبصار، فكذلك هذا الذي يسمّى سخراً ما هو باطل محقق فيكون عدماً فإن العين أدركت أمراً ما لا تشك فيه، وما هو حق محض فيكون له وجود في عينه فإنه ليس في نفسه كما تشهده العين ويظنه الرائي، وكرامات الأولياء ليست من قبيل السحر فإن لها حقيقة في نفسها وجودية وليست بمعجزة فإنه على علم وعن قوّة همة . وأمّا قول عليم لحقيقتك بربك تراها ذهباً فإن الأعيان لا تنقلب وذلك لما رآه قد عظم ذلك الأمر عندما رآه فقال له: العلم بك أشرف ممّا رأيت فاتصف بالعلم فإنه أعظم من كون الأسطوانة كانت ذهباً في نفس الأمر، فأعلمه أن الأعيان لا تنقلب وهو صحيح في نفس الأمر أي أن الحجرية لم ترجع ذهباً فإن حقيقة الحجرية قبلها هذا الجوهر كما قبل الجسم الحرارة فقيل فيه إنه حار، فإذا أراد الله أن يكسو هذا الجوهر صورة الذهب خلع عنه صورة الحجر وكساه صورة الذهب فظهر الجوهر أو الجسم الذي كان حجراً ذهباً، كما خلع عن الجسم الحار الحرارة وكساه البرد فصار بارداً، فما انقلبت عين الحرارة برودة، والجسم البارد بعينه هو الذي كان حارّاً فما انقلبت الأعيان كذلك حكاية عليم الجوهر الذي قبل صورة الذهب عند الضرب هو الذي كان قد قبل صورة الحجر، والجوهر هو الجوهر بعينه فالحجر ما عاد ذهباً، ولا الذهب عاد حجراً، كما أن الجوهر الهيولاني قبل صورة الماء فقيل هو ماء بلا شك، فإذا جعلته في القدر وأغليتها على النار إلى أن يصعد بخاراً فتعلم قطعاً أن صورة الماء زالت عنه وقبل صورة البخار فصار يطلب الصعود لعنصره الأعظم كما كان، إذ قامت به صورة الماء يطلب عنصره الأعظم فيأخذ سفلاً، فهذا معنى قول عليم في هذا المنزل المختص بالأولياء. والهمة المجاورة لعلم المعجزة أن الأعيان لا تنقلب، وقوله لحقيقتك بربك أي إذا اطلعت إلى حقيقتك وجدت نفسك عبداً محضاً عاجزاً ميتاً ضعيفاً عدماً لا وجود لك كمثل هذا الجوهر ما لم يلبس الصور لم يظهر له عين في الوجود، فهذا العبد يلبس صور الأسماء الإلهية فتظهر بها عينه، فأول اسم يلبسه الوجود فيظهر موجوداً لنفسه حتى يقبل جميع ما يمكن أن يقبله الموجود من حيث ما هو موجود فيقبل جميع ما يخلع عليه الحق من الأسماء الإلهية فيتصف عند ذلك بالحي، والقادر، والعليم، والمريد، والسميع، والبصير، والمتكلم، والشّكور، والرحيم، والخالق، والمصوّر، وجميع الأسماء. كما اتصف هذا الجسم بالحجر، والذهب، والفضة، والنحاس، والماء، والهواء، ولم تزل حقيقة الجسمية عن كل واحد مع وجود هذه الصفات، كذلك لا يزول عن الإنسان حقيقة كونه عبداً إنساناً مع وجود هذه الأسماء الإلهية فيه، فهذا معنى قوله: ٣٥٨ في المعارف / الباب الأربعون في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه وغرائبه وأقطابه لحقيقتك بربك أي لارتباط حقيقتك بربك، فلا تخلو عن صورة إلهية تظهر فيها كذلك هذا الجسم لا يخلو عن صورة يظهر فيها. وكما تتنوّع أنت بصور الأسماء الإلهية فينطلق عليك بحسب كل صورة اسم غير الاسم الآخر، كذلك ينطلق على هذا الجوهر اسم الحجرية والذهبية للوصف لا لعينه، فقد تبينت فيما ذكرناه الثلاثة الأقسام في خرق العوائد وهي: المعجزات، والكرامات، والسحر، وما ثم خرق عادة أكثر من هذا، ولست أعني بالكرامات إلاَّ ما ظهر عن قوّة الهمة لا أني أريد بهذا الاصطلاح في هذا الموضع التقريب الإلهيّ لهذ الشخص فإنه قد يكون ذلك استدراجاً ومكراً، وإنما أطلقت عليه اسم الكرامة لأنه الغالب والمكر فيه قليل جدّاً، فهذا المنزل مجاور آيات الأنبياء عليهم السلام، وهو العلم الجزئي من علوم الكون لا يجاور السحر، فإن كرامة الوليّ وخرق العادة له إنما كانت باتباع الرسول، والجري على سنته فكأنها من آيات ذلك النبيّ إذ باتباعه ظهرت للمتحقق بالاتباع فلهذا جاورته فأقطاب هذا المنزل كل وليّ ظهر عليه خرق عادة عن غير همته فيكون إلى النبوّة أقرب ممّن ظهر عنه خرق العادة بهمته، والأنبياء هم العبيد على أصلهم، فكذلك أقطاب هذا المنزل، فكلما قربت أحوالك من أحوال الأنبياء عليهم السلام كنت في العبودة أمكن وكانت لك الحجة ولم يكن للشيطان عليك سلطان كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٢] وقال: ﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ [سورة الجن: الآية ٢٧] فلا أثر للشيطان فيهم فكذلك من قرب منهم، ولما عاينت هذا المشهد قلت القصيدة التي أوّلها: [الطويل] ودارتْ عليه مثل دائرة القلبٍ تنزَّلت الأملاكُ ليلاً على قلبي نزولَ علوم الغيبِ عيناً على القلبِ حذاراً من القاءِ اللعين إذا يرى وعصمتُه في المرسلين بلا رَيْبٍ وذلك حِفْظُ الله في مثل طورنا القصيدة بكمالها وهي مذكورة في أول الباب الثلاثين وثلاثمائة من هذا الكتاب، وترتيب هذا الباب هو ما ذكرناه من مراتب خرق العوائد، وأمّا ما فيه من الغرائب فإلحاق البشر بالروحانيين في التمثّل، وإلحاق الروحانيين بالبشر في الصورة، وظهور صورة عنهم شبيه الصورة التي يتمثلون بها قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ١٧] يسمّى روحاً مثل ما هو جبريل روح فيحيي الموتى كما يحيي جبريل. قال ابن عباس: ما وطىء جبريل عليه السلام قط موضعاً من الأرض إلاَّ حيي ذلك الموضع، ولهذا أخذ السامريّ قبضة من أثره حين عرفه لما جاء لموسى وقد علم أن وطأته يحيا بها ما وطئه من الأشياء فقبض قبضة من أثر الرسول فرمى بها في العجل الذي صنعه فحيي ذلك العجل، وكان ذلك إلقاء من الشيطان في نفس السامريّ، لأن الشيطان يعلم منزلة الأرواح فوجد السامريّ في نفسه هذه القوّة وما علم بأنها من إلقاء إبليس فقال: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى﴾ [سورة طه: الآية ٩٦] وفعل ذلك إبليس من حرصه على إضلاله بما يعتقده من ٣٥٩ في المعارف / الباب الحادي والأربعون في معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم ... الشريك الله تعالى، فخرج عيسى على صورة جبريل في المعنى والاسم والصورة الممثلة فالتحق البشر بالروحانيّ والتحق الروحاني بصورة البشر في نازلة واحدة. ويكفي هذا القدر من هذا الباب فإنه باب واسع لمريم وآسية، ولحقائق الرسل عليهم السلام فيه مجال رحب فإنه منزل الكمال من حصله ساد على أبناء جنسه وظهر حاكماً على صاحب الجلال والجمال، وهو من مقامات أبي يزيد البسطامي والأفراد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الحادي والعشرون . (الجزء الثاني والعشرون) بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الْحَمَةِ الباب الحادي والأربعون في معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم في مراتبهم وأسرار أقطابهم [نظم: الطويل] ألا إن أهلَ الليل أهلُ تَنَزُّلِ فمن صاعدٍ نحو المَقَام بهمَّةٍ بحكم الثَّداني والتدلِّي هَمَا وعن فإن قلتَ فيهم إنهم خيرُ عُصْبَةٍ وإن قلتَ فيهم إنهم شرٌّ فتيةٍ فهم لا هُمُو ليسوا بهم وبغيرهم عزيز الحمى بين المشاهد والنهى فما منْهُمُو إلاَّ إمامٌ مسَوَّدٌ لهم نظرةٌ لا يعرف الغيرُ حكْمَها وأهلُ معاريج وأهلُ تنقّلٍ ومن نازلٍ يبغي اللحوقَ بأسفَلٍ وجود الترقِّي والتلقّي بمعزلٍ صدقتَ فقد حلوا بأكرم مَنْزلِ صدقتَ فليسوا بالنبيِّ ولا الولِي ولكنهم في مَعقلٍ متَزَلْزِلِ وبين جنوبٍ في الهبوّب وشَمْأُلٍ إذا أصبحوا نالوا المنى بالتأمُّلِ لهم سطوةٌ في كل تاج مكلّلٍ اعلم أيّدك الله بروح منه أن الله جعل الليل لأهله مثل الغيب لنفسه، فكما لا يشهد أحد فعل الله في خلقه لحجاب الغيب الذي أرسله دونهم كذلك لا يشهد أحد فعل أهل الليل مع الله في عبادتهم لحجاب ظلمة الليل التي أرسلها الله دونهم، فهم خير عصبة في حق الله، وهم شرّ فتية في حق أنفسهم، ليسوا بأنبياء تشريع لما ورد من غلق باب النبوّة، ولا يقال في واحد منهم عندهم إنه وليّ لما فيه من المشاركة مع اسم الله، فيقال فيهم أولياء ولا يقولون ذلك عن أنفسهم وإن بشّروا، فجعل الليل لباساً لأهله يلبسونه فيسترهم هذا اللباس عن أعين الأغيار يتمتعون في خلواتهم الليلية بحبيبهم فيناجونه من غير رقيب لأنه جعل النوم في أعين الرقباء سباتاً أي راحة لأهل الليل إلهية كما هو راحة للناس طبيعية، فإذا نام الناس استراح هؤلاء مع ربهم وخلوا به حسّاً ومعنى فيما يسألونه من قبول توبة وإجابة دعوة ومغفرة حوية وغير ذلك. فنوم الناس راحة لهم، وأنّ الله تعالى ينزل إليهم بالليل إلى السماء الدنيا فلا يبقى بينه ٣٦٠ في المعارف / الباب الحادي والأربعون في معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم ... وبينهم حجاب فلكي، ونزوله إليهم رحمة بهم ويتجلّى من سماء الدنيا عليهم كما ورد في الخبر فيقول: كذب من ادّعى محبتي فإذا جنّه الليل نام عني. أليس كل محب يطلب الخلوة بحبيبه؟ ها أنا ذا قد تجليت لعبادي هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى ينصدع الفجر، فأهل الليل هم الفائزون بهذه الحظوة في هذه الخلوة وهذه المسامرة في محاريبهم، فهم قائمون يتلون كلامه ويفتحون أسماعهم لما يقول لهم في كلامه إذا قال: يا أيها الناس. يصغون ويقولون: نحن الناس ما تريد منا يا ربنا في ندائك هذا؟ فيقول لهم عزّ وجلّ على لسانهم بتلاوتهم كلامه الذي أنزله: ﴿أَثَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ﴾ [سورة الحج: الآية ١] يا أيها الناس، يقولون: لبيك ربنا، يقول لهم: ﴿ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشَا وَالسَّمَآءَ بِنَآءٍ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢] فيقولون: يا ربنا خاطبتنا فسمعنا وفهمتنا ففهمنا، فيا ربنا وفقنا واستعملنا فيما طلبته منّا من عبادتك وتقواك إذ لا حول لنا ولا قوّة إلاَّ بك، ومن نحن حتى تنزل إلينا من علوّ جلالك وتنادينا وتسألنا وتطلب منّا. يا أيها الناس، يقولون: لبيك ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ [سورة لقمان: الآية ٣٣] فيقولون: يا ربنا أسمعتنا فسمعنا وأعلمتنا فعلمنا فاعصمنا وتعطف علينا، فالمنصور من نصرته والمؤيد من أيدته، والمخذول من خذلته. يا أيها الإنسان، فيقول الإنسان منهم: لبيك يا رب ﴿ مَا غَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٦] فيقول: كرمك يا رب، فيقول: صدقت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢] فيقولون: لبيك ربنا ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢] ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٠] يقولون: وأي قول لنا إلاَّ ما تقوّلنا وهل لمخلوق حول أو قوّة إلاَّ بك فاجعل نطقنا ذكرك وقولنا تلاوة كتابك. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٠٥] فيقولون: لبيك ربنا، فيقول تعالى: ﴿عَلَيَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٠٥] فيقولون: ربنا أغريتنا بأنفسنا لما جعلتها محلاً لإيمانك فقلت: ﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ نُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢١] وقلت: ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَئِنَا فِىِ الْآَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] والآيات ليست مطلوبة إلاَّ لما تدل عليه وأنت مدلولها، فكأنك تقول في قولك: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي الزمونا وثابروا علينا وألظوا بنا. ثم قلت: ﴿لَا يَضُّكُم مَّن ضَلَّ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٠٥] أي حار وتلف حين طلبنا بفكره فأراد أن يدخلنا تحت حكم نظره وعقله ﴿إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٠٥] بما عرفتكم به مني في كتابي وعلى لسان رسولي فعرفتموني بما وصفت لكم به نفسي فما عرفتموني إلاّ بي فلم تضلوا، فكانت لكم هدايتي وتقريبي نوراً تمشون به على صراطنا المستقيم، فلا يزال دأب أهل الليل هكذا مع الله في كل آية يقرؤونها في صلاتهم وفي كل ذكر يذكرونه به حتى ينصدع الفجر. قال محمد بن عبد الجبار النفري وكان من أهل الليل: أوقفني الحق في موقف العلم، وذكر رضي الله عنه ما قال له الحق في موقفه ذلك فكان من جملة ما قال له في ذلك