Indexed OCR Text

Pages 281-300

في المعارف / الباب الرابع والعشرون في معرفة جاءت عن العلوم الكونية وما تتضمنه من العجائب ٢٨١
ولا يحكم فينا بشرعه الذي كان عليه في أوان رسالته ودولته، فيما هو عالم بها من حيث
الوحي الإلهي إليه بها هو رسول ونبيّ، وبما هو الشرع الذي كان عليه محمد وَّل هو تابع له
فيه، وقد يكون له من الاطلاع على روح محمد والر كشفاً بحيث أن يأخذ عنه ما شرع الله له
أن يحكم به في أمّته وَّ، فيكون عيسى عليه السلام صاحباً وتابعاً من هذا الوجه، وهو عليه
السلام من هذا الوجه خاتم الأولياء، فكان من شرف النبيّ وَلّ أن ختم الأولياء في أمّته نبي
رسول مكرم هو عيسى عليه السلام وهو أفضل هذه الأمّة المحمدية، وقد نبّه عليه الترمذي
الحكيم في كتاب ختم الأولياء له، وشهد له بالفضيلة على أبي بكر الصديق وغيره، فإنه وإن
كان ولياً في هذه الأمّة والملّة المحمدية فهو نبيّ ورسول في نفس الأمر، فله يوم القيامة
حشران: يحشر في جماعة الأنبياء والرسل بلواء النبوّة والرسالة وأصحابه تابعون له فيكون
متبوعاً كسائر الرسل، ويحشر أيضاً معنا ولياً في جماعة أولياء هذه الأمّة تحت لواء محمد وَال
تابعاً له مقدماً على جميع الأولياء من عهد آدم إلى آخر وليّ يكون في العالم، فجمع الله له بين
الولاية والنبوّة ظاهراً، وما في الرسل يوم القيامة من يتبعه رسول إلاّ محمد ◌َ ر فإنه يحشر يوم
القيامة في أتباعه عيسى وإلياس عليهما السلام، وإن كان كل من في الموقف من آدم فمن دونه
تحت لوائه 8# فذلك لواؤه العام، وكلامنا في اللواء الخاص بأمّته رَّ وللولاية المحمدية
المخصوصة بهذا الشرع المنزل على محمد بن هر ختم خاص هو في الرتبة دون عيسى عليه
السلام لكونه رسولاً وقد ولد في زماننا ورأيته أيضاً واجتمعت به، ورأيت العلامة الختمية التي
فيه، فلا وليّ بعده إلاَّ وهو راجع إليه، كما أنه لا نبيّ بعد محمد وََّ إلاَّ وهو راجع إليه
كعيسى إذا نزل، فنسبة كل وليّ يكون بعد هذا الختم إلى يوم القيامة نسبة كل نبيّ يكون بعد
محمد رَّ في النبوّة كإلياس وعيسى والخضر في هذه الأمّة. وبعد أن بينت لك مقام عيسى
عليه السلام إذا نزل فقل ما شئت، إن شئت قلت: شريعتين لعين واحدة، وإن شئت قلت:
شريعة واحدة .
وصل: وأمّا القلوب المتعشقة بالأنفاس فإنه لما كانت خزائن الأرواح الحيوانية تعشقت
بالأنفاس الرحمانية للمناسبة قال رسول الله وَّر: ((إِنَّ نَفَسَ الرَّحْمُنِ يَأْتِينِي مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ)) ألا
وإن الروح الحيواني نفس، وأن أصل هذه الأنفاس عند القلوب المتعشق بها النفس الرحماني
الذي من قبل اليمن لمن أخرج عن وطنه وحيل بينه وبين مسكنه وسكنه ففيها تفريج الكرب
ودفع النوب، وقال ربَّ: ((إِنَّ اللَّهِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَبَّكُمْ)) وتنتهي منازل هذه الأنفاس
في العدد إلى ثلاثمائة نفس وثلاثين نفساً في كل منزل من منازلها التي جملتها الخارج من
ضرب ثلاثمائة وثلاثين في ثلاثمائة وثلاثين فما خرج فهو عدد الأنفاس التي تكون من الحق
من اسمه الرحمن في العالم البشري، والذي أتحققه أنّ لها منازل تزيد على هذا المقدار مائتين
منزلاً في حضرة الفهوانية خاصة، فإذا ضربت ثلاثمائة وثلاثين في خمسمائة وثلاثين فما خرج
لك بعد الضرب فهو عدد الأنفاس الرحمانية في العالم الإنساني كل نفس منها علم إلهيّ
مستقل عن تجلّ إلهيّ خاص لهذه المنازل لا يكون لغيرها، فمن شمّ من هذه الأنفاس رائحة

٢٨٢ في المعارف / الباب الخامس والعشرون في معرفة وتد مخصوص معمر، وأسرار الأقطاب المختصين
عرف مقدارها، وما رأيت من أهلها من هو معروف عند الناس، وأكثر ما يكونون من بلاد
الأندلس، واجتمعت بواحد منهم بالبيت المقدس وبمكة فسألته يوماً في مسألة فقال لي: هل
تشم شيئاً؟ فعلمت أنه من أهل ذلك المقام، وخدمني مدة وكان لي عم أخو والدي شقيقه
اسمه عبد الله بن محمد بن العربي كان له هذا المقام حسّاً ومعنى شاهدنا ذلك منه قبل
رجوعنا لهذا الطريق في زمان جاهليتي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والعشرون
في معرفة وتد مخصوص معمر، وأسرار الأقطاب المختصين
بأربعة أصناف من العلوم، وسرّ المنزل والمنازل ومن دخله من العالم
[نظم: البسيط]
من بعد ظَهْرٍ وبطنٍ فيه تجتمِعُ
إن الأمورَ لها حدُّ ومُطَّلَعُ
إلاَّ مراتبُ أَعدادٍ بها تَقَعُ
في الواحدِ العين سرٌّ ليس يعلمه
وهو الذي ما له في العدْ متَّسَعُ
هو الذي أبرز الأعْدادَ أجمعها
كناظر في مراءٍ حين ينطّبِعُ
مَجَالُه ضيِّقٌ رحبٌ فصورته
تكثراً فهو بالشّئْزيه يمتَنِعُ
بنفسه وبكم تعلو وتتّضِعُ
فما تكثّر إذا أعطت مراتبُه
كذلك الحقُّ إن حقَّقْتَ صورتَه
اعلم أيها الوليّ الحميم أيّدك الله أنّ هذا الوتد هو خضر صاحب موسى عليه السلام
أطال الله عمره إلى الآن، وقد رأينا من رآه واتفق لنا في شأنه أمر عجيب، وذلك أن شيخنا أبا
العباس العريبي رحمه الله جرت بيني وبينه مسألة في حق شخص كان قد بشر بظهوره
رسول الله * فقال لي: هو فلان ابن فلان وسمّى لي شخصاً أعرفه باسمه وما رأيته ولكن
رأيت ابن عمته فربما توقفت فيه ولم آخذ بالقبول أعني قوله فيه لكوني على بصيرة في أمره،
ولا شكّ أن الشيخ رجع سهمه عليه فتأذى في باطنه ولم أشعر بذلك فإني كنت في بداية أمري
فانصرفت عنه إلى منزلي فكنت في الطريق فلقيني شخص لا أعرفه فسلم عليّ ابتداء سلام
محبّ مشفق وقال لي: يا محمد صدق الشيخ أبا العباس فيما ذكر لك عن فلان وسمّى لنا
الشخص الذي ذكره أبو العباس العريبي فقلت له: نعم وعلمت ما أراد ورجعت من حيني إلى
الشيخ لأعرّفه بما جرى فعندما دخلت عليه قال لي: يا أبا عبد الله أحتاج معك إذا ذكرت لك
مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى الخضر يتعرض إليك يقول لك صدق فلاناً فيما ذكره لك
ومن أين يتفق لك هذا في كل مسألة تسمعها مني فتتوقف، فقلت: إن باب التوبة مفتوح،
فقال: وقبول التوبة واقع، فعلمت أن ذلك الرجل كان الخضر، ولا شك أني استفهمت الشيخ
عنه أهو هو؟ قال : نعم هو الخضر.
ثم اتفق لي مرة أخرى أني كنت بمرسى تونس بالحفرة في مركب في البحر فأخذني
وجع في بطني وأهل المركب قد ناموا فقمت إلى جانب السفينة وتطلعت إلى البحر فرأيت

في المعارف / الباب الخامس والعشرون في معرفة وتد مخصوص معمر، وأسرار الأقطاب المختصين ٢٨٣
شخصاً على بعد في ضوء القمر وكانت ليلة البدر وهو يأتي على وجه الماء حتى وصل إليّ
فوقف معي ورفع قدمه الواحدة واعتمد على الأخرى فرأيت باطنها وما أصابها بلل ثم اعتمد
عليها ورفع الأخرى فكانت كذلك، ثم تكلم معي بكلام كان عنده ثم سلم وانصرف يطلب
المنارة محرساً على شاطىء البحر على تل بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلين فقطع تلك المسافة
في خطوتين أو ثلاثة فسمعت صوته وهو على ظهر المنارة يسبح الله تعالى، وربما مشى إلى
شيخنا جراح بن خميس الكتاني وكان من سادات القوم مرابطاً بمرسى عيدون وكنت جئت
من عنده بالأمس من ليلتي تلك، فلما جئت المدينة لقيت رجلاً صالحاً فقال لي: كيف كانت
ليلتك البارحة في المركب مع الخضر؟ ما قال لك وما قلت له؟ فلما كان بعد ذلك التاريخ
خرجت إلى السياحة بساحل البحر المحيط ومعي رجل ينكر خرق العوائد للصالحين،
فدخلت مسجداً خراباً منقطعاً لأصلي فيه أنا وصاحبي صلاة الظهر، فإذا بجماعة من السائحين
المنقطعين دخلوا علينا يريدون ما نريده من الصلاة في ذلك المسجد وفيهم ذلك الرجل الذي
كلمني على البحر الذي قيل لي إنه الخضر، وفيهم رجل كبير القدر أكبر منه منزلة، وكان بيني
وبين ذلك الرجل اجتماع قبل ذلك ومودّة، فقمت فسلمت عليه فسلّم عليّ وفرح بي وتقدم بنا
يصلي، فلما فرغنا من الصلاة خرج الإمام وخرجت خلفه وهو يريد باب المسجد وكان الباب
في الجانب الغربي يشرف على البحر المحيط بموضع يسمّى بكة فقمت أتحدث معه على باب
المسجد وإذا بذلك الرجل الذي قلت إنه الخضر قد أخذ حصيراً صغيراً كان في محراب
المسجد فبسطه في الهواء على قدر علو سبعة أذرع من الأرض ووقف على الحصير في الهواء
يتنفل، فقلت لصاحبي: أما تنظر إلى هذا وما فعل؟ فقال لي: سر إليه وسله، فتركت صاحبي
واقفاً وجئت إليه، فلما فرغ من صلاته سلمت عليه وأنشدته لنفسي: [الكامل]
في حبِّ من خلق الهواءَ وسخَّرَهُ
شُغْلُ المُحِبِّ عن الهواء يَسَّرَهْ
عن كل كون ترتضيه مطهَّرَهُ
العَارفون عقولُهم معقولةٌ
أحوالُهم مجهولةٌ ومُسَتَّرَهُ
فهُمُو لديه مكْرَمون وفي الورى
فقال لي: يا فلان ما فعلت ما رأيت إلاَّ في حق هذا المنكر، وأشار إلى صاحبي الذي
كان ينكر خرق العوائد وهو قاعد في صحن المسجد ينظر إليه ليعلم أن الله يفعل ما يشاء مع
من يشاء، فرددت وجهي إلى المنكر وقلت له: ما تقول؟ فقال: ما بعد العين ما يقال، ثم
رجعت إلى صاحبي وهو ينتظرني بباب المسجد فتحدثت معه ساعة وقلت له: من هذا الرجل
الذي صلَّى في الهواء وما ذكرت له ما اتفق لي معه قبل ذلك، فقال لي: هذا الخضر، فسكت
وانصرفت الجماعة وانصرفنا نريد روطة موضع مقصود يقصده الصلحاء من المنقطعين وهو
بمقربة من بشكنصار على ساحل البحر المحيط، فهذا ما جرى لنا مع هذا الوتد نفعنا الله
برؤيته، وله من العلم اللدني ومن الرحمة بالعالم ما يليق بمن هو على رتبته وقد أثنى الله
عليه. واجتمع به رجل من شيوخنا وهو علي بن عبد الله بن جامع من أصحاب علي المتوكل
وأبي عبد الله قضيب البان كان يسكن بالمقلى خارج الموصل في بستان له، وكان الخضر قد

٢٨٤ في المعارف / الباب الخامس والعشرون في معرفة وتد مخصوص معمر، وأسرار الأقطاب المختصين
ألبسه الخرقة بحضور قضيب البان، وألبسنيها الشيخ بالموضع الذي ألبسه فيه الخضر من
بستانه، وبصورة الحال التي جرت له معه في إلباسه إياها، وقد كنت لبست خرقة الخضر
بطريق أبعد من هذا من يد صاحبنا تقيّ الدين عبد الرحمن بن علي بن ميمون بن أب
الوزري، ولبسها هو من يد صدر الدين شيخ الشيوخ بالديار المصرية وهو ابن حمويه، وكان
جده قد لبسها من يد الخضر، ومن ذلك الوقت قلت بلباس الخرقة، وألبستها الناس لما رأيت
الخضر قد اعتبرها، وكنت قبل ذلك لا أقول بالخرقة المعروفة الآن، فإن الخرقة عندنا إنما
هي عبارة عن الصحبة والأدب والتخلّق، ولهذا لا يوجد لباسها متصلاً برسول الله وَله،
ولكن توجد صحبة وأدباً وهو المعبر عنه بلباس التقوى، فجرت عادة أصحاب الأحوال إذا
رأوا أحداً من أصحابهم عنده نقص في أمر ما وأرادوا أن يكملوا له حاله يتّحد به هذا الشيخ
فإذا اتّحد به أخذ ذلك الثوب الذي عليه في حال ذلك الحال ونزعه وأفرغه على الرجل الذي
يريد تكملة حاله فيسري فيه ذلك الحال فيكمل له ذلك، فذلك هو اللباس المعروف عندنا
والمنقول عن المحققين من شيوخنا.
ثم اعلم أن رجال الله على أربع مراتب: رجال لهم الظاهر، ورجال لهم الباطن،
ورجال لهم الحد، ورجال لهم المطلع. فإن الله سبحانه لما أغلق دون الخلق باب النبوّة
والرسالة أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه وَّر في كتابه العزيز، وكان
علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن الوحي قد انقطع بعد رسول الله وَ لّ وما بقي
بأيدينا إلاَّ أن يرزق الله عبداً فهماً في هذا القرآن، وقد أجمع أصحابنا أهل الكشف على صحة
خبر عن النبيّ وَّ﴿ أنه قال في آي القرآن: ((إِنَّهُ مَا مِنْ آيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا ظَاهِرٌ وَبَاطِنْ وَحَدٍّ وَمَطْلِعٌ))
ولكل مرتبة من هذه المراتب رجال، ولكل طائفة من هؤلاء الطوائف قطب، وعلى ذلك
القطب يدور فلك ذلك الكشف، دخلت على شيخنا أبي محمد عبد الله الشكاز من أهل باغة
باغرناطة سنة خمس وتسعين وخمسمائة وهو من أكبر من لقيته في هذا الطريق لم أر في طريقه
مثله في الاجتهاد فقال لي: الرجال أربعة ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية
٢٣] وهم رجال الظاهر. ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٧] وهم
رجال الباطن جلساء الحق تعالى ولهم المشورة. ورجال الأعراف وهم رجال الحد قال الله
تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٤٦] أهل الشم والتمييز والسراح عن الأوصاف
فلا صفة لهم كان منهم أبو يزيد البسطامي. ورجال إذا دعاهم الحق إليه يأتونه رجالاً لسرعة
الإجابة لا يركبون: ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [سورة الحج: الآية ٢٧] وهم رجال
المطلع .
فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرّف في عالم الملك والشهادة، وهم الذين كان يشير
إليهم الشيخ محمد بن قائد الأواني، وهو المقام الذي تركه الشيخ العاقل أبو السعود بن
الشبل البغدادي أدباً مع الله. أخبرني أبو البدر التماشكي البغدادي رحمه الله قال: لما اجتمع
محمد بن قائد الأواني وكان من الأفراد بأبي السعود هذا قال له: يا أبا السعود إن الله قسّم

في المعارف / الباب الخامس والعشرون في معرفة وتد مخصوص معمر، وأسرار الأقطاب المختصين ٢٨٥
المملكة بيني وبينك فلم لا تتصرّف فيها كما أتصرّف أنا؟ فقال له أبو السعود: يا ابن قائد
وهبتك سهمي نحن تركنا الحق يتصرّف لنا وهو قوله تعالى: ﴿فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية
٩] فامتثل أمر الله. فقال لي أبو البدر: قال لي أبو السعود: إني أعطيت التصرّف في العالم منذ
خمس عشرة سنة من تاريخ قوله فتركته وما ظهر عليّ منه شيء.
وأما رجال الباطن فهم الذين لهم التصرّف في عالم الغيب والملكوت فيستنزلون
الأرواح العلوية بهممهم فيما يريدونه، وأعني أرواح الكواكب لا أرواح الملائكة، وإنما كان
ذلك لمانع إلهيّ قويّ يقتضيه مقام الأملاك أخبر الله به في قول جبريل عليه السلام لمحمد وَال
فقال: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [سورة مريم: الآية ٦٤] ومن كان تنزله بأمر ربه لا تؤثر فيه
الخاصية ولا ينزل بها، نعم أرواح الكواكب تستنزل بالأسماء والبخورات وأشباه ذلك لأنه
تنزل معنوي ولمن يشاهد فيه صوراً خياليّ، فإن ذات الكواكب لا تبرح من السماء مكانها،
ولكن قد جعل الله لمطارح شعاعاتها في عالم الكون والفساد تأثيرات معتادة عند العارفين
بذلك، كالريّ عند شرب الماء، والشبع عند الأكل، ونبات الحبة عند دخول الفصل بنزول
المطر والصحو، حكمة أودعها العليم الحكيم جلّ وعزّ، فيفتح لهؤلاء الرجال في باطن
الكتب المنزلة والصحف المطهرة وكلام العالم كله ونظم الحروف والأسماء من جهة معانيها
ما لا يكون لغيرهم اختصاصاً إلهياً.
وأما رجال الحد فهم الذين لهم التصرّف في عالم الأرواح النارية عالم البرزخ
والجبروت فإنه تحت الجبر، ألا تراه مقهوراً تحت سلطان ذوات الأذناب وهم طائفة منهم من
الشهب الثواقب فما قهرهم إلاَّ بجنسهم، فعند هؤلاء الرجال استنزال أرواحها وإحضارها وهم
رجال الأعراف، والأعراف سور حاجز بين الجنة والنار برزخ باطنه فيه الرحمة وظاهره من
قبله العذاب، فهو حد بين دار السعداء ودار الأشقياء، دار أهل الرؤية ودار الحجاب، وهؤلاء
الرجال أسعد الناس بمعرفة هذا السور، ولهم شهود الخطوط المتوهمة بين كل نقيضين مثل
قوله: ﴿يَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٠] فلا يتعدون الحدود وهم رجال الرحمة
التي وسعت كل شيء، فلهم في كل حضرة دخول واستشراف، وهم العارفون بالصفات التي
يقع بها الامتياز لكل موجود عن غيره من الموجودات العقلية والحسيّة.
وأمّا رجال المطلع فهم الذين لهم التصرّف في الأسماء الإلهية فيستنزلون بها منها ما
شاء الله وهذا ليس لغيرهم، ويستنزلون بها كل ما هو تحت تصريف الرجال الثلاثة: رجال
الحد، والباطن، والظاهر، وهم أعظم الرجال، وهم الملامية هذا في قوّتهم، وما يظهر
عليهم من ذلك شيء منهم أبو السعود وغيره فهم والعامة في ظهور العجز وظاهر العوائد
سواء، وكان لأبي السعود في هؤلاء الرجال تميّز بل كان من أكبرهم، وسمعه أبو البدر على
ما حدثنا مشافهة يقول: إنّ من رجال الله من يتكلم على الخاطر وما هو مع الخاطر، أي لا
علم له بصاحبه ولا يقصد التعريف به، ولما وصف لنا عمر البزاز وأبو البدر وغيرهما حال

٢٨٦
في المعارف/ الباب السادس والعشرون في معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم ...
هذا الشيخ رأيناه يجري مع أحوال هذا الصنف العالي من رجال الله، قال لي أبو البدر: كان
كثيراً ما ينشد بيتاً لم نسمع منه غيره وهو : [الطويل]
وقال لها من دون أَخْمَصِك الحَشْرُ
وأثْبَتَ في مستنقع الموتِ رجلهَ
وكان يقول: ما هو إلاَّ الصلوات الخمس وانتظار الموت، وتحت هذا الكلام علم
كبير، وكان يقول: الرجل مع الله تعالى كساعي الطير، فم مشغول وقدم تسعى، وهذا كله
أكبر حالات الرجال مع الله، إذ الكبير من الرجال من يعامل كل موطن بما يستحقه، وموطن
هذه الدنيا لا يمكن أن يعامله المحقق إلاَّ بما ذكره هذا الشيخ، فإذا ظهر في هذه الدار من
رجل خلاف هذه المعاملة علم أن ثم نفساً ولا بدّ إلاَّ أن يكون مأموراً بما ظهر منه وهم الرسل
والأنبياء عليهم السلام، وقد يكون بعض الورثة لهم أمر في وقت بذلك وهو مكر خفي فإنه
انفصال عن مقام العبودية التي خلق الإنسان لها .
وأما سرّ المنزل والمنازل فهو ظهور الحق بالتجلّي في صور كل ما سواه، فلولا تجليه
لكل شيء ما ظهرت شيئية ذلك الشيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَّقُولَ لَهُ
كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فقوله: إذا أردناه هو التوجّه الإلهيّ لإيجاد ذلك الشيء، ثم قال:
﴿أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ فنفس سماع ذلك الشيء خطاب الحق تكون ذلك الشيء فهو بمنزلة سريان
الواحد في منازل العدد، فتظهر الأعداد إلى ما لا يتناهى بوجود الواحد في هذه المنازل،
ولولا وجود عينه فيها ما ظهرت أعيان الأعداد ولا كان لها اسم، ولو ظهر الواحد باسمه في
هذه المنزلة ما ظهر لذلك العدد عين فلا تجتمع عينه واسمه معاً أبداً، فيقال: اثنان ثلاثة أربعة
خمسة إلى ما لا يتناهى، وكل ما أسقطت واحداً من عدد معين زال اسم ذلك العدد وزالت
حقيقته، فالواحد بذاته يحفظ وجود أعيان الأعداد وباسمه يعدمها، كذلك إذا قلت: القديم
فني المحدث، وإذا قلت: الله فني العالم، وإذا أخليت العالم من حفظ الله لم يكن للعالم
وجود وفني، وإذا سرى حفظ الله في العالم بقي العالم موجوداً، فبظهوره وتجليه يكون العالم
باقياً، وعلى هذه الطريقة أصحابنا، وهي طريقة النبوّة والمتكلمون من الأشاعرة أيضاً عليها،
وهم القائلون بانعدام الأعراض لأنفسها، وبهذا يصحّ افتقار العالم إلى الله في بقائه في كل
نفس، ولا يزال الله خلاقاً على الدوام، وغيرهم من أهل النظر لا يصحّ لهم هذا المقام.
وأخبرني جماعة من أهل النظر من علماء الرسوم أن طائفة من الحكماء عثروا على هذا ورأيته
مذهباً لابن السيد البطليوسي في كتاب ألفه في هذا الفن، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والعشرون
في معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم وعلومهم في الطريق
[نظم : الوافر]
على المعنى المغيَّب في الفؤادِ
ألا إن الرموزَ دليلُ صِدْقٍ
وألغازٌ ليُدعَى بالعبادِ
وإن العالمين له رُمُوزٌ

٢٨٧
في المعارف / الباب السادس والعشرون في معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم ...
ولولا اللُّغْزُ كان القولُ كفراً
فهم بالرَّمْز قد حسبوا فقالوا
فكيف بنا لَوَ أَنَّ الأمر يبدو
لقام بنا الشقاءُ هنا يقيناً
ولكنَّ الغفورَ أقام ستراً
وأدّى العالمينَ إلى العِنَادِ
بإهراقِ الدماء وبالفَسَادِ
بلا سترِ يكون له اسْتِنَّادي
وعند البَغث في يوم التَّنّادي
ليسعدنا على رغم الأعادي
اعلم أيها الوليّ الحميم أيّدك الله بروح القدس وفهمك أن الرموز والألغاز ليست مرادة
لأنفسها، وإنما هي مرادة لما رمزت له ولما ألغز فيها، ومواضعها من القرآن آيات الاعتبار
كلها، والتنبيه على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٣]
فالأمثال ما جاءت مطلوبة لأنفسها، وإنما جاءت ليعلم منها ما ضربت له وما نصبت من أجله
مثلاً، مثل قوله تعالى: ﴿أَنَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيَاً وَمِمَا
يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزََّدُ فَيَذْهَبُ
جُفَآءَ﴾ [سورة الرعد: الآية ١٧] فجعله كالباطل كما قال: ﴿وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨١]
ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمُْثُ فِ الْأَرْضِّ﴾ ضربه مثلاً للحق ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة
الرعد: الآية ١٧] وقال: ﴿فَأَعْتَبِرُوا يَأُوْلِى الْأَبْصَرِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] أي تعجبوا وجوزوا واعبروا
إلى ما أردته بهذا التعريف و ﴿إِنَ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣]
من عبرت الوادي إذا جزته. وكذلك الإشارة والإيماء قال تعالى لنبيه زكريا: ﴿إِنَّ أَلَّا تُكَلَّمَ
النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَهْزًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤١] أي بالإشارة، وكذلك: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾
[سورة مريم: الآية ٢٩] في قصة مريم لما نذرت للرحمن أن تمسك عن الكلام، ولهذا العلم
رجال كبير قدرهم من أسرارهم سرّ الأزل والأبد والحال والخيال والرؤيا والبرازخ، وأمثال
هذه من النسب الإلهية، ومن علومهم خواص العلم بالحروف والأسماء والخواص المركبة
والمفردة من كل شيء من العالم الطبيعيّ وهي الطبيعة المجهولة.
فأمّا علم سرّ الأزل: فاعلم أن الأزل عبارة عن نفي الأولية لمن يوصف به وهو وصف
لله تعالى من كونه إلهاً، وإذا انتفت الأولية عنه تعالى من كونه إلهاً فهو المسمّى بكل اسم
سمّى به نفسه أزلاً من كونه متكلماً، فهو العالم، الحيّ، المريد، القادر، السميع، البصير،
المتكلم، الخالق، البارىء، المصوّر، الملك، لم يزل مسمّى بهذه الأسماء، وانتفت عنه
أولية التقييد، فسمع المسموع وأبصر المبصر إلى غير ذلك وأعيان المسموعات منّا
والمبصرات معدومة غير موجودة وهو يراها أزلاً كما يعلمها أزلاً ويميّزها ويفصلها أزلاً، ولا
عين لها في الوجود النفسي العيني، بل هي أعيان ثابتة في رتبة الإمكان، فالإمكانية لها أزلاً
كما هي لها حالاً وأبداً، لم تكن قط واجبة لنفسها ثم عادت ممكنة ولا محالاً ثم عادت
ممكنة، بل كان الوجوب الوجودي الذاتي لله تعالى أزلاً، كذلك وجوب الإمكان للعالم أزلاً ،
فالله في مرتبته بأسمائه الحسنى يسمّى منعوتاً موصوفاً بها، فعين نسبة الأوّل له نسبة الآخر،
والظاهر والباطن لا يقال هو أول بنسبة كذا ولا آخر بنسبة كذا، فإن الممكن مرتبط بواجب

٢٨٨
في المعارف / الباب السادس والعشرون في معرفة أقطاب الرموز وتنويحات من أسرارهم ...
الوجود في وجوده وعدمه ارتباط افتقار إليه في وجوده، فإن أوجده لم يزل في إمكانه، وإن
عدم لم يزل عن إمكانه، فكما لم يدخل على الممكن في وجود عينه بعد أن كان معدوماً صفة
تزيله عن إمكانه، كذلك لم يدخل على الخالق الواجب الوجود في إيجاده العالم وصف يزيله
عن وجوب وجوده لنفسه، فلا يعقل الحق إلاَّ هكذا، ولا يعقل الممكن إلاَّ هكذا، فإن فهمت
علمت معنى الحدوث ومعنى القدم فقل بعد ذلك ما شئت، فأولية العالم وآخريته أمر إضافي
إن كان له آخر، أمّا في الوجود فله آخر في كل زمان فرد وانتهاء عند أرباب الكشف،
ووافقتهم الحسبانية على ذلك كما وافقتهم الأشاعرة، على أن العرض لا يبقى زمانين، فالأول
من العالم بالنسبة إلى ما يخلق بعده، والآخر من العالم بالنسبة إلى ما خلق قبله، وليس كذلك
معقولية الاسم الله بالأول والآخر والظاهر والباطن، فإن العالم يتعدد والحق واحد لا يتعدد،
ولا يصحّ أن يكون أولاً لنا، فإن رتبته لا تناسب رتبتنا، ولا تقبل رتبتنا أوليته، ولو قبلت رتبتنا
أوليته لاستحال علينا اسم الأولية، بل كان ينطلق علينا اسم الثاني لأوليته، ولسنا بثان له تعالى
عن ذلك فليس هو بأول لنا فلهذا كان عين أوليته عين آخريته، وهذا المدرك عزيز المنال
يتعذر تصوّره على من لا أنسة له بالعلوم الإلهية التي يعطيها التجلّي والنظر الصحيح، وإليه
كان يشير أبو سعيد الخراز بقوله: عرفت الله بجمعه بين الضدين ثم يتلو ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ
وَاُلَّهِرُ وَالْبَاطِنٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] فقد أبنت لك عن سرّ الأزل وأنه نعت سلبي. وأما سرّ
الأبد فهو نفي الآخرية، فكما أن الممكن انتفت عنه الآخرية شرعاً من حيث الجملة إذ الجنة
والإقامة فيها إلى غير نهاية، كذلك الأولية بالنسبة إلى ترتيب الموجودات الزمانية معقولة
موجودة، فالعالم بذلك الاعتبار الإلهيّ لا يقال فيه أول ولا آخر، وبالاعتبار الثاني هو أول
وآخر بنسبتين مختلفتين بخلاف ذلك في إطلاقها على الحق عند العلماء بالله .
وأما سرّ الحال فهو الديمومة وما لها أول ولا آخر، وهو عين وجود كل موجود، فقد
عرفتك ببعض ما يعلمه رجال الرموز من الأسرار وسكت عن كثير فإن بابه واسع، وعلم
الرؤيا والبرزخ والنسب الإلهية من هذا القبيل والكلام فيها يطول. وأما علومهم في الحروف
والأسماء فاعلم أن الحروف لها خواص وهي على ثلاثة أضرب: منها حروف رقمية ولفظية
ومستحضرة، وأعني بالمستحضرة الحروف التي يستحضرها الإنسان في وهمه وخياله
ويصوّرها، فإما أن يستحضر الحروف الرقمية أو الحروف اللفظية، وما ثم للحروف رتبةٍ
أخرى فيفعل بالاستحضار كما يفعل بالكتاب أو التلفظ، فأما حروف التلفظ فلا تكون إلاَّ
أسماء فذلك خواص الأسماء. وأما المرقومة فقد لا تكون أسماء، واختلف أصحاب هذا
العلم في الحرف الواحد هل يفعل أم لا؟ فرأيت منهم من منع من ذلك جماعة، ولا شك أني
لما خضت معهم في مثل هذا أوقفتهم على غلطهم في ذلك الذي ذهبوا إليه وإصابتهم وما
نقصهم من العبارة عن ذلك، ومنهم من أثبت الفعل للحرف الواحد وهؤلاء أيضاً مثل الذين
منعوا مخطئون ومصيبون، ورأيت منهم جماعة وأعلمتهم بموضع الغلط والإصابة فاعترفوا
كما اعترف الآخرون، وقلت للطائفتين: جربوا ما عرفتم من ذلك على ما بيناه لكم، فجرّبوه

٢٨٩
في المعارف/ الباب السادس والعشرون في معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم ..
فوجدوا الأمر كما ذكرناه ففرحوا بذلك، ولولا أني آليت عقداً أن لا يظهر مني أثر عن حرف
لأريتهم من ذلك عجباً.
فاعلم أن الحرف الواحد سواء كان مرقوماً أو متلفظاً به إذا عرى القاصد للعمل به عن
استحضاره في الرقم أو في اللفظ خيالاً لم يعمل وإذا كان معه الاستحضار عمل، فإنه مركب
من استحضار ونطق أو رقم، وغاب عن الطائفتين صورة الاستحضار مع الحرف الواحد،
فمن اتفق له الاستحضار مع الحرف الواحد ورأى العمل غفل عن الاستحضار ونسب العمل
للحرف الواحد، ومن اتفق له التلفظ أو الرقم بالحرف الواحد دون استحضار فلم يعمل
الحرف شيئاً قال بمنع ذلك، وما واحد منهم تفطن لمعنى الاستحضار، وهذه حروف الأمثال
المركبة كالواوين وغيرهما، فلما نبهناهم على مثل هذا جربوا ذلك فوجدوه صحيحاً وهو علم
ممقوت عقلاً وشرعاً. فأما الحروف اللفظية فإن لها مراتب في العمل وبعض الحروف أعم
عملاً من بعض وأكثر، فالواو أعم الحروف عملاً لأن فيها قوّة الحروف كلها، والهاء أقل
الحروف عملاً، وما بين هذين الحرفين من الحروف تعمل بحسب مراتبها على ما قرّرناه في
كتاب المبادي والغايات فيما تتضمنه حروف المعجم من العجائب والآيات، وهذا العلم
يسمّى علم الأولياء وبه تظهر أعيان الكائنات، ألا ترى تنبيه الحق على ذلك بقوله: ﴿كُنّ
فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فظهر الكون عن الحروف، ومن هنا جعله الترمذيّ علم
الأولياء، ومن هنا منع من منع أن يعمل الحرف الواحد فإنه رأي مع الاقتدار الإلهيّ لم يأت في
الإيجاد حرف واحد وإنما أتى بثلاثة أحرف: حرف غيبي وحرفين ظاهرين إذا كان الكائن واحداً
فإن زاد على واحد ظهرت ثلاثة أحرف، فهذه علوم هؤلاء الرجال المذكورين في هذا الباب،
وعمل أكثر رجال هذا العلم لذلك جدولاً وأخطؤوا فيه وما صحّ، فلا أدري أبالقصد عملوا ذلك
حتى يتركوا الناس في عماية من هذا العلم؟ أم جهلوا ذلك؟ وجرى فيه المتأخر على سنن
المتقدّم، وبه قال تلميذ جعفر الصادق وغيره، وهذا هو الجدول في طبائع الحروف:
د
حار بارد یا بس رطب
فكل حرف منها وقع في جدول الحرارة فهو حار وما وقع منها في
0
جدول البرودة فهو بارد، وكذلك اليبوسة والرطوبة، ولم نر هذا الترتيب
ج
و
1
هـ
ز
ح
يصيب في كل عمل بل يعمل بالاتفاق كأعداد الوفق. واعلم أنّ هذه
الحروف لم تكن لها هذه الخاصية من كونها حروفاً وإنما كان لها من
ي
ع
س
كونها أشكالاً، فلما كانت ذوات أشكال كانت الخاصية للشكل ولهذا
ص
ـ،
ر
ق
يختلف عملها باختلاف الأقلام لأن الأشكال تختلف، فأمّا الرقمية
ٹ
ت
فأشكالها محسوسة بالبصر، فإذا وجدت أعيانها وصحبتها أرواحها
ظ
ض
وحياتها الذاتية كانت الخاصية لذلك الحرف لشکله وتر کیبه مع روحه،
غ
وكذلك إن كان الشكل مركباً من حرفين أو ثلاثة أو أكثر كان للشكل روح آخر ليس الروح
الذي كان للحرف على انفراده فإن ذلك الروح يذهب وتبقى حياة الحرف معه، فإن الشكل لا
يدبره سوى روح واحد، وينتقل روح ذلك الحرف الواحد إلى البرزخ مع الأرواح، فإن موت
الفتوحات المكية ج١ - م١٩

٢٩٠
في المعارف / الباب السادس والعشرون في معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم ...
الشكل زواله بالمحو، وهذا الشكل الآخر المركب من حرفين أو ثلاثة أو ما كان ليس هو عين
الحرف الأوّل الذي لم يكن مركباً أنّ عمراً ليس هو عين زيد وإن كان مثله .
وأمّا الحروف اللفظية فإنها تتشكل في الهواء ولهذا تتصل بالسمع على صورة ما نطق
بها المتكلم، فإذا تشكلت في الهواء قامت بها أرواحها، وهذه الحروف لا يزال الهواء يمسك
عليها شكلها، وإن انقضى عملها فإن عملها إنما يكون في أوّل ما تتشكل في الهواء، ثم بعد
ذلك تلتحق بسائر الأمم، فيكون شغلها تسبيح ربها وتصعد علواً ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ اَلَطِّبُ﴾
[سورة فاطر: الآية ١٠] وهو عين شكل الكلمة من حيث ما هي شكل مسبح الله تعالى، ولو كانت
كلمة كفر فإن ذلك يعود وباله على المتكلم بها لا عليها، ولهذا قال الشارع: إن الرجل ليتكلم
بالكلمة من سخط الله ما لا يظنّ أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين خريفاً، فجعل
العقوبة للمتلفظ بها بسببها وما تعرّض إليها، فهذا كلام الله سبحانه يعظم ويمجد ويقدّس
المكتوب في المصاحف ويقرأ على جهة القربة إلى الله، وفيه جميع ما قالت اليهود والنصارى
في حق الله من الكفر والسب وهي كلمات كفر عاد وبالها على قائلها، وبقيت الكلمات على
بابها تتولى يوم القيامة عذاب أصحابها أو نعيمهم، وهذه الحروف الهوائية اللفظية لا يدركها
موت بعد وجودها بخلاف الحروف الرقمية، وذلك لأن شكل الحرف الرقمي، والكلمة الرقمية
تقبل التغيير والزوال لأنه في محل يقبل ذلك، والأشكال اللفظية في محل لا يقبل ذلك ولهذا
كان لها البقاء، فالجوّ كله مملوء من كلام العالم يراه صاحب الكشف صوراً قائمة.
وأمّا الحروف المستحضرة فإنها باقية إذ كان وجود أشكالها في البرزخ لا في الحسّ
وفعلها أقوى من فعل سائر الحروف، ولكن إذا استحكم سلطان استحضارها واتحد
المستحضر لها ولم يبق فيه متسع لغيرها ويعلم ما هي خاصيتها حتى يستحضرها من أجل
ذلك فيرى أثرها فهذا شبيه الفعل بالهمة وإن لم يعلم ما تعطيه فإنه يقع الفعل في الوجود ولا
علم له به، وكذلك سائر أشكال الحروف في كل مرتبة، وهذا الفعل بالحرف المستحضر يعبر
عنه بعض من لا علم له بالهمة وبالصدق وليس كذلك، وإن كانت الهمة روحاً للحرف
المستحضر لا عين الشكل المستحضر، وهذه الحضرة تعم الحروف كلها لفظيها ورقميها،
فإذا علمت خواص الأشكال وقع الفعل بها علماً لكاتبها أو المتلفظ بها، وإن لم يعين ما هي
مرتبطة به من الانفعالات لا يعلم ذلك، وقد رأينا من قرأ آية من القرآن وما عنده خبر فرأى
أثراً غريباً حدث وكان ذا فطنة فرجع في تلاوته من قريب لينظر ذلك الأثر بأية آية يختص
فجعل يقرأ وينظر فمرّ بالآية التي لها ذلك الأثر فرأى الفعل فتعدّاها فلم ير ذلك الأثر فعاود
ذلك مراراً حتى تحققه فاتخذها لذلك الانفعال ورجع كلما أراد أن يرى ذلك الانفعال تلا تلك
الآية فظهر له ذلك الأثر وهو علم شريف في نفسه إلاَّ أن السلامة منه عزيزة، فالأولى ترك
طلبه فإنه من العلم الذي اختصّ الله به أولياءه على الجملة وإن كان عند بعض الناس منه قليل
ولكن من غير الطريق الذي يناله الصالحون، ولهذا يشقى به من هو عنده ولا يسعد، فالله
يجعلنا من العلماء بالله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٩١
في المعارف/ الباب السابع والعشرون في معرفة أقطاب ((صل فقد نويت وصالك)) ... الخ
الباب السابع والعشرون
في معرفة أقطاب ((صل فقد نويت وصالك» وهو من منزل العالم النوراني
[نظم: الوافر]
ولولا النورُ ما اتّصلت عيونٌ
ولولا الحقُّ ما اتصلت عقولٌ
إذا سُئلتْ عقولٌ عن ذواتٍ
بعين المبصرات ولا رأتْهَا
بأغيَانِ الأمورِ فأدركَتْهَا
تُعدُّ مغايراتٍ أنكرتْهَا
تمدُّ ذواتٍ خلق أظهرتْهَا
وقالت ما علمنا غيرَ ذاتٍ
هي المعنى ونحن لها حروفٌ
فمهما عيَّنَتْ أمراً عَنَتْهَا
اعلم أيها الوليّ الحميم تولاك الله بعنايته أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿فَوْفَ يَأْتِى
اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] فقدم محبته إياهم على محبتهم إياه. وقال:
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] فقدم إجابته لنا إذا دعوناه على
إجابتنا له إذا دعانا، وجعل الاستجابة من العبيد لأنها أبلغ من الإجابة، فإنه لا مانع له من
الإجابة سبحانه فلا فائدة للتأكيد، وللإنسان موانع من الإجابة لما دعاه الله إليه وهي: الهوى،
والنفس، والشيطان، والدنيا، فلذلك أمر بالاستجابة، فإنّ الاستفعال أشد في المبالغة من
الإفعال، وأين الاستخراج من الإخراج؟ ولهذا يطلب الكون من الله العون في أفعاله،
ويستحيل على الله أن يستعين بمخلوق، قال تعالى تعليماً لنا أن نقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة: الآية ٥] من هذا الباب، فلهذا قال في هذا الباب: صل فقد نويت وصالك، فقد
قدم الإرادة منه لذلك فقال: صل، فإذا تعملت في الوصلة فذلك عين وصلته بك فلذلك
جعلها نية لا عملاً، قال رسول الله وَّهُ: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ تَقَرَّب إِليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ
ذِرَاعاً)) وهذا قرب مخصوص يرجع إلى ما تتقرّب إليه سبحانه به من الأعمال والأحوال، فإن
القرب العامّ قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] ﴿وَتَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] فضاعف القرب بالذراع، فإنّ الذراع ضعف للشبرأي
قوله: صل هو قرب ثم تقريب إليه شبراً فتبدّى لك أنك ما تقرّبت إليه إلاَّ به لأنه لولا ما دعاك
وبيّن لك طريق القربة وأخذ بناصيتك فيها ما تمكن لك أن تعرف الطريق التي تقرّب منه ما
هي، ولو عرفتها لم يكن لك حول ولا قوّة إلاّ به .
ولما كان القرب بالسلوك والسفر إليه لذلك كان من صفته النور لنهتدي به في الطريق
كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُوَمَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِى ◌ُظُلُمَتِ الْبَرِّ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٧] وهو السلوك
الظاهر بالأعمال البدنية والبحر وهو السلوك الباطن المعنوي بالأعمال النفسية، فأصحاب هذا
الباب معارفهم مكتسبة لا موهوبة، وأكلهم من تحت أقدامهم أي من كسبهم لها واجتهادهم
في تحصيلها، ولولا ما أرادهم الحق لذلك ما وفقهم ولا استعملهم حين طرد غيرهم بالمعنى
ودعاهم بالأمر، فحرمهم الوصول بحرمانه إياهم استعمال الأسباب التي جعلها طريقاً إلى

٢٩٢
في المعارف / الباب السابع والعشرون في معرفة أقطاب ((صل فقد نويت وصالك)) ... الخ
الوصول من حضرة القرب ولذلك بشرهم فقال: صل فقد نويت وصالك، فسبقت لهم العناية
فسلكوا وهم الذين أمرهم الله بلباس النعلين في الصلاة إذا كان القاعد لا يلبس النعلين وإنما
وضعت للماشي فيها، فدلّ أن المصلي يمشي في صلاته ومناجاة ربّه في الآيات التي يناجيه
فيها منزلاً منزلاً كل آية منزل وحال فقال لهم: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمٌ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ٣١] قال الصاحب: لما نزلت هذه الآية أمرنا فيها بالصلاة في النعلين، فكان ذلك
تنبيهاً من الله تعالى للمصلي أنه يمشي على منازل ما يتلوه في صلاته من سور القرآن إذ كانت
السور هي المنازل لغة، قال النابغة: [الطويل]
ألم تَرَ أن الله أعطاك سورةً
ترى كل مَلْكِ دونها يتذَبْذَبُ
أراد منزلة، وقيل لموسى عليه السلام: ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [سورة طه: الآية ١٢] أي قد
وصلت المنزل، فإنه كلّمه الله بغير واسطة بكلامه سبحانه بلا ترجمان، ولذلك أكّده في
التعريف لنا بالصدر فقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٦٤] ومن وصل
إلى المنزل خلع نعليه فبانت رتبة المصلي بالنعلين، وما معنى المناجاة في الصلاة وأنها ليست
بمعنى الكلام الذي حصل لموسى عليه السلام، فإنه قال في المصلي يناجي والمناجاة فعل
فاعلين فلا بدّ من لباس النعلين، إذ كان المصلي متردّداً بين حقيقتين، والتردّد بين أمرين يعطي
المشي بينهما بالمعنى دلّ عليه باللفظ لباس النعلين، ودلّ عليه قول الله تعالى بترجمة
النّبِّ وَّه عنه: ((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا
سَأَلَ)) ثم قال: ((يقول العبد: الحمد لله رب العالمين))، فوصفه أن العبد مع نفسه في قوله
الحمد لله رب العالمين يسمع خالقه ومناجيه، ثم يرحل العبد من منزل قوله إلى منزل سمعه
ليسمع ما يجيبه الحق تعالى على قوله وهذا هو السفر فلهذا لبس نعليه ليسلك بهما الطريق
الذي بين هذين المنزلين، فإذا رحل إلى منزل سمعه سمع الحق يقول له: ((حمدني عبدي))،
فيرحل من منزل سمعه إلى منزل قوله فيقول: الرحمن الرحيم، فإذا فرغ رحل إلى منزل سمعه
فإذا نزل سمع الحق تعالى يقول له: ((أثنى عليّ عبدي)) فلا يزال متردّداً في مناجاته قولاً، ثم له
رحلة أخرى من حال قيامه في الصلاة إلى حال ركوعه فيرحل من صفة القيومية إلى صفة
العظمة فيقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم يرفع وهو رحلته من مقام التعظيم إلى مقام
النيابة فيقول: سمع الله لمن حمده، قال النبيّ وَّر: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ: سَمِعَ اللَّهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ)) فلهذا جعلنا الرفع من الركوع نيابة عن الحق ورجوعاً إلى
القيومية، فإذا سجد اندرجت العظمة في الرفعة الإلهية فيقول الساجد: سبحان ربي الأعلى
وبحمده، فإنّ السجود يناقض العلوّ، فإذا خلص العلوّ لله ثم رفع رأسه من السجود واستوى
جالساً وهو قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [سورة ◌ُه: الآية ٥] فيقول: رب اغفر لي وارحمني
واهدني وارزقني واجبرني وعافني واعف عني، فهذه كلها منازل ومناهل في الصلاة فعلاً،
فهو مسافر من حال إلى حال، فمن كان حاله السفر دائماً كيف لا يقال له: البس نعليك أي
استعن في سيرك بالكتاب والسنّة وهي زينة كل مسجد، فإن أحوال الصلاة وما يطرأ فيها من

٢٩٣
في المعارف / الباب الثامن والعشرون في معرفة أقطاب ألم تر كيف
كلام الله وما يتعرض في ذلك من الشبه في غوامض الآيات المتلوّة وكون الإنسان في الصلاة
يجعل الله في قبلته فيجده، فهذه كلها بمنزلة الشوك والوعر الذي يكون بالطريق ولا سيما
طريق التكليف، فأمر بلباس النعلين ليتقي بهما ما ذكرناه من الأذى لقدمي السالك اللتين هما
عبارة عن ظاهره وباطنه، فلهذا جعلناهما الكتاب والسنّة.
وأمّا نعلا موسى عليه السلام فليستا هذه فإنه قال له ربه: ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِلَوَادِ
الْمُقَدَّسِ﴾ [سورة طه: الآية ١٢] فروينا أنهما كانتا من جلد حمار ميت فجمعت ثلاثة أشياء: الشيء
الواحد الجلد وهو ظاهر الأمر أي لا تقف مع الظاهر في كل الأحوال. والثاني: البلادة فإنها
منسوبة إلى الحمار. والثالث: كونه ميتاً غير مذكى والموت الجهل، وإذا كنت ميتاً لا تعقل ما
تقول ولا ما يقال لك، والمناجي لا بدّ أن يكون بصفة من يعقل ما يقول ويقال له، فيكون حيّ
القلب فطناً بمواقع الكلام، غوّاصاً على المعاني التي يقصدها من يناجيه بها، فإذا فرغ من صلاته
سلم على من حضر سلام القادم من عند ربّه إلى قومه بما أتحفه به، فقد نبهتك على سرّ لباس
النعلين في الصلاة في ظاهر الأمر، وما المراد بهما عند أهل طريق الله تعالى من العارفين.
قالِ وَّه: ((الصَّلاةُ نُورٌ وَالنورُ يُهْتَدَى بِهِ)) واسم الصلاة مأخوذة من المصلي وهو المتأخر
الذي يلي السابق في الحلبة، ولهذا ترجم هذا الباب بالوصلة وجعله من عالم النور، ولأهل
هذا المشهد نور خلع النعلين، ونور لباس النعلين، فهم المحمديون الموسويون المخاطبون
من شجر الخلاف بلسان النور المشبه بالمصباح وهو نور ظاهر يمدّه نور باطن في زيت من
شجرة زيتونة مباركة في خط الاعتدال، منزهة عن تأثير الجهات، كما كان الكلام لموسى عليه
السلام من شجرة فهو نور على نور، أي نور من نور، فأبدل حرف من بعلى لما يفهم به من
قرينة الحال وقد تكون على على بابها، فإن نور السراج الظاهر يعلو حسّاً على نور الزيت
الباطن وهو الممد للمصباح، فلولا رطوبة الدهن تمدّ المصباح لم يكن للمصباح ذلك الدوام،
وكذلك إمداد التقوى للعلم العرفانيّ الحاصل منها في قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِمُكُمُ
اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩]
لا يقطع ذلك العلم الإلهيّ، فنور الزيت باطن في الزيت محمول فيه يسري منه معنى لطيف
في رقيقة من رقائق الغيب لبقاء نور المصباح، ولأقطاب هذا المقام أسرار منها: سرّ الإمداد،
وسرّ النكاح، وسرّ الجوارح، وسرّ الغيرة، وسرّ العنين، وهو الذي لا يقوم بالنكاح، وسرّ
دائرة الزمهرير، وسرّ وجود الحق في السراب، وسرّ الحجب الإلهية، وسرّ نطق الطير
والحيوان، وسرّ البلوغ، وسرّ الصدّيقين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والعشرون
في معرفة أقطاب ألم تر كيف
[نظم: البسيط]
لكنه بوجود الحق مَوْسُومُ
العِلمُ بالكيف مجهول ومعلومُ

٢٩٤
في المعارف / الباب الثامن والعشرون في معرفة أقطاب ألم تر كيف
فظاهرُ الكون تكييفٌ وباطئُه
من أعْجَبِ الأمر أن الجهلَ من صفتي
وكيف أُدركُ من بالعجز أُدركُهُ
قد حِرْتُ فيه وفي أمري ولست أنا
إن قُلْتُ إني يقول الآن منه أنا
فالحمدُ لله لا أبغي به بدلاً
علمٌ يشار إليه فهو مَكْتُومُ
بما لنا فهو في التحقيق مَعْلومُ
وكيف أَجْهَلُه والجهلُ مَعْدومُ
سواه فالخلق ظَلاَّمٌ ومظلومُ
أو قلتُ إنك قال الآن مفهومُ
وإنما الرزقُ بالتقدير مَقْسُومُ
اعلم أن أمهات المطالب أربعة وهي: هل: سؤال عن الوجود، وما هو : سؤال عن
الحقيقة التي يعبر عنها بالماهية، وكيف : وهو سؤال عن الحال، ولم: وهو سؤال عن العلة
والسبب. واختلف الناس فيما يصحّ منها أن يسأل بها عن الحق واتفقوا على كلمة (هل) فإنه
يتصوّر أن يسأل بها عن الحق، واختلفوا فيما بقي فمنهم من منع ومنهم من أجاز، فالذي منع
وهم الفلاسفة وجماعة من الطائفة منعوا ذلك عقلاً، ومنهم من منع ذلك شرعاً. فأما صورة
منعهم عقلاً أنهم قالوا في مطلب ما أنه سؤال عن الماهية فهو سؤال عن الحد، والحق سبحانه
لا حدّ له، إذ كان الحد مركباً من جنس وفصل، وهذا ممنوع في حق الحق، لأن ذاته غير
مركبة من أمر يقع فيه الاشتراك فيكون به في الجنس، وأمر يقع به الامتياز وما ثم إلاَّ الله
والخلق، ولا مناسبة بين الله والعالم، ولا الصانع والمصنوع، فلا مشاركة فلا جنس فلا
فصل، والذي أجاز ذلك عقلاً ومنعه شرعاً قال: لا أقول: إن الحد مركب من جنس وفصل،
بل أقول: إن السؤال بما يطلب به العلم بحقيقة المسؤول عنه، ولا بدّ لكل معلوم أو مذكور
من حقيقة يكون في نفسه عليها، سواء كان على حقيقة يقع له فيها الاشتراك، أو يكون على
حقيقة لا يقع له فيها الاشتراك، فالسؤال بما يتصوّر، ولكن ما ورد به الشرع فمنعنا من السؤال
به عن الحق لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١].
وأما منعهم الكيفية وهو السؤال بكيف فانقسموا أيضاً قسمين: فمن قائل: بأنه سبحانه
ماله كيفية لأن الحال أمر معقول زائد على كونه ذاتاً، وإذا قام بذاته أمر وجوديّ زائد على ذاته
أدّى إلى وجود واجبي الوجود لذاتهما أزلاً، وقد قام الدليل على إحالة ذلك وأنه لا واجب إلاَّ
هو لذاته فاستحالت الكيفية عقلاً. ومن قائل: إن له كيفية ولكن لا تعلم فهي ممنوعة شرعاً لا
عقلاً لأنها خارجة عن الكيفيات المعقولة عندنا فلا تعلم وقد قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾
يعني في كل ما ينسب إليه مما نسبه إلى نفسه، يقول: هو على ما تنسبه إلى الحق، وإن وقع
الاشتراك في اللفظ فالمعنى مختلف. وأما السؤال بلم فممنوع أيضاً لأن أفعال الله تعالى لا
تعلل لأن العلة موجبة للفعل، فيكون الحق داخلاً تحت موجب أوجب عليه هذا الفعل زائد
على ذاته وأبطل غيره إطلاق لم على فعله شرعاً بأن قال: لا ينسب إليه ما لم ينسب إلى
نفسه، فهذا معنى قولي شرعاً لا أنه ورد النهي من الله عن كل ما ذكرنا منعه شرعاً، وهذا كله
كلام مدخول لا يقع التخليص منه بالصحة والفساد إلاَّ بعد طول عظيم.
هذا قد ذكرنا طريقة من منع. وأما من أجاز السؤال عنه بهذه المطالب من العلماء فهم

٢٩٥
في المعارف / الباب الثامن والعشرون في معرفة أقطاب ألم تر كيف
أهل الشرع منهم، وسبب إجازتهم لذلك أن قالوا: ما حجر الشرع علينا حجرناه، وما أوجب
علينا أن نخوض فيه خضنا فيه طاعة أيضاً، وما لم يرد فيه تحجير ولا وجوب فهو عافية، إن
شئنا تكلمنا فيه وإن شئنا سكتنا عنه، وهو سبحانه ما نهى فرعون على لسان موسى عليه
السلام عن سؤاله بقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢٣] بل أجاب بما يليق به
الجواب عن ذاك الجناب العالي، وإن كان وقع الجواب غير مطابق للسؤال فذلك راجع
الاصطلاح من اصطلح، على أنه لا يسأل بذلك إلاَّ عن الماهية المركبة، واصطلح على أن
الجواب بالأثر لا يكون جواباً لمن سأل بما، وهذا الاصطلاح لا يلزم الخصم فلم يمنع إطلاق
هذا السؤال بهذه الصيغة عليه إذ كانت الألفاظ لا تطلب لأنفسها وإنما تطلب لما تدل عليه من
المعاني التي وضعت لها فإنها بحكم الوضع، وما كل طائفة وضعتها بإزاء ما وضعتها
الأخرى، فيكون الخلاف في عبارة لا في حقيقة، ولا يعتبر الخلاف إلاَّ في المعاني.
وأما إجازتهم الكيفية فمثل إجازتهم السؤال بما ويحتجون في ذلك بقوله تعالى:
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيَّهَ اُلتَّقَلَنِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] وقوله: إن لله عيناً وأعيناً ويداً، وأن بيده
الميزان يخفض ويرفع وهذه كلها كيفيات وإن كانت مجهولة لعدم الشبه في ذلك. وأمّا
إجازتهم السؤال بلم وهو سؤال عن العلة فلقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
[سورة الذاريات: الآية ٥٦] فهذه لام العلة والسبب، فإن ذلك في جواب من سأل: لم خلق الله
الجن والإنس؟ فقال الله لهذا السائل: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لعبادتي، فمن ادّعى التحجير في إطلاق
هذه العبارات فعليه بالدليل، فيقال للجميع من المتشرّعين المجوّزين والمانعین کلکم قال؛
وما أصاب وما من شيء قلتموه من منع وجواز إلاَّ وعليكم فيه دخل، والأولى التوقّف عن
الحكم بالمنع أو بالجواز هذا مع المتشرّعين، وأما غير المتشرعين من الحكماء فالخوض
معهم في ذلك لا يجوز إلاَّ إن أباح الشرع ذلك أو أوجبه، وأما إن لم يرد في الخوض فيه
معهم نطق من الشارع فلا سبيل إلى الخوض فيه معهم فعلاً، ويتوقف في الحكم في ذلك،
فلا يحكم على من خاض فيه أنه مصيب ولا مخطىء، وكذلك فيمن ترك الخوض، إذ لا
حكم إلاَّ للشرع فيما يجوز أن يتلفظ به أو لا يتلفظ به يكون ذلك طاعة أو غير طاعة، فهذا يا
وليّ قد فصلنا لك مآخذ الناس في هذه المطالب.
وأما العلم النافع في ذلك أن نقول: كما أنه سبحانه لا يشبه شيئاً كذلك لا تشبهه
الأشياء، وقد قام الدليل العقليّ والشرعيّ على نفي التشبيه وإثبات التنزيه من طريق المعنى وما
بقي الأمر إلاَّ في إطلاق اللفظ عليه سبحانه الذي أباح لنا إطلاقه عليه في القرآن أو على لسان
رسوله، فأما إطلاقه عليه فلا يخلو إما أن يكون العبد مأموراً بذلك الإطلاق فيكون إطلاقه
طاعة فرضاً ويكون المتلفظ به مأجوراً مطيعاً مثل قوله في تكبيرة الإحرام: الله أكبر، وهي
لفظة وزنها يقتضي المفاضلة وهو سبحانه لا يفاضل. وإما أن يكون مخيراً فيكون بحسب ما
يقصده المتلفظ وبحسب حكم الله فيه. وإذا أطلقناه فلا يخلو الإنسان إما أن يطلقه ويصحب
نفسه في ذاك الإطلاق المعنى المفهوم منه في الوضع بذلك اللسان، أو لا يطلقه إلاَّ تعبداً

٢٩٦
في المعارف / الباب الثامن والعشرون في معرفة أقطاب ألم تر كيف
شرعياً على مراد الله فيه من غير أن يتصوّر المعنى الذي وضع له في ذلك اللسان كالفارسي
الذي لا يعلم اللسان العربي وهو يتلو القرآن ولا يعقل معناه وله أجر التلاوة، كذلك العربي
فيما تشابه من القرآن والسنّة يتلوه أو يذكر به ربّه تعبّداً شرعياً على مراد الله فيه من غير ميل إلى
جانب بعينه مخصص، فإن التنزيه ونفي التشبيه يطلبه إن وقف بوهمه عند التلاوة لهذه
الآيات، فالأسلم والأولى في حق العبد أن يردّ علم ذلك إلى الله في إرادته إطلاق تلك
الألفاظ عليه إلاَّ إن أطلعه الله على ذلك، وما المراد بتلك الألفاظ من نبيّ أو وليّ محدث
ملهم على بينة من ربّه فيما يلهم فيه أو يحدث فذلك مباح له، بل واجب عليه أن يعتقد
المفهوم منه الذي أخبر به في إلهامه أو في حديثه، وليعلم أن الآيات المتشابهات إنما نزلت
ابتلاء من الله لعباده، ثم بالغ سبحانه في نصيحة عباده في ذلك ونهاهم أن يتبعوا المتشابه
بالحكم أي لا يحكموا عليه بشيء فإن تأويله لا يعلمه إلاّ الله. وأما الراسخون في العلم إن
علموه فبإعلام الله لا بفكرهم واجتهادهم، فإن الأمر أعظم أن تستقل العقول بإدراكه من غير
إخبار إلهيّ فالتسليم أولى والحمد لله رب العالمين.
وأما قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [سورة الفيل: الآية ١] وأطلق النظر على الكيفيات فإن المراد
بذلك بالضرورة المكيفات لا التكييف، فإن التكييف راجع إلى حالة معقولة لها نسبة إلى
المكيف وهو الله تعالى، وما أحد شاهد تعلق القدرة الإلهية بالأشياء عند إيجادها، قال تعالى:
﴿َّا أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الكهف: الآية ٥١] فالكيفيات المذكورة التي أمرنا بالنظر
إليها لا فيها إنما ذلك لنتخذها عبرة ودلالة على أن لها من كيفها أي صيّرها ذات كيفيات وهي
الهيئات التي تكون عليها المخلوقات المكيفات فقال: ﴿أَفَلاَ يَنَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ....
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [سورة الغاشية: الآيتان ١٧ و١٩] وغير ذلك، ولا يصحّ أن تنظر إلاَّ حتى تكون
موجودة فننظر إليها وكيف اختلفت هيئاتها، ولو أراد بالكيف حالة الإيجاد لم يقل انظر إليها
فإنها ليست بموجودة، فعلمنا أن الكيف المطلوب منّا في رؤية الأشياء ما هو ما يتوهم من لا
علم له بذلك، ألا تراه سبحانه لما أراد النظر الذي هو الفكر قرنه بحرف في ولم يصحبه لفظ
كيف فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٥] المعنى: أن
يفكروا في ذلك فيعلموا أنها لم تقم بأنفسها وإنما أقامها غيرها، وهذا النظر لا يلزم منه وجود
الأعيان مثل النظر الذي تقدم، وإنما الإنسان كلّف أن ينظر بفكره في ذلك لا بعينه، ومن
الملكوت ما هو غيب وما هو شهادة، فما أمرنا قط بحرف في إلا في المخلوقات لا في الله
لنستدل بذلك عليه أنه لا يشبهها، إذ لو أشبهها لجاز عليه ما يجوز عليها من حيث ما أشبهها
وكان يؤدي ذلك إلى أحد محظورين: إما أن يشبهها من جميع الوجوه وهو محال لما ذكرناه، أو
يشبهها من بعض الوجوه ولا يشبهها من بعض الوجوه، فتكون ذاته مركبة من أمرين، والتركيب
في ذات الحق محال فالتشبيه محال، والذي يليق بهذا الباب من الكلام يتعذّر إيراده مجموعاً في
باب واحد لما يسبق إلى الأوهام الضعيفة من ذلك لما فيه من الغموض ولكن جعلناه مبدّداً في
أبواب هذا الكتاب، فاجعل بالك منه في أبواب الكتاب تعثر على مجموع هذا الباب ولا سيّما

٢٩٧
في المعارف / الباب التاسع والعشرون في معرفة سرّ سلمان الذي ألحقه بأهل البيت ... اخ
حيثما وقع لك مسألة تجلّ إلهيّ، فهناك قف وانظر تجد ما ذكرته لك مما يليق بهذا الباب
والقرآن مشحون بالكيفية، فإن الكيفيات أحوال والأحوال منها ذاتية للمكيف ومنها غير ذاتية،
والذاتية حكمها حكم المكيف سواء كان المكيف يستدعي مكيفاً في كيفيته أو كان لا يستدعي
مكيفاً لتكييفه بل كيفيته عين ذاته وذاته لا تستدعي غيرها لأنها لنفسها هي فكيفيته كذلك لأنها
عينه لا غيره ولا زائد عليه فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والعشرون
في معرفة سرّ سلمان الذي ألحقه بأهل البيت
والأقطاب الذين ورثه منهم ومعرفة أسرارهم
[نظم: البسيط]
العبدُ مرتبطٌ بالرب ليس له
والابنُ أُنزِلَ منه في العُلى درجاً
فالابنُ ينظر في أموال والده
والابنُ يطمع في تحصيل رُتْبته
والعبدُ قيمتُه من مال سيِّده
والعبد مقداره في جاه سيده
الذلّ يصحبه في نفسه أبداً
والابنُ في نفسه من أجل والده
عنه انفصالٌ يرى فعلاً وتقديرًا
قد حرَّر الشرعُ فيه العلمَ تحريرا
إذ كان وارثُه شحاً وتقتيرا
وإن يراه مع الأموات مقبورا
إليه يرجع مختاراً ومجبورا
فلا يزال بستر العزّ مستورا
فلا يزال مع الأنفاس مقهورا
عزَّ فيطلب توقيراً وتعزيرا
اعلم أيّدك الله أنا روينا من حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد بن عليّ عن
أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب عن رسول الله وَله
أنه قال: ((مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ)) وخرّج الترمذيّ عن رسول الله وَّهِ أنه قال: ((أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ
اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ)) وقال تعالى في حق المختصين من عباده: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾
[سورة الحجر: الآية ٤٢] فكل عبد إلهيّ توجه لأحد عليه حق من المخلوقين فقد نقص من عبوديته
لله بقدر ذلك الحق فإن ذلك المخلوق يطلبه بحقّه وله عليه سلطان به، فلا يكون عبداً محضاً
خالصاً لله، وهذا هو الذي رجح عند المنقطعين إلى الله انقطاعهم عن الخلق ولزومهم
السياحات والبراري والسواحل والفرار من الناس والخروج عن ملك الحيوان فإنهم يريدون
الحرية من جميع الأكوان، ولقيت منهم جماعة كبيرة في أيام سياحتي، ومن الزمان الذي
حصل لي فيه هذا المقام ما ملكت حيواناً أصلاً بل ولا الثوب الذي ألبسه فإني لا ألبسه إلاّ
عارية لشخص معين أذن لي في التصرّف فيه، والزمان الذي أتملك الشيء فيه أخرج عنه في
ذلك الوقت إما بالهبة أو بالعتق إن كان ممن يعتق، وهذا حصل لي لما أردت التحقّق بعبودية
الاختصاص لله قيل لي: لا يصحّ لك ذلك حتى لا يقوم لأحد عليك حجة، قلت: ولا لله إن
شاء الله، قيل لي: وكيف يصحّ لك أن لا يقوم الله عليك حجة؟ قلت: إنما تقام الحجج على

٢٩٨
في المعارف/ الباب التاسع والعشرون في معرفة سرّ سلمان الذي ألحقه بأهل البيت ... اخ
المنكرين لا على المعترفين، وعلى أهل الدعاوى وأصحاب الحظوظ لا على من قال ما لي
حق ولا حظ، ولما كان رسول الله وَليل عبداً محضاً قد طهّره الله وأهل بيته تطهيراً وأذهب
عنهم الرجس وهو كل ما يشينهم فإن الرجس هو القذر عند العرب هكذا حكى الفرّاء، قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [سورة الأحزاب:
الآية ٣٣] فلا يضاف إليهم إلاّ مطهر ولا بدّ فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم، فما يضيفون
لأنفسهم إلاَّ من له حكم الطهارة والتقديس، فهذه شهادة من النبيّ وَّ لسلمان الفارسيّ
بالطهارة والحفظ الإلهيّ والعصمة حيث قال فيه رسول الله وَّرَ: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ))
وشهد الله لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم.
وإذا كان لا ينضاف إليهم إلاَّ مطهر مقدس وحصلت له العناية الإلهية بمجرد الإضافة
فما ظنّك بأهل البيت في نفوسهم فهم المطهرون بل هم عين الطهارة، فهذه الآية تدل على أن
الله قد شرك أهل البيت مع رسول الله وَّر في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَّذَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا
تَأَخَرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] وأي وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ؟ فطهّر الله سبحانه
نبيه * بالمغفرة فما هو ذنب بالنسبة إلينا لو وقع منه ◌َّ لكان ذنباً في الصورة لا في
المعنى، لأن الذم لا يلحق به على ذلك من الله ولا منا شرعاً، فلو كان حكمه حكم الذنب
لصحبه ما يصحب الذنب من المذمّة ولم يصدق قوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِرَكُمْ تَطَهِيْرًا﴾ فدخل الشرفاء أولاد فاطمة كلهم ومن هو من أهل البيت مثل سلمان
الفارسي إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهرون اختصاصاً من الله
وعناية بهم لشرف محمد رَّ﴾ وعناية الله به، ولا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت إلاَّ في
الدار الآخرة فإنهم يحشرون مغفوراً لهم. وأما في الدنيا فمن أتى منهم حدّاً أقيم عليه كالتائب
إذا بلغ الحاكم أمره وقد زنى أو سرق أو شرب أقيم عليه الحدّ مع تحقق المغفرة كماعز
وأمثاله ولا يجوز ذمّه، وينبغي لكل مسلم مؤمن بالله بما أنزله أن يصدق الله تعالى في قوله :
﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُنْ تَظْهِيْرًا﴾ فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل
البيت أن الله قد عفا عنهم فيه، فلا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمّة بهم ولا ما يشنأ أعراض من
قد شهد الله بتطهيره وذهاب الرجس عنه لا بعمل عملوه ولا بخير قدموه بل سابق عناية من الله
بهم ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢١].
وإذا صحّ الخبر الوارد في سلمان الفارسي فله هذه الدرجة فإنه لو كان سلمان على أمر
يشنؤه ظاهر الشرع وتلحق المذمّة بعامله لكان مضافاً إلى أهل البيت من لم يذهب عنه
الرجس، فيكون لأهل البيت من ذلك بقدر ما أضيف إليهم وهم المطهرون بالنص فسلمان
منهم بلا شك، فأرجو أن يكون عقب علي وسلمان تلحقهم هذه العناية كما لحقت أولاد
الحسن والحسين وعقبهم وموالي أهل البيت فإن رحمة الله واسعة يا ولي. وإذا كانت منزلة
مخلوق عند الله بهذه المثابة أن يشرف المضاف إليهم بشرفهم وشرفهم ليس لأنفسهم وإنما الله
تعالى هو الذي اجتباهم وكساهم حلة الشرف، كيف يا وليّ بمن أضيف إلى من له الحمد

٢٩٩
في المعارف/ الباب التاسع والعشرون في معرفة سرّ سلمان الذي ألحقه بأهل البيت ... اخ
والمجد والشرف لنفسه وذاته فهو المجيد سبحانه وتعالى، فالمضاف إليه من عباده الذين هم
عباده وهم الذين لا سلطان لمخلوق عليهم في الآخرة، قال تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِى﴾
فأضافهم إليه: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٢] وما تجد في القرآن عباداً مضافين
إليه سبحانه إلاَّ السعداء خاصة، وجاء اللفظ في غيرهم بالعباد فما ظنّك بالمعصومين
المحفوظين منهم القائمين بحدود سيدهم الواقفين عند مراسمه فشرفهم أعلى وأتمّ، وهؤلاء
هم أقطاب هذا المقام، ومن هؤلاء الأقطاب ورث سلمان شرف مقام أهل البيت، فكان رضي
الله عنه من أعلم الناس بما الله على عباده من الحقوق وما لأنفسهم والخلق عليهم من الحقوق
وأقواهم على أدائها، وفيه قال رسول الله وَّر: (لَوْ كَانَ الإِيمَانُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسٍ»
وأشار إلى سلمان الفارسي وفي تخصيص النبيّ وَّر ذكر الثريا دون غيرها من الكواكب إشارة
بديعة لمثبتي الصفات السبعة لأنها سبعة كواكب فافهم، فسرّ سلمان الذي ألحقه بأهل البيت
ما أعطاه النبي ◌َّلر من أداء كتابته وفي هذا فقه عجيب فهو عتيقه وّل ومولى القوم منهم والكل
موالي الحق ورحمته وسعت كل شيء وكل شيء عبده ومولاه.
وبعد أن تبين لك منزلة أهل البيت عند الله وأنه لا ينبغي لمسلم أن يذمّهم بما يقع منهم
أصلاً فإنّ الله طهّرهم، فليعلم الذامَ لهم أنّ ذلك راجع إليه ولو ظلموه فذلك الظلم هو في
زعمه ظلم لا في نفس الأمر وإن حكم عليه ظاهر الشرع بأدائه، بل حكم ظلمهم إيانا في نفس
الأمر يشبه جري المقادير علينا في ماله ونفسه بغرق أو بحرق وغير ذلك من الأمور المهلكة
فيحترق أو يموت له أحد أحبائه أو يصاب في نفسه وهذا كله مما لا يوافق غرضه، ولا يجوز
له أن يذمّ قدر الله ولا قضاءه، بل ينبغي له أن يقابل ذلك كله بالتسليم والرضى، وإن نزل عن
هذه المرتبة فبالصبر، وإن ارتفع عن تلك المرتبة فبالشكر، فإن في طيّ ذلك نعماً من الله لهذا
المصاب وليس وراء ما ذكرناه خير، فإنه ما وراءه ليس إلاَّ الضجر والسخط وعدم الرضى
وسوء الأدب مع الله، فكذا ينبغي أن يقابل المسلم جميع ما يطرأ عليه من أهل البيت في ماله
ونفسه وعرضه وأهله وذويه، فيقابل ذلك كله بالرضى والتسليم والصبر، ولا يلحق المدمّة
بهم أصلاً، وإن توجهت عليهم الأحكام المقرّرة شرعاً فذلك لا يقدح في هذا بل يجريه
مجرى المقادير، وإنما منعنا تعليق الذمّ بهم إذ ميّزهم الله عنّا بما ليس لنا معهم فيه قدم.
وأما أداء الحقوق المشروعة فهذا رسول الله ولو كان يقترض من اليهود، وإذا طالبوه
بحقوقهم أدّاها على أحسن ما يمكن، وإن تطاول اليهوديّ عليه بالقول يقول: دعوه إن
لصاحب الحق مقالاً. وقال مَ ﴿ في قصة: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ قَطَعْتُ يَدَهَا))
فوضع الأحكام لله يضعها كيف يشاء وعلى أي حال يشاء، فهذه حقوق الله، ومع هذا لم
يذمّهم الله وإنما كلامنا في حقوقنا وما لنا أن نطالبهم به فنحن مخيّرون إن شئنا أخذنا وإن شئنا
تركنا والترك أفضل عموماً فكيف في أهل البيت؟ وليس لنا ذمّ أحد فكيف بأهل البيت؟ فإنا إذا
نزلنا عن طلب حقوقنا وعفونا عنهم في ذلك أي فيما أصابوه منّا كانت لنا بذلك عند الله اليد
العظمى والمكانة الزلفى، فإنّ النبي ◌ََّ ما طلب منّا عن أمر الله ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبىٌ﴾ [سورة

٣٠٠
في المعارف / الباب التاسع والعشرون في معرفة سرّ سلمان الذي ألحقه بأهل البيت ... اخ
الشورى: الآية ٢٣] وفيه سرّ صلة الأرحام، ومن لم يقبل سؤال نبيه فيما سأله فيه مما هو قادر عليه
بأيّ وجه يلقاه غداً أو يرجو شفاعته وهو ما أسعف نبيه وَّل# فيما طلب منه من المودّة في قرابته
فكيف بأهل بيته فهم أخص القرابة؟ ثم إنه جاء بلفظ الموذة وهو الثبوت على المحبة، فإنه من
ثبت ودّه في أمر استصحبه في كل حال، وإذا استصحبته المودّة في كل حال لم يؤاخذ أهل البيت
بما يطرأ منهم في حقّه مما له أن يطالبهم به فيتركه ترك محبة وإيثاراً لنفسه لا عليها، قال المحب
الصادق: وكل ما يفعل المحبوب محبوب وجاء باسم الحب فكيف حال المودّة، ومن البشرى
ورود اسم الودود لله تعالى، ولا معنى لثبوتها إلاَّ حصول أثرها بالفعل في الدار الآخرة وفي النار
لكل طائفة بما تقتضيه حكمة الله فيهم، وقال الآخر في المعنى: [الوافر]
أحبُّ لحبها سُوْدَ الكلابِ
أحبُّ لحبها السودانَ حتى
ولنا في هذا المعنى: [الوافر]
وأعشقُ لاسمك البدرَ المغيرا
أحبُّ لحبِّك الحُبْشَانَ طراً
قيل: كانت الكلاب السود تناوشه وهو يتحبّب إليها، فهذا فعل المحب في حب من لا
تسعده محبته عند الله ولا تورثه القربة من الله، فهل هذا إلاَّ من صدق الحب وثبوت الودّ في
النفس، فلو صحّت محبتك لله ولرسوله أحببت أهل بيت رسول الله وَل# ورأيت كل ما يصدر
منهم في حقّك مما لا يوافق طبعك ولا غرضك أنه جمال تتنعم بوقوعه منهم، فتعلم عند
ذلك أن لك عناية عند الله الذي أحببتهم من أجله حيث ذكرك من يحبه وخطرت على باله وهم
أهل بيت رسوله وَله، فتشكر الله تعالى على هذه النعمة فإنهم ذكروك بألسنة طاهرة بتطهير الله
طهارة لم يبلغها علمك، وإذا رأيناك على ضدّ هذه الحالة مع أهل البيت الذي أنت محتاج
إليهم ولرسول الله وَل حيث هداك الله به فكيف أثق أنا بودّك الذي تزعم به أنك شديد الحب
في والرعاية لحقوقي أو لجانبي وأنت في حق أهل نبيك بهذه المثابة من الوقوع فيهم، والله ما
ذاك إلاَّ من نقص إيمانك ومن مكر الله بك واستدراجه إياك من حيث لا تعلم، وصورة المكر
أن تقول وتعتقد أنك في ذلك تذب عن دين الله وشرعه، وتقول في طلب حقّك إنك ما طلبت
إلاَّ ما أباح الله لك طلبه ويندرج الذمّ في ذلك الطلب المشروع والبغض والمقت وإيثارك
نفسك على أهل البيت وأنت لا تشعر بذلك، والدواء الشافي من هذا الداء العضال أن لا ترى
لنفسك معهم حقاً وتنزل عن حقك لئلا يندرج في طلبه ما ذكرته لك وما أنت من حكام
المسلمين حتى يتعين عليك إقامة حد أو إنصاف مظلوم أو ردّ حق إلى أهله، فإن كنت حاكماً
ولا بدّ فاسع في استنزال صاحب الحق عن حقّه إذا كان المحكوم عليه من أهل البيت، فإن
أبى حينئذ يتعين عليك إمضاء حكم الشرع فيه، فلو كشف الله لك يا وليّ عن منازلهم عند الله
في الآخرة لوددت أن تكون مولى من مواليهم فالله يلهمنا رشد أنفسنا، فانظر ما أشرف منزلة
سلمان رضي الله عن جميعهم.
ولما بيّنت لك أقطاب هذا المقام وأنهم عبيد الله المصطفون الأخيار، فاعلم أن أسرارهم
التي أطلعنا الله عليها تجهلها العامة بل أكثر الخاصة التي ليس لها هذا المقام والخضر منهم رضي