Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
في المعارف / الباب الحادي والعشرون في معرفة ثلاثة علوم كونية وتوالج بعضها في بعض
العقلية كما مثلت لك، فالحكم التحريم والعلة الإسكار، فالحكم أعمّ من العلة الموجبة
للتحريم، فإن التحريم قد يكون له سبب آخر غير السكر في أمر آخر كالتحريم في
الغصب والسرقة والجناية، وكل ذلك علل في وجود التحريم في المحرّم، فلهذا الوجه
المخصوص صدق، فقد بان لك بالتقريب ميزان المعاني، وأن النتائج إنما ظهرت بالتوالج
الذي في المقدّمتين اللذين هما كالأبوين في الحسّ، وأن المقدّمتين مركبة من ثلاثة أو ما
هو في حكم الثلاثة، فإنه قد يكون للجملة معنى الواحد في الإضافة والشرط، فلم تظهر
نتيجة إلاَّ من الفردية، إذ لو كان الشفع ولا يصحبه الواحد صحبة خاصة ما صحّ أن يوجد
عن الشفع شيء أبداً، فبطل الشريك في وجود العالم وثبت الفعل للواحد، وأنه بوجوده
ظهرت الموجودات عن الموجودات، فتبين لك أن أفعال العباد وإن ظهرت منهم أنه لولا
الله ما ظهر لهم فعل أصلاً، فجمع هذا الميزان بين إضافة الأعمال إلى العباد بالصورة
وإيجاد تلك الأفعال الله تعالى وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦]
أي وخلق ما تعملون فنسب العمل إليهم وإيجاده لله تعالى، والخلق قد يكون بمعنى
الإيجاد، ويكون بمعنى التقدير، كما أنه قد يكون بمعنى الفعل مثل قوله تعالى: ﴿ مَّآ
أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ﴾ [سورة الكهف: الآية ٥١] ويكون بمعنى المخلوق مثل قوله ﴿هَذَا خَلْقُ
اللَّهِ ﴾ [سورة لقمان: الآية ١١].
وأمّا هذا التوالج في العلم الإلهيّ والتوالد فاعلم أن ذات الحق تعالى لم يظهر عنها
شيء أصلاً من كونها ذاتاً غير منسوب إليها أمر آخر، وهو أن ينسب إلى هذه الذات أنها قادرة
على الإيجاد عند أهل السنة أهل الحق، أو ينسب إليها كونها علة، وليس هذا مذهب أهل
الحق ولا يصحّ، وهذا مما لا يحتاج إليه، ولكن كان الغرض في سياقه من أجل مخالفي أهل
الحق لنقرر عنده أنه ما نسب وجود العالم لهذه الذات من كونها ذاتاً وإنما نسبوا العالم لها
بالوجود من كونها علة، فلهذا أوردنا مقالتهم، ومع هذه النسبة وهي كونه قادراً لا بدّ من أمر
ثالث وهو إرادة الإيجاد لهذه العين المقصودة بأن توجد، ولا بدّ من التوجّه بالقصد إلى
إيجادها بالقدرة عقلاً وبالقول شرعاً بأن تتكوّن، فما وجد الخلق إلاَّ عن الفردية لا عن
الأحدية، لأن أحديته لا تقبل الثاني لأنها ليست أحدية عدد، فكان ظهور العالم في العلم
الإلهيّ عن ثلاث حقائق معقولة، فسرى ذلك في توالد الكون بعضه عن بعض لكون الأصل
على هذه الصورة.
ويكفي هذا القدر من هذا الباب فقد حصل المقصود بهذا التنبيه، فإن هذا الفنّ في مثل
طريق أهل الله لا يحتمل أكثر من هذا، فإنه ليس من علوم الفكر هذا الكتاب، وإنما هو من
علوم التلقي والتدلي، فلا يحتاج فيه إلى ميزان آخر غير هذا وإن كان له به ارتباط فإنه لا يخلو
عنه جملة واحدة، ولكن بعد تصحيح المقدمات من العلم بمفرداتها بالحدّ الذي لا يمنع
والمقدّمات بالبرهان الذي لا يدفع بقول الله في هذا الباب: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللّهُ

٢٦٢
في المعارف/ الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
لَفَسَدَنَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] فهذا مما كنّا بصدده في هذا الباب وهذه الآية وأمثالها أحوجتنا
إلى ذكر هذا الفن، ومن باب الكشف لم يشتغل أهلِ الله بهذا الفنّ من العلوم لتضييع الوقت،
وعمر الإنسان عزيز ينبغي أن لا يقطعه الإنسان إلاَّ في مجالسة ربّه والحديث معه على ما
شرعه له، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الخامس عشر والحمد لله .
(الجزء السادس عشر)
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الباب الثاني والعشرون
في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
[نظم: الكامل]
إن المنازل في المنازلِ ساريَةْ
عجباً لأقوال النفوس السَّامِيَة
إلاَّ بقَهْرِ الحضرة المتعالِيَةْ
كيف العروجُ من الحضيض إلى العُلَى
فصناعةُ التحليل في معراجها
نحو اللطائفِ والأمور السّامِيَة
بِسَنَا الوجود إلى ظلام الهَاويَةْ
وصناعةُ التركيب عند رجوعِها
اعلم أيّدك الله أنه لما كان العلم المنسوب إلى الله لا يقبل الكثرة ولا الترتيب فإنه غير
مكتسب ولا مستفاد، بل علمه عين ذاته كسائر ما ينسب إليه من الصفات وما سمّي به من
الأسماء، وعلوم ما سوى الله لا بدّ أن تكون مرتبة محصورة، سواء كانت علوم وهب أو علوم
كسب، فإنها لا تخلو من هذا الترتيب الذي نذكره وهو علم المفرد أولاً، ثم علم التركيب،
ثم علم المركب ولا رابع لها، فإن كان من المفردات التي لا تقبل التركيب علمه مفرداً
وكذلك ما بقي، فإن كل معلوم لا بدّ أن يكون مفرداً أو مركباً، والمركب يستدعي بالضرورة
تقدم علم التركيب وحينئذ يكون علم المركب، فهذا قد علمت ترتيب جميع العلوم الكونية،
فلنبين لك حصر المنازل في هذا المنزل وهي كثيرة لا تحصى، ولنقتصر منها على ما يتعلق
بما يختص به شرعنا ويمتاز به، لا بالمنازل التي يقع فيها الاشتراك بيننا وبين غيرنا من سائر
علوم الملل والنحل وجملتها تسعة عشر مرتبة أمّهات، ومنها ما يتفرع إلى منازل، ومنها ما لا
يتفرع، فلنذكر أسماء هذه المراتب ولنجعل لها اسم المنازل، فإنه كذا عرّفنا بها في الحضرة
الإلهية، والأدب أولى فلنذكر ألقاب هذه المنازل وصفات أربابها وأقطابها المتحققين بها
وأحوالهم وما لكل حال من هذه الأحوال من الوصف، ثم بعد ذلك نذكر إن شاء الله كل
صنف من هذه التسعة عشر، ونذكر بعض ما يشتمل عليه من أمّهات المنازل لا من المنازل،
فإنه ثم منزل يشتمل على ما يزيد على المائة من منازل العلامات والدلالات على أنوار جلية
ويشتمل على آلاف، وأقل من منازل الغايات الحاوية على الأسرار الخفية والخواص الجلية،
ثم نتثم ما ذكرنا بما يضاهي هذا العدد لهذه المنازل من الموجودات قديمها وحديثها، ثم نذكر
ما يتعلق ببعض معاني هذا المنزل على التقريب والاختصار إن شاء الله تعالى.

في المعارف/ الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية ٢٦٣
ذكر ألقابها وصفات أقطابها: فمن ذلك: منازل الثناء والمدح هو لأرباب الكشوفات
والفتح، ومنازل الرموز والألغاز لأهل الحقيقة والمجاز، ومنازل الدعاء لأهل الإشارات
والبعد، ومنازل الأفعال لأهل الأحوال والاتصال، ومنازل الابتداء لأهل الهواجس والإيماء،
ومنازل التنزيه لأهل التوجيه في المناظرات والاستنباط، ومنازل التقريب للغرباء المتألهين،
ومنازل التوقّع لأصحاب البراقع من أجل السبحات، ومنازل البركات لأهل الحركات،
ومنازل الأقسام لأهل التدبير من الروحانيين، ومنازل الدهر لأهل الذوق، ومنازل الآنية لأهل
المشاهدة بالأبصار، ومنازل اللام والألف للالتفاف الحاصل بالتخلق بالأخلاق الإلهية ولأهل
السر الذي لا ينكشف، ومنازل التقرير لأهل العلم بالكيمياء الطبيعية والروحانية، ومنازل فناء
الأكوان للضغائن المخدّرات، ومنازل الألفة لأهل الأمان من أهل الغرف، ومنازل الوعيد
للمتمسكين بقائمة العرش الأمجد، ومنازل الاستخبار لأهل غامضات الأسرار، ومنازل الأمر
للمتحققين بحقائق سره فيهم.
وأمّا صفاتهم: فأهل المدح: لهم الزهو، وأهل الرموز: لهم النجاة من الاعتراض،
وأمّا المتألهون: فلهم التيه بالتخلق، وأمّا أهل الأحوال والاتصال: فلهم الحصول على
العين، وأمّا أهل الإشارة: فلهم الحيرة عند التبليغ، وأمّا أهل الاستنباط: فلهم الغلط
والإصابة وليسوا بمعصومين، وأمّا الغرباء: فلهم الانكسار، وأمّا أهل البراقع: فلهم الخوف،
وأمّا أهل الحركة: فلهم مشاهدة الأسباب، والمدبرون: لهم الفكر، والممكنون: لهم
الحدود، وأهل المشاهد: لهم الجحد، وأهل الكتم: لهم السلامة، وأهل العلم: لهم الحكم
على المعلوم، وأهل الستر: منتظرون رفعه، وأهل الأمن: في موطن الخوف من المكر،
وأهل القيام: لهم القعود، وأهل الإلهام: لهم التحكم، وأهل التحقيق: لهم ثلاثة أثواب:
ثوب إيمان وكفر ونفاق .
وأمّا ذكر أحوالهم: فاعلم أن الله تعالى قد هيّأ المنازل للنازل، ووطأ المعاقل للعاقل،
وزوى المراحل للراحل، وأعلى المعالم للعالم، وفصل المقاسم للقاسم، وأعدّ القواصم
للقاصم، وبيّن العواصم للعاصم، ورفع القواعد للقاعد، ورتّب المراصد للراصد، وسخّر
المراكب للراكب، وقرّب المذاهب للذاهب، وسطر المحامد للحامد، وسهّل المقاصد
القاصد، وأنشأ المعارف للعارف، وثبت المواقف للواقف، ووعر المسالك للسالك، وعيّن
المناسك للناسك، وأخرس المشاهد للشاهد، وأحرس الفراقد للراقد.
ذكر صفات أحوالهم: فإنه سبحانه جعل النازل مقدّراً، والعاقل مفكراً، والراحل
مشمراً، والعالم مشاهداً، والقاسم مكابداً، والقاصم مجاهداً، والعاصم مساعداً، والقاعد
عارفاً، والراصد واقفاً، والراكب محمولاً، والذاهب معلولاً، والحامد مسؤولاً، والقاصد
مقبولاً، والعارف مبخوتاً، والواقف مبهوتاً، والسالك مردوداً، والناسك مبعوداً، والشاهد
محكماً، والراقد مسلماً .
فهذا قد ذكرنا صفات هؤلاء التسعة عشر صنفاً في أحوالهم. فلنذكر ما يتضمن كل

٢٦٤
في المعارف / الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
صنف من أمّهات المنازل، وكل منزل من هذه الأمّهات يتضمن أربعة أصناف من المنازل :
الصنف الأوّل: يسمّى منازل الدلالات. والصنف الآخر: يسمّى منازل الحدود. والصنف
الثالث: يسمّى منازل الخواص. والصنف الرابع: يسمّى منازل الأسرار. ولا تحصى كثرة
فلنقتصر على التسعة عشر، ولنذكر أعداد ما تنطوي عليه من الأمّهات، وهذا أوّلها منزل
المدح له منزل الفتح فتح السرين، ومنزل المفاتيح الأول ولنا فيه جزء سمّيناه مفاتيح الغيوب،
ومنزل العجائب، ومنزل تسخير الأرواح البرزخية، ومنزل الأرواح العلوية، ولنا في بعض
معانيه من النظم قولنا: [مخلع البسيط]
منازلٌ مالها تَنَاهِي
مَنَازِلُ المَدْحِ والتباهي
مدائحُ القوم في الثرى هِي
لا تطلبَنْ في السُموّ مدحاً
يشرب من أعذب المياهِ
من ظمئَتْ نفسُه جهاداً
نقول: ليس مدح العبد أن يتصف بأوصاف سيده فإنه سوء أدب، وللسيد أن يتصف
بأوصاف عبده تواضعاً، فللسيد النزول لأنه لا يحكم عليه، فنزوله إلى أوصاف عبده تفضل
منه على عبده حتى يبسطه، فإن جلال السيد أعظم في قلب العبد من أن يدل عليه لولا تنزله
إليه، وليس للعبد أن يتصف بأوصاف سيده لا في حضرته ولا عند إخوانه من العبيد وإن ولاه
عليهم كما قال عليه السلام: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْر)) وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
تَجْعَلُهَا﴾ أي نملكها ملكاً ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ﴾ [سورة القصص: الآية ٨٣] فإن الأرض
قد جعلها الله ذلولاً، والعبد هو الذليل، والذلّة لا تقتضي العلوّ، فمن جاوز قدره هلك.
يقال: ما هلك امرؤ عرف قدره. وقوله: ما لها تناهي، يقول: إنه ليس للعبد في عبوديته نهاية
يصل إليها ثم يرجع ربّاً، كما أنه ليس للرب حد ينتهي إليه ثم يعود عبداً، فالرب رب إلى غير
نهاية، والعبد عبد إلى غير نهاية، فلذا قال مدائح القوم في الثرى: هي وهو أذلّ من وجه
الأرض. وقال: لا يعرف لذة الماء إلاَّ الظمآن، يقول: لا يعرف لذّة الاتصاف بالعبودية إلاَّ
من ذاق الآلام عند اتصافه بالربوبية واحتياج الخلق إليه مثل سليمان حين طلب أن يجعل الله
أرزاق العباد على يديه حسّاً فجمع ما حضره من الأقوات في ذلك الوقت فخرجت دابة من
دواب البحر فطلبت قوتها فقال لها: خذي من هذا قدر قوتك في كل يوم فأكلته حتى أتت
على آخره فقالت: زدني فما وفيت برزقي فإن الله يعطيني كل يوم مثل هذا عشر مرات وغيري
من الدواب أعظم مني وأكثر رزقاً، فتاب سليمان عليه السلام إلى ربّه وعلم أنه ليس في وسع
المخلوق ما ينبغي للخالق تعالى، فإنه طلب من الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فاستقال من
سؤاله حين رأى ذلك واجتمعت الدواب عليه تطلب أرزاقها من جميع الجهات فضاق لذلك
ذرعاً فلما قبل الله سؤاله وأقاله وجد من اللذة لذلك ما لا يقدر قدره.
منزل الرموز: فاعلم وفّقك الله أنه وإن كان منزلاً فإنه يحتوي على منازل: منها منزل
الوحدانية، ومنزل العقل الأول، والعرش الأعظم، والصدا والإتيان من العماء إلى العرش،
وعلم التمثّل، ومنزل القلوب والحجاب، ومنزل الاستواء الفهواني، والألوهية السارية،

٢٦٥
في المعارف / الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
واستمداد الكهان والدهر، والمنازل التي لا ثبات لها ولا ثبات لأحد فيها، ومنزل البرازخ
والإلهية والزيادة والغيرة، ومنزل الفقد والوجدان، ومنزل رفع الشكوك والجود المخزون،
ومنزل القهر والخسف، ومنزل الأرض الواسعة. ولما دخلت هذا المنزل وأنا بتونس وقعت
مني صيحة ما لي بها علم أنها وقعت مني غير أنه ما بقي أحد ممن سمعها إلاَّ سقط مغشياً
عليه، ومن كان على سطح الدار من نساء الجيران مستشرفاً علينا غشي عليه، ومنهنّ من سقط
من السطوح إلى صحن الدار على علوّها وما أصابه بأس، وكنت أول من أفاق، وكنا في
صلاة خلف إمام فما رأيت أحداً إلاَّ صاعقاً فبعد حين أفاقوا فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: أنت
ما شأنك؟ لقد صحت صيحة أثرت ما ترى في الجماعة، فقلت: والله ما عندي خبر أني
صحت. ومنزل الآيات الغربية والحكم الإلهية، ومنزل الاستعداد والزينة، والأمر الذي مسك
الله به الأفلاك السماوية، ومنزل الذكر والسلب وفي هذه المنازل قلت: [مخلع البسيط]
منازلٌ كلها رُمُوزُ
منازلُ الكون في الوجود
دلائلٌ كلها تَجُوزُ
منازلٌ للعقول فيها
لنيل شيء فذاك جُوزوا
لما أتى الطالبون قصداً
هذا الذي ساقَكم وجوزوا
فيا عبيد الكيان حُوزوا
الرمز واللغز هو الكلام الذي يعطي ظاهره ما لم يقصده قائله، وكذلك منزل العالم في
الوجود ما أوجده الله لعينه وإنما أوجده الله لنفسه فاشتغل العالم بغير ما وجد له فخالف قصد
موجده، ولهذا يقول جماعة من العلماء العارفين وهم أحسن حالاً ممن دونهم: إن الله أوجدنا
لنا. والمحقق والعبد لا يقول ذلك بل يقول: إنما أوجدنا له لا لحاجة منه إليّ فأنا لغز ربي
ورمزه، ومن عرف أشعار الألغاز عرف ما أردناه. وأمّا قوله لما أتى الطالبون قصداً لنيل شيء
بذاك جوزوا من المجازات يقول: من طلب الله لأمر فهو لما طلب ولا ينال منه غير ذلك.
وقوله: فيا عبيد الكيان يقول: من عبد الله لشيء فذلك الشيء معبوده وربه والله بريء منه وهو
لما عبده. وقوله: حوزوا أي خذوا ما جئتم له أي بسببه، وجوزوا: أي روحوا عنّا فإنكم ما
جئتم إلينا ولا بسببنا .
منزل الدعاء: هذا المنزل يحتوي على منازل: منها منزل الأنس بالشبيه، ومنزل
التغذي، ومنزل مكة والطائف والحجب، ومنزل المقاصير والابتلاء، ومنزل الجمع والتفرقة
والمنع، ومنزل النواشي والتقديس وفي هذا المنزل قلت: [الكامل]
فأجِبْ نداءَ الحق طوعاً يا فُلُ
لتَأَيُّهِ الرحمن فيك مَنَازلُ
رفعتْ إليكَ المرسلاتُ أكفّها
ترجو النَّوالَ فلا يخيب السائِلُ
ولنا عليه شواهدٌ ودلائلُ
أنت الذي قال الدليلُ بفضلهِ
بنزولك الأعلى لديه منازلُ
لولا اختصاصُك بالحقيقة ما زَهَتْ
يقول: إن نداء الحق عباده إنما هو لسان المرسلات تطلب اسماً من أسمائه، وذلك
العبد في ذلك الوقت تحت سلطانها، والمرسلات لطائف الخلق ترفع أكفها إلى من هي في

٢٦٦ في المعارف/ الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
يديه من الأسماء لتجود به على من يطلبها من الأسماء، والمسؤول أبداً إنما هو من له
المهيمينية على الأسماء كالعليم الذي له التقدّم على الخبير، والحسيب والمحصي والمفضل
ولهذا قال: أنت الذي قال الدليل بفضله والحقيقة التي اختصّ بها أحاطته بما تحته في الرتبة
من الأسماء الإلهيّة، إذ القادر في الرتبة دون المريد، والعالم في الرتبة فوق المريد، والحيّ
فوق الكل، فالمنازل التي تحت إحاطة الاسم الجامع تفتخر بنزوله إليها إجابة لسؤالها .
منزل الأفعال: وهو يشتمل على منازل: منها منزل الفضل والإلهام، ومنزل الإسراء
الروحاني، ومنزل التلطف، ومنزل الهلاك، وفي هذه المنازل أقول: [الكامل]
ورياحُها تُزْجي السحاب زَعَازِعُ
لمنازل الأفعال بَزْقٌ لامع
وسيوفُها في الكائنات قَوَاطِعُ
وسهامُها في العالمين نوافذٌ
فالعينُ تبصر والتَّنَاولُ شاسعُ
ألقَتْ إلى العز المحقَّق أمرَها
الناس في أفعال العباد على قسمين: طائفة ترى الأفعال من العباد، وطائفة ترى الأفعال
من الله، وكل طائفة يبدو لها مع اعتقادها ذلك شبه البرق اللامع في ذلك يعطيها آن للذي نفي
عنه ذلك الفعل نسبة ما، وكل طائفة لها سحاب يحول بينها وبين نسبة الفعل لمن نفته عنه.
وقوله في رياحها: إنها شديدة أي الأسباب، والأدلة التي قامت لكل طائفة على نسبة الأفعال
لمن نسبتها إليه قوية بالنظر إليه، ووصف سهامها بالنفوذ في نفوس الذين يعتقدون ذلك
وكذلك سيوفها فيهم قواطع. وقوله: إنها ألقت إلى العزّ أي احتمت بحمى مانع يمنع
المخالف أن يؤثر فيه، فيبقى على هذا كل أحد على ما هي إرادة الله فيه قال تعالى: ﴿زَيًَّّا
لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٨] وقوله: فالعين تبصر يقول: الحسّ يشهد أن الفعل
للعبد والإنسان يجد ذلك من نفسه بما له فيه من الاختيار. وقوله: التناول شاسع أي ونسبته
إلى غير ما يعطيه الحسّ والنفس بعيد المتناول إلاَّ أنه لا بدّ فيه من برق لامع يعطي نسبة في
ذلك الفعل لمن نفي عنه لا يقدر على جحدها.
منزل الابتداء: ويشتمل على منازل: منها منزل الغلظة والسبحات، ومنزل التنزلات
والعلم بالتوحيد الإلهيّ، ومنزل الرحموت، ومنزل الحق والفزع وفي هذا المنزل أقول:
[الكامل]
وله إذا حطَّ الركابَ مَنَازلُ
للابتداء شواهدٌ ودلائلُ
ويمدُّه الله الكريمُ الفاعلُ
يحوي على عين الحوادث حُكْمُهُ
إلاَّ التعلُّقُ والوجودُ الحاصلُ
ما بينه نسبٌ وبين إلهه
مَبْنَى الوجود حقائقٌ وأباطِلُ
لا تسمعنَّ مقالةً من جاهل
وسوى الوجودِ هو المحالُ الباطِلُ
مبنى الوجود حقائقٌ مشهودةٌ
يقول: لابتداء الأكوان شواهد فيها أنها لم تكن لأنفسها ثم كانت وله الضمير يعود على
الابتداء إذا حطّ الركاب أي إذا تتبعته من أين جاء وجدته من عند من أوجده ولذلك كان له
البقاء، قال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٦] فإذا حططت عنده عرفت منزلته منه

في المعارف / الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية ٢٦٧
الذي كان فيها إذ لم يكن لنفسه وتلك منزل الأولية الإلهية في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ [سورة الحديد:
الآية ٣] ومن هذه الأولية صدر ابتداء الكون ومنه تستمد الحوادث كلها وهو الحاكم فيها وهي
الجارية على حكمه ونفي النسب عنه، فإن أولية الحق تمدّ أولية العبد، وليس لأولية الكون
إمداد لشيء، فما ثم نسب إلاَّ العناية، ولا سبب إلاَّ الحكم، ولا وقت غير الأزل، هذا
مذهب القوم، وما بقي مما لم يدخل تحت حصر هذه الثلاثة فعمى وتلبيس، هكذا صرَّح به
صاحب محاسن المجالس، وقول من قال: مبنى الوجود حقائق وأباطل ليس بصحيح، فإن
الباطل هو العدم وهو صحيح، فإن الوجود المستفاد في حكم العدم والوجود الحق من كان
وجوده لنفسه وكل عدم وجد فما وجد إلاّ من وجود كان موصوفاً به لغيره لا لنفسه، والذي
استفاد هو الوجود لعينه. وأمّا المحال الباطل فهو الذي لا وجود له لا لنفسه ولا من غيره.
منزل التنزيه: هذا المنزل يشتمل على منازل: منها منزل الشكر، ومنزل البأس، ومنزل
النشر، ومنزل النصر والجمع، ومنزل الربح والخسران والاستحالات، ولنا في هذا: [الكامل]
سرّ مقولٌ حُكْمُه معقولُ
لمنازلِ التنزيه والتَّقْديسِ
فردوسُ قُذْسٍ روضُه مَطْلولُ
عِلْمٌ يعودُ على المنزَّه حُكْمُه
ما قاله فهُّرامُه تَضْليل
فَمُنزّهُ الحقِّ المبين مجوِّزٌ
يقول: المنزّه على الحقيقة من هو نزيه لنفسه، وإنما ينزّه من يجوز عليه ما ينزّه عنه
وهو المخلوق فلهذا يعود التنزيه على المنزه، قال وَلّ: ((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ)) فمن
كان عمله التنزيه عاد عليه تنزيهه فكان محله منزّهاً عن أن يقوم به اعتقاد ما لا ينبغي أن يكون
الحق عليه ومن هنا قال: من قال سبحاني تعظيماً لجلال الله تعالى ولهذا قال: روضه مطلول
وهو نزول التنزيه إلى محل العبد المنزّه خالقه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
منزل التقريب: هذا المنزل يشتمل على منزلين: منزل خرق العوائد، ومنزل أحدية كن
وفيه أنشدت : [الكامل]
ولها على ذات الكيان تَحَكُمُ
لمنازلِ التَّقْريب شرطٌ يُعْلَمُ
جبَّارُها خضع الوجودُ ويَخْدُمُ
فإذا أتى شَرْطُ القيامة واستوى
إلاَّ التي فعلت وأنت مُجَسَّمُ
هيهاتَ لا تجني النفوس ثمارها
يقول: إن التقريب من صفات المحدثات لأنها تقبل التقريب وضدّه والحق هو القريب،
وإن كان قد وصف نفسه بأنه يتقرب والمصدر منه التقريب والتقرّب. ولما قال شرط يعلم
وهو قبول التأثير قال: ولا يعرف وينكشف الأمر عموماً إلاَّ في الآخرة، وقال: والنفوس ما
لها جني إلاَّ ما غرسته في حياتها الدنيا من خير أو شرّ فلها التقريب من أعمالها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٧ -٨].
منزل التوقّع: وهذا المنزل أيضاً يشتمل على منزلين: منزل الطريق الإلهيّ، ومنزل
السمع وفيه نظمت: [الكامل]

٢٦٨ في المعارف / الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
وقطوفُها ليد المقرب دانِيَةْ
ظهرتْ منازلُ للتوقّع باديَةْ
لا تقطفنَّ من الغصون العَادِيَةْ
فاقطفْ مِنَّ أغصان الدنوّ ثمارَها
وسطَ الطريق تَرَ الحقائقَ بادِيَهْ
لا تخرجَنَّ عن اعتدالك والْزَمَنْ
يقول: ما يتوقعه الإنسان قد ظهر لأنه ما يتوقع شيئاً إلاَّ وله ظهور عنده في باطنه، فقد
برز غيبه الذي يستحقه إلى باطن من يتوقعه، ثم إنه يتوقع ظهوره في عالم الشهادة فيكون
أقرب في التناول وهو قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ [سورة الحاقة: الآية ٢٣] أي قريبة ليد القاطف:
يقول: احفظ طريق الاعتدال لا تنحرف عنه، والاعتدال هنا ملازمتك حقيقتك لا تخرج عنها
كما خرج المتكبرون، ومن كان برزخاً بين الطرفين كان له الاستشراف عليهما فإذا مال إلى
أحدهما غاب عن الآخر .
منزل البركات: وهو أيضاً يشتمل على منزلين: على منزل الجمع والتفرقة، ومنزل
الخصام البرزخي وهو منزل الملك والقهر وفيه قلت: [الكامل]
وله بحبَّات القلوب تَوَقُّعُ
المنازل البَرَكاتِ نورٌ يسطعُ
ولها إلى نفس الوجود تطلُعُ
فيها المَزيدُ لكل طالب مَشْهَدٍ
بحقائق البركات شدَّ المَطْلَعُ
فإذا تحقَّق سرُّ طالبٍ حكمةٍ
أعيانُه مشهودةٌ تتسمَّعُ
فالحمد لله الذي في كونه
البركات: الزيادة وهي من نتائج الشكر، وما سمّى الحق نفسه تعالى بالاسم الشاكر
والشكور إلاَّ لنزيد في العمل الذي شرع لنا أن نعمل به، كما يزيد الحق النعم بالشكر منّا، فكل
نفس متطلعة للزيادة يقول: وإذا تحقق طالب الحكم الزيادة انفرد بأمور يجهد أن لا يشاركه فيها
أحد لتكون الزيادة من ذلك النوع، وصاحب هذا المقام تكون حاله المراقبة للحال الذي يطلبه .
منزل الأقسام والإيلاء: وهذا المنزل يشتمل على منازل: منها منزل الفهوانيات
الرحمانية، ومنزل المقاسم الروحانية، ومنزل الرقوم، ومنزل مساقط النور، ومنزل الشعراء،
ومنزل المراتب الروحانية، ومنزل النفس الكلية، ومنزل القطب، ومنزل انفهاق الأنوار على
عالم الغيب، ومنزل مراتب النفس الناطقة، ومنزل اختلاف الطرق، ومنزل المودّة، ومنزل
علوم الإلهام، ومنزل النفوس الحيوانية، ومنزل الصلاة الوسطى، وفي هذا قلت: [السريع]
أحكامُها في عالَم الأرضِ
منازلُ الأقسام في العَرْضِ
تجري بأفلاك السُّعودِ على
من قام بالسُنَّة والفَرْضِ
وحُكْمُها في الطول والعَرْضِ
وعِلْمُها وَقْفٌ على عينها
يقول: القسم نتيجة التهمة، والحق يعامل الخلق من حيث ما هم عليه لا من حيث ما
هو عليه، ولهذا لم يولّ الحق تعالى للملائكة لأنهم ليسوا من عالم التهمة، وليس لمخلوق أن
يقسم بمخلوق وهو مذهبنا، وإن أقسم بمخلوق عندنا فهو عاص، ولا كفارة عليه إذا حنث
وعليه التوبة مما وقع فيه لا غير، وإنما أقسم الحق بنفسه حين أقسم بذكر المخلوقات،
وحذف الاسم يدل على ذلك إظهار الاسم في مواضع من الكتاب العزيز مثل قوله: ﴿فَوَرَبِّ

في المعارف / الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية ٢٦٩
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢٣] ﴿بَرَبِّ الْمَشَرِقِ وَالْغَزِبِ﴾ [سورة المعارج: الآية ٤٠] فكان ذلك
إعلاماً في المواضع التي لم يجر للاسم ذكر ظاهر أنه غيب هنالك لأمر أراده سبحانه في ذلك
يعرفه من عرّفه الحق ذلك من نبيّ ووليّ ملهم، فإن القسم دليل على تعظيم المقسم به، ولا
شك أنه قد ذكر في القسم من يبصر ومن لا يبصر، فدخل في ذلك الرفيع والوضيع والمرضيّ
عنه، والمغضوب عليه، والمحبوب والممقوت، والمؤمن والكافر، والموجود والمعدوم،
ولا يعرف منازل الأقسام إلاَّ من عرف عالم الغيب، فيغلب على الظنّ أن الاسم الإلهيّ هنا
مضمر، وقد عرّفناك أن عالم الغيب هو الطول وعالم الشهادة هو العرض.
منزل الإنْيَّة: ويشتمل على منازل: منها منزل سليمان عليه السلام دون غيره من
الأنبياء، ومنزل الستر الكامل، ومنزل اختلاف المخلوقات، ومنزل الروح، ومنزل العلوم،
وفيه أقول: [الكامل]
لوجودها عند الرجال مَنَّازلُ
إِنِّيَّةٌ قُدسيَّةٌ مشهودةٌ
في سورةٍ أعلامُها تَتَفاضَلُ
تفني الكيانَ إذا تجلَّت صورةً
خلفَ الظلالِ وَجُودُها لك شامِلُ
وتريك فيك وجودها بنعوتها
يقول: إن الحقيقة الإلهية المعنوية بنعوت التنزيه إذا شوهدت تفنى كل عين سواها وإن
تفاضلت مشاهدها في الشخص الواحد بحسب أحواله وفي الأشخاص لاختلاف أحوالهم لما
أعطت الحقيقة أنه لا يشهد الشاهد منّا إلاَّ نفسه، كما لا تشهد هي منّا إلَّ نفسها، فكل حقيقة
للأخرى مرآة المؤمن مرآة أخيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١].
منزل الدهور: يحتوي هذا المنزل على منازل: منها منزل السابقة، ومنزل العزّة، ومنزل
روحانيات الأفلاك، ومنزل الأمر الإلهيّ، ومنزل الولادة، ومنزل الموازنة، ومنزل البشارة
باللقاء، وفيه أقول : [الكامل]
مثلُ الزمان فإنه متوهّمُ
ومِن المنازل ما يكون مُقَدَّرُهُ
وله التصرُّفُ والمقامُ الأعْظَمُ
دلَّتْ عليه الدائراتُ بدورها
يقول: لما كان الأزل أمراً متوهماً في حق الحق كان الزمان أيضاً في حق الحق أمراً
متوهماً أي مدة متوهمة تقطعها حركات الأفلاك فإن الأزل كالزمان للخلق فافهم.
منزل لام الألف: هذا منزل الالتفاف والغالب عليه الائتلاف لا الاختلاف، قال تعالى:
﴿وَالْنَفَتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِدٍ اٌلْسَاقُ﴾ [سورة القيامة: الآيتان: ٣٠،٢٩] وهو يحتوي على منازل
منها منزل مجمع البحرين وجمع الأمرين، ومنزل التشريف المحمديّ الذي إلى جانب المنزل
الصمديّ وفيه أقول : [البسيط]
عند اللقاء انفصالٌ حَالَ وَضْلِهِمَا
منازلُ اللام في الشَّحقيق والألف
سرُّ الوجود وإني عَيْنُه فَهُمَا
هما الدليلُ على من قال إن أنا
لا کالذي دلّ بالأقوال فانصَرَمَا
نِعْمَ الدليلان إذا دلاً بحالهما

٢٧٠
في المعارف / الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
يقول: وإن ارتبط اللام بالألف وانعقد وصارا عيناً واحدة وهو ظاهر في المزدوج من
الحروف في المقام الثامن والعشرين بين الواو والياء اللذين لهما الصحة والاعتلال، فلما في
الألف من العلة، ولما في اللام من الصحة، وقعت المناسبة بينه وبين هذين الحرفين، فيلي
الصحيح منه حرف الصحة، ويلي المعتل منه حرف العلة، فيداه مبسوطة بالرحمة مقبوضة
بنقيضها، وليس للام الألف صورة في نظم المفرد بل هو غيب فيها ورتبة على حالها بين الواو
والياء، وقد استناب في مكانه الزاي والحاء والطاء اليابسة فله في غيبه الرتبة السابعة والثامنة
والتاسعة، فله منزلة القمر بين البدر والهلال، فلم تزل تصحبه رتبة البرزخية في غيبته وظهوره
فهو الرابع والعشرون، إذ كانت له السبعة بالزاي والثمانية بالحاء والتسعة بالطاء واليوم أربع
وعشرون ساعة، ففي أيّ ساعة عملت به فيها أنجح عملك على ميزان العمل بالوضع لأنه في
حروف الرقم لا في حروف الطبع لأنه ليس له في حروف الطبع إلاَّ اللام وهو من حروف
اللسان برزخ بين الحلق والشفتين، والألف ليست من حروف الطبع فما ناب إلاَّ مناب حرف
واحد وهو اللام الذي عنه تولد الألف إذا أشبعت حركته فإن لم تشبع ظهرت الهمزة، ولهذا
جعل الألف بعض العلماء نصف حرف والهمزة نصف حرف في الرقم الوضعي لا في اللفظ
الطبعي .
ثم نرجع فنقول: إن انعقد اللام بالألف كما قلنا وصارا عيناً واحدة فإن فخذيه يدلان
على أنهما اثنان، ثم العبارة باسمه تدل على أنه اثنان فهو اسم مركّب من اسمين لعينين العين
الواحدة اللام والأخرى الألف، ولكن لما ظهرا في الشكل على صورة واحدة لم يفرق الناظر
بينهما ولم يتميز له أيّ الفخذين هو اللام حتى يكون الآخر الألف فاختلف الكتاب فيه، فمنهم
من راعى التلفّظ، ومنهم من راعى ما يبتدىء به مخططه فيجعله أوّلاً فاجتمعا في تقديم اللام
على الألف لأنّ الألف هنا تولد عن اللام بلا شك، وكذلك الهمزة تتلو اللام في مثل قوله:
﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ﴾ [سورة الحشر: الآية ١٣] وأمثاله، وهذا الحرف أعني لام ألف هو حرف
الالتباس في الأفعال، فلم يتخلص الفعل الظاهر على يد المخلوق لمن هو؟ إن قلت: هو لله
صدقت، وإن قلت: هو للمخلوق صدقت، ولولا ذلك ما صحَّ التكليف، وإضافة العمل من
الله للعبد، يقول: (وَله: ((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ)) ويقول الله: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن
يُكْفَرُوهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٥] ﴿ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٠]
والله يقول الحق فكذلك أي الفخذين جعلت اللام أو الألف صدقت وإن اختلف العمل في
وضع الشكل عند العلماء به للتحقّق بالصورة، وكل من دلَّ على أن الفعل للواحد من
الفخذين دون الآخر فذلك غير صحيح وصاحبه ينقطع ولا يثبت وإن غيّره من أهل ذلك الشأن
يخالفه في ذلك، ويدلّ في زعمه والقول معه كالقول مع مخالفه ويتعارض الأمر ويشكل إلاَّ
على من نوّر الله بصيرته وهداه إلى سواء السبيل.
منزل التقرير: وهو يشتمل على منازل: منها منزل تعداد النعم، ومنزل رفع الضرر،
ومنزل الشرك المطلق، وفي ذلك أقول: [الوافر]

في المعارف / الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية ٢٧١
ورجَّحَتِ الظُهورَ على الكُمونِ
تقرَّرَتِ المنازلُ بالسكونِ
مفجَّرةٍ من الماء المَعينِ
ودَّتْ بالعيانِ على عُيُونٍ
إذا لمعت على النور المُبينٍ
ودلَّتْ بالبروق سَحَابُ مزن
اعلم أيّدك الله أنه يقول: الثبوت يقرّر المنازل، فمن ثبت ثبت وظهر لكل عين على
حقيقتها، ألا ترى ما تعطيك سرعة الحركة من الشبه فيحكم الناظر على الشيء بخلاف ما هو
عليه ذلك الشيء، فيقول في النار الذي في الجمرة أو في رأس الفتيلة إذا أسرع بحركته عرضاً
إنه خط مستطيل أو يديره بسرعة فيرى دائرة نار في الهواء وسبب ذلك عدم الثبوت، وإذا ثبتت
المنازل دلّت على ما تحوي عليه من العلوم الإلهية.
منزل المشاهدة: وهو منزل واحد هو منزل فناء الكون فيه يفنى من لم يكن ويبقى من
لم يزل، وفيه أقول: [مجزوء الرمل]
في فَنَاءِ الكون مَنْزِلْ
إنه ليلةُ قَذري
هو عينُ النور صِرْفـاً
فـأنـا الإمام حقاً
عنده مفتاح أمري
سَمْهريَّاتي طوالٌ
فالمقامُ الحقُّ فيكم
روحُه فينا تَـنَزَّلْ
ما له نورٌ ولا ظِلّ
ما له عنه تَنَقُلْ
مَلِكٌ في الصَّدْر أوَّلْ
فيولْيكم ويَعزِلْ
لست بالسّماك الأغزَلْ
دائمٌ لا يـتبدَّلْ
وهو الإمام الأعدَلْ
وهو القاهرُ منه
ليس بالنور الممثّلْ
وأنا منه يقيناً
فبعَيْن العَيْن أسمو
بل من المَهَاة أكْمَلْ
بمكان السرِّ الأفْضَلْ
ويأمر الأمر أَنْزِل
يقول: حالة الفناء لا نور ولا ظل مثل ليلة القدر، ثم قال: وذلك هو الضوء الحقيقي
والظل الحقيقي، فإنه الأصل الذي لا ضدّ له، والأنوار تقابلها الظلم وهذا لا يقابله شيء.
وقوله: أنا الإمام يعني شهوده للحق من الوجه الخاص الذي منه إليّ، وهو الصدر الأول،
ومن هذا المقام يقع التفصيل والكثرة والعدد في الصور، وجعل السمهريات كناية عن تأثير
القيومية في العالم ولها الثبوت ولذا قال: لا تتبدّل، وله القهر والعدل لا يقبل التشبيه فبشهود
الذات أعلو وبالأمر الإلهيّ أنزل إماماً في العالم.
منزل الألفة: هو منزل واحد وفيه أقول: [السريع]
وهي بهذا النَّغْت معروفَة
منازلُ الألفة مألوفَهْ
فإنها بالأمن مخفُوفَه
فقُلْ لمن عرَّس فيها أَقِمْ
وعن عذاب الوِتْر مصروفَةْ
وهي على الاثنين موقوفَهْ
هذا منزل الأعراس والسرور والأفراح، وهو ممّا امتنّ الله به على نبيه محمد مرَّ فقال:

٢٧٢ في المعارف/ الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يريد عليك ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الأنفال: الآية ٦٣] يريد على مودتك وإجابتك وتصديقك.
منزل الاستخبار: وهو يشتمل على منازل: منها منزل المنازعة الروحانية، ومنزل حلية
السعداء كيف تظهر على الأشقياء وبالعكس، ومنزل الكون قبل الإنسان، وفيه أقول: [الوافر]
أحالوني على استفهام لفظِي
إذا استفْهَمْتُ عن أحباب قلبي
فيا شؤمي لذاك وسوءِ حظّي
منازلُهم بلفظك ليس إلاّ
فما التفَتَتْ بخاطرها لوعْظِي
وعَظْتُ النفسَ لا تنظُز إليهم
فكانوا عَيْنَ كوني عَيْنَ لفْظِي
لفَظْتُهُمُو عسى أحظى بكونٍ
وقال : [الطويل]
وأسأل عنهم من أرى وهُمُو مَعِي
ومن عجبٍ أني أحنّ إليهِمُو
ويشتاقُهم قلبي وهم بين أَضْلُعِي
وترصدهُمْ عيني وهم في سوادِها
يقول: إنهم في لساني إذا سألت عنهم، وفي سواد عينيّ إذا نظرت إليهم، وفي قلبي إذا
فكرت فيهم واشتقت إليهم، فهم معي في كل حال أكون عليها، فهم عيني ولست عينهم إذ لم
يكن عندهم مني ما عندي منهم.
منزل الوعيد: وهو منزل واحد محوي على الجور والاستمساك بالكون، وفيه قلت :
[الكامل]
ترك السلوكَ على الطريق الأقْوَمِ
إن الوعيدَ لَمَنْزلان هما لمن
ومشى على حكم العُلُوّ الأقْدَمَ
فإذا تحقَّقَ بالكمال وجودُه
في النار وهي نعيمُ كل مكرَّمَ
عادا نعيماً عنده فنعيمُه
منزل روحانيّ وهو عذاب النفوس، ومنزل جسمانيّ وهو العذاب المحسوس، ولا
يكون إلاَّ لمن حاد عن الطريق المشروع في ظاهره وباطنه، فإذا وفق للاستقامة وسبقت له
العناية عصم من ذلك وتنعم بنار المجاهدة لجنّة المشاهدة.
منزل الأمر: وهو يشتمل على منازل: منزل الأرواح البرزخية، ومنزل التعليم، ومنزل
السرى، ومنزل السبب، ومنزل التمائم، ومنزل القطب والإمامين، ولنا فيه: [البسيط]
بها تَحَصَّلُ أفراحي ولذَّاتي
منازلُ الأمر فَهْوَانيَّةُ الذات
ولا أزول إلى وقت المُلاقاةِ
فليتني قائمٌ فيها مدى عُمُري
إذا تبرَّزُ في صدر المناجاةِ
فقُرَّةُ العين للمختار كان له
الأمر الإلهيّ من صفة الكلام وهو مسدود دون الأولياء من جهة التشريع، وما في
الحضرة الإلهيّة أمر تكليفيّ، إلاَّ أن يكون مشروعاً، فما بقي للوليّ إلاَّ سماع أمرها، إذا أمرت
الأنبياء فيكون للوليّ عند سماعه ذلك لذة سارية في وجوده، لكن يبقى للأولياء المناجاة
الإلهيّة التي لا أمر فيها سمراً وحديثاً، فكل من قال من أهل الكشف إنه مأمور بأمر إلهيّ في
حركاته وسكناته مخالف لأمر شرعيّ محمديّ تكليفيّ فقد التبس عليه الأمر وإن كان صادقاً

في المعارف/ الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية ٢٧٣
فيما قال إنه سمع، وإنما يمكن إن ظهر له تجلّ إلهيّ في صورة تنبيه و 9 فخاطبه نبيه أو أقيم
في سماع خطاب نبيّه، وذلك أن الرسول موصل أمر الحق تعالى الذي أمر الله به عباده، فقد
يمكن أن يسمع من الحق في حضرة ما ذلك الأمر الذي قد جاءه به أولاً رسوله وَ ل فيقول:
أمرني الحق، وإنما هو في حقّه تعريف بأنه قد أمر وانقطع هذا السبب بمحمد بَّ، وما عدا
الأوامر من الله المشروعة فللأولياء في ذلك القدم الراسخة، فهذا قد أتينا على التسعة عشر
صنفاً من المنازل، فلنذكر أخصّ صفات كل منزل فنقول:
وصل: أخصّ صفات منزل المدح تعلّق العلم بما لا يتناهى، وأخصّ صفات منزل
الرموز تعلّق العلم بخواص الأعداد والأسماء وهي الكلمات والحروف وفيه علم السيمياء،
وأخصّ صفات منزل الدعاء علوم الإشارة والتحلية، وأخصّ صفات منزل الأفعال علم الآن،
وأخصّ صفات منزل الابتداء علم المبدأ والمعاد ومعرفة الأوليات من كل شيء، وأخصّ
صفات التنزيه علم السلخ والخلع، وأخصّ صفات التقريب علم الدلالات، وأخصّ صفات
منزل التوقّع علم النسب والإضافات، وأخصّ صفات منزل البركات علم الأسباب والشروط
والعلل والأدلة والحقيقة، وأخصّ صفات الأقسام علوم العظمة، وأخصّ صفات منزل الدهر
علم الأزل وديمومة الباري وجوداً، وأخصّ صفات منزل الأنية علم الذات، وأخصّ صفات
منزل لام ألف علم نسبة الكون إلى المكوّن، وأخصّ صفات منزل التقرير علم الحضور،
وأخصّ صفات منزل فناء الكون علم قلب الأعيان، وأخصّ صفات منزل الألفة علم
الالتحام، وأخصّ صفات منزل الوعيد علم المواطن، وأخصّ صفات منزل الاستفهام علم
ليس كمثله شيء، وأخصّ صفات منزل الأمر علم العبودة.
وصل: اعلم أنه لكل منزل من هذه المنازل التسعة عشر صنف من الممكنات، فمنهم
صنف الملائكة وهم صنف واحد وإن اختلفت أحوالهم. وعلم الأجسام ثمانية عشر: الأفلاك
أحد عشر نوعاً، والأركان أربعة، والمولدات ثلاثة، ولها وجه آخر يقابلها من الممكنات في
الحضرة الإلهية الجوهر للذات وهو الأول. الثاني: الإعراض وهي للصفات. الثالث: الزمان
وهو للأزل. الرابع: المكان وهو للاستواء أو النعوت. الخامس: الإضافات للإضافات.
السادس: الأوضاع للفهوانية. السابع: الكميات للأسماء. الثامن: الكيفيات للتجليات.
التاسع: التأثيرات للجود. العاشر: الانفعالات للظهور في صور الاعتقادات. الحادي عشر:
الخاصية وهي للأحدية. الثاني عشر: الحيرة وهي للوصف بالنزول والفرح والقرض وأشباه
ذلك. الثالث عشر: حياة الكائنات للحيّ. الرابع عشر: المعرفة للعلم. الخامس عشر:
الهواجس للإرادة. السادس عشر: الإبصار للبصير. السابع عشر: السمع للسميع. الثامن
عشر: الإنسان للكمال. التاسع عشر: الأنوار والظلم للنور.
وصل - في نظائر المنازل التسعة عشر:
نظائرها من القرآن حروف الهجاء التي في أول السور وهي أربعة عشر حرفاً في خمس
مراتب: أحدية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية. ونظائرها من النار الخزنة تسعة عشر ملكاً
الفتوحات المكية ج١ - م١٨

٢٧٤
في المعارف / الباب الثالث والعشرون في معرفة الأقطاب المصونين وأسرار صونهم
نظائرها في التأثير اثنا عشر برجاً. والسبعة الدراري نظائرها من القرآن حروف البسملة
ونظائرها من الرجال النقباء اثنا عشر والأبدال السبعة وهؤلاء السبعة منهم الأوتاد أربعة
والإمامان اثنان والقطب واحد، والنظائر لهذه المنازل من الحضرة الإلهية من الأكوان كثير.
وصل: اعلم أن منزل المنازل عبارة عن المنزل الذي يجمع جميع المنازل التي تظهر
في عالم الدنيا من العرش إلى الثرى وهو المسمّى بالإمام المبين، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَبْنَهُ فِىَ إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يس: الآية ١٢] فقوله أحصيناه دليل على أنه ما أودع فيه إلاَّ علوماً
متناهية، فنظرنا هل ينحصر لأحد عددها فخرجت عن الحصر مع كونها متناهية لأنه ليس فيه
إلاَّ ما كان من يوم خلق الله العالم إلى أن ينقضي حال الدنيا وتنتقل العمارة إلى الآخرة، فسألنا
من أثق به من العلماء بالله هل تنحصر أمّهات هذه العلوم التي يحويها هذا الإمام المبين؟ فقال
نعم فأخبرني الثقة الأمين الصادق الصاحب وعاهدني أني لا أذكر اسمه أن أمّهات العلوم التي
تتضمن كل أمّ منه ما لا يحصى كثرة تبلغ بالعدد إلى مائة ألف نوع من العلوم وتسعة وعشرين
ألف نوع وستمائة نوع وكل نوع يحتوي على علوم جمة ويعبر عنها بالمنازل، فسألت هذا
الثقة هل نالها أحد من خلق الله وأحاط بها علماً؟ قال: لا، ثم قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَيِّكَ إِلَّا
هُوَ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣١] وإذا كانت الجنود لا يعلمها إلاَّ هو وليس للحق منازع يحتاج هؤلاء
الجنود إلى مقابلته فقال لي: لا تعجب فورب السماء والأرض لقد ثم ما هو أعجب؟ فقلت :
ما هو؟ فقال لي: الذي ذكر الله في حق امرأتين من نساء رسول الله وَ له ثم تلا: ﴿وَإِن تَظَهَرَا
عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينِّ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [سورة التحريم: الآية ٤].
فهذا أعجب من ذكر الجنود، فأسرار الله عجيبة، فلما قال لي ذلك سألت الله أن يطلعني على
فائدة هذه المسألة وما هذه العظمة التي جعل الله نفسه في مقابلتها وجبريل وصالح المؤمنين
والملائكة فأخبرت بها فما سررت بشيء سروري بمعرفة ذلك، وعلمت لمن استندتا ومن
يقوّيهما، ولولا ما ذكر الله نفسه في النصرة ما استطاعت الملائكة والمؤمنون مقاومتهما،
وعلمت أنهما حصل لهما من العلم بالله والتأثير في العالم ما أعطاهما هذه القوّة، وهذا من
العلم الذي كهيئة المكنون، فشكرت الله على ما أولى، فما أظنّ أن أحداً من خلق الله استند إلى
ما استند هاتان المرأتان، يقول لوط عليه السلام: ﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةٌ أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ﴾
[سورة هود: الآية ٨٠] وكان عنده الركن الشديد ولم يكن يعرفه، فإن النبيّ وَّل قد شهد له بذلك
فقال: ((يرحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد))، وعرفتاه عائشة وحفصة، فلو علم
الناس علم ما كانتا عليه لعرفوا معنى هذه الآية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والعشرون
في معرفة الأقطاب المصونين وأسرار صونهم
[نظم: الخفيف]
في وجودي فليس عينٌ تراهَا
إن لله حكمةً أخفاها

٢٧٥
في المعارف / الباب الثالث والعشرون في معرفة الأقطاب المصونين وأسرار صونهم
خلقَ الجسمَ دارَ لهْوِ وأنسٍ
ثم لما تعدَّلتْ واستقَامَتْ
ثم لما تحقَّق الحقُّ علماً
قال للموت خُذْ إليك عُبَيْدِي
وتجلّى له فقال إلهي
كيف أنسى داراً جعلتَ قواها
يا إلهي وسيدي واعتمادي
أعْلَمَتْنا بما تريدون منّا
فقطعنا أيامَنا في سرورٍ
قال ردّوا عليه دارَ هواهُ
فرُدِدْنَا مخلَّدين سُكارَى
وبناها على اعتدالِ قواها
فبناها وَجُودُهُ سوَّاهَا
جاء روحْ من عنده أحياهَا
حبُّه وانقيادُه لهواهَا
فدعاه له بما أخلاهَا
أين أنسى فقال ما تنساهَا
من قواكم فهي التي لا تُضاهَى
ما عَشِقْنَا منها سوى معناهَا
بلسان الرسول من أعلاها
بك يا سيدي فما أحلاهَا
صدَقَ الروحُ إنه يهواهَا
طرباً دائماً إلى سُكْنَاهَا
وتجلَّى لها بما قوَّاهَا
اعلم أيّدك الله أن هذا الباب يتضمن ذكر عباد الله المسمّين بالملامية، وهم الرجال
الذين حلّوا من الولاية في أقصى درجاتها وما فوقهم إلاَّ درجة النبوّة، وهذا يسمّى مقام القربة
في الولاية وآيتهم من القرآن: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَتٌ فِ الْخِيَامِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٧٢] ينبّه بنعوت
نساء الجنة وحورها على نفوس رجال الله الذين اقتطعهم إليه وصانهم وحبسهم في خيام صون
الغيرة الإلهية في زوايا الكون أن تمتدّ إليهم عين فتشغلهم، لا والله ما يشغلهم نظر الخلق
إليهم، لكنه ليس في وسع الخلق أن يقوموا بما لهذه الطائفة من الحق عليهم لعلوّ منصبها
فتقف العباد في أمر لا يصلون إليه أبداً، فحبس ظواهرهم في خيمات العادات والعبادات من
الأعمال الظاهرة والمثابرة على الفرائض منها والنوافل، فلا يعرفون بخرق عادة فلا يعظمون،
ولا يشار إليهم بالصلاح الذي في عرف العامّة مع كونهم لا يكون منهم فساد فهم الأخفياء
الأبرياء الأمناء في العالم الغامضون في الناس فيهم، قال رسول الله وَ* عن ربّه عزّ وجلّ:
((إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنْ خَفِيفُ الحَاذِ ذُو حَظُ مِنْ صَلاةٍ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي
السِّرِّ وَالعَلاَئِيَةِ وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ)) يريد أنهم لا يعرفون بين الناس بكبير عبادة ولا ينتهكون
المحارم سرّاً وعلناً .
قال بعض الرجال في صفتهم لما سُئِل عن العارف قال: مسوّد الوجه في الدنيا
والآخرة، فإن كان أراد ما ذكرناه من أحوال هذه الطائفة فإنه يريد باسوداد الوجه استفراغ
أوقاته كلها في الدنيا والآخرة في تجلّيات الحق له، ولا يرى الإنسان عندنا في مرآة الحق إذا
تجلّى له غير نفسه ومقامه وهو كون من الأكوان والكون في نور الحق ظلمة فلا يشهد إلاَّ
سواده فإن وجه الشيء حقيقته وذاته، ولا يدوم التجلّي إلاَّ لهذه الطائفة على الخصوص، فهم
مع الحق في الدنيا والآخرة على ما ذكرناه من دوام التجلّي وهم الأفراد. وأمّا إن أراد بالتسويد
من السيادة وأراد بالوجه حقيقة الإنسان أي له السيادة في الدنيا والآخرة فيمكن، ولا يكون

٢٧٦
في المعارف / الباب الثالث والعشرون في معرفة الأقطاب المصونين وأسرار صونهم
ذلك إلاَّ للرسل خاصة فإنه كمالهم وهو في الأولياء نقص، لأن الرسل مضطرّون في الظهور
لأجل التشريع، والأولياء ليس لهم ذلك، ألا ترى الله سبحانه لما أكمل الدين كيف أمره في
السورة التي نعى الله إليه فيها نفسه فأنزل عليه: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ
يَدْخُلُونَ فِىِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [سورة النصر: الآية ١ - ٣] أي أشغل نفسك
بتنزيه ربّك والثناء عليه بما هو أهله، فاقتطعه بهذا الأمر من العالم لما كمل ما أريد منه من
تبليغ الرسالة، وطلب بالاستغفار أن يستره عن خلقه في حجاب صونه لينفرد به دون خلقه
دائماً، فإنه كان في زمان التبليغ والإرشاد وشغله بأداء الرسالة، فإن له وقتاً لا يسعه فيه غير
ربّه، وسائر أوقاته فيما أمر به من النظر في أمور الخلق، فردّه إلى ذلك الوقت الواحد الذي
كان يختلسه من أوقات شغله بالخلق وإن كان عن أمر الحق، ثم قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَابٌ﴾
أي يرجع الحق إليك رجوعاً مستصحباً لا يكون للخلق عندك فيه دخول بوجه من الوجوه.
ولما تلا رسول الله عَليه هذه السورة بكى أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه وحده دون من كان
في ذلك المجلس وعلم أن الله تعالى قد نعى إلى رسول الله وَلله نفسه وهو كان أعلم الناس
به، وأخذ الحاضرون يتعجبون من بكائه ولا يعرفون سبب ذلك.
والأولياء الأكابر إذا تُركوا وأنفسهم لم يختر أحد منهم الظهور أصلاً لأنهم علموا أن
الله ما خلقهم لهم ولا لأحد من خلقه بالتعلّق من القصد الأول، وإنما خلقهم له سبحانه
فشغلوا أنفسهم بما خلقوا له، فإن أظهرهم الحق عن غير اختيار منهم بأن يجعل في قلوب
الخلق تعظيمهم فذلك إليه سبحانه ما لهم فيه تعمل، وإن سترهم فلم يجعل لهم في قلوب
الناس قدراً يعظمونهم من أجله فذلك إليه تعالى، فهم لا اختيار لهم مع اختيار الحق فإن
خيرهم ولا بدّ فيختارون الستر عن الخلق والانقطاع إلى الله. ولما كان حالهم ستر مرتبتهم
عن نفوسهم فكيف عن غيرهم، تعين علينا أن نبين منازل صونهم:
فمن منازل صونهم أداء الفرائض في الجماعات، والدخول مع الناس في كل بلد بزي
ذلك البلد ولا يوطن مكاناً في المسجد، وتختلف أماكنه في المسجد الذي تقام فيه الجمعة
حتى تضيع عينه في غمار الناس، وإذا كلّم الناس فيكلمهم ويرى الحق رقيباً عليه في كلامه،
وإذا سمع كلام الناس سمع كذلك، ويقلّل من مجالسة الناس إلاَّ من جيرانه حتى لا يشعر به،
ويقضي حاجة الصغير والأرملة، ويلاعب أولاده وأهله بما يرضي الله تعالى، ويمزح ولا
يقول إلاَّ حقاً، وإن عرف في موضع انتقل عنه إلى غيره فإن لم يتمكن له الانتقال استقضى من
يعرفه وألحّ عليهم في حوائج الناس حتى يرغبوا عنه، وإن كان عنده مقام التحوّل في الصور
تحوّل كما كان للروحاني التشكّل في صور بني آدم فلا يعرف أنه ملك، وكذلك كان قضيب
البان، وهذا كله ما لم يرد الحق إظهاره ولا شهرته من حيث لا يشعر.
ثم إن هذه الطائفة إنما نالوا هذه المرتبة عند الله لأنهم صانوا قلوبهم أن يدخلها غير
الله، أو تتعلق بكون من الأكوان سوى الله، فليس لهم جلوس إلاَّ مع الله، ولا حديث إلاَّ مع
الله، فهم بالله قائمون، وفي الله ناظرون، وإلى الله راحلون ومنقلبون، وعن الله ناطقون، ومن

في المعارف / الباب الرابع والعشرون في معرفة جاءت عن العلوم الكونية وما تتضمنه من العجائب ٢٧٧
الله آخذون، وعلى الله متوكلون، وعند الله قاطنون، فما لهم معروف سواه، ولا مشهود إلاَّ
إياه، صانوا نفوسهم عن نفوسهم، فلا تعرفهم نفوسهم، فهم في غيابات الغيب محجوبون،
هم ضغائن الحق المستخلصون، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق مشي ستر وأكل
حجاب، فهذه حالة هذه الطائفة المذكورة في هذا الباب .
تتمة شريفة لهذا الباب: قلنا: ومن هذه الحضرة بعثت الرسل سلام الله عليهم أجمعين
مشرّعين، ووجد معهم هؤلاء تابعين لهم قائمين بأمرهم من عين واحدة، أخذ عنها الأنبياء
والرسل ما شرعوا، وأخذ عنها الأولياء: ما اتبعوهم فيه، فهم التابعون على بصيرة، العالمون
بمن اتبعوه وفيما اتبعوه، وهم العارفون بمنازل الرسل ومناهج السبل من الله ومقاديرهم عند
الله تعالى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء السادس عشر والحمد لله.
(الجزء السابع عشر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ
الباب الرابع والعشرون
في معرفة جاءت عن العلوم الكونية وما تتضمنه من العجائب
ومن حصّلها من العالم ومراتب أقطابهم وأسرار الاشتراك بين شريعتين،
والقلوب المتعشقة بعالم الأنفاس وبالأنفاس وأصلها وإلى كم تنتهي منازلها
[نظم: الطويل]
تعجَّبْتُ من مَلْكِ يعود بنا مَلْكاً
فذلك مَلْكُ المُلْكِ إن كنت ناظماً
فخُذْ عن وجود الحق علماً مقدّساً
فإن كنتَ مثلي في العلوم فقد تَرَى
فهل في العلى شيءٌ يقاوم أمْرَكُمْ
فلو كنتَ تدري يا حبيبي وجودَه
وكان إلهُ الخلق يأتيك ضعفَ ما
ومن مالكِ أضحى لمملوكه مُلْكًا
من اللؤلؤ المنثور من علمنا سِلْكًا
ليأخذ ذاك العلمَ من شاءه عَنْكًا
بأن الذي في كونه نسخة مِنْكًا
وقد فتكَتْ أسيافُكم في الورى فَتْكًا
ومن أنت كنتَ السيِّدَ العلمَ المَلْكًا
أتيتَ إليه إن تحقَّقْتَه مِلْكًا
اعلم أيّدك الله أن الله يقول: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٠] فإذا علمت هذا
علمت أن الله رب كل شيء ومليكه، فكل ما سوى الله تعالى مربوب لهذا الرب، وملك لهذا
الملك الحق سبحانه، ولا معنى لكون العالم ملك الله تعالى إلاَّ تصرّفه فيه على ما يشاء من
غير تحجير، وأنه محل تأثير الملك سيّده جلّ علاه، فتنوّع الحالات التي هو العالم عليها هو
تصرّف الحق فيه على حكم ما يريده، ثم إنه لما رأينا الله تعالى يقول: ﴿كَتَّبَ رَبُّكُمْ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] فأشرك نفسه مع عبده في الوجوب عليه، وإن كان هو
الذي أوجب على نفسه ما أوجب، فكلامه صدق ووعده حق، كما يوجب الإنسان بالنذر على

٢٧٨ في المعارف/ الباب الرابع والعشرون في معرفة جاءت عن العلوم الكونية وما تتضمنه من العجائب
نفسه ابتداء ما لم يوجبه الحق عليه، فأوجب الله عليه الوفاء بنذره الذي أوجبه على نفسه،
فأمره بالوفاء بنذره، ثم رأيناه تعالى لا يستجيب إلاَّ بعد دعاء العبد إياه كما شرع، كما أن العبد
لا يكون مجيباً للحق حتى يدعوه الحق إلى ما يدعوه إليه، قال تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [سورة
البقرة: الآية ١٨٦] فصار للعبد والعالم الذي هو ملك الله سبحانه تصرّف إلهيّ في الجانب الأحمى
بما تقتضيه حقيقة العالم بالطلب الذاتيّ، وتصريف آخر بما يقتضيه وضع الشريعة، فلما كان
الأمر على ما ذكرناه من كون الحق يجيب أمر العبد إذا دعاه وسأله، كما أن العبد يجيب أمر
الله إذا أمره وهو قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٠] فشرك في القضية.
ولما كان الحق يقتضي بذاته أن يتذلّل له سواء شرع لعباده أعمالاً أو لم يشرع، كذلك
يقتضي ببقاء وجود عينه حفظ الحق إياه، سواء شرع الحق ما شرعه أو لم يشرع. ثم لما شرع
للعبد أعمالاً إذا عملها شرع لنفسه أن يجازي هذا العبد على فعل ما كلفه به، فصار الجناب
العالي ملكاً لهذا الملك الذي هو العالم بما ظهر من أثر العبد فيه من العطاء عند السؤال،
فانطلق عليه صفة يعبر عنها ملك الملك، فهو سبحانه مالك وملك بما يأمر به عباده، وهو
سبحانه ملك بما يأمره به العبد فيقول: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥١] كما قال له
الحق: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [سورة طه: الآية ١٤] فيسمي ما كان من جانب الحق للعبد أمراً،
ويسمي ما كان من جانب العبد للحق دعاء أدباً إلهياً وإنما هو على الحقيقة أمر، فإن الحد
يشمل الأمرين معاً، وأول من اصطلح على هذا الاسم في علمي محمد بن علي الترمذيّ
الحكيم وما سمعنا هذا اللفظ عن أحد سواه، وربما تقدمه غيره بهذا الاصطلاح، وما وصل
إلينا إلاَّ أن الأمر صحيح، ومسألة الوجوب على الله عقلاً مسألة خلاف بين أهل النظر من
المتكلمين، فمن قائل بذلك وغير قائل بها. وأمّا الوجوب الشرعيّ فلا ينكره إلاَّ من ليس
بمؤمن بما جاء من عند الله .
واعلم أن المتضايفين لا بدّ أن يحدث لكل أحد من المتضايفين اسم تعطيه الإضافة،
فإذا قلت: زيد فهو إنسان بلا شك لا يعقل منه غير هذا، فإذا قلت: عمرو فهو إنسان لا يعقل
منه غير هذا، فإذا قلت: زيد بن عمرو أو زيد عبد عمرو فلا شك أنه قد حدث لزيد البنوّة إذ
كان ابن عمرو، وحدث لعمرو اسم الأبوة إذا كان أباً لزيد، فبنوّة زيد أعطت الأبوّة لعمرو
والأبّة لعمرو أعطت البنوّة لزيد، فكل واحد من المتضايفين أحدث لصاحبه معنى لم يكن
يوصف به قبل الإضافة، وكذلك زيد عبد عمرو فأعطت العبودة أن يكون زيد مملوكاً وعمرو
مالكاً، فقد أحدثت مملوكية زيد اسم المالك لعمرو، وأحدث ملك عمرو لزيد مملوکیة زید،
فقيل فيه مملوك، وقيل في عمرو مالك، ولم يكن لكل واحد منهما معقولية هذين الاسمين
قبل أن توجد الإضافة، فالحق حق والإنسان إنسان. فإذا قلت: الإنسان أو الناس عبيد الله.
قلت: إنّ الله ملك الناس لا بدّ من ذلك، فلو قدرت ارتفاع وجود العالم من الذهن جملة
واحدة من كونه ملكاً لم يرتفع وجود الحق لارتفاع العالم وارتفع وجود معنى الملك عن الحق
ضرورة، ولما كان وجود العالم مرتبطاً بوجود الحق فعلاً وصلاحية لهذا كان اسم الملك لله

في المعارف / الباب الرابع والعشرون في معرفة جاءت عن العلوم الكونية وما تتضمنه من العجائب ٢٧٩
تعالى أزلاً، وإن كان عين العالم معدوماً في العين لكن معقوليته موجودة مرتبطة باسم المالك
فهو مملوك لله تعالى وجوداً وتقديراً، قوّة وفعلاً، فإن فهمت وإلا فافهم.
وليس بين الحق والعالم بون يعقل أصلاً إلاَّ التمييز بالحقائق، فالله ولا شيء معه
سبحانه ولم يزل كذلك ولا يزال كذلك لا شيء معه فمعيته معنا كما يستحق جلاله وكما ينبغي
الجلاله، ولولا ما نسب لنفسه أنه معنا لم يقتض العقل أن يطلق عليه معنى المعية، كما لا
يفهم منها العقل السليم حين أطلقها الحق على نفسه ما يفهم من معية العالم بعضه مع بعض
لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١]، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمَّ﴾
[سورة الحديد: الآية ٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طُه: الآية ٤٦] لموسى
وهارون، فنقول: إن الحق معنا على حدّ ما قاله وبالمعنى الذي أراده، ولا نقول: إنا مع
الحق فإنه ما ورد والعقل لا يعطيه فما لنا وجه عقليّ ولا شرعيّ يطلق به أننا مع الحق.
وأمّا من نفى عنه إطلاق الأينية من أهل الإسلام فهو ناقص الإيمان، فإن العقل ينفي
عنه معقولية الأينية، والشرع الثابت في السنة لا في الكتاب قد أثبت إطلاق لفظ الأينية على
الله فلا تتعدى ولا يقاس عليها وتطلق في الموضع الذي أطلقها الشارع، قال رسول الله اله
السوداء التي ضربها سيدها: ((أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَقَبِلَ إِشَارَتَهَا وَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا
مُؤْمِنَةٌ)) فالسائل بالأينية أعلم الناس بالله تعالى وهو رسول الله وَّر، وتأوّل بعض علماء
الرسوم إشارتها إلى السماء وقبول النبيّ وَلّر ذلك منها لما كانت الآلهة التي تعبد في الأرض
وهذا تأويل جاهل بالأمر غير عالم، وقد علمنا أنّ العرب كانت تعبد كوكباً في السماء يسمّى
الشعرى سنه لهم أبو كبشة وتعتقد فيها أنها رب الأرباب هكذا وقفت على مناجاتهم إياها،
ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [سورة النجم: الآية ٤٩] فلو لم يعبد كوكب في السماء
لساغ هذا التأويل لهذا المتأوّل، وهذا أبو كبشة الذي كان شرع عبادة الشعرى هو من أجداد
رسول الله وَّ لأمّه، ولذلك كانت العرب تنسب رسول الله وَلَو إليه فتقول: ما فعل ابن أبي
كبشة حيث أحدث عبادة إله واحد كما أحدث جدّه عبادة الشعرى.
ومن أقطاب هذا المقام ممن كان قبلنا محمد بن علي الترمذي الحكيم، ومن شيوخنا
أبو مدين رحمه الله وكان يعرف في العالم العلوي بأبي النجا وبه يسمّونه الروحانيون، وكان
يقول رضي الله عنه: سورتي من القرآن ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [سورة الملك: الآية ١] ومن أجل
هذا كنا نقول فيه إنه أحد الإمامين لأن هذا هو مقام الإمام، ثم نقول: ولما كان الحق تعالى
مجيباً لعبده المضطر فيما يدعوه به ويسأله منه صار كالمتصرّف، فلهذا كان يشير أبو مدين
بقوله: فكان يقول فيه ملك الملك. وأمّا صحة هذه الإضافة لتحقق العبد في كل نفس أنه
ملك الله تعالى من غير أن يتخلّل هذا الحال دعوى تناقضه، فإذا كان بهذه المثابة حينئذ يصدق
عليه أنه ملك عنده، فإن شابته رائحة من الدعوى وذلك بأن يدعي لنفسه ملكاً عرياً عن
حضوره في تمليك الله إياه ذلك الأمر الذي سمّاه ملكاً له، وملكاً لم يكن في هذا المقام ولا
صحّ له أن يقول في الحق إنه ملك الملك، وإن كان كذلك في نفس الأمر فقد أخرج هذا

٢٨٠ في المعارف/ الباب الرابع والعشرون في معرفة جاءت عن العلوم الكونية وما تتضمنه من العجائب
نفسه بدعواه بجهله أنه ملك الله وغفلته في أمر ما، فيحتاج صاحب هذا المقام إلى ميزان عظيم
لا یبرح بیده ونصب عينه.
وصل: وأمّا أسرار الاشتراك بين الشريعتين فمثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾
[سورة طه: الآية ١٤] وهذا مقام ختم الأولياء، ومن رجاله اليوم خضر وإلياس، وهو تقرير الثاني
ما أثبته الأوّل من الوجه الذي أثبته مع مغايرة الزمان ليصح المتقدم والمتأخر، وقد لا يتغير
المكان ولا الحال فيقع الخطاب بالتكليف للثاني من عين ما وقع للأوّل ولما كان الوجه الذي
جمعهما لا يتقيد بالزمان، والأخذ منه أيضاً لا يتقيد بالزمان، جاز الاشتراك في الشريعة من
شخصين، إلاَّ أن العبارة يختلف زمانها ولسانها، إلاَّ أن ينطقا في آن واحد بلسان واحد
كموسى وهارون لما قيل لهما: ﴿ أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [سورة طه: الآية ٤٣] ومع هذا كله
فقد قيل لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَِّنًا﴾ [سورة طه: الآية ٤٤] فأتى بالنكرة في قوله قولاً ولا سيّما
وموسى يقول: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِّى لِسَانًا﴾ [سورة القصص: الآية ٣٤] يعني هارون، فقد يمكن أن
يختلفا في العبارة في مجلس واحد فقد جمعهما مقام واحد وهو البعث في زمان واحد إلى
شخص واحد برسالة واحدة، وإن كان قد منع وجود مثل هذا جماعة من أصحابنا وشيوخنا
كأبي طالب المكّي ومن قال بقوله وإليه نذهب وبه أقول وهو الصحيح عندنا، فإن الله تعالى لا
يكرّر تجليّاً على شخص واحد، ولا يشرّك فيه بين شخصين للتوسّع الإلهي، وإنما الأمثال
والأشباه توهم الرائي والسامع للتشابه الذي يعسر فصله إلاَّ على أهل الكشف والقائلين من
المتكلمين أن العرض لا يبقى زمانين. ومن الاتساع الإلهي أن الله أعطى كل شيء خلقه،
وميّز كل شيء في العالم بأمر ذلك الأمر هو الذي ميّزه عن غيره وهو أحدية كل شيء فما
اجتمع اثنان في مزاج واحد، قال أبو العتاهية: [المتقارب]
تدلُّ على أنه واحِدُ
وفي كل شيءٍ له آيةٌ
وليست سوى أحدية كل شيء، فما اجتمع قط اثنان فيما يقع به الامتياز، ولو وقع
الاشتراك فيه ما امتازت وقد امتازت عقلاً وكشفاً، ومن هذا المنزل في هذا الباب تعرف إيراد
الكبير على الصغير، والواسع على الضيق، من غير أن يضيق الواسع ويوسع الضيق أي لا
يغير شيء عن حاله، لكن لا على الوجه الذي يذهب إليه أهل النظر من المتكلمين والحكماء
في ذلك، فإنهم يذهبون إلى اجتماعهما في الحد والحقيقة لا في الجرمية، فإن كبر الشيء
وصغره لا يؤثر في الحقيقة الجامعة لهما، ومن هذا الباب أيضاً قال أبو سعيد الخراز: ما
عرف الله إلاَّ بجمعه بين الضدّين ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاَلَْخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِنُ﴾ [سورة الحديد: الآية
٣] يريد من وجه واحد لا من نسب مختلفة كما يراه أهل النظر من علماء الرسوم.
واعلم أنه لا بدّ من نزول عيسى عليه السلام، ولا بدّ من حكمه فينا بشريعة محمد وَل
يوحي الله بها إليه من كونه نبياً، فإن النبيّ لا يأخذ الشرع من غير مرسله فيأتيه الملك مخبراً
بشرع محمد الذي جاء به وَ لّ وقد يلهمه إلهاماً، فلا يحكم في الأشياء بتحليل وتحريم إلاَّ بما
كان يحكم به رسول الله م # لو كان حاضراً، ويرتفع اجتهاد المجتهدين بنزوله عليه السلام،