Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
في المعارف/ الباب السادس في معرفة بدء الخلق الروحانيّ ... الخ
الإيمان في هذا المقام على خمسة أقسام: إيمان تقليد، وإيمان علم، وإيمان عين،
وإيمان حق، وإيمان حقيقة، فالتقليد للعوام، والعلم لأصحاب الدليل، والعين لأهل
المشاهدة، والحق للعارفين، والحقيقة للواقفين، وحقيقة الحقيقة وهو السادس للعلماء
المرسلين أصلاً ووراثة منع كشفها فلا سبيل إلى إيضاحها، فكانت صفات الدعاوى إذا لقوا
هؤلاء الخمسة قالوا آمنا، فالقلب للعوامّ وسرّ القلب لأصحاب الدليل، والروح لأهل
المشاهدة، وسرّ الروح للعارفين، وسرّ السرّ للواقفين، والسرّ الأعظم لأهل الغيرة والحجاب،
والمنافقون تعرّوا عن الإيمان وانتظموا في الإسلام، وإيمانهم ما جاوز خزانة خيالهم فاتخذوا
أصناماً في ذواتهم أقاموها مقام آلهتهم، فإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا باستيلاء الغفلة عليهم وخلوّ
المحل عن مراتب الإيمان ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ فوقع عليهم العذاب من قولهم له إلى
شياطينهم في حال الخلوة، فلما قامت الأضداد عندهم وعاملوا الحق والباطل عاملوا الحق
بستر الباطل وعاملوا الباطل بإفشاء الحق فصح لهم النفاق، ولو خاطبوا ذاتهم في ذاتهم ما صحّ
عليهم هذا ولكانوا من أهل الحقائق فأوقع الله الجواب على الاستهزاء فقال؛ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
وهو استهزاؤهم عجباً، كيف قالوا إنا معكم وهم عدم لو عاينوا إيمان الحقيقة لعاينوا الخالق
في الخليقة ولا خلوا ولا نطقوا ولا صمتوا، بل كانوا يقومون مقام من شاهد وهو روح جاء
مع صاحب المادة فلينظر الإنسان حقيقة اللقاء فإنه مؤذن بافتراق متقدّم، ثم اجتمعوا بصفة لم
يعرفوها بل ظهر لهم منها ظاهر حسن فتأدّبوا معها ولم يطيقوا أكثر من ذلك فقالوا آمنا، ثم
نكسوا على رؤوسهم في الخلوة مع الشيطنة وهي البعد مثل اللقاء فقالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِءُونَ﴾ بالصفة التي لقينا، فتدبر هذه الآية من حقيقة الحقيقة عند طلوع الفجر وزوال
الشك بزوال الستارة ورفع الموانع يلح لك السرّ في سبحان والنساء والشمس فتجد الذين لقوا
كمثل الذين لقوا فتصمت وإن تكلمت هلكت، وهذه حقيقة الحقيقة التي منع كشفها إلاَّ لمن
شمّ منها رائحة ذوقاً فلا بأس، فانظر وتدبر ترشد إن شاء الله. تمّ الجزء العاشر.
(الجزء الحادي عشر)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الباب السادس
في معرفة بدء الخلق الروحانيّ، ومن هو أول موجود فيه، وممّ وجد، وفيم
وجد، وعلى أيّ مثال وجد، ولم وجد وما غايته؟ ومعرفة أفلاك العالم الأكبر
والأصغر:
[نظم: الكامل]
ووجودُنا مثلُ الرداء المُعْلَمِ
انظُرْ إلى هذا الوجودِ المُحكَمِ
من مفصحٍ طَلْقِ اللسان وأعْجَمٍ
وانظر إلى خُلَفائه في مُلکِھمْ

١٨٢
في المعارف/ الباب السادس في معرفة بدء الخلق الروحانيّ ... الخ
ما منهُمُو أحدٌ يحب إلهَهُ
فيقالُ هذا عبدُ معرفةٍ وذا
إلاَّ القليلُ من القليلِ فإنهمْ
فهُمُو عبيدُ الله لا يدري بهمْ
فأفادهم لما أراد رجوعَهُمْ
عَلِمَ المقدَّمَ في البسائط وحدَه
وحقيقةَ الظرف الذي ستّرَتْه عن
والعلمَ بالسبب الذي وُجدَتْ له
ونهايةَ الأمرِ الذي لا غايةٌ
وعلومَ أفلاك الوجود كبيرِهِ
هذي علومٌ مَنْ تحقَّقَ كشفها
فالحمدُ لله الذي أنا جامعٌ
إلاَّ ويمزجه بحبّ الدِّرهَم
عبدُ الجِنان وذا عُبَيْدُ جهنّمَ
سكْرَى به من غير حِسٌّ توَهُمَ
أحدٌ سواه لا عبيدُ المنْعِمَ
لقصورهم من كل علم مُبْهَمَ
وأساسُه ذو عنه لم يَتَصرَّمَ
أمثاله ومِثَاله لم يُكْثَمَ
عينُ العوالم في الطراز الأقْدَمِ
تُذْرَى له فيه العظيم الأعظم
وصغيرهِ الأعلى الذي لَم يُذْمَمَ
يهدي القلوبَ إلى السبيل الأقْوَم
لعلومها ولعلم ما لم يُعْلَمَ
إيجاز البيان بضرب من الإجمال بدء الخلق الهباء، وأوّل موجود فيه الحقيقة المحمدية
الرحمانية ولا أين يحصرها لعدم التحيّز، وممّ وجد وجد من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف
بالوجود ولا بالعدم وفيم وجد في الهباء، وعلى أي مثال وجد الصورة المعلومة في نفس
الحق ولم وجد لإظهار الحقائق الإلهية وما غايته التخليص من المزجة، فيعرف كل عالم حظّه
من منشئه من غير امتزاج، فغايته إظهار حقائقه ومعرفة أفلاك الأكبر من العالم وهو ما عدا
الإنسان في اصطلاح الجماعة والعالم الأصغر يعني الإنسان روح العالم وعلته وسببه وأفلاكه
مقاماته وحركاته وتفصيل طبقاته، فهذا جميع ما يتضمنه هذا الباب، فكما أن الإنسان عالم
صغير من طريق الجسم كذلك هو أيضاً حقير من طريق الحدوث وصحّ له التألّه لأنه خليفة الله
في العالم والعالم مسخّر له مألوه، كما أن الإنسان مألوه لله تعالى. واعلم أن أكمل نشأة
الإنسان إنما هي في الدنيا، وأما الآخرة فكل إنسان من الفرقتين على النصف في الحال لا في
العلم، فإن كل فرقة عالمة بنقيض حالها، فليس الإنسان إلاَّ المؤمن والكافر معاً، سعادة
وشقاء، نعيم وعذاب، منعم ومعذب، ولهذا معرفة الدنيا أتم وتجلي الآخرة أعلى، فافهم
وحل هذا القفل ولنا رمز لمن تفطن وهو لفظه بشيع شنيع ومعناه بديع: [المجتث]
هذا الوجودُ الصغيرُ
روحُ الوجود الكبيرُ
أنا الكبيرُ القديرُ
لولاه ما قال إني
ولا الفنا والنُّشورُ
لا يحجبنكَ حدوثي
ـتني المحيط الكبير
فإنني إن تأمّلــ
وللجديد ظهورُ
فللقديم بذاتـي
لا يعتريه قُصورُ
والله فردٌ قديمٌ
والكونُ خلقٌ جديدٌ
في قبضَتَيْه أسيرُ

١٨٣
في المعارف / الباب السادس في معرفة بدء الخلق الروحانيّ ... الخ
فجاء من هذا أني
وأن كلَّ وجودٍ
فلا كلَيليَ ليلٌ
فمن يقل فيَّ عبدٌ
أو قال إني وجودٌ
فصحني مَلْكاً تَجِذْني
فياجـولاً بقدري
بلغ وجودي عني
وقل لقومك إني
وقلْ بأنَّ عذابي
وقلْ بأني ضعيفٌ
فكيف ينعم شخصٌ
أنا الوجودُ الحقيرُ
على وجودي يدورُ
ولا كنورَي نورُ
أنا العبيدُ الفقيرُ
أنا الوجودُ الخبيرُ
أو سُوقةٌ ما تّجُورُ
أنت العليمُ البصيرُ
والقولُ صدقٌ وزورُ
أنا الرحيمُ الغَفورُ
هو العذابُ المُبيرُ
لا أستطيع أسيرُ
على يديّ يَبُورُ
بسط الباب وبيانه ومن الله التأييد والعون:
اعلموا أن المعلومات أربعة: الحق تعالى وهو الموصوف بالوجود المطلق لأنه سبحانه
ليس معلولاً لشيء ولا علة بل هو موجود بذاته، والعلم به عبارة عن العلم بوجوده، ووجوده
ليس غير ذاته مع أنه غير معلوم الذات، لكن يعلم ما ينسب إليه من الصفات، أعني صفات
المعاني وهي صفات الكمال، وأما العلم بحقيقة الذات فممنوع لا تعلم بدليل ولا ببرهان
عقليّ ولا يأخذها حد، فإنه سبحانه لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فكيف يعرف من يشبه
الأشياء من لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً، فمعرفتك به إنما هي أنه ليس كمثله شيء،
ويحذركم الله نفسه، وقد ورد المنع من الشرع في التفكر في ذات الله.
ومعلوم ثان: وهو الحقيقة الكلية التي هي للحق وللعالم لا تتصف بالوجود ولا بالعدم
ولا بالحدوث ولا بالقدم، هي في القديم إذا وصف بها قديمة، وفي المحدث إذا وصف بها
محدثة، لا تعلم المعلومات قديمها وحديثها حتى تعلم هذه الحقيقة، ولا توجد هذه الحقيقة
حتى توجد الأشياء الموصوفة بها، فإن وجد شيء عن غير عدم متقدم كوجود الحق وصفاته
قيل فيها موجود قديم الاتصاف الحق بها، وإن وجد شيء عن عدم كوجود ما سوى الله وهو
المحدث الموجود بغيره قيل فيها محدثة وهي في كل موجود بحقيقتها فإنها لا تقبل التجزي،
فما فيها كل ولا بعض، ولا يتوصل إلى معرفتها مجردة عن الصورة بدليل ولا ببرهان، فمن
هذه الحقيقة وجد العالم بوساطة الحق تعالى وليست بموجودة، فيكون الحق قد أوجدنا من
موجود قديم فيثبت لنا القدم، وكذلك لتعلم أيضاً أن هذه الحقيقة لا تتصف بالتقدم على
العالم ولا العالم بالتأخّر عنها ولكنها أصل الموجودات عموماً، وهي أصل الجوهر وفلك
الحياة والحق المخلوق به وغير ذلك، وهي الفلك المحيط المعقول، فإن قلت إنها العالم
صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو إنها الحق أو ليست الحق صدقت، تقبل هذا كله

١٨٤
في المعارف / الباب السادس في معرفة بدء الخلق الروحانيّ ... الخ
وتتعدد بتعدد أشخاص العالم، وتتنزّه بتنزيه الحق، وإن أردت مثالها حتى يقرب إلى فهمك
فانظر في العودية في الخشبة والكرسيّ والمحبرة والمنبر والتابوت، وكذلك التربيع وأمثاله في
الأشكال، في كل مربع مثلاً من بيت وتابوت وورقة، والتربيع والعودية بحقيقتها في كل
شخص من هذه الأشخاص، وكذلك الألوان بياض الثوب والجوهر والكاغد والدقيق والدهان
من غير أن تتصف البياضية المعقولة في الثوب بأنها جزء منها فيه، بل حقيقتها ظهرت في
الثوب ظهورها في الكاغد، وكذلك العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وجميع الأشياء
كلها، فقد بيّنت لك هذا المعلوم، وقد بسطنا القول فيه كثيراً في كتابنا الموسوم بإنشاء
الجداول والدوائر .
ومعلوم ثالث: وهو العالم كله الأملاك والأفلاك وما تحويه من العوالم والهواء
والأرض وما فيهما من العالم وهو الملك الأكبر.
ومعلوم رابع: وهو الإنسان الخليفة الذي جعله الله في هذا العالم المقهور تحت
تسخيره قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٣] فمن
علم هذه المعلومات فما بقي له معلوم أصلاً يطلبه، فمنها ما لا نعلم إلاَّ وجوده وهو الحق
تعالى وتعلم أفعاله وصفاته بضرب من الأمثلة، ومنها ما لا يعلم إلاّ بالمثال كالعلم بالحقيقة
الكلية، ومنها ما يعلم بهذين الوجهين وبالماهية والكيفية وهو العالم والإنسان .
وصل: كان الله ولا شيء معه ثم أدرج فيه وهو الآن على ما عليه كان لم يرجع إليه من
إيجاده العالم صفة لم يكن عليها بل كان موصوفاً لنفسه، ومسمّى قبل خلقه بالأسماء التي
يدعونه بها خلقه، فلما أراد وجود العالم وبدأه على حدّ ما علمه بعلمه بنفسه انفعل عن تلك
الإرادة المقدّسة بضرب تجلّ من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية انفعل عنها حقيقة تسمى
الهباء هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصور، وهذا هو أول
موجود في العالم، وقد ذكره عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وسهل بن عبد الله رحمه الله
وغيرهما من أهل التحقيق أهل الكشف والوجود، ثم إنه سبحانه تجلّى بنوره إلى ذلك الهباء
ويسمّونه أصحاب الأفكار الهيولى الكل والعالم كله فيه بالقوّة والصلاحية فقبل منه تعالى كل
شيء في ذلك الهباء على حسب قوّته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج، وعلى قدر
قربه من ذلك النور يشتدّ ضوؤه وقبوله.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاعٌ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] فشبه نوره بالمصباح
فلم يكن أقرب إليه قبولاً في ذلك الهباء إلاَّ حقيقة محمد وَّر المسمّاة بالعقل، فكان سيد
العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الإلهيّ ومن الهباء ومن
الحقيقة الكلية، وفي الهباء وجد عينه وعين العالم من تجليه، وأقرب الناس إليه علي بن أبي
طالب وأسرار الأنبياء أجمعين. وأما المثال الذي عليه وجد العالم كله من غير تفصيل فهو
العلم القائم بنفس الحق تعالى، فإنه سبحانه علمنا بعلمه بنفسه وأوجدنا على حدّ ما علمنا،
ونحن على هذا الشكل المعين في علمه، ولو لم يكن الأمر كذلك لأخذنا هذا الشكل

١٨٥
في المعارف / الباب السادس في معرفة بدء الخلق الروحانيّ ... الخ
بالاتفاق لا عن قصد لأنه لا يعلمه، وما يتمكن أن تخرج صورة في الوجود بحكم الاتفاق،
فلولا أن هذا الشكل المعين معلوم لله سبحانه ومراد له ما أوجدنا عليه ولم يأخذ هذا الشكل
من غيره، إذ قد ثبت أنه كان ولا شيء معه، فلم يبق إلاَّ أن يكون ما برز عليه في نفسه من
الصورة فعلمه بنفسه علمه بنا أزلاً لا عن عدم فعلمه بنا كذلك، فمثالنا الذي هو عين علمه بنا
قديم بقدم الحق لأنه صفة له، ولا تقوم بنفسه الحوادث جلّ الله عن ذلك.
وأمّا قولنا: ولم وجد وما غايته؟ يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فصرّح بالسبب الذي لأجله أوجدنا، وهكذا العالم كله،
وخصصنا والجنّ بالذكر، والجن هنا كل مستتر من ملك وغيره، وقد قال تعالى في حق
السموات والأرض: ﴿أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرَّهَا قَالَتَآَ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] وكذلك قال:
﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] وذلك لما كان عرضاً، وأمّا لو كان أمراً لأطاعوا
وحملوها، فإنه لا تتصوّر منهم معصية جبلوا على ذلك، والجن الناري والإنس ما جبلا على
ذلك، وكذلك من الإنس أصحاب الأفكار من أهل النظر والأدلة المقصورة على الحواس
والضرورات والبديهيات يقولون: لا بدّ أن يكون المكلف عاقلاً بحيث يفهم ما يخاطب به
وصدقوا، وكذلك هو الأمر عندنا العالم كله عاقل حي ناطق من جهة الكشف بخرق العادة
التي الناس عليها أعني حصول العلم بهذا عندنا غير أنهم قالوا هذا جماد لا يعقل ووقفوا
عندما أعطاهم بصرهم، والأمر، عندنا بخلاف ذلك، فإذا جاء عن نبيّ أن حجراً كلمه أو
كتف شاة أو جذع نخلة أو بهيمة يقولون خلق الله فيه الحياة والعلم في ذلك الوقت والأمر
عندنا ليس كذلك بل سرّ الحياة في جميع العالم، وأن كل من يسمع المؤذن من رطب ويابس
يشهد له ولا يشهد إلاَّ من علم، هذا عن كشف عندنا لا عن استنباط من نظر بما يقتضيه ظاهر
خبر ولا غير ذلك، ومن أراد أن يقف عليه فليسلك طريق الرجال وليلزم الخلوة والذكر فإن
الله سيطلعه على هذا كله عيناً فيعلم أن الناس في عماية عن إدراك هذه الحقائق، فأوجد العالم
سبحانه ليظهر سلطان الأسماء، فإن قدرة بلا مقدور وجوداً بلا عطاء، ورازقاً بلا مرزوق،
ومغيثاً بلا مغاث، ورحيماً بلا مرحوم، حقائق معطلة التأثير، وجعل العالم في الدنيا ممتزجاً
مزج القبضتين في العجنة، ثم فصل الأشخاص منها فدخل من هذه في هذه من كل قبضة في
أختها فجهلت الأحوال، وفي هذا تفاضلت العلماء في استخراج الخبيث من الطيب والطيب
من الخبيث، وغايته التخليص من هذه المزجة وتمييز القبضتين حتى تنفرد هذه بعالمها وهذه
بعالمها كما قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ اْلَيْبِ وَيَجْعَلَ اُلْخَبِيثَ بَعْضَهُ, عَلَى بَعْضٍ
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٣٧] فمن بقي فيه شيء من المزجة حتى
مات عليها لم يحشر يوم القيامة من الآمنين، ولكنه منهم من يتخلص من المزجة في
الحساب، ومنهم من لا يتخلص منها إلاَّ في جهنم، فإذا تخلص أخرج فهؤلاء هم أهل
الشفاعة، وأمّا من تميز هنا في إحدى القبضتين انقلب إلى الدار الآخرة بحقيقته من قبره إلى نعيم
أو إلى عذاب وجحيم فإنه قد تخلص، فهذا غاية العالم، وهاتان حقيقتان راجعتان إلى صفة هو

١٨٦
في المعارف/ الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
الحق عليها في ذاته، ومن هنا قلنا يرونه أهل النار معذباً وأهل الجنة منعماً، وهذا سرّ شريف
ربما تقف عليه في الدار الآخرة عند المشاهدة إن شاء الله وقد نالها المحققون في هذه الدار.
وأمّا قولنا في هذا الباب ومعرفة أفلاك العالم الأكبر والأصغر الذي هو الإنسان فأعني به
عوالم كلياته وأجناسه وأمراؤه الذين لهم التأثير في غيرهم وجعلتها مقابلة هذا نسخة من هذا،
وقد ضربنا لها دوائر على صور الأفلاك وترتيبها في كتاب إنشاء الدوائر والجداول الذي بدأنا
وضعه بتونس بمحل الإمام أبي محمد عبد العزيز وليّنا وصفينا رحمه الله فلنلق منه في هذا الباب
ما يليق بهذا المختصر فنقول: إن العوالم أربعة: العالم الأعلى وهو عالم البقاء، ثم عالم
الاستحالة وهو عالم الفناء، ثم عالم التعمير وهو عالم البقاء والفناء، ثم عالم النسب، وهذه
العوالم في موطنين في العالم الأكبر وهو ما خرج عن الإنسان وفي العالم الأصغر وهو الإنسان.
فأمّا العالم الأعلى: فالحقيقة المحمدية وفلكها الحياة نظيرها من الإنسان اللطيفة
والروح القدسيّ، ومنهم العرش المحيط ونظيره من الإنسان الجسم، ومن ذلك الكرسيّ
ونظيره من الإنسان النفس، ومن ذلك البيت المعمور ونظيره من الإنسان القلب، ومن ذلك
الملائكة ونظيرها من الإنسان الأرواح التي فيه والقوى، ومن ذلك زحل وفلكه نظيره من
الإنسان القوّة العلمية والنفس، ومن ذلك المشتري وفلكه نظيرهما القوّة الذاكرة ومؤخر
الدماغ، ومن ذلك الأحمر وفلكه نظيرهما القوّة العاقلة واليافوخ، ومن ذلك الشمس وفلكها
نظيرهما القوّة المفكرة ووسط الدماغ ثم الزهرة وفلكها نظيرهما القوّة الوهمية والروح
الحيوانيّ، ثم الكاتب وفلكه نظيرهما القوّة الخيالية ومقدم الدماغ ثم القمر وفلكه نظيرهما
القوّة الحسيّة والجوارح التي تحسّ، فهذه طبقات العالم الأعلى ونظائره من الإنسان.
وأمّا عالم الاستحالة: فمن ذلك كرة الأثير وروحها الحرارة واليبوسة وهي كرة النار
ونظيرها الصفراء وروحها القوّة الهاضمة، ومن ذلك الهواء وروحه الحرارة والرطوبة ونظيره
الدم وروحه القوّة الجاذبة، ومن ذلك الماء وروحه البرودة والرطوبة نظيره البلغم وروحه القوّة
الدافعة، ومن ذلك التراب وروحه البرودة واليبوسة نظيره السوداء وروحها القوّة الماسكة،
وأما الأرض فسبع طباق: أرض سوداء، وأرض غبراء، وأرض حمراء، وأرض صفراء،
وأرض بيضاء، وأرض زرقاء، وأرض خضراء، نظير هذه السبعة من الإنسان في جسمه:
الجلد والشحم واللحم والعروق والعصب والعضلات والعظام.
وأما عالم التعمير: فمنهم الروحانيون نظيرهم القوى التي في الإنسان، ومنهم عالم
الحيوان نظيره ما يحسّ من الإنسان، ومنهم عالم النبات نظيره ما ينمو من الإنسان، ومن ذلك
عالم الجماد نظيره ما لا يحسّ من الإنسان.
وأما عالم الذهب: فمنهم العرض نظيره الأسود والأبيض، والألوان والأكوان، ثم
الكيف نظيره الأحوال مثل الصحيح والسقيم، ثم الكم نظيره الساق أطول من الذراع، ثم
الأين نظيره العنق مكان للرأس. والساق مكان للفخذ، ثم الزمان نظيره حركت رأسي وقت
تحريك يدي، ثم الإضافة نظيرها هذا أبي فأنا ابنه، ثم الوضع نظيره لغتي ولحني، ثم أن

١٨٧
في المعارف/ الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
يفعل نظيره أكلت، ثم أن ينفعل نظيره شبعت، ومنهم اختلاف الصور في الأمهات كالفيل
والحمار والأسد والصرصر نظير هذا القوّة الإنسانية التي تقبل الصور المعنوية من مذموم
ومحمود، هذا فطن فهو فيل، هذا بليد فهو حمار، هذا شجاع فهو أسد، هذا جبان فهو
صرصر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع
في معرفة بدء الجسوم الإنسانية وهو آخر جنس
موجود من العالم الكبير وآخر صنف من المولدات
[نظم: الكامل]
ملكاً قوياً ظاهرَ السُلطانِ
نشأت حقيقةُ باطنٍ الإنسان
مثلَ استواءِ العرش بالرحمانِ
ثم استوت في عرشِ آدمَ ذَاتُهُ
وبها انتهى ملكُ الوجودِ الثاني
فبدتْ حقيقةُ جسمِه في عينِها
عندَ الكرام وحامل الشنآنِ
وبدت معارفُ لفظِه في علمه
وتكبِّر الملعونُ من شيطانٍ
فتصاغَرَتْ لعلومه أحلامُهم
باؤوا بقربِ الله في مَلَكُوته
إلاَّ الشُّوَيْطِنُ باء بالخسرانِ
اعلم أيّدك الله أنه لما مضى من عمر العالم الطبيعيّ المقيد بالزمان المحصور بالمكان
إحدى وسبعون ألف سنة من السنين المعروفة في الدنيا وهذه المدة أحد عشر يوماً من أيام غير
هذا الاسم، ومن أيام ذي المعارج يوم وخمسا يوم، وفي هذه الأيام يقع التفاضل قال تعالى:
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُ خَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةِ﴾ [سورة المعارج: الآية٤] وقال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ
سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ [سورة الحج: الآية ٤٧] فأصغر الأيام هي التي نعدها حركة الفلك المحيط
الذي يظهر في يومه الليل والنهار فأقصر يوم عند العرب وهو هذا لأكبر فلك، وذلك لحكمه
على ما في جوفه من الأفلاك إذ كانت حركة مّا دونه في الليل والنهار حركة قسرية له قهر بها
سائر الأفلاك التي يحيط بها، ولكل فلك حركة طبيعية تكون له مع الحركة القسرية، فكل
فلك دونه ذو حركتين في وقت واحد، حركة طبيعية وحركة قسرية، ولكل حركة طبيعية في كل
فلك يوم مخصوص يعد مقداره بالأيام الحادثة عن الفلك المحيط المعبّر عنها بقوله: ﴿مِّمَّا
تَعُدُّونَ﴾ [سورة الحج: الآية ٤٧] وكلها تقطع في الفلك المحيط، فكلما قطعته على الكمال كان
يوماً لها ويدور الدور، فأصغر الأيام منها هو ثمانية وعشرون يوماً مما تعدون، وهو مقدار قطع
حركة القمر في الفلك المحيط، ونصب الله هذه الكواكب السبعة في السموات ليدرك البصر
قطع فلكها في الفلك المحيط لنعلم عدد السنين والحساب، قال تعالى: ﴿وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ
عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [سورة يونس: الآية ٥] ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَهُ تَفْصِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٢]
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة يس: الآية ٣٨] فلكل كوكب منها يوم مقدّر يفضل بعضها على
بعض على قدر سرعة حركاتها الطبيعية أو صغر أفلاكها وكبرها .

١٨٨
في المعارف/ الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
فاعلم أن الله تعالى لما خلق القلم واللوح وسمّاهما العقل والروح وأعطى الروح صفتين
صفة علمية وصفة عملية وجعل العقل لها معلماً ومفيداً إفادة مشاهدة حالية كما تستفيد من
صورة السكين القطع من غير نطق يكون منه في ذلك، وخلق تعالى جوهراً دون النفس الذي
هو الروح المذكور سماء الهباء، وهذه الاسمية له نقلناها من كلام عليّ بن أبي طالب رضي
الله عنه، وأمّا الهباء فمذكور في اللسان العربيّ، قال تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءُ مُثْبَثًا﴾ [سورة الواقعة:
الآية ٦] كذلك لما رآها عليّ بن أبي طالب أعني هذه الجوهرة منبثة في جميع الصور الطبيعية
كلها وأنها لا تخلو صورة منها إذ لا تكون صورة إلاَّ في هذه الجوهرة سمّاها هباء، وهي مع
كل صورة بحقيقتها لا تنقسم ولا تتجزأ ولا تتصف بالنقص، بل هي كالبياض الموجود في كل
أبيض بذاته وحقيقته، ولا يقال قد نقص من البياض قدر ما حصل منه في هذا الأبيض فهذا
مثل حال هذه الجوهرة، وعين الله سبحانه بين هذا الروح الموصوف بالصفتين وبين الهباء
أربع مراتب، وجعل كل مرتبة منزلاً لأربعة أملاك، وجعل هؤلاء الأملاك كالولاة على ما
أحدثه سبحانه دونهم من العالم من عليين إلى أسفل سافلين، ووهب كل ملك من هؤلاء
الملائكة علم ما يريد إمضاءه في العالم.
فأوّل شيء أوجده الله في الأعيان مما يتعلق به علم هؤلاء الملائكة وتدبيرهم الجسم
الكليّ، وأوّل شكل فتح في هذا الجسم الشكل الكريّ المستدير إذ كان أفضل الأشكال، ثم
نزل سبحانه بالإيجاد والخلق إلى تمام الصنعة وجعل جميع ما خلقه تعالى مملكة لهؤلاء
الملائكة، وولاهم أمورها في الدنيا والآخرة، وعصمهم عن المخالفة فيما أمرهم به فأخبرنا
سبحانه أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولما انتهى خلق المولدات من
الجمادات والنبات والحيوان بانتهاء إحدى وسبعين ألف سنة من سنيّ الدنيا مما نعد ورتب
العالم ترتيباً حكيماً، ولم يجمع سبحانه لشيء مما خلقه من أوّل موجود إلى آخر مولود وهو
الحيوان بين يديه تعالى إلاّ للإنسان وهي هذه النشأة البدنية الترابية، بل خلق كل ما سواها إما عن
أمر إلهيّ أو عن يد واحدة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة
النحل: الآية ٤٠] فهذا عن أمر إلهيّ. وورد في الخبر أنّ الله عزّ وجلّ خلق جنة عدن بيده وكتب
التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده وخلق آدم الذي هو الإنسان بيديه فقال تعالى لإبليس على
جهة التشريف لآدم عليه السلام: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥].
ولما خلق الله الفلك الأدنى الذي هو الأول المذكور آنفاً قسمه اثني عشر قسماً سمّاها
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [سورة البروج: الآية ١] فجعل كل قسم برجاً، وجعل تلك الأقسام
ترجع إلى أربعة في الطبيعة، ثم كرّر كل واحد من الأربعة في ثلاثة مواضع منه، وجعل هذه
الأقسام كالمنازل والمناهل التي ينزل فيها المسافرون ويسير فيها السائرون في حال سيرهم
وسفرهم لينزل في هذه الأقسام عند سير الكواكب فيها وسياجتهم ما يحدث الله في جوف هذا
الفلك من الكواكب التي تقطع بسيرها في هذه البروج ليحدث الله عند قطعها وسيرها ما شاء
أن يحدث من العالم الطبيعي والعنصري، وجعلها علامات على أثر حركة فلك البروج

١٨٩
في المعارف / الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
فاعلم. فقسم من هذه الأربعة طبيعته الحرارة واليبوسة، والثاني البرودة واليبوسة، والثالث
الحرارة والرطوبة، والرابع البرودة والرطوبة، وجعل الخامس والتاسع من هذه الأقسام مثل
الأول، وجعل السادس والعاشر مثل الثاني، وجعل السابع والحادي عشر مثل الثالث، وجعل
الثامن والثاني عشر مثل الرابع أعني في الطبيعة فحصر الأجسام الطبيعية بخلاف والأجسام
العنصرية بلا خلاف في هذه الأربعة التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ومع كونها
أربعاً أمّهات فإنّ الله جعل اثنين منها أصلاً في وجود الاثنين الآخرين، فانفعلت اليبوسة عن
الحرارة والرطوبة عن البرودة، فالرطوبة واليبوسة موجودتان عن سببين هما الحرارة والبرودة
ولهذا ذكر الله في قوله تعالى: ﴿وَلَ رَطْبٍ وَلَا يَايِسٍ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٩] لأن
المسبب يلزم من كونه مسبباً وجود السبب أو منفعلاً وجود الفاعل كيف شئت فقل ولا يلزم
من وجود السبب وجود المسبب .
ولما خلق الله هذا الفلك الأوّل دار دورة غير معلومة الانتهاء إلاَّ لله تعالى لأنه ليس فوقه
شيء محدود من الأجرام يقطع فيه فإنه أوّل الأجرام الشفافة فتتعدّد الحركات وتتميز ولا كان
قد خلق الله في جوفه شيئاً فتتميز الحركات وتنتهي عند من يكون في جوفه، ولو كان لم تتميز
أيضاً لأنه أطلس لا كوكب فيه متشابه الأجزاء، فلا يعرف مقدار الحركة الواحدة منه ولا
تتعين، فلو كان فيه جزء مخالف لسائر أجزائه عدّ به حركاته بلا شك، ولكن علم الله قدرها
وانتهاءها وكرورها فحدث عن تلك الحركة اليوم ولم يكن، ثمّ ليل ولا نهار في هذا اليوم، ثم
استمرّت حركات هذا الفلك فخلق الله ملائكة خمسة وثلاثين ملكاً أضافهم إلى ما ذكرنا من
الأملاك الستة عشر فكان الجميع أحداً وخمسين ملكاً، من جملة هؤلاء الملائكة: جبريل
وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم خلق تسعمائة ملك وأربعاً وسبعين وأضافهم إلى ما ذكرناه
من الأملاك وأوحى إليهم وأمرهم بما يجري على أيديهم في خلقه فقالوا: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرٍ
رَبِّكَّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٤] وقال
فيهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] فهؤلاء من الملائكة هم الولاة خاصة،
وخلق الله ملائكة هم عمّار السموات والأرض لعبادته، فما في السماء والأرض موضع إلاَّ
وفيه ملك، ولا يزال الحق يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين.
ولما انتهى من حركات هذا الفلك الأول ومدته أربع وخمسون ألف سنة مما تعدون
خلق الله الدار الدنيا وجعل لها أمداً معلوماً تنتهي إليه وتنقضي صورتها وتستحيل من كونها
داراً لنا وقبولها صورة مخصوصة وهي التي نشاهدها اليوم إلى أن تبدّل الأرض غير الأرض
والسموات. ولما انقضى من مدّ حركة هذا الفلك ثلاث وستون ألف سنة مما تعدون خلق الله
الدار الآخرة الجنة والنار اللتين أعدّهما الله لعباده السعداء والأشقياء، فكان بين خلق الدنيا
وخلق الآخرة تسع آلاف سنة مما تعدون، ولهذا سميت آخرة لتأخّر خلقها عن خلق الدنيا،
وسميت الدنيا الأولى لأنها خلقت قبلها، قال تعالى: ﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [سورة
الضحى: الآية ٤] يخاطب نبيه وُّلّ ولم يجعل للآخرة مدة ينتهي إليها بقاؤها فلها البقاء الدائم،

١٩٠
في المعارف / الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
وجعل سقف الجنة هذا الفلك وهو العرش عندهم الذي لا تتعين حركته ولا تتميز فحركته
دائمة لا تنقضي، وما من خلق ذكرناه خلق إلاَّ وتعلق القصد الثاني منه وجود الإنسان الذي
هو الخليفة في العالم، وإنما قلت القصد الثاني إذ كان القصد الأوّل معرفة الحق وعبادته التي
لها خلق العالم كله، فما من شيء إلاَّ وهو يسبح بحمده، ومعنى القصد الثاني والأول التعلق
الإراديّ لا حدوث الإرادة لأنّ الإرادة لله صفة قديمة أزلية اتصفت بها ذاته كسائر صفاته .
ولما خلق الله هذه الأفلاك والسموات وأوحى في كل سماء أمرها ورتّب فيها أنوارها
وسرجها وعمرها بملائكته وحرّكها تعالى فتحرّكت طائعة لله آتية إليه طلباً للكمال في العبودية
التي تليق بها لأنه تعالى دعاها ودعا الأرض ﴿فَقَالَ لَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا﴾ [سورة فصلت:
الآية ١١] لأمر حد لهما ﴿قَالَتَآَ أَنْيْنَا طَآَيِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] فهما آتيتان أبداً، فلا تزالان
متحرّكتين، غير أنّ حركة الأرض خفية عندنا، وحركتها حول الوسط لأنها أكر، فأمّا السماء
فأتت طائعة عند أمر الله لها بالإتيان، وأما الأرض فأتت طائعة لما علمت نفسها مقهورة وأنه
لا بدّ أن يؤتى بها بقوله أو كرهاً فكانت المرادة بقوله تعالى أو كرهاً فأتت طائعة كرهاً
﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] وقد كان خلق
الأرض ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَتَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٠] من أجل المولدات فجعلها خزانة لأقواتهم،
وقد ذكرنا ترتيب نشء العالم في كتاب عقلة المستوفز فكان من تقدير أقواتها وجود الماء
والهواء والنار وما في ذلك من البخارات والسحب والبروق والرعود والآثار العلوية ﴿ ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] وخلق الجان من النار والطير والدواب البرية
والبحرية والحشرات من عفونات الأرض ليصفو الهواء لنا من بخارات العفونات التي لو
خالطت الهواء الذي أودع الله حياة هذا الإنسان والحيوان وعافيته فيه لكان سقيماً مريضاً
معلولاً، فصفّى له الجوّ سبحانه لطفاً منه بتكوين هذه المعفنات فقلّت الأسقام والعلل، ولما
استوت المملكة وتهيأت وما عرف أحد من هؤلاء المخلوقات كلها من أي جنس يكون هذا
الخليفة الذي مهد الله هذه المملكة لوجوده.
فلما وصل الوقت المعين في علمه لإيجاد هذا الخليفة بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع
عشرة ألف سنة، ومن عمر الآخرة الذي لا نهاية له في الدوام ثمان آلاف سنة أمر الله بعض
ملائكته أن يأتيه بقبضة من كل أجناس تربة الأرض فأتاه بها في خبر طويل معلوم عند الناس
فأخذها سبحانه وخمّرها بيديه فهو قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَّ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥] وكان الحق قد
أودع عند كل ملك من الملائكة الذين ذكرناهم وديعة لآدم وقال لهم: ﴿إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن
طِينٍ﴾ [سورة ص: الآية ٧١] وهذه الودائع التي بأيديكم له فإذا خلقته فليؤدّ إليه كل واحد منكم ما
عنده مما أمنتكم عليه، ثم إذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فلما خمّر
الحق تعالى بيديه طينة آدم حتى تغيّر ريحها وهو المسنون وذلك الجزء الهوائيّ الذي في النشأة
جعل ظهره محلاً للأشقياء والسعداء من ذريته فأودع فيه ما كان في قبضتيه، فإنه سبحانه
أخبرنا أن في قبضة يمينه السعداء وفي قبضة اليد الأخرى الأشقياء وكلتا يدي ربي يمين

١٩١
في المعارف / الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
مباركة، وقال: هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء للنار وبعمل أهل النار
يعملون، وأودع الكل طينة آدم وجمع فيه الأضداد بحكم المجاورة وأنشأه على الحركة
المستقيمة وذلك في دولة السنبلة وجعله ذا جهات ست الفوق وهو ما يلي رأسه، والتحت
يقابله وهو ما يلي رجليه، واليمين وهو ما يلي جانبه الأقوى، والشمال يقابله وهو ما يلي
جانبه الأضعف، والأمام وهو ما يلي الوجه، ويقابله الخلف وهو ما يلي القفا، وصوّره وعدله
وسوّاه ثم نفخ فيه من روحه المضاف إليه فحدث عند هذا النفخ فيه بسريانه في أجزائه أركان
الأخلاط التي هي الصفراء والسوداء والدم والبلغم، فكانت الصفراء عن الركن الناريّ الذي
أنشأه الله منه في قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَارِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٤] وكانت السوداء
عن التراب وهو قوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٩] وكان الدم من الهواء وهو
قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٨] وكان البلغم من الماء الذي عجن به التراب فصار طيناً
ثم أحدث فيه القوّة الجاذبة التي بها يجذب الحيوان الأغذية، ثم القوّة الماسكة وبها يمسك ما
يتغذى به الحيوان، ثم القوّة الهاضمة وبها يهضم الغذاء، ثم القوّة الدافعة وبها يدفع الفضلات
عن نفسه من عرق وبخار ورياح وبراز وأمثال ذلك، وأمّا سريان الأبخرة وتقسيم الدم في
العروق من الكبد وما يخلصه كل جزء من الحيوان فبالقوّة الجاذبة لا الدافعة، فحظ القوّة
الدافعة ما نخرجه كما قلنا من الفضلات لا غير، ثم أحدث فيه القوّة الغاذية والمنمية والحاسية
والخيالية والوهمية والحافظة والذاكرة، وهذا كله في الإنسان بما هو حيوان لا بما هو إنسان
فقط، غير أن هذه القوى الأربعة قوّة الخيال والوهم والحفظ والذكر هي في الإنسان أقوى
منها في الحيوان، ثم خصّ آدم الذي هو الإنسان بالقوّة المصوّرة والمفكرة والعاقلة فتميز عن
الحيوان وجعل هذه القوى كلها في هذا الجسم آلات للنفس الناطقة لتصل بذلك إلى جميع
منافعها المحسوسة والمعنوية، ثم أنشأه خلقاً آخر وهو الإنسانية فجلعه درّاكاً بهذه القوى حياً
عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً على حدّ معلوم معتاد في اكتسابه ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
اٌلْخَلِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤].
ثم إنه سبحانه ما سمّى نفسه باسم من الأسماء إلاَّ وجعل للإنسان من التخلق بذلك الاسم
حظاً منه يظهر به في العالم على قدر ما يليق به، ولذلك تأوّل بعضهم قوله عليه السلام: ((إِن اللَّهُ
خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) على هذا المعنى وأنزله خليفة عنه في أرضه إذ كانت الأرض من عالم
التغيير والاستحالات بخلاف العالم الأعلى، فيحدث فيهم من الأحكام بحسب ما يحدث في
العالم الأرضي من التغيير، فيظهر لذلك حكم جميع الأسماء الإلهية فلذلك كان خليفة في
الأرض دون السماء والجنة، ثم كان من أمره ما كان من علم الأسماء وسجود الملائكة وإباية
إبليس يأتي ذكر ذلك كله في موضعه إن شاء الله، فإن هذا الباب مخصوص بابتداء الجسوم
الإنسانية وهي أربعة أنواع: جسم آدم، وجسم حوّاء، وجسم عيسى، وأجسام بني آدم، وكل
جسم من هذه الأربعة نشؤه يخالف نشء الآخر في السببية مع الاجتماع في الصورة الجسمانية
والروحانية، وإنما سقنا هذا ونبهنا عليه لئلا يتوهم الضعيف العقل أن القدرة الإلهية أو أن

١٩٢
في المعارف/ الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
الحقائق لا تعطى أن تكون هذه النشأة الإنسانية إلاَّ عن سبب واحد يعطي بذاته هذا النشء، فرد
الله هذه الشبهة بأن أظهر هذا النشء الإنسانيّ في آدم بطريق لم يظهر به جسم حوّاء، وأظهر
جسم حوّاء بطريق لم يظهر جسم ولد آدم، وأظهر جسم أولاد آدم بطريق لم يظهر به جسم
عيسى عليه السلام، وينطلق على كل واحد من هؤلاء اسم الإنسان بالحد والحقيقة، ذلك ليعلم
﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٧٥] ﴿وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الحج: الآية ٦].
ثم إن الله قد جمع هذه الأربعة الأنواع من الخلق في آية من القرآن في سورة الحجرات
فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُ﴾ يريد آدم ﴿مِّن ذَكَرٍ﴾ يريد حوّاء ﴿وَأَنْتَى﴾ يريد عيسى، ومن
المجموع ﴿مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَّى﴾ يريد بني آدم بطريق النكاح والتوالد، فهذه الآية من جوامع الكلم
وفصل الخطاب الذي أوتي محمد وَله .
ولما ظهر جسم آدم كما ذكرناه ولم تكن فيه شهوة نكاح وكان قد سبق في علم الحق
إيجاد التوالد والتناسل والنكاح في هذه الدار إنما هو لبقاء النوع فاستخرج من ضلع آدم من
القصيرى حوّاء فقصرت بذلك عن درجة الرجل كما قال تعالى: ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٢٢٨] فما تلحق بهم أبداً وكانت من الضلع للانحناء الذي في الضلوع لتحنو بذلك
على ولدها وزوجها، فحنوّ الرجل على المرأة حنوّه على نفسه لأنها جزء منه، وحنوّ المرأة
على الرجل لكونها خلقت من الضلع والضلع فيه انحناء وانعطاف .
وعمر الله الموضع من آدم الذي خرجت منه حوّاء بالشهوة إليها إذ لا يبقى في الوجود
خلاء، فلما عمره بالهواء حنّ إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنّت إليه لكونه موطنها
الذي نشأت فيه، فحب حوّاء حب الموطن، وحب آدم حب نفسه، ولذلك يظهر حب الرجل
للمرأة إذ كانت عينه، وأعطيت المرأة القوّة المعبر عنها بالحياء في محبة الرجل فقويت على
الإخفاء لأن الموطن لا يتحد بها اتحاد آدم بها، فصوّر في ذلك الضلع جميع ما صوّره وخلقه
في جسم آدم، فكان نشء جسم آدم في صورته كنشء الفاخوريّ فيما ينشئه من الطين
والطبخ، وكان نشء جسم حوّاء نشء النجار فيما ينحته من الصور في الخشب، فلما نحتها
في الضلع وأقام صورتها وسوّاها وعدلها نفخ فيها من روحه فقامت حية ناطقة أنثى ليجعلها
محلاً للزراعة والحرث لوجود الإنبات الذي هو التناسل، فسكن إليها وسكنت إليه، وكانت
لباساً له وكان لباساً لها، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]
وسرت الشهوة منه في جميع أجزائه فطلبها فلما تغشاها وألقى الماء في الرحم ودار بتلك
النطفة من الماء دم الحيض الذي كتبه الله على النساء تكوّن في ذلك الجسم جسم ثالث على
غير ما تكوّن منه جسم آدم وجسم حوّاء فهذا هو الجسم الثالث، فتوّلاه الله بالنشء في الرحم
حالاً بعد حال بالانتقال من ماء إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظم ثم كسا العظم لحماً،
فلما أتمّ نشأته الحيوانية أنشأه خلقاً آخر فنفخ فيه الروح الإنسانيّ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾
[سورة المؤمنون: الآية ١٤] ولولا طول الأمر لبيّنا تكوينه في الرحم حالاً بعد حال، ومن يتولى

١٩٣
في المعارف / الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
ذلك من الملائكة الموكلين بإنشاء الصور في الأرحام إلى حين الخروج، ولكن كان الغرض
الإعلام بأن الأجسام الإنسانية وإن كانت واحدة في الحد والحقيقة والصور الحسيّة والمعنوية
فإن أسباب تأليفها مختلفة لئلا يتخيل أن ذلك لذات السبب تعالى الله، بل ذلك راجع إلى
فاعل مختار يفعل ما يشاء كيف يشاء من غير تحجير ولا قصور على أمر دون أمر ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦].
ولما قال أهل الطبيعة أن ماء المرأة لا يتكوّن منه شيء وأن الجنين الكائن في الرحم إنما
هو من ماء الرجل لذلك جعلنا تكوين جسم عيسى تكويناً آخر وإن كان تدبيره في الرحم تدبير
أجسام البنين، فإن كان من ماء المرأة إذ تمثل لها الروح بشراً سوياً، أو كان عن نفخ بغير ماء،
فعلى كل وجه هو جسم رابع مغاير في النشء غيره من أجسام النوع ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى﴾ أي صفة نشء عيسى ﴿عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٩]
الضمير يعود على آدم، ووقع الشبه في خلقه من غير أب أي صفة نشئه صفة نشء آدم إلاَّ أن آدم
خلقه من تراب ثم قال له كن، ثم إن عيسى على ما قيل لم يلبث في بطن مريم لبث البنين المعتاد
لأنه أسرع إليه التكوين لما أراد الله أن يجعله آية ويردّ به على الطبيعيين حيث حكموا على الطبيعة
بما أعطتهم من العادة لا بما تقتضيه مما أودع الله فيها من الأسرار والتكوينات العجيبة، ولقد
أنصف بعض حذاق هذا الشأن الطبيعة فقال: لا نعلم منها إلاَّ ما أعطتنا خاصة وفيها ما لا نعلم،
فهذا قد ذكرنا ابتداء الجسوم الإنسانية وأنها أربعة أجسام مختلفة النشء كما قررنا وأنه آخر
المولدات، فهو نظير العقل الأوّل وبه ارتبط لأن الوجود دائرة، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل
الأول الذي ورد في الخبر أنه أول ما خلق الله العقل فهو أول الأجناس وانتهى الخلق إلى الجنس
الإنساني فكملت الدائرة، واتصل الإنسان بالعقل كما يتصل آخر الدائرة بأولها فكانت دائرة، وما
بين طرفي الدائرة جميع ما خلق الله من أجناس العالم بين العقل الأول الذي هو القلم أيضاً وبين
الإنسان الذي هو الموجود الآخر، ولما كانت الخطوط الخارجة من النقطة التي في وسط الدائرة
إلى المحيط الذي وجد عنها تخرج على السواء لكل جزء من المحيط، كذلك نسبة الحق تعالى
إلى جميع الموجودات نسبة واحدة، فلا يقع هناك تغيير البتة كانت الأشياء كلها ناظرة إليه وقابلة
منه ما يهبها نظر أجزاء المحيط إلى النقطة، وأقام سبحانه هذه الصورة الإنسانية بالحركة
المستقيمة صورة العمد الذي للخيمة فجعله لقبة هذه السموات، فهو سبحانه يمسكها أن تزول
بسببه فعبرنا عنه بالعمد، فإذا فنيت هذه الصورة ولم يبق منها على وجه الأرض أحد متنفس
وانشقت السماء فهي يومئذ واهية لأن العمد زال وهو الإنسان.
ولما انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان إليها وخربت الدنيا بانتقاله عنها
علمنا قطعاً أن الإنسان هو العين المقصودة لله من العالم وأنه الخليفة حقاً، وأنه محل ظهور
الأسماء الإلهية، وهو الجامع لحقائق العالم كله من ملك وفلك وروح وجسم وطبيعة وجماد
ونبات وحيوان إلى ما خصّ به من علم الأسماء الإلهية مع صغر حجمه وجرمه، وإنما قال الله
فيه بأن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس لكون الإنسان متولداً عن السماء
الفتوحات المكية ج١ - م١٣

١٩٤
في المعارف / الباب السابع في معرفة بدء الجسوم الإنسانية ... الخ
والأرض فهما له كالأبوين فرفع الله مقدارهما ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فلم يرد في
الجرمية، فإن ذلك معلوم حسّاً، غير أن الله تعالى ابتلاه ببلاء ما ابتلى به أحداً من خلقه، إمّا
لأن يسعده أو يشقيه على حسب ما يوفقه إلى استعماله، فكان البلاء الذي ابتلاه به أن خلق فيه
قوّة تسمّى الفكر، وجعل هذه القوّة خادمة لقوّة أخرى تسمّى العقل، وجبر العقل مع سيادته
على الفكر أن يأخذ منه ما يعطيه ولم يجعل للفكر مجالاً إلاَّ في القوّة الخيالية، وجعل سبحانه
القوّة الخيالية محلاً جامعاً لما تعطيها القوّة الحساسة، وجعل له قوّة يقال لها المصوّرة فلا
يحصل في القوّة الخيالية إلاَّ ما أعطاه الحسّ أو أعطته القوّة المصوّرة، ومادة المصوّرة من
المحسوسات فتركب صوراً لم يوجد لها عين، لكن أجزاؤها كلها موجودة حسّاً، وذلك لأن
العقل خلق ساذجاً ليس عنده من العلوم النظرية شيء، وقيل للفكر ميّز بين الحق والباطل
الذي في هذه القوّة الخيالية فينظر بحسب ما يقع له فقد يحصل في شبهة وقد يحصل في دليل
عن غير علم منه بذلك، ولكن في زعمه أنه عالم بصور الشبه من الأدلة وأنه قد حصل على
علم، ولم ينظر إلى قصور المواد التي استند إليها في اقتناء العلوم فيقبلها العقل منه ويحكم بها
فيكون جهله أكثر من علمه بما لا يتقارب .
ثم إن الله كلف هذا العقل معرفته سبحانه ليرجع إليه فيها لا إلى غيره، ففهم العقل نقيض
ما أراد به الحق بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾ [سورة الروم: الآية ٨] ﴿لَقَوْرٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم:
الآية ٢١] فاستند إلى الفكر وجعله إماماً يقتدى به، وغفل عن الحق في مراده بالتفكّر أنه خاطبه أن
يتفكر، فيرى أن علمه بالله لا سبيل إليه إلاَّ بتعريف الله، فيكشف له عن الأمر على ما هو عليه،
فلم يفهم كل عقل هذا الفهم إلاَّ عقول خاصة الله من أنبيائه وأوليائه، يا ليت شعري هل
بأفكارهم قالوا بلى حين أشهدهم على أنفسهم في قبضة الذرية من ظهر آدم؟ لا والله بل عناية
إشهاده إياهم ذلك عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم ولما رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة
في معرفة الله لم يجتمعوا قط على حكم واحد في معرفة الله، وذهب كل طائفة إلى مذهب،
وكثرت القالة في الجناب الإلهيّ الأحمى، واجترؤوا غاية الجراءة على الله، وهذا كله من
الابتلاء الذي ذكرناه من خلقه الفكر في الإنسان وأهل الله افتقروا إليه فيما كلفهم من الإيمان به
في معرفته، وعلموا أن المراد منهمٍ رجوعهم إليه في ذلك، وفي كل حال فمنهم القائل سبحان
من لم يجعل سبيلاً إلى معرفته إلاّ العجز عن معرفته، ومنهم من قال العجز عن درك الإدراك
إدراك. وقال رَّ: ((لاَ أَخْصِي ثَنَاءَ عَلَيْكَ)). وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية
١١٠] فرجعوا إلى الله في المعرفة به وتركوا الفكر في مرتبته ووفوه حقّه لم ينقلوه إلى ما لا ينبغي
له التفكّر فيه، وقد ورد النهي عن التفكّر في ذات الله والله يقول: ﴿ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل
عمران: الآية ٢٨] فوهبهم الله من معرفته ما وهبهم وأشهدهم من مخلوقاته ومظاهره ما أشهدهم،
فعلموا أنه ما يستحيل عقلاً من طريق الفكر لا يستحيل نسبة إلهية، كما سنورد من ذلك طرفاً في
باب الأرض المخلوقة من بقية طينة آدم وغيرها، فالذي ينبغي للعاقل أن يدين الله به في نفسه أن
يعلم ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] من ممكن ومحال، ولا كل محال نافذ

١٩٥
في المعارف / الباب الثامن في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام ...
الاقتدار واسع العطاء ليس لإيجاده تكرار، بل أمثال تحدث في جوهر أوجده وشاء بقاه ولو شاء
أفناه مع الأنفاس، لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم.
الباب الثامن
في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام وهي أرض
الحقيقة وذكر بعض ما فيها من الغرائب والعجائب
[نظم : الكامل]
أنتِ الأميمةُ عندنا المجهولَهُ
يا أختُ بل يا عمتي المعقولَه
فتنافسوا عن هِمَّةٍ مغْلولَة
نظر البنونُ إليكِ أختَ أبيهمُو
عطفوا عليكِ بأنفس مجبولة
إلا القليلُ من البنين فإنهمْ
فيكِ الأخيُّ محققاً تنزيلَةْ
يا عمتي قُلْ كيف أظهر سرَّهُ
قد يرتضي ربُّ الورى تَوْکیلَهُ
حتى بدا من مثل ذاتِك عالمٌ
-مأمومُ أمثالٌ له مَسْلولَةْ
أنتِ الإمامةُ والإمامُ أخوك والـ
اعلم أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام الذي هو أول جسم إنسانيّ تكوّن وجعله
أصلاً لوجود الأجسام الإنسانية وفضلت من خميرة طينته فضلة خلق منها النخلة فهي أخت
لآدم عليه السلام وهي لنا عمة، وسمّاها الشرع عمة وشبهها بالمؤمن، ولها أسرار عجيبة دون
سائر النبات، وفضل من الطينة بعد خلق النخلة قدر السمسمة في الخفاء فمدّ الله في تلك
الفضلة أرضاً واسعة الفضاء إذا جعل العرش وما حواه والكرسيّ والسموات والأرضون وما
تحت الثرى والجنات كلها والنار في هذه الأرض كان الجميع فيها كحلقة ملقاة في فلاة من
الأرض، وفيها من العجائب والغرائب ما لا يقدر قدره ويبهر العقول أمره، وفي كل نفس
خلق الله فيها عوالم يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
وفي هذه الأرض ظهرت عظمة الله وعظمت عند المشاهد لها قدرته، وكثير من
المحالات العقلية التي قام الدليل الصحيح العقليّ على إحالتها هي موجودة في هذه الأرض،
وهي مسرح عيون العارفين العلماء بالله وفيها يجولون، وخلق الله من جملة عوالمها عالماً
على صورنا إذا أبصرهم العارف يشاهد نفسه فيها، وقد أشار إلى مثل ذلك عبد الله بن عباس
رضي الله عنه فيما روي عنه في حديث هذه الكعبة وأنها بيت واحد من أربعة عشر بيتاً، وأنّ
في كل أرض من السبع الأرضين خلقاً مثلنا حتى أن فيهم ابن عباس مثلي، وصدقت هذه
الرواية عند أهل الكشف، فلنرجع إلى ذكر هذه الأرض واتساعها وكثرة عالمها المخلوقين
فيها ومنها، ويقع للعارفين فيها تجليات إلهية .
أخبر بعض العارفين بأمر أعرفه شهوداً قال: دخلت فيها يوماً مجلساً يسمّى مجلس
الرحمة لم أر مجلساً قط أعجب منه، فبينا أنا فيه إذ ظهر لي تجلّ إلهيّ لم يأخذني عني بل
أبقاني معي وهذا من خاصية هذه الأرض، فإن التجليات الواردة على العارفين في هذه الدار

١٩٦
في المعارف / الباب الثامن في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام ...
في هذه الهياكل تأخذهم عنهم وتفنيهم عن شهودهم من الأنبياء والأولياء وكل من وقع له
ذلك، وكذلك عالم السموات العلى، والكرسيّ الأزهى، وعالم العرش المحيط الأعلى، إذا
وقع لهم تجلّ إلهيّ أخذهم عنهم وصعقوا، وهذه الأرض إذا حصل فيها صاحب الكشف
العارف ووقع له تجلّ لم يفنه عن شهوده ولا اختطفه عن وجوده وجمع له بين الرؤية
والكلام، قال: واتفق لي في هذا المجلس أمور وأسرار لا يسعني ذكرها لغموض معانيها
وعدم وصول الإدراكات قبل أن يشهد مثل هذه المشاهد لها، وفيها من البساتين والجنات
والحيوان والمعادن ما لا يعلم قدر ذلك إلاَّ الله تعالى، وكل ما فيها من هذا كله حيّ ناطق
كحياة كل حيّ ناطق ما هو مثل ما هي الأشياء في الدنيا وهي باقية لا تفنى ولا تتبدّل ولا
يموت عالمها، وليست تقبل هذه الأرض شيئاً من الأجسام الطبيعية الطينية البشرية سوى
عالمها أو عالم الأرواح منا بالخاصية، وإذا دخلها العارفون إنما يدخلونها بأرواحهم لا
بأجسامهم فيتركون هياكلهم في هذه الأرض الدنيا ويتجرّدون، وفي تلك الأرض صور عجيبة
النشء بديعة الخلق قائمون على أفواه السكك المشرفة على هذا العالم الذي نحن فيه من
الأرض والسماء والجنة والنار، فإذا أراد واحد منا الدخول لتلك الأرض من العارفين من أيّ
نوع كان من إنس أو جنّ أو ملك أو أهل الجنة بشرط المعرفة وتجرّد عن هيكله، وجد تلك
الصور على أفواه السكك قائمين موكلين بها قد نصبهم الله سبحانه لذلك الشغل، فيبادر واحد
منهم إلى هذا الداخل فيخلع عليه حلة على قدر مقامه ويأخذ بيده ويجول به في تلك الأرض
ويتبوّأ منها حيث يشاء، ويعتبر في مصنوعات الله، ولا يمرّ بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شيء
ويريد أن يكلمه إلاَّ كلمه كما يكلم الرجل صاحبه، ولهم لغات مختلفة، وتعطي هذه الأرض
بالخاصية لكل من دخلها الفهم بجميع ما فيها من الألسنة، فإذا قضى منها وطره وأراد الرجوع
إلى موضعه مشى معه رفيقه إلى أن يوصله إلى الموضع الذي دخل منه يوادعه ويخلع عنه تلك
الحلة التي كساه وينصرف عنه، وقد حصل علوماً جمة ودلائل وزاد في علمه بالله ما لم يكن
عنده مشاهدة، وما رأيت الفهم ينفد أسرع مما ينفد إذا حصل في هذه الأرض.
وقد ظهر عندنا في هذه الدار وهذه النشأة ما يعضد هذا القول، فمن ذلك ما شاهدناه
ولا أذكره، ومنها ما حدّثني أوحد الدين حامد بن أبي الفخر الكرماني وفقه الله قال: كنت
أخدم شيخاً وأنا شابّ فمرض الشيخ وكان في محارة وقد أخذه البطن، فلما وصلنا تكريت
قلت له يا سيدي اتركني اطلب لك دواء ممسكاً من صاحب مارستان سنجار من السبيل، فلما
رأى احتراقي قال لي: رح إليه، قال: فرحت إلى صاحب السبيل وهو في خيمته جالس
ورجاله بين يديه قائمون والشمعة بين يديه وكان لا يعرفني ولا أعرفه فرآني واقفاً بين الجماعة
فقام إليّ وأخذ بيدي وأكرمني وسألني ما حاجتك فذكرت له حال الشيخ فاستحضر الدواء
وأعطاني إياه وخرج معي في خدمتي والخادم بالشمعة بين يديه فخفت أن يراه الشيخ فيحرج
فحلفت عليه أن يرجع فرجع فجئت الشيخ وأعطيته الدواء وذكرت له كرامة الأمير صاحب
السبيل بي، فتبسم الشيخ وقال لي: يا ولدي إني أشفقت عليك لما رأيت من احتراقك من

١٩٧
في المعارف/ الباب الثامن في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام . .
جلي فأذنت لك فلما مشيت خفت أن يخجلك الأمير بعدم إقباله عليك فتجردت عن هيكلي
هذا ودخلت في هيكل ذلك الأمير وقعدت في موضعه، فلما جئت أكرمتك وفعلت معك ما
رأيت ثم عدت إلى هيكلي هذا ولا حاجة لي في هذا الدواء وما أستعمله، فهذا شخص قد
ظهر في صورة غيره فكيف أهل تلك الأرض؟
قال لي بعض العارفين: لما دخلت هذه الأرض رأيت فيها أرضاً كلها مسك عطر لو
شمّه أحد منا في هذه الدنيا لهلك لقوّة رائحته تمتدّ ما شاء الله أن تمتدّ، ودخلت في هذه
الأرض أرضاً من الذهب الأحمر اللين فيها أشجار كلها ذهب وثمرها ذهب فيأخذ التفاحة أو
غيرها من الثمر فيأكلها فيجد من لذة طعمها وحسن رائحتها ونعمتها ما لا يصفها واصف
تقصر فاكهة الجنة عنها فكيف فاكهة الدنيا، والجسم والشكل والصورة ذهب، والصورة
والشكل كصورة الثمرة وشكلها عندنا وتختلف في الطعم، وفي الثمرة من النقش البديع
والزينة الحسنة ما لا تتوهمه نفس، فأحرى أن تشهده عين، ورأيت من كبر ثمرها بحيث لو
جعلت الثمرة بين السماء والأرض لحجبت أهل الأرض عن رؤية السماء، ولو جعلت على
الأرض لفضلت عليها أضعافاً، وإذا قبض عليها الذي يريد أكلها بهذه اليد المعهودة في القدر
عمّها بقبضته لنعمتها ألطف من الهواء يطبق عليها يده مع هذا العظم، وهذا مما تحيله العقول
هنا في نظرها، ولما شاهدها ذو النون المصري نطق بما حكي عنه من إيراد الكبير على
الصغير من غير أن يصغر الكبير أو يكبر الصغير أو يوسع الضيق أو يضيق الواسع، فالعظم في
التفاحة على ما ذكرته باق، والقبض عليها باليد الصغيرة والإحاطة بها موجود، والكيفية
مشهودة مجهولة لا يعرفها إلاَّ الله، وهذا العلم مما انفرد الحق به، واليوم الواحد الزماني
عندنا هو عدة سنين عندهم، وأزمنة تلك الأرض مختلفة.
قال: ودخلت فيها أرضاً من فضة بيضاء في الصورة ذات شجر وأنهار وثمر شهي كل
ذلك فضة، وأجسام أهلها منها كلها فضة، وكذلك كل أرض شجرها وثمرها وأنهارها
وبحارها وخلقها من جنسها، فإذا تنوولت وأكلت وجد فيها من الطعم والروائح والنعمة مثل
سائر المأكولات، غير أن اللذة لا توصف ولا تحكى، ودخلت فيها أرضاً من الكافور الأبيض
وهي في أماكن منها أشد حرارة من النار يخوضها الإنسان ولا تحرقه، وأماكن منها معتدلة،
وأماكن باردة، وكل أرض من هذه الأرضين التي هي أماكن في هذه الأرض الكبيرة لو جعلت
السماء فيها لكانت كحلقة في فلاة بالنسبة إليها، وما في جميع أراضيها أحسن عندي ولا أوفق
المزاجي من أرض الزعفران، وما رأيت عالماً من عالم كل أرض أبسط نفوساً منهم ولا أكثر
بشاشة بالوارد عليهم يتلقونه بالترحيب والتأهيل، ومن عجائب مطعوماتها أنه أي شيء أكلت
منها إذا قطعت من الثمر قطعة نبتت في زمان قطعك إياها مكانها ما سد تلك الثلمة أو تقطف
بيدك ثمرة من ثمرها فزمان قطفك إياها يتكوّن مثلها بحيث لا يشعر بها إلاَّ الفطن فلا يظهر
فيها نقص أصلاً، وإذا نظرت إلى نسائها ترى أن النساء الكائنين في الجنة من الحور بالنسبة
إليهن كنسائنا من البشر بالنسبة إلى الحور في الجنان، وأمّا مجامعتهن فلا يشبه لذتها لذة،

١٩٨ في المعارف/ الباب الثامن في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام ...
وأهلها أعشق الخلق فيمن يرد عليهم، وليس عندهم تكليف بل هم مجبولون على تعظيم
الحق وجلاله تعالى، لو راموا خلاف ذلك ما استطاعوا، وأما أبنيتهم فمنها ما يحدث عن
همهم، ومنها ما يحدث كما تبنى عندنا من اتخاذ الآلات وحسن الصنعة، ثم إن بحارها لا
يمتزج بعضها ببعض كما قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلَْقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَعُ لَّا يَتَغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية
١٩، ٢٠] فتعاين منتهى بحر الذهب تصطفق أمواجه ويباشره بالمجاورة بحر الحديد فلا يدخل
من واحد في الآخر شيء، وماؤهم ألطف من الهواء في الحركة والسيلان وهو من الصفاء
بحيث أن لا يخفى عنك من دوابه ولا من الأرض التي يجري البحر عليها شيء، فإذا أردت
أن تشرب منه وجدت له من اللذة ما لا تجده لمشروب أصلاً، وخلقها ينبتون فيها كسائر
النباتات من غير تناسل، بل يتكوّنون من أرضها تكوّن الحشرات عندنا، ولا ينعقد من مائهم
في نكاحهم ولد وإن نكاحهم إنما هو لمجرّد الشهوة والنعيم، وأما مراكبهم فتعظم وتصغر
بحسب ما يريده الراكب، وإذا سافروا من بلد إلى بلد فإنهم يسافرون برّاً وبحراً، وسرعة
مشيهم في البرّ والبحر أسرع من إدراك البصر للمبصر، وخلقها متفاوتون في الأحوال، ففيهم
من تغلب عليهم الشهوات، وفيهم من يغلب عليهم تعظيم جناب الحق، ورأيت فيها ألواناً لا
أعرفها في ألوان الدنيا، ورأيت فيها معادن تشبه الذهب وما هي بذهب ولا نحاس، وأحجاراً
من اللآلىء ينفذها البصر لصفائها شفافة من اليواقيت الحمر، ومن أعجب ما فيها إدراك
الألوان في الأجسام السفلية التي هي كالهواء، ويتعلق الإدراك بألوانها كما يتعلق بالألوان التي
في الأجسام الكثيفة، وعلى أبواب مدائنها عقود من الأحجار الياقوتية كل حجر منها يزيد على
الخمسمائة ذراع، وعلوّ الباب في الهواء عظيم وعليه معلق من الأسلحة والعدد ما لو اجتمع
ملك الأرض كلها ما وفى بها، وعندهم ظلمة ونور من غير شمس تتعاقب، وبتعاقبهما
يعرفون الزمان، وظلمتهم لا تحجب البصر عن مدركه كما لا يحجبه النور، ويغزو بعضهم
بعضاً من غير شحناء ولا عداوة ولا فساد بنية، وإذا سافروا في البحر وغرقوا لا يعدو عليهم
الماء كما يعدو علينا بل يمشون فيه كمشي دوابه حتى يلحقوا بالساحل، وتحل بتلك الأرض
زلازل لو حلّت بنا لانقلبت الأرض وهلك ما كان عليها .
وقال: لقد كنت يوماً مع جماعة منهم في حديث وجاءت زلزلة شديدة بحيث أني رأيت
الأبنية تتحرك كلها تحركاً لا يقدر البصر يتمكن من رؤيتها لسرعة الحركة مروراً وكروراً وما
عندنا خبر وكأنا على الأرض قطعة منها إلى أن فرغت الزلزلة، فلما فرغت وسكنت الأرض
أخذت الجماعة بيدي وعزتني في ابنة لي اسمها فاطمة فقلت للجماعة إني تركتها في عافية
عند والدتها قالوا صدقت ولكن هذه الأرض ما تزلزل بنا وعندنا أحد إلاّ مات ذلك الشخص
أو مات له أحد، وإن هذه الزلزلة لموت ابنتك فانظر في أمرها، فقعدت معهم ما شاء الله
وصاحبي ينتظرني، فلما أردت فراقهم مشوا معي إلى فم السكة وأخذوا خلعتهم وجئت إلى
بيتي فلقيت صاحبي فقال لي: إن فاطمة تنازع فدخلت عليها فقضت وكنت بمكة مجاوراً
فجهزناها ودفناها بالمعلى، فهذا من أعجب ما أخبرت عن تلك الأرض، ورأيت بها كعبة

١٩٩
في المعارف / الباب الثامن في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام.
يطوف بها أهلها غير مكسوّة وتكون أكبر من البيت الذي بمكة ذات أركان أربعة تكلمهم إذا
طافوا بها وتحييهم وتفيدهم علوماً لم تكن عندهم، ورأيت في هذه الأرض بحراً من تراب
يجري مثل ما يجري الماء، ورأيت حجارة صغاراً وكباراً يجري بعضها إلى بعض كما يجري
الحديد إلى المغناطيس، فتتألف هذه الحجارة ولا تنفصل بعضها من بعض بطبعها إلاَّ إن
فصلها فاصل مثل ما يفصل الحديد عن المغناطيس ليس في قوّته أن يمتنع فإذا ترك وطبعه
جرت بعضها إلى بعض على مقدار من المساحة مخصوص، فتضم هذه الحجارة بعضها إلى
بعض فينشأ منها صورة سفينة، ورأيت منها مركباً صغيراً وشينبين فإذا التأمت السفينة من تلك
الحجارة رموا بها في بحر التراب وركبوا فيها وسافروا حيث يشتهون من البلاد، غير أن قاع
السفينة من رمل أو تراب يلصق بعضه ببعض لصوق الخاصية، فمما رأيت فيما رأيت أعجب
من جريان هذه السفن في ذلك البحر وصورة الإنشاء في المراكب سواء، غير أن لهم في
جناحي السفينة مما يلي مؤخرها أسطوانتين عظيمتين تعلو المركب أكثر من القامة، وأرض
المركب من جهة مؤخره ما بين الأسطوانتين مفتوح متساو مع البحر، ولا يدخل فيه من رمل
ذلك البحر شيء أصلاً بالخاصية وهذا شكله :
مقدم
اسطوانة مؤخر اسطوانة
وفي هذه الأرض مدائن تسمّى مدائن النور لا يدخلها من العارفين إلاَّ كل مصطفى
مختار، وهي ثلاث عشرة مدينة، وهي على سطح واحد وبنيانها عجيب، وذلك أنهم عمدوا
. بنى موضع في هذه الأرض فبنوا فيه مدينة صغيرة لها أسوار عظيمة يسير الراكب فيها إذا أراد
أن يدور بها مسيرة ثلاثة أعوام، فلما أقاموها جعلوها خزانة لمنافعهم ومصالحهم وعددهم،
وأقاموا على بعد من جوانبها أبراجاً تعلو على أبراج المدينة بما دار بها، ومدوا البناء بالحجارة
حتى صار للمدينة كالسقف للبيت، وجعلوا ذلك السقف أرضاً بنوا عليه مدينة أعظم من التي
بنوا أولاً، وعمروها واتخذوها مسكناً فضاقت عنهم، فبنوا عليها مدينة أخرى أكبر منها، وما
زال يكثر عمارها وهم يصعدون بالبنيان طبقة فوق طبقة حتى بلغت ثلاث عشرة مدينة، ثم أني
غبت عنهم مدة ثم دخلت إليهم مرة أخرى فوجدتهم قد زادوا مدينتين واحدة فوق أخرى،
ولهم ملوك فيهم لطف وحنان صحبت منهم جماعة منهم التالي وهو التابع بمنزلة القيل في
حمير، ولم أر ملكاً أكثر منه ذكراً لله قد شغله ذكر الله عن تدبير ملكه انتفعت به، وكان كثير
المجالسة لي، ومنهم ذو العرف وهو ملك عظيم لم أر في ملوك الأرض أكثر من تأتي إليه
ترسل من الملوك منه وهو كثير الحركة هين لين يصل إليه كل أحد يتلطف في النزول، لكنه

٢٠٠
في المعارف / الباب الثامن في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام . .
إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، أعطاه الله من القوّة ما شاء، ورأيت لبحرها ملكاً منيع الحمى
يدعى السابح هو قليل المجالسة مع من يقصد إليه وما له ذلك الالتفات إلى أحد غير أنه مع مـ
يخطر له لا مع ما يراد منه، ويجاوره سلطان عظيم اسمه السابق إذا دخل عليه الوافد قام إليه
من مجلسه وبش في وجهه وأظهر السرور بقدومه وقام له بجميع ما يحتاج إليه من قبل أن
يسأله عن شيء، فقلت له في ذلك فقال لي: أكره أن أرى في وجه السائل ذلّة السؤال
لمخلوق غيره أن يذل أحد لغير الله، وما كل أحد يقف مع الله على قدم التوحيد، وإن أكثر
الوجوه مصروفة إلى الأسباب الموضوعة مع الحجاب عن الله، فهذا يجعلني أن أبادر إلى ما
ترى من كرامة الوافد .
قال: ودخلت على ملك آخر يدعى القائم بأمر الله لا يلتفت إلى الوافد عليه لاستيلاء
عظمة الحق على قلبه فلا يشعر بالوافد، وما يفد عليه من يفد من العارفين إلاَّ لينظروا إلى
حاله التي هو عليها، تراه واقفاً قد عقد يديه إلى صدره عقد العبد الذليل الجاني مطرقاً إلى
موضع قدميه لا تتحرّك منه شعرة ولا يضطرب منه مفصل كما قيل في قوم هذه حالتهم مع
سلطانهم: [البسيط]
كأنما الطيرُ منهم فوقَ أَرؤسهم
لا خوفَ ظلمٍ ولكن خوفَ إجلالِ
يتعلم العارفون منه حال المراقبة، قال: ورأيت ملكاً يدعى بالرادع مهيب المنظر لطيف
المخبر شديد الغيرة دائم الفكرة فيما كلف النظر فيه، إذا رأى أحداً يخرج من طريق الحق ردّه
إلى الحق، قال: صحبته وانتفعت به وجالست من ملوكهم كثيراً ورأيت منهم من العجائب
مما يرجع إلى ما عندهم من تعظيم الله ما لو سطرناه لأعيى الكاتب والسامع، فاقتصرنا على
هذا القدر من عجائب هذه الأرض ومدائنها لا تحصى كثرة، ومدائنها أكثر من ضياعها،
وجميع من يملكها من الملوك ثمانية عشر سلطاناً، منهم من ذكرنا، ومنهم من سكتنا عنه،
ولكل سلطان سيرة وأحكام ليست لغيره.
قال: وحضرت يوماً في ديوانهم لأرى ترتيبهم، فما رأيت أن الملك منهم هو الذي
يقوم برزق رعيته بلغوا ما بلغوا، فرأيتهم إذا استوى الطعام وقف خلق لا يحصى عددهم كثرة
يسمونهم الجباة وهم رسل أهل كل بيت فيعطيه الأمين من المطبخ على قدر عائلته ويأخذه
الجابي وينصرف، وأمّا الذي يقسمه عليهم شخص واحد لا غير له من الأيدي على قدر
الجباة، فيغرف في الزمن الواحد لكل شخص طعامه في وعائه وينصرف وما فضل من ذلك
يرفع إلى خزانة، فإذا فرغ منهم ذلك القاسم دخل الخزانة وأخذ ما فضل وخرج به إلى
الصعاليك الذين على باب دار الملك فيلقيه إليهم فيأكلوه، وهكذا في كل يوم. ولكل ملك
شخص حسن الهيئة هو على الخزانة يدعونه الخازن بيده جميع ما يملكه ذلك الملك، ومن
شرعهم أنه إذا ولاه ليس له عزله، ورأيت فيهم شخصاً أعجبتني حركاته وهو جالس إلى
جانب الملك وكنت على يمين الملك فسألته ما منزلة هذا عندكم؟ فتبسم وقال: أعجبك؟
قلت له: نعم، قال: هذا المعمار الذي يبني لنا المساكن والمدن وجميع ما تراه من آثار