Indexed OCR Text
Pages 141-160
في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٤١ نقول من جهة ما هو الأمر عليه إن الله موجود قبل العالم، إذ قد ثبت أن القبل من صيغ الزمان ولا زمان، ولا أن العالم موجود بعد وجود الحق إذ لا بعدية، ولا مع وجود الحق فإن الحق هو الذي أوجده وهو فاعله ومخترعه ولم يكن شيئاً، ولكن كما قلنا الحق موجود بذاته والعالم موجود به، فإن سأل سائل ذو وهم متى كان وجود العالم من وجود الحق؟ قلنا: متى سؤال زمانيّ والزمان من عالم النسب وهو مخلوق لله تعالى لأن عالم النسب له خلق التقدير لا خلق الإيجاد فهذا سؤال باطل فانظر كيف تسأل، فإياك أن تحجبك أدوات التوصيل عن تحقيق هذه المعاني في نفسك وتحصيلها فلم يبق إلاَّ وجود صرف خالص لا عن عدم وهو وجود الحق تعالى ووجود عن عدم عين الموجود نفسه وهو وجود العالم ولا بينية بين الوجودين ولا امتداد إلاَّ التوهّم المقدر الذي يحيله العلم ولا يبقى منه شيئاً ولكن وجود مطلق ومقيد وجود فاعل ووجود منفعل، هكذا أعطت الحقائق والسلام. مسألة: سألني وارد الوقت عن إطلاق الاختراع على الحق تعالى فقلت له: علم الحق بنفسه عين علمه بالعالم إذ لم يزل العالم مشهوداً له تعالى وإن اتصف بالعدم ولم يكن العالم مشهوداً لنفسه إذ لم يكن موجوداً، وهذا بحر هلك فيه الناظرون الذين عدموا الكشف وبنسبة لم تزل موجودة، فعلمه لم يزل موجوداً، وعلمه بنفسه علمه بالعالم، فعلمه بالعالم لم يزل موجوداً، فعلم العالم في حال عدمه وأوجده على صورته في علمه، وسيأتي بيان هذا في آخر الكتاب، وهو سرّ القدر الذي خفي عن أكثر المحققين، وعلى هذا لا يصحّ في العالم الاختراع ولكن يطلق عليه الاختراع بوجه ما لا من جهة ما تعطيه حقيقة الاختراع فإن ذلك يؤدي إلى نقص في الجناب الإلهي، فالاختراع لا يصحّ إلاَّ في حق العبد وذلك أن المخترع على الحقيقة لا يكون مخترعاً إلا حتى يخترع مثال ما يريد إبرازه في الوجود في نفسه أولاً، ثم بعد ذلك تبرزه القوّة العملية إلى الوجود الحسيّ على شكل ما يعلم له مثل ومتى لم يخترع الشيء في نفسه أولاً، وإلاَّ فليس بمخترع حقيقة، فإنك إذا قدرت أن شخصاً علمك ترتيب شكل ما ظهر في الوجود له مثل فعلمته ثم أبرزته أنت للوجود كما علمته فلست أنت في نفس الأمر وعند نفسك بمخترع له، وإنما المخترع له من اخترع مثاله في نفسه ثم علمكه، وإن نسب الناس الاختراع لك فيه من حيث إنهم لم يشاهدوا ذلك الشيء من غيرك، فارجع أنت إلى ما تعرفه من نفسك ولا تلتفت إلى من لا يعلم ذلك منك، فإن الحق سبحانه ما دبر العالم تدبير من يحصل ما ليس عنده ولا فكر فيه ولا يجوز عليه ذلك ولا اخترع في نفسه شيئاً لم يكن عليه ولا قال في نفسه هل نعمله كذا وكذا، هذا كله ما لا يجوز عليه، فإن المخترع للشيء يأخذ أجزاء موجودة متفرقة في الموجودات فيؤلفها في ذهنه وهمه تأليفاً لم يسبق إليه في علمه وإن سبق فلا يبالي، فإنه في ذلك بمنزلة الأوّل الذي لم يسبقه أحد إليه كما تفعله الشعراء والكتاب الفصحاء في اختراع المعاني المبتكرة، فثم اختراع قد سبق إليه فيتخيل السامع أنه سرقه، فلا ينبغي للمخترع أن ينظر إلى أحد إلاَّ إلى ما حدث عنده خاصة إن أراد أن يلتذ ويستمتع بلذة الاختراع، ومهما نظر المخترع لأمر ما إلى من سبقه فيه بعدما اخترعه ١٤٢ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ربما هلك وتفطرت كبده، وأكثر العلماء بالاختراع البلغاء والمهندسون، ومن أصحاب الصنائع النجارون والبناؤون فهؤلاء أكثر الناس اختراعاً وأذكاهم فطرة وأشدّهم تصرفاً لعقولهم، فقد صحّت حقيقة الاختراع لمن استخرج بالفكر ما لم يكن يعلم قبل ذلك ولا علمه غيره بالقوّة أو بالقوّة والفعل إن كان من العلوم التي غايتها العمل، والباري سبحانه لم يزل عالماً بالعالم أزلاً ولم يكن على حالة لم يكن فيها بالعالم غير عالم، فما اخترع في نفسه شيئاً لم يكن يعلمه، فإذ قد ثبت عند العلماء بالله قدم علمه، فقد ثبت كونه مخترعاً لنا بالفعل لا أنه اخترع مثالنا في نفسه الذي هو صورة علمه بنا إذ كان وجودنا على حدّ ما كنا في علمه، ولو لم يكن كذلك لخرجنا إلى الوجود على حدّ ما لم يعلمه وما لا يعلمه لا يريده وما لا يريده ولا يعلمه لا يوجده، فنكون إذن موجودين بأنفسنا أو بالاتفاق، وإذا كان هذا فلا يصح وجودنا عن عدم، وقد دلّ البرهان على وجودنا عن عدم وعلى أنه علمنا وأراد وجودنا وأوجدنا على الصورة الثابتة في علمه بنا ونحن معدومون في أعياننا، فلا اختراع في المثال فلم يبق إلاَّ الاختراع في الفعل وهو صحيح لعدم المثال الموجود في العين، فتحقق ما ذكرناه وقل بعد ذلك ما شئت، فإن شئت وصفته بالاختراع وعدم المثال، وإن شئت نفيت هذا عنه نفيته ولكن بعد وقوفك على ما أعلمتك به. الفصل الثالث في العلم والعالم والمعلوم من الباب الثاني [نظم: السريع]: ثلاثةٌ حُكْمُهُمُو واحدُ العلمُ والمَعْلُومُ والعالمُ ثلاثةٌ أَثْبَتَهَا الشَّاهِدُ وإنْ تَشَا أحكامُهُم مثلُهم ليس عليه في العُلَى زائدُ وصاحبُ الغَيْبِ يُرَى واحداً اعلم أيّدك الله أن العلم تحصيل القلب أمراً مّا على حدّ ما هو عليه ذلك في نفسه، معدوماً كان ذلك الأمر أو موجوداً. فالعلم هو الصفة التي توجب التحصيل من القلب، والعالم هو القلب، والمعلوم هو ذلك الأمر المحصل، وتصوّر حقيقة العلم عسير جدّاً، ولكن أمهد لتحصيل العلم ما يتبين به إن شاء الله تعالى، فاعلموا أن القلب مرآة مصقولة كلها وجه لا تصدأ أبداً، فإن أطلق يوماً عليها أنها صدئت كما قال عليه السلام: ((إِنَّ القُلوبَ لَتَضْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ» الحديث وفيه أن جلاءها ذكر الله وتلاوة القرآن، ولكن من كونه الذکر الحكيم فليس المراد بهذا الصدأ أنه طخاء طلع على وجه القلب، ولكنه لما تعلق واشتغل بعلم الأسباب عن العلم بالله كان تعلقه بغير الله صدأ على وجه القلب لأنه المانع من تجلي الحق إلى هذا القلب، لأن الحضرة الإلهية متجلاة على الدوام لا يتصوّر في حقّها حجاب عنا، فلما لم يقبلها هذا القلب من جهة الخطاب الشرعيّ المحمود لأنه قبل غيرها عبر عن قبول ذلك الغير بالصدأ والكن والقفل والعمى والران وغير ذلك، وإلاَّ فالحق يعطيك أن العلم عنده ولكن بغير الله في علمه وهو بالله في نفس الأمر عند العلماء بالله، ومما يؤيد ما قلناه في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٤٣ قول الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُوْنَا إِلَيْهِ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥] فكانت في أكنة مما يدعوها الرسول إليه خاصة لا أنها في كن، ولكن تعلقت بغير ما تدعى إليه فعميت عن إدراك ما دعيت إليه فلا تبصر شيئاً، والقلوب أبداً لم تزل مفطورة على الجلاء مصقولة صافية، فكل قلب تجلت فيه الحضرة الإلهية من حيث هي ياقوت أحمر الذي هو التجلي الذاتيّ فذلك قلب المشاهد المكمل العالم الذي لا أحد فوقه في تجلّ من التجلّيات، ودونه تجلّي الصفات، ودونهما تجلّي الأفعال، ولكن من كونها من الحضرة الإلهية ومن لم تتجلّ له من كونها من الحضرة الإلهية فذلك هو القلب الغافل عن الله تعالى المطرود من قرب الله تعالى، فانظر وفقك الله في القلب على حدّ ما ذكرناه وانظر هل تجعله العلم فلا يصحّ، وإن قلت الصقالة الذاتية له فلا سبيل ولكن هي سبب، كما أن ظهور المعلوم للقلب سبب، وإن قلت السبب الذي يحصل المعلوم في القلب فلا سبيل، وإن قلت المثال المنطبع في النفس من المعلوم وهو تصوّر المعلوم فلا سبيل، فإن قيل لك فما هو العلم؟ فقل: درك المدرك على ما هو عليه في نفسه إذا كان دركه غير ممتنع، وأما ما يمتنع دركه فالعلم به هو لا دركه كما قال الصديق: العجز عن درك الإدراك إدراك، فجعل العلم بالله هو لا دركه، فاعلم ذلك ولكن لا دركه من جهة کسب العقل کما يعلمه غيره، ولکن دركه من جوده وكرمه ووهبه كما يعرفه العارفون أهل الشهود لا من قوة العقل من حيث نظره. تتميم: ولما ثبت أن العلم بأمر مّا لا يكون إلاَّ بمعرفة قد تقدّمت قبل هذه المعرفة بأمر آخر يكون بين المعروفين مناسبة لا بدّ من ذلك، وقد ثبت أنه لا مناسبة بين الله تعالی وبین خلقه من جهة المناسبة التي بين الأشياء وهي مناسبة الجنس أو النوع أو الشخص، فليس لنا علم متقدّم بشيء فندرك به ذات الحق لما بينهما من المناسبة، مثال ذلك علمنا بطبيعة الأفلاك التي هي طبيعة خامسة لم نعلمها أصلاً لولا ما سبق علمنا بالأمّهات الأربع، فلما رأينا الأفلاك خارجة عن هذه الطبائع بحكم ليس هو في هذه الأمهات علمنا أن ثَم طبيعة خامسة من جهة الحركة العلوية التي في الأثير والهواء والسفلية التي في الماء والتراب والمناسبة بين الأفلاك والأمهات الجوهرية التي هي جنس جامع للكل والنوعية فإنها نوع كما أن هذه نوع الجنس واحد، وكذلك الشخصية، ولو لم يكن هذا التناسب لما علمنا من الطبائع علم طبيعة الفلك، وليس بين الباري والعالم مناسبة من هذه الوجوه، فلا يعلم بعلم سابق بغيره أبداً كما يزعم بعضهم من استدلال الشاهد على الغائب بالعلم والإرادة والكلام وغير ذلك، ثم يقدسه بعدما قد حمله على نفسه وقاسه بها . ثم إنه ممّا يؤيّد ما ذهبنا إليه من علمنا بالله تعالى أن العلم يترتب بحسب المعلوم، وينفصل في ذاته بحسب انفصال المعلوم عن غيره، والشيء الذي به ينفصل المعلوم إما أن يكون ذاتاً كالعقل من جهة جوهريته وكالنفس، وإما أن يكون ذاتاً من جهة طبعه كالحرارة والإحراق للنار، فكما انفصل العقل عن النفس من جهة جوهريته كذلك انفصل النار عن غيره بما ذكرناه، وأما أن ينفصل عنه بذاته لكن بما هو محمول فيه إما بالحال كجلوس الجالس ١٤٤ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ وكتابة الكاتب، وإما بالهيئة كسواد الأسود وبياض الأبيض، وهذا حصر مدارك العقل عند العقلاء، فلا يوجد معلوم قطعاً للعقل من حيث ما هو خارج عما وصفنا إلاَّ بأن نعلم ما انفصل به عن غيره إما من جهة جوهره أو طبعه أو حاله أو هيئته، ولا يدرك العقل شيئاً لا توجد فيه هذه الأشياء البتة، وهذه الأشياء لا توجد في الله تعالى، فلا يعلمه العقل أصلاً من حيث هو ناظر وباحث، وكيف يعلمه العقل من حيث نظره وبرهانه الذي يستند إليه الحسّ أو الضرورة أو التجربة، والباري تعالى غير مدرك بهذه الأصول التي يرجع إليها العقل في برهانه، وحينئذ يصحّ له البرهان الوجوديّ، فكيف يدّعي العاقل أنه قد علم ربّه من جهة الدليل وأن الباري معلوم له، ولو نظر إلى المفعولات الصناعية والطبيعية والتكوينية والانبعاثية والإبداعية ورأى جهل كل واحد منها بفاعله لعلم أن الله تعالى لا يعلم بالدليل أبداً لكن يعلم أنه موجود وأن العالم مفتقر إليه افتقاراً ذاتياً لا محيص له عنه البتة، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فمن أراد أن يعرف لُباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد من الكتاب العزيز الذي وحّد بها نفسه، فلا أحد أعرف من الشيء بنفسه، فلتنظر بما وصف نفسه وتسأل الله تعالى أن يفهمك ذلك فستقف على علم إلهي لا يبلغ إليه عقل بفكره أبد الآباد، وسأورد من هذه الآيات في الباب الذي يلي هذا الباب شيئاً يسيراً والله يرزقنا الفهم عنه آمين، ويجعلنا من العالمين الذين يعقلون آياته . الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات التي أطلقها عليه سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله ول من التشبيه والتجسيم تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً نظم: [السريع] في قُدُسِ الأَيْد وتَنْزِيههِ في نظرِ العبد إلى ربِّهِ تلحق بالكيفِ وتشبيههِ وعلوهِ عن أدواتٍ أتثْ منزلةِ العبد وتَتْزيههِ دلالةٌ تحكم قطعاً على وطرحٍ بِدْعِيٍّ وَتَمْويههِ وصحةِ العلمِ وإثباته اعلم أيّدك الله أن جميع المعلومات علوها وسفلها حاملها العقل الذي يأخذ عن الله تعالى بغير واسطة، فلم يخف عنه شيء من علم الكون الأعلى والأسفل، ومن وهبه وجوده تكون معرفة النفس الأشياء ومن تجليه إليها ونوره وفيضه الأقدس، فالعقل مستفيد من الحق تعالى مفيد للنفس، والنفس مستفيدة من العقل، وعنها يكون الفعل، وهذا سار في جميع ما تعلق به علم العقل بالأشياء التي هي دونه، وإنما قيّدنا بالتي هي دونه من أجل ما ذكرناه من الإفادة وتحفظ في نظرك من قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] وهو العالم فاعرف السبب واعلم أن العالم المهيم لا يستفيد من العقل الأول شيئاً وليس له على المهيمين سلطان بل هم وإياه في مرتبة واحدة، كالأفراد منا الخارجين عن حكم القطب وإن كان القطب واحداً ١٤٥ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ من الأفراد، لكن خصّص العقل بالإفادة كما خصّص القطب من بين الأفراد بالتولية، وهو سار في جميع ما تعلّق به علم العقل إلاَّ علم تجريد التوحيد خاصة فإنه يخالف سائر المعلومات من جميع الوجوه، إذ لا مناسبة بين الله تعالى وبين خلقه البتة، وإن أطلقت المناسبة يوماً ما عليه كما أطلقها الإمام أبو حامد الغزاليّ في كتبه وغيره فبضرب من التكلف ومرمى بعيد عن الحقائق، وإلاَّ فأيّ نسبة بين المحدث والقديم؟ أم كيف يشبه من لا يقبل المثل من يقبل المثل؟ هذا محال كما قال أبو العباس بن العريف الصنهاجيّ في محاسن المجالس التي تعزى إليه: ليس بينه وبين العباد نسب إلاَّ العناية، ولا سبب إلاَّ الحكم، ولا وقت غير الأزل، وما بقي فعمى وتلبيس. وفي رواية فعلم بدل من قوله فعمى، فانظر ما أحسن هذا الكلام وما أتم هذه المعرفة بالله وما أقدس هذه المشاهدة نفعه الله بما قال. فالعلم بالله عزيز عن إدراك العقل والنفس إلاَّ من حيث إنه موجود تعالى وتقدّس، وكل ما يتلفظ به في حق المخلوقات أو يتوهم في المركبات وغيرها فالله سبحانه في نظر العقل السليم من حيث فكره وعصمته، بخلاف ذلك لا يجوز عليه ذلك التوهم ولا يجري عليه ذلك اللفظ عقلاً من الوجه الذي تقبله المخلوقات، فإن أطلق عليه فعلى وجه التقريب على الإفهام لثبوت الوجود عند السامع لا لثبوت الحقيقة التي هو الحق عليها فإن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ولكن يجب علينا شرعاً من أجل قوله تعالى لنبيه وال فاعلم أنه لا إله إلاّ الله يقول: اعلم من أخباري الموافق لنظرك ليصحّ لك الإيمان علماً كما صحّ لك العلم من غير إيمان الذي هو قبل التعريف فأمره، فمن أجل هذا الأمر على نظر بعض الناس ورأيه فيه نظرنا من أين نتوصل إلى معرفته فنظرنا على حكم الإنصاف وما أعطاه العقل الكامل بعد جدّه واجتهاده الممكن منه، فلم نصل إلى المعرفة به سبحانه إلا بالعجز عن معرفته لأنا طلبنا أن نعرفه كما نطلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي هي المعلومات عليها، فلما عرفنا أن ثم موجوداً ليس له مثل ولا يتصوّر في الذهن ولا يدرك فكيف يضبطه العقل؟ هذا ما لا يجوز مع ثبوت العلم بوجوده، فنحن نعلم أنه موجود واحد في ألوهته، وهذا هو العلم الذي طلب منا غير عالمين بحقيقة ذاته التي يعرف سبحانه نفسه عليها وهو العلم بعدم العلم الذي طلب منا لما كان تعالى لا يشبه شيئاً من المخلوقات في نظر العقل ولا يشبهه شيء منها، كان الواجب علينا أولاً لما قيل لنا فاعلموا أنه لا إله إلاَّ الله أن نعلم ما العلم وقد علمناه فقد علمنا ما يجب علينا من علم العلم أوّلاً. انتهى الجزء الثامن والحمد لله. (الجزء التاسع) بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ فلنقل إنه لما كانت أمهات المطالب أربعة وهي: هل، وما، وكيف، ولم، فهل ولم مطلبان روحانيان بسيطان يصحبهما ما هو، فهل ولم هما الأصلان الصحيحان للبسائط لأن في ما هو ضرب من التركيب خاصة، وليس في هذه المطالب الأربعة مطلب ينبغي أن يسأل به الفتوحات المكية ج١ - م١٠ ١٤٦ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ عن الله تعالى من جهة ما تعطيه الحقيقة، إذ لا يصحّ أن يعرف من علم التوحيد إلاَّ نفي ما يوجد فيما سواه سبحانه ولهذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] و﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية: ١٨٠] فالعلم بالسلب هو العلم بالله سبحانه، كما لم يجز أن نقول في الأرواح كيف وتقدست عن ذلك لأن حقائقها تخالف هذه العبارة، كذلك ما ينطلق على الأرواح من الأدوات التي بها يسأل عنها لا يجوز أن يطلق على الله تعالى، ولا ينبغي للمحقق الموحد الذي يحترم حضرة مبدعه ومخترعه أن يطلق عليه هذه الألفاظ فإذن لا يعلم بهذه المطالب أبداً . وصل: ثم إنا نظرنا أيضاً في جميع ما سوى الحق تعالى فوجدناه على قسمين: قسم يدرك بذاته وهو المحسوس والكثيف، وقسم يدرك بفعله وهو المعقول واللطيف، فارتفع المعقول عن المحسوس بهذه المنزلة وهي التنزّه أن يدرك بذاته وإنما يدرك بفعله، ولما كانت هذه أوصاف المخلوقين تقدس الحق تعالى عن أن يدرك بذاته كالمحسوس أو بفعله كاللطيف أو المعقول لأنه سبحانه ليس بينه وبين خلقه مناسبة أصلاً، لأن ذاته غير مدركة لنا فتشبه المحسوس، ولا فعلها كفعل اللطيف فيشبه اللطيف، لأن فعل الحق تعالى إبداع الشيء لا من شيء، واللطيف الروحاني فعل الشيء من الأشياء، فأيّ مناسبة بينهما؟ فإذا امتنعت المشابهة في الفعل فأحرى أن تمتنع المشابهة في الذات، وإن شئت أن تحقق شيئاً من هذا الفصل فانظر إلى مفعول هذا الفعل على حسب أصناف المفعولات، مثل المفعول الصناعيّ كالقميص والكرسيّ فوجدناه لا يعرف صانعه إلاَّ أنه يدل بنفسه على وجود صانعه وعلى علمه بصنعته، وكذلك المفعول التكوينيّ الذي هو الفلك والكواكب لا يعرفون مكوّنهم ولا المركب لهم وهو النفس الكلية المحيطة بهم، وكذلك المفعول الطبيعيّ كالموالد من المعادن والنبات والحيوان الذين يفعلون طبيعة من المفعول التكوينيّ ليس لهم وقوف على الفاعل لهم الذي هو الفلك والكواكب، فليس العلم بالأفلاك ما تراه من جرمها وما يدركه الحسّ منها، وأين جرم الشمس في نفسها منها في عين الرائي لها منا، وإنما العلم بالأفلاك من جهة روحها ومعناها الذي أوجده الله تعالى لها عن النفس الكلية المحيطة التي هي سبب الأفلاك وما فيها، وكذلك المفعول الانبعائيّ الذي هو النفس الكلية المنبعثة من العقل انبعاث الصورة الدحيية من الحقيقة الجبرئيلية فإنها لا تعرف الذي انبعثت عنه أصلاً لأنها تحت حيطته وهو المحيط بها لأنها خاطر من خواطره، فكيف تعلم ما هو فوقها وما ليس فيها منه إلاَّ ما فيها، فلا تعلم منه إلاَّ ما هي عليه فنفسها علمت لا سببهما، وكذلك المفعول الإبداعيّ الذي هو الحقيقة المحمدية عندنا، والعقل الأول عند غيرنا، وهو القلم الأعلى الذي أبدعه الله تعالى من غير شيء هو أعجز وأمنع عن إدراك فاعله من كل مفعول تقدم ذكره، إذ بين كل مفعول وفاعله مما تقدم ذكره ضرب من ضروب المناسبة والمشاكلة، فلا بدّ أن يعلم منه قدر ما بينهما من المناسبة، إما من جهة الجوهرية أو غير ذلك، ولا مناسبة بين المبدع الأول والحق تعالى، فهو أعجز عن معرفته بفاعله من غيره من مفعولي الأسباب، إذ وقد عجز المفعول الذي يشبه ١٤٧ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ سببه الفاعل له من وجوه عن إدراكه والعلم به، فافهم هذا وتحققه فإنه نافع جداً في باب التوحيد والعجز عن تعلق العلم المحدث بالله تعالى. وصل: يؤيّد ما ذكرناه أن الإنسان إنما يدرك المعلومات كلها بإحدى القوى الخمس: القوّة الحسيّة وهي على خمس: الشم والطعم واللمس والسمع والبصر، فالبصر يدرك الألوان والمتلونات والأشخاص على حد معلوم من القرب والبعد، فالذي يدرك منه على ميل غير الذي يدرك منه على ميلين، والذي يدرك منه على عشرين باعاً غير الذي يدرك منه على ميل، والذي يدرك منه ويده في يده يقابله غير الذي يدرك منه على عشرين باعاً، فالذي يدرك منه على ميلين شخص لا يدري هل هو إنسان أو شجرة، وعلى ميل يعرف أنه إنسان، وعلى عشرين باعاً أنه أبيض أو أسود، وعلى المقابلة أنه أزرق أو أكحل، وهكذا سائر الحواس في مدركاتها من القرب والبعد، والباري سبحانه ليس بمحسوس أي ليس بمدرك بالحسّ عندنا في وقت طلبنا المعرفة به فلم نعلمه من طريق الحسّ. وأما القوّة الخيالية فإنها لا تضبط إلاَّ ما أعطاها الحسّ، إما على صورة ما أعطاها، وإما على صورة ما أعطاه الفكر من حمله بعض المحسوسات على بعض، وإلى هنا انتهت طريقة أهل الفكر في معرفة الحق فهو لسانهم ليس لساننا وإن كان حقاً ولكن ننسبه إليهم فإنه نقل عنهم فلم تبرح هذه القوّة كيفما كان إدراكها عن الحسّ البتة، وقد بطل تعلق الحسّ بالله عندنا فقد بطل تعلق الخيال به . وأما القوّة المفكرة فلا يفكر الإنسان أبداً إلاَّ في أشياء موجودة عنده تلقاها من جهة الحواس وأوائل العقل، ومن الفكر فيها في خزانة الخيال يحصل له علم بأمر آخر بينه وبين هذه الأشياء التي فكّر فيها مناسبة، ولا مناسبة بين الله وبين خلقه، فإذن لا يصحّ العلم به من جهة الفكر، ولهذا منعت العلماء من الفكر في ذات الله تعالى. وأما القوّة العقلية فلا يصحّ أن يدركه العقل، فإن العقل لا يقبل إلاَّ ما علمه بديهة أو ما أعطاه الفكر، وقد بطل إدراك الفكر له فقد بطل إدراك العقل له من طريق الفكر ولكن مما هو عقل، إنما حدّه أن يعقل ويضبط ما حصل عنده، فقد يهبه الحق المعرفة به فيعقلها لأنه عقل لا من طريق الفكر هذا ما لا نمنعه، فإن هذه المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن شاء من عباده لا يستقل العقل بإدراكها ولكن يقبلها، فلا يقوم عليها دليل ولا برهان لأنها وراء طور مدارك العقل، ثم هذه الأوصاف الذاتية لا تمكن العبارة عنها لأنها خارجة عن التمثيل والقياس فإنه ليس كمثله شيء، فكل عقل لم يكشف له من هذه المعرفة شيء يسأل عقلاً آخر قد كشف له منها ليس في قوّة ذلك العقل المسؤول العبارة عنها ولا تمكن، ولذلك قال الصديق: العجز عن درك الإدراك إدراك، ولهذا الكلام مرتبتان فافهم، فمن طلب الله بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك فافهم. وأما القوة الذاكرة فلا سبيل أن تدرك العلم بالله فإنها إنما تذكر ما كان العقل قبل علمه ثم غفل أو نسي وهو لم يعلمه فلا سبيل للقوّة الذاكرة إليه، وانحصرت مدارك الإنسان بما هو ١٤٨ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ إنسان وما تعطيه ذاته وله فيه كسب وما بقي إلاَّ تهيؤ العقل لقبول ما يهبه الحق من معرفته جلّ وتعالى، فلا يعرف أبداً من جهة الدليل إلاَّ معرفة الوجود وأنه الواحد المعبود لا غير، فإن الإنسان المدرك لا يتمكن له أن يدرك شيئاً أبداً إلاَّ ومثله موجود فيه، ولولا ذلك ما أدركه البتة ولا عرفه، فإذا لم يعرف شيئاً إلاَّ وفيه مثل ذلك الشيء المعروف فما عرف إلاَّ ما يشبهه ويشاكله، والباري تعالى لا يشبه شيئاً، ولا في شيء مثله فلا يعرف أبداً، ومما يؤيد ما ذكرناه أن الأشياء الطبيعية لا تقبل الغذاء إلاَّ من مُشاكلها، فأما ما لا يشاكلها فلا تقبل الغذاء منه قطعاً، مثال ذلك أن الموالد من المعادن والنبات والحيوان مركبة من الطبائع الأربع، والموالد لا تقبل الغذاء إلاَّ منها وذلك لأن فيها نصيباً منها، ولو رام أحد من الخلق على أن يجعل غذاء جسمه المركب من هذه الطبائع من شيء كائن عن غير هذه الطبائع أو ما تركب عنها لم يستطع، فكما لا يمكن لشيء من الأجسام الطبيعية أن تقبل غذاء إلاَّ من شيء هو من الطبائع التي هي منها، كذلك لا يمكن لأحد أن يعلم شيئاً ليس فيه مثله البتة، ألا ترى النفس لا تقبل من العقل إلاَّ ما تشاركه فيه وتشاكله، وما لم تشاركه فيه لا تعلمه منه أبداً، وليس من الله في أحد شيء، ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه فلا يعرفه أحد من نفسه وفكره. قال رسول الله وَله: ((إِنَّ اللَّهَ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ كَمَا اخْتَجَبَ عَنِ الأَبْصَارِ، وإِنَّ المَلأَ الأَعْلَى يَطْلبونَهُ كَمَا تَطْلبُونَهُ أَنْتُم» فأخبر عليه السلام بأن العقل لم یدرکه بفكره ولا بعین بصيرته كما لم يدركه البصر، وهذا هو الذي أشرنا إليه فيما تقدم من بابنا، فلله الحمد على ما ألهم، وأن علمنا ما لم نكن نعلم ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَكَ عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ١١٣] هكذا فليكن التنزيه ونفي المماثلة والتشبيه، وما ضلَّ من ضل من المشبهة إلاَّ بالتأويل، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الأفهام من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح، ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله ويقولون لا ندري وكان يكفيهم قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فمتى جاءهم حديث فيه تشبيه فقد أشبه الله شيئاً وهو قد نفى الشبه عن نفسه سبحانه، فما بقي إلاَّ أن ذلك الخبر له وجه من وجوه التنزيه يعرفه الله تعالى، وجيء به لفهم العربيّ الذي نزل القرآن بلسانه وما تجد لفظة في خبر ولا آية جملة واحدة تكون نصاً في التشبيه أبداً، وإنما تجدها عند العرب تحتمل وجوهاً: منها ما يؤدّي إلى التشبيه، ومنها ما يؤدّي إلى التنزيه، فحمل المتأوّل ذلك اللفظ على الوجه الذي يؤدّي إلى التشبيه جور منه على ذلك اللفظ ، إذ لم يوف حقّه بما يعطيه وضعه في اللسان وتعدّ على الله تعالى حيث حمل عليه سبحانه ما لا يليق بالله تعالى، ونحن نورد إن شاء الله تعالى بعض أحاديث وردت في التشبيه وإنها ليست بنص فيه، فللَّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين، فمن ذلك قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله نظر العقل بما يقتضيه الوضع من الحقيقة والمجاز الجارحة تستحيل على الله تعالى، الأصبع لفظ مشترك يطلق على الجارحة ويطلق على النعمة، قال الراعي: [الطويل] ١٤٩ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ عليها إذا ما أَمْحَلَ الناسُ أُصْبُعَا ضعيفُ العصا بادي العُروقِ تری لهُ يقول: ترى له عليها أثراً حسناً من النعمة بحسن النظر عليها، تقول العرب: ما أحسن أصبع فلان على ماله أي أثره فيه تريد به نموّ ماله لحسن تصرّفه فيه أسرع التقليب ما قلبته الأصابع لصغر حجمها وكمال القدرة فيها، فحركتها أسرع من حركة اليد وغيره، ولما كان تقليب الله قلوب العباد أسرع شيء أفصح وّلّ للعرب في دعائه بما تعقل، ولأن التقليب لا يكون إلاَّ باليد عندنا فلذلك جعل التقليب بالأصابع لأن الأصابع من اليد في اليد، والسرعة في الأصابع أمكن، فكان عليه السلام يقول في دعائه: ((يَا مُقَلْبَ القُلُوبِ ثَبْتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) وتقليب الله تعالى القلوب هو ما يخلق فيها من الهمّ بالحسن والهم بالسوء، فلما كان الإنسان يحس بترادف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه الذي هو عبارة عن تقليب الحق القلب وهذا لا يقدر الإنسان يدفع علمه عن نفسه لذلك كان عليه السلام يقول: ((يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)). وفي هذا الحديث أن إحدى أزواجه قالت له: أو تخاف يا رسول الله؟ فقال وَلّر: (قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُضْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ) يشير وَلَه إلى سرعة التقليب من الإيمان إلى الكفر وما تحتهما، قال تعالى: ﴿فَأَمَهَا لُجُورُهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] وهذا الإلهام هو التقليب والأصابع للسرعة والأثنينية لها خاطر الحسن وخاطر القبيح، فإذا فهم من الأصابع ما ذكرته وفهمت منه الجارحة وفهمت منه النعمة والأثر الحسن فبأيّ وجه تلحقه بالجارحة، وهذه الوجوه المنزهة تطلبه، فإما نسكت ونكل علم ذلك إلى الله تعالى وإلى من عرفه الحق ذلك من رسول مرسل أو وليّ ملهم بشرط نفي الجارحة ولا بدّ، وإما إن أدركنا فضول وغلب علينا إلاّ أن نردّ بذلك على بدعيّ مجسم مشبه، فليس بفضول، بل يجب على العالم عند ذلك تبيين ما في ذلك اللفظ من وجوه التنزيه حتى تدحض به حجة المجسم المخذول، تاب الله علينا وعليه ورزقه الإسلام، فإن تكلمنا على تلك الكلمة التي توهم التشبيه ولا بدّ فالعدول بشرحها إلى الوجه الذي يليق بالله سبحانه أولى، هذا حظ العقل في الوضع. نفث روح في روع: الأصبعان سرّ الكمال الذاتي الذي إذا انكشف إلى الأبصار يوم القيامة يأخذ الإنسان أباه إذا كان كافراً ويرمي به في النار ولا يجد لذلك ألماً ولا عليه شفقة بسرّ هذين الأصبعين المتحد معناهما المثنى لفظهما، خلقت الجنة والنار، وظهر اسم المنوّر، والمظلم، والمنعم، والمنتقم، فلا تتخيلهما اثنين من عشرة، ولا بدّ من الإشارة إلى هذا السرّ في هذا الباب في كلتا يديه يمين وهذه معرفة الكشف، فإن لأهل الجنة نعيمين: نعيماً بالجنة ونعيماً بعذاب أهل النار في النار. وكذلك أهل النار لهم عذابان وكلا الفريقين يرون الله رؤية الأسماء كما كانوا في الدنيا سواء، وفي القبضتين اللتين جاءتا عن الرسول وَل# في حق الحق سرّ ما أشرنا إليه ومعناه: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤] القبضة واليمين. قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّاتٌ بِسَمِينِهِ،﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٧] نظر العقل بما يقتضيه الوضع أنه منع أولاً سبحانه أن يقدر قدره لما يسبق ١٥٠ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ إلى العقول الضعيفة من التشبيه والتجسيم عند ورود الآيات والأخبار التي تعطى من وجه ما من وجوهها ذلك. ثم قال بعد هذا التنزيه الذي لا يعقله إلاَّ العالمون والأرض جميعاً قبضته عرفنا من وضع اللسان العربي أن يقال فلان في قبضتي يريد أنه تحت حكمي وإن كان ليس في يدي منه شيء البتة، ولكن أمري فيه ماض وحكمي عليه قاض، مثل حكمي على ما ملكته يدي حسّاً وقبضت عليه، وكذلك أقول مالي في قبضتي أي في ملكي وإني متمكن في التصرّف فيه أي لا يمنع نفسه مني، فإذا صرّفته ففي وقت تصرفي فيه كان أمكن لي أن أقول هو في قبضتي لتصرّفي فيه، وإن كان عبيدي هم المتصرّفون فيه عن إذني فلما استحالت الجارحة على الله تعالى عدل العقل إلى روح القبضة ومعناها وفائدتها وهو ملك ما قبضت عليه في الحال، وإن لم يكن لها أعني للقابض فيما قبض عليه شيء ولكن هو في ملك القبضة قطعاً فهكذا العالم في قبضة الحق تعالى، والأرض في الدار الآخرة تعيين بعض الأملاك كما تقول: خادمي في قبضتي، وإن كان خادمي من جملة من في قبضتي فإنما ذكرته اختصاصاً لوقوع نازلة ما، واليمين عندنا محل التصريف المطلق القويّ، فإن اليسار لا يقوى قوّة اليمين، فكنى باليمين عن التمكّن من الطيّ، فهي إشارة إلى تمكّن القدرة من الفعل، فوصل إلى أفهام العرب بألفاظ تعرفها وتسرع بالتلقي لها، قال الشاعر: [الوافر] إذا ما رايةٌ رفعَتْ لمجدٍ تلقَّاها عَرَابةُ باليمينِ وليس للمجد راية محسوسة فلا تتلقاها جارحة يمين فكأنه يقول: لو ظهر للمجد راية محسوسة لما كان محلها أو حاملها إلاَّ يمين عرابة الأوسيّ أي صفة المجد به قائمة وفيه كاملة، فلم تزل العرب تطلق ألفاظ الجوارح على ما لا يقبل الجارحة لاشتراك بينهما من طريق المعنى. نفث روح في روع: إذا تجلى الحق لسرّ عبد ملَّكه جميع الأسرار وألحقه بالأحرار وكان له التصرّف الذاتيّ من جهة اليمين، فإن شرف الشمال بغيره وشرف اليمين بذاته، ثم أنزل شرف اليمين بالخطاب وشرف الشمال بالتجلّي شرف الإنسان بمعرفته بحقيقته وإطلاعه عليها وهو اليسار وكلتا يديه من حيث هو شمال، كما أن كلتي يدي الحق يمين أرجع إلى معنى الاتحاد كلتا يدي العبد يمين، أرجع إلى التوحيد إحدى يديه يمين والأخرى شمال، فتارة أكون في الجمع وجمع الجمع، وتارة أكون في الفرق وفي فرق الفرق على حكم التجلّي والوارد: [البسيط] وإن لقيتَ معدِّياً فعدناني يوماً يمانٌ إذا لاقيتَ ذا يَمَنٍ ومن ذلك التعجب والضحك والفرح والغضب، التعجب إنما يقع من موجود لا يعلم ذلك المتعجب منه ثم يعلمه فيتعجب منه ويلحق به الضحك وهذا محال على الله تعالى فإنه ما خرج شيء عن علمه، فمتى وقع في الوجود شيء يمكن التعجب منه عندنا حمل ذلك التعجب والضحك على من لا يجوز عليه التعجب ولا الضحك، لأن الأمر الواقع متعجب منه عندنا، كالشاب ليست له صبوة فهذا أمر يتعجب منه فحل عند الله تعالى محل ما يتعجب منه عندنا، وقد يخرج الضحك والفرح إلى القبول والرضى، فإن من فعلت له فعلاً أظهر لك من ١٥١ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ أجله الضحك والفرح فقد قبل ذلك الفعل ورضي به، فضحكه وفرحه تعالى قبوله ورضاه عنا، كما أن غضبه تعالى منزّه عن غليان دم القلب طلباً للانتصار لأنه سبحانه يتقدس عن الجسمية والعرض، فذلك قد يرجع إلى أن يفعل فعل من غضب ممن يجوز عليه الغضب وهو انتقامه سبحانه من الجبارين والمخالفين لأمره والمتعدّين حدوده، قال تعالى: ﴿ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٠] أي جازاه جزاء المغضوب عليه، فالمجازي يكون غاضباً فظهور الفعل أطلق الاسم. (التبشش): من باب الفرح، ورد في الخبر أن الله يتبشش للرجل يوطىء المساجد للصلاة والذكر الحديث لما حجب العالم بالأكوان واشتغلوا بغير الله عن الله فصاروا بهذا الفعل في حال غيبة عن الله، فلما وردوا عليه سبحانه بنوع من أنواع الحضور أسدل إليهم سبحانه في قلوبهم من لذة نعيم محاضرته ومناجاته ومشاهدته ما تحبب بها إلى قلوبهم، فإنّ النبيّ عليه السلام يقول: ((أَحِبّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ)) فكنى بالتبشش عن هذا الفعل منه لأنه إظهار سرور بقدومكم عليه، فإنه من يسرّ بقدومك عليه فعلامة سروره إظهار البر بجانبك والتحبّب وإرسال ما عنده من نعم عليك، فلما ظهرت هذه الأشياء من الله إلى العبيد النازلين به سمّاه تبششاً . (النسيان): قال الله تعالى: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٧] الباري تعالى لا يجوز عليه النسيان ولكنه تعالى لما عذبهم عذاب الأبد ولم تنلهم رحمته تعالى صاروا كأنهم منسيون عنده، وهو كأنه ناس لهم أي هذا فعل الناسي ومن لا يتذكر ما هم فيه من أليم العذاب وذلك لأنهم في حياتهم الدنيا نسوا الله فجازاهم بفعلهم ففعلهم أعاده عليهم للمناسبة، وقد يكون نسيهم أخرهم ﴿نَسُواْ اللَّهَ﴾ أي أخروا أمر الله فلم يعملوا به، أخّرهم الله في النار حين أخرج منها من أدخله فيها من غيرهم، ويقرب من هذا الباب اتصاف الحق بالمكر والاستهزاء والسخرية، قال تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٩] وقال: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] وقال: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥]. (النفس): قالِ بَّه: (لاَ تَسُبُوا الرِّيْحَ فَإِنَّهَا مِنْ نَفسِ الرَّحْمُنِ)). وقوله عليه السلام: ((إِنِّي لِأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمْنِ يَأْتِينِي مِن قِبَلِ اليَمَنِ)) وهذا كله من التنفيس كأنه يقول: لا تسبوا الريح فإنها ممّا ينفس بها الرحمن عن عباده. وقال عليه السلام: ((نُصِرْتُ بِالصّبَا)) وكذلك يقول: ((إِنِّي لأَجِدُ نَّفَسَ)) أي تنفيس الرحمن عني للكرب الذي كان فيه من تكذيب قومه إياه وردّهم أمر الله من قبل اليمن فكان الأنصار نفس الله بهم عن نبيه وَّل# ما كان أكربه من المكذبين، فإن الله تعالى منزه عن النفس الذي هو الهواء الخارج من المتنفس تعالى الله عمّا نسب إليه الظالمون من ذلك علوّاً كبيراً. (الصورة): تطلق على الأمر وعلى المعلوم عند الناس وعلى غير ذلك، ورد في الحديث إضافة الصورة إلى الله في الصحيح وغيره مثل حديث عكرمة قال عليه السلام: (رَأَنْتُ رَبِّي فِي صُورَةٍ شَابٍ)) الحديث هذا حال من النبي ◌َّيِ وهو في كلام العرب معلوم متعارف، وكذلك قوله عليه السلام: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) اعلم أن المثلية الواردة في ١٥٢ في المعارف/ الباب الثالث في تنزيه الحق تعالى عمّا في طيّ الكلمات ... الخ القرآن لغوية لا عقلية، لأن المثلية العقلية تستحيل على الله تعالى زيد الأسد شدّة زيد زهير شعراً إذا وصفت موجوداً بصفة أو صفتين ثم وصفت غيره بتلك الصفة، وإن كان بينهما تباين من جهة حقائق أخر ولكنهما مشتركان في روح تلك الصفة ومعناها، فكل واحد منهما على صورة الآخر في تلك الصفة خاصة، فافهم وتنبّه وانظر كونك دليلاً عليه سبحانه، وهل وصفته بصفة كمال إلا منك فتفطن فإذا دخلت من باب التعرية عن المناظرة سلبت النقائص التي تجوز عليك عنه وإن كانت لم تقم قط به، ولكن المجسم والمشبه لما أضافها إليه سلبت أنت تلك الإضافة، ولو لم يتوهم هذا لما فعلت شيئاً من هذا السلب فاعلم، وإن كان للصورة هنا مداخل كثيرة أضربنا عن ذكرها رغبة فيما قصدناه في هذا الكتاب من حذف التطويل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. (الذراع): ورد في الخبر عن النبي وَّرَ: ((إِنَّ ضِرْسَ الكَافِرِ فِي النَّارِ مِثْلُ أُحُدٍ وَكَثَافَةَ جِلْدِهِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِ الجَبَّارِ)) هذه إضافة تشريف مقدار جعله الله تعالى إضافة إليه، كما تقول هذا الشيء كذا وكذا ذراعاً بذراع الملك تريد الذراع الأكبر الذي جعله الملك وإن كان مثلاً ذراع الملك الذي هو الجارحة مثل أذرع الناس، والذراع الذي جعله مقداراً يزيد على ذراع الجارحة بنصفه أو ثلثه، فليس هو إذن ذراعه على حقيقته وإنما هو مقدار نصبه ثم أضيف إلى جاعله فاعلم والجبار في اللسان الملك العظيم وهكذا. (القدم): يضع الجبار فيها قدمه القدم الجارحة ويقال لفلان في هذا الأمر قدم أي ثبوت، والقدم جماعة من الخلق فتكون القدم إضافة، وقد يكون الجبار ملكاً وتكون هذه القدم لهذا الملك إذ الجارحة تستحيل على الله تعالى وجلّ. (والاستواء): أيضاً ينطلق على الاستقرار والقصود والاستيلاء والاستقرار من صفات الأجسام، فلا يجوز على الله تعالى إلا إذا كان على وجه الثبوت والقصد هو الإرادة وهي من صفات الكمال قال: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَآءِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٩] أي قصد واستوى على العرش أي استولى : [الرجز] من غير سيفٍ ودم مُهْراقٍ قَدِ استوى بِشْرٌ على العراقِ والأخبار والآيات كثيرة منها صحيح وسقيم، وما منها خبر إلا وله وجه من وجوه التنزيه، وإن أردت أن يقرب ذلك عليك فاعمد إلى اللفظة التي توهم التشبيه وخذ فائدتها وروحها أو ما يكون عنها فاجعله في حق الحق تفز بدرجة التنزيه حين حاز غيرك درك التشبيه فهكذا فافعل وطهر ثوبك، ويكفي هذا القدر من هذه الأخبار فقد طال الباب، نفث الروح الأقدس في الروع الأنفس بما تقدم من الألفاظ، لما تعجب المتعجب ممن خرج على صورته، وخالفه في سريرته، ففرح بوجوده، وضحك من شهوده، وغضب لتوليه، وتبشبش لتدليه، ونسي ظاهره، وتنفّس فأطلق مواخره، وثبت علی ملكه، وتحكم بالتقدیر علی ملكه، فكان ما أراد، وإلى الله المعاد، فهذه أرواح مجرده، تنتظرها أشباح مسنده، فإذا بلغ الميقات، وانقضت الأوقات، ومارت السماء وكوّرت الشمس، وبدّلت الأرض، وانكدرت ١٥٣ في المعارف / الباب الرابع في سبب بدء العالم ومراتب الأسماء الحسنى من العالم كله النجوم، وانتقلت الأمور، وظهرت الآخره، وحشر الإنسان وغيره في الحافره، حينئذ تحمد الأشباح، وتتنسم الأرواح، ويتجلى الفتاح، ويتقد المصباح، وتشعشع الراح، ويظهر الودّ الصراح، ويزول الإلحاح، ويرفرف الجناح، ويكون الابتنا بالضراح، من أول الليل إلى الإصباح، فما أسناها من منزله، وما أشهاها إلى النفوس من حالة مكمله، متَّعنا الله بها. الباب الرابع في سبب بدء العالم ومراتب الأسماء الحسنى من العالم كله [نظم: السريع] وغايةِ الصُنْعِ وإحكامِهِ في سَبَبِ البدءِ وأحكامهِ في نَشْئه وبينَ حُكَّامِهِ والفرقِ ما بين رعاةِ العُلى قد قهر الكلَّ بأحكَامِهِ دلائلٌ دلت على صانعٍ قد وقف الصفيّ الوليّ أبقاه الله على سبب بدء العالم في كتابنا المسمّى بعنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب، وفي كتابنا المسمّى بإنشاء الدوائر الذي ألفنا بعضه بمنزله الكريم في وقت زيارتنا إياه سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ونحن نريد الحج، فقيد له منه خديمه عبد الجبار أعلى الله قدره القدر الذي كنت سطرته منه ورحلت به معي إلى مكة زادها الله تشريفاً في السنة المذكورة لأتممه بها، فشغلنا هذا الكتاب عنه وعن غيره بسبب الأمر الإلهيّ الذي ورد علينا في تقييده، مع رغبة بعض الإخوان والفقراء في ذلك حرصاً منهم على مزيد العلم، ورغبة في أن تعود عليهم بركات هذا البيت المبارك الشريف محل البركات والهدى والآيات البينات، وأن نعرف أيضاً في هذا الموضوع الصفي الكريم أبا محمد عبد العزيز رضي الله عنه ما تعطيه مكة من البركات وأنها خير وسيلة عبادية وأشرف منزلة جمادية ترابية، عسى تنهض به همة الشوق إليه، وتنزل به رغبة المزيد عليه، فقد قيل لمن أوتي جوامع الكلم وكان من ربّه في مشاهدة العين أدنى من قاب قوسين، ومع هذا التقريب الأكمل والحظ الأوفر الأجزل أنزل عليه ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١١٤]. ومن شرط العالم المشاهد صاحب المقامات الغيبية والمشاهد أن يعلم أن الأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيراً، ولو وجد القلب في أي موضع كان الوجود الأعم فوجوده بمكة أسنى وأتم، فكما تتفاضل المنازل الروحانية، كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية، وإلاَّ فهل الدر مثل الحجر إلاَّ عند صاحب الحال، وأما المكمل صاحب المقام فإنه يميز بينهما كما ميّز بينهما الحق، هل ساوى الحق بين دار بناؤها لبن التراب والتبن ودار بناؤها لبن العسجد واللجين، فالحكيم الواصل من أعطى كل ذي حق حقه، فذلك واحد عصره وصاحب وقته، وكثير بين مدينة يكون أكثر عمارتها الشهوات، وبين مدينة يكون أكثر عمارتها الآيات البينات، أليس قد جمع معي صفيي أبقاه الله أن وجود قلوبنا في بعض المواطن أكثر من بعض. وقد كان رضي الله عنه يترك الخلوة في بيوت المنارة المحروسة الكائنة بشرقيّ تونس ١٥٤ في المعارف/ الباب الرابع في سبب بدء العالم ومراتب الأسماء الحسنى من العالم كله بساحل البحر وينزل إلى الرابطة التي في وسط المقابر بقرب المنارة من جهة بابها وهي تعزى إلى الخضر فسألته عن ذلك فقال: إن قلبي أجده هنالك أكثر منه في المنارة، وقد وجدت فيها أنا أيضاً ما قاله الشيخ، وقد علم وليي أبقاه الله أن ذلك من أجل من يعمر ذلك الموضع، إمّا في الحال من الملائكة المكرّمين، أو من الجن الصادقين، وإما من همة من كان يعمره وفقد كبيت أبي يزيد الذي يسمّى بيت الأبرار، وكزاوية الجنيد بالشونيزية، وكمغارة ابن أدهم بالتعن، وما كان من أماكن الصالحين الذين فنوا عن هذه الدار وبقيت آثارهم في أماكنهم تنفعل لها القلوب اللطيفة، ولهذا يرجع تفاضل المساجد في وجود القلب لا في تضاعف الأجر، فقد تجد قلبك في مسجد أكثر مما تجده في غيره من المساجد، وذلك ليس للتراب ولكن لمجالسة الأتراب أو هممهم، ومن لا يجد الفرق في وجود قلبه بين السوق والمساجد فهو صاحب حال لا صاحب مقام، ولا أشك كشفاً وعلماً أنه وإن عمرت الملائكة جميع الأرض مع تفاضلهم في المعارف والرتب فإن أعلاهم رتبة وأعظمهم علماً ومعرفة عمرة المسجد الحرام، وعلى قدر جلساتك يكون وجودك، فإنه لهمم الجلساء في قلب الجليس لهم تأثيراً وهممهم على قدر مراتبهم وإن كان من جهة الهمم، فقد طاف بهذا البيت مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرون ألف نبي سوى الأولياء، وما من نبي ولا وليّ إلاَّ وله همة متعلقة بهذا البيت وهذا البلد الحرام لأنه البيت الذي اصطفاه الله على سائر البيوت، وله سرّ الأوّلية في المعابد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكٌ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٦] من كل مخوف، إلى غير ذلك من الآيات، فلو رحل الصفي أبقاه الله إلى هذا البلد الحرام الشريف لوجد من المعارف والزيادات ما لم يكن رآه قبل ذلك ولا خطر له بالبال، وقد علم رضي الله عنه أن النفس تحشر على صورة علمها، والجسم على صورة عمله، وصورة العلم والعمل بمكة أتمّ مما في سواها، ولو دخلها صاحب قلب ساعة واحدة لكان له ذلك، فكيف إن جاور بها وأقام وأتى فيها بجميع الفرائض والقواعد؟ فلا شك أن مشهده بها يكون أتمّ وأجلى، ومورده أصفى وأعذب وأحلى، وإذ وصفيي أبقاه الله قد أخبرني أنه يحسّ بالزيادة والنقص على حسب الأماكن والأمزجة، ويعلم أن ذلك راجع أيضاً إلى حقيقة الساكن به أو همته كما ذكرنا، ولا شك عندنا أن معرفة هذا الفن أعنى معرفة الأماكن والإحساس بالزيادة والنقص من تمام تمكن معرفة العارف وعلوّ مقامه وإشرافه على الأشياء وقوّة ميزه، فالله يكتب لوليي فيها أثراً حسناً ويهبه فيها خيراً طيباً إنه المليّ بذلك والقادر عليه. اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن أكثر العلماء بالله من أهل الكشف والحقائق ليس عندهم علم بسبب بدء العالم إلاَّ تعلق العلم القديم بإيجاده، فكوّن ما علم أنه سيكوّنه، وهنا ينتهي أكثر الناس. وأمّا نحن ومن أطلعه الله على ما أطلعنا عليه فقد وقفنا على أمور أخر غير هذا، وذلك أنك إذا نظرت العالم مفصلاً بحقائقه ونسبه وجدته محصور الحقائق والنسب معلوم المنازل والرتب متناهي الأجناس بين متماثل ومختلف، فإذا وقفت على هذا الأمر ١٥٥ في المعارف/ الباب الرابع في سبب بدء العالم ومراتب الأسماء الحسنى من العالم كله علمت أن لهذا سرّاً لطيفاً وأمراً عجيباً، لا تدرك حقيقته بدقيق فكر ولا نظر، بل بعلم موهوب من علوم الكشف ونتائج المجاهدات المصاحبة للهمم، فإن مجاهدة بغير همة غير منتجة شيئاً ولا مؤثرة في العلم، لكن تؤثر في الحال من رقّة وصفاء يجده صاحب المجاهدة، فاعلم علمك الله سرائر الحكم ووهبك من جوامع الكلم أن الأسماء الحسنى التي تبلغ فوق أسماء الإحصاء عدداً وتنزل دون أسماء الإحصاء سعادة هي المؤثرة في هذا العالم وهي المفاتح الأول التي لا يعلمها إلاَّ هو، وأن لكل حقيقة اسماً ما يخصّها من الأسماء، وأعني بالحقيقة حقيقة تجمع جنساً من الحقائق، رب تلك الحقيقة ذلك الاسم وتلك الحقيقة عابدته وتحت تكليفه ليس غير ذلك، وإن جمع لك شيء مّا أشياء كثيرة فليس الأمر على ما توهمته، فإنك إن نظرت إلى ذلك الشيء وجدت له من الوجوه ما يقابل به تلك الأسماء التي تدل عليها وهي الحقائق التي ذكرناها، مثال ذلك ما ثبت لك في العلم الذي في ظاهر العقول وتحت حكمها في حق موجود ما فرد لا ينقسم مثل الجوهر الفرد الجزء الذي لا ينقسم، فإن فيه حقائق متعددة تطلب أسماء إلهية على عددها، فحقيقة إيجاده يطلب الاسم القادر، ووجه أحكامه يطلب الاسم العالم، ووجه اختصاصه يطلب الاسم المريد، ووجه ظهوره يطلب الاسم البصير والرائي إلى غير ذلك، فهذا وإن كان فرداً فله هذه الوجوه وغيرها مما لم نذكرها، ولكل وجه وجوه متعددة تطلب من الأسماء بحسبها، وتلك الوجوه هي الحقائق عندنا الثواني والوقوف عليها عسير، وتحصيلها من طريق الكشف أعسر. واعلم أن الأسماء قد نتركها على كثرتها إذا لحظنا وجوه الطالبين لها من العالم، وإذا لم نلحظ ذلك فلنرجع ونلحظ أمّهات المطالب التي لا غنى لنا عنها، فنعرف أن الأسماء التي الأمّهات موقوفة عليها هي أيضاً أمّهات الأسماء، فيسهل النظر ويكمل الغرض ويتيسر التعدي من هذه الأمّهات إلى البنات كما يتيسّر ردّ البنات إلى الأمّهات، فإذا نظرت الأشياء كلها المعلومة في العالم العلويّ والسفليّ تجد الأسماء السبعة المعبر عنها بالصفات عند أصحاب علم الكلام تتضمنها، وقد ذكرنا هذا في كتابنا الذي سميناه إنشاء الدوائر، وليس غرضنا في هذا الكتاب في هذه الأمهات السبعة المعبر عنها بالصفات، ولكن قصدنا الأمهات التي لا بدّ لإيجاد العالم منها، كما أنا لا نحتاج في دلائل العقول من معرفة الحق سبحانه إلاَّ كونه موجوداً عالماً مريداً قادراً حيّاً لا غير، وما زاد على هذا فإنما يقتضيه التكليف، فمجيء الرسول عليه السلام جعلنا نعرفه متكلماً، والتكليف جعلنا نعرفه سميعاً بصيراً، إلى غير ذلك من الأسماء. فالذي نحتاج إليه من معرفة الأسماء لوجود العالم وهي أرباب الأسماء وما عداها فسدنة لها، كما أن بعض هذه الأرباب سدنة لبعضها، فأمهات الأسماء الحيّ العالم المريد القادر القائل الجواد المقسط، وهذه الأسماء بنات الاسمين المدبر والمفصل، فالحيّ يثبت فهمك بعد وجودك وقبله، والعالم يثبت أحكامك في وجودك وقبل وجودك يثبت تقديرك، والمريد يثبت اختصاصك، والقادر يثبت عدمك، والقائل يثبت قدمك، والجواد يثبت إيجادك، والمقسط يثبت مرتبتك، والمرتبة آخر منازل الوجود. ١٥٦ في المعارف / الباب الرابع في سبب بدء العالم ومراتب الأسماء الحسنى من العالم كله فهذه حقائق لا بدّ من وجودها، فلا بدّ من أسمائها التي هي أربابها، فالحيّ رب الأرباب والمربوبين وهو الإمام، ويليه في الرتبة العالم، ويلي العالم المريد، ويلي المريد القائل، ويلي القائل القادر، ويلي القادر الجواد، وآخرهم المقسط فإنه رب المراتب وهي آخر منازل الوجود، وما بقي من الأسماء فتحت طاعة هؤلاء الأسماء الأئمة الأرباب، وكان سبب توجّه هؤلاء الأسماء إلى الاسم الله في إيجاد العالم بقية الأسماء مع حقائقها أيضاً، على أن أئمة الأسماء من غير نظر إلى العالم إنما هي أربعة لا غير اسمه الحيّ والمتكلم والسميع والبصير، فإنه إذا سمع كلامه ورأى ذاته فقد كمل وجوده في ذاته من غير نظر إلى العالم، ونحن لا نريد من الأسماء إلاَّ ما يقوم بها وجود العالم، فكثرت علينا الأسماء فعدلنا إلى أربابها فدخلنا عليهم في حضراتهم فما وجدنا غير هؤلاء الذين ذكرناهم وأبرزناهم على حسب ما شاهدناهم، فكان سبب توجّه أرباب الأسماء إلى الاسم الله في إيجاد أعياننا بقية الأسماء، فأول من قام لطلب هذا العالم الاسم المدبّر والمفصل عن سؤال الاسم الملك، فعندما توجّه على الشيء الذي عنه وجد المثال في نفس العالم من غير عدم متقدم، ولكن تقدم مرتبة لا تقدم وجود كتقدم طلوع الشمس على أول النهار وإن كان أول النهار مقارناً لطلوع الشمس، ولكن قد تبين أن العلة في وجود أول النهار طلوع الشمس وقد قارنه في الوجود فهكذا هو هذا الأمر، فلما دبر العالم وفصله هذان الاسمان من غير جهل متقدم به أو عدم علم وانتشأت صورة المثال في نفس العالم تعلق اسمه العالم إذ ذاك بذلك المثال، كما تعلق بالصورة التي أخذ منها وإن كانت غير مرئية لأنها غير موجودة كما سنذكره في باب مم وجد العالم. فأول أسماء العالم هذان الاسمان، والاسم المدبر هو الذي حقّق وقت الإيجاد المقدر فتعلق به المريد على حد ما أبرزه المدبر ودبره، وما عملا شيئاً من نشء هذا المثال إلاَّ بمشاركة بقية الأسماء لكن من وراء حجاب هذين الاسمين ولهذا صحّت لهما الإمامة، والآخرون لا يشعرون بذلك حتى بدت صورة المثال فرأوا ما فيه من الحقائق المناسبة لهم تجذبهم للتعشّق بها فصار كل اسم يتعشق بحقيقته التي في المثال ولكن لا يقدر على التأثير فيها، إذ لا تعطى الحضرة التي تجلى فيها هذا المثال، فأدّاهم ذلك التعشّق والحب إلى الطلب والسعي والرغبة في إيجاد صورة عين ذلك المثال ليظهر سلطانهم ويصحّ على الحقيقة وجودهم، فلا شيء أعظم هماً من عزيز لا يجد عزيزاً يقهره حتى يذل تحت قهره فيصح سلطان عزّه، أو غني لا يجد من يفتقر إلى غناه، وهكذا جميع هذه الأسماء فلجأت إلى أربابها الأئمة السبعة التي ذكرناها ترغب إليها في إيجاد عين هذا المثال الذي شاهدوه في ذات العالم به وهو المعبر عنه بالعالم، وربما يقول القائل: يا أيها المحقق وكيف ترى الأسماء هذا المثال ولا يراه إلاّ الاسم البصير خاصة لا غيره، وكل اسم على حقيقة ليس الاسم الآخر عليها؟ قلنا له: لتعلم وفقك الله أن كل اسم إلهيّ يتضمن جميع الأسماء كلها، وأن كل اسم ينعت بجميع الأسماء في أفقه، فكل اسم فهو حيّ قادر سميع بصير متكلم في أفقه وفي ١٥٧ في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ علمه، وإلاَّ فكيف يصحّ أن يكون رباً لعابده؟ هيهات هيهات، غير أن ثَمَّ لطيفة لا يشعر بها وذلك أنك تعلم قطعاً في حبوب البرّ وأمثاله أن كل برة فيها من الحقائق ما في أختها، كما تعلم أيضاً أن هذه الحبة ليست عين هذه الحبة الأخرى، وإن كانتا تحويان على حقائق متماثلة فإنهما مثلان، فابحث عن هذه الحقيقة التي تجعلك تفرق بين هاتين الحبتين وتقول إن هذه ليست عين هذه، وهذا سار في جميع المتماثلات من حيث ما تماثلوا به، كذلك الأسماء كل اسم جامع لما جمعت الأسماء من الحقائق، ثم تعلم على القطع أن هذا الاسم ليس هو هذا الآخر بتلك اللطيفة التي بها فرّقت بين حبوب البرّ وكل متماثل، فابحث عن هذا المعنى حتى تعرفه بالذكر لا بالفكر، غير أني أريد أن أوقفك على حقيقة ما ذكرها أحد من المتقدمين وربما ما أطلع عليها فربما خصّصت بها، ولا أدري هل تعطى لغيري بعدي أم لا من الحضرة التي أعطيتها؟ فإن استقرأها أو فهمها من كتابي فأنا المعلم له، وأمّا المتقدمون فلم يجدوها وذلك أن كل اسم كما قررنا بجميع حقائق الأسماء ويحتوي عليها مع وجود اللطيفة التي وقع لك التمييز بها بين المثلين، وذلك أن الاسم المنعم والاسم المعذب اللذين هما الظاهر والباطن كل اسم من هذين الاسمين يتضمن ما تحويه سدنته من أولهم إلى آخرهم، غير أن أرباب الأسماء ومن سواهم من الأسماء على ثلاث مراتب: منها ما يلحق بدرجات أرباب الأسماء، ومنها ما ينفرد بدرجة فمنها ما ينفرد بدرجة المنعم وبدرجة المعذب، فهذه أسماء العالم محصورة والله المستعان، فلما لجأت الأسماء كلها إلى هؤلاء الأئمة ولجأت الأئمة إلى الاسم الله لجأ الاسم الله إلى الذات من حيث غناها عن الأسماء سائلاً في إسعاف ما سألته الأسماء فيه فأنعم المحسان الجواد بذلك وقال قل للأئمة يتعلقون بإبراز العالم على حسب ما تعطيه حقائقهم، فخرج إليهم الاسم الله وأخبرهم الخبر فانقلبوا مسرعين فرحين مبتهجين ولم يزالوا كذلك فنظروا إلى الحضرة التي أذكرها في الباب السادس من هذا الكتاب فأوجدوا العالم كما سنذكره فيما يأتي من الأبواب بعد هذا إن شاء الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة من وجه مّا لا من جميع الوجوه [نظم: السريع] بَسْمَلَةُ الأسماء ذو منظرينْ إلاَّ بمن قالت لمن حين ما فقال من أضحكه قولُها ما بين إبقاءٍ وإفناءِ عَيْنْ خافت على النمل من الحَطْمَتَيْنْ هل أَثَرْ يُطلب من بعد عَيْنْ عاينتِ من نملتنا القبضتَيْنْ يا نفسُ يا نفسُ استقيمي فقد وهكذا في الحمد فاستَثْنِها إحداهما من عَسْجَدٍ مشرقٍ إن شئتَ أن تنعمَ بالجثَّتَيْنْ جملتُها وأختُها من لُجَيْنْ ١٥٨ في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ من جهة الفُرقان للفِرْقتينْ يا أمَّ قرآنِ العُلى هل تَرَيْ خُصَّ بها سيِّدُنا دون مَيْنْ أنت لنا السبعُ المثاني التي وخُصَّ من عاداك بالفِزْقَتينْ فأنتِ مفتاح الهدى للنهى لما أردنا أن نفتتح معرفة الوجود وابتداء العالم الذي هو عندنا المصحف الكبير الذي تلاه الحق علينا تلاوة حال كما أن القرآن تلاوة قول عندنا، فالعالم حروف مخطوطة مرقومة في رق الوجود المنشور، ولا تزال الكتابة فيه دائمة أبداً لا تنتهي، ولما افتتح الله تعالى كتابه العزيز بفاتحة الكتاب، وهذا كتاب أعني العالم الذي نتكلم عليه، أردنا أن نفتتح بالكلام على أسرار الفاتحة وبسم الله فاتحة الفاتحة وهي آية أولى منها أو ملازمة لها، كالعلاوة على الخلاف المعلوم بين العلماء، فلا بدّ من الكلام على البسملة، وربما يقع الكلام على بعض آية من سورة البقرة آيتين أو ثلاث خاصة تبرّكاً بكلام الحق سبحانه ثم نسوق الأبواب إن شاء الله تعالى. فأقول: إنه لما قدمنا أن الأسماء الإلهية سبب وجود العالم وأنها المسلطة عليه والمؤثرة لذلك، كان بسم الله الرحمن الرحيم عندنا خبر ابتداء مضمر، وهو ابتداء العالم وظهوره، كأنه يقول ظهور العالم بسم الله الرحمن الرحيم أي باسم الله الرحمن الرحيم، ظهر العالم واختص الثلاثة الأسماء لأن الحقائق تعطي ذلك، فالله هو الاسم الجامع للأسماء كلها، والرحمن صفة عامة، فهو رحمن الدنيا والآخرة، بها رحم كل شيء من العالم في الدنيا، ولما كانت الرحمة في الآخرة لا تختص إلاّ بقبضة السعادة فإنها تنفرد عن أختها، وكانت في الدنيا ممتزجة يولد كافراً ويموت مؤمناً، أي ينشأ كافراً في عالم الشهادة وبالعكس وتارة وتارة، وبعض العالم تميز بإحدى القبضتين بإخبار صادق، فجاء الاسم الرحيم مختصاً بالدار الآخرة لكل من آمن، وتمّ العالم بهذه الثلاثة الأسماء جملة في الاسم الله، وتفصيلاً في الاسمين الرحمن الرحيم، فتحقق ما ذكرناه، فإني أريد أن أدخل إلى ما في طيّ البسملة والفاتحة من بعض الأسرار كما شرطناه فلنبين ونقول : بسم بالباء ظهر الوجود وبالنقطة تميز العابد من المعبود، قيل للشبلي رضي الله عنه: أنت الشبلي؟ فقال: أنا النقطة التي تحت الباء، وهو قولنا النقطة للتمييز، وهو وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية، وكان الشيخ أبو مدين رحمه الله يقول: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الباء عليه مكتوبة، فالباء المصاحبة للموجودات من حضرة الحق في مقام الجمع والوجود أي بي قام كل شيء وظهر وهي من عالم الشهادة، هذه الباء بدل من همزة الوصل التي كانت في الاسم قبل دخول الباء واحتيج إليها إذ لا ينطق بساكن فجلبت الهمزة المعبر عنها بالقدرة محرّكة عبارة عن الوجود ليتوصل بها إلى النطق الذي هو الإيجاد من إبداع وخلق بالساكن الذي هو العدم، وهو أوان وجود المحدث بعد أن لم يكن وهو السين فدخل في الملك بالميم ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] فصارت الباء بدلاً من همزة الوصل أعني القدرة الأزلية، وصارت حركة الباء لحركة الهمزة الذي هو الإيجاد، ووقع الفرق بين ١٥٩ في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ الباء والألف الواصلة، فإن الألف تعطي الذات والباء تعطي الصفة، ولذلك كانت لعين الإيجاد أحق من الألف بالنقطة التي تحتها وهي الموجودات، فصار في الباء الأنواع الثلاثة: شكل الباء والنقطة والحركة العوالم الثلاثة، فكما في العالم الوسط توهّم ما كذلك في نقطة الباء، فالباء ملكوتية والنقطة جبروتية والحركة شهادية ملكية، والألف المحذوفة التي هي بدل منها هي حقيقة القائم بالكل تعالى، واحتجب رحمة منه بالنقطة التي تحت الباء، وعلى هذا الحد تأخذ كل مسألة في هذا الباب مستوفاة بطريق الإيجاز، فبسم، والم واحد، ثم وجدنا الألف من بسم قد ظهرت في ﴿ اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾ [سورة العلق: الآية ١] و﴿بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِبِهَا﴾ [سورة هود: الآية ٤١] بين الباء والسين ولم تظهر بين السين والميم، فلو لم تظهر في باسم السفينة ما جرت السفينة، ولو لم تظهر في اقرأ باسم ربك ما علم المثل حقيقته ولا رأى صورته، فتيقظ من سنة الغفلة وانتبه، فلما كثر استعمالها في أوائل السور حذفت لوجود المثل مقامه في الخطاب وهو الباء فصار المثل مرآة للسين فصار السين مثالاً، وعلى هذا الترتيب نظام التركيب، وإنما لم تظهر بين السين والميم وهو محل التغيير، وصفات الأفعال أن لو ظهرت لزال السين والميم إذ ليسوا بصفة لازمة للقديم مثل الباء فكان خفاؤه عنهم رحمة بهم إذ كان سبب بقاء وجودهم ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] وهو الرسول، فهذه الباء والسين والميم العالم كله. ثم عمل الباء في الميم الخفض من طريق الشبه بالحدوث، إذ الميم مقام الملك وهو العبودية وخفضتها الباء عرفتها بنفسها وأوقفتها على حقيقتها، فمهما وجدت الباء وجدت الميم في مقام الإسلام، فإن زالت الباء يوماً ما لسبب طارىء وهو ترقي الميم إلى مقام الإيمان فتح في عالم الجبروت بسبّح وأشباهه فأمر بتنزيه المحل لتجلي المثل فقيل له ﴿سَيِجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] الذي هو مغذيك بالموادّ الإلهية، فهو ربك بفتح الميم وجاءت الألف ظاهرة وزالت الباء لأن الأمر توجه عليها بالتسبيح ولا طاقة لها على ذلك، والباء محدثة مثلها والمحدث من باب الحقائق لا فعل له ولا بدّ لها من امتثال الأمر، فلا بدّ من ظهور الألف الذي هو الفاعل القديم، فلما ظهر فعلت القدرة في الميم التسبيح فسبح كما أمر، وقيل له الأعلى لأنه مع الباء في الأسفل وفي هذا المقام في الوسط، ولا يسبح المسبح مثله ولا من هو دونه فلا بد أن يكون المسبح أعلى، ولو كنّا في تفسير سورة ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] لأظهرنا أسرارها فلا يزال في هذا المقام حتى يتنزّه في نفسه، فإن من ينزّهه منزّه فإنه منزه عن تنزيهه، فلا بدّ من هذا التنزيه أن يعود على المنزّه ويكون هو الأعلى، فإن الحق من باب الحقيقة لا يصحّ عليه الأعلى، فإنه من أسماء الإضافة وضرب من وجوه المناسبة، فليس بأعلى ولا أسفل ولا أوسط، تنزّه عن ذلك وتعالى علوّاً كبيراً، بل نسبة الأعلى والأوسط والأسفل إليه نسبة واحدة، فإذا تنزّه خرج عن حد الأمر وخرق حجاب السمع وحصل المقام الأعلى، فارتفع الميم بمشاهدة القديم، فحصل له الثناء التام بـ ﴿نَبَرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْمَلِ وَالْأَكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٧٨] فكما أن الاسم عين المسمّى كذلك العبد عين المولى من تواضع لله رفعه الله. ١٦٠ في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ وفي الصحيح من الأخبار أن الحق يد العبد ورجله ولسانه وسمعه وبصره، لو لم يقبل الخفض من الباء في باسم ما حصل له الرفع في النهاية في تبارك اسم. ثم اعلم أن كل حرف من بسم مثلث على طبقات العوالم، فاسم الباء باء وألف وهمزة، واسم السين سين وياء ونون، واسم الميم ميم وياء وميم والياء مثل الباء وهي حقيقة العبد في باب النداء، فما أشرف هذا الموجود كيف انحصر في عابد ومعبود، فهذا شرف مطلق لا يقابله ضد، لأن ما سوى وجود الحق تعالى ووجود العبد عدم محض لا عين له، ثم إنه سكن السين من بسم تحت ذلّ الافتقار والفاقة كسكوننا تحت طاعة الرسول لما قال: من يطع الرسول فقد أطاع الله فسكنت السين من بسم لتتلقى من الباء الحق اليقين، فلو تحركت قبل أن تسكن لاستبدّت بنفسها وخيف عليها من الدعوى وهي سين مقدسة فسكنت، فلما تلقت من الباء الحقيقة المطلوبة أعطيت الحركة فلم تتحرك في بعضِ المواطن إلاَّ بعد ذهاب الباء، إذ كان كلام التلميذ بحضور الشيخ في أمر ما سوء أدب إلاَّ أن يأمره فامتثال الأمر هو الأدب، فقال عند مفارقة الباء يخاطب أهل الدعوى تائهاً بما حصل له في المقام الأعلى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٦] ثم تحرك لمن أطاعه بالرحمة واللين فقال: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧٣] يريد حضرة الباء، فإن الجنة حضرة الرسول عليه السلام، وكثيب الرؤية حضرة الحق، فاصدق وسلم تكشف وتلحق، فهذه الحضرة هي التي تنقله إلى الألف المرادة، فكما أنه ينقلك الرسول إلى الله كذلك تنقلك حضرته التي هي الجنة إلى الكثيب الذي هو حضرة الحق. ثم اعلم أن التنوين في بسم لتحقيق العبودة وإشارات التبعيض، فلما ظهر منه التنوين اصطفاه الحق المبين بإضافة التشريف والتمكين فقال بسم الله فحذف التنوين العبديّ لإضافته إلى المنزل الإلهيّ، ولما كان تنوين تخلق لهذا صحّ له هذا التحقق وإلاَّ فالسكون أولى به فاعلم. انتهى الجزء التاسع. (الجزء العاشر) بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَميدِ وصل: قوله (الله) من (بسم الله). ينبغي لك أيها المسترشد أن تعرف أولاً ما تحصل في هذه الكلمة الكريمة من الحروف وحينئذ يقع الكلام عليها إن شاء الله وحروفها ا ل ل اه و. فأول ما أقول كلاماً مجملاً مرموزاً ثم نأخذ في تبيينه ليسهل قبوله على عالم التركيب، وذلك أن العبد تعلق بالألف تعلق من اضطرّ والتجأ فأظهرته اللام الأولى ظهوراً ورثه الفوز من العدم والنجاة، فلما صحّ ظهوره وانتشر في الوجود نوره وصحّ تعلّقه بالمسمّى وبطل تخلّقه بالأسماء أفنته اللام الثانية بشهود الألف التي بعدها فناء لم تبق منه باقية، وذلك عسى ينكشف له المعمي، ثم جاءت الواو بعد الهاء لتمكن المراد وبقيت الهاء لوجوده آخراً عند محو العباد من أجل العناد فذلك أوان الأجل المسمّى، وهذا هو المقام الذي تضمحل فيه أحوال السائرين وتنعدم فيه مقامات السالكين