Indexed OCR Text

Pages 261-280

يتصرف فيها كيف يشاء، ويقسمها كما أراد. كما في قوله تعالى: ﴿يسألونك
عن الأنفال قل الأنفال الله والرسول ... ﴾(١) الآية. ويحتمل أن يراد لم يحل
شيء منها لغيره وَ ل ﴿ وأمته. وفي بعض الأحاديث: ((أحل لنا الخُمس)).
أخرجه ابن حبان في صحيحه. قلت: قد يجاب عن هذا بأن الخمس خص
منها لشرفه.
المسألة العاشرة: جعلت أمته شهداء يوم القيامة على الأمم
بتبليغِ الرسل إليهم رسالاتهم. قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة
وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ... ﴾(٢) الآية. ومستندهم في الشهادة
وإن لم يروا ذلك: إخبار الله تعالى لهم به في قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح
المرسلين﴾(٣)، ﴿كذبت عاد﴾(٤). ﴿كذبك ثمود﴾(٥). ﴿فكذّبوا رسلي﴾(٦)
ونحوها. من الآيات.
= التصانيف الجيدة. ولد في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بقرب ينبع من الحجاز،
وتوفي في صفر سنة اثنتين وسبعمائة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٨١ .
(١) سورة الأنفال: الآية ١ .
(٢) سورة البقرة: الآية ١٤٣.
(٣) سورة الشعراء: الآية ١٠٥.
(٤) سورة الشعراء: الآية ١٢٣.
(٥) سورة الشعراء: الآية ١٤١ .
(٦) سورة سبأ: الآية ٤٥.
قلت: ومعنى هذا أن الرسل تدعي البلاغ إلى أممهم رسالات ربهم فتنكر الأمم ذلك
عليهم فيلتمسون من يشهد لهم. فلا يجدون أهلًا لذلك إلا أمة محمد عليه لما أعلمهم الله
تعالى من خبرهم في القرآن العظيم، فيشهدون لهم عليهم.
أخرج خ في الجامع الصحيح ٣١٦/١٢، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله وسلم: ((يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب . =
٢٦١

المسألة الحادية عشرة: أصحابه عليه الصلاة والسلام خير
الأمة فكل منهم أفضل من كل من بعده، وإن رقي في العلم والعمل(١).
وخالف ابن عبدالبر فيه وقال: قد يأتي بعدهم من هو أفضل من بعضهم،
وأفضلهم عند أهل السنة الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، ثم بقية
العشرة، وفضل بعضهم علياً على عثمان(٢). وفضل بعضهم من مات في
حياته على من بقي بعده (٣).
= فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول: من شهودك؟ فيقول:
محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون)). ثم قرأ رسول الله ( 1: ﴿وكذلك جعلناكم أمة
وسطاً ... ) الآية.
(١) هذا ما عليه جمهور العلماء، لقوله ويتر: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم)) قالها ثلاثاً أو
اثنتين. وإفاضة ثناء الله عليهم في كتابه الكريم مثل قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله
والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ﴾ والآيات - في هذا - كثيرة واضحة.
ونقل ابن علان عن ابن جرير في كتاب السنة له عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما،
قال: قال رسول الله *: ((إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين
والمرسلين))، اهـ ص ٤٠ من المخطوطة.
قلت: كفاهم شرف الصحبة والاستماع إليه والجهاد معه وغيرها من المزايا التي لا
تتطاول إليها الأعناق.
وحديث: ((خير القرون قرني)). أخرجه البخاري، في كتاب الشهادات ١٥٨/٥ - ١٥٩،
من حديث عمران بن حصين وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم، ومسلم في الصحيح
١٨/١٦، في باب فضائل الصحابة، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وأخرج
أيضاً، من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين، بلفظ مقارب وشك الراوي أقالها -
يعني بعد قرن النبوة - ثلاثاً أو اثنتين؛ ومن حديث أبي سعيد من وجه آخر، والله أعلم.
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ١٦/٧، ونصه فيه: وذهب بعض السلف إلى تقديم
علي على عثمان. وممن قال به سفيان الثوري ويقال: إنه رجع عنه.
(٣) ذكره الحافظ في الفتح ١٧/٧، ولفظه: وذهب قوم إلى أن أفضل الصحابة من استشهد
في حياته ويقل، وعين بعضهم منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يسم قائله،
والله أعلم.
=
٢٦٢

المسألة الثانية عشرة: جعلت صفوف أمته كصفوف الملائكة(١).
المسألة الثالثة عشرة: له وَلّ شفاعات:
أ - أولاهن الشفاعة العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه
بعد الأنبياء، كما ثبت في الصحيح في حديث الشفاعة(٢).
ب - والثانية في جماعة يدخلون الجنة بغير حساب (٣).
جـ ـ والثالثة في ناس استحقوا دخول النار (٤).
= ونقل الحافظ في الفتح هنا عن البيهقي في الاعتقاد، عن أبي ثور، عن الشافعي رضي الله
عنه، أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم، على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
(١) ويدل له حديث حذيفة. أخرجه مسلم في الصحيح ٤/٥، ولفظه - بسنده إلى حذيفة -
قال: قال رسول الله : ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف
الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد
الماء ... )) الحديث.
(٢) أ- أخرجه خ ١٣ /٤٧٧، من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه - بسنده إليه - قال:
قال رسول الله مثل: ((يجمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا
من مكاننا هذا، فيأتون آدم: أنت آدم أبو البشر ... )) الحديث. أخرجه مطولاً ومختصراً
من حديث أنس.
ب - أخرجه م في الصحيح ٦٥/٣، في كتاب الإيمان، من حديث أبي هريرة الطويل،
كما يأتي إن شاء الله تعالى.
جـ ـ وأخرجه ت بطوله ١٢١/٧، في باب ما جاء في شأن الصراط من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
(٣) أ- أخرجه خ ١٠٦/١١، من حديث أبي هريرة بلفظ: سمعت رسول الله صل* يقول:
((يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر،
فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني
منهم ... )) الحديث بطوله.
ب - أخرجه م في الصحيح ٨٨/٣ من حديث أبي هريرة أيضاً.
(٤) أ - أخرجه د في السنن ٥٣٧/٢، عن أنس بن مالك، عن النبي بصير، قال: ((شفاعتي
لأهل الكبائر من أمتي)).
٢٦٣

د - والرابعة في ناس دخلوا النار فيخرجون(١).
هــ والخامسة في رفع درجات ناس في الجنة(٢).
والأولى مختصة به وكذا الثانية. قال النووي في الروضة (٣): ويجوز أن
تكون الثالثة والخامسة أيضاً، أي: والرابعة يشاركه فيها غيره من الأنبياء
والعلماء والأولياء.
وقال القاضي عياض: إن شفاعته لإخراج مَن في قلبه مثقال حبة من
إيمان (٤) مختصة به، إذ لم يأت شفاعة لغيره إلا قبل هذه.
= ب - وأخرجه ت مثله ١٢٧/٧، من حديث أنس وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم،
وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
جـ ـ وأخرجه أبو داود ٥٣٧/٢، في باب الشفاعة من طريق شيخه سليمان بن حرب،
ثنا بسطام بن حريث، عن أشعث الحداني، عن أنس بن مالك، عن النبي وح ليزر، قال:
((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)).
د - وأخرجه الإمام أحمد في المسند ١١٦/٣، من حديث أنس مطولاً.
هـ ـ وأخرجه الحاكم ٦٩/١، من حديث أنس أيضاً، من طريق ثابت، عن أنس. ومن
طريق قتادة، عنه. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وعلق الذهبي في التلخيص بقوله: وأخرجا حديث قتادة بطوله.
(١) أ - أخرجه البخاري في كتاب التوحيد ٤٧٤/١٣، من حديث أنس الطويل في إخراج
الموحدين من النار.
ب - أخرجه م في الصحيح ٦٥/٣.
(٢) قال الحافظ في الفتح ٤٢٨/١١ بعد نقل كلام القزويني هذا: ولم يذكر مستنده.
قلت: ذكر صاحب الفتح أنه يستدل بقوله : ((أنا أول شافع في الجنة)) حيث جعل
ظرفاً للشفاعة ولكنه لم يسلم هذا، والله أعلم.
(٣) ذكره في الروضة ١٣/٧. فراجعه هناك، والله الموفق.
(٤) كلام القاضي عياض هذا أوضحه الحافظ في الفتح ٤٣٨/١ بقوله: الشفاعة لخروج من
في قلبه مثقال ذرة من إيمان، لأن شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك؛ قاله
عیاض، اهـ.
قلت: هذا الذي دل عليه حديث أنس في الصحيح، وقد تقدم.
٢٦٤

و - وأهمل النووي شفاعة سادسة، وهي تخفيف العذاب على من
استحق الخلود فيها كما في حق أبي طالب في إخراجه من غمرات النار إلى
ضحضاحها(١).
ز - والسابعة: وهي الشفاعة لمن مات بالمدينة؛ لما روى الترمذي
وصحّحه، عن ابن عمر، أن النبي ◌َّ ه قال: ((من استطاع أن يموت بالمدينة
فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها))(٢). نبه - على هذه والتي قبلها - القاضي
عیاض في الإكمال. وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص
رفعه: ((لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم
القيامة))(٣). فهذه شفاعة أخرى خاصة بأهل المدينة.
وكذلك الشهادة زائدة على شهادته للأمة. وقد قال عليه الصلاة
والسلام في شهداء أحد: ((أنا شهيد على هؤلاء))(٤).
(١) خرجاه في الصحيحين، من حديث العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه: خ ١٩٣/٧،
من حديث العباس رضي الله عنه، م ٨٤/٣ - ٨٥، من حديث العباس بن عبدالمطلب
أيضاً.
وهذه خاصة للنبي #1 في خصوص أبي طالب.
(٢) أخرجه الترمذي في الجامع ٤١٣/١٠، من حديث ابن عمر، وقال: حسن صحيح
غريب من هذا الوجه، من حديث أيوب السختياني، قال في التحفة ٤١٣/١٠: أخرجه
ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي. قال في التحفة: وأيضاً أخرجه الطبراني
في الكبير بنحو حديث ابن عمر، من حديث صميتة امرأة من بني ليث، أنها سمعت
رسول الله * يقول ... الحديث. أخرجه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي.
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ٥١/٩، من حديث ابن عمر وأبي هريرة، رضي الله عنهما،
بلفظ: ((من صبر على لأوائها كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة)). ولفظ أبي هريرة:
(لا يصبر على لأواء المدينة أحد من أمتي إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة أو شهيداً)).
(٤) أخرجه خ ٣٧٤/٧، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، ولفظه بعد سياق
سنده إلیه: أن رسول الله پے يجمع بين الرجلین من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول:
((أيهم أكثر أخذاً بالقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد، وقال: ((أنا شهيد على
هؤلاء يوم القيامة)). وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلُّ عليهم ولم يغسلوا.
٢٦٥

وفي العروة الوثقى للقزويني(١) أن من شفاعاته شفاعته لجماعة من
صلحاء المؤمنين، فيتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات. وأطلق الرافعي
أن من خصائصه شفاعته في أهل الكبائر. وفي ذلك نظر، فإن المختصة به
ليست في مطلق أهل الكبائر(٢).
المسألة الرابعة عشرة: أنه أول شافع وأول مشفع، أي: أول
من تجاب شفاعته؛ فقد يشفع اثنان ويجاب الثاني قبل الأول (٣).
المسألة الخامسة عشرة: أنه أول من تنشق عنه الأرض يوم
القيامة (٤). وحديث: ((فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان
ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى(٥) الله))، يحتمل كما قال القاضي
عياض: أنه عليه الصلاة والسلام قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه
الأرض على الإطلاق. قال: ويجوز أن يكون معناه أنه من الزمرة [الذين
أول من تنشق عنهم الأرض فيكون موسى من تلك الزمرة](٦). وهُم - والله
أعلم - زمرة الأنبياء عليهم السلام.
(١) قال الحافظ في الفتح ٤٢٨/١١ بعد نقل القزويني هذا: ولم يذكر مستنده. ثم قال:
يمكن أن يستدل بقوله وله: ((أنا أول شافع في الجنة)). حيث جعل الجنة ظرفاً للشفاعة،
ولكنه لم يسلم هذا الاستدلال، والله أعلم.
(٢) بل من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان. أو أهل الكبائر من أمته . كما صح ذلك
الخبر.
(٣) خرجه م في الصحيح ٣٧/١٥، من حديث أبي هريرة، بلفظ: ((أنا سيد ولد آدم يوم
القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع ... الحديث.
(٤) ويدل له هذا الحديث المتقدم.
(٥) أخرجه خ في الصحيح ٤٣٠/٦، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي وثيقة
قال: ((الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من
قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور)).
(٦) المثبت من (ش).
٢٦٦

المسألة السادسة عشرة: أنه أول من يقرع باب الجنة(١).
المسألة السابعة عشرة: أنه سيد ولد آدم يوم القيامة، كذا عبر
به الرافعي، وهو لفظ رواية مسلم من حديث(٢) أبي هريرة. وفي رواية له
وللبخاري: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)). عزاها إليهما(٣) البيهقي في دلائل
النبوة. ثم رواه من حديث أنس رضي الله عنه أيضاً باللفظ المذكور،
بزيادة: ((ولا فخر)). ثم رواه من حديث ابن عباس بلفظ: ((ألا وإني سيد
ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)».
وهو سيد ولد آدم مطلقاً كما عبّر به النووي في الروضة (٤). والسيد
الذي يفوق قومه، وإنما خص يوم القيامة بذلك لظهور ذلك اليوم لكل
أحد من غير منازعة، كما في قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم .. ﴾(٥) وإنما
أخبر عليه الصلاة والسلام بذلك لأمرين:
أحدهما: امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وأما بنعمت ربك فحدث﴾ (٦).
(١) أ- أخرجه م في الصحيح ٧٣/٣، من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: ((أنا أكثر
الأنبياء تبعاً يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة)).
ب - وذكره السيوطي في الجامع الصغير، بلفظ: ((آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن:
من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك)). ورمز السيوطي.
إلى أن الإمام أحمد ومسلماً خرّجاه، ورمز له أيضاً بالصحة.
(٢) تقدم هذا قريباً ص ٢٦٦.
(٣) رواية: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)). متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه خ ٣٧١/٦، ولفظه: كنا مع النبي ◌َّر في دعوة فرفعت إليه الذراع - وكانت
تعجبه - فنهس منها نهسة وقال: ((أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون بمن؟ يجمع الله
الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي وتدنو منهم
الشمس فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه ... الحديث بطوله. وأخرجه
مسلم في الصحيح ٦٥/٣، من حديث أبي هريرة أيضاً.
(٤) ذكره في الروضة ١٣/٧.
(٥) سورة غافر: الآية ١٦ .
(٦) سورة الضحى: الآية ١١.
٢٦٧

والثاني: بأنه من البيان الذي عليه تبليغه على أمته، ليعرفوه ويعملوا
بمقتضاه. ويلزم من ذلك تفضيله على جميع الخلق، لأن مذهب أهل
السنة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة(١).
وأما حديث: ((لا تفضلوا بين الأنبياء))(٢). فجوابه من أوجه ذكرتُها
في شرح المنهاج والتنبيه؛ واقتصر البيهقي في دلائل النبوة على أنه محمول على
مجادلة أهل الكتاب في تفضيل نبينا على أنبيائهم، لئلا يؤدي إلى الإزراء(٣).
ونقله عن الحليمي. ثم نقل عن الخطابي أيضاً: أن النهي عن ذلك
خوف الإزراء.
قال الخطابي: والجمع - بين حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((أنا
سيد ولد آدم)) وحديث ابن عباس: ((ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا)) وفي
رواية: ((إني خير من يونس بن متى))(٤) - ظاهر. لأن الأول إخبار عما
أكرمه الله تعالى به من التفضيل والسؤدد والثاني مؤول بوجهين:
أحدهما: أن المراد بالعبد من سواه دون نفسه.
(١) هذا مما خاض العلماء فيه قديماً وحديثاً، ولكنه لا نص فيه على وجه القطع، والله تعالى
أعلم.
(٢) أخرجه خ ٤٤١/٦. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ: ((استب رجل من
المسلمين ورجل من اليهود ... )) الحديث. وفيه قال: ((لا تخيروني على موسى ... ))
الحديث بطوله. وقال الحافظ في الفتح ٤٤٤/٦: في رواية ابن الفضل فقال: ((لا
تفضلوا بين أنبياء الله)).
قلت: فهي الموافقة لرواية المصنف رحمه الله تعالى.
وفي حديث أبي سعيد: ((لا تخيروا بين الأنبياء)).
(٣) وأجاب الحافظ في الفتح ٤٤٦/٦: قال العلماء: إنما نهي عن ذلك من يقوله برأيه لا من
يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة
والتنازع. انظر مسألة التفضيل بين الأنبياء في العقيدة الطحاوية (ص ١٦٩ - ١٧٤).
(٤) أخرجه خ ٤٢٨/٦، من حديث ابن عباس، في كتاب الأنبياء عليهم السلام. وزاد:
(ونسبه إلى أبيه)).
٢٦٨

ثانيهما - وهو أولاهما -: أنه قاله إظهاراً للتواضع. ويقول: لا
ينبغي لي أن أقول: أنا خير منه، لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله لا
من قبل نفسي، فليس لي أن أفتخر بها. وإنما خص يونس بالذكر فيما
نرى - والله أعلم - لما قد قص الله علينا من شأنه. وما كان من قلة صبره(١)
على أذى قومه وخرج مغاضباً فلم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
وقال الخطابي في موضع آخر: وجه الجمع بينهما أن هذه
السيادة في القيامة إذا قدم في الشفاعة على جميع الأنبياء. وإنما منع أن
يفضل على غيره منهم في الدنيا، وإن كان مفضلاً في الدارين من قبل الله.
ومعنى («لا فخر)»، أي: لا أقول هذا القول على سبيل الفخر الذي يدخله
الكبر (٢).
وأما قوله عليه الصلاة والسلام - لما قال له ذلك الرجل: يا خير
البرية -: ((ذاك إبراهيم عليه السلام)). رواه مسلم من حديث أنس(٣).
ففيه جوابان :
أحدهما: أنه قاله تواضعاً واحتراماً لإبراهيم عليه السلام لخلته
وأبوته. وذكره البيهقي بنحوه في دلائل النبوة .
وثانيهما: أنه قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم(٤).
(١) هذا التعبير في نفسي منه شيء، وددت لو آثر المصنف رحمه الله تعالى عبارة غير هذه بأن
يقول: حيث خرج مغاضباً لقومه قبل أن يأذن الله له.
(٢) ولما كان مَنْ ذكر نفسه إنما يذكرها افتخاراً في الغالب أراد ◌َ ﴿ أن يقطع من يتوهم أنه
ذكر ذلك افتخاراً، فقال: ((ولا فخر)».
(٣) أخرج م في الصحيح ١٢١/١٥، من حديث أنس رضي الله عنه.
(٤) ذكر النووي رحمه الله تعالى هذين الجوابين وغيرهما. انظر ١٢١/١ - ١٢٢، من شرح
النووي على مسلم.
٢٦٩

وجواب ثالث ذكره ابن العربي: أن قوله ذاك إبراهيم يعني بعده.
وضعّفه ابن دحية في كتابه المستوفى في أسماء المصطفى، قال: والصحيح
الجواب الثاني. فإن قلت: هذا خبر لا يدخله خلف ولا نسخ. فالجواب
من وجهين، أحدهما: أن المراد خير البرية الموجودين في عصره. وأطلق
العبارة الموهِمة للعموم، لأنه أبلغ في التواضع(١). ثانيهما: أنه إن كان خبراً
فالنسخ يدخله لأن التفضيل يمنحه الله لمن يشاء.
المسألة الثامنة عشرة: أنه أكثر الأنبياء أتباعاً (٢).
المسألة التاسعة عشرة: صفوف أمته كصفوف الملائكة (٣).
(١) هذا كله ثابت في كلام النووي في الشرح المذكور.
قلت: من أراد التوسع في مسألة التفضيل بين الأنبياء فليراجع العقيدة الطحاوية
(ص ١٦٩ - ١٧٤) فإنه شفى وكفى، والله الموفق.
(٢) يدل له حديث ابن عباس في الصحيحين.
أ - أخرجه خ ١٥٥/١٠ بلفظ: قال رسول الله وص له: ((عرضت علي الأمم فجعل النبي
والنبيان يمرون معهم الرهط ... )) الحديث بطوله.
ب - وكذلك حديث أبي هريرة المتفق عليه بلفظ: ((ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من
الآيات ما مثله أُوْمِن - أو آمن - عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ
فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)). هذا لفظ البخاري، في ٢٤٧/١٣، ومسلم
في الصحيح ١٨٦/٢ نحواً من ذلك.
وهو كذلك؛ فهو ◌َّلي أكثر الأنبياء أتباعاً لبقاء شريعته ولدوام معجزته القرآن الكريم الذي
هو أصل شريعته، ولله الفضل والمنة .
ويدل له أيضاً حديث ابن مسعود. أخرجه خ في الجامع الصحيح ٣٧٨/١١ ولفظه - بعد
سياق سنده إليه - قال لنا رسول الله وسلم: ((أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)) قال:
فكبرنا. ثم قال: ((أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟)) قال: فكبرنا، ثم قال: إني
أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة
بيضاء، في ثور أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض. وأخرجه م في الصحيح ١٣٨/١،
من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أيضاً. فهو متفق عليه.
(٣) تقدم هذا، وفيه هنا تكرار، دل عليه حديث حذيفة أخرجه م ٤/٥. بلفظ: ((فضلنا
على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ... )) الحديث.
٢٧٠

المسألة العشرون: كان لا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء عليهم
السلام، كما أخرجه البخاري في حديث الإسراء(١).
المسألة الحادية والعشرون: يرى من وراء ظهره كما ينظر
أمامه. قال في الشامل(٢): ومعنى ذلك الحس والتحفظ.
ومن الغريب المستفاد ما ذكره الزاهدي(٣) مختار بن محمود الحنفي شارح
القدوري ومصنف القنية في رسالته الناصرية: أنه عليه الصلاة والسلام
(١) أخرجه خ في المناقب ٥٧٩/٦، من حديث أنس مختصراً ومطولاً. وفي ١٣ /٤٧٨، من
حديث أنس أيضاً رضي الله عنه، بلفظ: ((وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)).
وهو حديث طويل يروي أنس قصة الإسراء بالنبي وَ ثير .
(٢) الشامل: كتاب لابن الصباغ في فروع الشافعية، له ذكر في مفتاح السعادة ٣٢٥/٢.
قلت: ويدل له الحديث الذي أخرجه خ في صحيحه ٢٠٨/٢ مع فتح الباري، من
حديث أنس بلفظ: ((أقيموا صفوفكم وتراضوا فإني أراكم من وراء ظهري ... ))
الحدیث.
وأخرجه م في الصحيح ١٤٩/٤، من حديث أنس رضي الله عنه، والإمام أحمد في المسند
١٨٢/٣.
وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤١/١: إن في الحديث معجزة للنبي ومصير،
ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة بالصلاة إذ لم يرد شيء من السنة أنه يرى كذلك خارج
الصلاة. وقيده الحافظ ابن حجر بحال الصلاة جمعاً بينه وبين حديث لا أعلم وراء هذا
الجدار.
قال النووي في شرح مسلم ١٤٩/٤ في باب الأمر بتحسين الصلاة: قال العلماء: إن الله
تعالى خلق له * إدراكاً في قفاه يبصر به من ورائه. وقد انخرقت العادة له * أكثر من
هذا وليس يمنع عن هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به، اهـ
كلام النووي. وهذا بمثابة رد على كلام الشامل، حيث تأوّل الحديث بما ذكر.
(٣) الزاهدي: هو الفقيه مختار بن محمود بن محمد أبو الرجاء القزويني نجم الدين الحنفي،
فقيه أصولي فرضي. من آثاره شرح مختصر القدوري في الفقه الحنفي. ولد سنة إحدى
وخمسين وخمسمائة، وتوفي في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، اهـ. معجم المؤلفين
١٥٥/٧.
٢٧١

كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط(١)، وكان يبصر بهما ولا يحجبهما
الثياب. وذكر في هذه الرسالة أنه قيل: ظهر على يد نبينا صل ألف معجزة،
وقيل: ثلاثة آلاف. وذكر في هذه الرسالة أيضاً: أن من معجزاته إنبات
النخلة في سنام البعير وإدراك ثمرها في الحال، ثم تناولها الحاضرون،
فمن علم الله منه أنه يؤمن كانت الثمرة حلوة في فمه، ومن علم أنه لا
يؤمن عاد حجراً في فمه(٢) !!.
المسألة الثانية والعشرون: تطوعه بالصلاة قاعداً كتطوعه قائماً،
وإن لم يكن عذر. وتطوع غيره على النصف. قاله صاحب التلخيص
والبغوي والرافعي، وأنكره القفّال(٣) وقال: لا يعرف هذا بل هو كغيره.
وهو غريب فهو ذهول عما في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن
عمرو بن العاص، قال: أتيت رسول الله وَ﴿ يصلي جالساً فقلت: حدثت
يا رسول الله أنك قلت: «صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة» وأنت
تصلي قاعداً؟ قال: ((أجل، ولكني لست كأحد منكم)) (٤). لا جرم قال
النووي في الروضة(٥): المختار الأول. وقال في شرح مسلم في باب صلاة
الليل: إنه الصواب الذي قاله أصحابنا. وذكر هذه الخصيصة القضاعي
فيما خص به دون الأنبياء قبله.
= وكلامه الذي نقله المصنف لا يسوي شيئاً، ولذلك لا تثبت به خصوصية كما علقنا عليه
من قبل. قلت: لعل المصنف كتب هذا الكلام استغراباً وتعجباً وإلا فهو مقتنع بعدم
صحته .
(١) سم الخياط: هي الإبرة.
(٢) ولا يصح هذا الكلام الذي قاله المصنف فضلاً عن الحديث به في الخصوصية، إذ لا
خصوصية إلا بدليل صحيح، والله أعلم.
(٣) ولا معنى لإنكاره كما ينبه إليه المصنف رحمه الله تعالى.
(٤) أخرجه مسلم في الصحيح ١٤/٦؛ قال النووي في شرحه على مسلم: هذا معدود
من الخصائص عند أصحابنا وغيرهم، اهـ.
(٥) ذكره فيها ١٤/٧ .
٢٧٢

المسألة الثالثة والعشرون: يخاطبه المصلي بقوله سلام عليك أيها
النبي، ولا يخاطب سائر الناس(١).
المسألة الرابعة والعشرون: لا يجوز لأحد رفع صوته فوق
صوته، قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت
النبي ... ﴾(٢) الآية. ولا أن يناديه من وراء الحجرات. قال الله تعالى(٣):
﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ... ﴾ (٤) الآية. فإن قيل: قد ثبت
في الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استأذن على النبي وله
وعنده نسوة من قريش يكلمنه عالية أصواتهن(٥)؛ فالجواب يحتمل أن يكون
ذلك قبل النهي. ويحتمل أن يكون علو الصوت كان بالهيئة الاجتماعية لا
بانفراد كل واحدة منهن. ذكره القاضي عياض.
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿ولا تجهروا له بالقول ... ) الآية،
(١) هذا معلوم من حديث التشهد أن المصلي يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته. ذكره النووي في الروضة ١٤/٧ .
(٢) سورة الحجرات: الآية ٢.
(٣) سورة الحجرات: الآية ٤.
(٤) ثبت على هامش (ن د): نهى الله تعالى عن رفع الأصوات فوق صوته وشدد النهي
بقوله: ﴿أن تحبط﴾ أي: مخافة أن تحبط أعمالكم لارتكابكم هذا الذنب، فدل ذلك
على أنه حرام، بل إنه كبيرة لأنه توعد على ذلك بإحباط العمل.
(٥) أخرجه البخاري ٥٠٤/١، من حديث أنس، عن عمر في موافقته للكتاب العزيز،
وأطرافه: ٤٤٨٣، ٤٧٩٠، ٤٩١٦، ولم يذكر فيه لفظة: عالية أصواتهن. في رواية
البخاري .
وأخرجه مسلم في الصحيح ٨١/١٠: (ثم أقبل عمر فأذن له فوجد النبي صل﴿ جالساً حوله
نساؤه واجماً ساكتاً ... )) الحديث. وأخرجه أيضاً في كتاب الفضائل ١٦٤/١٥، في
فضائل عمر رضي الله عنه، من حديث محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه. وفي
هذه الرواية ثبتت لفظة ((عالية أصواتهن)). كما جاءت عند المؤلف رحمه الله تعالى.
٢٧٣

أي: لا تخاطبوه يا أحمد يا محمد. ولكن يا نبي الله يا رسول الله توقيراً له.
وقيل: لا تجهروا، أي: عليه كجهر بعضكم بعضاً، الكاف كاف التشبيه،
أي: لا تجهروا له جهراً مثل جهر بعضكم لبعض(١) وفي هذا دليل على
أنهم لم يُتهوا عن الجهر مطلقاً حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس
والمخافتة(٢). وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة. قال: وكره بعضهم
رفع الصوت عند قبره وچ .
وكره بعضهم رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفاً لهم إذ هم ورثة
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
المسألة الخامسة والعشرون: لا يجوز أن ینادیه باسمه فیقول: یا
محمد يا أحمد.
ولكن يقول: يا نبي الله يا رسول الله، لما تقدم من حديث أنس:
أن رجلاً من أهل البادية جاء فقال: يا رسول الله(٣) أتانا رسولك فزعم لنا
أنك تزعم أن الله أرسلك ... الحديث لعله كان قبل النهي، أو لم يبلغه
النهي .
وروى يعقوب بن أبي إسحاق بن أبي إسرائيل، عن ابن حميد(٤)،
(١) هذا أشبه في هذه المسألة. وأما التأويل الثاني فقد جاء أصرح منه وهو قوله تعالى: ﴿لا
تجعلوا دعاء الرسول بينكم ... ) الآية.
(٢) وقد فعل ذلك أبو بكر وعمر، ولعل ذلك من باب الحيطة والتحفظ.
(٣) الصواب: فقال: يا محمد. أخرجه خ من حديث أنس ١٤٨/١. وهذا الرجل هو
ضمام بن ثعلبة .
(٤) ابن حميد الرازي: قال الحافظ في التقريب ١٥٦/٢: محمد بن حميد بن حيان الرازي،
حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، من العاشرة، مات سنة
ثلاثین. / د ت ق. ١٥٦/٢.
وذكره في التهذيب ١٢٦/٩.
وأما الحكاية التي ذكرت عن مالك فقد أكذبها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب التوسل
والوسيلة ١٥٤. قال: إنها كذب على مالك، وليس لها إسناد معروف، وذكر ص ٦٧ =
٢٧٤

قال: نَاظَرَ أميرُ المؤمنين أبو جعفر المنصور(١) - ثاني خلفاء بني العباس - الإمامَ
مالكاً في مسجد رسول الله وَ ال*1. وكان بين يدي الخليفة في ذلك اليوم
خمسمائة سيف. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا
المسجد، فإن الله عز وجل أدّب قوماً فقال: ﴿لا ترفعوا أصواتكم ... ﴾
الآية(٢). ومدح قوماً فقال: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم ... ﴾(٣) الآية.
وذمّ قوماً فقال: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ... ﴾ (٤) الآية.
وإن حرمة رسول الله وَله ميتاً كحرمته حياً. قال: فاستكان لها الخليفة أبو
جعفر المنصور، وقال: يا أبا عبدالله أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل
رسول الله وَه؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة
أبيك آدم عليه السلام، بل استقبله واستشفع به. قال تعالى: ﴿ولو
أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤك ... ) الآية(٥).
= الحكاية بإسناد غريب منقطع وهو: ثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات، ثنا أبو
الحسن علي بن فهر، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن فرح، ثنا أبو الحسن عبدالله بن
المنتاب، ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد، قال: ناظر أبو جعفر أمير
المؤمنين مالكاً ... القصة.
قال شيخ الإسلام: وهذه الحكاية منقطعة، فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً لا
سيما في زمان أبي جعفر المنصور، اهـ.
ثم قال: وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين عنه، ومحمد بن حميد
ضعيف عند أهل الحديث.
راجع كتاب التوسل والوسيلة ٦٧ - ٦٨ ٦٩٠٠ - ٧٠ فإنه شفى وكفى، فلله الحمد.
(١) أبو جعفر المنصور: هو الخليفة عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، وأمه
سلامة البربرية أم ولد. ولد سنة خمس وتسعين وأدرك جده ولم يرو عنه. ومات المنصور
سنة ثمان وخمسين ومائة. تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٥٩/١ .
(٢) سورة الحجرات: الآية ٢.
(٣) سورة الحجرات: الآية ٣.
(٤) سورة الحجرات: الآية ٤.
(٥) سورة النساء: الآية ٦٤.
٢٧٥

المسألة السادسة والعشرون: شعره طاهر(١) وإن نجسنا شعر
غيره من الناس. وكذلك بوله ودمه وسائر فضلاته على أحد الوجهين
لأصحابنا .
(١) هذا مبني على مذهب الشافعية من نجاسة شعر غير النبي صل﴾. والذي عليه جمهور
الفقهاء أن الشعر طاهر، وفصل أقوال الفقهاء أبو الوليد ابن رشد في البداية فقال:
اختلفوا في العظام والشعر، فذهب الشافعي على أن العظام والشعر ميتة، وذهب أبو
حنيفة على أنهما ليسا بميتة، وذهب مالك للفرق بين الشعر والعظم فقال: إن العظم ميتة
وليس الشعر ميتة، اهـ. ٧٨/١ من بداية المجتهد، قلت: ومعنى ميتة - في كلامهم -
لا تحله الحياة والحس، والله أعلم.
حاصل ما ذكره العسقلاني في المواهب اللدنية ٢٨٣/١ - ٢٨٥ قال: سئل الحافظ
عبدالغني المقدسي، هل روي أنه غير كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ قال: قد روي
ذلك من وجه غريب، والظاهر يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا
ذكره، وأما البول فقد شاهده غير واحد وشربته أم أيمن، والله أعلم، اهـ.
وأورد العسقلاني حديثاً عن البيهقي، من طريق شيخه أبي الحسين بن بشر، عن
إسماعيل بن محمد الصفّار، عن زيد بن إسماعيل الصائغ، عن الحسين بن علوان، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي ◌َّ إذا دخل
الغائط ... الحديث. قال البيهقي هذا من موضوعات ابن علوان.
وذكر العسقلاني طريقاً آخر عند الدارقطني في الأفراد، قال: ثنا محمد بن سليمان
الباهلي، ثنا محمد بن حسان الأموي، أنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة ... الحديث. ثم قال: محمد بن حسان بغدادي ثقة من رجال
الصحيح، وقال الدارقطني: شيخنا ثقة.
قلت: أكذَبه ابن الجوزي في الأحاديث الواهية، وكذا الذهبي في ترجمة حسين بن
علوان، وکذلك توثيق محمد بن حسان فيه نظر.
وأورد من سنن سعيد بن منصور، من طريق عمرو بن السائب، أنه بلغه أن مالكاً والد
أبي سعيد الخدري لما جرحٍ النبي # مص جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل: مجه،
فقال: لا والله لا أمجه أبداً ثم ازدرده ... الحديث.
وأخرج البزار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم في الحلية، من حديث
عامر بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه قال: احتجم رسول الله ولم وأعطاني الدم ...
الحدیث.
٢٧٦

وينبغي اختياره وقد صححه القاضي حسين من أصحابنا وكان
يستشفى ويتبرك ببوله ودمه، كذا عبارة النووي في الروضة. وعبارة
الرافعي : وكان يستشفى ويتبرك ببوله ودمه(١).
قال السهيلي: وفي شربٍ بوله ودمه من الفقه أنهما يخالفان بول غيره
ودمه في التحريم ولم ينكر - والله أعلم - ذلك للحديث الذي بيناه في نزول
الملكين عليه حين غسلا جوفه بالثلج في طشت الذهب فصار بذلك من
المطهرين.
(١) أما البول فقد ذكره السيوطي في الخصائص ٣٢١/٣، من حديث أم أيمن، عزاه لأبي
يعلى، والحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبي نعيم، عنها، قالت: قام النبي وَ ل من
الليل إلى فخارة فبال فيها فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها، فلما أصبح
أخبرته فضحك ... الحديث بتمامه.
أورده الحافظ في التلخيص الحبير ٣١/١، من مسنَد حسن بن سفيان. والمذكورين هنا
من حديث أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن أم أيمن.
قال الحافظ: أبو مالك ضعيف ونبيح لم يلق أم أيمن.
قلت: مع أن هذه الأحاديث لا تخلو طريق منها عن مقال فقد صحح الدارقطني، قال:
حسن صحيح. وأما حديث أبي طيبة الحجام: أنه شرب دم النبي لر فضعيف كما قال
العسقلاني. راجع المواهب اللدنية ٢٨٣/١ - ٢٨٥. هذا ما عندي والعلم عند الله
تعالى.
قال العسقلاني: حديث البول صحيح وعليه يقاس سائر الفضلات.
وأخرج الطبراني، والبيهقي بسند صحيح، عن حكيمة بنت أميمة، عن أمها، قالت:
كان للنبي * قدح من العيدان ... الحديث. أما الدم ففيه حديث عبدالله بن الزبير:
أنه شرب دم النبي صل﴿، عن سلمان الفارسي.
قال السيوطي: أخرج الغطريف في جزئه، والطبراني، وأبو نعيم، عن سلمان ...
الحديث ٣١٩/٣ من الخصائص الكبرى.
وأخرجه ابن حبان في الضعفاء، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه الدارقطني
في سننه، من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها.
وشعره طاهر كما قدمنا، ويدل له حديث أنس في الصحيحين، أن النبي وخلق لما حلق
شعره يوم النحر أمر أن يقسم بين الناس.
٢٧٧

واعلم أن الرافعي نقل عن أبي جعفر الترمذي(١): الطهارة في الكل،
وهو خلاف ما في الماوردي، حيث قال في حاويه في باب الأواني: وكان أبو
جعفر من أصحابنا يزعم أن شعر النبي بَّ وحده طاهر، وأن شعر غيره
من الناس نجس. لأنه عليه الصلاة والسلام حين حلق شعره بمنى قسمه
بین أصحابه، ولو كان نجساً لمنعهم منه.
قيل له: فقد حجمه أبو طيبة وشرب دمه بحضرته، أفتقول أن دمه
طاهر فركب الباب وقال: أقول بطهارته. قيل له: فقد روي أن امرأة
شربت بوله، فقال لها: ((إذاً لا ييجع بطنك)) أفتقول بطهارته قال: لا،
لأن البول منقلب من الطعام والشراب وليس كذلك الدم والشعر لأنهما من
أصل الخلقة .
وحاصل ذلك أنا لا نقول: بطهارة البول والغائط والقيء على
خلاف ما ذكره الرافعي. نعم، الخلاف ثابت عن غير أبي جعفر، حكاه
القفّال في شرح التلخيص في الخصائص وتلقاه منه جماعة.
المسألة السابعة والعشرون: من زنا بحضرته أو استهان به
كفر، جزم به الرافعي. وقال النووي في الروضة(٢): في الزنا نظر(٣).
المسألة الثامنة والعشرون: يجب على المصلّ إذا دعاه وَ سّ أن
يجيبه لقصة أبي سعيد بن المعلّ في صحيح البخاري (٤)، وأتى في الترمذي،
(١) أبو جعفر الترمذي: هو الإمام محمد بن أحمد بن نصر شيخ الإسلام. وفاته في سنة
خمس وستين ومائتين ونقل أنه اختلط بأخرة. له ترجمة في طبقات الشافعية للسبكي
١٨٧/٢.
(٢) ذكره النووي في الروضة ١٤/٧. فانظرها.
(٣) قال الحافظ في التلخيص ١٤٣/٣: أما الاستهانة فبالإجماع، وأما الزنا فإن أريد به أنه
يقع بحيث يشاهده فممكن لأنه يلتحق بالاستهانة وإن أريد بحضرته في زمانه فليس
بصحيح لقصة ماعز والغامدية، اهـ.
(٤) أخرجه خ في ١٥٦/٨، في كتاب التفسير من الصحيح، وحاصل قصة أبي سعيد بن =
٢٧٨

ولا تبطل صلاته. وفيهما وجه بعيد. وأبداهما الروياني في إجابة الوالد في
الصلاة(١). وذكر القضاعي هذه الخصيصة فيما خصَّ به من دون سائر
الأنبياء .
المسألة التاسعة والعشرون: أولاد بناته ينسبون إليه. وأولاد
بنات غيره لا ينسبون إليه في الكفاءة وغيرها. قال وسلم: ((كل سبب ونسب
ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي)). رواه الحاكم من حديث جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن عمر وقال: صحيح الإسناد(٢).
ومن حديث المسور بن مخرمة بزيادة: ((وصهرتي)). ثم قال:
صحيح .
وأخرجه الطبراني في أكبر معاجمه من حديث ابن عباس بإسناد لا
أعلم به بأساً.
وقد وقع لنا من حديث عمر بطريق آخر غير ما سلف. فلنذكره
= المعلى المشار إليها. أخرجه خ في كتاب التفسير ٣٠٧/٨ بعد سياق سنده قال رضى الله
عنه: كنت أصلي فمر بي رسول الله 18 فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته. فقال:
((ما منعك أن تأتي ألم يقل الله: ﴿يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما
يحييكم﴾. ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن .. )) الحديث بطوله.
(١) يتجه إذا كانت نافلة.
(٢) ١٤٢/٣، ١٥٨/٣، وقال: ((صهري)) بدل ((صهرتي)). وقال المناوي في شرح الجامع
الصغير ٢٠/٥ ورقم ٦٣٠٩ معلّقاً على هذا الحديث بقوله: أخرجه الطبراني والحاكم في
فضائل علي رضي الله عنه، والبيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: قال
عمر رضي الله عنه: فتزوجت أم كلثوم لما سمعت ذلك وأحببت أن يكون بيني وبينه
نسب وسبب. خرج هذا السبب البزار. قال: وروى الحديث الطبراني عن ابن عباس،
وعن المسور بن مخرمة وقال: قال الحاكم: صحيح. وقال الذهبي: بل منقطع. وقال
الهيثمي في المجمع ٢٧٢/٤ : رواه الطبراني ورجاله ثقات.
٢٧٩

بالإسناد على عادة الحفاظ الثقات: أنبأنا به الذهبي(١)، أنا أحمد بن
سلام(٢) إجازة، عن مسعود بن أبي منصور(٣)، أنا أبو على المقرىء (٤)، أنا
أبو نعيم (٥)، أنا (٦) أبو جعفر الحضرمي (٧)، أنا عباد بن زياد(٨)، أنا يونس بن
أبي يَعْفُور(٩)، عن أبيه (١٠)، سمعت ابن عمر (١١) قال: سمعت عمر يقول:
(١) الذهبي: هو الحافظ المؤرخ محمد بن أحمد بن عثمان بن قاماز شمس الدين أبو عبدالله
التركماني، مولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وتوفي ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة سنة
ثمان وأربعين وسبعمائة. وقد ألف كتباً قيمة تذخر بها المكتبة الإسلامية شرقاً وغرباً.
وله ترجمة في ذيول التذكرة ٣٤، ٣٧، ٣٤٧، ٣٤٩.
(٢) أحمد بن سلامة بن عبيدالله بن مخلد الكوفي أبو العباس الرطبي، أخذ عن الشيخين أبي
إسحاق وابن الصبّاغ (ت ٧٥٧ هـ) . له ترجمة في العبر ٧١/٤.
(٣) مسعود بن أبي منصور بن محمد الأصبهاني الرازي الخياط. روى عن الحداد
(ت ٥٩٤ هـ). له ترجمة في شذرات الذهب ٣٢١/٤.
(٤) أبو علي المقرىء: هو شيخ أصبهان ومقرئها في عصره. قال الذهبي في معرفة القراء
الكبار ٣٨٢/١: الحداد شيخ أصبهان ومقرئها. (م ٤١٩ - ت ٥١٥ هـ).
(٥) أبو نعيم: هو الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأحول (م ٣٣٦ - ت
٤٣٠ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١٠٩٢/٣.
(٦) وفي (ش): أنا أبو إسحاق ابن حمزة.
(٧) أبو جعفر الحضرمي: هو محمد بن حجر بن عبدالجبار بن وائل بن حجر. له ترجمة في
الكنى للدولابي ١٣٤/١.
(٨) عباد بن زياد أخو عبيدالله بن زياد. قال الحافظ في تقريب التهذيب ٣٩١/١: وثّقه ابن
حبان وكان والي سجستان سنة ثلاث وخمسين ومائة .
(٩) يونس بن أبي يعفور. له ترجمة في التقريب ٣٨٦/٢. قال: صدوق يخطىء كثيراً. وفي
تهذيب التهذيب ٤٥٢/١١ روی عن أبيه وأخيه والأسود بن قيس.
(١٠) أبو يعفور: قال في التقريب ٣٣١/٢: أبو يَعْفُور العبدي الكوفي مشهور بكنيته بفتح
الياء وإسكان العين وضم الفاء، وقدان، ويقال: اسمه واقد، ثقة، من الرابعة. وفي
التهذيب ١٢٣/١١.
(١١) ابن عمر: هو الصحابي الجليل أبو عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي
المدني الفقيه، أحد أعلام الأمة في العلم والعمل، هو شقيق حفصة أم المؤمنين
رضي الله عنهم أجمعين (ت ٧٤ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٣٧/١.
٢٨٠