Indexed OCR Text

Pages 181-200

عنهما. واحتج الشافعي رضي الله عنه بحديث لمس عائشة أخمص قدميه
على أن طهر الملموس لا ينتقض، وهذا يؤذن بانتفاء الخصوصية وإلا لما
حسن الاحتجاج به.
المسألة الخامسة عشرة: كان يجوز له أن يدخل المسجد جُنباً.
قاله صاحب التلخيص وفيه حديث في الترمذي(١) حسّنه مع الغرابة من
طريق أبي سعيد: ((يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري
وغيرك)). قلت: وفي حسنه نظر، ففيه سالم بن أبي حفصة(٢) وعطية
العوفي(٣) وهما ضعيفان جداً شيعيّان متهمان. ورواه البزار من حديث
= ونسب القول بعدم النقض مطلقاً بالملامسة باليد للأحناف.
وأوّلوا الملامسة التي في الآية بالجماع. ارجع إلى بداية المجتهد ٣٧/١ - ٣٨.
(١) أخرجه في الجامع ٢٣٢/١٠، في المناقب، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وزاد الترمذي - بعد تحسينه مع الغرابة -: أن البخاري سمع منه هذا الحديث واستغربه.
قال الشيخ المباركفوري في التحفة ١٣٣/١٠: أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال
أيضاً فيه: كثير النّاء، وهو غالٍ في التشيع .
قلت: قال الحافظ في التقريب ١٣١/٢: كثير بن إسماعيل أو ابن نافع النوّاء -
بالتشديد - أبو إسماعيل التميمي الكوفي، ضعيف من السادسة. / ت.
قال السيوطي في تعقباته: أخرجه الترمذي والبيهقي في سننه، من طريق سالم بن أبي
حفصة، عن عطية فزالت تهمة كثير، وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال النووي: إنما حسّنه الترمذي بشواهده، وورد من حديث سعد بن أبي وقاص.
أخرجه البزار، ومن حديث عمر بن الخطاب أخرجه أبو يعلى، وأم سلمة أخرجه
البيهقي في سننه، وعائشة أخرجه البخاري في تاريخه والبيهقي وجابر بن عبدالله أخرجه
ابن عساكر في تاريخه .
ومن مرسل أبي خازم الأشجعي أخرجه الزبير بن بكار في تاريخ المدينة.
(٢) قال الحافظ في التقريب ٢٧٩/١: سالم بن أبي حفصة العجلي، أبو يونس الكوفي،
صدوق في الحديث إلا أنه شيعي غالٍ، من الرابعة.
(٣) قال الحافظ في التقريب ٢٤/٢: عطية بن سعيد بن جُنّادة - بضم الجيم بعدها نون =
١٨١

سعد بن أبي وقاص، والطبراني في أكبر معاجمه من حديث أم سلمة. قلت
ومقتضى الحديث اشتراك علي رضي الله عنه معه في ذلك ولم يقل به أحد
من العلماء.
وذكر الترمذي عقب إيراده الحديث عن ضرار بن صرد: أن معنى
الحديث لا يحل لأحد يستطرقه جنباً غيري وغيرك (١). وهذا التفسير فيه
نظر لأن هذا الحكم لا يختص به بل أمته كذلك(٢). وأما القفّال(٣) فإنه لا
يسلم ذلك لصاحب التلخيص بل قال: لا أظنه صحيحاً(٤).
= خفيفة - العوفي الجدلي - بفتح الجيم - أبو الحسن، صدوق يخطىء كثيراً كان شيعياً
مدلساً، من الثالثة .
وفي السند أيضاً محمد بن فضيل بن غزوان. قال الحافظ في التقريب ٢٠٠/٢: محمد بن
فضيل بن غَزْوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي، مولاهم، أبو عبدالرحمن الكوفي،
صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة. /ع.
وبهذا يتضح أن تحسين الترمذي للحديث نظراً لكثرة الشواهد كما قال النووي، وإلا من
جهة السند فالذي أخرجه به الترمذي أقرب إلى الضعف منه إلى الحسن. وهو يقضي
على عدم الإسراع في نقض تحسين الترمذي لمكان هذا الاعتبار في كثير من الأحاديث
الواردة في هذا الكتاب، والله الموفق.
(١) ونصه: قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل
لأحد يستطرقه جنباً غيري وغيرك. تحفة الأحوذي ٢٣٢/١.
قال المباركفوري في التحفة: قال الطيبي: والإشارة في هذا المسجد مُشعرة بأن له
اختصاصاً بهذا الحكم، ليس لغيره من المساجد. وليس ذلك إلا لأن باب رسول الله وله
يفتح إلى المسجد، وكذا باب علي، اهـ. ٢٣٣/١٠.
(٢) كلام المصنف - رحمه الله تعالى - الذي ساقه في معرض رد تفسير ضرار بن صرد، غير
واضح عندي - لعله مبني على قواعد الشافعية أن الجنب له أن يستطرق المسجد، بمعنى
يمر به ولكنه يمنع من المكث فيه بالاتفاق.
(٣) القفّال: محمد بن علي بن إسماعيل القفّال الكبير الشاشي، الإمام الجليل أحد أئمة
الدهر، مولده سنة إحدى وتسعين ومائتين ووفاته سنة خمس وستين وثلاثمائة بالشاش.
(ط ش ك) ٢٠٠/٣.
١٨٢

وقال إمام الحرمين(١): هذا الذي قاله صاحب التلخيص هَوس لا
ندري من أين قاله؟ ولا إلى أي أصل أسنده، فالوجه القول بتخطئته.
قلت: إسناده إلى رواية الترمذي وتحسينه له وذلك هو غاية الفقيه
فلا وجه لتخطئته، وقد قوى النووي مقالته(٢). وذكر القضاعي هذه
الخصوصية فيما خُص بها من بين سائر الأنبياء وعبر باللبث دون الدخول،
فقال: ومنها أنه أبيح له اللبث في المسجد في حال جنابته (٣).
المسألة السادسة عشرة: قال ابن القاصّ: كان يجوز له وله
أن يلعن شيئاً من غير سبب يقتضيه لأن لعنته رحمة. واستبعده الأئمة،
لكن في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ولاته
قال: ((اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين
آذيته أو شتمته أو لعنته فاجعلها له زكاة وصلاة وقربة تقربه بها إليك يوم
القيامة))(٤)، وفي رواية لهما: ((إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما
= (٤) وحينئذ ففي ثبوت هذه الخصوصية نظر، ويأتي للمصنف تأييده لما قاله صاحب
التلخيص، وفي المسألة اضطراب.
(١) إمام الحرمين: هو عبدالملك بن عبدالله بن يوسف، تقدمت ترجمته ص ٦٩.
(٢) هذا إشارة إلى كلام النووي الذي قال فيه: إنما حسنه الترمذي بشواهده. ذكره
المباركفوري ٣٣٣/١٠.
(٣) قلت: لأن المرور لا بأس به عند فقهاء الشافعية كما تقدمت الإشارة إليه، والله الموفق.
(٤) هذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
أ - أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ١٧١/١١، في كتاب الدعوات، ولفظه: عن
أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي وسلم يقول: ((اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل
ذلك له قربة إليك يوم القيامة))، قال في الفتح: وظاهر سياقه أنه حذف منه شيء من
أوله. وقد بيّنه مسلم من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه بهذا الإسناد، بلفظ:
((اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه، فأيما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك
كفارة له يوم القيامة)) اهـ.
ب - أخرجه مسلم في الصحيح ١٦/ ١٥٠، في كتاب البر والصلة والآداب، من حديث =
١٨٣

رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة
تقربه بها إليك يوم القيامة، واجعل ذلك كفارة له إلى يوم القيامة))(١).
قال الرافعي: وهذا قريب من جعل الحدود كفارات لأهلها، قال
العلماء: وذلك في حق المسلمين كما نطق به الخبر (٢)، فإنه عليه الصلاة
والسلام دعا على الكفار والمنافقين ولم يكن لهم رحمة، فإن قيل: إن كان
أبي هريرة رضي الله عنه. ولفظه: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ومثل: ((اللهم إنما
=
أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة)).
وأخرج من حديث جابر بلفظ: ((زكاة وأجراً)).
ومن حديث عائشة رضي الله عنها. عن مسروق، عن عائشة، قالت: دخل على
رسول الله * رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو؟ فأغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرجا
قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان. قال: ((وما ذلك))، قالت:
قلت لعنتهما وسببتهما، قال: ((أو ما علمت ما شرطت عليه ربي؟))، قلت: ((اللهم إنما أنا
بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً».
وأتم الروايات في هذا هي إحدى روايات أبي هريرة عند مسلم. عن الأعرج، عن أبي
هريرة، أن النبي ◌َّ قال: ((اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر،
فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم
القيامة)). هذه الرواية موافقة لرواية المصنف.
قلت: ورواية أنس عند مسلم لها معنى زائد عن سائر الروايات. قلت: قد أوفى مسلم -
رحمه الله تعالى - الروايات المختلفة بألفاظ متعددة، وكلها تدور من حديث عائشة، وأبي
هريرة، وجابر رضي الله عن الجميع.
(١) من حديث أبي هريرة صحيح مسلم ١٥٣/١٦ .
(٢) قلت: وقد نصت رواية أنس عند مسلم ١٥٤/١٦ - ١٥٥: وفي الحديث قصة
حاصلها: أن النبي ( دعا على يتيمة كانت في حجر أم سليم فجاءت أم سليم إلى
النبي * فقالت في ذلك وهي وجلة، فضحك النبي رسالة ثم قال: ((يا أم سليم أما
تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى
البشر وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل
أن يجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة)).
١٨٤

يستحق الدعاء فكيف يجعل رحمة لهم، وإن كان لا يستحقه فكيف يدعو
عليه الصلاة والسلام من لا يستحق الدعاء؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: أنه يجوز أن يكون مستحقاً للدعاء عليه شرعاً. ولكن رأفته
عليه الصلاة والسلام وشفقته تقتضي أن يدعو له لارتكاب ما نهى عنه.
والعاصي أولى وأحق أن يدعى له وقد يكون الدعاء عليه سبباً لزيادة
عصيانه(١).
وثانيها: يجوز أن لا يكون مستحقاً للدعاء في الباطن، وهو مستحق
له في الظاهر، وهو عليه الصلاة والسلام إنما يحكم بالظاهر(٢).
وثالثها: يجوز أن يكون المراد به ما صدر منه على صيغة الدعاء
واللعن والسب، وليس المراد به حقيقته، كما جرت به عادة العرب في
كلامها. كقوله: تربت يمينك وعقري(٣) حلقي. فخشي عليه الصلاة
(١) يعني أن إيمانه جعله ليس أهلاً للدعاء عليه، وإن كان عاصياً، بل عصيانه مما يستدعي
الدعاء له كما يشير إليه كلام المصنف رحمه الله تعالى.
(٢) كما دلّ عليه الحديث الثابت في الصحيح. أخرجه البخاري في الجامع الصحيح
١٧٢/١٣، من كتاب الأحكام، من حديث أم سلمة زوج النبي بثقة، عن
رسول الله *، أنه سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: ((إنما أنا بشر وإنه
يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي بذلك،
فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها)). هذا دليل
على أن النبي ◌َ ﴿ ﴿ إنما كان يحكم بالظاهر، لأنه قدوة لمن بعده من الولاة.
(٣) حاصل ما ذكره المصنف - رحمه الله تعالى - أن هناك كلمات تستعملها العرب على صيغة
الدعاء وليس المراد حقيقته، مثل قوله ﴿ لأم سلمة: «تربت يمينك ومن أين يكون
الشبه)) في حديث احتلام المرأة في قصة أم سليم. أخرجه خ ٢٢٨/١، في كتاب العلم؛
م ٢١٩/٣، في كتاب الغسل؛ أخرجه خ ٥٥٠/١٠، في كتاب الأدب.
ولمعاذ بن جبل رضي الله عنه: ((ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار ... )) الحديث.
ولصفية زوج النبي وله: ((عقرى حلقى أحابستنا هي ... )) الحديث. ولأبي بصير : =
١٨٥

والسلام أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل الله أن يجعل ذلك رحمة
وكفارة(١).
فإن قيل: معنى الحديث السالف: ((إنما أنا بشر أغضب كما يغضب
البشر))، وذلك يقتضي أن السب واللعن للغضب(٢)، قلت: قال
((ويل أمه محش حرب لو وجد أعوانا)). ولمن ساق بُدنة لغرض الهدي: ((اركبها))، قال:
=
إنها بدنة فلما كررها، قال: ((ويلك - أو ويحك)).
ومن جملة الصيغ التي تستعملها العرب في الدعاء لا تريد حقيقته: لا أبا لك ولا أم
لك، اهـ.
بهذا حمل بعضهم ما ورد في الحديث الشريف منها هذا المحمل مصيراً منهم إلى أن
النبي و183 إنما نطق بها على ما جرت عادة العرب في ذلك من غير إرادة المعنى حقيقة،
والله تعالى أعلم.
تفسير الغريب:
أ - ومعنى تربت يمينك، أي افتقرت يداك، أي أصابها التراب من شدة الحاجة، ولم يرد
النبي الدعاء عليها بالفقر.
ب - ومعنى عقرى حلقى: دعاء عليها بالعقر، وليس مراداً حقيقته كما قدمنا، والله الموفق.
جـ ــ خاتمة قال السيوطي في التنوير ٥٥/١ بعد ذكر ما ذكرنا من الألفاظ: هذا من
ألفاظهم يقولونها :
أ - عند إنكار الشيء.
ب - والزجر عنه.
جـ - أو الذم عليه.
د - أو استعظامه.
هـ - أو الحث عليه، أو الإعجاب به.
راجع تنوير الحوالك شرح موطأ مالك للسيوطي رحمهما الله تعالى.
(١) فيه كمال شفقة النبي صل على أمته، وهو أمر معروف لا يخفى على أحد - صلوات الله
وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين - واختصر النووي على الوجهين الثاني والثالث، واكتفى
بهما ولم يذكر الأول. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥٢/١٦؛ وراجع الفتح
١٧٢/١١.
(٢) قلت: إنما كان غضبه لله تعالى.
١٨٦

الماوردي: يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن دعاءه وسبه وجلده كان
مما خيّر فيه(١) بين أمرين أحدهما هذا والثاني زجره بأمر آخر، يحمله
الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المخيّر فيهما وهو السب واللعن والجلد،
فليس ذلك خارجاً عن حكم الشرع. ومعنى اجعلها صلاة أي رحمة كما في
الرواية الأخرى. وعدّ القضاعي هذه الخصيصة مما خص بها دون الأنبياء
قبله .
المسألة السابعة عشرة: قال ابن القاصّ: وكان يجوز له القتل
بعد الأمان قال الرافعي: وخطؤوه فيه، وقالوا من يحرم عليه خائنة الأعين
كيف يجوز له قتل من أمّنه؟ قلت: لا جرم حذفها من الروضة، وقصة ابن
خطل لا ينافيه فإنه عليه الصلاة والسلام قال: ((من دخل المسجد فهو
آمن، وكان أراق دمه، فقيل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال:
«اقتلوه))(٢).
(١) كما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها. أخرج البخاري في الجامع
الصحيح ٥٢٤/١٠، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ما خير
رسول الله ﴿ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد
الناس منه، وما انتقم رسول الله به لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
بها لله)).
قال الحافظ في الفتح ٥٢٥/١٠: قال البيضاوي: يتصور تخييره بين ما فيه إثم وما لا إثم
فیه إذا صدر من الكفار مثلاً.
قلت: في عرف الشرع إذا أطلق الأمر أو التخيير بالنسبة إلى النبي * * إنما يراد به من الله
عز وجل لأنه وخل لا آمر له سواه.
(٢) لأنه صاحب جرم كما تقدم.
١٨٧

القسم الثاني
التخفيفات المتعلقة بالنكاح
وفيه مسائل :
المسألة الأولى: أبيح له وَلّ الجمع بين أكثر من أربع نسوة وهو
إجماع، وقد مات وَ﴿ عن تسع زوجات كما سيأتي(١). ولأنه لما كان الحر -
لفضله على العبد - يستبيح من النسوة أكثر مما يستبيحه العبد وجب أن
يكون النبي ◌َّير لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه
الأمة(٢).
قيل في قوله تعالى: ﴿أَمْ يحسُدونَ النَّاس على ما أتاهم اللّهُ مِنْ
فَضْلِه ... ) الآية(٣).
إنَّ المراد بالناس النبي وَّر وأنهم حسدوه في نكاح تسع نسوة،
وقالوا: هلّ شغلته النبوة عن النساء فأكذبهم الله تعالى، وقال: كان
لسليمان الملك العظيم (٤) ولم يشغله عن النبوة وكان له ألف حرة ومملوكة.
(١) إنما ساق هذا كدليل للدعوى - فاعلمه -.
(٢) هذا دليل من حيث النظر وإعمال الفكر، فاعلمه والله الموفق.
(٣) سورة النساء: الآية ٥٤ .
(٤) هذا فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد ... ﴾
الآية .
١٨٨

وكان لداود عليه السلام تسع وتسعون زوجة(١) حكاه الإمام أبو نصر
عبدالرحيم القشيري (٢) في تفسيره المسمى بالتيسير في التفسير. وحكى
القرطبي (٣) في تفسير هذه الآية أنه أحل لنبينا عليه الصلاة والسلام تسعاً
وتسعين امرأة. قيل: خُصَّ ◌َّ بذلك لأنه حبب إليه من الدنيا الطيب والنساء
وجعلت قرة عينه في الصلاة، كما رواه النسائي (٤) من حديث أنس،
وصححه الحاكم على شرط مسلم(٥)، ووقع في مطلب ابن الرفعة أنه في
الصحيح، والظاهر وهمه. وفي إسناد الحديث مقال أوضحتُه في تخريج
(١) وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ... ) الآية.
(٢) أبو نصر القشيري: هو الإمام الجليل عبدالرحيم بن عبدالكريم بن هوازن، الأستاذ أبو
نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري.
وذكر السبكي عن عبدالغافر الفارسي، ووصفه بأنه إمام الأئمة وحبر الأمة. توفي يوم
الجمعة سنة ٥١٤ أربع عشرة وخمسمائة .
وقد ذكر القرطبي في تفسيره ١٧٦/١٥ سورة ((ص)) قريباً من كلام أبي نصر حيث قال:
وقد روى المفسرون أن داود عليه السلام نكح مائة حرة وهذا نص القرآن. وأن سليمان
كان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة جارية.
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٥٢/٥: المعنى: أم يحسدون محمداً ◌ّ على ما أحل الله له
من النساء.
ثم قال: فيكون الملك العظيم على هذا أحل لداود تسعاً وتسعين امرأة، ولسليمان أكثر
من ذلك.
(٤) أخرجه من المجتبى ٦١/٧، من حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: قال
رسول الله وسلم: ((حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة)).
انظر فيها باب عشرة النساء. وبلفظ: ((لم يكن شيء أحبَّ إلى رسول الله صل# بعد النساء
من الخيل)). وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣٩٨/١، من حديث عائشة وفي إسناده
رجل لم يسم، ومن حديث سلمة بن كهيل، ومن حديث معقل بن يسار. انظر
الطبقات .
(٥) أخرجه في المستدرك ١٦٠/٢، من حديث أنس وقال: صحيح على شرط مسلم ولم
يخرجاه ووافقه الذهبي .
١٨٩

أحاديث الرافعي. وقال الماوردي: واختلف أهل العلم في تحبيب النساء
إلیه علی قولین:
أحدهما: أنه زيادة في الابتلاء والتكليف حتى لا يلهو بما حبب إليه
من النساء عما كُلَّف به من أداء الرسالة ولا يعجز عن تحمل أثقال النبوة
فيكون تلك(١) أكثر لمشاقه وأعظم لأجره.
والثاني: ليكون مع من يشاهدها من نسائه فيزول عنه ما يرميه
المشركون من أنه ساحر أو شاعر فيكون تحبيبه لهن على هذا القول للطف
به .
ويحتمل قولاً ثالثاً: وهو الحث لأمته عليه لما فيه من النسل الذي
تحصل به المباهاة يوم القيامة(٢).
(١) وفي (ش): ذلك، بدل تلك.
(٢) لما ورد ذلك عن النبي وهو، قال الرافعي الكبير: روي عن النبي صل) أنه قال: ((تناكحوا
تكثروا أباهي بكم)) ١١٥/٣.
قال الحافظ في التلخيص الحبير ١١٦/٣: أخرجه صاحب مسند الفردوس، من طريق
محمد بن الحارث، عن محمد بن عبدالرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال:
قال رسول الله صل *: ((حجوا تستغنوا، وسافروا تصحّوا، وتناكحوا تكثروا فإني أباهي
بكم الأمم)). وقال: والمحمدان ضعيفان. وأخرج البيهقي، عن أبي أمامة بلفظ:
((تزوجوا فإني مكاثرٌ بكم الأمم ولا تكونوا كرهبانية النصارى)). وفيه محمد بن ثابت
ضعیف.
وعن أنس صحّحه ابن حبان بلفظ: ((تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم
القيامة)).
قلت: وفي الباب أحاديث أخر أضربت عنها مخافة الإطالة، ولا يخلو طريق منها من
مقال، ولكن بمجموعها تبلغ إلى درجة الحسن، والله الموفق.
١٩٠

ورابعاً: هو أن قبائل العرب تتشرف به، وقد قيل: إن له بكل
قبيلة منها اتصالاً بمصاهرة وغيرها سوى تيم وتغلب.
وخامساً: هو كثرة العشائر من جهة نسائه رجالاً ونساء فيكونون عوناً
على أعدائه.
إذا تقرر ذلك فهل يجوز له * الزيادة على التسع؟ فيه وجهان
لأصحابنا، أحدهما: لا، لأن الأصل استواؤه عليه الصلاة والسلام وأمته
في الأحكام، لكن ثبت له جواز الزيادة إلى تسع فيقتصر عليه. وأصحهما -
وبه قطع الماوردي - الجواز لأنه مأمون الجور ولظاهر قوله تعالى: ﴿إِنا
أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيتَ أُجُورَهُنَّ ... ) الآية (١). وقد قيل: إنه
كان عنده حين التخيير عشر نسوة، العاشرة بنت الضحاك التي اختارت
الدنيا(٢). وروى الحافظ ضياء الدين(٣) في الأحاديث المختارة، من حديث
أنس: تزوج النبي و 18 خمس عشرة امرأة ودخل منهن بإحدى عشرة ومات
عن تسع، فيكون قوله تعالى: ﴿يأيها النبي إنا أحللنا لك﴾ ناسخة. وفي
رعاية الحنابلة إلى أن نزل ﴿لا يَحِلَّ لك النِّسَاءُ من بَعْدُ﴾ فتكون ناسخةً.
(تنبيه) ذكر القضاعي في كتابه ((عيون المعارف)) هذه الخصيصة وهي
أنه أبيح له عليه الصلاة والسلام أکثر من أربع نسوة فیما خُصّ به دون
الأنبياء من قبله وهو غريب منه وقد أسلفت لك ما يخالفه (٤).
(١) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.
(٢) وفيها خلاف سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.
(٣) الحافظ ضياء الدين: محدث الشام أبو عبدالله محمد بن عبدالواحد بن أحمد بن
عبدالرحمن السعدي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، صاحب التصانيف النافعة.
مولده سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة
له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٤ /١٤٠٥.
(٤) تقدم رد المؤلف لهذا الزعم ص ١٨٩.
١٩١

(فائدتان):
الأولى: قال مجاهد(١) أُعطيَ النبي وَ لّ قوة أربعين رجلاً، كل رجل
من رجال أهل الجنة(٢). وسيأتي عن أنس أنه قال: كنا نتحدث أنه أعطي
قوة ثلاثين(٣).
الثانية: النكاح في حقه عليه الصلاة والسلام عبادة بلا شك، ومن
جملة فوائده في حقه فائدتان عظيمتان.
الأولى: نقل الشريعة التي لم يطلع عليه الرجال (٤).
الثانية: نقل محاسنه الباطنة فإنه ◌َ ﴿ مكمل الظاهر والباطن. وتزوج
من القبائل أم حبيبة (٥) وأبوها ذلك الوقت عدوُّه. وصفية وقد قتل أباها
وغيرهما، فلو لم يطلعن من باطن أحواله على أنه أكمل الخلق لكانت
الطباع البشرية تقتضي ميلهن إلى آبائهن وقرابتهن. وكان في كثرة النساء
عنده بيان لمعجزاته وكماله باطناً كما عرفه الرجال منه ظاهراً وَّةٍ.
(فرع) في انحصار طلاقه ◌َ لقر في الثلاث طريقان، أحدهما فيه
وجهان كالوجهين في عدد زوجاته، لكن صحح البغوي الحصر فيها
(١) مجاهد: أبو الحجاج، المفسر الحافظ مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، وفاته سنة
ثلاث ومائة، روى الواقدي عن ابن جريج بلغ ثلاثاً وثمانين سنة. له ترجمة في تذكرة
الحفاظ ٩٢/١.
(٢) ذكر الحافظ في الفتح: ٣٧٨/١، من خرج هذا الحديث فقال: أبو نعيم في صفة الجنة .
(٣) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ٣٧٧/١، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه،
ولفظه: كان النبي ويله يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى
عشرة قال: قلت لأنس أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. وقال
سعيد عن أنس: تسع نسوة، اهـ.
(٤) كما نُقل كيفية الغسل من الجنابة وغيرها عن أمهات المؤمنين.
(٥) واسمها رملة بنت أبي سفيان، وستأتي ترجمتهما قريباً إن شاء الله تعالى.
١٩٢

كغيره(١). وصُحح في أصل الروضة. والرافعي ذكر الطريقة الأولى، ثم
قال: وروى صاحب التتمة(٢) الانحصار ولم يزد على ذلك في شرحيْه.
والثانية: القطع بانحصاره فيه بخلاف عدد الزوجات لأن المأخوذ عليه من
أسباب التحريم أغلظ، كذا علله الماوردي وهو جازم بعدم انحصار النسوة
وحاٍ لوجهين في انحصار طلاقه، ومنه خرجت هذه الطريقة.
قال: وعلى الحصر إذا طلق واحدة ثلاثاً هل تحل له من غير أن تنكح
غيره؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم لما خص من تحريم نسائه على غيره(٣).
والثاني: لا يحل له أبداً لما عليه من التغليظ في أسباب التحريم(٤).
المسألة الثانية: في انعقاد نكاحه بلفظ الهبة وجهان، أحدهما: لا
كغيره، وأصحهما، نعم، وهو ما قطع به الإمام والغزالي لقوله تعالى:
﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكِحها خالصة
لك من دون المؤمنين﴾ (٥). وعلى هذا لا يجب المهر بالعقد ولا بالدخول كما
هو مقتضى الهبة.
وهل يشترط لفظ النكاح من جهته ويعليه، أو يكفي لفظ الاتهاب؟ فيه
وجهان، أحدهما: لا يشترط كما في حق المرأة، وأصحهما في أصل
الروضة(٦) والرافعي قال: إنه أرجح، وعند الشيخ أبي حامد: يشترط
لظاهر قوله تعالى: ﴿أن يستنكحها ... ) الآية، فاعتبر في جانبه النكاح.
(١) يعني من أفراد الأمة.
(٢) صاحب التتمة: هو أبو سعيد المغولي. انظر في فهرس الكتب ٥٥٣/٧ (ط ش ك).
(٣) لقوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تَنْكحوا أزواجَه من بعده
أبداً ... ) الآية.
(٤) وقد حظرت هذه الأمة وله * أولى.
(٥) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.
(٦) ذكره فيها ٩/٧ بلفظ: ويشترط لفظ النكاح من جهته وهيلر على الأصح.
١٩٣

قال الأصحاب(١): وينعقد نكاحه عليه الصلاة والسلام بمعنى الهبة
حتى لا يجوز مهر ابتداءً ولا انتهاء وفي وجه غريب أنه يجب المهر الذي خص به
لانعقاد نكاحه بلفظ الهبة دون معناها. وقال الماوردي مرة بسقوط المهر.
وقال مرة: اختلف أصحابنا فيمن لم يسمّ لها مهراً في العقد، هل يلزمه لها
مهر المثل؟ على وجهين، وجه المنع أن المقصود منه التوصل إلى ثواب الله
تعالى(٢).
قال: واختلف العلماء هل كانت عنده عليه الصلاة والسلام امرأة
موهوبة أم لا؟ من أجل اختلاف القراء في فتح إنْ وكسرها من قوله: ﴿إِنْ
وَهَبَتْ نَفْسَها﴾ (٣) فعلى الثاني يكون شرطاً مستقبلاً، وعلى الأول يكون
خبراً عن ماض. وعلى هذا اختلفوا في من هي؟ فقيل: أم شريك (٤)، قاله
(١) طائفة الجماعة الشافعية.
(٢) لا يحسن طلب ثواب الدنيا، فاعلمه.
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.
(٤) قلت: قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٣٨/٣: رواه النسائي، من طريق حماد بن
سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم شريك. قلت: لعله في الكبرى، وأما في
الصغرى فلم أظفر به بعد الاعتناء فيها والبحث الشامل لمظانها، والله الموفق.
ولها ترجمة في الاستيعاب لابن عبدالبر ١٨٣٢/٤ قال: خولة ويقال: خويلة بنت حكيم
السلمية امرأة عثمان بن مظعون تكنى أم شريك وهي التي وهبت نفسها للنبي م# على
قول بعضهم وكانت امرأة صالحة فاضلة.
وهي التي قالت لرسول الله وس *: يا رسول الله إن فتح الله عليك الطائف فأعطني حلي
بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل ... )) الحديث بطوله.
ولها ترجمة في: معرفة الصحابة لابن الأثير ٤٤٤/٥. قال: وهي روت حديث
الاستعاذة وذكره؛ ولها ترجمة في الإصابة ٢٩١/٤. وذكر عنها حديث الطائف، وذكر
حديث الاتهاب عنها؛ ولها ترجمة في: طبقات ابن سعد ١٥٨/٨. وذكر حديث الاتهاب
بطوله عنها .
١٩٤

عروة، وأخرجه النسائي عنها. وقيل: ميمونة بنت الحارث قاله ابن
عباس(١)، وقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين(٢).
قلت: اسم أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم، وقيل بنت
ذروان بن عوف، وقيل: غزيلة، وقيل: ليلى بنت الخطيم (٣). وقيل فاطمة
بنت شريح. وقيل: خولة بنت حكيم قالته عائشة رضي الله عنها، ففي
الصحيحين عنها قالت: كانت خولة بنت حكيم (٤) من اللائي وهبن
(١) قال الحافظ في الفتح ٥٢٥/٨: روى قتادة، عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها
هي ميمونة بنت الحارث. ثم قال: وهذا منقطع. وأورد من وجه آخر مرسل وإسناده
ضعيف. ويعارضه حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس: لم يكن عند رسول الله
* امرأة وهبت نفسها. أخرجه الطبراني وإسناده حسن. قلت: وسيأتي لها ذكر عند
ترجمة الزوجات الشريفات.
(٢) قال الحافظ في الفتح ٥٢٥/٨: وليس بثابت. قلت: وقوله: ليس بثابت يخالف ما ذكره
في ترجمتها في الإصابة ٣١٦/٤، قال: وقال ابن الكلبي: كانت عند الطفيل بن الحارث
فطلقها فخلف عليها أخوه فقتل عنها ببدر فخطبها رسول الله وَلّ إلى نفسها فجعلت
أمرها إليه، فتزوجها في شهر رمضان سنة ثلاث فأقامت عنده ثمانية أشهر، وماتت في
ربيع الآخر سنة أربع. وسيأتي مزيد من الترجمة عند ذكر الزوجات الكريمات.
(٣) ليلى بنت الخطيم في الحقيقة هي غير أم شريك. وقد ترجم لها ابن سعد في الطبقات
١٥٠/٨. أخرج من طريق ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم
إلى النبي ◌ُ وهو مولّ ظهره الشمس فضربت على منكبه فقال: ((من هذا أكله
الأسد ... ؟)) الحديث بطوله، وفيه أنا ابنة مطعم الطير ومباري الريح جئت أعرض
عليك نفسي تزوجني، قال: ((قد فعلت))، ورجعت إلى قومها فلاموها لكونها لا تصبر
على الضرائر، فعادت فاستقالت وأقالها النبي مثير .
ولها ترجمة في الإصابة ٤٠٠/١ - ٤٠١. قال الحافظ فيها: ليلى بنت الخطيم بن عدي بن
عمرو بن سواد بن ظفر الأنصارية الأوسية. وقال: استدركها أبو علي الجياني على
الاستيعاب، اهـ.
(٤) تقدم، وهي التي تکنی أم شريك.
١٩٥

أنفسهن للنبي وَله، فقالت عائشة رضي الله عنها: أما تستحي المرأة تهب
نفسها للرجل؟ فلما نزلت ﴿ترجىء من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾
قلت: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، وهذا يدل على أن
معنى قوله تعالى ترجىء أي: تؤخر من تشاء من الواهبات ﴿وتؤوي إليك
من تشاء﴾ أي: بقبول هبتها، وقيل خلافه (١). وعبارة القضاعي أبي
عبدالله محمد بن سلام في كتابه عيون المعارف: (أن مما خص به له إباحة
الموهوب له خاصة، وهو أن يتزوجها بلفظ الهبة، وإباحة النكاح بغير مهر،
ولا يستقر عليه إلا بالدخول). وليس ذلك بجيد منه، وذكر هذه
الخصوصية في قسم ما خص به دون الأنبياء من قبله. ودون أمته تشريفاً له
وتعظيماً لشأنه.
المسألة الثالثة: إذا رغب النبي ◌َير في نكاح امرأة فإن كانت
خلية فعليها الإجابة على الصحيح وتحرم على غيره خطبتها، وإن كانت
ذات زوج وجب على زوجها طلاقها لينكحها على الصحيح لقوله تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ... ) الآية(٢).
كذا استدل بها الماوردي. واستدل الغزالي في وسيطه لوجوب
التطليق بقصة زيد رضي الله عنه، وهي مشهورة. وقد أوضحتها بطرقها في
تخريج أحاديث الرافعي (٣) فسارع إليه .
(١) هذا أحد الأقوال في معنى الآية الكريمة.
والثاني تطلق، وتمسك، والثالث تعتزل من شئت منهن بغير طلاق لغيرها. ذكره الحافظ
في الفتح ٥٢٦/٨.
(٢) سورة الأنفال: الآية ١٤ .
(٣) لم أتمكن من مراجعة التخريج في الأصل، ولكني راجعت مختصر البدر المنير ص ٨ قال:
رواه البخاري من حديث عائشة، والترمذي كذلك، قلت: الروايات من حديث أنس؛
وأخرجه خ من حديث أنس رضي الله عنه ٥٢٣/٨؛ وأخرجه ت في تفسير سورة
الأحزاب ٦٩/٩، من حديث عائشة رضي الله عنها.
١٩٦

ثم قال - أعني الغزالي -: لعل السر من جانب الزوج امتحان إيمانه
بتكليفه النزول عن أهله، فإن النبي ◌َير قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون
أحب إليه من أهله وماله وولده ووالده والناس أجمعين))(١). وقد تقدم.
وقال أيضاً: ((لا یکمل إیمان أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما))(٢). رواه مسلم. ويحققه قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من
أنفسهم﴾(٣).
ومن جانبه وَقو ابتلاؤه بالبلية البشرية ومنعه من خائنة الأعين، ومن
الإضمار الذي يخالف الإظهار(٤)، ولا شيء أدعى - إلى غض البصر
وحفظه من لمحاته الاتفاقية - من هذا التكليف(٥).
قال: وهو ما يورده الفقهاء في صنف التخفيف، وعندي أن ذلك في
غاية التشديد، إذ لو كلف بذلك آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع
والطرقات خوفاً من ذلك. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: لو كان
رسول الله وَلل يخفي شيئاً لأخفى هذه الآية(٦).
(١) تقدم ص ١٧٦ أنه متفق عليه من حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه في الصحيح، من حديث أنس رضي الله عنه، في كتاب الإيمان ١٣/٢، بلفظ:
((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،
وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله تعالى، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما
یکره أن يقذف في النار)).
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٦.
(٤) لصفاء سريرته وطهارة باطنه اليه .
(٥) وهو كونه ولا ممنوعاً من خائنة الأعين وما عطف عليها.
(٦) أخرجه الترمذي في الجامع ٧١/٩ - ٧٢، بلفظ: لو كان النبي { لّ كاتماً شيئاً من الوحي
لكتم هذه الآية: ﴿إذ تقول للذي أنعمَ الله عليه وأنعمتَ عليه﴾. قال الترمذي: حسن
صحیح .
وأخرج مسلم في الصحيح ٢٢٧/٩، من حديث أنس رضي الله عنه، قال: لما انقضت =
١٩٧

واعترض عليه ابن الصلاح وقال لم يوافق في مخالفة الأصحاب في
ذلك.
قال: وحاصل ما ذكره أنه لم يكتف في حقه عليه الصلاة والسلام
بالنهي والتحريم زاجراً عن مسارقة النظر، وحاملاً له على غض البصر،
من نساء غيره حتى شدد عليه بتكليف لو كلف به غيره لما فتحوا أعينهم في
الطرقات. وهذا غير لائق بمنزلته الرفيعة. وزعم أن هذا الحكم في غاية
التشديد. الله تعالى يقول في ذلك ﴿ما كان على النبي من حرج فيما
فرض الله له﴾ الآية(١).
وأما قول عائشة - رضي الله عنها -: فذلك لأمر آخر، وهو إظهار ما
دار بينه وبين مولاه وعتابه علیه(٢).
= عدة زينب قال النبي ## لزيد: ((فاذكرها علي ... )) الحديث. وأخرجه أحمد والنسائي،
من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
قال الحافظ في الفتح ٥٢٤/٨: الحاصل أن الذي كان يخفيه النبي * * هو إخبار الله إياه
أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على الإخفاء خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه .
قلت: وهذا هو الصحيح اللائق بمقام نبينا الخطر .
وقد أورد ابن سعد ١٠١/٨ بسند فيه الواقدي إلى محمد بن يحيى بن حبان، قال: جاء
رسول الله بيت زيد بن حارثة يطلبه فقالت زينب: ليس ههنا يا رسول الله فادخل،
فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن ((سبحان الله العظيم سبحان
مصرف القلوب))، فلما علم زيد بذلك استشار النبي # في فراق أهله. فقال له النبي
وصل *: ((أمسك عليك زوجك ... )) الحديث بطوله. قلت: وهذا ليس بشيء ومع ذلك
فقد تعلق به المستشرقون - كافأهم الله - لغرض النيل من مقامه الأحمى وخثة .
وللقصاص في هذا كلام ليس مقبولاً عند العلماء المحققين فيجب صيانة النبي م# عن
مثله .
(١) من سورة الأحزاب.
(٢) تقدم الحديث ص ١٩٧، من حديث عائشة رضي الله عنها. أخرجه مسلم والترمذي .
١٩٨

فأجيب عنه بأن الغزالي لم يقل إن النهي في حقه ليس كافياً في
الانتهاء، وإنما جعل ذلك كفاً وحافظاً عن وقوع النظر الاتفاقي الذي لا
يتعلق به نهي، فإذا علم أنه إذا وقع ذلك ووقعت منه المرأة موقعاً، وجب
على زوجها مفارقتها. احتاج إلى زيادة التحفظ في ذلك. والذي كلف
أخف ما في النفس مع إبداء الله له، فإن كثيراً من المباحات الشرعية
يستحيي الإنسان من فعلها ويمتنع منها، وقوله تعالى: ﴿ما كان على النبي
من حرج ... ﴾(١) الآية فيه رفع الإثم لا نفي الحياء من الشيء.
فإن قلت: ما الجواب عن حديث عائشة المتفق على صحته: ((أن
رجلًا(٢) استأذن على النبي ◌َ ﴿ فلما رآه قال: ((بئس أخو العشيرة)) أو ((بئس
ابن العشيرة))، فلما جلس تطلق النبي و ل﴿ في وجهه وانبسط، فلما انطلق
قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل فقلت كذا وكذا ثم
تطلقت في وجهه، وانبسطت له، فقال رسول الله و له: يا عائشة متى عهدتيني
فحاشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء
شره))(٣). وفي لفظ: استأذن رجل(٤) فقال: ((ائذنوا له بئس أخو العشيرة))،
فلما دخل ألان له في الكلام(٥). ثم ذكره نحوه.
(١) سورة الأحزاب: الآية ٣٨.
(٢) على هامش (ن د): وفي لفظ استأذن رجل فقال: ((ائذنوا له بئس أخو العشيرة)) أو ((ابن
العشيرة))، فلما دخل ألان له في الكلام. ثم ذكر نحوه. قلت: هذا موافق لرواية مسلم.
(٣) أخرجه البخاري ٥٢٨/١٠، في كتاب الأدب، من حديث عائشة رضي الله عنها؛
وأخرجه مسلم ١٤٤/١٦، في كتاب البر والصلة، من حديثها.
(٤) قلت: وقد ترجم النووي لهذا الحديث بقوله: باب مدارة من يتقى فحشه، ثم قال:
وفي هذا الحديث مدارة من يتقى فحشه، وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه، ومن يحتاج
الناس إلى التحذير منه ١٤٤/١٦. شرح النووي على مسلم.
(٥) هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري أحد أجواد العرب وكان في إسلامه
شيء. ذكره ابن إسحاق في السيرة ٥٦١/٢، وهو ممن تألفه النبي صل* يوم حنين بإعطائه
مائة من الإبل.
١٩٩

فالجواب أنه يجوز أن يقال: الذي منع منه أن يظهر - بلفظ لمن
يخاطبه - شیئاً يريد خلافه.
ولين الكلام لم يُرد به النبي لم إلا حقيقته لأجل شره، وما قاله في
غيبته تنبيهاً على صفته ليحذر منه أو يعامل بمثل ما عامله النبي وَ ل﴿، وكذا
أمثاله، وهو من قبيل الدفع بالتي هي أحسن(١). وبهذا يقع الجواب أيضاً
عن قوله عليه الصلاة والسلام لأبي بصير(٢) مسعر(٣) حرب لو وجد أعواناً.
(تنبيه) ما قدمته أولاً أنه يحرم على غير خطبتها هو مبني على أنه يجب
عليها الإجابة. أما إذا قلنا: لا، فلا يظهر ذلك لما فيه من الإضرار بها.
(١) وهذا ما يسميه العلماء بالمدارة، وهي الرفق بالجاهل في الإرشاد والتعليم واللطف به في
النهي عن المنكر، وهذا بخلاف المداهنة وهي إظهار الرضا بأفعال الفسقة، وترك الإنكار
عليهم، والمدارة جائزة بخلاف المداهنة.
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث ٥٢٨/١٠، في كتاب الأدب بقوله: باب مدارة الناس.
وكذا النووي في شرحه على مسلم ١٤٤/١٦، في كتاب البر والصلة، بقوله: باب مدارة
من يتقى فحشه. وقد تقدم تخريج الحديث قريباً ص ١٩٩.
(٢) أبو بصير: هو عتبة بن أسيد بن جارية، وكان ممن حبس بمكة. ذكره ابن إسحاق في
السيرة ٣٢٣/٢، وبسط قصته فيها من قتله العامري بذي الحليفة وفراره إلى النبي (45*
بالمدينة بعد أن رده النبي * وفاء بالعهد الذي بينه وبين قريش، فلما رآه النبي المصط *،
قال: ((ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال)). قوله: ((ويل أمه)) ليس المراد منه دعاء
بالويل على أمه بل هذه الكلمة وغيرها مما جرت عادة العرب أن ينطقوا بها، وقد تقدمت
ص ١٨٦.
(٣) مسعر حرب إلخ. مسعر بكسر الميم وإسكان السين وفتح العين، وهكذا هو في سيرة
ابن كثير ٣٣٥/١ مثل رواية المؤلف.
وأما في سيرة ابن هشام ٣٢٣/٢، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢٨٦/٢: ويل أمه
محش حرب لو كان معه إلخ. والمحشّ بكسر الميم ما تحرك به النار، ومعناهما واحد.
٢٠٠